المجالسُ السَّنيّة في مناقب ومصائب العترة النبويّة الجزء ١

المجالسُ السَّنيّة في مناقب ومصائب العترة النبويّة0%

المجالسُ السَّنيّة في مناقب ومصائب العترة النبويّة مؤلف:
تصنيف: الإمام الحسين عليه السلام
الصفحات: 167

المجالسُ السَّنيّة في مناقب ومصائب العترة النبويّة

مؤلف: السيد محسن بن عبد الكريم الأمين
تصنيف:

الصفحات: 167
المشاهدات: 2295
تحميل: 153


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 167 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 2295 / تحميل: 153
الحجم الحجم الحجم
المجالسُ السَّنيّة في مناقب ومصائب العترة النبويّة

المجالسُ السَّنيّة في مناقب ومصائب العترة النبويّة الجزء 1

مؤلف:
العربية

المجالسُ السَّنيّة

في

مناقب ومصائب العترة النبويّة

تأليف

المجتهد الأكبر السيّد محسن الأمين (رضوان الله عليه)

الجزء الأول

الطبعة الخامسة

١٣٩٤ه - ١٩٧٤م

١

٢

مقدّمة الطبعة الجديدة

هذا كتاب ( المجالسُ السَّنيّة ) بحلّته الجديدة تخرجه دار التعارف تعميماً لفائدته ونشراً لدعوته، وهذا الكتاب قصد مؤلِّفه - أول ما قصد من تأليفه - أنْ يكون دليلاً للخطباء ومستنداً للذاكرين؛ يعتمدون عليه في تنقية ما يلقون ويذكرون من سيرة الحسين (عليه‌السلام ) ، وقد أدّى رسالته طوال الخمسين سنة - التي مرّت حتّى الآن - على تأليفه ونشره لأول مرّة.

ول ـ مّا كان لابدّ له من مسايرة الزمن في حياته الطويلة ليستطيع الاستمرار في أداء مهمّته ومواكباً العصور كلّها ؛ لذلك رأينا ونحن نعدّه للطبع أنْ نزيد عليه مجالس جديدة تزيده إشراقاً على إشراق ، وقد حرصنا على أنْ نشير إلى أصحاب الأقلام التي كتبت تلك المجالس ؛ ليكون المطالع على بيّنة من ذلك ، سائلين لدار التعارف - النّاهضة بهذه المهمّة - التوفيق والنجاح.

( ح )

٣

السيّد محسن الأمين

يصعب الإلمام بكلّ جانب من جوانب حياة المجتهد الأكبر السيّد محسن الأمين إلماماً كاملاً لغير المتخصّصين المتفرّغين لمثل هذه الدراسات العميقة الواسعة ؛ فحياة السيّد محسن الأمين حياة زاخرة بأخصب ما تزخر به حياة الرجال ، حافلة بأطيب ما تحفل به حياة الـمُصلحين ؛ قادة الاُمم ورعاة الشعوب.

وحين تُقبل على دراسة سيرة السيّد محسن تُحار من أيّ جانب من جوانبها يمكن أنْ تقبل على تلك السيرة الفريدة ، فبينما هو أمامك إمام في الدِّين ، مجتهد في رأس المجتهدين ، عليه أنْ يتفرّغ للجواب على الإستفتاءات وحلّ المشكلات وفضّ الخصومات. إذا أمامك قائد شعبي يجعل من الدِّين طريقاً للإصلاح ، وثورة على الجمود ونقمة على البدع ؛ يصادم الجماهير بغير ما تعتقد ، ويواجه الجموع بغير ما ترى ، فيتّخذ الخرافيون أو المستغلّون هذه المصادمة وهذه المواجهة وسيلة لإثارة النّاس ، محاولين الفتّ في عضُد المنادي بالإصلاح ، وترويع الثائر على البدع ، فما يزداد إلّا صموداً وثورة وشجاعة.

