الجريمة الكبرى الجزء ١

الجريمة الكبرى0%

الجريمة الكبرى مؤلف:
الناشر: المركز الوثائقي للدفاع عن المقدسات الإسلامية
تصنيف: أديان وفرق
الصفحات: 399

الجريمة الكبرى

مؤلف: الدكتور السيد محمد رضا الهاشمي
الناشر: المركز الوثائقي للدفاع عن المقدسات الإسلامية
تصنيف:

الصفحات: 399
المشاهدات: 953
تحميل: 138


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 399 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 953 / تحميل: 138
الحجم الحجم الحجم
الجريمة الكبرى

الجريمة الكبرى الجزء 1

مؤلف:
الناشر: المركز الوثائقي للدفاع عن المقدسات الإسلامية
العربية

٣١٦- تاريخ عسير، ابراهيم بن علي زين الدين الحفظي، ص ٣٨؛ سيف الدولة الحمداني، الدكتور مصطفى الشكعة، ص ٣٢ - ٣٣.

٣١٧- كنز الدرر، عبد الله بن ايبك الدواداري، ص ١٠٢ - ١٠٣؛ القرامطة بين المد والجزر، الدكتور مصطفى غالب، ص ١٠ -١٣.

٣١٨- تاريخ الدولة الفاطمية، مدحت جمال عياش باشا، ج ٢، ٢٠٤ - ٢٠٥.

٣١٩- تاريخ الحركات السياسية في الخلافة العباسية، الاستاذ صبيح نوري الانباري، ص ٣٢٥.

٣٢٠- الكامل في التاريخ، عز الدين علي بن محمد (ابن الاثير) الشيباني، ج ٦، ص ٢٠٤؛ الدر المضيئة في اخبار الدولة الفاطمية، عبد الله بن ايبك الواداري، القاهرة، ص ٦٤ - ٦٥.

٣٢١- السيرة النبوية، عبد الملك بن هشام بن ايوب الحميري (ابن هشام)، ج ٢، ص ٢٩٠ - ٢٩١؛ مفاهيم القران، العلامة الشيخ جعفر سبحاني، ج ٢، ص ٩١ - ٩٢؛ مروج الذهب ومعادن الذهب، علي بن حسين بن علي المسعودي، ج ٢، ص ٢٧٨.

٣٢٢- اتحاف الورى باخبار امّ القرى، نجم عمر بن فهد الهاشمي، ج ٢، ص ٣٩٥.

٣٢٣- الصحيح من سيرة النبي الاعظم صلّى الله عليه وآله، السيد جعفر مرتضى الحسيني العاملي، ج ٢، ص ٨٣ - ٩٨؛ السيرة النبوية، سير وعبر، مصطفى السباعي، ص ١٣ - ٢٩؛ المختصر الكبير في سيرة الرسول صلّى الله عليه وآله، عـز الدين بن جماعة الكتاني، ص ١ - ١٣.

٣٢٤- الوهابية السلفية، من التنظير الى الدولة، الدكتور احمد هاشم المعروف، ص ٤٥ - ٤٦.

٣٢٥- القبائل العربية في شبه جزيرة العرب، سعود بن وحيدان الشمري، ص ٩٩ - ١٠١.

٣٢٦- السيرة النبوية، عبد الملك بن هشام بن ايوب الحميري، ج ١، ص ٤٨١ - ٤٨٢؛ تفسير القران العظيم، عبد الرحمن بن محمد (ابن ابي حاتم)، ج ٥، ص ١٦٨٦، رقم الحديث ١٩٩٤؛ الصحيح من سيرة النبي الاعظم صلّى الله عليه وآله، السيد جعفر مرتضى الحسيني العاملي، ج ٤، ص ٨ و ٣٢.

١٨١

٣٢٧- العوالم الخفية، السيد منصور حسن الحسيني الذبحاوي، ج ١، ص ٢١٩؛ مجمع الزوائد، علي بن ابي بكر الهيثمي، عن رفاعة بن رافع، ج ٦، ص ٨٠؛ سفينة البحار في مدينة الحكم والاثار، المحدث الشيخ عباس بن محمد رضا القمي، ج ١، ص ١٠١.

٣٢٨- الامالي، العلامة الشيخ محمد بن الحسن الطوسي، عن جابر بن عبد الله الانصاري، ص ١٧٦ - ١٧٧؛ البرهان في تفسير القران، السيد هاشم بن سليمان البحراني، ج ٢، ص ٨٩.

٣٢٩- مناقب آل ابي طالب، محمد بن علي (ابن شهر آشوب)، ج ٢، ص ٧٥؛ البرهان في تفسير القران، السيد هاشم بن سليمان البحراني، ج ٢، ص ٨٩؛ تفسير الميزان، الميزان في تفسير القران، العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، ج ٩، ص ١٠٨ - ١٠٩؛ سير اعلام النبلاء، محمد بن احمد الذهبي، ج ٣، ص ٢٥؛ مختصر تاريخ مدينة دمشق (لابن عساكر)، محمد بن مكرم الشهير بابن منظور، ج ٧، ص ٣٨٣؛ الامالي، العلامة الشيخ محمد بن الحسن الطوسي، ص ١٧٧؛ قاموس الرجال، الشيخ محمد تقي التستري، ج ١٠، ص ١٩٦؛ تاريخ مدينة دمشق، علي بن الحسن بن هبة الله (ابن عساكر)، ج ٦، ص ٥٥؛ مجمع النورين وملتقى البحرين، الشيخ ابو الحسن المرندي، ص ٨٤.

٣٣٠- بحار الانوار الجامعة لدرر اخبار الائمة الاطهار عليهم السلام، العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي، ج ٦٠، ص ٢٣٣ - ٢٣٤؛ الاحتجاج، العلامة الشيخ احمد بن علي بن ابي طالب الطبرسي، ج ١، ص ١٩٠.

٣٣١- دلائل النبوة ومعرفة احوال صاحب الشريعة، احمد بن حسين البيهقي، ص ٦٣ - ٦٤؛ تفسير جامع البيان عن تاويل القران، الطبري، محمد بن جرير الطبري، ج ٦، ص ٢٥١ - ٢٥٢.

٣٣٢- تاريخ الطبري، تاريخ الامم والملوك، محمد بن جرير الطبري، ج ٦، ص ٢٥١، ٢٥٢؛ تفسير القران العظيم، عبد الرحمن بن محمد (ابن ابي حاتم) الرازي، ج ٥، ص ١٦٨٦، رقم الحديث، ١٩٩٤٠.

١٨٢

٣٣٣- الطبقات الكبرى، محمد بن سعد بن منيع (ابن سعد) البصري، ج ١، ص ١٠٩؛ السيرة النبوية، عبد الملك بن هشام بن ايوب الحميري، ج ١، ص ٤٨١ - ٤٨٢.

