القطرة من بحار مناقب النبيّ والعترة عليهم السلام الجزء ١

القطرة من بحار مناقب النبيّ والعترة عليهم السلام0%

القطرة من بحار مناقب النبيّ والعترة عليهم السلام مؤلف:
الناشر: سليمان زاده
تصنيف: مكتبة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام
الصفحات: 574

القطرة من بحار مناقب النبيّ والعترة عليهم السلام

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: آية الله العلّامة السيّد أحمد المستنبط رحمة الله عليه
الناشر: سليمان زاده
تصنيف: الصفحات: 574
المشاهدات: 1148
تحميل: 115

الجزء 1
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 574 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 1148 / تحميل: 115
الحجم الحجم الحجم
القطرة من بحار مناقب النبيّ والعترة عليهم السلام

القطرة من بحار مناقب النبيّ والعترة عليهم السلام الجزء 1

مؤلف:
الناشر: سليمان زاده
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة


تحميل الكتاب القطرة من بحار مناقب النبيّ والعترة عليهم السلام ، آية الله العلّامة السيّد أحمد المستنبط رحمة الله عليه ، شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام

فوائد وطرائف

الاُولى: نقل أنّ معروف الكرخي كان بوّاباً للرضا عليه السلام على المشهور(١) ، وعند العلّامة المجلسي وبعض المعاصرين أنّه كان بوّاباً للجواد عليه السلام(٢) وعلى كلّ حال جاء بعض أهل البحر وشكى إليه البحر إذا خبّ(٣) عليه فقال لهم: إذا خبّ البحر عليكم فأقسموا عليه برأس معروف، فإنّه يسكن، فرجعوا عنه وركبوا البحر فخبّ عليهم فأقسموا عليه برأس معروف فسكن.

فلمّا عادوا حملوا إليه تحفاً بحريّة، فعلم الإمام عليه السلام بذلك فقال له: من أين لك هذه؟ فقال: يا مولاي رأس يتوسّد عتبتك الشريفة عشرين سنة ماله من القدر عنداللَّه أن يسكن البحر إذا اُقسم به؟ فقال: بلى ولكن لايعد.

الثانية : سأل المأمون الرضا صلوات اللَّه عليه: ما الدليل على خلافة جدّك؟ قال عليه السلام: آية أنفسنا.(٤) قال المأمون: «لولا نساءنا »، قال عليه السلام: «لولا أبناءنا ».

لايخفى مافي لطافة السؤال والجواب كما بيّنّا في كتابنا دلائل الحقّ تفصيلاً فنقول هنا إجمالاً: إنّ مقصود الإمام عليه السلام أنّ عليّاً نفس الرسول، وهو المراد من أنفسنا ومقصود المأمون من قوله: «لولا نساءنا » إنّ النساء في مقابل الرجال فيكون المراد من أنفسنا الرجال لا عليّ عليه السلام فلاتدلّ الآية على خلافته عليه السلام.

فأجابه الإمام عليه السلام بأنّه لو كان المراد من «أنفسنا » الرجال فلا معنى لقوله:

____________________

(١) وفي هذا الكلام نظر، ولذا قال في التنقيح: قيل: إنّه كان بوّاباً للرضا عليه السلام.

(٢) وفي هذا أيضاً نظر، لأنّ وفاة معروف - كما ذكر المامقاني رحمة الله - كانت في سنة مائتين أو مائتين وواحدة، وعلى هذا فلايمكن أن يكون بوّاباً للجواد عليه السلام. وما نقله المامقاني رحمة الله عن العلّامة المجلسي معارض لما ذكره المؤلّف عنه. راجع تنقيح المقال: ٢٢٩ - ٢٢٨/٣.

(٣) خبّ: هاج واضطرب.

(٤) آل عمران: ٦١.

٤٠١

«أبناءنا » لأنّ «الأبناء » أيضاً رجال فتدخل في الأنفس، فلا معنى لذكر الأبناء بعد الأنفس فذكر الأبناء بعد الأنفس دليل على أنّ المراد من «أنفسنا » ليس الرجال بل رجل مخصوص وهو عليّ عليه السلام.

ولنا دليل آخر على أنّ المراد من «نسائنا » فاطمة الزهراء سلام اللَّه عليها فقط، لا الأزواج بقرينة مقابلتها مع الأبناء أي أولاد الاُناث، كما اُريد كذلك في قوله تعالى:( يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ) (١) فكلّ مورد قوبلت النساء في الاستعمال مع الأبناء فالظاهر هو أولاد الاُناث فقط، ولذا أجاب الإمام عليه السلام بقوله: «لولا أبنائنا » في مقابل قول المأمون: «لولا نساءنا » وهذا سرّ لطيف رزقنا اللَّه فهم أمثال هذه الأسرار في كلمات أئمّتنا الأطهار.(٢)

الثالثة : فائدة وجدت بخطّ الميرزا القمي قدس سره مع تفسيرها عن الرضا عليه السلام سأل رأس الجالوت الرضا عليه السلام بأن قال: يا مولاي ما الكفر والإيمان وما الكفران؟ وما الجنّة والنيران وما الشيطان اللّذان كلاهما المرجوّان؟ قال عليه السلام: قد نطق كلام الرحمان بما قلت، حيث قال في سورة الرحمن:( خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ) (٣) .(٤)

أقول : رأس الجالوت هو أكبر علماء اليهود كما أنّ الجاثليق هو أكبر علماء النصارى، وأ نّ مراده الأصلي ليس السؤال عن نفس هذه الاُمور بل هو بالتبع ومقصوده الأصلي السؤال عن وجه إجتماع هذه الاُمور مع حصول التنافي بينها وسلك في السؤال مسلك الجدل والإلزام للإحتجاج على الإمام مستدلّاً بكلام الرحمن.

بيانه : أنّه تعالى في سورة الرحمن الّتي مجمع تعداد النعماء والآلاء في

____________________

(١) البقرة: ٤٩.

(٢) وفي البحار: ٣٥٠/١٠ ح ١٠ ما يناسب للمقام ويفيدك للمرام، فراجع واغتنم.

(٣) الرحمن: ٤ و ٣.

(٤) تفسير القمّي: ٣٤٣/٢، عنه البحار: ١٧١/٣٦ ح ١٦٠.