وكان كتاب ( المجالسُ السَّنيّة ) إحدى محاولاته الإصلاحيّة لشدّة ارتباط استشهاد الحسين (عليه‌السلام ) بحياة الشعب ، ولتأثير ما يلقى في الاحتفالات التذكاريّة الحسينيّة في نفوس النّاس ، وقد أراد أنْ تكون تلك الاحتفالات بعيدة عن الشوائب ؛ فنظّم لها عدّة مجالس ضمّنها كتابه هذا بعد أنْ قدّم له مقدّمة تبيّن نهجه واُسلوبه وغايته.

لقد عاش السيّد محسن حياة زاخرة بالعمل ، حافلة بالصلاح والإصلاح ، ثمّ توفّاه الله فظلّ حيّاً بآثاره وكتبه ومبادئه ، وهكذا تكون حياة المصلحين ، وهكذا يخلّدون أبد الدهر.

محمّد علي صندوق

٤

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي فضّل المجاهدين على القاعدين درجات ، ورفع منازل الشهداء في أعالي الجنّات ، وجعل الذين قُتلوا في سبيله أحياءً عند ربّهم يُرزقون غير أموات ، وصلّى الله على سيّدنا محمّد أشرف البريّات ، وأفضل المخلوقات، وعلى آله الأئمة الهداة ، الذين ابتلوا بأعظم البليّات، وأفجع الرزايا والمصيبات.

وبعد ، فيقول العبد المفتقر إلى عفو ربّه الغني ، محسن ابن المرحوم السيّد عبد الكريم الأمين الحسيني العاملي ، نزيل دمشق الشام ، عفا الله عن سيّئاته : هذا كتاب ( المجالسُ السَّنيّة في مناقب ومصائب العترة النبويّة ) وهو خمسة أجزاء ؛ أربعة منها في ذكر مصيبة الحسين (عليه‌السلام ) التي هي أعظم مصائب أهل البيت (عليهم‌السلام ). والجزء الأول من الأربعة - وهو هذا الجزء - في تاريخ مولده ومقتله ، وقدر عمره ومدّة خلافته ، وكنيته ولقبه ونقش خاتمه ، وعدد أولاده ، وصفته ونُبذ في مناقبه وسيرته ، وخُطَبه ونظم الشعر في رثائه وزيارته ، وما جرى له بعد موت معاوية ، وكيفيّة شهادته ، وما جرى بعد قتله إلى رجوع أهل بيته إلى المدينة وما يتعلّق بذلك.

والجزء الثاني والثالث والرابع : في جملة من مناقب أهل البيت (عليهم‌السلام ) ، وجملة من الغزوات ، والمواعظ والآداب ، وأخبار السلف المستحسنة ، وغير ذلك ممّا فيه فوائد نافعة للمستمع مع التخلّص إلى ذكر المصيبة على الطريقة المألوفة بأنسب وجه وأجمل طريق ، ناقلاً ذلك من الكتب المعتمدة المشهورة لمؤرّخي الإسلام.

والجزء الخامس فيما يتعلّق بأحوال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) والزهراء (عليها‌السلام ) والأئمة (عليهم‌السلام ) ومناقبهم على أبسط وجه وأحسن ترتيب.

والله المسؤول أنْ يكون عملنا هذا خالصاً لوجهه الكريم ، مقبولاً عنده تعالى وعند نبيّه وعترته الطاهرين صلوات الله عليه وعليهم أجمعين.

٥

مقدّمة مهمّة

لا يخفى أنّه قد قضى العقل والدِّين باحترام عظماء الرجال أحياءً وأمواتاً ، وتجديد الذكرى لـمَن بذل نفسه في أسمى المقاصد وأنفع الغايات ، وجرت على ذلك جميع الاُمم في كلّ عصر وزمان.

