سلسلة مجمع مصائب أهل البيت عليهم السلام الجزء ٣

سلسلة مجمع مصائب أهل البيت عليهم السلام17%

سلسلة مجمع مصائب أهل البيت عليهم السلام مؤلف:
تصنيف: الإمام الحسين عليه السلام
الصفحات: 340

الجزء ١ الجزء ٢ الجزء ٣ الجزء ٤
  • البداية
  • السابق
  • 340 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 103984 / تحميل: 6441
الحجم الحجم الحجم
سلسلة مجمع مصائب أهل البيت عليهم السلام

سلسلة مجمع مصائب أهل البيت عليهم السلام الجزء ٣

مؤلف:
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة


1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

زياد ظافر، ثم بكى بكاء عاليا فما استتم كلامه حتى سمعت البوقات تضرب والرايات تخفق وإذا بالعسكر قد دخل الكوفة وسمعت صيحة عظيمة وإذا برأس الحسينعليه‌السلام يلوح والنور يسطح منه فخنقتني العبرة لما رأيته ثم أقبلت السبايا وإذا بعلي بن الحسينعليه‌السلام على بعير بغير وطاء ولا غطاء وفخذاءه ينضحان دما.

ورأيت جارية على بعير بغير غطاء ولا وطاء فسألت عنها فقيل لي: هذه أم كلثوم وهي تنادي: يا أهل الكوفة (وكانوا يتفرجون على بنات رسول الله) غضوا أبصاركم عنا أما تستحون من الله ورسوله أن تنظروا إلى حرم رسول الله وهن حواسر(١) .

(نصاري)

اشمال الناس تتفرج علينه

عمت عينه اليصد بالعين لينه

يخسه الگال لن غايب ولينه

او راسه اعله الرمح لينه ايتفكر

وا أسفاه على بنات رسول الله بعد ذلك العز الشامخ والصون والحجاب وإذا بهن سبايا يتفرج عليهن:

(فائزي)

من گال للكوفه العقيله اميسره اتروح

فوگ الجمال الضالعه او بين العده اتنوح

اتعاين الروس اخوانها جدامها اتلوح

فوگ الرماح ابديرة الكوفة ادخلوها

____________________

(١) - معالي السبطين نقلا عن مقتل أبي مخنف.

٦١

وكأني بزينب تخاطب حامل الرأس:

(نصاري)

يشايل راس حامينه او ولينه

ريض خلي اتودعه اسكينه

ليش احسين ساكت عن ونينه

گلّي تعب يو جرحه تخدَّر

يا شيال راسه لا تلوحه

او هبّط عني بگايا الروس رمحه

أخاف ايفوت ريح الهوه ابجرحه

واصوابه عليه ايگوم يسعر

(تخميس)

يا جميلا كسا الوجودَ جمالا

وجهُك البدرُ نيِّرٌ يتلالا

فوق رمحٍ قد استقام ومالا

يا هلالا لمـَّا استتمَّ كمالا

غاله خسفُه فأبدى غروبا

٦٢

المجلس الثاني

القصيدة: للشيخ ناجي خميس الحلي

ت: ١٣٤٩ه

إلى الله نشكوا عندك اليومَ أمرَنا

وأنت بنا يا صاحبَ الأمرِ عالُم

حنانَيكَ يابنَ المصطفى أيُّ بقعةٍ

تبيتُ بها خِلْواً وعيشُكَ ناعم

أهَلْ نُسيتْ يا صاحبَ العصرِ فاطمٌ

غداةَ قضت في عصرةِ البابِ فاطم

أمِ المرتضى يُنسى وقد شقَّ رأسَه

أخو شقوةٍ عادٍ على الدين ناقم

أمِ الحسنُ المقتولُ بالسمِّ بعدما

تَهضَّمه من عصبةِ الغدرِ غاشم

ويومُ حسنٍ ليس يُحصيه ناثرٌ

ولم يستطع تعدادَ بلواه ناظم

غداة ابنُ حربٍ بات يشتدُّ وطأةً

على الدين حقٌّ منه دُكّت قوائم

لكَ اللهُ يابن المصطفى من مقاوم

إباءً من الأهوال مالا يقاوَم

إلى أنْ قضيتَ النحبَ صبرا وما

من الملأ الأعلى عليك المآتم

وتُمسي لدى الهيجاءِ تُوسدُكَ الثرى

رُغاما به أنفَ الحميةِ راغم

وترفعُ منك السمرُ رأسا وللظبا

عليك كما شاء الإباءُ علائم

وأعظم شيء مضّ في الدين وقعُه

وما دُهيت في مثلِه قطّ هاشم

صفايا رسولِ اللهِ بين أميةٍ

برغم الهدى أصبحن وهي غنائم

٦٣

أيرضى لكم عزُّ الكرامِ بأن يُرى

على ذُلَلِ الأجمال منكم كرائم

يعِز على الزهراءِ فاطمَ أن تَرى

تُهان بمرأى الناظرينَ فواطم(١)

(مجردات)

راحوا البيهم چان رجواي

والمن ابثَّن بعد شكواي

وآنه الچنت ما ترد نخواي

اولا يوم أخوتي سمعوا ابچاي

تالي سبيه ابولية اعداي

واصفج يميني فوگ يسراي

او روس العزاز إگبال عيناي

او حچي الشماته مرّد اچلاي

او طبگت علينه اهموم دنياي

واشما أميل اتميل وياي

راحوا هلي او تهيت منواي

(أبوذية)

وحگ اللي تعبده الخلگ وحده

مشه الحادي ابخوات احسين وحده

غدن وحده تلوذ ابكتر وحده

يوم الطبن الديوان اميه

كيفية دخولهمعليهم‌السلام إلى الكوفة (رواية ثانية)

نقل في الدمعة الساكبة عن سهل بن سعيد الشهرزوري عن جديلة الأسدي قال لي: يا أخي كنت بالكوفة سنة إحدى وستين حين ما انصرف الناس من كربلاء فرأيت نساء مهتكات الجيوب لاطمات الخدود فقلت لشيخ من أهل الكوفة ماذا صار؟ قال أولا ترى رأس الحسين؟ فبينما يقص عليَّ ذلك

____________________

(١) - البابليات ج٤، ص٩٩.

٦٤

وإذا بامرأة كأنها التبر المذاب على سنام بعير أدبر من غير وطاء ولا حجاب فسألت عنها فقيل لي هذه أم كلثوم وإذا خلفها ولد قد أضر به الوجع على سنام بعير أعجف - هزيل - ورأسه مكشوف والدم يسيل من ساقيه فسألته من هذا الولد؟ فقال: علي بن الحسينعليه‌السلام فخنقتني العبرة وإذا بنساء أهل الكوفة تناول الأطفال الذين في حجور النساء من خمس تمرات وقطعة رغيف فصاحت بهم أم كلثوم فإن الصدقة علينا حرام وجعلت تأخذ ذلك من أيدي الأطفال وأفواههم وترمي به إلى الأرض فضج الناس بالبكاء والنحيب فشقوا الجيوب ونادوا: وا ابن بنت نبياه، وا حسناه، وا حسيناه...

وكأني بالعقيلة زينبعليها‌السلام تخاطب أخاها أبا الفضل العباسعليه‌السلام :

(نصاري)

صدت زينب الصوب المسنات

لعد عباس گامت ترفع أصوات

تگله وين يا صاحب الكلفات

غبت وانته الكفيل الما تعذَّر

آنه امن المدينه اطلعت وياك

او چنت طول الدرب يا خوي بحماك

ايصير اصبح سبيه ابولية اعداك

يباريني زجر لو سرت بالبر

يخويه يا بعد عگلي والأنفاس

يراعي المرجله المهيوب عباس

چي ترضه اروح امهبطه الراس

وانه زينب وابوي الليث حيدر

قال الراوي: فعميت عيناي من البكاء وإذا بامرأة تبكي وتصيح أما تغضون أبصاركم عن حرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فضج النسا بالبكاء والعويل فقلت من هذه؟ فقالوا: زينب(١) .

____________________

(١) - الدمعة الساكبة ج٥، ص٤٣/٤٤.