٣٣٤- دلائل النبوة، ومعرفة احوال صاحب الشريعة، احمد بن حسين البيهقي، ج ٢، ص ٤٦٦ - ٤٦٨.

٣٣٥- تاريخ اسلام، الدكتور علي اكبر الفياض، ص ٨٤ و ١٢٢ (فارسي).

٣٣٦- جمهرة اشعار العرب في الجاهلية والاسلام، ابو زيد محمد بن الخطاب القريشي، الفصل الخامس، ص ٢٠١ - ٢٠٣؛ الذخيرة في محاسن اهل الجزيرة، علي بن بسام الشنتـريني، ج ١، ص ٢٤٦ - ٢٥٠.

٣٣٧- الشعر العربي الجاهلي بين الواقع والخيال، الدكتور يوسف ناظم الحلبي، ج ١، ص ٨٣ - ٨٩.

٣٣٨- جغرافيا الجزيرة العربية، الاستاذ عمار محمد احسن الراعي، ص ٢٣١.

٣٣٩- شياطين الشعر، دراسة نقدية، الاستاذ الدكتور هلال محمد الجهاد، ص ١٤٧- ١٤٨؛ ثمار القلوب في المضاف والمنسوب، عبد الملك بن محمد بن اسماعيل الثعالبي، ص ١٤٦- ١٤٧.

٣٤٠- الشعر العربي الجاهلي بين الواقع والخيال، الدكتور يوسف ناظم الحلبي، ج ١، ص٢٣ - ٢٥.

٣٤١- ديوان المعاني، ابو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل، ص ٦٥؛ تاريخ آداب العرب، مصطفى صادق الرفاعي، ج ٣، ص ٥٨ - ٦٠.

٣٤٢- أدب الجن اخبارهم واشعارهم، الدكتور محمد عبد الرحيم، ص ٤ - ٦؛ خزانة الادب ولب لباب لسان العرب،عبد القادر بن عمر البغدادي، ج ٨، ص ٣٩٥ - ٣٩٦.

٣٤٣- الجن والاقوام البائدة، الدكتورة مها فيصل مانع الدويش، ص ٢٣ - ٢٧.

٣٤٤- الجن والادب العالمي، الدكتور فؤاد زكي السويج، ج ١، ص ٨٧ - ٨٩.

٣٤٥- حياة الجن في الجزيرة العربية، الشيخ بلاوي بن حمد التميمي، ج ١، ص ١١ - ١٢.

١٨٣

٣٤٦- جريدة الرياض، الصادرة من مؤسسة اليمامة الصحفية، ليوم الجمعة بتاريخ ٨ / رجب المرجب، ١٤٢٣ هـ المصادف الى ١٠ / يونيو / ٢٠١١ م، العدد ١٥٦٩١؛ كتاب الحيوان، ابو عثمان عمرو بن بحر (الجاحظ)، ج ١، ص ١٩٨ - ١٩٩.

٣٤٧- صفة جزيرة العرب، حسن بن احمد بن يعقوب الهمداني، ج ١، ص ٧٢ - ٧٥؛ الجن والاقوام البائدة، الدكتورة مها فيصل مانع الدويش، ص ٣٢ - ٣٥ و ص ٤٨ و ٨٧.

٣٤٨- جغرافية الجزيرة العربية، الدكتور حميد بن مرزوق العلاي، ص ١١ و ٢٩ - ٣٠.

٣٤٩- العواصم من القوصم، الحافظ ابو بكر العربي، ج ٢، ص ٢١٠ و ٢٨٣؛ طبقات الحنابلة، القاضي محمد بن ابي يعلي، ج ١، ص ٣٢؛ شرح حديث النزول، احمد بن تيمية الحراني، ص ٤٠٠.

٣٥٠- صحيح البخاري، محمد بن اسماعيل البخارائي (البخاري)، ج ٧، ص ٢٧؛ فتح الباري، بشرح صحيح البخاري احمد بن علي (ابن حجر) العسقلاني، ج ٩، ص ٢٠٣ و ٢٢٦ و ٤٤٤؛ سنن ابن ماجة، ابو عبد الله محمد (ابن ماجة) القزويني، ج ١، ص ٦١٢؛ المستدرك على الصحيحين، ابو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري، ج ٤، ص ٢٧٣؛ الفجر الصادق، الشيخ جميل صدقي الزهاوي، ص ١٧ - ١٨.

٣٥١- كشف الشبهات، ابن عبد الوهاب التميمي النجدي، ص ٤١ - ٤٢؛ السلفية بين اهل السنة والامامية، العلامة السيد محمد الكثيري، ص ٣٤٥.

٣٥٢- كشف الشبهات، ابن عبد الوهاب التميمي النجدي، ص ٣٩ و٤٣؛ الدرر السنية في الرد على الوهابية، شيخ الاسلام في الحرم المكي، السيد احمد زيني دحلان، ج ١، ص ١٤٦.

١٨٤

الحقيقة الرابعة: نجد وآل البيت عليهم السلام

اذا كانت نجد الممسوخة هي العدو اللدود للحجاز وقبائلها واشرافها، فلابد ان ينال بيت النبوة القسط الاكبر من هذا الحقد الاعمى والعداوة المستأصلة. فالبيت الرفيع ذو العز والسمو والفضائل السامية لدى آل هاشم بن عبد المناف عليهم السلام سوف يكونون في مرمى سهام وبغضاء نجـد وقبائلها التي اشـتـهرت بكل ما هو سـيء ودنيء. وقد ذكرنا بعض تلك الصفات والسمات التي أمتازوا بها آنـفـاً، ولم تكن هذه العداوة من اختصاص نجد الممسوخة وقبائلها فحسب، بل ان المرض كان متـفـشياً عند لقطاء ولصقاء قريش وحلفائها، كآل ابي سفيان (اُمية) وآل ابي العاص، وآل ابي معيط، وآلسلوم، وآل هذيل، وآل المغيرة، وبنو عبد الدار، وبنو عدي بن كعب وخزاعة واشباههم (١)، فاشهروا العداوة والشقاوة ضد آل عبد مناف وحلفائهم، كبني زهرة، والحارث بن فهر، ومخزوم واضرابهم (٢).

