• البداية
  • السابق
  • 26 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 295 / تحميل: 147
الحجم الحجم الحجم
مقتل آل هاشم في كربلاء

مقتل آل هاشم في كربلاء

مؤلف:
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مقتل آل هاشم في كربلاء

تأليف :

محمد علي الحسيني

تجدر الإشارة إلى أننا اضطررنا إلى إنزال هذا الكتاب ـ بعد تصحيحه وتقويمه ـ على موقعنا من غير أن تُكتب أرقام صفحاته ؛ وذلك لأنّنا حينما أتينا به من بعض المواقع الاُخرى كان خالياً من الترقيم , وبعد جهد جهيد في البحث عن الأصل لم نعثر عليه في بعض مكتباتنا العامة , وسوف نثبت أرقام الصفحات فيما بعد إن شاء الله تعالى إن سنحت الفرصة في الحصول على نسخة الأصل

١

ملاحظة

هذا الكتاب

طبع ونشر الكترونياً وأخرج فنِيّاً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي

وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً

قسم اللجنة العلميّة في الشبكة

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

الحمد لله ربِّ العالمين ، والصلاة والسّلام على خير الأنام وسيد الأنبياء والمرسلين محمّد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين ، واللعنة الدائمة على مَنْ ظلمهم إلى قيام يوم الدين

روي عن أبي الحسن الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السّلام) أنّه قال : ((إنّ يوم الحسين أقرح جفوننا ، وأسبل دموعنا ، وأذلّ عزيزنا بأرض كرب وبلاء ، وأورثنا الكرب والبلاء إلى يوم الانقضاء ؛ فعلى مثل الحسين فليبك الباكون ؛ فإنّ البكاء عليه يحطّ الذنوب العظام ))(١)

فالحزن والبكاء على مصيبة سيّد الشهداء الإمام أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) باق ومستمر في السماء والأرض حتّى يوم القيامة ؛ ففي كلّ سنة يتجدد البكاء ومجالس العزاء ، وكأنّ واقعة كربلاء حديثة عهد ، فكلّ أرض تصبح كربلاء وخصوصاً يوم العاشر ، وهو مصرع الإمام الحسين (عليه السّلام) وأهله وأصحابه ؛ ففي هذا اليوم الحزين يشرع خطباء المنبر الحسيني بقراءة المقتل ، وجرت العادة على تقسيم المصرع إلى قسمين :

ــــــــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار٤٤ / ٢٨٣

٢

١ ـ مصرع الأصحاب

٢ ـ مصرع الإمام الحسين (عليه السّلام) وأهله

وقد اخترنا القسم الثاني واستعنّا بكتاب المصيبة الراتبة الذي صدر عن المؤتمر العاشورائي في لبنان ـ بيروت سنة ١٤٢٠ هـ / ١٩٩٩ م

٣

وتعميماً للفائدة والحاجة قمنا ومعنا بعض الإخوة مشكورين بتحريك النصِّ وضبطه وإخراج المصادر ، وأجرينا بعض التغييرات التي رأيناها مناسبة ، آخذين بعين الاعتبار أنّ يوم العاشر يفتقر غالباً إلى وجود قارئ متخصص ، خصوصاً في دول الاغتراب , لكي يرتقي المنبر ، بل يقوم بذلك مَنْ عنده الأهلية من ناحية الصوت فقط

وهذا الكتاب يُسهّل عليه وعلى غيره الجمع بين الصوت وبين الناحية الفنيّة والنحويّة ، طبعاً مع المراعاة نسأل الله أن يكون فيه الفائدة والأجر والثواب

قم المقدّسة

الإثنين ١٣ رجب ١٤٢٢ هـ

١ تشرين الأوّل ٢٠٠١ م

محمد علي الحسيني

٤

شهادة آل هاشم في كربلاء

أروحـك أم روحُ الـنبوةِ تَصعدُ

من الأرضِ للفردوسِ والحورُ سُجّدُ

رأسُكَ أم رأسُ الرسولِ على القنا

بـآيةِ أهـلِ الـهكفِ راحَ يُـردّدُ

أصدرُكَ أمْ مُستودعُ العلمِ والحِجى

لـتحطيمِهِ جـيشٌ من الجهلِ يَعمدُ

فشاطرَتِ الأرضَ السماءُ بشجوها

فـواحدةٌ تـبكي وأُخـرى تُـعدِّدُ

وقـد نَـصَبَ الوحيُ العزاءَ ببيِته

عـليكَ حِـداداً والـمُعزّى مُحمدُ

فـأيُّ شَهيدٍ أصلَتْ الشمسُ جسمَهُ

ومـشـهدُها مـن نـورِهِ مُـتولّدُ

وأيُّ ذبـيح داسَـتِ الخيلُ صدرَهُ

وفـرسانُها مـن ذِكـرِهِ تـتجمّدُ

ألـم تـكُ تـدري أنَّ روحَ محمَّدٍ

كـقُـرآنِهِ فـي سـبطِهِ مَـتَجسِّدُ

فـلو عـلمَتْ تلك الخيولُ كأهلها

بـأنّ الـذي تـحتَ السنابكِ أحمدُ

لـثارَتْ عـلى فُرسانِها وتمردّتْ

عـليهم كما ثارُوا بها وتمردّوا(١)

ولمّا لم يبقَ مع الحسين (عليه السلام) إلاّ أهلُ بيته ، وهم وُلد عليٍّ (عليه السّلام) ، ووُلدُ جعفر وعقيل , وولدُ الحسنِ (عليه السّلام) ، وولدُ الحسينِ (عليه السّلام) ، اجتمعوا وجعل يودِّع بعضُهم بعضاً ، وعزموا على ملاقاة الحتوف ببأس شديد ونفوس أبيَّة

ــــــــــــــــــــ

(١) مجمع المصائب ج ٢

٥

عليُّ الأكبر (عليه السّلام)