٦٥

(نصاري)

چنت ما ينسمع يا ناس صوتي

عقيله امخدره او مرفوع صيتي

عالي المجد بين الناس بيتي

تاليها ابيسر ما بين غدَّر

يا عباس خويه يا شفيه

منته اللي جبتني الغاضريه

چي ترضى أظل عگبك سبيه

لبن زياد واعليه ايتفكَّر

(أبوذية)

ترست اچفوفي من دمعي وملّيت

او كتبت اهمومي بالعبره وملّيت

اجزعت من كثر ما أصبر وملّيت

الجبال اتمور من همّ العليّه

***

أتُغضي على هظمي وسلبي وهتكهم

حمايَ كأني ليس حامي الحمى أبي

أاُسبى ولا سمرُ الرماحِ شوارعٌ

أمامي ولا البيضُ الرقاقُ بجانبي

٦٦

المجلس الثالث

القصيدة: للشيخ علاء الدين الشفهيني الحلي

يا من إذا عُدَّتْ فضائلُ غيرِه

رَجَحَتْ فضائلُه وكان الأفضلا

إني لأعذِرُ حاسديك على الذي

أولاك ربك ذو الجلال وفضلا

إن يحسِدوك على علاك فإنما

متسافلُ الدرجاتِ يحسِدُ مَن علا

وبليلةٍ نحوَ المدائنِ قاصدا

فيها لسلمانٍ أتيتَ مغسلا

يا ليت في الإحياء شخصَك حاضرٌ

وحسينُ مطروحٌ بعرصة كربلا

عُريانَ يكسوه الصعيدُ ملابسا

أفديه مسلوبَ اللباسِ مُسربَلا

متوسدا حرَّ الصعيدِ معفَّرا

بدمائه تَرِبَ الجبينِ مُرمَّلا

ظمآنَ مجروحَ الجوارحِ لم يجد

ماءً سوى دمِه المبدَّدِ بالفلا

ولصّدرِه تطأ الخيولُ وطالما

بسريره جبريلُ كان موكَّلا

عُقِرَتْ أما علمت لأيّ معظَّمٍ

وطأت وصدرا غادرتْه مفصلا

ولثغره تعلو السياطُ وطالما

شغفا له كان النبيُّ مقبلا

وبنوه في أسر الطغاةِ صوارخٌ

ولهاءَ معولةً تُجاوبُ معولا

ونساءُه من حوله يندبْنَه

بأبي النساءَ النادباتِ الثُكَّلا(١)

____________________

(١) - أدب الطف ج٤، ص١٧٢ جواد شبر.

٦٧

(موشح )

شهر عن سلمان واتعنيته

احسين يمَّك ليش ما حضريته

انته لله داعية حگ او دليل

او للنبي غيرك أبد ميصح مثيل

انته انته البرَّدت نار الخليل

ايفور گلب احسين ما روَّيته

انته جنْة الله او ناره والحساب

انته حاميم الهدى او ذاك الكتاب

انته انته الترجم الموسى الجواب

ليش صاح احسين ما سمعيته

يا منيع الجار يا عز الذليل

يا مطوع الجان يا حامي الدخيل

اشلون صبرك وانته تنظر للعليل

امگيد او مچتوف ما فكِّيته

انته حلّال المشاكل من تضيج

انته ما يبعد على احصانك طريج

انته حكم النار بيدك والحريج

بالمخيم واج ما طفيته

والچبيره اللي تشب نار الگلب

ممشه زينب والحرم ويه الغرب

الزلم عاد اله التچتل بالحرب

او شتم زينب للشمر عديته

أهل البيت (السبايا) يرفضون صدقات الكوفيين

قال السيد في اللهوف: وسار ابن سعد بالسبي المشار إليه فلما قاربوا الكوفة: اجتمع أهلها للنظر إليهن وأشرفت امرأة من الكوفيات فقالت:

من أي الأسارى أنتن؟ فقلن: نحن أسارى آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فنزلت المرأة من سطحها فجمعت لهن اُزراً ومقانع وأعطتهن ونظر أهل الكوفة إلى أطفال الحسين جياعا قد أضرهم الجوع وقد مرت عليهم ثلاث أيام بلياليها من غير

٦٨

طعام فبان عليهم الضعف والجوع لذا صار أهل الكوفة يناولون أطفال الحسين بعض الخبز والتمور والجوز فصاحت بهم أم كلثوم: يا أهل الكوفة: إن الصدقة علينا حرام، وأخذت ذلك من أيدي الأطفال وأفواههم وجعلت ترمي به إلى الأرض(١) .

(مجردات)

تتصادق الوادم علينه

او عطايا الخلگ كلها امن ايدينه

او ما خاب ظنَّه اليعتنينه

يظل كل سنه ايروح او يجينه

حيف الليالي اغدرت بينه

اخونه انچتل واحنه انسبينه

نتمنه طارش للمدينه

ينخه هلي او يعتني العينه

امحمد الما يحصل جرينه

خله يجي او يلحگ علينه

واليتم بين على اسكينه

قال الراوي: وإذا بامرأة تبكي وتصيح أما تغضون أبصاركم عن حرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ فضج الناس بالبكاء والعويل فقلت من هذه؟ فقالوا: زينب. هذا والمنادي ينادي هؤلاء سبايا من الخوارج.

(مجردات)

وسفه على الخدر خذوهن

حسره او عله البل ركبوهن

لو بچت وحده يضربوهن

طول الطريج ايعذبوهن

والحادي يحدي ابسب أبوهن

للكوفة لـمّن وصلوهن

خوارج يصيحون السبوهن

____________________

(١) - اللهوف لابن طاووس. معالي السبطين للمازندراني. الدمعة الساكبة ج٥، ص٤٣.

٦٩

***

جفَّتْ عزائمُ فِهرٍ أم تُرى بَرَدَتْ

منها الحميَّةُ أم قد ماتتِ الشيمُ

تُسبى حرائرُكم بالطفِّ حاسرةً

ولم تكن بِغبار الموتِ تلتثم

٧٠

المجلس الرابع

القصيده:للشيخ عبى الحسين شكر

فمن المعزي من لويٍّ أسرةً

هزّت علي قُبِّ المِهار جنينَها

قلعت أعاديها أراكةَ مجدِها

و رمت بأسهام الذُبولِ غصونها

فلتشحذِ البيضَ الرقاقَ بوارقا

و لتمتطي قُبَّ المِهار متونها

في غارة شعواءَ لو شائت طوت

طيَّ السجلِّ سهولَها و حُزونها

لترى حرائرَها لفَرطِ ظَمائها

في السبي تستسقي الدموعُ عيونها

و ترى مخدرةَ البتولةِ زينبا

و القومُ تصفِقُ بالأكفِّ جبينها

من حولها أيتامُ آلِ محمدٍ

يتفيئونِ شِمالَها و يمينها

لا تَبزغي يا شمسُ من أفقِ حياً

من زينب فلقد أطلتِ أنينها

ذوبي فإنك قد أذبتِ فؤادِ مَن

كانت تُظلّلُها الأسودُ عرينها

و تقشعي يا سُحُب من خَجَلٍ و لا

تسقي الظِماةَ مدى الزمان مَعينها

حرمٌ لهاشمَ ما هتفنَ بهاشمٍ

إلا و سودتِ السياطُ متونها

هُتكت نساؤُكم التي طَرزتمُ

بالسمر و البيض الشِفارِ حصونها(١)

____________________

(١) ديوان عبدالحسين شكر ص ٧٣/٧٤.

٧١

(موشح )

حي بني هاشم تنام اعيونها

ما درت بارض الطفوف اديونها

ديونها الستين واثنين او عشر

والحياده اسبوعطعش دمهم هدر

والحراير من سروا بيهن يسر

فوگ هزَّل هاي هم ينسونها

اظعونها غرُّبت والحادي زجر

يا بني هاشم فلا يمكن عذر

زينب او باجي العيال ابهليسر

امجرّحات امن السياط امتونها

امن الضرب ورّمن يا ويلي المتون

او تنخه بيكم يا عجب ما تنتخون

اشلون تمشي والغرب تبره الظعون

ما تجون الكربله اتبارونها

الكوفيون يتشفعون في نساء الأنصار

اللاتي كن مع عائلة الحسينعليه‌السلام

نقل في البحار عن مسلم الجصاص قال: دعاني ابن زياد لإصلاح دار الإمارة بالكوفة فبينما أنا أجصص الأبواب وإذا بالزعقات قد ارتفعت من جنبات الكوفة، فأقبل عليَّ خادم كان معنا فقلت: مالي أرى الكوفة تضج؟ قال: الساعة يؤتى برأس خارجي خرج على يزيد فقلت: من الخارجي؟ فقال: الحسين بن علي، قال مسلم، فتركت الخادم حتى خرج لطمت وجهي حتى خشيت على عينيَّ أن تذهبا وغسَّلت يديَّ من الجص وخرجت من ظهر القصر وأتيت إلى الكُناس فبينما أنا واقف والناس يتوقعون وصول السبايا والرؤوس وإذا بالحامل نحو ثمانين شقة على أربعين جملا فيها الحرم والنساء وأولاد فاطمة الزهراء، وإذا بعلي ابن الحسين علي بعير بغير وطاء وأوداجه

٧٢

تشخب دما وهو يبكي ويقول:

يا أمةَ السوءِ لا سقياً لربعِكُمُ

يا أمةً لم تراعي جدَّنا فينا

لو أننا ورسولُ الله يجمعُنا

يومَ القيامةِ ما كنتم تقولونا

تسيّرونا على الأقتاب عاريةً

كأننا لم نشيِّد فيكمُ دينا

تصفقون علينا كفكمْ طربا

وأنتمُ في فِجاج الأرض تسبونا(١)

(أبوذية)

يحادي الظعن راعي له وباريه

ودايع من رسول الله وباريه

حاميها المرض سله وباريه

مهجه ذايبه او ونَّه خفيه

وا حزناه على بنات رسول الله، وا ويلاه على زين العابدين.

