الجريمة الكبرى الجزء ٢

الجريمة الكبرى0%

الجريمة الكبرى مؤلف:
الناشر: المركز الوثائقي للدفاع عن المقدسات الإسلامية
تصنيف: أديان وفرق
الصفحات: 399

  • البداية
  • السابق
  • 399 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 1212 / تحميل: 269
الحجم الحجم الحجم
الجريمة الكبرى

الجريمة الكبرى الجزء 2

مؤلف:
الناشر: المركز الوثائقي للدفاع عن المقدسات الإسلامية
العربية

يوسف بن عبد الله (ابن عبد البر) القرطبي: ج١ ص٣٢٩؛ أسد الغابة في معرفة الصحابة، علي بن محمد بن عبد الكريم (ابن الأثير) الجزري: ص٤٦١ ؛ الأخبار الطوال، أحمد بن داود الدينوري: ص١٤٥.

٢٦٧- شرح نهج البلاغة، الحافظ ابن أبي الحديد المعتزلي: ج٨ ص٢٥٦ - ٢٥٨؛ أعيان الشيعة، العلامة السيد محسن الأمين العاملي: ج٤ ص٢٣٧؛ تاريخ اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب (ابن واضح) اليعقوبي: ج١ ص١٧١ - ١٧٢؛ الطبقات الكبرى، محمد بن سعد بن منبع (ابن سعد) البصري: ج٤ ص٢٢٦ - ٢٢٩؛ تاريخ الطبري، تاريخ الأمم والملوك، محمد بن جرير الطبري: ج٣ ص٣٣٦؛ مروج الذهب ومعادن الجوهر، علي بن حسين بن علي المسعودي: ج١ ص٦٩٨.

٢٦٨- الطبقات الكبرى، محمد بن سعد بن منبع (ابن سعد) البصري: ج٤ ص٣٥٤؛ المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين، محمد ابن حبان بن أحمد (ابن حبان) السجستاني: ج١ ص٣٥؛ شرح نهج البلاغة، الحافظ ابن أبي الحديد المعتزلي: ج٨ ص٢٥٦.

٢٦٩ دائرة المعارف الإسلامية الشيعية، السيد حسن الأمين: ج٦ ص١٠٥.

٢٧٠- الكامل في التاريخ، علي بن محمد (ابن اثير) الشيباني: ج٣ ص٤٧٧.

٢٧١- أنساب الأشراف، أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري: ج٥ ص٥٣٠.

٢٧٢- الأخبار الطوال، أحمد بن داود الدينوري: ص١٤٥؛ تاريخ الطبري، تاريخ الأمم والملوك، محمد بن جرير الطبري: ج٤ ص٤٨٥؛ الكامل في التاريخ، علی بن أبي الكرم (ابن الأثير) الشيباني: ج٣ ص٢٣١.

٢٧٣- أنساب الأشراف، أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري: ج٥ ص٢٣٥.

٣٢١

٢٧٤- الكامل في التاريخ، علي بن محمد (ابن اثير) الشيباني: ج٤ ص١٨٦٤؛ الاستيعاب في معرفة الأصحاب، يوسف بن عبد الله (ابن عبد البر) القرطبي: ج١ ص٣٢.

٢٧٥- الإمامة والسياسة، عبد الله بن مسلم (ابن قتيبة) الدينوري: ج١ ص١٦٩ - ١٧١.

٢٧٦- أنساب الأشراف، أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري: ج٢ ص٣٧١؛ الکامل في التاريخ، علي بن محمد (ابن الأثير) الشيباني: ج٣ ص٣٧٧؛ الأخبار الطوال، أحمد بن داود الدينوري: ص٢١٠؛ الإمامة والسياسة، عبد الله بن مسلم (ابن قتيبة) الدينوري: ج١ ص١٦٩.

٢٧٧- الغارات، إبراهيم بن محمد بن هلال الثقفي الكوفي: ج٢ ص٤١٦ - ٤٢٦؛ تاريخ اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب (ابن واضح) اليعقوبي: ج٢ ص١٩٦؛ أنساب الأشراف، أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري: ج٢ ص٤٣٨؛ تاريخ الطبري، تاريخ الأمم والملوك، محمد بن جرير الطبري: ج٥ ص١٣٥.

٢٧٨- الفتوح، محمد بن علي (ابن الأعثم) الكوفي الكندي: ج٤ ص٢٩٥ - ٢٩٦؛ أنساب الأشراف، أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري: ج٣ ص١٥١؛ الأخبار الطوال، أحمد بن داود الدينوري: ص٢٢٠.

٢٧٩- أنساب الأشراف، أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري: ج٥ ص٢٤٥؛ الکامل في التاريخ، علي بن محمد (ابن الأثير) الشيباني: ج٣ ص٤٧٣؛ الأغاني، علي بن حسين بن محمد (أبو الفرج) الأصفهاني: ص٩١ - ٩٢؛ الأخبار الطوال، أحمد بن داود الدينوري: ص٢٢٣.

٢٨٠- أنساب الأشراف، أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري: ج٥

٣٢٢

ص٢٤٢ - ٢٤٤ و٢٤٧؛ الأغاني، علي بن حسين بن محمد (أبو الفرج) الأصفهاني: ص٩٠ - ٩١؛ الأخبار الطوال، أحمد بن داود الدينوري: ص٢٢٣؛ تاريخ اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب (ابن واضح) اليعقوبي: ص٢٣٠؛ الطبقات الكبرى، محمد بن سعد بن منبع (ابن سعد) البصري: ص٢٤٢؛ الكامل في التاريخ، علي بن محمد (ابن الأثير) الشيباني: ج٣ ص٤٧٤.