وقد انبرت بعض الاقلام المؤمنة لتأخذ على عاتـقها سـبر اغـوار هذا المجهول وتوضيح معالـم هذه المخاصمة والملاعنة خصوصاً بين آل هاشم بن عبد مناف من جهة، وآل أُمـيـة الـذيـن إلتصـقوا بـعـبد شـمـس واشباههم من قريش، من جهة اخرى، وهم من الدخلاء والغرباء فكانت الطامة الكبرى، حيث بدأ مسلسل العداء والمكابرة والحسد والنفور من آل أمية وآل حرب الى آل هشام وعبد المطلب (٣)، ثم سـرت الى الابناء والاحفاد فظهـرت فيما ساقوه آل ابي سفيان من ظلم وعدوان وبهتـان وقـتـل وتـشريـد لآل ابي طالب عليهم السلام وشيعتهم الابرار.

وصار الخط الأموي يـعـدّ العـدة لمـواجهـة الخط العـلـوي بكل ما يمتاز كل من الخطين من خصوصيات وصفات. والانـكـى والاعجب ان يـتـشابك هذا الخط الاموي بالخط النجدي على طول تأريخ الاسلام، فتـتـولد عجينة ورثت الخـبـث

١٨٥

والدهـاء والحقـد والعـداوة في مقاومـة كل ماهو طاهر ونقي، والذي تجـلـى في الخط العلوي. وهذا ما سوف نتناوله بالبحث والتحليل في هـذه الحـقـيـقـة.

ان التطابق الاخلاقي والمنفعي والارصدة العائـلية بين الخط الاموي المتمثل بابي سفيان واحلافهم، كأبـوجهل، عكرمة بن ابي جهل، العاص بن سعيد، الحكم بن العاص، الوليد بن عتبة، شيبة بن ربيعة، عتبة ومعاوية ابنا ابي سفيان، مروان بن الحكم، عمرو بن العاص، المغيرة بن شعبة، وبني أبي سلول وبني هذيل وبني ابي معيط وبني بكر واشباههم، وكـذلك الخط النجدي المتمثل برؤسـاء قبائل حـنـيـفـة وهـوازن وغـطـفـان واسـد وتـميـم وعُـصية وأشجـع وبـني كلـب وبـني تغـلـب (٤)، جعـلت الاهداف والمصالح، لا بل الـرؤى والميـول تـتطابق بشكل كبير، ولم تكن من قبيل الصدفة ان اغلب من التحق بهذا الركب من الامويين او النجديين (٥)، كانوا ممن لهم سوابق في الزنا والبغاء والربـا فجمعتهم صفات العهر والرذيلة ومقت الخير، كما ذكـر بعضهم سبط ابن الجوزي في كتابه" تـذكـرة خـواص الامـة" (٦). ومن الطبيعي ان هـذه المهـن تورث الكراهية والحقد لكل من يتحلى بالعفة والطهارة، اضافة الى انها لا تُبقي للحياء من سبيل وتسد باب العفة وحب الخير، فهي تذهب بمجامع الفضيلة والكرامة وتفتح طريق الغدر والاثم... ولنرى بعض ما انجب البغاء والعهر من رموز وقـادة، في هذه الاسطر القادمة.

ولنأخذ بعض المقاطع المتفرقة من أشهر المؤرخين المسلمين وهم يصفون بعض سلوكيات هذه القبائل من قريش ونجـد، وسعينا ان نحافظ على عفة الكلام، ونلتزم بالمنهج العلمي، ونترك النص للمؤرخ، فيقول علاء الدين المتقي الهندي، في كتابه"كنز العمال في سنن الاقوال والافعال": ان بني اُمية وبني المغيرة هما الافـجـريـن من قريش (٧). ويضيف عليه المقريزي في كتابه" النزاع والتخاصم": ان نساء ورجال بني امية من أشـد الزناة في العرب ايام

١٨٦

الجاهلية والاسلام (٨). ويشهد ابن هشام في كتابه" مثالب العرب" بقوله: وليس في العرب اكثر من قيس عيلان وتغلب وبنو حنيفة في الزنا (٩).

والادهى والافجع للقلب ان اللواط كان من ابرز الصفات الخاصة ببني امية التي تلتصق بقريش، وكذلك عند اعراب نـجـد، وليكن ذلك... وسحقاً لهم... لكن يحترق القلب وتعتصره الألام، حينما تعرف ان من هؤلاء اللـواطـيـن كانوا في اعلى مناصب السلطة الاسلامية انذاك، فمثلاً عبد الله بن عامر الاموي، كان والياً على البصرة، وحاطب بن عمرو واخوه سهيل بن عمرو من ولاة عثمان على اليمن وحضرموت، وغيرهم الكثير مما نقله ابن عساكر في تاريخه (١٠)، وابن الاثير في" أسد الغابة" (١١)، والرازي في" الجرح والتعديل" (١٢)، وابن سيد الناس في" عيون الاثر" (١٣)، بل ينقل الجاحظ في التاج: ان خلفاء بني امية كانوا يرقصون ويتجردون من ثيابهم بحضرة الندماء والمغنيين (١٤). وهل تعجب - يا اخي القاريْ - حينما تعلم ان سليمان الاموي يشهد على نفسه من لواط اخيه الوليد بن عبد الملك (الخليفة) به (١٥).

وممن اشتهروا باللعب بهم والتخنث كثيرون من آل امية، امثال عبد الله ابو طلحة، وعضان بن ابي العاص بن امية، وسافح بن طلحة، وابو عليط بن عتبة بن ابي­ لهب، وخالد بن ابي العيص بن امية، هذا ما ورد في "تاريخ اليعقوبي"( ١٦ )، وكتاب" اكمال الكمال" (١٧)، و" لسان العرب" (١٨).

اما الاعراب من هوازن وثقيف فكانت تقاتل جيوش الاسلام بنسائهم، فيخرجن من الحصون ويستـقـبـلـن الجيش الاسلامي بعـوارتهن (١٩)، ولا تعجب من ذلك، فأن بنو عبد الدار وآل أمية قد علّموا العرب والاعراب فناً في الدفاع عن النفس امام سيوف بني هاشم، وابتكروا طريقة جديدة في الحرب امام تـرّفع آل عبد المطلب وسموهم الاخلاقي، فهذا ابو سعيد بن ابي طلحة يكشف عورته امام سيف الامام علي عليه السلام في معركة أحد، وبسر بن ابي أرطاة يكررها في يوم صفين، أما عمرو بن العاص، فقد كان أشد حياءاً وأكثر نُـبلاً

١٨٧

من ابناء جلدته (نجـد)، حينما أظهر سوآته ليـرّد بها من اراد قتله، كما اوردها ابن كثير في سيرته (٢٠).

ويذكر الطبري في تاريخه (٢١)، واليعقوبي في تاريخه (٢٢): ان كثيراً من بني سليم وبني أسـد، كانوا ممن يُـلاعب بهم، وقد احرق ابو بكر بعضهم. ونختم هذه المهازل والمثالب، بقول الذهبي في "الخلفاء" (٢٣)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٢٤)، وابن كثير في "البداية والنهاية" (٢٥)، وابن عساكر في تاريخه (٢٦): بان آل اُمية وبني حنيفة وقيس بن عيلان وتغلب، وبعض قريش، قد فازوا بالعدة والعدد من نسائهم" ذوات الرايات والاعلام" في الاسلام وقبله.