(أبوذية)

المرض والگيد للسجاد باريه

يصد شمر او زجر للظعن باريه

راس الدين من الجسد باريه

ابراس الرمح راس ابن الزچيه

والذي عظم على زين العابدين وبنات رسول الله: ان نساء الأنصار اللاتي كن مع السبايا لما وصلن إلى الكوفة تشفع فيهن بعض أرحامهن فأمر ابن زياد بتسريحهن وبقيت بنات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٢) .

وكأني بالحوراء زينب تخاطب الحسين عندما رأت ذلك:

(مجردات)

يحسين كل الهه عشيره

اجت ناهضه ابخدمه چبيره

____________________

(١) - البحار ج٤٥. ثمرات الأعواد ج٢.

(٢) - ثمرات الأعواد ج٢، ص١٦.

٧٣

او طلعت الكل منهم يسيره

بس الفواطم غرب ديره

ما من عشيرتهن ذخيره

وفي كتاب ميراث المنبر: فأقبلت العشائر من بني أسد وبني فزارة وبقية العشائر التي لها مع عيال الحسينعليه‌السلام نساء فأخذوها من السبي وبقيت امرأة واحدة من بني أسلم فأقبلت عشيرتها إليها وصاحوا باسمها فلانة قومي نحن عشيرتك لا نرضى لك السبي فلم تجب ولم تقم وكانت جالسة إلى جنب السيدة زينبعليها‌السلام فما كان من قومها إلا هددوها قائلين لها إن لم تقومي دخلنا بين النساء وأخرجناك من بينهن لئلا يبقى سبيك عارا علينا فالتفتت إليها العقيلة زينبعليها‌السلام قالت: أخيّة قومي قبل أن تهاني، قالت: كيف أقوم وأتركك ولم يناد باسمك مناد من عشيرتك؟ قالت: قومي لا بأس عليك فقامت وبقيت زينب تلتفت يمينا وشمالا فلم تر إلا مجموعة من النساء وأمام عينيها رؤوس أخوتها(١) وكأني بها:

(مجردات)

الغريبه الذي اويانه سبوها

للكوفه لمـّن وصلوها

فزعوا عشايرها لو لفوها

ومن السبي والذل خذوها

وآنه العشيرتها جفوها

اتنخّيهم اولا يسمعوها

امتوني يهلنه ورموها

بالسوط حين اللي اضربوها

(أبوذية)

يريتك عدل من شالوا حملها

مصايب زينب المحَّد حلمها

____________________

(١) - ميراث المنبر ص٢٢٨ محمد سعيد المنصوري:

٧٤

اطفال او حرم ما خلَّوا حملها

او تصيح الحگ يبو فاضل عليه

***

لا مِن بني عدنانَ يلحظُها

ندبٌ ولا من هاشمٍ بطلُ

٧٥

المجلس الخامس

القصيدة: للسيد حيدر الحلي

ما خلتُ تَقعُدُ حتى تُستثارَ لهم

وأنت أنت وهم فيما جنوه همُ

فلا وصفْحِك إن القوم ما صفَحَوا

ولا وحلمِك إن القومَ ما حلُموا

لا صبرَ أو تضعَ الهيجاءُ ما حَمَلَتْ

بطلْقَةٍ معها ماءُ المخاضِ دم

هذا المحرَّمُ قد وافتْك صارخةً

مما استُحلتْ به أيامُه الحرم

يملأن سمعَك من أصوات ناعيةٍ

في مسمع الدهرِ من إعوالِها صمم

تنعى إليك دماءً غاب ناصرُها

حتى اُريقت ولم يُرفَع لكم عَلَم

حنّت وبين يديها فتية شَربِت

من نحرهم نصبَ عينيها الظُبى الخُذُم

ولا غضاضةَ يوم الطفِّ إنْ قُتلوا

صبرا بهيجاءَ لم تثبت لها قَدَم

فالحرب تعلم إن ماتوا بها فلقد

ماتت بها منهمُ الأسيافُ لا الهِمَم

أبكيهمُ بعوادي الخيلِ إن رَكِبَت

رؤوسُها لم تُكفكِفْ عزمَها اللُجُم

وحائراتٍ أطار القوم أعينَها

رعبا غداةَ عليها خدرَها هجموا

كانت بحيث عليها قومُها ضَربتْ

سُرادُقا أرضُه من عزِّهم حرم

فغُودرتْ بين أيدي القوم حاسرةً

تُسبى وليس لها مَن فيه تعتصم

نَعمْ لوتْ جيدَها بالتعب هاتفةً

بقومِها وحشاها ملؤُه ضرم(١)

____________________

(١) - ديوان السيد حيدر الحلي ص١٠٣/١٠٧.

٧٦

(مجردات)

بس ما وگع والخيل اجتنه

او شفت البيارغ گاربتنه

نخيت او صحت يالدللتنه

عگبك بني اميه ولتنه

(أبوذية)

وين الركب سابج والسره الهه

ويگصد ديرة أهلي والسره الهه

العدو چتّل زلمها والسره الهه

حرم وامچتفه بحبال هيه

(أبوذية)

اصياحي ما تسمعونه ونخواي

هظمي ماسده اعله احّد ونخواي

الشمر صبَّح يباريلي ونخواي

گضوا كلهم چتل بالغاضريه

ابن زياد يأمر بقتل زين العابدينعليه‌السلام

قال المفيد: وأدخل عيال الحسين على ابن زياد فدخلت زينب أخت الحسين منتكرة وعليها أرذل ثيابها - وفي بعض المقاتل كانت زينب تستر وجهها بكمها - فمضتعليه‌السلام حتى جلست ناحية من القصر وحفَّت بها إماؤها فقال ابن زياد: من هذه التي انحازت ناحية فلم تجبه زينب فأعاد ثانية وثالثة يسأل عنها فقيل له هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

هذهِ زينبٌ ومن قبلُ كانت

بفِنا دارِها تُحَطُ الرحالُ

أمستِ اليومَ واليتامى عليها

بالَقومي تَصدقُ الأنذال

(أبوذية)

دليلي ابسيف جور الدهر ينشاف

ولي ناظر يكت ما بعد ينشاف

زينب طولها الماچان ينشاف

سبيه اتروح لولاد الدعيه

٧٧

فأقبل عليها ابن زياد وقال لها: الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب احدوثتكم. فقالت زينب: الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وطهرنا من الرجس تطهيرا إنما يتفضح الفاسق ويكذَّب الفاجر وهو غيرنا. فقال ابن زياد: لقد شفى الله قلبي من الحسين والعصاة المردة من أهل بيتك. فقالت: لعمري لقد قتلت كهلي وقطعت فرعي واجتثثت أصلي فإن كان هذا شفاك فقد اشتفيت.

ثم التفت ابن زياد إلى علي بن الحسين فقال: من هذا؟ فقيل: علي بن الحسين، فقال: أليس قد قتل الله علي بن الحسين؟ فقال علي: قد كان لي أخ يقال له علي بن الحسين قتله الناس، فقال: بل الله قتله فقال الإمام زين العابدينعليه‌السلام :( اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ) (١) .