وأوَّلُ مَنْ تقدَّمَ عليُّ بن الحسينِ الأكبرُ , وعمرُهُ سبعٌ وعشرون سَنةً ، ولمّا عَزَمَ عليُّ الأكبرُ على القتالِ وأقبلَ مسْتأذناً من أبيه نظَرَ إليه الحسينُ (عليه السّلام) نَظَرَ آيسٍ منْه ، وأرخَى عينيهِ بالدموعِ ، ورفَعَ شيبتَه نحو السماءِ وقال : (( اللّهمَّ اشهدْ على هؤلاءِ ، فقد بَرَزَ إليهم أشبهُ الناسِ خَلقاً وخُلُقاً ومنطِقاً برسولِك محمّد (صلّى الله عليه وآله) ، وكُنَّا إذا اشتقْنَا إلى رؤيةِ نبيِّك نظرْنَا إليه اللّهمَّ فامنعْهُم بركاتِ الأرضِ ، وفرِّقْهم تفريقاً ، ومزِّقْهُم تمزيقاً ، واجعلْهُم طرائقَ قِدَداً ، ولا تُرضِ الولاةَ عنْهُم أبَداً ؛ فإنّهم دعَوْنَا لينصرونا ، فعدَوْا علينا يقاتلونَنَا ))

وصاحَ بِعُمرَ بنِ سعد : ((ما لك يابنَ سعد ! قطَعَ اللهُ رَحِمَك كما قطعتَ رَحمِي ولم تحفظ قرابتي من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وسلَّطَ عليك مَنْ يذبحُك بعدي على فراشك ))(١) .

ثمّ تلا قولَه تعالى : ( إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَ نُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْض وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )(٢)

ولمّا يَمّمَ الحرب عزَّ فراقُهُ على مخدّراتِ الإمامةِ فأحطنَ بهِ ، وتعلّقنَ بأطرافِهِ , وقلن له : ارحمْ غُربَتَنَا ، فلا طاقةَ لنَا على فراقِكِ فلم يَعْبأ بهنَّ ، وتوجّه نحوَ القومِ ، وشدَّ عليهم شدَّةَ الليثِ الغضبانِ ، وهو يقولُ :

أنـا عليُّ بنُ الحسينِ بنِ عليْ

نـحنُ وبـيتِ اللهِ أوْلى بالنَّبيْ

تاللهِ لا يـحكُمُ فـينا ابنُ الدَّعي

أطـعنُكُم بـالرمحِ حتّى يَنثني

أضربُكم بالسيفِ أحمي عن أبي

ضـربَ غـلامٍ هاشمي عَلَوي

ولَمْ يزلْ يحملُ على الميمنةِ ويعيدُها على الميسرةِ ، ويغوصُ في الأوساط , فلم يُقابِلهُ جحفلٌ إلاّ ردَّهُ ، ولا بَرزَ إليهِ شجاعٌ إلاّ قَتلَه ؛ فقتلَ منهُم مقتلةً عظيمةً حتّى ضجَّ الناسُ من كثرةِ مَنْ قُتلَ مِنهُم

ولمّا اشتدَّ بهِ العطشُ رجعَ إلى أبيه الحسين (عليه السّلام) قائلاً : يا أبه ، العطشُ قد قتلني ، وثِقلُ الحديدِ قد أجهدني ، فهلْ إلى شربةِ ماء من سبيل أتقوّى بها على الأعداء ؟

ــــــــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار ٤٥ / ٤٢ ، اللهوف / ٤٨

(٢) سورة آل عمران / ٣٣ ـ ٤٤

٦

فبكى الحسينُ (عليه السّلام) وقال : (( واغوثاه ! مِن أين آتي لكَ بالماءِ ؟ قاتلْ قليلاً ؛ فما أسرَعَ ما تلقى جدَّكَ رسولَ الله (صلّى الله عليه وآله) فيَسقيكَ بكَأسِه الأوفى شربةً لا تظمأُ بعدَها أبداً ))

فرَجعَ عليُّ الأكبرُ إلى الميدانِ , وجَعلَ يُقاتِلُ أعظمَ القتالِ ، فأكثرَ القَتْلى في صفوفِ الأعداءِ , فقالَ مُرّةُ بنُ منقِذ العبدي : عليَّ آثامُ العربِ إن لم أُثكِلْ بهِ أباه فطعنَهُ بالرمحِ في ظهرهِ ، وضربَهُ بالسيفِ على رأسه ففَلقَ هامتَهُ ، وضربه الناسُ بأسيافِهم فاعتنقَ فرسَهُ ، فاحتَملَه الفرسُ إلى معسكرِ الأعداءِ فقطّعوهُ بسيوفِهم إربْاً إربْاً

فنادى رافعاً صوتَه : أبتاه , عليك منِّي السّلام ، هذا جدِّي رسولُ الله قد سَقَاني بكَأْسِه الأَوفى شربةً لا أظمأُ بعدَها أبداً(١) ، وهو يقول لك : (( العجل العجل ؛ فإنّ لكَ كأساً مذخورةً ))

فجعلَ الحسينُ (عليه السّلام) يَتنفس الصعداءَ ، وصاحَ بأعْلى صوتِه : (( وا ولدَاه ! )) فتصارختِ النساءُ فسكَّتهُنَّ الحسينُ (عليه السلام) ، وقال : (( إنَّ البكاءَ أمامكنَّ ))

وحَملَ على القومِ ففرّقَهُم ، وأقبلَ إلى ولدِه مُسْرعاً وهو يقولُ : (( ولدي علي ، ولدي علي )) حتّى وَصلَ إليهِ ورمى بنفسهِ عليه ، وأخذَ رأسَه فوضعَهُ في حِجرِهِ و وجَعلَ يمسحُ الدمَ والترابَ عن وجهِه ، واعتنقَهُ واضِعاً خدّه على خدّهِ وهو يقول : (( قَتلَ اللهُ قَوماً قتلوكَ يا بُنيَّ , ما أجرأَهَم على الرحمنِ وعلى انتهاكِ حرمة الرسولِ (صلّى الله عليه وآله) ! على الدنيا بعدكَ العفا يا بُنيّ ! أمّا أنتَ فقد استرحتَ منْ الدُّنيا وضَيمِها ، وقد صِرْتَ إلى روح وريحان ، وبقي أبوكَ ، وما أسرعَ لحوقِه بكَ ))(٢)

وأمَرَ فتيانَه أن يحملُوهُ إلى الخيمةِ ، فجاؤوا به إلى الفسطاط الذي يُقاتلون أمامه ، فخرجت زينب (عليها السّلام) مسرعة وهي تنادي : يا حبيباه ! ويابن أُخيّاه ! ونكبت عليه , فجاءَها الحسينُ (عليه السّلام) وأَخذَ بيدِها فردَّها إلى الفسطاطِ

ــــــــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار ٤٥ / ٤٢ ، اللهوف / ٤٨

(٢) سورة آل عمران / ٣٣ ـ ٤٤

(٣) اللهوف / ٤٩ ، مقاتل الطالبين / ١١٦ ، دموع الأبرار

(٤) بحار الأنوار ٤٥ / ٤٣ ، مقاتل الطالبيين / ١١٥

٧

عبدُ الله بن مسلم (عليه السّلام)

وخَرجَ من بعدهِ عبدُ الله بنُ مسلم بنِ عقيل ، وأمُّهُ رقيّةُ الكُبرى بنتُ أميرِ المؤمنينِ (عليه السّلام) وهو يقولُ :

الـيومَ ألقَى مُسلِماً وهْو أبيْ

وعصبةً بادُوا على دينِ النبيْ

فقَتلَ جماعةً بثلاثِ حملات ، ورماهُ لعينٌ من القومِ بسهم فاتّقاه بيدهِ فسمَّرَها إلى جبهتِهِ ، فما استطاعَ أنْ يُزيلَها ، فقالَ : اللّهُمَّ إنّهمْ استقلُّونا واستذلُّونَا ، فاقْتلْهُم كما قتلونَا

وبينَما هُوَ على الحال هذا إذْ حملَ عليهِ رجلٌ برمحِهِ فطعنَهُ في قلبِهِ فماتَ (رضي الله عنه)

آلُ بني طالب (عليهم السّلام)

ولمَّا قُتلَ عبدُ اللهِ بنُ مسلم حَملَ آلُ أبي طالب حملةً واحدةً , فاعتوَرَهُم الناسُ وأحاطوا بهم ، فصاحَ الحسين (عليه السّلام) : (( صبراً على الموتِ يا بني عمومتي , لا رأيتم هواناً بعدَ هذا اليومِ ))

فجَعلُوا يُقاتلونَ أشدَّ القتالِ ، فوَقعَ فيهمْ عونُ بنُ عبدِ الله بنِ جعفر ، وأُمُّه العقيلةُ زينبُ (عليها السّلام) ، وأخوهُ محمدٌ , وأمّهُ الخوصاءُ ، وعبدُ الرحمنِ بنُ عقيل ، وأخوهُ جعفرُ بنُ عقيل ، ومحمدُ بنُ مسلمِ بنِ عقيل ، ومحمدُ بنُ أميرِ المؤمنين ، وعبدُ اللهِ الأكبرُ بنُ عقيل , وكان آخرُهم محمدَ بنَ أبي سعيد بنِ عقيل (عليهم السّلام)

وخَرجَ عبدُ اللهِ الأكبرُ بنُ الحسنِ (عليه السّلام) , واُمُّه رملةُ ، فقاتَلَ حتّى قُتِل

وما زالَ آلُ أبي طالب يتسابقونَ إلى القتالِ حتّى انتهت النوبةُ إلى القاسمِ بنِ الحسنِ (عليه السّلام) , وهو غلامٌ لمْ يبلغِ الحلُم ، واُمّه رملةُ أيضاً ، فأقبلَ إلى عمِّه الحسينِ (عليه السّلام) يستأْذنُه في القتالِ ، فنَظرَ إليه الحسينُ (عليه السّلام) ولمْ يملِكْ نفسَه دونَ أنْ تقدَّم إليه واعتنقَهُ ، وجَعَلا يبكيانِ ، وأبى أن يأذنَ لهُ ، فلم يزلْ القاسمُ يتوسَّلُ إليه ويُقبِّلُ يديهِ حتّى أَذِنَ له ، فبَرزَ إلى الميدانِ راجِلاً وهو يقولُ :

إنْ تُـنكروني فأنا نَجلُ الحَسنْ

سِبطِ النبيِّ المُصْطفَى والمُؤتَمنْ

هـذا حُسينٌ كالأسيرِ المُرتَهنْ

بينَ أُناس لا سُقُوا صوبَ المُزَنْ

فقاتَلَ مقاتلةَ الرجالِ الأبطالِ , وقَتلَ عَدداً من الأعداءِ ، لكنْ بينَما هُو يُقاتلُ انقطعَ شِسعُ نعلِه اليُسرى ، فوقَفَ ليشدّه غَيرَ مُكترث بالقومِ من حولِه ، فقالَ عمرو بنُ سعد بنِ نفيلِ الأزدي : والله لأشدنّ عليه فما ولّى حتّى ضَربَ رأسَ القاسمِ بالسيفِ ففلقَهُ ، فوَقعَ لِوجههِ وصاحَ : يا عمّاه !

٨

فأتاه الحسين (عليه السّلام) مُسرِعاً وقَتلَ قاتِلَه ، ثُمّ وقفَ عندَ رأْسِ القاسمِ وهو يفحصُ برجليهِ فقالَ :( يَعزُّ واللهِ على عمِّك أنْ تَدعوهُ فلا يُجيبُكَ ، أو يُجيبكَ فلا يعينُكَ ، أو يُعينُكَ فلا يُغني عَنكَ بُعْداً لقوم قَتلَوكَ ! هذا يومُ كثُرَ واترُهُ وقلَّ ناصرُه ) (١)

ثمَّ احتملَه وكانَ صَدرُهُ على صَدرِ الحُسينِ (عليه السّلام) ورِجلاهُ يَخُطَّانِ في الأرضِ ، فَجاءَ بهِ إلى الخيمةِ ومدَّدَهُ معَ ولدِهِ عليِّ الأكبرِ والقَتْلى منْ أهلِ بيتِهِ ، ثُمّ رَفعَ طَرْفَهُ إلى السّماءِ ، وقالَ : (( اللّهُمَّ أحصهِمْ عَدَداً ، واقتُلهُمْ بَدَداً ، ولا تُغادرْ مِنهُمْ أَحَداً ، ولا تَغفِرْ لهُم أَبَداً صَبْراً يا بَني عُمومَتي ، صَبْراً يا أهْلَ بَيتِي ، لا رَأيتُم هواناً بَعدَ هذا اليومِ أبَدَاً ))

ــــــــــــــــــــ

(١) الإقبال / ٤٩ ، الإرشاد / ٢٣٩ ، معالي السبطين ١ / ٤٥٤

٩

العباسُ بنُ علي (عليه السّلام)