٢٨١- أنساب الأشراف، أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري: ج٥ ص٢٤٨ و٢٥٠ - ٢٥١؛ تاريخ الطبري، تاريخ الأمم والملوك، محمد بن جرير الطبري: ج٥ ص٢٥٨ و٢٦٣؛ الطبقات الکبری، محمد بن سعد بن منبع (ابن سعد) البصري: ص٢٤٢ - ٢٤٣.

٢٨٢- الطبقات الكبرى، محمد بن سعد بن منيع (ابن سعد) البصري: ص٢٤٣؛ تاريخ الطبري، تاريخ الأمم والملوك، محمد بن جرير الطبري: ج٥ ص٢٦٩ - ٢٧٠؛ أنساب الأشراف، أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري: ج٥ ص٢٥٤؛ الكامل في التاريخ، علي بن محمد (ابن الأثير) الشيباني: ج٣ ص٤٨٣ - ٤٨٤؛ الأخبار الطوال، أحمد بن داود الدينوري: ص٢٢٣.

٢٨٣- أنساب الأشراف، أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري: ج٥ ص٢٥٦ - ٢٥٧؛ الأغاني، علي بن حسين بن محمد (أبو الفرج) الأصفهاني: ص١٠٠؛ تاريخ الطبري، تاريخ الأمم والملوك، محمد بن جرير الطبري: ج٥ ص٢٧٢ - ٢٧٣؛ الکامل في التاريخ، علي بن محمد (ابن الأثير) الشيباني: ج٣ ص٤٨٤.

٢٨٤- مروج الذهب ومعادن الجوهر، علي بن حسين المسعودي: ج٢ ص٨ وج٣ ص٤ و١٢؛ أنساب الأشراف، أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري: ج٥ ص٢٥٧؛ تاريخ الطبري، تاريخ الأمم والملوك، محمد بن جرير

٣٢٣

الطبري: ج٥ ص٢٧٥ - ٢٧٦؛ الكامل في التاريخ، علي بن محمد (ابن الأثير) الشيباني: ج٣ ص٤٨٥.

٢٨٥- أنساب الأشراف، أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري: ج٥ ص٢٥٧؛ تاريخ الطبري، محمد بن جرير الطبري: ج٥ ص٢٧٥؛ الأغاني، علي بن حسين بن محمد (أبو الفرج) الأصفهاني: ص١٠١؛ الكامل في التاريخ، علي بن محمد (ابن الأثير) الشيباني: ج٣ ص٤٨٥.

٢٨٦- تاريخ الطبري، محمد بن جرير الطبري: ج٢ ص١٣٥ وج٥ ص٢٧٥ وج٦ ص١٥٦؛ تاريخ اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب (ابن واضح) اليعقوبي: ج٢ ص١٦٤ و٢٣١؛ أنساب الأشراف، أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري: ج٥ ص٢٥٧ و٢٦١؛ الکامل في التاريخ، علي بن محمد (ابن الأثير) الشيباني: ج٣ ص٤٧٢ و٤٨٥؛ الأغاني، علي بن حسين بن محمد (أبو الفرج) الأصفهاني: ص١٠١؛ الطبقات الكبری، محمد بن سعد بن منبع (ابن سعد) البصري: ص٢٤٣؛ الإصابة في تمييز الصحابة، أحمد بن علي (ابن حجر) العسقلاني: ص٣٤؛ تاريخ خليفة، أبو عمرو خليفة بن الخياط الشيباني (ابن خليفة): ص١١٧؛ مروج الذهب ومعادن الجوهر، علي بن حسين بن علي المسعودي: ج٣ ص٣؛ الاستيعاب في معرفة الأصحاب، يوسف بن عبد الله (ابن عبد البر) القرطبي: ج١ ص٣٣١؛ أسد الغابة في معرفة الصحابة، علي بن محمد بن عبد الكريم (ابن الأثير) الجزري: ص٤٦٢.

٢٨٧- تاريخ اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب (ابن واضح) اليعقوبي: ج٢ ص٢٦٦؛ الاستيعاب في معرفة الأصحاب، يوسف بن عبد الله (ابن عبد البر) القرطبي: ج١ ص٣٣٢؛ فتوح البلدان، أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري: ص٧٣٩؛ الأخبار الطوال، أحمد بن داود البلاذري: ص٢٢٣ - ٢٢٤؛ الإمامة والسياسة، عبد الله بن مسلم (ابن قتيبة) الدينوري: ص٢٠٤؛ أنساب الأشراف، أحمد بن يحيى بن جابر

٣٢٤

البلاذري: ج٥ ص١٢٠ - ١٢١.

٢٨٨- مجمع البيان، العلامة الشيخ فضل بن حسن الطبرسي: ج١٠ ص٣١٠.

٢٨٩- أسد الغابة في معرفة الصحابة، علي بن محمد بن عبد الكريم (ابن الأثير) الجزري: ج١ ص٤٦١؛ الاستيعاب في معرفة الأصحاب، يوسف بن عبد الله (ابن عبد البر) القرطبي: ج١ ص٣٢٩.