فقال ابن زياد: ألك جرأة على جوابي، اذهبوا به فاضربوا عنقه، فسمعت عمته زينب فقالت: يابن زياد حسبك من دمائنا إنك لم تبق منا أحدا فإن كنت عزمت على قتله فاقتلني معه ثم تعلقت به وقالت والله لن أفارقه.

(نصاري)

صاحت زينب او لزمت اذياله

يابن ازياد درحم سُگم حاله

عدل خلّيه واذبحني ابداله

غيره الها لودايع بعد ماتم

هناك موقف أصعب من هذا على قلب الحوراء زينب وذلك عندما نادى ابن زياد على عبد الله ابن عفيف الأزدي: علي به، فتبادرت إليه الجلاوزة

____________________

(١) - سورة الزمر ،الآية: ٤٢.

٧٨

ليأخذوه فقامت أشراف من بني عمه فخلصوه من أيدي الجلاوزة وأخرجوه من باب المسجد وانطلقوا به إلى منزله(١) .

وزين العابدين لم يقم له أحد يدافع عنه سوى عمته زينب.

(مجردات)

شوف العشيره اشلون حلوه

فَكّوه امن ايد الرجس گوَّه

السجاد چي لن ماله اخوه

ظل يلتفت للبيه امروَّه

يفكه او يكف عنه عدوه

(نصاري)

اجت غلمانها بالعد چثيره

او عمامه احضور شالتهم الغيره

گامت ليه تتناخه العشيره

او حفت بيه والنادوب يندب

بس العابد السجاد ماله

عشيره اتساعده او تطلج اغلاله

هله غياب كل بيت الرساله

اغراب البين ظل بالدار ينعب

***

أمست وأمسى لا ي ُ رى بربوعِها

منهم إذا ما زارها ديّارُ

وكأنني بلسان حالِ الدارِ قد

أبدى الجوابَ وكلّه استعبارُ

إني بقيتُ من الكرام خيلةً

فعلى محاريبِ الصلاةِ غُبار

____________________

(١) - مقتل المقرم. إرشاد المفيد. معالي السبطين.

٧٩

المجلس السادس

القصيدة: للسيد حيدر الحلي

أهاشمُ لا يومٌ لكِ أبيضَّ أو تُرى

جيادُك تُزجي عارضَ النقعِ أغبرا

فإنَّ دماكم طِحنَ في كلِّ معشرٍ

ولا ثأرَ حتى ليس تُبقينَ معشرا

ولا كدمٍ في كربلا طاح منكمُ

فذاك لإجفانِ الحميَّةِ أسهرا

غداةَ أبو السجادِ جاء يقودُها

أجادلَ للهيجاءِ يحملن أنسرا

قضى بعد ما ردَّ السيوفَ على القنا

ومرهفُه فيها وفي الموت أثّرا

ومات كريمَ العهدِ عند شَبا القنا

يواريه منها ما عليها تكسَّرا

فإنْ يُمسي مغبرَّ الجبينِ فطالما

ضُحى الحربِ في وجه الكتيبةِ غبرا

وإنْ يقضي ظمآنا تفطّرَ قلبُه

فقد راعَ قلبَ الموتِ حتى تفطَّرا

له اللهُ مفطورا من الصبر قلبُه

ولو كان من صُمِّ الصفا لتفطرا

ومنعطفٍ أهوى لتقبيل طفلِه

فقبّل منه قبلَه السهمُ منحرا

لقد وُلدا في ساعة هو والردى

ومن قبلَه من نحرِه السهمُ كبّرا

وفي السبي مما يَصطفي الخدرَ نسوةٌ

يعِزُّ على فتيانِها أن تُسيَّرا

حمت خدرَها يقضى وودت بنومها

تردُّ عليها جفنَها لا على الكرى

٨٠

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

لا يدفنوها ارتياباً في أمرها ، فأوحى الله عزَّ وجلَّ إلى نبي من الأنبياء لا أعلمه الا موسی بن عمران أن ائت فلانة ، فصلّ عليها ومُرِ الناسَ أن يُصلُّوا عليها ، فإنّي قَدْ غفرت لها وأوجبت لها الجنَّة بتثبيطها فلان عبدي عن معصيتي»(١) .

__________________

(١) الكافي ٨ : ٣٨٤ ح ٥٨٤.

٢٠١

الحديث الثامن

حديث الراوية

[ ٧٠] ـ قالرحمه‌الله : وعنه ، عن الحسين بن محمّد ، عن أحمد بن إسحاق ، عن سعدان بن مسلم ، عن معاوية بن عمار ، قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : «رجل راوية لحديثكم يبثّ ذلك في الناس ويشدّده في قلوبكم وقلوب شيعتكم ، ولعل عابداً من شيعتكم ليست له هذه الرواية ، أيُّهما أفضل؟ قال : الراوي لحديثنا يشدّ قلوب شيعتنا أفضل من ألف عابد»(١) .

أقول : وشرح ما يتعلَّق بالمقام في موضعين :

الموضع الأول

في ما يرجع إلى السند : ومرجع الضمير كما تقدّم.

[ترجمة أحمد بن إسحاق]

وأما أحمد بن إسحاق : فمشترك بين الرازي والقمِّي ، وكلاهما ثقة ، جليل القدر ، ويُحتمل اتّحادهما(٢) .

[ترجمة سعدان بن مسلم]

وأمّا سعدان بن مسلم ، واسمه عبد الرحمن ، أبو الحسن العامري ، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسنعليهما‌السلام ، وعمّر عمراً طويلاً(٣) .

ويروي عنه جماعة من الأجلّاء الأعاظم ، كصفوان ، والقمِّيين ، وابن أبي عمير ، والأصحاب حَتَّى المتأخّرين ربما يرجّحون خبره على خبر الثقة الجليل ،

__________________

(١) معالم الدين : ١٤ ، الكافي ١ : ٣٣ ح ٩.

(٢) شرح اُصول الكافي ٢ : ٣٦.

(٣) رجال النجاشي : ١٩٢ رقم ٥١٥.

٢٠٢

وهو بمحلّه ، فإنّ في رواية من ذكرنا من الأعاظم عنه شهادة بوثاقته ، ومن جملة ما ربّما رجّحه الأصحاب ما رُوي عنه في تزويج الباكرة الرشيدة بغير إذن أبيها كما في (الوسائل) : عن محمّد بن علي بن محبوب ، عن العبَّاس ، عن سعدان بن مسلم ، قال : قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : «لا بأس بتزويج البكر إذا رضيت بغير إذن أبيها »(١) .

ولذا قال المحقّقرحمه‌الله في الشرائع : (وهل تثبت ولايتهما ـ يعني الأب والجد ـ على البكر الرشيدة؟ فيه روايات ، أظهرها سقوط الولاية عنها ، وثبوت الولاية لنفسها في الدائم والمنقطع.

قال : ولو زوَّجها أحدهما ، لم يمض عقده إلا برضاها) ، انتهى(٢) .

[ترجمة معاوية بن عمار]

وأمّا معاوية بن عمّار ، فقد قال النجاشي : (إنه كان وجهاً في أصحابنا ، ومقدَّما ، كثير الشأن ، عظيم المحلّ ، ثقة ، وكان أبوه عمّار ثقة في العامَّة ، وجهاً ، يُكنى أبا معاوية ، وأبا القاسم ، وأبا حکيم إلى أن قال : ومات معاوية سنة ١٧ ٥ هـ)(٣) .

الموضع الثاني

في شرح متن الحديث :

[أ] ـ «الراوية » : كثير الرواية ، والتاء للمبالغة ، وفي (المغرب) : الراوية بعيرُ السقاء ؛ لأنه يروي من يحمله ، ومنه راوي الحديث وروايته(٤) .

__________________

(١) وسائل الشيعة ٢ ٠: ٢٨٤ ح ٢٥٦٤٠ / ٤.

(٢) شرائع الإسلام ٢ : ٥٠٢.

(٣) رجال النجاشي : ٤١١ ح ١٠٩٦.

(٤) عنه بحار الأنوار ٧١ : ٣٣٧ ولم أعثر عليه في كتاب المغرب المطبوع للمطرزي.

٢٠٣

[ب] ـ «والمراد ببثّ الحديث بين الناس » : نشره بينهم.

[ج] ـ «ويشدِّده » : أي يجعله مستحکماً.

[د] ـ والمراد من الناس العامة : المستضعفون منهم، الَّذين يُرجی رجوعهم إلى الحق.

[في معنى لفظ الشيعة]

[هـ] ـ «وشيعة » الرجل : أتباعه وأنصاره.