ولمّا رَأى العبَّاسُ بنُ عليٍّ (عليه السّلام) كَثْرَةَ القَتْلَى في أهّلِ بَيتِهِ ، قالَ لإخْوتِهِ الثلاثةِ من اُمِّه (اُمِّ البنينِ) وأبيهِ أميرِ المؤمنينَ (عليه السّلام) ، وهم : عبدُ اللهِ وعْثمانُ وجعفرُ : تَقدّمُوا يا بَنِي اُمِّي حتّى أراكُم قد نصحتُم للهِ ولرسولِهِ ؛ فإنّه لا وُلْدَ لَكُم(*) فقاتَلَوا بينَ يدَي أبي الفضلِ وأبْلَوا بلاءً حَسَناً حتّى قُتِلوا بأجْمَعِهِمْ

ولمْ يستطعْ العباسُ (عليه السّلام) صَبْراً على البَقاءِ بَعد مقْتلِ إخوتِهِ , وعُمومِ أهلِ بيتِ الحسينِ (عليه السّلام) وأصْحابِهِ ، فجاءَ إلى أَخيهِ الحسينِ (عليه السّلام) يَسْتأذِنُه في القتالِ ، ويطلبُ الرُخْصةَ منْهُ ، فما كانَ جوابُ الحسينِ (عليه السّلام) إلاّ أنْ قال َ: (( يا أخي ، أنتَ صاحبُ لِوائي ، وإذا مَضيتَ تفرّقَ عْسْكري ))(١)

فقالَ العباسُ (عليه السّلام) : يا أخِي ، قَد ضاقَ صدْري ، وأُريدُ أنْ آخُذَ ثَأري مِن هؤلاءِ المُنافقينَ

فقال الحسين (عليه السّلام) : ((إذاً فاطْلبْ لهؤلاءِ الأطفالِ قَليلاً مِن الماءِ ))(٢)

فذهَبَ العباسُ (عليه السّلام) إلى القومِ ، ووعَظَهُم وحذَّرَهُم غَضبَ الجبّارِ ، وطلَبَ منهم شَيئاً من الماءِ للأطْفالِ ، فأجابَه الشمرُ اللعينُ قائلاً : يابنَ أبي تراب ، لو كان وجهُ الأرضِ كلُّه ماءً وهو تحتَ أيدينا لَمَا سقيناكُم منْهُ قَطرةً ، إلاّ أن تدخُلوا في بيعة يزيد

فرَجعَ العباسُ إلى أخيه (عليه السّلام) وأخْبرَهُ بمقالةِ القومِ ، فسَمعَ الأطفالُ ـ ومعَهُم سُكَينَةُ بنتُ الحسينِ (عليه السّلام) ـ يُنادُون : العطشَ ، العطشَ ! فلم يتحمّلْ ذلكَ , فرَكِبَ جوادَهُ ، وأخَذَ سيفَهُ والقِربةَ وقَصَدَ الفُراتَ ، فأحاطَ بهِ أربعةُ آلافِ فارس , ورَمَوهُ بالنبال فلم يعبأ بِجَمعهِم , ولا راعتْهُ كثرتُهُم ، فكشفَهم عنْ وجهِه وقَتلَ عَدداً منهم

ــــــــــــــــــــ

(*) هكذا وردت هذه العبارة هنا , ولعلّ هناك سهواً أو خطأً ما وقع في رسمها أو طباعتها من قِبل الناسخ أو المؤلِّف أو حتّى الراوي لها ؛ فأبو الفضل (عليه السّلام) أسمى وأرفع من أن يجعل سبب تقدم إخوته هو (فإنّه لا وُلْدَ لَكُم) (موقع معهد الإمامين الحسنين)

١٠

ودَخلَ الفُراتَ مُطمئناً ، ثمّ اغْترَفَ من الماءِ غُرفَة وأدناها مِن فَمهِ فتذّكرَ عطشَ أخيه الحُسينِ (عليه السّلام) وعيالِه وأطفالِه , فرمَى الماءَ من يدِهِ وقال َ:

يا نفسُ من بَعِد الحُسينِ هُونِي

وبَـعدَهُ لا كُـنتِ أو تَـكونِي

هـذا الـحُسينُ واردُ المَنونِ

وتَـشـربينَ بـاردَ الـمَعينِ

تاللهِ مـا هـذا فِـعالُ دِيـني

ثمّ ملأَ القِربةَ وحَمَلَها على كتفِه الأيمنِ ، وركبَ جوادَه وتوّجَهَ نَحوَ المخيّمِ مُسْرِعاً ، فقَطعَ الأعداءُ عليه الطريقَ فجَعلَ يصولُ في أوْساطِهمْ ، ويَضربُ فيهم بِسيفِهِ حتّى أكثرَ القتلَ فيهِم وكَشفَهم عن الطريقِ , وهو يقولُ :

لا أرهـبُ الموتَ إذا الموتُ زَقَا

حتّى أُوارَى في المصاليتِ لُقَى

نفسِي لسبطِ المُصطفَى الطُهرِ وِقَا

إنّـي أنَـا الـعباسُ أغْدُو بالسِّقا

ولا أخـافُ الـشرَّ يَومَ المُلتقَى

فكَمُنَ لهُ زيدُ بنُ الرَّقاد الجُهَنِي منْ وَراءِ نَخْلة , وعاوَنَه حكيمُ بنُ الطُفيلِ السنبسِي , فضربَهُ على يمينهِ بالسّيفِ فبَراها ، فقالَ (عليه السّلام) :

واللهِ إنْ قَـطَعْتُمُ يَـميني

إني أُحَامي أبَداً عن ديِني

وعـنْ إمام صَادقِ اليَقينِ

نَجلِ النبيِّ الطّاهرِ الأمينِ

١١

وأَخذَ السّيفَ بشِمالِهِ , وضمَّ اللواءَ إلى صدرِهِ , وحَملَ على القومِ كالأسدِ الغَضْبانِ ، لكنَّ حكيمَ بنَ الطُفيلِ الطّائِي كَمُنَ لَهُ مِن ورَاءِ نَخْلَة أُخْرى وضَربَه على شِمالِه فقَطعَها من الزّندِ ، فقالَ (عليه السّلام) :