وإنّ سيّدنا ومولانا الإمام ابن الإمام أخا الإمام أبا الأئمة ، الحسين الشهيد ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) ، أحد ريحانتي الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وسبطيه وخليفته في اُمّته ، من أعاظم رجال الإسلام بل من أعاظم رجال الكَون. فقد جمع إلى شريف نسبه وكريم عنصره ، وبنوّته لسيّد الأنبياء ولسيّد الأوصياء وللبضعة الزهراء سيّدة النّساء صلوات الله عليهم ، أكرم الصفات وأحسن الأخلاق وأعظم الأفعال وأجلّ الفضائل والمناقب ، وقام بما لم يُسمع بمثله قبله ولا بعده؛ من بذل نفسه وماله وآله في سبيل إحياء الدين وإظهار فضائح المنافقين ، وأظهر من إباء الضيم وعزّة النفس ، والشجاعة والبسالة ، والصبر والثبات ، ما بهر العقول.

ومصيبته وكيفيّة شهادته من أفظع ما صدر في الكون ، مع أنّه ابن بنت النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) الذي لمْ يكن على وجه الأرض ابن بنت نبي غيره. وقد حزن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لتلك المصيبة قبل وقوعها ، وكذلك آله الأئمة الأطهار (عليهم‌السلام ) كانت سيرتهم تجديد الأحزان لذكرى تلك الفاجعة الأليمة حتّى قال الامام الرضا (عليه‌السلام ) : (( كان أبي إذا دخل شهر المحرّم لا يُرى ضاحكاً، وكانت الكآبة تغلب عليه حتّى تمضي عشرة أيّام منه ، فإذا كان اليوم العاشر ، كان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه )).

وقد ندبوا (عليهم‌السلام ) إلى ما ندب إليه العقل في حقّ كلّ محبّ مع حبيبه ؛ من الفرح لفرحهم والحزن لحزنهم. واقتدى بهم في ذلك شيعتهم وأولياؤهم ، فجدّدوا ذكرى مصيبة الحسين (عليه‌السلام ) وكيفية شهادته التي تكاد أنْ تفتّت الصخور ، فضلاً عن الأكباد والقلوب ، لا سيّما في عشرة المحرّم التي وقعت فيها تلك المصائب الفادحة.

هذا ، ولكن كثيراً من الذاكرين لمصابهم قد اختلقوا أحاديث في المصائب

٦

وغيرها لم يذكرها مؤرّخ ولا مؤلّف ، ومسخوا بعض الأحاديث الصحيحة وزادوا ونقصوا فيها ؛ لِما يرونه من تأثيرها في نفوس المستمعين الجاهلين بصحّة الأخبار وسُقمها حتّى حُفِظَتْ على الألسن ، واُودعت في المجاميع ، واشتهرت بين النّاس ، ولا رادع ، وهي من الأكاذيب التي تغضبهم (عليهم‌السلام ) وتفتح باب القدح للقادح ؛ فإنّهم لا يرضون بالكذب الذي لا يرضي الله ورسوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وقد قالوا لشيعتهم : (( كونوا زيناً لنا ، ولا تكونوا شيناً علينا )).

وقد اكتسبوا - هم ومَن قَبِلها منهم وأقرّهم عليها - الإثم المبين ؛ فإنّ الله لا يُطاع من حيث يُعصى ، ولا يتقبّل الله إلّا من المتّقين. والكذب من كبائر الذنوب الموبقة لا سيّما إنْ كان على النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وأهل بيته الطاهرين (عليهم‌السلام ).

كما أنّ ما يفعله جملة من النّاس ؛ من جرح أنفسهم بالسيوف ، أو اللطم المؤدّي إلى إيذاء البدن ، إنّما هو من تسويلات الشيطان وتزيينه سوء الأعمال ، فذلك ممّا يغضب الحسين (عليه‌السلام ) ويبّعد عنه لا ممّا يقرّب إليه ؛ فهو (عليه‌السلام ) قد قُتل في سبيل الإحياء لدين جدّه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ، وهذه الأعمال ممّا نهى عنها دين جدّه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ، فكيف يرضى بها وتكون مقربة إلى الله تعالى ، والله تعالى لا يُطاع من حيث يُعصى ، كما ذكرنا آنفاً ؟!