قال ابن الأثير في النهاية : (وأصل الشيعة الفرقة من الناس ، وتقع على الواحد والاثنين والجمع ، والمذكّر والمؤنّث بلفظ واحد ومعنىً واحد. وقد غلب هذا الاسم على كل من زعم أنه يوالي علياً وأهل بيته ، حَتَّى صار لهم اسماً خاصاً ، فإذا قيل : فلان من الشيعة ، عُرف أنه منهم ، وفي مذهب الشيعة كذا : أي عندهم ، وتُجمَعُ الشيعةُ على شِيَع، وأصلها من المشايعة ، وهي المتابعة والمطاوعة ) ، انتهى(١) .

قال الطريحي في (المجمع) : (وفي الحديث : (طال ما اتكؤوا على الأرائك ، وقالوا نحن من شيعة علي) ولعل هذا الحديث وغيره ممَّا يقتضي بظاهره نفي الإسلام عمن ليس فيهم أوصاف مخصوصة زيادة على المذكور المتعارف ، مخصوص بنفي الكمال من التشيُّع)(٢) .

وفي (النهاية) أيضاً : (إن في حديث علي ، قال له النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ستقدم على الله أنت وشيعتك راضين مرضيين ، ويقدم عليه عدوُّك غضباناً مقمحين ، ثُمَّ جمع يده إلى عنقه ، يريهم كيف الإقماح)(٣) .

__________________

(١) النهاية في غريب الحديث ٢ : ٥١٩.

(٢) مجمع البحرين ٢ : ٥٧٢.

(٣) النهاية في غريب الحديث ٤ : ١٠٦ ، والإقماح : رفع الرأس وغض البصر.

٢٠٤

وروى المغازلي في (المناقب) بسنده إلى أنس بن مالك ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «يدخل الجنّة من اُمَّتي سبعون ألفاً لا حساب عليهم ، ثُمَّ التفت إلى عليّ عليه‌السلام ، فقال : هم من شيعتك وأنت إمامهم »(١) .

وفيه أيضاً باسناده إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام ، عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : «أتاني جبرائيل عليه‌السلام آنفاً فقال : تختَّموا بالعقيق ، فإنَّه أوَّل حجر شهد الله بالوحدانيّة ، ولي بالنبوَّة ، ولعليّ بالوصيّة ، [ولولده بالإمامة] ، ولشيعته بالجنَّة »(٢) .

إلى غير ذلك من الأخبار المستفيضة من طرق الخاصة والعامَّة بذكر الشيعة اونجاتهم حَتَّى روى الشيخ أبو الفتوح الرازي في تفسيره الموسوم بـ(روض الجنان) عند تفسير قوله تعالى : ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ(٣) : إنّ الخضرعليه‌السلام قال لبعض مواليه : «إنّي من موالي علي عليه‌السلام ومن جملة الموكّلين بشيعته »(٤) .

وبذلك كلّه يظهر فساد من يدّعي من الناس حدوث هذه الكلمة بين المتأخّرين ، وعدم وجودها في زمن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، حَتَّى إنّ القاضي (نور الله) كتب (مجالس المؤمنين) لرد هذه الشبهة ، فاغتنم(٥) .

__________________

(١) مناقب ابن المغازلي : ٢٤٩ ح ٣٣٥.

(٢) مناقب ابن المغازلي : ٢٤٢ ح ٣٢٦ ، وما بين المعقوفين من المصدر.

(٣) سورة المائدة : من آية ٢٦.

(٤) لم أعثر على هذا القول في تفسير الآية المشار إليها في المطبوع بين أيدينا من تفسير الرازي ، في طبعته الثالثة ، وربّما حذفته صروف الأيام والدهر.

(٥) ينظر عن تعريف الكتاب : الذريعة ١٩ : ٢٧٠ رقم ١٦٥٢.

٢٠٥

والظاهر بقرينة ما سبق أن المراد من الراوي في الحديث غير العالم ، بأن يكون راوياً للحديث من غير أن يكون له علم حقيقة الحال ، وقوَّة في فهم معناه ، وهو بهذه المنزلة يفوق على العابد في الفضيلة بألف درجة ، وإلّا فإن كان من أهل الفقه والفهم لما يرویه ، فقد عرفت الحديث السابق : أنه أفضل من سبعين ألف عابد ، ولنعم ما قيل :

صاحب دلي بمدرسه آمد زخانقاه

بشكسته عهد صحبت أهل طريق را

گفتم ميان عابد وعالم چه فرق بود

تا اختيار كردي از آن اين طريق را

گفت آن گليم خويش برون ميبر دز آب

واين جهد ميكند كه بگيرد غريق را

وجوب تصحيح النية

[ ٧١] ـ قالرحمه‌الله : (فصل ، ومن أهم ما يجب على العلماء مراعاته تصحيح القصد ، وإخلاص النيَّة )(١) .

أقول : إنَّ كل شيء يتصور أن يشوبه غيره ، فإذا صفا عن شوبه صار خالصاً ، قال الله تعالى : ﴿مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبِينَ(٢) ، فخلوص اللبن أن لا يكون فيه شوب من الدم والفرث ، ومن كل ما يمكن أن يمتزج به ، فمن تصدق وغرضه محض الرياء فهو مخلص ، ومن غرضه محض التقرُّب إلى الله تعالى فهو مخلص أيضاً ، ولكن العادة جرت بتخصيص اسم الإخلاص بتجريد قصد التقرُّب إلى الله تعالى عن جميع الشوائب ، كما أن الإلحاد عبارة عن الميل ،

__________________

(١) معالم الدين : ١١٤ وقوله ما أورده بعد الحديث المذكور آنفاً.

(٢) سورة النحل : من آية ٦٦.

٢٠٦

ولكن خصَّصته العادة بالميل عن الحق ، ومن طلب العلم لمحض الرياء والسمعة ، فطلبه خالص لغة كمن طلبه لمجرد القرية إلى الله تعالی.

والمراد من الخلوص في النيَّة المطلوبة ، هو أن يكون طلبه غير ملحوظ معه شيء سوى وجه الله.

قال الحكيم بطليموس الفلوذي من علماء اليونان : (النيَّة أساس العمل ، والعمل سفير الآخرة)(١) .

والمراد من هذا الكلام أن النيَّة هي المقصودة بالذات من الأعمال ، كما أن المقصود من الأبدان الأرواح ، فالنيَّة روح العمل ، كما أن الإخلاص روح النيَّة ، والمعنی روح اللفظ ، والأعمال شرَّعت لغرض النيَّة ، وصيرورتها شجرة مغروسة في أرض القلب ، وملكة راسخة لجوهر النفس ، فالأصل الأصيل والركن الوثيق في اكتساب السعادة والشقاوة الأُخروية صحَّة النيَّة وفسادها ، ومن هنا ورد الحديث مرفوعاً عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إن الله تعالى يحشر الناس على نيَّاتهم يوم القيامة »(٣) .

ومراده بأن العمل سفير الآخرة ، أنَّ التوجَّه والإقبال والحضور المعنوي بدون الأعمال الصورية الظاهرية بالقوى البدنية غير كاف ، ولا مخرج عن عهدة التكليف ؛ لأن للطاعات والملكات البدنية تأثيراً بالتنوير في النفس ، كما أنَّ المعاصي تأثيراً بالقسوة والظلمة ، وبأنوار الطاعة يستحکم مناسبة النفس

__________________

(١) لم أهتد إلى مصدر قوله هذا ، وقائله هو صاحب كتاب المجسطي.

(٢) ينظر : مسند أحمد ٢ : ٣٩٢ عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وليس فيه : (يوم القيامة) ، وبهذا اللفظ عن الإمام الصادقعليه‌السلام في الكافي ٥ : ٢٠ ح ١.

٢٠٧

لاستعدادها القبول المعارف الإلهية ، ومشاهدة الحضرة الربوبية ، كما بالقسوة والظلمة يستبعد للعيد والحُجّاب عن مشاهدة الجمال الإلهي ، فالطاعة مولّدة للَّذة المشاهدة والقرب بواسطة الصفا ، والنور الَّذي يحدث في النفس هو السفير والمصلح لأُمور الآخرة ، وبالجملة فكل حظ من حظوظ الدنيا تستريح إليه النفس ويميل إليه القلب قلّ أم كثر ، إذا تطرق إلى العمل تكدّر بهِ صفوه وزال به إخلاصه ، والإنسان مرتبط بحظوظه منغمس في شهواته ، قلّما ينفك فعل من أفعاله أو عيادة من عياداته عن حظوظ وأغراض عاجلة من هذه الأجناس ، فلذلك قيل : من سلم له من عمره لحظةً واحدةً خالِصَةً لوجه الله نجا.