يا نفسُ لا تَخشَي منَ الكُفَّارِ

وأبْـشرِي بـرَحمةِ الجبّارِ

معَ النبيّ المُصطْفَى المُختارِ

قـدْ قَـطعُوا بِبَغْيِهِمْ يَسَاري

فـأصْلِهمْ يا ربّ حرَّ النّار

فَعندَ ذلكَ وقَعَ السّيفَ من يدِهِ ، وجَعلَ يُسْرعُ ليُوصِلَ الماءَ إلى المخيّمِ ، فلمّا نَظرَ ابنُ سعدْ إلى شدّةِ اهْتمامِ العبَّاسِ (عليه السّلام) بالقِربِةِ ، صَاحَ بالقومِ : ويلَكْمْ ! ارشقوا القِربةَ بالنبلِ ؛ فواللهِ إنْ شَرِبَ الحُسينُ من هذا الماء أفناكم عن آخرِكمْ

فأتْته السِّهامُ كالمَطرِ وأصابتْهُ في صدرِهِ ، وسَهمٌ أصَابَ إحدّى عينيهِ فأَطْفأَها ، وجَمُدَ الدمُ على عينهِ الأُخْرَى فلَم يُبْصرْ بِها ، وأَصابَ القِربَةَ سَهمٌ فأُرِيقَ ماؤُها , وضَربَهُ لعينٌ بالعمودِ علَى رأْسِه ففلقَ هامَتَه ، وسقَطَ على الأرضِ مُنادياً : عَليكَ منّي السلامُ أبَا عَبدَ الله

١٢

فأتَاهُ الحُسينُ (عليه السّلام) مُسْرِعَاً ، ففَرّقَ القومَ عنْهُ ، وقَتلَ مِنهُمِ رِجَالاً وجَندلَ فُرسَاناً ، حتّى إذا وَصَلَ إليهِ رَآهُ مَقطوعَ اليَدينِ ، مَفضوخَ الهامةِ ، مُطْفأ العَينِ ، مُثْخَناً بالجراحِ ، فأَخَذَ رأَسَهُ الشّريفِ ووَضَعَهُ في حِجْرِهِ ، وجَعَلَ يَمْسَحُ الدَمَ والتُرابَ عنْه ، وقالَ بَاكياً : (( الآن انكسَرَ ظَهرِي ، وقلّتْ حيِلَتي ، وشَمُتَ بِي عَدوّي ))(٣)

ثُمّ انْحنَى عليهِ واعْتَنَقَهُ وجَعَلَ يُقَبِّلُهُ ، ففَاضَتْ رُوحُ العباسِ المُقدَّسةِ بينَ يَدَي أخَيه الحُسينِ (عليه السّلام) ، فَتَركَهُ في مكانِهِ ورَجَعَ إلى المُخيّمِ ، وقَدْ تَدافَعَتْ الخَيلُ والرّجالُ علَى مُخَيّمِه ، فَنادَى : (( أمَا مِن مُغيث يُغيثُنَا ؟ أمَا مِنْ مُجير يجيرنا ؟ أمَا مِن طالب حقٍّ فَيْنصُرَنا ؟ أَمَا منْ خائف منْ النارِ فيذبّ عنّا ؟ ))

فأتَتْهُ سُكينةُ وسأَلتْهُ عن عمِّهَا فأَخْبَرَها بمَقْتَلِهِ ، وسَمَعَتْهُ زينبُ (عليها السّلام) فَصَاحتْ : وا أخاه ! وا عبَاساه ! وا ضَيعتَنا بعدَكَ !(٤)

وحدةُ الحُسينِ (عليه السّلام)

ولمّا بَقيَ الحُسينُ وَحِيداً فَريدَاً قد قُتِلَ جَميعُ أَصْحابِهِ وأهلُ بيتِهِ ، ورآهَم على وَجهِ الأرْضِ مُجزَّرينَ كالأضَاحي ، ولَمْ يَجدْ أحَداً ينصرُهُ ويذبُّ عنْ حَريمِهِ ، وهو إذْ ذاكَ يَسمعُ عويلَ العيالِ وصُراخَ الأطفالِ , فَعندَ ذلكَ نَادَى بأَعْلَى صَوتِهِ : (( هلْ مِنْ ذابٍّ عن حرمِ رسولِ اللهِ ؟ هلْ من مُوَحدّ يخافُ اللهَ فيِنا ؟ هلْ مِنْ مغيث يَرجُو اللهَ في إغاثَتِنَا ؟ ))

فارتَفَعَتْ أصواتُ النِّساءِ بالبُكاءِ والعَويلِ

ــــــــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار ٤٥ / ٤١ ، نفس المهموم / ٣٣٦

(٢) مصائب آل محمّد / ٣١٧ ، مقتل الحسين ـ للمقرم / ٣٢٨

(٣) بحار الأنوار ٤٥ / ٤٢ ، مصائب آل محمّد / ٣٢٢

(٤) دموع الأبرار

١٣

الإمامُ زينُ العابدينَ (عليه السّلام)

ونَهَضَ عليُّ بنُ الحسينُ زينُ العابدينَ (عليه السّلام) وخَرجَ مِن الخيمةِ وهوَ يتوّكأُ علَى عصا , ويجرّ سيفَه ؛ إذْ لا يقدرُ على حملِهِ لأنّه كانَ مَرِيضَاً لا يستطيعُ الحركةَ , فَصاحَ الحُسينُ (عليه السّلام) باُمِّ كُلثوم : (( احْبِسيهِ يا أُخْتاهُ ؛ لئلاّ تَبقَى الأرضُ خاليةً من نسْلِ آلِ محمّد (صلّى الله عليه وآله) ))

فقالَ زينُ العابدينَ (عليه السّلام) : (( يا عَمّتاه ، ذَرينِي أُقاتِلُ بينَ يدَي ابنِ رسولِ اللهِ )) فأَخذَتْ اُمُّ كُلثوم تُمانعُه ، وتُنادي خَلفَهُ : يا بُنَي , ارجعْ حتّى أرجَعَتْه إلى فراشِهِ

شهادة الحسين (عليه السّلام)

ولمّا عزَمَ الحسينُ (عليه السّلام) على ملاقاةِ الحتُوفِ جاءَ ووَقفَ بِبابِ خَيمةِ النّساءِ مُودِّعاً لحرمِهِ , وهُنَّ مُخدّراتُ الرّسالةِ وعقائلُ النبوةِ ، ونادَى : (( يا زينبُ ، يا اُمَّ كُلثوم ، يا فاطمةُ , ويا سُكَينةُ عَليكُنّ منّي السّلامُ ))