وانتحال بعض الجهّال عذراً لذلك بما ينقلونه من أنّ إحدى الطاهرات نطحت جبينها بمُقدّم المحمل حتّى رُئي الدم يجري من تحت قناعها ؛ هو من هذا البحر وعلى هذه القافية اللَذين مرّت الإشارة إليهما. وهكذا ما يجري من التمثيل والتشبيه للوقعة ؛ فإنّه في نفسه مشتمل على كثير من المحرّمات ، وموجب لهتك الحرمة ، وفتح باب القدح للذين يحاولونه بما استطاعوا ، فيكون منهيّاً عنه بقوله (عليه‌السلام ) : (( ولا تكونوا شيناً علينا )). نعم ، التمثيل الخالي عن المحرّمات والشائنات لا بأس به ، ولكن أين هو ؟

فعلى مَن يريد التقرّب إلى الله تعالى ونبيّه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وأوليائه بالبكاء والحزن لمصاب الحسين (عليه‌السلام ) ، أنْ لا يتعدّى ما رسمه الامام الرضا نقلاً عن أبيه (عليهما‌السلام ) ممّا مرّ ، وإلّا كان من( الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعا ) (١) .

____________________

(١) سورة الكهف / ١٠٤.

٧

مقتل سيّد الشهداء أبي عبد الله الحسين بن عليعليهما‌السلام

ذكر مولده ومقتله ، وقدر عمره ومدّة خلافته ، وكنيته ولقبه ونقش خاتمه ، وعدد أولاده وصفته ، ونظم الشعر في رثائه ، وجملة من مناقبه ، وما جرى له بعد موت معاوية ، وتفصيل شهادته ، وما جرى بعد قتله إلى رجوع أهل بيته إلى المدينة وما يتعلّق بذلك.

وفيه مجالس :

المجلس الأول

وُلد الحسين بن علي (عليهما‌السلام ) بالمدينة المنوّرة عام الخندق ، في شعبان يوم الخميس أو الثلاثاء لخمس أو ثلاث خلون منه ، وقيل في آخر ربيع الأول ، وقيل لخمس خلون من جمادى الاُولى سنة ثلاث أو أربع من الهجرة.

حملت به اُمّه الزهراء صلوات الله عليها بعد ولادة أخيه الحسن (عليه‌السلام ) بخمسين ليلة ، فلم يكن بينهما سوى هذه المدّة ومدّة الحمل. وروى مولانا الإمام جعفر بن محمّد الصادق عن أبيه (عليهما‌السلام ) : (( أنّه لم يكن بينهما إلّا طهر واحد )). وكانت مدّة حمله ستّة أشهر.

فلمّا وُلِد جاءت به اُمّه فاطمة (عليها‌السلام ) إلى جدّه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فاستبشر به ، وأذّن في اُذنه اليمنى وأقام في اليسرى ، وعقّ عنه كبشاً يوم السّابع ، وسمّاه حسيناً ، وأمر اُمّه أنْ تحلق رأسه وتتصدّق بزنة شعره فضّة كما فعلت بأخيه الحسن (عليه‌السلام ) ، فامتثلت ما أمرها به.

وقُتل (عليه‌السلام ) شهيداً بكربلاء من أرض العراق يوم الجمعة أو السبت أو الاثنين عاشر المحرّم سنة إحدى وستين من الهجرة ، وعمره الشريف خمس وخمسون ، أو ست وخمسون سنة وخمسة أشهر وخمسة أيّام ، أو سبعة أيّام ، أو أكثر من ذلك

٨

بأشهر وأيام على اختلاف الروايات والأقوال المتقدّمة(١) .