وذلك لعزَّة الإخلاص ، وعسر تنقية القلب عن هذه الشوائب ، بل الخالص الَّذي لا باعث عليه إلا طلب القرب من الله ، وهذه الحظوظ إن كانت هي الباعث وحدها فلا يخفى شدة الأمر على العبد فيها ، وإنَّما نظرنا فيما إذا كان القصد الأصلي هو التقرُّب واتضافت (واُضيفت ـ ظ) إليه هذه الأُمور ، وكم من أعمال يتعب الإنسان فيها ويظن أنها خالصة لوجه الله ، ويكون فيها مغروراً كما حُکى عن بعض أنه قال : (قضيت صلاة ثلاثين سنة صلَّيتها في المسجد في الصف الأوَّل ؛ لأنّي تأخَّرت يوماً لعذر ، فصليت في الصف الثاني ، فاعترتني خجلة من الناس حيث رأوني في الصف الثاني ، فعرفت أن في نظر الناس إليّ في الصف الأول كان مسرَّتي وسبب استراحة قلبي من حيث لا أشعر )(١) .

وهذا دقيق غامض قلَّما تسلم الأعمال منه ، وقلّ من يتنبه له إلا من رفعه الله تعالى ، والغافلون عنه يرون حسناتهم كلّها في الآخرة سيّئات ، وهم المعنيون

__________________

(١) فلاح السائل : ١٢١ ، جامع السعادات ٢ : ٣١٢.

٢٠٨

قوله تعالى : ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّـهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ(١) ، ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا(٢) .

[موعظة بليغة لأهل العلم والوعظ]

[ ٧٢] ـ قالرحمه‌الله : (وتطهير القلب من دنس الأغراض الدنيويّة )(٣) .

أقول : لا يخفى أنَّ العلم عبادة القلب ، كما أنَّ الصلاة عبادة الجوارح ، وكما أنَّ الثانية لا تصحّ بدون الطهارة ، فكذلك الأُولى لا تصحّ ما لم يكن القلب خالياً من الصفات الذميمة كالبخل ، والحقد ، وطلب العلوّ ، وطول الأمل ، وحب المكث في الدنيا للتمتُّع ، والكبر ، والرياء ، والغضب ، والأنفة ، والعداوة ، والبغضاء ، والطمع ، والرغبة ، والبذخ ، والأشر ، والبطر ، وتعظيم الأغنياء ، والاستهانة بالفقراء ، والفخر ، والخيلاء ، والتنافس ، والمباهاة ، والاستكبار عن الحق ، والخوض فيما لا يعني ، وحبّ كثرة الكلام ، والصلف ، والمداهنة ، والعجب ، والاشتغال عن عيوب النفس بعيوب الناس ، وزوال الحزن من القلب ، وخروج الخشية منه ، وشدَّة الانتصار للنفس إذا نالها ذلٌّ ، وضعف الانتصار للحق ، والفرح بالدنيا ، والأسف على فواتها ، والأُنس بالمخلوقين ، والوحشة لفراقهم ، إلّا لإعانةٍ معهم على الدين ، والجفا والطيش ونحو ذلك.

__________________

(١) سورة الزمر : من آية ٤٧.

(٢) سورة الكهف : من آية ١٠٤.

(٣) معالم الدين : ١٤.

٢٠٩

وأشد الخَلق تعرضاً لهذه الفتنة العلماء ، فإنَّ الباعث للأكثرين على نشر العلم لذَّةُ الاستيلاء ، والفرح بالاستتباع ، والاستبشار بالحمد والثناء ، والشيطان يلبس عليهم ذلك ويقول : غرضکم نشر دين الله والمحاماة عن الشرع.

ونرى في زماننا هذا أنَّ الواعظ يمنُّ على الله تعالی بوعظه ونصيحته لعباد الله ، وتحذيره الملوك والسلاطين ، ويفرح بقبول الناس قوله ، وإقبالهم عليه وإشارتهم بالأكف إليه ، ولعلَّه يتوهَّم في نفسه أن فرحه لِما يُسّر له من نصرة الدين ، ووُفق إليه من تذكير الجاهل ، ولكن انتظر منه حالة ظهور من هو أحسن منه في فنّ الوعظ وعكوف الناس على ذلك الشخص وانصرافهم عنه ، إنَّك تراه مغضباً من ذلك ، ولو كان الباعث له على الوعظ أمر الدين ، وحفظ شريعة سیِّد المرسلين ، وهداية من أراد الهداية إلى [الله عزَّ وجلَّ](١) ؛ لأحبّ الطريق الواضح المبين ، لكن المطلوب منه عندما يرى من هو أولی بذلك ، وأتم بهذا الغرض أن يشكر الله تعالى على حصول غرضه على النحو الأتم والأكمل ، وأنه كفاه مؤنة ذلك.

وربّما يسوّل الشيطان له ويقول : إنَّما غمُّك لانقطاع الثواب منك ، لا الانصراف وجوه الناس عنك.

ولا يدري أنَّ انقياده للحق وتسليمه الأمر إلى من هو أصلح منه ، أعوَدُ عليه في الدين من تكليفه بمصالح الخلق مع ما فيه.

وقد ينخدع بعض أهل العلم بغرور الشيطان ، فيحدّث نفسه بأنه لو ظهر من هو أولى منه بالأمر الفرح به وأسلم له وقدمه على نفسه ، وهذه الحالة منه قبل

__________________

(١) ما بين المعقوفين منا لإتمام المعنى.

٢١٠

التجربة والامتحان محض الجهل والغرور ، فإنَّ النفس سهلة الانقياد في مقام الوعد قبل نزول الأمر ، فإذا آن وقت الوفاء بالوعد رجع ولم يف ؛ وذلك لا يعرفه إلّا من عرف مكائد الشيطان والنفس ، وطال اشتغاله بامتحانها.

فمعرفة حقيقة الإخلاص والعمل به بحر عميق فيه الكثير إلا الشاذ النادر ، والفرد الفذ وهو المستثنى في قوله تعالى : ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ(١) .

فلتكن ـ يا أخي ـ شديد التعقُّل والمراقبة لهذه الأُمور والدقائق ، ولا تكن المعنيَّ بهذا البيت :

لقد أسمعتَ لو نادَيْتَ حيّاً

ولكِنْ لا حياةَ لِمَنْ تُنادي

تكميل النفس

[ ٧٣] ـ قالرحمه‌الله : (تكميل النفس في قوَّتها العملية ، وتزكيتها باجتناب الرذائل واقتناء الفضائل الخُلقية )(٢) .

أقول : إعلم أن الحكمة عبارة عن العلم بأحوال الأعيان الموجودة على ما هي عليه في نفس الأمر ، وهي تنقسم إلى قسمين : نظرية وعملية.

أمّا الحكمة النظرية : فهي العلم بأحوال الموجودات الخارجة ووجودها عن القدرة والاختيار ، كالعلم بوجود الواجب ، والمبادئ العالية ، والأفلاك ، والعناصر ، النفوس ، والقوى ، والصور ، والطبائع إلى غير ذلك.

وأمّا الحكمة العمليَّة : فهي العلم بأحوال الموجودات التي لها تعلُّق باختيار الإنسان وداخل تحت قدرته ، كالأفعال ، والأعمال المؤدِّية إلى صلاح المعاش

__________________

(١) سورة الحجر : ٤٠.

(٢) معالم الدين : ١٤.

٢١١

والمعاد ، وهذه الأفعال والأعمال إن كانت راجعة إلى مشاركة جماعة في المنزل فيقال له : علم تدبير المنزل.

أو في البلد فعلم السياسة ، وإن لم تكن راجعة لمشاركة أحد ، بل كان باعتبار الانفراد من حيث ينبغي أن يفعل أو لا يفعل ، فهو علم تهذيب الأخلاق ، والمقصود في المقام الإشارة إلى الأخير أعني علم تهذيب الأخلاق.