وقد اصاب العناء كثير من المؤرخين، حينما ارادوا ان يرتّبوا قائمة باسماء ممن اشتهـروا بالـزنا على العرب جميعاً، وقد سجلوا ما لديهم... ودعونا نأخذ من تلك القائمة من حاز على المدالية الذهبية، فكان جلّـهم من نـجـد: كإمرؤ القيس بن حجر من بني كندة، وعامر بن طفيل من بني حنيفة، والمغيرة بن شعبة وابو محجن من بني ثقـيف، وحكحكة بن قيس ومالك وعتبة ابنا اسماء بن خارجة من بني فزارة، الاحوص من بني سليم، وسعيد بن أسلم من بني كلاب، وابو سفيان وعتبة من بني امية، وغيرهم. ومن اراد المزيد فعليه بقراءة كتب التاريخ والسير (٢٧).

اما زواج هؤلاء الاقوام من لقطاء قريش واعراب نـجـد، لتعرف العجب العجاب، فهنالك اكثر من عشرة انواع من الزواج، كلها سفاح ونكاح مقت، منها زواج الابن بامرأة ابيه، وزواج الاب بامرأة ابنه، ومنها زواج الاخ بالاخت، وزواج الاثنين بواحدة وهلمّ جـرّا (٢٨). وقال الحلبي في" سيرته" يصف انواع النكاح عند الاعراب وقريش في الجاهلية وبعدها، فيقول في نكاح البغايا ونكاح الجمع: انها من أقسام النكاح عندهم، ففي الأول أن يطأ البغي (الزانية) جماعة متفرقين واحدا بعد واحد فإذا حملت وولدت، إلحق الولد بمن غلب عليه شبهه

١٨٨

منهم، والنوع الثاني: أن تجتمع جماعة دون العشرة ويدخلون على امرأة من البغايا ذوات الرايات كلهم يطؤوها فإذا حملت ووضعت ومر عليها ليال بعد أن تضع حملها، أرسلت إليهم فلم يستطع رجل أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها فتقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم وقد ولدت وهو ابنك يا فلان. فتُسمي من أحبت منهم فيلحق به ولدها، ولا يستطيع أن يمتنع منهم الرجل على قبول قسمته (٢٩). وما نسمع به هذه الايام من جهاد المناكحة لا يخرج من دائرة القديم في تقاليدهم وعاداتهم. اما شرب الخمر والربا فوالله لم ينتهوا منهما، وان قالوا انتهينا... انتهينا!!! (٣٠).

واذا كان للام اثر واضح في نشأة ابنها وفطرته وسلوكه وتصرفاته، فلابد اذن من الامانة العلمية بمكان، ان لا نحمّل الرجال من بني أمية أو نجد تبعات مثالبهم وسيئات اعمالهم، بل لربما سبقت المرأة النجدية او بعض القرشية الرجال، فمن الرايات الحمراء على ابواب دورهن، الى ودأ البنات، الى أكل الاكباد، الى كل حرام وفساد... دعونا ناخذ نموذجين واضحين للمثالب تلك الامهات اللواتي لا يلدن الا السيْ الاسوء.

النموذج الاول في هند بنت عتبة بن ربيعة (ام معاوية)، حيث يُقال عنها انها في الاصل بنت سوادة بن ضحاك بن كعب من بني كلب النجدية (٣١). ولهند هذه مثالب ووقائع مع النبي صلّى الله عليه وآله والمسلمين، فهذه المرأة خرجت مع ابو سفيان وجيوش المشركين الذين غادروا مكة المكرمة نحو منطقة" اُحد" لقتال المسلمين، وحينما مروا بـمنطقة (الابواء)، أشارت هند على قومها لنبش قبر آمنة بنت وهب ام النبي صلّى الله عليه وآله، وقالت فان أسر محمد صلّى الله عليه وآله منكم أحد، فديتم كل انسان بأرب من آرابها (أي جزء من جسدها الطاهر عليها السلام) (٣٢).

ودخلت هند ساحة القتال واتجهت صوب قتلى المسلمين ومثـلّـت بالقتلى واتخذت من آذان الرجال وانوفهم خـدمـاً وقـلائـد (٣٣)، وهي من باعت

١٨٩

جسدها مع حفنة مال الى عبدها الزنجي ليغتال غيلة حمزة بن عبد المطلب عليه السلام (٣٤).

وطبعاً لا ننسى انها (اي هند ام معاوية) قد علمت البشرية دروساً في الحقد الاعمى والكراهية والرذيلة، عندما شقت بطن الشهيد حمزة بن عبد المطلب عليه السلام، وأخرجت كبده لتأكله (٣٥).

وهكذا ابناء هند ومعاوية، وميسون ويزيد يفعلون في هذه الأيام الامر نفسه، حذو النعل بالنعل، فأمة الكفر واحدة. والشواهد كثيرة، نتركها للقارئ الكريم.

والنموذج الاخر في نساء القرامطة (ثوار نجد الممسوخة)، حيث كانت تاتي النساء الى سوح القتال بالماء لتقدمها الى بعض من به رمق من صرعى المسلمين، فمن تحرك من مكانه وطلب الماء، أجهزن عليه بالسكاكين ليقطعوه أرباً أربا (٣٦).

لنعد الى صلب الموضوع، ونقول: اذا ما تبادر الينا ان ننقل بعض ادبيات هؤلاء الخلفاء والامراء وسادة القبائل، في كلامهم وتعاملهم مع المسلمين، او فيما بينهم، لجاوزنا حـد الادب ونزاهة الكتابة، لكن لتعلم - ايها القارئ الكريم - ولأمانة التاريخ، ان كلامهم لـبذئ، جارح، فاحش، ساقط، سيئ، ساقط يتسامى عنه من له شِـمّـة حياء أو مسحة عفاف (٣٧). وعلى سبيل المثال، ننقل هذا المقطع المخيف ممّا قاله الخليفة الأموي لعمّار بن ياسر، حينما دافع عن أبا ذر وترحيله إلى الربذة (نجد)، فقال له: ياابن المتكاء، و يا عاض أير أبيه. هذا النص ينقله البلاذري في "أنساب الأشراف" واليعقوبي في "تاريخه"، وابن قتيبة في "الإمامة والسياسة"، وابن عبد ربه في "العقد الفريد"، وابن أبي الحديد في "شرح نهج البلاغة" وغيرهم كثيرون (٣٧*).