فأقبلنَ إليهِ ودُرْنَ حَوْلَهُ ، ولسانُ حالِ زينبَ (عليه السّلام) يقولُ :

قُومُوا إلى التودِيعِ إنَّ أَخي دَعا

بِـجوادِهِ إنَّ الـفراقَ طـويلُ

فخَرْجَنَ ربّاتُ الحِجَالِ حَواسِراً

وغَدَا لها حَوْلَ الحُسينِ عَويلُ

ونادته سكينة : يا أبَه ، استسلمتَ للموتِ ؟! فقالَ : (( كيفَ لا يستسلمُ للموتِ مَنْ لا ناصرَ لَهُ ولا مُعين ؟ )) فقالَتْ : رُدَّنا إلى حرمِ جَدِّنا رسولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله) فقالَ : (( هيهاتَ ! لو تُركَ القَطا لغفا ونامَ ))

فرَفعتْ سُكينةُ صوتَها بالبُكاءِ والنحيبِ ، فضَمَّها الحسينُ (عليه السّلام) إلى صَدْرِهِ ، وكانَ يُحبّْها حُبَّاً جَمَّاً ، ومَسحَ دُموعَها بِكُمّهِ قائلاً :

سيَطولُ بَعدي يا سُكينةُ فاعْلَمِي

مِـنكِ البُكاءُ إذا الحِمامُ دَهاني

لا تُـحرِقِي قَلبِي بِدمعِك حَسرةً

ما دَامَ منِّي الروحُ في جُثمانِي

فـإذا قُـتلتُ فأنتِ أَوْلَى بالذي

تـأتِينَه يـا خِـيرةَ الـنِّسوانِ

١٤

عبدُ اللهِ الرّضيع (عليه السّلام)

ثُمَّ دَعا الحسينُ (عليه السّلام) بِوَلّدِهِ عَبدِ اللهِ الرضيعِ ليُودِّعَهُ ، فأَجْلَسَهُ في حِجْرِه وأَخذَ يُقبِّلُهُ ويقولُ : (( ويلٌ لهؤلاءِ القومِ إذا كانَ جَدُّكَ المُصطَفى خَصمَهُمْ ! ))

وفي بعض المقاتِلِ : ثُمّ أَتَى بِهِ نَحوَ القَومِ يَطلِبُ لَهُ الماءَ , وقالَ : (( إنّ لَمْ تَرحمَونِي فارحَمُوا هذا الطفلَ )) فرَماهُ حَرْملةُ بنُ كاهلِ الأسدي بسهم فذَبَحَهُ وهو في حجرِ أبيهِ ، فتَلّقَى الحُسينُ (عليه السّلام) الدّمَ بكَفّهِ ورَمَى بِهِ نَحوَ السّماءِ فعن الباقرِ (عليه السّلام) : (( إنّه لَم يَسقُطْ منْ ذلكَ الدم قَطرةٌ إلى الأرضِ ))

ثُمّ قالَ الحسينُ (عليه السّلام) : (( هُوَّنَ ما نَزَلَ بِي إنّهُ بعينِ اللهِ تَعالى )) ثُمَّ وَضَعَهُ معَ القَتلى منْ أهلِ بيتِهِ ، وأَمَرَ عيالَه بالسكوتِ ، وودّعَهم ثانياً

وكانَتْ عليهِ جُبّةُ خزٍّ دَكناءُ ، وعِمامةٌ مورّدةٌ أرْخَى لها ذؤابتين ، والتحَفَ بِبُردةِ رسولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله) ، ولَبِسَ دِرْعَهُ وتقلّدَ بِسيفِهِ ، وطلَبَ ثَوباً لا يرغَبُ فيه أحدٌ يلبسُه تحتَ ثيابِه لئلاّ يُجرّدُ مِنْهُ ؛ فإنّه مقتولٌ مسلوبٌ ، فأتَوهُ بِتبّان فلمْ يرْغبْ فيهِ ؛ لأنّه لباسٌ مَنْ ضُرِبَتْ علَيه الذّلّةُ ، فأَخذَ ثَوباً خَلِقاً فمزّقَه وجَعلَهُ تَحتَ ثِيابِه ، ودَعا بسرواويلَ حبرة ففزرَها ولبَسَها لئلاّ يُسلبَها

١٥

نحو الشهادة

ثُمّ تقدّمَ (عليه السّلام) نحوَ القَومِ مُصْلِتَاً سيفَهُ , آيساً من الحياةِ , عازِماً على الشهادةِ ، ودعا الناسَ إلى البرازِ , فَلَمْ يَزَلْ يَقَتلُ كلَّ مَنْ بَرزَ اليهِ حتّى قَتلَ جَمْعاً كَثيراً ، وهو يقولُ :

أَنَـا ابنُ عليّ الطُّهرِ مِنْ آلِ هاشِمٍ

كَـفانِي بـهذا مَـفْخَراً حينُ أفخرُ

وجَدّيْ رسولُ اللهِ أكرمُ مَنْ مَضَى

ونَحنُ سِراجُ اللهِ في الأرضِ نُزهرُ

وفـاطمةُ اُمّـي ابنةُ الطُّهرِ أحمدٍ

وعَـمّيَ يُدْعَى ذا الجِناحين جَعفرُ

ثمّ حمل على الميمنة وهو يقول :

الموتُ أولَى من ركوبِ العارِ

والعارُ أولَى منْ دُخولِ النَّارِ

ثُمّ حَملَ علَى المَيسرةِ وهو يَقول :