٤٠٢

الآخرة والاُولى ولذلك صدرت باسم الرحمن وبعده ذكر نعمة تعليم القرآن الّذي هو المرشد لجميع طرق الخير في الدّنيا والآخرة والدّال على السلوك في المعاش والمعاد قال:( خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ) فذلك يقتضي أن يكون خلق الإنسان من أعظم النعماء، بل هو الغاية القصوى من خلق السماوات العُلى والأرضين السُفلى وكذلك تعليمه البيان وهو المنطق. هذا ماذكره قدس سره.

والّذي يقوى في نظري القاصر أنّه أشار عليه السلام بإرجاع الجواب إلى سورة الرحمن لكون الإنسان في سورة العصر مأوّلاً بظالم أميرالمؤمنين عليه السلام وفي سورة الرحمن مأوّلاً بعليّ عليه السلام وهو المصداق الجامع والقابل للجنّة والنار والكفران والإيمان ولذا قال العلّامة المجلسي رحمة الله: كان السرّ في تأويل الإنسان بأيّ أفراده ومصداقه في ظهور الشقاوة فيه كما أنّ تأويله بعليّ عليه السلام كونه أكمل أفراده ومصداقه في ظهور الكمالات والسعادات إنتهى كلامه.(١)

فنقول : إنّ هذا السرّ في تثنية الضمير في قوله تعالى:( فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) بما أنّه وقع في مقابل الإنسان الكامل الّذي هو عليّ عليه السلام فليكن راجعاً إلى ظالمي أميرالمؤمنين كما اُوّل بهما في الحديث وهما الشيطانان المرجوّان في السؤال، فعلى هذا فالجواب عن مصداق قابل للجنّة والنار والإيمان والكفران كلّها إنسان واُشير إلى جميع هذه العناوين في سورة الرحمن.(٢)

الرابعة : نذكر أبياتاً قالها الصاحب بن عبّاد قدس سره وأهداها في صدر كتابه إلى الرضا عليه السلام منها قوله:

يا سائراً زائراً إلى طوس

مشهد طهر و أرض تقديس

أبلغ سلامي الرضا وحُطّ على

أكرم رمس لخير مرموس

____________________

(١) راجع البحار: ٢٨٠/٦٠، و٢٨٠/٢٣.

(٢) تأويل الآيات: ٦٣٣/٢.

٤٠٣

واللَّه واللَّه حلفة صدرت

من مخلص في الولاء مغموس

إنّي لو كنت مالكاً إربى

كان بطوس الفناء تعريسي

يا سيّدي وابن سيّدي ضحكت

وجوه دهري بغير(١) تعبيس

لما رأيت النواصب انتكست

راياتها في الزمان تنكيس

صدعت بالحقّ في ولايتكم

والحقّ مذ كان غير منحوس

إنّ بني النصب كاليهود وقد

يخلط تهويدهم بتمجيس

كم دفنوا في القبور من نَجِس

أولى به الطرح في النواويس(٢)

عالمهم عندما اُباحثه

فى جلد ثور ومسك جاموس

إذا تأمّلت شؤم جبهته

عرفت فيها اشتراك إبليس(٣)

وقال صاحب الجلالة السلطان ناصرالدين القاجار رحمة الله بالفارسيّة:

در طوس جلال كبريا مى بينم

بى پرده تجلّى خدا مى بينم

در كفش كن حريم پور موسی

موساى كليم با عصا مى بينم

____________________

(١) بعُقْب، خ.

(٢) نواويس جمع الناوس: مقبرة اليهود والنصارى.

(٣) هدية العباد في شرح حال الصاحب: ٤٩.

٤٠٤

الباب الحادي عشر

فى ذكر قطرة من بحر مناقب

أبى جعفر محمّد بن عليّ الجواد صلوات اللَّه عليهما

١/٤٥٩- في كشف الغمّة : قال محمّد بن طلحة: إنّ أبا جعفر عليه السلام لمّا توفّي والده عليّ الرضا عليه السلام قدم الخليفة إلى بغداد بعد وفاته بسنة، اتّفق أنّه خرج إلى الصيد فاجتاز بطرف البلد في طريقه، والصبيان يلعبون، ومحمّد عليه السلام واقف معهم وهو ابن إحدى عشر سنة.

فلمّا أقبل المأمون انصرف الصبيان هاربين، ووقف أبوجعفر عليه السلام فلم يبرح مكانه، فقرب منه الخليفة فنظر إليه، وكان اللَّه عزّوجل قد ألقى عليه مسحة من قبول(١) فوقف الخليفة وقال له: يا غلام، ما منعك من الإنصراف مع الصبيان؟

فقال له محمّد عليه السلام مسرعاً: يا أميرالمؤمنين لم يكن بالطريق ضيق لأوسعه عليك بذهابي ولم تكن لي جريمة فأخشاها، وظنّي بك حسن إنّك لاتضرّ من لا ذنب له، فأعجبه كلامه فقال: ما اسمك؟ قال: محمّد، قال: ابن من؟ قال: يا

____________________

(١) مسحة من قبول: شيء منه.

٤٠٥

أميرالمؤمنين أنا بن عليّ الرضا عليه السلام فترحّم على أبيه وساق جواده إلى وجهته، وكان معه بزاة.(١)

فلمّا بعد عن العمارة أخذ بازياً فأرسله على درّاجة فغاب عن عينه غيبة طويلة، ثمّ عاد من الجوّ وفي منقاره سمكة صغيرة وبها بقايا الحياة، فعجب الخليفة من ذلك غاية العجب، ثمّ أخذها في يده وعاد إلى داره في الطريق الّذي أقبل منه فلمّا وصل إلى ذلك المكان وجد الصبيان على حالهم فانصرفوا كما فعلوا أوّل مرّة وأبوجعفر عليه السلام لم ينصرف، ووقف كما وقف أوّلاً.

فلمّا دنا منه الخليفة قال: يا محمّد قال: لبّيك يا أميرالمؤمينن قال: ما في يدي؟ فألهمه اللَّه عزّوجلّ أن قال: يا أميرالمؤمنين إنّ اللَّه خلق بمشيّته في بحر قدرته سمكاً صغاراً تصيدها بزاة الملوك والخلفاء، فيختبرون بها سلالة أهل بيت النبوّة.