٢٩٠- المستدرك على الصحيحين، أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيشابوري: ج٣ ص٣٦٩.

٢٩١- رجال الطوسي، العلامة الشيخ محمد بن حسن بن علي الطوسي: ص٦٠.

٢٩٢- أسدالغابة في معرفة الصحابة، علي بن محمد بن عبد الكريم (ابن الأثير) الجزري: ص٤٦٢.

٢٩٣- تاريخ اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب (ابن واضح) اليعقوبي: ج٢ ص١٦٤ و٢٣١.

٢٩٤- أسدالغابة في معرفة الصحابة، علي بن محمد بن عبد الكريم (ابن الأثير) الجزري: ص٤٦٢.

٢٩٥- أعيان الشيعة، العلامة السيد محسن الأمين العاملي: ج٤ ص٥٧١.

٢٩٦- محاضرة الدكتور وليد سعيد البياتي، تحت عنوان (تدمير الآثار الإسلامية في مكة المكرمة والمدينة المنورة) في مركز مؤسسة الأبرار في لندن، بتاريخ ١٨/٥/٢٠٠٦م.

٣٢٥

٢٩٧- الاحتجاج، العلامة الشيخ أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي: ج٢ ص١٠٩ و١٢٢؛ الأمالي، العلامة الشيخ محمد بن محمد بن نعمان العكبري (الشيخ المفيد): ص٣٢٠؛ نزهة الأنفس وروضة المجلس، محمد بن علي بن حمدان العراقي: ص٣٨؛ بلاغات النساء، أحمد بن أبي طاهر (ابن طيفور): ص٢٠ و٢٣؛ الطرائف في معرفة مذهب الطوائف، العلامة السيد علي بن موسى (ابن طاووس) الحسيني: ص٤٥؛ الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم، الشيخ علي بن يونس العاملي البياضي: ج١ ص٢٤٩.

٣٢٦

الحقيقة الثامنة: الوهابية السلفية خوارج آخر الزمان

قد يتساءل القارىء الكريم عن أوجه الشبه والعلاقة بين الخوارج الأوائل الذين خرجوا على ولاية الامام عليعليه السلام، في صدر الإسلام(١)، وبين هذه الحركة التي ظهرت قبل قرنين من الزمن، ولا زالت تعشعش في بلادنا الإسلامية؟!

لم نحصل على قولٍ أبلغ من قول سيّد البلغاء وخاتم النبيين محمد صلّى الله عليه وآله، حيث يُشير بيده الشريفة نحو المشرق (نحو منطقة نجد)، على حدّ ما نقله البخاري ومسلم في (صحيحيهما) عن عمر بن حفص، قائلاً: « سيخرج قوم في آخر الزمان، حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإنّ في قتلهم أجراً لمَن قتلهم يوم القيامة » (٢). ذكره أيضاً أحمد بن حنبل في مسنده(٣)، وكذلك صحّحه الألباني في كتابه (الصحيح والضعيف)(٤).

أخرج أحمد بن حنبل في مسنده، حديثاً آخر عن النبي صلّى الله عليه وآله، حيث يقول: « يكون في آخر الزمان، قوم يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، قتالهم حقّ على كلّ مسلم » (٥)، ونحوه ما ذكره مسلم في (صحيحه) والنسائي في (سننه)(٦).

كما أورد النسائي في (سننه الكبرى) عن أبي برزة الأسلمي، أنّ النبي صلّى الله عليه وآله، قال: « يخرج في آخر الزمان قوم كأنّ هذا منهم (ذا الخويصرة) يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، سيماهم التحليق، لا يزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم مع المسيح الدجّال، فإذا

٣٢٧

لقيتموهم فاقتلوهم، هم شرّ الخلق والخليقة )(٧). كما أورده أبو داود الكيالسي في (مسنده) عن نضلة بن عبيد، وأحمد بن حنبل في (مسنده)(٨).

ويسرد لنا الشيخ سليمان بن عبد الوهاب، الأخ الأكبر لمحمد بن عبد الوهاب في كتابه، للردّ على أخيه باسم (الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية)، فيقول بالنص: إنّ الخوارج هم الذين حاربهم الأمام علي عليه السلام، وقتل جل أفرادها في معركة النهروان. وعند الرجوع إلى الأحاديث النبوية التي تنبّأت بخروج هذه الطائفة، ووصفت حال أصحابها، وأباحت سفك دمائهم؛ لأنهم من أخطر الفتن التي سيعرفها تأريخ الإسلام. أقول: انطلاقاً من تلك المواصفات التي جاءت في الأحاديث المدوّنة، توصل علماء المسلمين من السنة وأهل الجماعة إلى أنّ الحركة الوهابية إنّما هي حركة خارجية شكلاً ومضموناً، وإنّ الأحاديث النبوية الشريفة تكاد تنطبق صارخة بما عليه هذه الحركة وأصحابها من الفتنة والتفرقة، خصوصاً استباحتهم دماء المسلمين وتأويلهم الآيات التي نزلت في المشركين وجعلها تنطبق على المسلمين، ومروقهم من الدين كما يمرق السهم من الرمية(٩).