أنـا الحُسينُ بنُ عليّ

آلـيتُ أنْ لا أَنـثَنِي

أَحْـمِي عـيالاتِ أَبِي

أمْضِي على دينِ النبيْ

قال بعضُ مَنْ حضَرَ المعرَكَة : فواللهِ ، ما رَأيتُ مَكثُوراً قَط قَد قُتِلَ وِلْدُهُ وأهلُ بيتِهِ وصحبُهُ أَرْبطَ جَأشاً مِنْهُ ، ولا أمْضَى جِنانَاً ولا أَجْرأَ مَقدَماً ، ولَمْ أرَ قبلَهُ ولا بَعدَهُ مثلَهُ ! ولقَد كانَتْ الرِّجالُ لتَشدُّ عليهِ فيشدُّ علَيها فتَنْكشفُ بَينَ يَديهِ إذا شدَّ عليها ، ولقدْ كانَ يَحمِلُ عليهم وقد تَكامَلُوا ثلاثين ألفاً فينهزمونَ بينَ يديهِ كأنَّهمْ الجَرادُ المُنتَشِرُ ، ولَمْ يَثبتْ له أحدٌ ، ثُمَّ يَرجِعُ إلى مركزِهِ وهو يَقولُ : (( لا حولَ ولا قوَّةَ إلاّ باللهِ العليِّ العظيمِ )) حتّى قَتلَ منهُمْ مَقتلةْ عَظيمةً

١٦

فَعنِدَ ذلكَ صاحَ عُمرُ بنِ سعد بِقومهِ : الويلُ لكُم ! أَتدرونَ مَنْ تُقاتِلونَ ؟! هذا ابنُ الأنزعِ البطينِ ، هذا ابنُ قتّالِ العَربِ ، احْملُوا عليهِ منْ كلّ جانب

فاسْتدعَى شِمرٌ الفُرسانَ ، فَصارُوا في ظهرِ الرَّجالةِ ، وأمَرَ الرماةَ أنْ يَرمُوهُ , وكانُوا أربعةَ آلاف , فَرشَقُوهُ بالسِّهامِ ، وجاءَ الشّمرُ في جَماعَة منْ أصْحَابه فحالُوا بينَ الحسينِ (عليه السّلام) وبينَ رحلِهِ وعيالِهِ ، فصاحَ بِهمْ : (( ويَحَكُمْ يا شيعةَ آلَ أَبي سُفيانَ ! إنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ ديِنٌ ، وكُنتُمْ لا تخَافَونَ المَعاد ، فَكونُوا أحراراً في دُنْياكُم ، وارجِعُوا إلى أحْسابِكُمْ إنْ كُنتُم عُرُباً كَما تَزْعُمُون ))

فقالوا له : ما تقولُ يابن فاطمة ؟

فقال : (( أقولُ : أنا الذي أُقاتُلكُم وتُقاتِلُوني ، والنساءُ ليسَ عليهَّن جُناحٌ ، فامنعَوا عتاتَكم وجُهّالكُم عن التعرضِ لحرمي ما دمتُ حيّاً ))

فقالَ شمرٌ : لك ذلك يا حسينُ ثمّ صاحَ بالقومِ : إليكُم عن حرمِ الرَجلِ ، فاقصدُوهُ بنفسِهِ ؛ فلعَمري لهو كفؤٌ كريمٌ

فقصدَهُ القومُ واشتدّ القتالُ ، وجَعلَ يَحملُ عليهم ويحملونَ عليهِ وقدْ اشتدّ بهِ العطشُ ، وكلّما حَملَ بفَرسهِ علَى الفُراتِ حَملوا عليهِ حتّى أجلَوْهُ عنْهُ ، ودنا من الفرات ثانياً , فرماهُ الحُصينُ بنُ نُمير بسهم وَقعَ في فمهِ الشريفِ ، فَجعلَ يتلقّى الدمَ من فمهِ ويَرمي بهِ نحوَ السماءِ

١٧

وفي رواية : رماهُ رجلٌ دارميٌّ بسهم أثْبتَهُ في حنكِهِ الشريفِ , فانتزعَ الحسينُ (عليه السّلام) السهمَ من حنكِهِ ، وبسطَ يديهِ تحتَ الجرحِ , فلّما امتلأتْ راحتَاه من الدمِ رمى بهِ نحوَ السماءِ وقال َ: (( اللّهمّ إنّي أشْكو إليكَ ما يُفعلُ بابنِ بنتِ نبيّكِ اللّهمّ أحصهم عَدداً ، واقتلُهمْ بَدداً ، ولا تُبقِ مِنهُم أَحداً ))

وحَملَ من نحو الفراتِ على الأعْورِ السّلَمي وعَمْرو بنِ الحجّاجِ , وكانَا في أربعةِ آلاف , فكَشفَهُم عن الماءِ وأقْحمَ الفرسَ في الفُراتِ ، ولمّا مدّ الحُسينُ (عليه السّلام) يدَهُ إلى الماءِ ليَشربَ ناداهُ لعينٌ من القومِ : يا حُسينُ ، أتلتذ بِشربِ الماءِ وقد هُتِكَتْ حُرمُكَ !

فنفضَ الماءَ من يدهِ ولمْ يَشربْ ، وحَملَ علَى القَومِ فَكشفَهم وقَصدَ الخيمةَ فإذا هيَ سالمةٌ

ثمّ إنّه (عليه السّلام) ودّع عياله ثالثاً , وأمرَهم بالصبرِ ، ولَبِسَ الأُزُرَ ، ووَعدَهم بالثواب والأجْرِ ، وقالَ لَهم : (( استعدّوا للبلاءِ ، واعلموا أنّ اللهَ تعالى حاميكُمْ وحافظُكمْ ، وسيُنجِّيكُم من شرّ الأعداءِ ، ويَجعلُ عاقبةَ أمركم إلى خير ، ويُعذّبُ عدوَّكُم بأنواعِ العذابِ ، ويُعَوّضَكُمْ [ عن هذه البلية بأنواع النعم والكرامة ، فلا تشكّوا ، ولا تقولوا بألسنتكم ] ما يَنقصُ منْ قَدرِكُم ))

فصاحَ عُمَرُ بنُ سعد بقومهِ : ويَحكُم ! اهجموا عليهِ ما دامَ مشغولاً بنفسهِ وحرمِهِ ، واللهِ إنْ فَرِغَ لكُم لا تَمتازُ ميمنَتُكُم عن ميسرتِكُم فَحَملُوا عليهِ يرمونَه بالسّهامِ حتّى تَخالفتْ السّهامُ بينَ أطنابِ المخيّم ، وشكّ سهمٌ بعضَ أُزُرِ النّساءِ , فَدُهشْنَ وأُرْعبْنَ وصِحْنَ , ودَخلْنَ الخَيمةَ وهُنّ يَنْظُرنَ إلى الحسينِ كيفَ يَصنعُ