فلمّا سمع المأمون كلامه عجب منه، وجعل يطيل نظره إليه، وقال: أنت ابن الرضا حقّاً، وضاعف إحسانه إليه.(٢)

٢/٤٦٠- في مهج ابن طاووس قدس سره : بإسناده عن اُمّ عيسى بنت المأمون قالت: كنت أغار عليه كثيراً وكنت زوجة محمّد بن عليّ عليهما السلام فدخلت على أبي ذات يوم وكان سكراناً لايعقل فقال: يا غلام عليّ بالسيف فأتى به، فركب وقال: واللَّه لأقتلنّه فلمّا رأيت ذلك فقلت: إنّا للَّه وإنّا إليه راجعون، ما صنعت بنفسي وبزوجي وجعلت ألطم حرّ وجهي(٣) فدخل عليه والدي، وما زال يضربه بالسيف، حتّى قطعه ثمّ خرج من عنده، وخرجت هاربة من خلفه، فلم أرقد ليلتي.

____________________

(١) البازي: جنس من الصقور الصغيرة أو المتوسطّة الحجم، جمعه: بزاة، بواز.

(٢) كشف الغمّة: ٣٤٤/٢، عنه البحار: ٩١/٥٠ ح٦.

(٣) حرّ الوجه - بضمّ الحاء -: الجزء الظاهر من الوجه.

٤٠٦

فلمّا ارتفع النهار رأيت(١) أبي فقلت: أتدري ما صنعت البارحة؟ قال: وما صنعت؟ قلت: قتلت ابن الرضا عليهما السلام ففرك(٢) عينيه وغشي عليه، ثمّ أفاق بعد حين وقال: ويلك ما تقولين؟ قلت: نعم واللَّه يا أبت، دخلت عليه ولم تزل تضربه بالسيف حتّى قتلته، فاضطرب من ذلك اضطراباً شديداً وقال: عليّ بياسر الخادم.

فجاء ياسر، فنظر إليه المأمون وقال: ويلك ما هذا الّذي تقول هذه ابنتي؟ قال: صدقتْ يا أميرالمؤمنين، فضرب بيده على صدره وخدّه وقال: إنّا للَّه وإنّا إليه راجعون، هلكنا باللَّه وعطبنا وافتضحنا إلى آخر الأبد، ويلك يا ياسر فانظر ما الخبر والقصّة عنه؟ وعجّل عليّ بالخبر، فإنّ نفسي تكاد أن تخرج الساعة.

فخرج ياسر وأنا الطم حرّ وجهي فما كان بأسرع من أن رجع ياسر، فقال: البشرى يا أميرالمؤمنين قال: لك البشرى فما عندك؟ قال ياسر: دخلت عليه فإذا هو جالس وعليه قميص ودواج وهو يستاك فسلّمت عليه وقلت: يابن رسول اللَّه اُحبّ أن تهب لي قميصك هذا اُصلّي فيه وأتبرّك به، وإنّما أردت أن أنظر إليه وإلى جسده هل به أثر السيف؟ فواللَّه كأنّه العاج الّذي مسّه صفرة ما به أثر.

فبكى المأمون طويلاً وقال: ما بقي مع هذا شيء، إنّ هذا لعبرة للأوّلين والآخرين - الخبر -.(٣)

٣/٤٦١- العيّاشي : عن محمّد بن عيسى بن زياد قال: كنت في ديوان أبي عباد فرأيته ينسخ كتاباً فسألت عنه فقالوا: كتاب الرضا عليه السلام إلى ابنة من خراسان، فسألتهم أن يدفعوه إليّ فدفعوه إليَّ فإذا فيه:

«بسم اللَّه الرحمن الرحيم، أبقاك اللَّه طويلاً وأعاذك من عدوّك، يا ولدي فداك

____________________

(١) في البحار: أتيت.

(٢) فرك الشيء: حكّه، وفي المصدر والبحار: فبرق.

(٣) مهج الدعوات: ٣٩ - ٣٦، عنه البحار: ٩٥/٥٠ ح٩، عيون المعجزات: ١٢٩ - ١٢٤، عنه مدينة المعاجز: ٣٥٩/٧ ح ٧١، وروى الإربلي في كشف الغمّة: ٣٦٦/٢ (نحوه).

٤٠٧

أبوك، قد فسَّرت لك مالي وأنا حيٌّ سويٌّ رجاء أن يمنّك(١) اللَّه بالصلة لقرابتك ولموالي موسى وجعفر رضي اللَّه عنهما فأمّا سعيدة فإنّها امرأة قويّة الحزم(٢) في النحل [والصواب في رقّة الفطر](٣) وليس ذلك كذلك قال اللَّه:( مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّـهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ) (٤) وقال:( لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّـهُ ) (٥) وقد أوسع اللَّه عليك كثيراً يا بنيّ فداك أبوك، [لاتستردوني الاُمور لحبّها فتخطئ حظّك](٦) والسّلام.(٧)

٤/٤٦٢- البرسي رحمة الله في مشارقة قال : روي أنّه جيءَ بأبي جعفر الجواد عليه السلام إلى مسجد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم بعد موت أبيه عليه السلام وهو طفل، فجاء إلى المنبر ورقا منه درجة ثمّ نطق فقال:

أنا محمّد بن عليّ الرضا عليهما السلام أنا الجواد، أنا العالم بأنساب الناس في الأصلاب أنا أعلم بسرائركم وظواهركم وما أنتم صائرون إليه، علم منحنا به من قبل خلق الخلق أجمعين، وبعد فناء السماوات والأرضين، ولولا تظاهر أهل الباطل ودولة أهل الضلال، ووثوب أهل الشكّ، لقلت قولاً تعجّب منه الأوّلون والآخرون، ثمّ وضع يده الشريفة على فيه وقال: يا محمّد، اصمت كما صمت آباؤك من قبل.(٨)

٥/٤٦٣ روى أبوجعفر محمّد بن جرير الطبري قال : أخبرني أبوالحسين(٩)

____________________

(١) في الأصل: ينميك.

(٢) هكذا في البحار، وفي المصدر: قويّ الجزم.

(٣) هكذا في المصدر وليس في البحار، وفي نسخه: والصواب في دقّة النظر.

(٤) البقرة: ٢٤٥.

(٥) الطلاق: ٧.

(٦) هكذا في البحار، وفي المصدر: لايستر في الأمور بحسبها فتحظى حظّك. وفي البرهان: لاتستردنّي الاُمور.

(٧) العيّاشي: ١٣١/١ ح ١٨، عنه البحار: ١٠٣/٥٠ ح ١٨، والبرهان: ٢٣٤/١ ح٥.