عاش منها مع جدّه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ست سنين أو سبع سنين وشهوراً ، ومع أبيه أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) بعد وفاة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ثلاثين سنة إلّا أشهراً ، ومع أخيه الحسن (عليه‌السلام ) بعد وفاة أبيه نحو عشر سنين ، وبعد وفاة أخيه الحسن (عليه‌السلام ) نحو عشر سنين ، وقيل : خمس سنين وأشهراً ؛ للاختلاف في تاريخ وفاة الحسن (عليه‌السلام ) ، وهي مدّة خلافته وإمامته الثابتة بقوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) له ولأخيه الحسن (عليهما‌السلام ) : (( ابني هذان إمامان قاما أو قعدا )).

ودلّت وصيّة أخيه الحسن (عليه‌السلام ) إليه على إمامته ، كما دلّت وصيّة أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) إلى الحسن (عليه‌السلام ) على إمامته ، بحسب ما دلّت وصيّة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) على إمامته.

وكان الحسين (عليه‌السلام ) في هذه المدّة صابراً للهدنة إلتي بينه وبين معاوية ، فالتزم الوفاء بها. فلمّا مات معاوية ، أظهر أمره بحسب الإمكان ، ولـمّا وجد أنصاراً دعا إلى الجهاد ، وتوجّه بولده وأهل بيته من حرم الله وحرم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى العراق ؛ استنصاراً بمَن دعاه.

وقدّم أمامه ابن عمّه مسلم بن عقيل ( رضي ‌الله‌ عنه وأرضاه) للدعوة إلى الله وللبيعة على الجهاد ، فبايعه مَن بايعه على ذلك ، وعاهدوه وضمنوا له النصرة والنصيحة. ثم نكث مَن نكث، وخذلوه وأسلموه ، فقُتل بينهم ولم ينصروه ، وخرجوا إلى حرب الحسين (عليه‌السلام ) ، فحاصروه ومنعوه المسير إلى بلاد الله ، واضطرّوه إلى حيث لا يجد ناصراً ولا ملجئاً منهم ، وحالوا بينه وبين ماء الفرات وقتلوه.

فمضى (عليه‌السلام ) ظمآن مجاهداً صابراً محتسباً مظلوماً ، قد نُكثت بيعته واستحلّت حرمته ، ولم يوفَ له بعهده ولا رعيت فيه ذمّة ، شهيداً على ما مضى

____________________

(١) قيل : إنّ عمرَه الشريف سبع وخمسون سنة ، وكأنّه مبني على نوع من التسامح ، بعد السّنة الناقصة سنة كاملة. ومن الغريب قول الشيخ المفيد عليه الرحمة : أنّ عُمرَه الشريف ثمان وخمسون سنة مع ذكره أنّ مولده لخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة ، وشهادته عاشر المحرّم سنة إحدى وستّين ، فإنّ عمره من هذا يكون ستاً وخمسين سنة وخمسة أشهر وخمسة أيام.

٩

عليه أبوه وأخوه (عليهما‌السلام ).

ميّتٌ تبكي له فاطمةٌ

وأبوها وعليٌّ ذو العُلا

كنيته : أبو عبد الله.

لقبه : الرشيد ، الطيّب ، الوفي ، السيّد ، الزكي ، المبارك ، التابع لمرضاة الله ، الدليل على ذات الله ، السبط.

شاعره : يحيى بن الحكم ، وجماعة.

بوّابه : أسعد الهجري.

نقش خاتمه :( لكلِّ أجلٍ كتابْ ) .

ملوك عصره : معاوية وابنه يزيد.

له من الأولاد تسعة ؛ ستّة ذكور وثلاث بنات. فالذكور : علي الأكبر ، وعلي الأوسط ، وعلي الأصغر ، ومحمّد ، وعبد الله ، وجعفر. والبنات : زينب ، وسكينة ، وفاطمة.