١٨

فَحملَ على القومِ كالليثِ الغَضبانِ ، فلا يَلحقُ أَحداً إلاّ بَعجَهُ بسيفِهِ فقَتلَهُ , أو طَعنَهُ بِرحمِهِ فَصَرعهُ ، والسِّهامُ تَأخذُه من كلّ جانب وهو يتّقيها بصدرِهِ ونحرِهِ , ويقولُ : (( يا اُمّةَ السّوءِ ، بِئْسَما خَلّفتُم مُحمَداً في عترتِهِ ! أمَا إنّكُم لن تَقتُلوا بَعدي عَبْداً من عبادِ اللهِ فتَهابُون قتلَهُ ، بلْ يَهونُ عليكُم ذلك عندَ قتلِكُم إيّايَ وأَيمُ اللهِ إنّي لأَرْجو أن يكرمَني الله بالشهادةِ ، ثُمْ ينتَقِمُ لي مِنكُم من حيثُ لا تشعُرُونَ ))

فناداهُ الحُصينُ بنُ مالك : وبماذا ينتقمُ لكَ منّا يابنَ فاطمة ؟

فقالَ الحُسينُ (عليه السّلام) : (( يُلقِي بَأسَكُم بينَكُم ، ويَسِفكُ دماءَكُم ، ثُمّ يَصبُّ عليكُم العذابَ الأليمَ ))

ورَجعَ (عليه السّلام) إلى مركزِهِ وهو يُكثِرُ من قَولِ : ((لا حولَ ولا قوّةَ إلاّ باللهِ العلّي العظيمِ )) وطَلَبَ في هذه الحالِ ماءً ، فقالَ لهُ الشّمرُ : لا تَردُهُ حتّى تَرِدَ النارَ وناداهُ لعينٌ من القومِ : يا حسينُ ، ألا تَرَى الفُراتَ كأنّه بُطونُ الحيّاتِ ، فلا تَشربُ منْهُ قَطرةً حتّى تموتَ عَطَشاً

فقالَ الحُسينُ (عليه السّلام) : (( اللّهمّ أَمِتْهُ عَطَشاً )) فكان ذلكَ الرجلُ يَطلبُ الماءَ فيُؤتَى بهِ فَيَشربُ حتّى يخرجَ من فيهِ ، وما زالَ كذلكَ إلى أن ماتَ عَطَشاً

ورماه أبو الحتوفِ الجُعفِي بسهم وَقعَ في جبهتِهِ المقدّسةِ فنَزعَهُ وسالَتْ الدِماءُ على وجهِهِ وكريمتِهِ ، فقالَ : (( اللّهمّ إنّكَ تَرى ما أنا فيه من عبادِكِ هؤلاءِ العُصاةِ اللّهمّ أحصهِمْ عَدَداً ، واقتُلْهُم بَدَداً ، ولا تَذَر على وجهِ الأرضِ منهُم أحداً ، ولا تَغفرْ لَهُم أَبَداً ))

ثُمّ لم يزلْ (عليه السّلام) يُقاتِلُ حتّى أَصابَتْهُ جِراحاتٌ كَثيرةٌ , وكُلُها في مُقَدَّمهِ الشريفِ ، وكانَتْ السّهامُ في دِرعه كالشّوكِ في جِلْد القُنفذِ

١٩

ولمّا ضَعُفَ عن القتالِ وقفَ ليستريحَ قَلَيلاً فَرماهُ رجلٌ بِحجَر في جبهِتِه الشّريفةِ فسالَتْ الدِّماءُ على وجهِهِ ، فأَخذَ الثَوبَ لِيَمْسحَ الدمَ عن وجهِهِ وعينيهِ فأَتاهُ سهمٌ مُحدَدٌ مسمومٌ لهُ ثلاثُ شُعِب وَقعَ على قلبِهِ ، فقالَ (عليه السّلام) : (( بِسمِ اللهِ وباللهِ وعلى ملّةِ رسولِ الله (صلّى الله عليه وآله) ))

ورَفعَ رأسَهُ إلى السماءِ وقالَ : (( إلهي إنّكَ تعلَمُ أنّهم يَقتِلونَ رَجُلاً ليسَ على وجهِ الأرضِ ابنُ بِنتِ نَبيٍّ غَيرُهُ ))

ثُمّ أَخذَ السّهمَ فأَخْرَجَهُ من وراءِ ظَهرِه ، فانبعثَ الدمُ كالميزابِ , فوَضعَ يَدَهُ تَحتَ الجُرحِ , فلّما امتلأَتْ دَماً رَمَى بهِ نحوَ السّماءِ ، وقالَ : (( هَوّنَ عليّ ما نَزلَ بِي إَنّهُ بعينِ اللهِ )) فلمْ تَسقُطْ من ذلك الدّم قَطرةٌ إلى الأرضِ ، ثُمَ وَضعَ يَدَهُ ثانياً , فلمّا امتلأَتْ لطّخَ بهِ رأسَهُ ووَجْهَهُ ولحيَتَهُ ، وقالَ : (( هكذا أكون حتّى أَلقَى اللهَ وجدّي رسولَ الله (صلّى الله عليه وآله) وأَنا مُخضَّبٌ بدمي ))

ولمّا أُثْخِنَ (عليه السّلام) بالجِراحِ طعنه صالحٌ بنُ وهب المرِّي في خاصرتِهِ طعنةً , فسقَطَ عن فرسِهِ إلى الأرضِ على خدِّهِ الأيمنِ وهو يقولُ : (( بِسمِ اللهِ وباللهِ وعلَى ملّةِ رسولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله) ))

وأعياهُ نَزفُ الدّمِ , فجَلَسَ على الأرضِ يَنوءُ برقبتِهِ ، فانْتَهى إليه في تلكَ الحالِ مالكُ بنُ النَّسر الكندي , فشتَمَهُ ثُمّ ضرَبَهُ بالسيفِ على رأسِهِ ، وكانَ عليهِ بُرنُسٌ فامْتَلأَ البُرنُسُ دَماً ، فقالَ الحُسينُ (عليه السّلام) : (( لا أكلتَ بيمينِكِ ولاَ شربْتَ بِها ، وحَشَرَكَ اللهُ مع الظالمينَ )) ثم ألقى البُرنُسَ وشدّ رأسَهُ بخرقَة استدعاها ، ودعا بقُلْنُسْوَة فلَبِسَها واعتمّ عليها

٢٠