وقد أجمع فقهاء الأمّة وعلماء الدين وأصحاب السير والتاريخ، في أنّ أوّل فرقة فارقت جماعة المسلمين، وأدخلوا البدع والأهواء في الدين، هم الخوارج الذين خرجوا على الإمام علي عليه السلام في عهد خلافته الظاهرية، كما قال ابن حجر العسقلاني في كتابه (فتح الباري) وابن عماد الحنبلي في كتابه (شذرات الذهب)(١٠)، وأحدثوا في التأريخ الإسلامي دويّاً هائلاً(١١). وقد ذكرهم رسول الله صلّى الله عليه وآله، بصفاتهم وأعمالهم وأمر بقتالهم وقتلهم، وتخليص البلاد والعباد من شرورهم(١٢).

٣٢٨

إنّهم (الخوارج) قوم مبتدعون سمّوا بذلك لخروجهم عن الدين، وابتدأوا المسلمين بالقتال وسفك الدماء واستباحة الحرمات، وافتوا بغير ما أحل الله، كما قال العلامة الرضوي في كتابه (صفحة عن آل سعود وآراء علماء السنة في الوهابية)(١٣).

ومن هنا فقد اتفق أغلب العلماء والفقهاء والمحدّثين من أبناء العامة، على طول القرنين الماضيين، على أنّ الوهابية وسوادها هم من خوارج آخر الزمان، والروايات المذكورة عن النبي صلّى الله عليه وآله، والتي اتفق الفقهاء على صحة سندها ومتنها، تكشف عمق انحرافهم عن الدين وتصف معايبهم، فهي عجيبة ومطابقة للواقع وللمواصفات التي عرفناها في هؤلاء القوم(١٤)، وهذه من معجزات النبوة وكرامات الرسالة، كما سيأتي ذكرها لاحقاً، بأذن الله تعالى.

وإذا كانت الوهابية السلفية تشابه الخوارج الأوائل، وتنتحل اسمها ومسمّياتها، وتطابقها في السيرة والروية، ومن سنخها وفصيلتها، فمن الأولى أن نستطلع جزء من الأخبار والروايات الواردة حول أولئك الخوارج الأوائل، ونستشفّ بعض صفاتهم وآراءهم وأعمالهم، لنعلم مدى تطابق هولاء الخوارج الجدد مع أولئك الماضين، ولعل هذا البحث يكون مكملاً لما ذكرناه في الفتنة الثالثة من الحقيقة الثالثة فی المجلّد الأول، فراجع.

ولنبدأ بحثنا بعرض مجموعة من أحاديث النبي صلّى الله عليه وآله، ننقلها إليكم من الصحاح الستة، وموروثات أبناء العامة، والتي اتفقت المذاهب على صحّتها ودقّة متنها، وقوة رجال حديثها، فمنها:

١- عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: « سيكون بعدي من أمتي قوم يقرؤون القرآن، لا يجاوز حلاقيمهم، يخرجون من الدين كما يخرج السهم من

٣٢٩

الرمية، ثمّ لا يعودون فيه، هم شرّ الخلق والخليقة ». أخرجه مسلم في (صحيحه) باب الخوارج(١٥). وقال أبو ذر: الخلق هم بنو آدم، والخليقة هي البهائم(١٦).

٢- روى أبو داود، وأحمد بن حنبل في (مسنديهما) حديثاً عن نصر بن عاصم الأنطاكي مرفوعاً إلى أنس بن مالك(١٧) عن النبي صلّى الله عليه وآله قال: « سيكون في أمتي اختلاف وفرقة، قوم يحسنون القيل ويسيؤون الفعل، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، لا يرجعون حتى يرتدّ على فوقه، هم شرّ الخلق والخليقة، طوبى لمَن قتلهم وقتلوه، يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء، مَن قاتلهم كان أولى بالله منهم، قالوا: يا رسول ما سيماهم؟ قال صلّى الله عليه وآله: التحليق »، وفي رواية اخرى( التسبيد ). ونحوه ما ذكره الحاكم النيسابوري في (المستدرك) والمتقي الهندي في (كنز العمال)، والبغوي في (شرح السنة)(١٨). ومعنى التسبيد هو استئصال شعر الرأس(١٩).

٣- قال رسول الله صلّى الله عليه وآله، كما جاء في كتاب (الصحيح الجامع): « إنّ أناساً من أمّتي سيماهم التحليق، يقرؤون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثمّ لايعودون فيه حتى يعود السهم إلى قوسه » (٢٠). وتجد - اخي القارئ الكريم - أنّ سيماهم التحليق، هو تنصيص على صفة هولاء الخوارج. فإنهم بهذا كانوا يُعرفون ويميّزهم المسلمون عمَّن سواهم، وللموضوع صلة.

٤- وأخرج مسلم في (صحيحه) من حديث أبي سعيد(٢١)، وكما صحّحه أحمد بن حنبل في (مسنده)(٢٢)، عن أبي الأحوص سلام بن سليم مرفوعاً عن أبي سعيد الخدري، قال: بينما نحن عند رسول الله صلّى الله عليه وآله وهو

٣٣٠

يُقسّم قسماً، أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من بني تميم (النجدي) فقال: «يا محمد اعدل، فقال: ويلك ومَن يعدل، قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل ، فقال عمر: يا رسول الله إئذن لي فيه فأضرب عنقه، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله: دعه فإنّ له أصحاباً يحقّر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يجد شيئاً، ثمّ ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثمّ ينظر إلى نضيه (وهو قدحه) فلا يوجد فيه شيء، ثمّ ينظر إلى قذذه فلم يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدرّ درّاً، ويخرجون على حين فرقة من الناس ». قال أبو سعيد الخدري: فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلّى الله عليه وآله، وأشهد أنّ علي بن أبي طالب عليه السلام، وأنا معه في واقعة النهروان، فأمر بذلك الرجل فالتمس بين القتلى، فأتي به، حتى نظرت إليه على نعت النبي صلّى الله عليه وآله، الذي نعته. ونحو هذا ما رواه البخاري في (صحيحه)، والحاكم في (مستدركه)(٢٣). وأطلق المسلمون لقب (المارقين) على الخوارج بعد قتل هذا الرجل، الذي وصفه الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله(٢٤).