(٨) مشارق الأنوار:٩٨، عنه البحار: ١٠٨/٥٠ ح ٢٧، وأورده الطبري رحمة الله نحوه في دلائل الإمامة: ٣٨٥.

(٩) في الأصل: أبوالحسن.

٤٠٨

محمّد بن هارون بن موسى قال: حدّثني أبي رضي الله عنه قال: أخبرني أبو جعفر محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد قال: حدّثنا محمّد بن أبي عبداللَّه البرقي(١) قال: حدّثنا زكريّا بن آدم رضوان اللَّه عليه قال: إنّي كنت عند الرضا عليه السلام إذ جيء بأبي جعفر عليه السلام وسنّه أقلّ من أربع سنين فضرب بيده إلى الأرض ورفع رأسه إلى السماء، فأطال الفكر.

فقال له الرضا عليه السلام: بنفسي أنت، فيم طال فكرك(٢) فقال: فيما صُنع باُمّي فاطمة عليها السلام أما واللَّه لاُخرجنّهما ثمّ لاُحرقنّهما ثمّ لاُذرينّهما(٣) ثمّ لأنسفنّهما(٤) في اليمّ نسفاً فاستدناه وقبّل بين عينيه، ثمّ قال بأبي أنت واُمّي، أنت لها - يعنى الإمامة.(٥)

٦/٤٦٤- في الكافي : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه قال: إستأذن على أبي جعفر عليه السلام قوم من أهل النواحي من الشيعة، فأذن لهم فدخلوا فسألوه في مجلس واحد عن ثلاثين ألف مسألة فأجاب عليه السلام وله عشر سنين.(٦)

وقال العلّامة المجلسي قدس سره في البحار: يشكل هذا بأنّه لو كان السؤال والجواب عن كلّ مسألة بيتاً واحداً أعني خمسين حرفاً لكان أكثر من ثلاث ختمات للقرآن فكيف يمكن ذلك في مجلس واحد، ولو قيل: جوابه عليه السلام كان في الأكثر بلا ونعم أو بالإعجاز في أسرع زمان، ففي السؤال لايمكن ذلك.

ثمّ قال: ويمكن الجواب بوجوه:

____________________

(١) في البحار: أحمد بن أبي عبداللَّه، وفي المصدر: محمّد بن أحمد بن أبي عبداللَّه.

(٢) في البحار: فلِمَ طال فكرك؟.

(٣) ذَرا، ذَرْواً: طار في الهواء وتفرّق.

(٤) نسف الشيء: فرّقه وأذراه. يقال: نسفت الريح التراب.

(٥) نوادر المعجزات: ١٨٣ ح ١٠، دلائل الإمامة: ٤٠٠ ح ١٨، عنه البحار: ٥٩/٥٠ ح ٣٤، ومدينة المعاجز: ٣٢٤/٧ ح ٥٥.

(٦) الكافي: ٤٩٦/١ ح٧، كشف الغمّة: ٣٦٤/٢، مناقب ابن شهراشوب: ٣٨٤/٤، عنها البحار: ٩٣/٥٠ ذ ح٦.

٤٠٩

الأوّل : إنّ الكلام محمول على المبالغة في كثرة الأسئلة والأجوبة، فإنّ عدَّ مثل ذلك مستبعد جدّاً.

الثاني : إنّه يمكن أن يكون في خواطر القوم أسئلة كثيرة متّفقة فلمّا أجاب عليه السلام عن واحد فقد أجاب عن الجميع.

الثالث : أن يكون إشارة إلى كثرة ما يستنبط من كلماته الموجزة المشتملة على الأحكام الكثيرة(١) ، وهذا وجه قريب.

الرابع : أن يكون المراد بوحدة المجلس الوحدة النوعيّة أو مكان واحد كمَنى وإن كان في أيّام متعدّدة.

الخامس : أن يكون مبنيّاً على بسط الزمان الّذي تقول به الصوفيّة لكنّه ظاهراً من قبيل الخرافات.

السادس : أن يكون إعجازه عليه السلام أثّر في سرعة كلام القوم أيضاً، أو كان يجيبهم بما يعلم من ضمائرهم قبل سؤالهم.

السابع : ما قيل إنّ المراد السؤال بعرض المكتوبات والطومارات فوقع الجواب بخرق العادة. انتهى كلامه، زيد في علوّ مقامه.(٢)

أقول : الإشكال وارد على فرض كون كلّ مسألة بيتاً واحداً لكن لايخفى إنّ من الأسئلة ما لايبلغ مع جوابه نصف بيت، بل وعشرين حرفاً كأن يسئل ما القاف؟ فيقول: جبل محيط بالدنيا ويسئل ما صاد؟ فيقول: عين تحت العرش ويسئل ما الإسم؟ فيقول: صفة لموصوف، ويسئل هل يجوز المسح على الخفّين؟ فيقول: لا، أو كم التكبير في صلاة الميّت؟ فيقول: خمس، أو هل تجب السورة في الصلاة؟ فيقول: نعم وهكذا وعلى هذا لايزيد السؤال مع الجواب على ختم واحد

____________________

(١) مثل ما قال الصادق عليه السلام لعبدالأعلى حينما سأله عليه السلام عن الوضوء، وكان قد جعل على اصبعه مرارة، قال عليه السلام: يعرف هذا وأشباهه من كتاب اللَّه عزّوجلّ قال اللَّه تعالى:( مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) فامسح عليه.

(٢) البحار: ٩٣/٥٠ ذ ح٦.

٤١٠

للقرآن، وقد جرّب أنّ جزء واحد منه إذا قرء بالتأنّي لايزيد على عشرين دقيقة فيمكن ختم القرآن في ظرف عشر ساعات، فلا حاجة إلى هذه التكلّفات، ومع غضّ النظر عن ذلك فباب الإعجاز واسع لاتقاومه هذه الإشكالات.

٨/٤٦٥- في باب ما يفضل به بين دعوى المحقّ والمبطل : عن محمّد بن يحيى وأحمد بن محمّد، عن محمّد بن الحسن، عن أحمد بن الحسين، عن محمّد بن الطيّب، عن عبدالوهّاب بن منصور، عن محمّد بن أبي العلاء قال: سمعت يحيى بن أكثم قاضي سامرّاء بعد ما جهدت به(١) وناظرته وحاورته وواصلته(٢) وسألته عن علوم آل محمّد عليهم السلام.