والعجب في الامر انه كيف ينتهي الامر عند نقطة الدائرة، ليلتقي الخط الاموي بكل شخوصه واشخاصه واتجاهاته وميوله وهم في عداء سافر ومكشوف الهوية وواضح الخطوط ضد النبي وآل النبي (صلوات الله عليهم

١٩٠

اجمعين) (٣٨)، ليكـون في توافق تام واندماج واضح مع الخط النجدي بكل قبائله ورجالاته وسادته.

لقـد ذكـر اغلب المؤرخين من امثال الذهبي والطبري وابن الاثير وابن كثير والبلاذري وابن ديار البكري (٣٩)، واصحاب السـيّـر كابن هـشام والواقـدي والبيهـقي وابـن سيد الناس والحلبي (٤٠)، وغيرهم (٤١): انه كانت هنالك جبهة قوية معارضة بوجه رسول الله صلّى الله عليه وآله مكونة من اعراب وسادات هوازن وثقيف وسليم وتميم وبني حنيفة وغطفان من جهة، واقوام من قريش كبني امية والمغيرة واغلب الطلقاء والمنافقين المنتمين الى المهاجرين والانصار من جهة اخرى، على طول خط الرسالة وخصوصاً في السنوات الاخيرة من حياة النبي صلّى الله عليه وآله (٤٢)، ونتصفح ذلك في مؤامرات اغتيال النبي صلّى الله عليه وآله وعدم طاعته في اوامره ونواهيه، وحركاتهم المنافقة ضد الاسلام والمؤمنين، والتجسس لصالح العدو (٤٣)، وخذلان النبي صلّى الله عليه وآله في الحروب، بل افتعال الهزائم والهروب من المعركة لكسر شوكة المسلمين، وكذلك في قتل الاسارى ومن اعلن اسلامه لإثارة الناس ضد النبي صلّى الله عليه وآله، ومعاداة الاسلام، ويضطر النبي صلّى الله عليه وآله ليدفع ديات اؤلئك المغدورين بهم، لاحقاً (٤٤).

فهؤلاء الذين كانوا اصحاب المشاكسات والنعرات والنفاق، والتي كانت تقض مضجع نبينا الكريم صلّى الله عليه وآله، وتتنزّل عليهم الايات تلو الايات في فضحهم ولعنهم والتبرئ منهم... أصبحوا يوما ما قادة جماهير الـردة بعد إرتـحـال الرسول الاكـرم صلّى الله عليه وآله، ويوما آخـر كانوا يـقـاتـلـون كأنهم اصحاب الدار في حرب الجمل مع سائر الناكـثـين تحت راية عائشة بنت ابي بكر، وهـم انفسهم يصـطفـون مع القاسـطـين تحت راية معاوية ابن ابي سفيان. ولم تـغـب هذة الاشارة عند المؤرخ زكريـا بن محمد القزويني في كتابه" آثـار البلاد وأخـبار العبـاد" (٤٥)، حيث قال: ان اعراب نجد كبـني حنيفة وغيرهم كانوا اشد الناس عـداوة وضراوة في حـروبهم ضد عـليٍ عليه السلام والمسلمين في معركتي

١٩١

الجـمـل وصفـيـن. وبعدها تغيرت اتجاه البوصلة عند هـولاء فكانوا هم المارقين تحت راية الخوارج الحمراء.

وخلال هذه السيرة الذاتية لقادة اعـراب نجد وقبائلها، والتي استمرت لعدة عقود، تـلّـونوا كالحرباء وقـاتـلوا كاصحاب قضية، فكانوا مع الخط الاموي كالشريـكـين يختلفون يوماً، ويتقاطعون آخـر، ويتـشـتتـون اياماً اُخـر، لكنهم وفجاءة تجدهم قـد اجتمعوا وتوحدت كلمتهم في حربهم ضد الامام الحسين عليهم السلام في معركـة كـربلاء المقدسة.

وعلى هذا المنوال في مسيرة هـذيـن الركبـين الاموي والنجدي وعلى طول الخط، كان لليهود الوجود الحاضر والداعم الاهم بالمال والسلاح والخطط والمناهج، يقدمونها بكل اخلاص وحب لقادة قريش المشركين او رؤوساء قبائل نجد المنافقين. فمثلاً، لقد كانت لابي سفيان صلات ومراودات مع اليهود، يخططون ويعقدون التحالفات ويحشدون الجيوش لقتال المسلمين (٤٦)، وليس اصدق من الحاخام كعب بن الاشرف والحاخام حـيـيّ بن اخطب سيد بني النظير حيث قـالا لقريش: ان قومنا بني قريظة والنضير معكم ضد المسلمين، لا يرمون الحياة بعدكم. كما يرويها السيد العاملي في كتابه" الصحيح من السيرة" (٤٧).

ولا يخفى على احد ممن له اطلاع على تاريخ قبائل نجد، ان قادة اليهود خرجت حتى أتـت غطفان وقيس عيلان وبني سليم وكلهم من نجد، ولم يكن احد اسرع من عيينة بن حصن وقومه اشجع لقبول شرائط اليهود للوقوف امام المد المحمدي مقابل صدقات اليهود ومعوناتهم (٤٨)، وقد كان قوت قبيلة غطفان النجدية من ثمر خيبر، بشرط مشاركتهم مع القبائل النجدية الأخرى، وبني أمية ومنافقي قريش ضد المسلمين (٤٩).

وعند بزوغ شمس الاسلام كانت نجـد واعـرابها تتوحد مع كثير من قبائل وقادة قريش للوقوف في وجـه الرسالة، وقـد واجـهـوا الرسول صلّى الله عليه وآله

١٩٢

والمسلمين بانواع المصائب والبلايا وصبوا جـام غضبهم على اهل التوحيد والخلق السليم والصراط السوي.

ونضرب مثلاً واحداً بهذا الخصوص: ففي واقعة الخندق او ما تُـعـرف بحـرب الاحـزاب، حيث نستمع وباختصار الى ابن سعد في" طبقاته الكبرى" (٥٠)، والواقـدي في" مغـازيه" (٥١)، والصالحـي الشامي في " السيـرة الشامية" (٥٢)، والمسعودي في" التنبيه والاشراف" (٥٣)، حيث وصفـوا الواقعة قائلـيـن: فخرجت قريش وقائدها ابو سفيان بن حرب ومعها كنانة واحلافهم من اهل تهامة، وخرجت قبائل نجد كغطفان، وكان على رأس بني فـزارة، عُـيـيـنة بن حصن، وخرجت اشجع وقائدها مسعر بن رُحـيلة بن نويرة، وخرجت بني مرة ورئيسها الحارث بن عوف، وجاءت بنو سـلـيـم وقائدها سفيان ابو الاعور، وجاء بنو اسد وعليهم طليـحة بن خـويلـد، وجـاء بنو وائل وعليهم حوج بن عمرو وابو عمار (الراهب)، وجاءت هوازن وعليها سـوق بن فـردان، وخرجت تميم ومعها ابو حـفـش صـهـب بن حائـل. وحطب هولاء الاقوام المشـتـركة من نجد وقريش، وفـتيـلها المشتعلـة كانت قبائل بني النضـير اليهودية وعلى رأسهم سلام بن ابي الحقيق وحـيـيّ بن أخطب وكنانة بن ربيع، وبني القـريـظة اليهـودية وعـليهم كـعب بن اسـد (٥٤).