٥- لقد قال النبي صلّى الله عليه وآله فيه: « ... يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فأقتلوهم ». كما أورده ابن ماجة في سننه، باب ذكر الخوارج(٢٥)، وأورد البخاري عينه في (صحيحه)(٢٦)، وفي لفظ اخر: « يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية »، هكذا أخرجه الترمذي في (سننه)(٢٧).

٦- وقال النبي صلّى الله عليه وآله فيهم: « ... كلاب أهل النار ». هذا ما جاء في مصنف بن أبي شيبة(٢٨).

٣٣١

٧- وقال النبي صلّى الله عليه وآله فيهم: « ... طوبى لمَن قتلهم، وطوبى لمَن قتلوه، شرّ قتلى أظلتهم السماء وأقلّتهم الأرض ». ذكره المتقي الهندي في كتابه (كنز العمال)، والهيثمي في كتابه (مجمع الزوائد)(٢٩).

٨- وقال النبي صلّى الله عليه وآله فيهم: « ... يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان »، كما أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء(٣٠)، وابن تيمية في مجموعة الفتاوى(٣١).

٩- وقال النبي صلّى الله عليه وآله فيهم: « ... شرّ قتلى تحت أديم السماء )، كما هو مذكور في سنن ابن ماجة، باب ذكر الخوارج(٣٢).

١٠- وقال النبي صلّى الله عليه وآله فيهم: « ... يقرؤون القرآن يحسبونه لهم وهو عليهم »، كما أورده أحمد بن حنبل في (مسنده)(٣٣).

١١- وقال النبي صلّى الله عليه وآله فيهم: « إنّهم يُحسنون القيل ويُسيؤون الفعل »، كما جاء في (سنن أبي داود)، من حديث أبي سعيد الخدري(٣٤).

١٢- وقال النبي صلّى الله عليه وآله فيهم: « يتيه قوم قِبَل المشرق، مُحلّقة رؤوسهم »، كما جاء في صحيح مسلم عن سهل بن حنيف(٣٥). ومشرق المدينة، كما هو واضح منطقة نجد، باتّفاق علماء الجغرافيا والتاريخ والسير(٣٦).

١٣- وقال النبي صلّى الله عليه وآله فيهم: « رأس الكفر نحو المشرق »، وفي رواية أخرى: « رأس الكفر من ها هنا، من حيث يطلع قرن الشيطان »، وأشار بيده الشريفة نحو المشرق، هذا ما أورده مسلم في صحيحه، وأحمد بن حنبل في (مسنده)(٣٧)، وابن مندة، وابن حجر، والترمذي، والنسائي، وأبو داود في كتبهم(٣٨)، وممّا هو معلوم: أنّ شرق المدينة المنورة هي منطقة نجد فقط، كما تقدم.

٣٣٢

ويمكن لنا باختصار أن نرقّم، بعض الفصول العامة، على ضوء ما ذكرنا من هذه الأحاديث الشريفة:

١- ميزة للخوارج كما وصفهم رسول الله صلّى الله عليه وآله: أنّهم يخرجون على ولاية الإمام عليّ عليه السلام وتكون موضع سكناهم وقبائلهم، ليست من الحجاز أو اليمن أو الشام أو العراق، بل إنّهم يخرجون من منطقة خاصّة بنفسها، ومكان معين بذاته... إنّه شرق المدينة المنورة، وليس هنالك من منطقة تكون شرق المدينة المنورة غير أرض (نجد)، انظر إلى أيّة خارطة للسعودية، لترى بعينك الحق الذي نقول. وهم يخرجون على حين غفلة، من مسرح الأحداث، حينما يكون المسلمون متفرقين منشغلين باختلافاتهم، منقسمين على أنفسهم، متقاتلين فيما بينهم.

٢- ميزة لهم كما وصفهم رسول الله صلّى الله عليه وآله: أنّهم مارقون من الدين، ناكثون لعهد الله، تاركون لأوامره ونواهيه، آخذون بأمر الشيطان، يعملون بما يشاؤون على أنه الحق، وما دونهم هو الباطل، ولا يرجعون إلى الحق حتى وإن عرفوه، فهم كالسهم لا يرجع إلى نصله.

٣- ميزة لهم كما وصفهم رسول الله صلّى الله عليه وآله: أنّهم أحداث الأسنان، في مقتبل العمر، لم يختبروا الحياة، ولم يعرفوا التجربة والحنكة، سفهاء الأحلام، لا يعرفون من الحياة سننها.

٤- ميزة لهم كما وصفهم رسول الله صلّى الله عليه وآله: أنّ صفات وأخلاق وسلوك وتعامل هؤلاء القوم هي: جفاء في قسوة، شرّ في عناد، جهل في ضلال، عاصون مردة، يقدمون على كل حرام وفساد، لا تحدّهم حدود الشرع، ولا الأخلاق، ولا الإنسانية. وبهذا كانوا أشرّ الخلق وأوحش الناس في الدنيا،

٣٣٣

فهم شرّ بني آدم وشرّ البهائم، والعجيب أيضاً أنهم أشرّ أهل النار، وأوحشهم فيها، كالكلاب المنبوحة، كما مرّ بنا.