وقال المفيد : له أربعة ذكور وابنتان - بإسقاط أحد العليّين ومحمّد وزينب - ، واختلف في علي الأكبر ؛ فالمشهور أنّه المقتول بكربلاء ، واُمّه ليلى بنت أبي مرّة بن عروة بن مسعود الثقفيّة.

وقال المفيد : إنّ الأكبر هو زين العابدين (عليه‌السلام ) ، واُمّه شاهزنان بنت كسرى يزدجرد ؛ والأصغر جاءه سهم بكربلاء فقتله ؛ وجعفر اُمّه قضاعية ، توفي في حياة أبيه ولم يعقب ؛ وعبد الله الرضيع جاءه سهم وهو في حجر أبيه فذبحه ، واُمّه واُمّ سكينة الرباب بنت امرئ القيس بن عدي ( كلبية معديّة ) ؛ وفاطمة اُمّها اُمّ اسحاق بنت طلحة بن عبد الله تيمية.

والذِكر المخلّد والثناء المؤبَّد من بين بنيه لعلي زين العابدين (عليه‌السلام ) ، ومنه عقبه :

ذرّيةٌ مثلُ ماءِ الـمُزنِ قد طهِروا

وطُيّبوا فصفتْ أوصافُ ذاتِهمُ

المجلس الثاني

قالت اُمّ الفضل زوج العبّاس بن عبد المطلب - واسمها لبابة - : يا رسول الله ، رأيت في منامي كأنّ عضواً من أعضاءك سقط في بيتي. قال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( خيراً رأيت ، إنْ صدقَتْ رؤياك فإنّ فاطمة ستلد غلاماً ، فأدفعه إليك لترضعيه )).

فولدت فاطمة (عليها‌السلام ) الحسين (عليه‌السلام ) فكفلته

١٠

اُمّ الفضل. وقيل : كانت أمّ الفضل مربّية للحسين (عليه‌السلام ) ولم ترضعه ، كما أنّ اُمّ عبد الله بن يقطر كانت حاضنة للحسين (عليه‌السلام ).

قالت اُمّ الفضل : فأتيت به يوماً إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ، فبينما هو يقبّله إذْ بال ، فقطرت منه قطرة على ثوب النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ، فقال : (( خذيه )). فأخذته ، وقرصته قرصة بكى منها ، فقال كالمغضب : (( مهلاً يا اُمّ الفضل ، آذيتني وأبكيتِ ابني ، فهذا ثوبي يُغسل )). وفي رواية : (( لقد أوجع قلبي ما فعلتِ به )).

الله اكبر ! إذا كان قد بلغ حبّ النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) للحسين (عليه‌السلام ) ورأفته به أنْ تكون قرصة اُمّ الفضل له تؤذي النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وتوجع قلبه ؛ فإلى أيّ حدّ بلغ الأذى بالنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حين كانت السّيوف والرماح والسهام تقع في بدن ولده الحسين (عليه‌السلام ) حتّى اُثخن بالجراح ، وصارت السهام في درعه كالشوك في جلد القنفذ ؟!

وهل يُلام مَن بكى على الحسين (عليه‌السلام ) وتألّم لقتله وواسى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في الحزن والبكاء ؟ وهل يتوقّف مسلم في استحقاق قتَلة الحسين (عليه‌السلام ) اللّعنة ، ومَن أمر بذلك أو أعان عليه ، بعد قوله تعالى( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا ) (١) ؟