فقال: بينا أنا ذات يوم دخلت أطوف بقبر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم فرأيت محمّد بن عليّ الرضا عليهما السلام يطوف به، فناظرته في مسائل عندي فأخرجها إليّ فقلت له: واللَّه إنّي اُريد أن أسألك مسأله، وإنّي واللَّه لأستحيي من ذلك، فقال لي: أنا اُخبرك قبل أن تسألني، تسألني عن الإمام فقلت: هو واللَّه هذا، فقال: أنا هو فقلت: علامة؟ فكان في يده عصا فنطقت وقالت: إنّ(٣) مولاي امام هذا الزمان وهو الحجّة.(٤)

٩/٤٦٦- في الخرايج : عن محمّد بن ميمون أنّه كان مع الرضا عليه السلام بمكّة قبل خروجه إلى خراسان قال: قلت له: إنّي اُريد أن أتقدّم إلى المدينة، فاكتب معي كتاباً إلى أبي جعفر عليه السلام فتبسّم وكتب، وصرت إلى المدينة، وقد كان ذهب بصري فأخرج الخادم أباجعفر عليه السلام إلينا فحمله في المهد، فناولته الكتاب، فقال لموفّق الخادم: فضّه(٥) وانشره، ففضّه ونشره بين يديه، فنظر فيه ثمّ قال لي:

يا محمّد، ما حال بصرك؟ قلت: يابن رسول اللَّه اعتلّت عيناي فذهب بصري

____________________

(١) أي بالغت في امتحانه.

(٢) في البحار: راسلته.

(٣) في البحار: إنّه.

(٤) الكافي: ٣٥٣/١ ح٩، مناقب ابن شهراشوب: ٣٩٣/٤، عنهما البحار: ٦٨/٥٠ ح ٤٦.

(٥) فضّه: فكّه.

٤١١

كما ترى. قال: فمدّ يده فمسح بها على عيني فعاد إليَّ بصري كأصحّ ما كان، فقبلّت يده ورجله، وانصرفت من عنده وأنا بصير.(١)

١٠/٤٦٧- في المناقب : لمّا بويع المعتصم جعل يتفقّد أحواله فكتب إلى عبدالملك الزيّات أن ينفذ إليه التقيّ واُمّ الفضل، فأنفذ الزيّات عليّ بن يقطين إليه فتجهّز وخرج إلى بغداد، فأكرمه وعظّمه، وأنفذ أشناس بالتحف إليه وإلى اُمّ الفضل، ثمّ أنفذ إليه شراب حماض الاُترج تحت ختمه على يدي أشناس.

وقال: إنّ أميرالمؤمنين ذاقه قبل أحمد بن أبي داود وسعد(٢) بن الخصيب وجماعة من المعروفين، ويأمرك أن تشرب منها بماء الثلج، وصنع في الحال، فقال: أشربها باللّيل قال: إنّها تنفع بارداً وقد ذاب الثلج وأصرّ على ذلك، فشربها عالماً بفعلهم.(٣)

وكان عليه السلام شديد الأدمة(٤) فشكّ فيه المرتابون، وهو بمكّة فعرضوه على القافة(٥) فلمّا نظروا إليه خرّوا لوجوههم سجّداً ثمّ قاموا فقالوا: يا ويحكم أمثل هذا الكوكب الدرّي والنور الزاهر، تعرضون على مثلنا؟ هذا واللَّه الحسب الزكيّ والنسب المهذَّب الطاهر، ولدته النجوم الزواهر، والأرحام الطواهر، واللَّه ما هو إلّا من ذرّيّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأميرالمؤمنين عليه السلام وهو في ذلك الوقت ابن خمس وعشرين شهراً.

فنطق بلسان أرهف(٦) من السيف يقول: الحمدللَّه الّذي خلقنا من نوره،

____________________

(١) الخرائج: ٣٧٢/١ ح١، عنه البحار: ٤٦/٥٠ ح ٢٠، ومدينة المعاجز: ٣٧٢/٧ ح ٧٣، وحلية الأبرار: ٥٤٠/٤ ح٤، وأخرجه في كشف الغمّة: ٣٦٥/٢.

(٢) في البحار: سعيد.

(٣) مناقب ابن شهراشوب: ٣٨٤/٤.

(٤) شديد الأدمة: كان لونه في منزلة بين البياض والسواد.

(٥) القافة: جمع قائف وهو الّذي يعرف النسب بفراسته ونظره إلى أعضاء المولود.

(٦) أرهف: أحدّ وأرقّ.

٤١٢

واصطفانا من بريّته، وجعلنا اُمناء على خلقه ووحيه.

أيّها الناس، أنا محمّد بن عليّ الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن عليّ سيّد العابدين بن الحسين الشهيد بن أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب وابن فاطمة الزهراء بنت محمّد المصطفى عليهم السلام أجمعين في مثلي يشكّ؟ وعلى اللَّه تبارك وتعالى وعلى جدّي يفترى واُعرض على القافة؟!

إنّي واللَّه لأعلم ما في سرائرهم وخواطرهم، وإنّي واللَّه لأعلم النّاس أجمعين بما هم إليه صائرون، أقول حقّاً واُظهر صدقاً علماً قد نبّأه اللَّه تبارك وتعالى قبل الخلق أجمعين، وقبل(١) بناء السماوات والأرضين، وأيم اللَّه لولا تظاهر الباطل علينا وغواية(٢) ذرّيّة الكفر وتوثبّ(٣) أهل الشرك والشكّ والشقاق علينا، لقلت قولاً يعجب منه الأوّلون والآخرون.

ثمّ وضع يده على فيه وقال: يا محمّد، اصمت كما صمت آباؤك،( فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ ) .(٤)

ثمّ أتى إلى رجل بجانبه فقبض على يده، فما زال يمشي ويتخطّى(٥) رقاب الناس وهم يفرّجون له، قال: فرأيت مشيخة أجلّاء وهم ينظرون إليه ويقولون: اللَّه أعلم حيث يجعل رسالته، فسألت عنهم فقيل: هؤلاء قوم من بنى هاشم من أولاد عبدالمطّلب، فبلغ الرضا عليه السلام وهو في خراسان ما صنع ابنه، فقال: الحمدللَّه، ثمّ ذكر ما قذفت به مارية القبطيّة، ثمّ قال: الحمدللَّه الّذي جعل في إبني محمّد اُسوة

____________________

(١) في البحار: بعد.