٥- ميزة لهم كما وصفهم رسول الله صلّى الله عليه وآله: أنّهم يحلقون رؤوسهم كاملة. بلا شعر في الرأس، ذلّ أمسكهم الله تعالى به، لا مناص ولا مفرّ منه. إنّها دلالة النبوّة، ليميّز المسلمون هؤلاء عمّن سواهم.

٦- ميزة لهم كما قال فيهم رسول الله صلّى الله عليه وآله: لم يحاربوا أهل الكفر والشرك، وما كان أكثرهم آنذاك، لكنّهم وجّهوا سهامهم وعداءهم صوب الرسالة والمسلمين فقط، لا همّ لهم سوى الفتك بالمسلمين، وأخذ أموالهم، وهتك أعراضهم، وسبي نسائهم.

٧- ميزة لهم كما قال فيهم رسول الله صلّى الله عليه وآله: عبادة جوفاء، وصيام جهل، وصلاة بغاة، وقراءة للقرآن بلا تدبّر وعمل، ليس في عبادتهم روح ولا معنى، سوى التعب والضنك والمشاهرة والتفاخر والرياء والمتاجرة. إنّهم يحسنون الكلام وتسطير الجمل البرّاقة، وجذب المستمع إليهم، لكن بدون فحوى وعمق وصدق، فالفعل والعمل لا يشابه القول والادّعاء.

هكذا قال النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله عن الخوارج، وأوضح للمسلمين صفاتهم وميّزاتهم وخصائصهم، لكي لا يغترّ المسلم بصلاتهم وصومهم وقراءتهم للقرآن الكريم، وبأقوالهم الظاهرة البرّاقة. وتحدّى صلّى الله عليه وآله التاريخ فيهم، فهل كان غير الذي قال الصادق الأمين صلّى الله عليه وآله عن الله سبحانه وتعالى؟!

حقّاً إنّهم شرار الخلق والخليقة... وإنّهم كلاب أهل النار، لا يستأنس بهم إنس ولا جانّ، غلاظ، جفاة، قُساة، جهلة، مردة، وإنّهم أشدّ الناس عملاً وقولاً بالقياس(٣٩)، وإنّهم يتمسّكون بظواهر النصوص القرآنية، ولذلك جوّزوا على الأنبياء ارتكاب الصغائر والكبائر، فالنبي صلّى الله عليه وآله عندهم قد يكفر

٣٣٤

ثمّ يعود(٤٠)، وإنّهم يستدلون بآيات الوعيد، ويتركون آيات الوعد، يتعجّلون في إطلاق الأحكام، ويحكمون على القلوب واتّهامها بالكفر تارة، وبالشرك تارة أخرى(٤١). هذه نبذة من صفات الخوارج الأوائل.

لم نحظَ بقتال من أمرنا رسول الله صلّى الله عليه وآله بقتالهم، ونرَ من قريب، ما أوضح النبي صلّى الله عليه وآله من صفاتهم، ونتعرّف إلى أحوالهم ووقائعهم!!! لكن ما نراه اليوم في مثل هؤلاء الخوارج الجدد، الأشرار السفّاحين، مصاصي الدماء، وهم بعد أكثر من ثلاثة عشر قرناً، بدرجة عالية من البداوة والجهل والبغضاء والقسوة، فسوف يتبادر إلى ذهننا ما كان عليه أولئك الأوّلون، وما تحّمل النبي الأكرم والإمام علي وأئمّة الهدى عليهم السلام، والصحابة والمسلمون، من شرورهم وأذاهم.

فانظر - يا أخي القارئ - إلى أيّة دولة أو منطقة يظهر فيها هؤلاء الوحوش الأوغاد، فإنّك لا ترى إلا أنهار الدماء فيها جارية، والزوجات مترمّلة، والأبناء يتامى، والأرض محروقة، والزروع منهوشة، والأعراض منتهكة، والأرض والسماء تعجّ إلى بارئها من ظلم وكفر وفساد هؤلاء القوم، كأنّ الحياة معهم لا تقل عن أهوال أصحاب الأخدود، وجرائم القرامطة وكفر عاد ولوط.

والويل كل الويل، ثمّ البلاء كل البلاء إن اجتمع هذا الفكر الخارجي التكفيري، مع أهواء وخبث مخطّطات بني صهيون والعمّ سام... كما نشاهد آثاره اليوم في أفغانستان والعراق وسورية ولبنان والجزائر وغيرها، تحت مسمّيات الوهابية والقاعدة والسلفية والنصرة وغيرها، لا فرق في الاسم ما دام المحتوى والأصل واحداً، سهامهم متجهة نحو المسلمين والإسلام، والكفر والكافرون في أمان وراحة منهم. وإذا ما سمعت - أخي القارئ - أنّ

٣٣٥

تفجيراً طال الغرب أو غير المسلمين، فهو - وحق السماء - ليس من صنيعهم أو ديدنهم، بل مخطّط يُدبّر في الغرب وأمريكا وإسرائيل، وينفّذه حفنة من المجرمين الذين تدرّبوا عندهم في بلاد الغرب، ويلقون باللائمة على الخوارج والقاعدة والتكفيريين. لخلط الأوراق وتنفيذ غايات في نفوسهم الشريرة، حتى وإن كان القتل والضرر بأهليهم وشعوبهم.