يا رسولَ اللهِ لو عايَنْتهمْ

وهُمُ ما بين قتلٍ وسِبا

منْ رميضٍ يُمنعُ الظلُّ ومنْ

عاطشٍ يُسقى أنابيبُ القَنا

لرأتْ عيناكَ منهُمْ منظَراً

للحشَى شجْواً وللعينِ قذا

المجلس الثالث

في كتاب ( وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى ) للسمهودي الشافعي ، عن علي (عليه‌السلام ) قال : (( زارنا النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فبات عندنا ، والحسن والحسين نائمان ، واستسقى الحسن ، فقام النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وأخذ قربة لبناً ، فصبّ منها في القدح ثمّ جعل يسقيه ، فتناول الحسين فمنعه وبدأ بالحسن ، فقالت فاطمة : يا رسول الله ، كأنّه أحبّ إليك ؟ قال : إنّما استسقى أولاً. ثمّ قال رسول الله

______________________

(١) سورة الأحزاب / ٥٧.

١١

(صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : إنّي وإيّاك وهذان وهذا الراقد ( يعني عليّاً ) يوم القيامة في مكان واحد )).

لمْ يدع النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فاطمة (عليها‌السلام ) أنْ تسقي الحسن (عليه‌السلام ) لـمّا استسقى ، بل قام وسقاه بنفسه ثمّ سقى الحسين (عليه‌السلام ) ؛ وذلك لأنّ الحسن طلب أولاً ، والماء لـمَن طلب أولاً. بذلك ظهر مقدار كرامة الحسنَين (عليهما‌السلام ) عند النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حتّى أنّه لمْ يدع اُمّهما تسقيهما حتّى سقاهما بنفسه.

فليتك يا رسول الله حضرت يوم كربلاء ، ورأيت ولدك الحسين (عليه‌السلام ) ، وقد اشتدّ به العطش، عندما منعه جيش بني اُميّة من الماء وحالوا بينه وبين ماء الفرات ، وجعل يطلب شربة من الماء فلا يجد ، وكلّما حمل بفرسه على الفرات ليشرب حملوا عليه حتّى أجلوه عنه ، فكنتَ تسقيه الماء كما سقيته في بيت اُمّه بنفسك ، ولم تدع اُمّه تنوب عنك في ذلك !

قال السمهودي : وعن علي (عليه‌السلام ) قال : (( زارنا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ، فعملنا له خزيرة - وهي لحم يقطع صغاراً ويصبّ عليه ماء كثير ، فإذا نضج ذرّ عليه الدقيق - ، وأهدت لنا اُمّ أيمَن قعباً من لبن وصحفة من تمر ، فأكل رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وأكلنا معه ، ثمّ وضّأت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) - أي غسلت يديه - فمسح رأسه وجبهته ولحيته بيده ، ثمّ استقبل القبلة فدعا بما شاء الله ، ثمّ أكبّ إلى الأرض بدموع غزيرة ، يفعل ذلك ثلاث مرّات ، فتهيبنا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أنْ نسأله ، فوثب الحسين على ظهر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وبكى ، فقال له رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : بأبي واُمّي ، ما يُبكيك ؟ قال : يا أبتِ ، رأيتك تصنع شيئاً ما رأيتك تصنع مثله ! فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : يا بُني ، سُررتُ بكم اليومَ سروراً لم اُسرّ بكم مثله قط ، وأنّ حبيبي جبرائيل (عليه‌السلام ) أتاني وأخبرني أنّكم قتلى وأنّ مصارعكم شتّى ؛ فأحزنني ذلك ودعوت الله لكم بالخيَرة )).

نعم يا رسول الله ، إنّ آلك وذريتّك قتلى ؛ بعضٌ بالسُّمِّ ، وبعض بالسّيف ، وقبورهم شتّى ؛ فأخوك وابن عمّك علي (عليه‌السلام ) قتلوه وهو يُصلّي في محرابه ، فكان قبره بظهر الكوفة ، وولداك الحسنان (عليهما‌السلام ) ، اللذان فديتهما بأبيك واُمّك ، قُتل أحدهما وهو الحسن (عليه‌السلام ) بالسُّمِّ الذي دُسّ إليه وقطّع كبده ، فكان قبره بالبقيع ، وأخوه الحسين (عليه‌السلام ) قُتل بضرب السّيوف وطعن الرماح ورمي السهام من جيش يزيد بن معاوية ، فكان قبره بكربلاء.