فنقول : إنَّ الفضائل والرذائل عبارة عن الهيئات الحاصلة في جوهر الذات من مزاولة الأعمال المولّدة للأخلاق الحميدة والذميمة ، وكما أنَّ الفضائل لا محال تؤدّي إلى صلاح المعاد والمعاش كذلك الرذائل تؤدّي إلى فسادهما ، فلا بدَّ من تدبير يوجب كون الهيئات المرتسمة في النفس كلها منشئاً للفضائل والتخلّي عن الرذائل ، وهو تدبیر صنعة تهذيب الأخلاق ، وأن الخُلق ملكة نفسانية تقتضي سهولة صدور الأفعال من النفس بحيث لا يحتاج إلى فكر ورويَّة ، وأنَّ الخُلق على قسمين : طبيعي وعادي.

أمّا الطبيعي : فكمقتضيات أصل المزاج من حركة القوَّة الغضبية بأدنی سبب ، والجزع من أسهل الأسباب ، والجبن من الموهمات ، والإفراط في الضحك أو البكاء بسبب ضعيف وأمثال ذلك.

وأمّا العادي : فكما أنَّ الإنسان في ابتداء الأمر يعمل عملاً بفكر ورويَّة ومن كثرة التكرار والتمرُّن يعتاده حَتَّى لا يحتاج إلى فكر ورؤيَّة ، وما ذكرناه من انقسام الخُلق على هذين القسمين هو مذهب المحقّقين من الحكماء ، وبعض غلب عليه البطالة ، وثقل عليه مجاهدة النفس الأمارة والاشتغال بتز کيتها ،

٢١٢

وتهذيب أخلاقها ، يذهب إلى أن الخُلق ليس هو إلا الطبيعي ، فيمتنع تبدیل الأخلاق ، وربّما استدل بعض هؤلاء على ذلك بوجهين :

الأوَّل : أنَّ الخُلق ـ بالضم ـ عبارة عن صورة الباطن ، كما أن الخَلق ـ بالفتح ـ عبارة عن صورة الظاهر ، وكما لا يمكن تبديل الصورة الظاهرية كذلك لا يمكن تبديل الصورة الباطنية.

الثاني : أنَّ حُسن الخُلُق لا يحصل إلا بمنع النفس من الغضب والشهوة وحب الدنيا وأمثال ذلك ، وهو أمر ممتنع ، والاشتغال به يوجب تضييع العمر فيما لا فائدة فيه.

وهو في غاية الضعف والوهن ، فإنَّ من المُشاهَد المعلوم حدوث الخُلق وتبديله ، وإلا لانتفى أثر التربية والتعليم والتأديب ، مع أنّا نرى الأشرار يكتسبون حالات الأخبار بالمصاحبة معهم ، وكذلك الأخبار يكتسبون حالات الأشرار بالمصاحبة والمعاشرة معهم ، وأنَّ الطبع مکتسب من كل مصحوب.

قال الشيخ الرئيس : (والدليل على أنَّ الأخلاق إنَّما تحصل من اعتياد الأفعال التي تصدر عن الأخلاق ، ما نراه من أصحاب السِّياسات وأفاضل الملوك ، فإنَّهم إنَّما يجعلون أهل المدن أخياراً بما يعوّدونهم من أفعال الخير ، وكذلك أصحاب السياسات الرديَّة والمتغلّبون على المدن يجعلون أهلها أشراراً بما يعودونهم من أفعال الشر ) ، انتهى(١) .

__________________

(١) لم أهتد إلى مصدر هذا القول.

٢١٣

بل لو قلنا بامتناع التبديل لبطلت المواعظ القرآنية ، والنصائح النبوية ، والتأديبات الشرعية ، وخلت الأوامر والنواهي من الثمرة ، كيف وقد قال الله تعالى : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا(١) .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : «حسّنوا أخلاقكم »(٢) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنَّما بُعثت لأُتمّمَ مكارِمَ الأخلاق »(٣) .

ولا ينافيه قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «الناس معادن كمعادن الذهب والفضة »(٤) ؛ إذ المقصود أن الناس يتفاوتون في مكارم الأخلاق ومحاسن الصفات ، وفيما يُذكر عنهم من المآثر على حسب الاستعداد ومقدار الشرف ، تفاوت المعادن : فيها الرديء والجيِّد. وكيف يُنكر إمكانه بالنسبة إلى الإنسان مع أنّا نشاهد التغيير في أخلاق البهائم وسائر الحيوانات الأهلية والوحشية ، مثل : كلاب الصيد ، وبعض الطيور ، بل وقسم من الخيل ، فإنَّ ذلك كلَّه من تغيير الخُلُق.

إذا عرفت ذلك فنقول : المراد من تکميل النفس في قوَّتها العملية أن تصدر منها الأفعال الإرادية محكمة متقنة ، أي على حسب ما تقتضيه القوَّة النظرية لا على مقتضى الشهوة والغضب ، حَتَّى تحصل في النفس الملكيَّة هيئة فاعلة بالنسبة إلى القوى البدنية ، والنفس السبعية والبهيمية إنَّما تتّصفان بالبدن بمقتضی إشارتها ، وتحصل أيضاً هيئة منفعلة في القوى البدنية تقبل إشارة النفس الملكيَّة بسهولة ، ولا تحصل منها الأفعال بمقتضى الغريزة والطبع.

__________________

(١) سورة الشمس : آية ٩ ـ ١١.

(٢) أعيان الشيعة ١ : ٣٠١ باب حکمة القصيرة ، ولم أعثر عليها في الكتب الحديثية ، فلاحظ.

(٣) مكارم الأخلاق : ٨.

(٤) بحار الأنوار ٥٨ : ٦٥.

٢١٤

فالرذائل : هي الآثار الحاصلة في النفس من الأخلاق المذمومة الناشئة من متابعة النفس الملكيَّة إلى النفس البهيمية والسَّبُعية ومطاوعتها لهما ، فهي تارة کالبهيمة المرسلة تأكل ما تجد وتشرب ما ترد ، وتارة كالسَّبُع يُؤذي ويفترس ، فهو وإن كان بصورة إنسان إلا أنه سبع أو بهيمة.

والفضائل : هي الآثار الحاصلة في النفس من الأخلاق المحمودة الناشئة من تسليط النفس الملكيَّة على النفسين البهيمية والسَّبُعية ، ومطاوعتهما لهما كما أشار إلى ذلك.

[٧٤] ـ وقالرحمه‌الله : (وقهر القوَّتين الشهرية والغضبية)(١) .

أقول : فلا بد من کسر هاتين القوَّتين بالسياسة البدنية ليكمل القوَّة الملكيَّة التي من شأنها أفعال الملائكة من العكوف على عبادة الله ، وملازمة طاعته ، وطلب الزلفى والقرب إليه.

قال الشيخ أبو علي بن مسکویه في كتابه (طهارة النفس) : (أجمع الحكماء على أن أجناس الفضائل أربع وهي : الحكمة ، والعفَّة ، والشجاعة ، والعدالة ؛ ولذلك لا يفتخر أحد ولا يباهي إلا بهذه الفضائل أو عليها ، فأمّا من افتخر بآبائه وأسلافه ؛ فلأنَّهم كانوا على بعض هذه الفضائل أو عليها كلّها ).

ثُمَّ قال : (الحكمة هي فضيلة النفس الناطقة المميِّزة ، وهي أن تعلم الموجودات كلّها من حيث هي موجودة ، وإن شئت فقل أن تعلم الأُمور الإلهية ، والأُمور الإنسانية ، ويثمر علمها بذلك أن تعرف المفعولات أيُّها يجب أن يُفعل ، وأيّها يجب أن لا يُفعل.

__________________

(١) معالم الدين : ١٤.

٢١٥

وأمّا العفَّة : فهي فضيلة الجزء الشهواني ، وظهور هذه الفضيلة في الإنسان يكون بأن يصرف شهواته بحسب الرأي ، أعني أن يوافق التمييز الصحيح حَتَّى لا يتنقاد لها ، ويصير بذلك حرّاً غير مستعيد بشیء من شهواته.

وأمّا الشجاعة : فهي فضيلة التنفس الغضبية ، وتظهر في الإنسان بحسن انقيادها للنفس الناطقة المميِّزة واستعمال ما يوجبه الرأي المحمود ، أعني أن لا يخاف من الأُمور المفزعة إذا كان فعلها جميلاً والصبر عليها محموداً.