نكتفي بهذا القدر القليل من مئات الأحاديث والروايات الشريفة، التي تناقلتها صحاح العامة في هذا الباب، وهي تناولت جوانب عديدة من أخلاق وإيمان وأفعال وأفكار وصفات ومميّزات هؤلاء القوم.

لقد أحدث الخوارج الأوائل شرخاً كبيراً في الإسلام، وكما تحدّثنا في موضوع الفتنة الثالثة من الحقيقة الثالثة في المجلد الأول، فإنّ هذه البدعة كانت حركة نجدية بامتياز في قادتها وجنودها، وقوام أفكارها، وقد سردنا أغلب وأهمّ أسماء أمرائها ورؤسائها وقادتها، وقبائلهم اللاتي ينتمون إليها. وبالفعل فقد تطابقت صفاتهم وبدعهم وجرائمهم ومشخصاتهم مع ما أخبر به الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله، فكانوا هم بالصوت والصورة، والاسم والرسم(٤٢).

وأوّل الخوارج كان ذا الخويصرة من بني تميم(٤٣)، ثمّ مسعر بن فدكي من بني تميم(٤٤)، ثمّ الأشعث بن قيس من بني كندة(٤٥)، وزيد بن حصن من بني كندة(٤٦)، وعيينة بن حصن من بني فزارة(٤٧)، وشبث بن ربعي من بني تميم(٤٨)، ونجدة بن عامر من بني بكر بن وائل(٤٩)، ونافع ابن الأزرق من بني حنيفة(٥٠)، وحوثرة بن وداع من بني أسد(٥١)، ومستورد بن علقمة من بني تيم الرباب(٥٢)، وحبان بن ظبيان من بني أشجع(٥٣)، وأبو فديك عبد الله بن ثور من بني تغلب(٥٤)،

٣٣٦

وأبو الضحاك شبيب بن يزيد من بني قيس الشيباني(٥٥)، وعبد ربه الصغير من بني ثعلبة(٥٦)، ومختار بن عوف (أبو حمزة) من بني أشجع(٥٧)، وأبو طالوت الخارجي من بني حنيفة(٥٨)، وشبث بن بجرة من بني تغلب(٥٩)، وعروة بن أدية من بني تميم(٦٠)، وهلال بن علقمة من بني تيم الرباب(٦١)، وأبو مريم سعد، وسعيد بن قفل ومرداس بن أدية، كلّهم من بني تميم(٦٢)، وغيرهم العشرات والعشرات، وهؤلاء بأجمعهم من قبائل نجد بالاسم والرسم. وبقيت هذه الأرض (الخبيثة) تمدّ الخوارج بالقيادة والجند على طول قرون متمادية، كما يقول العلامة اللكنهوري في كتابه (كشف النقاب عن عقائد ابن عبد الوهاب)(٦٣). وهي تماماً مطابقة لما أشار إليه النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله في عدد كبير جدّاً من الأحاديث، متنبّئاً بظهور هؤلاء الأشرار الخوارج، ومشيراً بيده نحو مشرق المدينة المنورة، باتجاه أرض (نجد).

واعلم أنّ أوّل مَن قال (لا حكم إلا لله) وشهر سيفه، هو: عروة بن أدَية وأدية أسم أمّه، وأمّا أبوه فهو حُدير ابن عامر من بني ربيعة بن حنظلة من أعراب نجد، وتلاه يزيد بن عاصم المحاربي من بني تميم من نجد الممسوخة، كما ينقله البلاذري في(جمل من أشراف الأنساب)(٦٤)، وابن حزم في (جمهرة أنساب العرب)(٦٥).

إنّ الانحراف الفكري والعقائدي، والأعمال العدوانية السيئة التي اقترفتها قيادات وجنود الخوارج، أدّت إلى أن تتآلف التيارات المختلفة بعد عصر النبوة، مقابل هؤلاء القوم، ويتخذوا مواقف متقاربة، في تكفيرهم والبراءة منهم ومحاربتهم وإخراجهم من الملّة، ولم تشهد الساحة

٣٣٧

الإسلامية إجماعاً كالذي التزمت به الخطوط الإسلامية المتقاطعة آنذاك، تجاه هؤلاء الخوارج، طيلة القرون المتمادية(٦٦)، وحتى يومنا هذا.

ذكرنا آنفاً الأحاديث النبوية الشريفة حول الخوارج الأوائل، ودعنا الآن نسرد عليك - أيّها القارئ الكريم - جملة من الأحاديث المقدّسة حول خوارج آخر الزمان، كما جاءت في كتب الصحاح والحديث، عند أبناء العامة، ونستشفّ من تلك الأحاديث المناهج العلميّة لمعرفة هذه الفئة الباغية والماردة عن الدين:

١- أورد أحمد بن حنبل حديثاً عن عبد الله بن عمر، حيث قال: «سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله، يقول: سيخرج أناس من أمّتي من قبل المشرق يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، كلّما خرج منهم قرن قُطع، حتى عدّها عشر مرّات، كلّما خرج منهم قرن قُطع، حتى يخرج الدجال في بقيّتهم » (٦٧). والقرن كما ورد في قاموس اللغة بمعنى أمّة الشيطان، وجماعته التي تأويه وتسير بنهجه(٦٨)، وهي بالتالي أمّة ابن عبد الوهاب، التي خرجت من (أرض نجد)، وتسمّي نفسها بالوهابية السلفية(٦٩).