(٢) غواية: ضلالة.

(٣) توثُّب: تسلُّط والاستيلاء.

(٤) الأحقاف: ٣٥.

(٥) يتخطّى: يتجاوز.

٤١٣

برسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم وابنه إبراهيم عليه السلام.(١)

١١/٤٦٨- في الكافي : عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن عليّ بن أسباط، عن يحيى الصنعاني قال: دخلت علي أبي الحسن الرضا عليه السلام وهو بمكّة فوجدته يقشّر موزاً ويطعم أباجعفر عليه السلام فقلت له: جعلت فداك هو المولود المبارك؟ قال: نعم، يا يحيى هذا المولود الّذي لم يولد في الإسلام مثله مولود أعظم بركة على شيعتنا منه.(٢)

١٢/٤٦٩- في المناقب : قال عسكر مولى أبي جعفر عليه السلام: دخلت عليه فقلت في نفسي: يا سبحان اللَّه ما أشدّ سمرة مولاي وأضوى(٣) جسده! قال: فواللَّه ما استتممت الكلام في نفسي حتّى تطاول وعرض جسده، وامتلأ به الأيوان إلى سقفه مع جوانب حيطانه، ثمّ رأيت لونه وقد أظلم حتّى صار كاللّيل المظلم، ثمّ ابيضَّ حتّى صار كأبيض ما يكون من الثلج، ثمّ احمرَّ حتّى صار كالعلق المحمرّ، ثمّ أخضرَّ حتّى صار كأخضر ما يكون من الأغصان الورقة الخضرة، ثمّ تناقص جسمه حتّى صار في صورته الاُولى وعاد لونه الأوّل وسقطت لوجهي ممّا رأيت.

فصاح بي: يا عسكر، تشكّون فنبّئكم وتضعفون فنقوّيكم، واللَّه لايصل(٤) إلى حقيقة معرفتنا إلّا من منّ اللَّه عليه بنا وارتضاه لنا وليّاً. (٥)

١٣/٤٧٠- في البحار : عن بنان بن نافع قال: سألت عليّ بن موسى الرضا عليهما السلام فقلت: جعلت فداك من صاحب الأمر بعدك؟ فقال لي: يا بن نافع يدخل عليك من

____________________

(١) مناقب ابن شهراشوب: ٣٨٧/٤، عنه البحار:٨/٥٠ ح٩، ورواه الطبري رحمة الله في نوادر المعجزات: ١٧٣ ح١، ودلائل الإمامة: ٣٨٤ ح٢ مفصّلاً.

(٢) الكافي: ٣٦٠/٦، عنه البحار: ٣٥/٥٠ ح ٢٤.

(٣) ضَوِيَ الرجل: دقّ عظمه وقلّ جسمه.

(٤) في المصدر: لا وصل.

(٥) مناقب ابن شهراشوب: ٣٨٧/٤، عنه البحار: ٥٥/٥٠ ح ٣١، ومدينة المعاجز: ٣٤٥/٧ ح ٦٦ ورواه الطبري رحمة الله في دلائل الإمامة: ٤٠٤ ح ٢٥.

٤١٤

هذا الباب من ورث ما ورثته ممّن هو قبلي، وهو حجّة اللَّه تعالى من بعدي فبينا أنا كذلك إذ دخل علينا محمّد بن عليّ عليهما السلام فلمّا بصر بي قال لي: يا بن نافع ألا اُحدّثك بحديث؟

إنّا معاشر الأئمّة إذا حملته اُمّه يسمع الصوت في بطن اُمّه أربعين يوماً، وإذا أتى له في بطن اُمّه أربعة أشهر رفع اللَّه تعالى له أعلام الأرض فقرّب له ما بعد عنه حتّى لايعزب عنه حلول قطرة غيث نافعة ولا ضارّة، وإنّ قولك لأبي الحسن عليه السلام: من حجّة الدهر والزمان من بعده؟ فالّذى حدّثك أبوالحسن عليه السلام ما سألت عنه هو الحجّة عليك، فقلت: أنا أوّل العابدين.

ثمّ دخل علينا أبوالحسن عليه السلام فقال لي: يا بن نافع سلّم وأذعن له بالطاعة فروحه روحي وروحي روح رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم.(١)

١٤/٤٧١- في البحار : روي عن عمر بن فرج الرُخجي قال: قلت لأبي جعفر: إنّ شيعتك تدّعي أنّك تعلم كلّ ماء في دجلة ووزنه؟ وكنّا على شاطئ دجلة، فقال عليه السلام لي: يقدر اللَّه تعالى أن يفوِّض علم ذلك إلى بعوضة من خلقه أم لا؟ قلت: نعم يقدر فقال: أنا أكرم على اللَّه تعالى من بعوضة ومن أكثر خلقه.(٢)

١٥/٤٧٢- في الإحتجاج : في حديث قال: خرج أبوجعفر عليه السلام وهو يومئذ ابن تسع سنين وأشهر فجلس بين المسورتين(٣) وجلس يحيى بن أكثم بين يديه وقام الناس في مراتبهم والمأمون جالس في دست (٤) متّصل بدست أبي جعفر عليه السلام فقال: يحيى بن أكثم للمأمون: يأذن لي أميرالمؤمنين أن أسأل أباجعفر عليه السلام عن مسألة؟ فقال له المأمون: استأذنه في ذلك، فأقبل عليه يحيى بن أكثم فقال: أتأذن لي جعلت فداك في مسألة؟ فقال أبوجعفر عليه السلام: سل إن شئت.

____________________

(١) مناقب ابن شهراشوب: ٣٨٨/٤، عنه البحار: ٥٥/٥٠ ذ ح ٣١، ومدينة المعاجز: ٣٨٤/٧ ح ٨٤.

(٢) عيون المعجزات: ١٢٤، عنه البحار: ١٠٠/٥٠ ذ ح ١٢، ومدينة المعاجز: ٤٠٠/٧ ح ١٠١.

(٣) المِسْوَرة: متَّكَأٌ من جلد.

(٤) الدَسْت: صدر المجلس.