وأمّا العدالة : فهي فضيلة في التنفس تحدث لها من اجتماع هذه الفضائل الثلاث التي عدَّدنا ، وذلك عند مسالمة هذه القوى بعضها لبعض ، واستسلامها للقوة المميِّزة ، حَتَّى لا تتغالب ولا تتحرَّك نحو مطلوباتها على رسوم طبائعها ، وتحدث للإنسان بها هيئة يختار بها أبداً الإنصاف من نفسه على نفسه أولاً ، ثُمَّ الإنصاف والانتصاف من غيره) ، انتهى(١) .

وأمّا أجناس الرذائل التي هي أضداد الفضائل ، فهي وإن كانت في بادئ النظر أيضاً أربع كما قال الشيخ ابن مسکویه : وأضداد هذه الفضائل الأربع من الرذائل أيضاً أربع : الجهل ، والشَّره ، والجُبن ، والجور.

غير أنه بحسب النظر المستقصى أنَّ لكلّ فضيلة حدّاً ، والتجاوز عنه إلى طرف الأقراط والتفريط يتأدَّى إلى رذيلة(٢) .

قال المحقّق الطوسيرحمه‌الله في أخلاقه : (إنَّ كلّ قيد يعتبر في تحديد فضيلة ، فإهماله وجب رذيلة ، كما أن رعاية كلّ قيد لا يعتبر فيها يوجب تبديل الفضيلة إلى الرذيلة ، كالسَّفه والبله بازاء الحكمة ، والتهوَّر والجُبن بازاء الشجاعة ، والشَّره وخمود

__________________

(١) طهارة النفس (مخطوط) لأحمد بن محمد بن يعقوب مسکویه (ت ٤٢١ هـ). (ينظر : الأعلام ١ : ٢١١).

(٢) طهارة النفس (مخطوط).

٢١٦

الشهوة بإزاء العفَّة ، والظلم والانظلام بإزاء العدالة ، وفي كلّ واحد منها ، فالأول في جانب الإفراط ، والثاني في جانب التفريط ، فالسَّفهُ : هو استعمال قوة الفكر فيما لا يجب ، أو الزيادة على ما يجب ، وهو المراد من الجربزة.

والبله : تعطيل قوة الفكر بالإرادة ، لا ما كان بحسب الخلقة.

والتهوُّر : هو الإقدام على ما لا يحسن الإقدام عليه.

والجبن : هو الحذر ممَّا لا يُحمد الحذر منه.

والشَّره : هو الانغمار في اللَّذات زائداً على قدر الواجب.

والخمود : سكون الشهوة من طلب اللَّذات الضرورية المباحة بحسب الإرادة ، لا من حيث نقصان الخلقة.

والظلم : هو تحصيل أسباب المعاش من الوجوه الذميمة.

والانظلام ، ويُعبر عنه بالهضم ، وهو : تمكين الغير على النفس ، والتطأمن(١) له في الظلم ، وأخذ الأموال والأسباب منه بدون استحقاق).

__________________

(١) طأمن الشيء : سکنه.

٢١٧

الحديث التاسع

طلبة العلم ثلاثة

[ ٧ ٥] ـ قالرحمه‌الله : وقد روينا بالطريق السابق وغيره ، عن محمّد بن یعقوبرحمه‌الله ، عن علي بن إبراهيم ، رفعه إلى أبي عبد اللهعليه‌السلام .

حيلولة : وعن محمّد بن يعقوب ، قال : حدّثني به محمّد بن محمود أبو عبد الله القزويني ، عن عدّة من أصحابنا ، منهم جعفر بن أحمد الصيقل ، بقزوین ، عن أحمد بن عيسى العلوي ، عن عبّاد بن صهيب البصري ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : «طلبةُ العلم ثلاثة ، فاعرفهم بأعيانهم وصفاتهم : صنف يطلبه للجهل والمراء ، وصنف يطلبه للاستطالة والختل ، وصنف يطلبه للفقه والعقل ، فصاحب الجهل والمراء مؤذٍ ، ممارٍ ، متعرّض للمقال في أندية الرجال بتذاكر العلم وصفة الحلم ، قَدْ تسربل بالخشوع ، وتخلّى من الورع ، فدقّ الله من هذا خيشومه ، وقطع منه حيزومه ، وصاحب الاستطالة والختل ذو خب وملق ، يستطيل على مثله من أشباهه ، ويتواضع للأغنياء من دونه ، فهو لحلوانهم(١) هاضم ، ولدينهم حاطم ، فأعمى الله على هذا خبره ، وقطع من آثار العلماء أثره ، وصاحب الفقه والعقل ، ذو كآبة وحزن وسهر ، قَدْ تحنّك في برنسه ، وقام الليل في حندسه ، يعمل ويخشی ، وَجِلاً ، داعياً ، مُشفِقاً ، مُقبِلاً على شأنه ، عارفاً بأهل زمانه ، مستوحشاً من أوثق إخوانه ، فشدّ الله من هذا أركانه ، وأعطاه يوم القيامة أمانه»(٢) .

أقول : وشرح المرام في موضعين :

الموضع الأول

في رجال السند :

__________________

(١) في المصدر : (لحلوائهم) وسيأتي بيانها من المؤلفرحمه‌الله .

(٢) معالم الدين : ١٤ ، الكافي ١ : ٤٩ ح ٥.

٢١٨

والسند الأول مرفوع في الاصطلاح ، والثاني مجهول.

رواه الصدوقرحمه‌الله في (الأمالي) ، عن جعفر بن محمّد بن مسرور ، عن محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري ، عن أبيه ، عن محمّد بن عبد الجبار ، عن محمّد بن زياد ، عن أبان بن عثمان ، عن أبان بن تغلب ، عن عكرمة ، عن ابن عبَّاس ، عن أمير المؤمنينعليه‌السلام ، بأدنی تغییر(١) .

ورواه أيضاً في (الخصال) ، عن محمّد بن موسى المتوكّل ، عن علي الحسين السعد آبادي ، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي ، عن محمّد بن سنان ، عن أبي الجارود ، عن سعيد بن علاقة ، عنهعليه‌السلام .

ومرجع الضمير في (به) الحديث ، أي : حدّثني بهذا الحديث.

(وبقزوین) متعلق بقوله : حدّثني على الظاهر ، والغرض من ذكره هو الإشعار باهتمامه في ضبط الرواية ، والظاهر أن هذه العدّة غير العدّة التي يروي عنهم صاحب الكافي بلا واسطة.

(ويؤيِّده) أن جعفر بن أحمد الصيقل غیر داخل في عدّته ، وهو مجهول الحال.

[ترجمة أحمد بن عيسى العلوي]

وأمّا أحمد بن عيسى العلوي : ثقة من أصحاب العيّاشي(٣) .

__________________

(١) أمالي الصدوق : ٧٢٧ ح ٩٩ / ٩.

(٢) الخصال : ١٩٤ ح ٢٦٩.

(٣) شرح اُصول الكافي ٢ : ١٨٨.

٢١٩

[ترجمة عباد بن صهيب البصري]

وأمّا عبّاد بن صهيب البصري :

قال الكَشِّي : (إنه بتري)(١) .

وقال النجاشي : (إنه ثقة)(٢) .

وقال الطريحي : (إنَّ عباداً مشترك بين جماعة لا حال لهم في التوثيق ما عدا ابن صهيب)(٣) .

الموضع الثاني

في شرح ما يتعلق بالمتن :

[أ] ـ «فاعرفهم بأعيانهم » : أي : المشاهدة الذوقية والمعاينة القلبية ، فإنَّ أصحاب القلوب الصافية ، وأرباب المشاهدات الذوقية ، قَدْ يعرفون خباثة ذات رجل بمجرد النظر إليه ، وإن لم يشاهدوا شيئاً من صفاته بالمشاهدات العينية.

[ب] ـ «وصفاتهم » : فإن خباثة صفاتهم مظهر لخباثة ذواتهم ، والغرض من هذه المعرفة هو التمييز ما بين المُحقّ والمُبطل ، والهادي والمُظلّ.

[ج] ـ «والمراء » : بكسر الميم : مصدر بمعنى المجادلة(٤) ، والمراد بـ(الجهل) الاستخفاف والاستهزاء ؛ لأن ذلك شأن الجهّال.

[د] ـ «والاستطالة » : الترفُّع من الطَول بالفتح ، وهو الزيادة.

__________________

(١) اختيار معرفة الرجال ٢ : ٦٨٩ رقم ٧٣٦.

(٢) رجال النجاشي ٢٩٣ رقم ٧٩١.

(٣) جامع المقال : ٧٥.

(٤) تاج العروس ٢٠ : ١٨٣.

٢٢٠

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340