٢- عن شريك بن شهاب، عن أبي بزرة، أنّه قال: «سمعت رسول اللهصلّى الله عليه وآله بأذني، ورأيته بعيني، أتي رسول الله صلّى الله عليه وآله بمال فقسّمه، فأعطى مَن عن يمينه، ومَن عن شماله، ولم يعطِ مَن وراءه شيئاً، فقام إليه رجل من وراءه، (وهو عُيينة بن حصن) فقال: يا محمد ما عدلت في القسمة، رجل أسود، مطموم الشعر، عليه ثوبان أبيضان، فغضب رسول الله صلّى الله عليه وآله غضباً شديداً، وقال: والله لا تجدون بعدي رجلاً هو أعدل منّي، ثمّ قال: يخرج في آخر الزمان قوم، كأنّ هذا منهم، يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، سيماهم التحليق، لا يزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم

٣٣٨

مع المسيح الدّجال، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم، هم شرّ الخلق والخليقة »، أخرجه النسائي(٧٠)، وصحّحه مسلم في باب الزكاة(٧١)، وابن هشام في سيرته(٧٢).

٣- أخرج ابن ماجة في (مسنده): «عن عبد الله بن عمر أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله، قال: ينشأ نشئ يقرؤون القرآن لا يتجاوز تراقيهم، كلّما خرج قرن قطع، قال ابن عمر سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله، يقول: كلّما خرج قرن قطع، أكثر من عشرين مرّة، حتى يخرج في أعراضهم الدجال» (٧٣)، حسّنه الألباني في (صحيحه)(٧٤).

وهنالك ملاحظة عابرة: أنّ الروايات المتعدّدة، قد أكّدت أنّ الدجال هو أعور، كما جاء في صحيحي البخاري ومسلم(٧٥)، وأنتم تلاحظون أنّ أغلب مفتي الوهابية السلفية عوران، وسوف يخرج الأعور الدجال من أعراضهم، ولن يشكّوّا بأمره لأنهم تعوّدوا على أن يكون إمامهم أعور منكوس(٧٦).

٤- أخرج البخاري في صحيحه عن قتيبة عن عبد الواحد مرفوعاً(٧٧)، وأخرج مسلم أيضاً عن هناد بن السري عن أبي الأحوص مرفوعاً(٧٨)، أنّ عليّاً عليه السلام، وهو باليمن، بعث إلى النبي صلّى الله عليه وآله بذهبيّة، فقسّمها بين الأربعة: الأقرع بن حابس الحنظلي، وعيينة بن حصن بن بدر الفزاري، وزيد الطائي من بني نبهان، وعلقمة بن عُلاثة العامري، فغضبت قريش والأنصار، قالوا: يُعطي صناديد أهل نجد ويدعُنا، قال صلّى الله عليه وآله: إنّما أتالّفهم، فأقبل رجل غائر العينين، مُشرف الوجنتين، ناتئ الجبين، كثّ اللحية، محلوق الرأس، فقال: اتّقي الله يا محمد، فقال صلّى الله عليه وآله: مَن يُطع الله إذا عصيتُ، أيأمنني الله على أهل الأرض فلا تأمنوني، فساله خالد بن الوليد أو عمر ابن الخطاب، قتله فمنعه،

٣٣٩

فلّما ولّى، قال صلّى الله عليه وآله: إنّ من ضِئضِئ هذا (أو في عقب هذا) قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين مُروق السهم من الرمية، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، لئن أنا أدركتهم لأقتلنّهم قتل عاد. وفي رواية أخرى قتل عاد وثمود(٧٩).

٥- قال النبي صلّى الله عليه وآله: « يكون في آخر الزمان قوم، يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، قتالهم حق على كل مسلم » هكذا رواه أحمد بن حنبل في مسنده(٨٠)، والنسائي في (سننه الكبرى)(٨١).

لسنا من هواة الاتّهام، أو مهرّجي القنوات الفضائية، بقدر ما نعتمد على الكلمة الصادقة، والدليل العلمي، والمنطق السليم، وكذلك فنحن نحترس كثيراً، وكثيراً جدّاً، من أن نجرّ الحديث النبوي الشريف ليطابق أهواءنا وما نريد إثباته. معاذ الله تعالى من ذلك، فالكذب على الله تعالى والرسول الأمين صلّى الله عليه وآله من شيم وأخلاق الوهابية السلفية، وما اعتادوا من توجيه التهم والأباطيل للغير، في حين أنهم أحق بها من غيرهم. إننا نستند على فتاوى وأقوال علماء وفقهاء أهل السنة والجماعة حصراً، وبالأخص آراء وبيانات علماء وفقهاء المذهب الحنبلي الذي تدعي الوهابية السلفية الانتماء إليه.

لقد تشابهت صفات هؤلاء القوم مع نظائرهم الخوارج الأوائل في قساوة القلوب وغلظة السلوك، وقلة الفهم والعلم، والعبادة بدون روح، والأفعال بدون تقوى، فهم يأولون القرآن الكريم والحديث الشريف حسب أهوائهم، ومن لم يطاوعهم فيما يقولون، يعتبرونه مشركاً، حلال قتله ونهب ماله وسبي عياله، يأخذون بالقشور ويتركون الأصول. يقتلون الناس بلا

٣٤٠