وهكذا ترى - ايها القارئ الكريم - كيف اندمج الخبث اليهودي والحقد القرشي والنفاق النجدي، لـيُـسـفر عن جيشٍ بـلغ عـدده العشرين الـفاً او يزيدون. ولا تـغُـرّك، هذه الجموع المتكالبـة ضد الاسلام والمسلمين، فابدانهم سوية وقلوبهم شتى. فلم يك اتحـاد هـؤلاء الاقوام علـى أسـاس الدين او وشائج الايمان او نقاء السريرة او حسن السلوك، ليكونوا لُحمة واحدة ضد من سواهم، بل كان جمعهم لاجل الطمع في الحصول على الغنائم واسـتباحة الاعـراض وأزهـاق النـفـوس، فـتراهم مع اول عاصفة تـحيط بهم متشتـتـين

١٩٣

متناحرين، بل حينما تـتـزاحم مصالحهم وتـتـقاطع اهوائهم تجدهم يتـناوشون كالذئاب ويتـقـاتـلون كالكلاب فيما بينهم.

وهـذا ما إسـتـخـدمه النبي الاكـرم صلّى الله عليه وآله، وهـو العالم بهم وبأهوائهم ومصالحهم، في تـفـريـق جمعهم وتبـديـد شملهم. ولـنضرب لذلك بعض الامثلة:

فهذا مالك بن عوف من بني مالك النجدية، يقول لصاحبه صفـوان ابن اُمية القـرشي، كما ينقلها ابن كـثـير في كتابه" البداية والنهايـة" (٥٥)، فحينما بـانَ الانكـسار في جـيـش المسلمين مع بداية معـركـة حـنـيـن، قال: ان إبـشر يا صفوان بهزيمة محمد صلّى الله عليه وآله واصحابه، فوالله لا يـجـبرونها ابداً، فقال له صفوان: اتُـبشرني بـظهـور (انـتـصار) الاعراب من نجد، فوالله لَـرَبٍ من قريش أحـبُ الـي من ربٍ من الاعـراب، وغضب صفوان لذلك وقاتله (٥٦).

وهذا مصعب بن شيبة، كما ذكـره البيهقي في تاريخه (٥٧)، يقول عن لسان ابيه، في سبب قتاله الى جنب المسلمين: خرجت مع رسول الله صلّى الله عليه وآله يـوم حـنـيـن، مـا أخرجني اسـلام ولا معـرفـة به، ولكـن ابيـت ان تظـهر هـوازن على قـريـش.

وما ظهرت من المثالب والغصص في السقيفة، بين اولئك القوم وطريقة انتخابهم للخليفة لتجد العجب العجاب في جاهلية القوم وعصبياتهم القبيلية وتحالفاتهم العشائرية، التي لم تمت في نفوسهم، ولم تغب عن تصرفاتهم... بعيدا عن كل دين وتقوى أو اخلاق وفضائل... فتعالت الصيحات الجاهلية، وظهرت الاصطفافات القبلية، واشتدت النعرات الاعرابية (٥٨)، على قدم وساق، وكادت الحرب ان تقع بينهم، بل كان المهاجرون والانصار أشد المتخاصمين على الفوز بالخلافة (رئاسة القوم). حتى انبرى الخليفة عمر بن الخطاب، كما جاء في الصحيحين (٥٩)، ومسند بن حنبل (٦٠)، والمنهاج لابن

١٩٤

تيمية (٦١)، واغلب كتب السير، ليصف تللك الحادثة بقوله: انما كانت بيعة ابي بكر فلتة، ولكن قد وقى الله شرّها (٦٢).

وحادثة اخرى... حينما اشتهرت دعوة مسيلمة الكذاب في بني حنيفة النجدية، خافت بنو تميم وكانت منهم سجّـاحة النصرانية، المدعية للـنبـوة، ان ياخذ بنو حنيفة نصيباً اكبر من الشهرة، وربما ملكوا العرب لو آمنت بهم قبائل اخرى من الاعراب بدعوتهم الجديدة (٦٣)، لذلك جهز بنو تميم جـيـشاً كبيراً لحرب بني حنيفة وقتل مسيلمة الكذاب (٦٤)، ولكن مسيلمة الكذاب استطاع بسياسته ودهائه ان يجلب اليه سجاح فيتزوجها ويمهرها برفع صلاة العصرعن ملتهم النجدية، فبنو تميم وحلفائهم، الى الان بالمرة لا يصلون صلاة العصر، ويقولون هذا حق لنا، ومهر كريمة منا لا نردّه (٦٥).

كل هذه الشواهد والمواقف تعضد وتؤكـد النظرية القائلـة بان هذين الخطين(الاموي والنجدي)يجـتـمعان ويتـآلـفان حينما يكـونا مقابـل مظاهـر الطهر والعدالة والاستقامـة، ويختـلـفـان حينما يكون أحـدهما في مقابـل الآخـر.

ومما لا شك فيه أن رسول الله صلّى الله عليه وآله كان ينظر بعين واحدة الى قادة قـريـش المنافقين وكبارها، كما ينظر الى قبائل نـجـد وساداتها... فهو(سلام الله عليه) يُـعـطي المـؤلـفـة قلـوبهم من الغنائم والامـوال، ما يستميل بها ارواحهم الشريرة، فمثلاً، كما ينـقـل البيهقي في" دلائـله" (٦٦)، وابن هشام في" سيـرتـه" (٦٧)، فقد اعـطـى رسول الله صلّى الله عليه وآله، من غنائم واموال حـنيـن الى ابي سفيان صخـر بن حـرب مائـة من الابـل، واعطى ابنه معاوية بن ابي سفيان مائـة من الابـل، واعطى صفـوان بن اُميـة مائـة، وحـكـيم بن حـزام مائـة، واعطى عيينة بن حصن مائـة، واعطى الاقـرع بن حـابس مائـة، واعطى علقمة بن عـلاثـة ومالك بن عـوف والعباس بن مـرداس والحارث الدار... فبـعـض من هولاء هم من قريش وكبار منافقيها، والبعض الاخر من نجد وساداتها.