٤١٥

قال يحيى: ما تقول جعلت فداك في مُحرم قتل صيداً؟ فقال أبوجعفر عليه السلام: قتله في حلّ أو حرم؟ عالماً كان المحرم أو جاهلاً؟ قتله عمداً أو خطأ؟ حرّاً كان المحرم أو عبداً، صغيراً كان أو كبيراً؟ مبتدئاً بالقتل أو معيداً؟ من ذوات الطير كان الصيد أم من غيرها، من صغار الصيد أم من كبارها؟ مصرّاً على ما فعل أو نادماً، في اللّيل كان قتله للصيد أم في النّهار، محرماً كان بالعمرة إذ قتله أو بالحجّ كان محرماً؟

فتحيّر يحيى بن أكثم وبان في وجهه العجز والإنقطاع ولجلج(١) حتّى عرف جماعة أهل المجلس أمره.(٢) فقال المأمون: الحمدللَّه على هذه النعمة والتوفيق لي في الرأي، ثمّ نظر إلى أهل بيته فقال لهم: أعرفتم الآن ما كنتم تنكرونه؟ ثمّ أقبل على أبي جعفر عليه السلام وقال له: إن رأيت جعلت فداك أن تذكر الفقه الّذي فصّلته من وجوه من قتل المحرم لنعلمه ونستفيده.

فقال أبوجعفر عليه السلام: نعم إنّ المحرم إذا قتل صيداً في الحلّ وكان الصيد من ذوات الطير وكان من كبارها، فعليه شاة، فإن أصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً، وإذا قتل فرخاً في الحلّ فعليه حمل قد فطم من اللبن، وإذا قتله في الحرم فعليه الحمل وقيمة الفرخ، فإذا كان من الوحش وكان حمار وحش فعليه بقرة، وإن كان نعامة فعليه بدنة، وإن كان ظبياً فعليه شاة، وإن كان قتل شيئاً من ذلك في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً هدياً بالغ الكعبة.

وإذا أصاب المحرم ما يجب عليه الهدى فيه، وكان إحرامه بالحجّ نحره بمنى وإن كان إحرامه بالعمرة نحره بمكّة، وجزاء الصيد على العالم والجاهل سواء، وفي العمد عليه المأثم وهو موضوع عنه في الخطأ، والكفّارة على الحرّ في نفسه وعلى

____________________

(١) لَجلج: تردّد في كلامه ولم يُبن.

(٢) عجزه، خ.

٤١٦

السيّد في عبده والصغير لا كفّارة عليه وهي علي الكبير واجبة، والنادم يسقط ندمه عنه عقاب الآخرة، والمصرّ يجب عليه العقاب في الآخرة.

فقال المأمون: أحسنت يا أبا جعفر أحسن اللَّه إليك، فإن رأيت أن تسأل يحيى عن مسألة كما سألك، فقال أبوجعفر عليه السلام ليحيى: أسألك؟ قال: ذلك إليك جعلت فداك فإن عرفت جواب ما تسألني عنه وإلّا استفدته منك.

فقال أبوجعفر عليه السلام: أخبرني عن رجل نظر إلى إمرأة في أوّل النهار فكان نظره إليها حراماً عليه، فلمّا ارتفع النهار حلّت له، فلمّا زالت الشمس حرمت عليه، فلمّا كان وقت العصر حلّت له، فلمّا غربت الشمس حرمت عليه، فلمّا دخل وقت العشاء الآخرة حلّت له، فلمّا كان وقت انتصاف الليل حرمت عليه، فلمّا طلع الفجر حلّت له، ما حال هذه المرأة وبماذا حلّت له وحرمت عليه؟

فقال له يحيى بن أكثم: لا واللَّه لا اهتدي إلى جواب هذا السؤال ولا أعرف الوجه فيه، فإن رأيت أن تفيدناه.

فقال أبوجعفر عليه السلام: هذه أمة لرجل من الناس نظر إليها أجنبيٌّ في أوّل النهار فكان نظره إليها حراماً عليه، فلمّا ارتفع النّهار ابتاعها من مولاها فحلّت له، فلمّا كان عند الظهر أعتقها فحرمت عليه، فلمّا كان وقت العصر تزوجّها فحلّت له، فلمّا كان وقت المغرب ظاهَر منها(١) فحرمت عليه، فلمّا كان وقت العشاء الآخرة كفّر عن الظهار فحلّت له، فلمّا كان نصف اللّيل طلّقها واحدة فحرمت عليه، فلمّا كان عند الفجر راجعها فحلّت له.

قال: فأقبل المأمون على من حضره من أهل بيته فقال لهم: هل فيكم من يجيب عن هذه المسألة بمثل هذا الجواب أو يعرف القول فيما تقدّم من السؤال؟ قالوا: لا واللَّه إنّ أميرالمؤمنين أعلم وما رأى. فقال: ويحكم إنّ أهل هذا البيت

____________________

(١) ظاهر منها أي قال لها: أنتِ عليّ كظهر اُمّي، أي أنتِ عليّ حرام.

٤١٧

خصّوا من الخلق بما ترون من الفضل، وإنّ صغر السنّ فيهم لايمنعهم من الكمال - الخبر -.(١)

١٦/٤٧٣- ما نقله صاحب روضات الجنّات قدس سره : عن أبي يزيد البسطامي وهو من المتصوّفة زاعماً أنّه ممّا يشيّد به مسلكهم، ونحن نبيّن إن شاء اللَّه إنّه على خلافهم أدلّ، ولا بأس بذكره بعد ما اُيّد ذلك ممّا وقع غير مرّة من الأئمّة الأطهار عليهم السلام.

قال رحمة الله: قال طيفور بن عيسى بن آدم بن سروشان المعروف بأبي يزيد البسطامي: خرجت من مدينتي بسطام في بعض السنين قاصداً لزيارة البيت الحرام في غير وقت الحجّ، فمررت بالشام إلى أن وصلت إلى دمشق فلمّا كنت بالغوطة قبل دخول دمشق مررت بقرية من قراها، فرأيت في تلك القرية تلّ تراب وعليه صبيّ رباعي السنّ يلعب بالتراب.

فقلت في نفسي: هذا صبيّ إن سلّمت عليه لم يعرف السلام، وإن تركت السلام أخللت بالواجب، فأجمعت رأيي على أن اُسلّم عليه، فرفع رأسه وقال: والّذي رفع السماء وبسط الأرض لولا ما أمر اللَّه به من ردّ السلام لما رددت عليك، استصغرت أمري واستحقرتني لصغر سنّي عليك السلام ورحمة اللَّه وبركاته وتحيّاته ورضوانه.