١٩٥

وحينما يذم رسول الله صلّى الله عليه وآله اقوامـاً كانوا يـؤذونـه، ويقاتـلـون المسلمين، ويسعون في فساد الارض ومن عليها (٦٨)، فيقول صلّى الله عليه وآله كما جاء في سنن النسائي الكبرى، عن عمرو بن عبسة السُّلمي انه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله:" أكثر القبائل في الجنة مذحج وأسـلم وغـفـار ومـزيـنـة وأحلافـهم من جـهـيـنـة، خيـر من أسـد وتـمـيـم وهـوازن وغـطفان عـند الله يوم القيامة، وما أبالي أن يهلك الحيان كلاهما، وبـنـو عُـصية عصوا الله ورسوله" (٦٩).

فهـذه القبائل التي ذمهـا رسول الله صلّى الله عليه وآله، أسـد، تـميـم، غـطفان، هـوازن، و....، هـنّ من قـبـائـل نـجـد المذمومـة. واما القبائل التي مدحها (صلوات الله عليه وآله)، أي أسـلـم وغـفـار ومـزيـنة وجـهينـة ومذحج، فهـنّ من قـبـائـل الحجـاز وتـهـامـة واليـمن (٧٠). ونحو ذلك ما اخرجه الالباني في" السلسلة الصحيحة" (٧١)، والحاكم في" المستدرك" (٧٢).

اما المؤرخ المتقي الهندي فيـروي عن الزهري في كتابه "كنز العمال في سنن الاقوال والافعال" (٧٣): ان رسول الله صلّى الله عليه وآله قال: "شـر قبائل العرب بـنـو اُمـيـة وبنـو حـنـيـفـة وثـقـيـف"، ونحوه ما ذكره ابن كثير في" البداية والنهاية" (٧٤). كما يروي ابي برزة الاسلمي قائلاً: كان ابغض الاحياء الى رسول الله صلّى الله عليه وآله: بنو امية وبنو حنيفة وثقيف (٧٥).

وحينما قرر عثمان ان ينفي ابا ذرٍ الى الربـذة، بعد ان أفسد عليه دنياه، وأظهر عيوبه وفراقه عن الدين (٧٦)، فقرر عثمان نفيه الى نجد... فقال له ابا ذر: أأخرج الى نجـد؟!، إذاً هو التـعـرب بعد الهجرة، فقال عثمان له: الشرف... الشرف الابـد (٧٧).

لقد حارب أبو سفيان وآله قاطبة الحق والعدل على مدى تاريخهم الاسود وسعوا في إطفاء نـور الله سواء ما خططوا له في دار الندوة من قتل النبي الاكرم صلّى الله عليه وآله وتأليب المشركين عليه، او في حصار شعب ابي طالب، او في بـدر وأُحـد والاحزاب، أو ما بعد مرحلة الرسول الامين صلّى الله عليه وآله في معـركة

١٩٦

الجمل وصفـيـن والنهروان، ثـم في واقـعـة كربلاء المقدسة، وما تخللها من عداء للامام علي ومحـاولاتهم في اقصاء ولده عليهم السلام، وملاحقة اصحابهم وشيعـتهم ومواليـهم (رضوان الله تعالى عليهم) تحـت كل حجـر ومـدر (٧٨).

وقد لخص مولانا الامام الصادق عليه السلام، كما يرويه العلامة المجلسي في كتاب" بحار الانـوار"، هذا التفاوت والعداء بسب العقيدة والسلوك وليس عداءاً شخصياً وانتفاعياً، كما قد يحلو للبعض تفسيره، فيقول عليه السلام: إنّـا وآل أبي سفيان، أهـل بـيتـيـن تـعـاديـنـا في الله، قـلـنـا صـدق الله، وقـالـوا كـذب الله (٧٩).

ولنرجع الى الوراء قليلاً، فعند بزوغ شمس الاسلام وقـفـت قـريـش وقبائلها وقادتها ضد الدعوة المحمديـة، واسـتطاعت بسهولـة استقطاب نجد واعرابها وقبائلها وقادتها للوقوف ضـد الرسالة والرسول صلّى الله عليه وآله، ووجـهـوا معاً سهام عـداوتهم نحـو الرسالة والرسول صلّى الله عليه وآله، وصبوا جام غضبهم وكفـرهم ونـفاقـهـم على اهل التوحيد والخلق السليم والصراط السوي (٨٠).لكنه سرعان ما سقط الخط الاموي في قيادة المقاومة الجاهلية النجدية ضد النبي صلّى الله عليه وآله ودينه المبين بعدما سقط اغلب قادته صرعى بسيف علي عليه السلام (٨١)، واندحر ذلك الخط المتمثل بابي سفيان وعقبة بن ابي معيط وبيوتات الحكم بن العاص وابو جهل(الحكم بن هشام) ومغيرة بن شعبة وغيرهم، وهـم قادة الضلال بعد ان عـفى الرسول صلّى الله عليه وآله عمن بقي منهم بعـد فتح مكة المكرمة، وطوقهم (صلوات الله عليه وآله) بالفضل والـمنـة واطلق سراحهم، فحملوا اسم" الطلقاء" (٨٢).

ولكـن الحزب الاموي أعـاد تنظيم نفسه بعد رحيل النبي صلّى الله عليه وآله، وبعدما كان يعيش مرحلة السقوط والتواري عن مسرح الاحداث والابتعاد عن الاضواء، وخصوصاً انهـم تـفـاجـأوا بانهم قد اُبعـدوا عن الخلافة في سقيفة بني

١٩٧

ساعدة (٨٣)، ولم يكن لهم دور متميز في منظومة الحكم انذاك، فبدأوا بـتـنظـيم اوضاعهم الداخلية، والبحث عن أقـرب الطرق للوصول الى اهدافهم، والحصول على مواقع متقدمة تكـون محطاً لاقـدامهـم، بالاخـص حينما أُقـصـي الامام علي عليه السلام عـن حـقـه الطبيـعـي في الخلافة، فاصبحت درجـة الخلافـة ولباسها شـيْ مُـهـان ورخيص، يمكـن ان يُـطالب به كل من يهـوى الخلافـة ويـروم القيادة، حتى كتب بعض المؤرخين قوائم مطولّة وضخمة ممن رام الخلافة وسعى اليها (٨٤).

لقد كانت الهدية العظمى للخـط الاموي هو حينما أعطى الخليفة ابو بكر ولاية الشام ليزيد بن ابي سفيان، مقابل تامين الخط الاموي الدعم الكافي لاركان الخلافة، امام خط بني هاشم (٨٥)، وكذلك الامر نفسه مع الخليفة عمر حيث اعطى ولاية الشام لمعاوية بن ابي سفيان بعد موت اخيه يزيد (لحسن ظنه به) (٨٦)، فكانت الفرصة الذهبية لان يركز الامويون وجودهم فيها بعـيداً عن المركـز ومـراقـبة الصحابة، ويبنوا لهم القوة العسكرية والقاعدة الرصينة للحزبهم الاموي، وبالاعتماد على قوة وكـثـرة الخط النجدي المهاجر اليهم.

وحينما تولى عثمان ابن عفان بن ابي العاص بن امية بن عبد شمس الخلافة (٨٧)، بعد مسـرحيـة الشورى والتي لم تكـن اقـل عن بيعة السقيفة ظلماً وإجـحافـاً بحـق الامام علي عليه السلام، فتح الخليفة!!! ابواب الخلافة وخزائنها ومقـدراتها لآل اُمـيـة، فاستغل الحزب الاموي ذلك الامر فـتسللوا الى أجهزة الدولة ومرافق الحكم، بتعيينـه اياهم ولاة وامراء وقادة جيوش وامناء بيت المال ومتـنفـذين واصحاب القدرة، واهل العقد والفصل في مركز الخلافة وخارجها، ومن خلال ما أعـاد لهم من اعتبار ومكانـة، وما آثرهم به من بيت المال على حساب بقية المسلمين (٨٨).

وليس من شك في أن عثمان هو الذي مهّد لمعاوية ما اتيح له من نقل الخلافة تـدريـجـيـاً وفي ذات يوم إلى آل أبي سفيان، وتـثبـيـتها في بني أمية،

١٩٨

فعثمان هو الذي وسّـع على معاوية في الولاية والـحـكـم، فضم اليه فلسطين وحمص، وأنـشـأ له وحدة شامية بعيدة الارجاء، وجمع له قيادة الاجناد الاربعة (٨٩)، ثم تسلل (الحزب الامـوي) في سُـلّـم القيادة الاسلامية عبر عثمان بن عفان ومساعيه الحثـيـثـة والصادقـة لهم، فكانت جيوش معاوية بن ابي سفيان أقوى جيوش المسلمين، ثم مدَّ له في الولاية أثناء خلافـته كلّها، وأطلق يده في أمور الشام تماما كما كان من قبل... حينما تهيئت الظروف أمام معاوية وغيره، وهم يعلمون بنظراتهم الثاقبة البعيدة، مدى حرص بني أمية على المُـلك حين يصل دورهم اليه، ليستمر منع بني هاشم من الوصول نهائياً إلى أولمبياد الخلافة... (٩٠).

وقـد نقض عثمان بن عفان في سبيل الحـزب الامـوي، حكم رسول الله صلّى الله عليه وآله بـنـفـي الحكم ابن العاص وابنه مروان خارج المدينة المنورة ولعنهما، فسمح لهما بالرجوع الى المدينة المنورة، وهـذا مما لم يوافق عليه ابـو بـكـر ولا عـمـر من قبل في ردّهـما، لكن عثمان ردّهما وخالف كل من اعترض عليه، كما يقول البلاذري في" جُـمـل من انساب الاشراف" (٩١). وجاء الحكم بن العاص وابنه مروان بجماعة كبيرة من اولئك الاشرار وعبـدة الأصنـام من اعراب نجد وقادة قبائلها، وفسح لهم المجال للتغـلغـل في حكومة عثمان بن عفان، وخصوصاً في مـراكـز قيادة الجيـوش وامـراء المـدن، واصبح كل من الحكم بن العاص وابنه مروان عرّابين ومحورين لجمع كبار الخط الاموي مع الخط النجدي والذي اصبح في المستقبل يمثل مركز وثقل الخط الخارجي (٩٢).

وأصـم عثمان بن عفان اُذنـيه وسـدّ عيـنـيه، عما كان يرفعـه المسلمون من الشكاوي والتي ينقلها اليه كبار الصحابة لتلك المثالب والتلاعـب بأحكام الدين التي كان يفعلها امراء الحزب الاموي وقادة نجد في المركـز والـولايات، حتى طرد الصحابي الجليل ابا ذر من المدينة المنورة (٩٣)، وداس في بطن

١٩٩

الصحابي عمار بن ياسر حتى فُـتـقـت بطنه لاعتراضهما عليه (٩٤)، وهـي ما أدت في النهايـة الى انـدلاع ثـورة المسلمين عليه وانتهـت بقتله. اما الحزب الاموي فلم يقدم على تخليص خليـفـتـهم الذي ضحى بحياتـه من أجـلـهم، وقـد كانت جيوش معاوية على ابواب المدينة المنورة، وعثمان محاصـر في بيتـه، واستفادوا من قتله بعد ان خذلوه (٩٥).

لقد تحول الامويون الى حزب حاكم وطبقـة رأسمالية مستغـلة مستبدة، بعد ان كانوا فـئـة منـبـوذة. ولم تخـف هذه الطعون والمثالب على اي باحث مُـنـصف ليعرف مدى المصائب والنوائب التي حـلّـت بالاسلام والمسلمين من جـراء دسائـس وخبائـث وجرائم آل اُمـيـة، حيث كان معاوية وريث تلك الثارات السفـيـانـيـة والاحقـاد القريشيـة والنفاق النجدي، مع سلوك يومي لم تفارقه روح العصبية والقبلية التي امتاز بها في الجاهليـة الاولى (٩٦).

وليس من الانصاف والعقل ببعيد ان نتهم الامويون، بعدائهم للاسلام والمسلمين مرتين، فمرة دفعوا قائد الحق والنور والعدل عن دفة الحكم، وقاتلوا علياً واولاده، وأخفوا فضائلهم وعلمهم وسيرتهم الهادية عليهم السلام، ونصبوا لشيعتهم ومحبيهم الاعواد والنار والتشريد والظلم (٩٧)، ومرة أخرى، أضلوا عموم المسلمين عن الاسلام المحمدي وقوانينه وحدوده الالهية الصحيحة، وجاءوا باسلام اليهود والشرك والنفاق والعهر والفساد والتقتيل والخيانة، وقالوا للناس هذا دين محمد صلّى الله عليه وآله (٩٨).

فالشيعة والسنة مظلومون مقهورون... فهذا بالاقصاء والقتل، وهذا بالقهر والتضليل....

لقـد كان معـاويـة بن ابي سفيان، بحق مثالاً فريداً في المكـر والخديعة وعـدم الاكـتراث بأبسط القيم الاخـلاقية، وقـد اعطى صورة بشعة ومطابقة تماماً عن الاعـرابي المتمسك بجاهليتـه وهـو يتـربع على أعـلى سلطـة في البلاد الاسلامية، حتى انبـرى شخص بعد اكثر من الف عام وهو السير جورج

٢٠٠