ثمّ قال: صدق اللَّه( وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا ) (٢) وسكت. فقلت:( أَوْ رُدُّوهَا ) (٣) . فقال: ذلك فعل المقصّر مثلك، فعلمت أنّه من الأقطاب المؤيّدين. فقلت: يا سيّدي أستغفر اللَّه وأتوب إليه. فقال - وعيناه تهملان -:( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ) .(٤)

ثمّ قال لي: يا أبايزيد، مرحباً بك ما أقدمك إلى الشام من مدينتك بسطام؟

____________________

(١) الإحتجاج: ٤٤٣، تفسير القمي: ١٨٢/١، ارشاد المفيد: ٣١٩، عنها البحار: ٧٤/٥٠ ضمن ح٣ كشف الغمّة: ٣٥٣/٢، حلية الأبرار: ٥٥٣/٤، مدينة المعاجز: ٣٤٧/٧ ح ٦٨.

(٢) النساء: ٨٦.

(٣) النساء: ٨٦.

(٤) الشورى: ٢٥.

٤١٨

فقلت: يا سيّدي، أقصد زيارة البيت. قال: أيّ بيت؟ قلت: بيت اللَّه الحرام. فقال: نعم القصد وسكت، ثمّ رفع رأسه إليّ وقال: يا أبا يزيد، عرفت صاحب البيت؟ فعلمت إشارته وما يريد، فقلت: لا. فقال: هل رأيت أحداً يتوجّه إلى بيت من لم يعرف؟ قلت: لا، يا سيّدي وأنا أرجع إلى مدينتي حتّى أعرف صاحب البيت. قال: ذاك إليك فودّعته ورجعت من ساعتي على اثري إلى بسطام، وعملت الخلوة حتّى عرفت اللَّه تعالى.

ثمّ خرجت ومضيت إلى أن وصلت الشام ووصلت «الغوطة» إلى القرية بعينها فوجدت الصبيّ على كوم التراب على الحالة الّتي فارقته عليها في العام الماضي فسلّمت عليه، فرحّب بي وردّ عليّ السلام أحسن من الأوّل، وجلست وآنسني بالكلام، وأنا من هيبته لا أستطيع أتكلّم إلّا جواباً، ثمّ التفت إليّ وقال: يا أبا يزيد كأنّك عرفت صاحب البيت؟! قلت: نعم يا سيّدي.

فقال: فأذن لك في التوجّه إلى بيته، فقلت: لا، يا سيّدي وعلمت إشارته ومعنى قوله وقلت: أرجع حتّى يأذن لي في زيارة بيته. فقال: يا أبا يزيد، وكلّ من عرف إنساناً يتهجّم على بيته من غير استئذان لصاحب البيت ولا استدعاء منه؟ فقلت: لا، يا سيّدي وأنا أرجع.

قال: ذلك إليك، فودّعته وانصرفت إلى بسطام، وأقبلت إلى أن وصلت إلى الشام وأتيت «الغوطة» ودخلت القرية، فوجدت صاحبي الصبيّ على كوم التراب يلعب، فسلّمت عليه، فرحّب بي وردّ عليّ أحسن من قبل وآنسني بالكلام أكثر من الأوّل، وهيبته في قلبي أكثر ما كانت، ثمّ التفت إليّ وقال: يا أبا يزيد، كأنّ صاحب البيت قد أذن لك في زيارة بيته. فقلت: نعم.

فقال: يا مسكين يا وجلان إذا عرفت صاحب البيت أيّ حاجه لك في الجدار أصحاب الهمم لايزالون يتوسّلون بالبيت إلى صاحبه عساه يلحظهم عاطفة منه بعين عنايته، وأنت فقد حصلت على الأصل، فعرفت إشارته وسكتّ. فقال لي:

٤١٩

أنت الليلة ضيفي وكنّا بين الظهر والعصر، فقلت: نعم يا سيّدي، وجلست معه على الكوم إلى أن جاء وقت العصر.

فنظر في الشمس فقال لي: اُنظر الوقت فنظرت. فقلت: دخل الوقت وهو أوّله. قال: صدقت فنهض وقال: أعَلى وضوء أنت؟ قلت: لا. فقال: اتبعني فتبعته قدر عشر خُطاء، فرأيت نهراً أعظم من الفرات فجلس وجلست، وتوضّأ أحسن وضوء وتوضّيت، ووقف يركع وإذا قافلة مارّة فتقدّمت إلى واحد منهم وسألته عن النهر فقال: هذا جيحون، فسكتّ وأقام الصلاة. وقال: صلّ إماماً فهبته. فقال: أنت أولى من جميع الجهات الشرعيّة فصلّيت، فلمّا انقضت الصلاة قال لي: قم فقمت ومشيت معه قدر عشرين خطوة، وإذا نحن على نهر أعظم من الفرات وجيحون.

فقال لي: اجلس مكانك فجلست وتركني، فمرّ عليّ اُناس في مركب لهم فسألتهم عن المكان الّذي أنا فيه. فقالوا: نيل مصر وبينك وبينها فرسخ أو دون فرسخ ومضوا، فما كان غير ساعة إلّا وصاحبي قد حضر وقال لي: قم قد عزم علينا، فقمت معه وسرنا قدر عشرين خطوة فوصلنا عند غيبوبة الشمس إلى نخل كثيرة وجلسنا إلى أن سقط القرص.

فقال لي: أقم الصلاة، فأقمت وتقدّمت وصلّيت وتركع بعد الصلاة ما قدر اللَّه له، ثمّ جلس وإذا عبد قد أقبل إليه ومعه طبق فيه ثلاثة أقراص من شعير وتمر وقدح عسل، وعندنا عين ماء بارد فوضعه وتنحّى، فأشار إليه أن أجلس فجلس وأكل معنا، فواللَّه ما استطعمت عمري بطعام مثله ولا أطيب منه، فلمّا فرغنا تناول العبد ما فضل ومضى.

ثمّ قام وقال لي: امش فمشيت خلفه يسيراً وإذا نحن بالكعبة والإمام يصلّي فأحرمنا بالصلاة خلفه وصلّيت، فلمّا انقضت الصلاة وانصرف الناس ولم يبق أحد، نادى بعض النّاس فأجابه بالتلبية وحضر إليه، وقال: مرحباً بسيّدي وابن سيّدي. فقال: افتح حتّى يزور سيّدك البيت ويطوف، فمضى وفتح ودخلت الكعبة

٤٢٠