بعضٌ بطَيبةَ مدفونٌ وبعضُهمُ

بكربلاءَ وبعضٌ بالغريّينِ

١٢

جاشتْ على آلهِ ما ارتاح واحدهُمْ

من قهرِ أعداهُ حتّى مات مقْهُورا

قضى أخوهُ خضيبَ الرأسِ وابنتُهُ

غضبى وسِبطاهُ مسموماً ومنْحُورا

المجلس الرابع

ممّا جاء في صفة الحسين (عليه‌السلام ) ، أنّه كان أشبه النّاس برسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ). وقال أنس بن مالك – لـمّا رأى رأس الحسين (عليه‌السلام ) بين يدي ابن زياد - : كان أشبههم برسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

وعن علي (عليه‌السلام ) : (( كان الحسن أشبه برسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ما بين الصدر الى الرأس ، والحسين أشبه به فيما كان أسفل من ذلك )).

وكانت الزهراء (عليها‌السلام ) تُرقّص الحسن (عليه‌السلام ) ، وتقول :

إشبهْ أباك يا حَسنْ

واخلعْ عن الحقِّ الرّسنْ

واعبدْ إلهاً ذا مِننْ

ولا توالِ ذا الإحنْ

وقالت للحسين (عليه‌السلام ) :

أنتَ شبيهٌ بأبيْ

لستَ شبيهاً بِعليْ

وكان الحسين (عليه‌السلام ) يخضب بالحنّاء والكتم ، وقُتل صلوات الله عليه وقد نصل الخضاب من عارضيه.

وأقوى دليل وأوضح برهان على كمال فضل الحسنَين (عليهما‌السلام ) وعلوّ مقامهما وإمامتهما للمسلمين ؛ أنّ النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) باهَلَ بهما وهما صبيّان ، كما دلّ عليه قوله تعالى في آية المباهلة( فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ ) (١) . وبايع لهما النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وهما صبيّان لم يبايع صبيّاً غيرهما ، وأوجب لهما الجنّة على عملهما وهما طفلان بقوله تعالى في سورة هل أتى :( فَوَقَاهُمُ اللّهُ شَرّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً * وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنّةً وَحَرِيراً ) (٢) .

وقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في الحسنَين (عليهما‌السلام ) : (( هما ريحانتاي من الدّنيا )). وقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( الحسن

______________________

(١) سورة آل عمران / ٦١.

(٢) سورة الإنسان / ١١ - ١٢.

١٣

والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة )). وقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فيهما : (( هذان ابناي ، فمَن أحبَّهما فقد أحبّني ، ومَن أبغضهما فقد أبغضني )). وقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فيهما : (( اللهمَّ ، إنّي اُحبّهما فأحبهما )). وقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( ابناي هذان ، إمامان قاما أو قعدا )).

وكان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يصلّي ، فإذا سجد وثب الحسَنان (عليهما‌السلام ) على ظهره ، فإذا أرادوا أنْ يمنعوهما ، أشار إليهم أنْ دعُوهما ، فلمّا قضى الصلاة وضعهما في حجره وقال : (( مَن أحبّني فليُحب هذين )).

وكان (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يجثو للحسنَين (عليهما‌السلام ) فيركبان على ظهره ، ويقول : (( نِعمَ الجملُ جملكما ! ونعم العدلان أنتما ! )). وحملهما (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مرّة على عاتقه ، فقال رجل : نعم الفرس لكما ! فقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( ونِعمَ الفارسان هما !)).

وحجّ الحسَنان (عليهما‌السلام ) ماشيين ، فلم يمرّا برجل راكب إلاّ نزل يمشي ، فقال بعضهم لسعد بن أبي وقّاص : قد ثقل علينا المشي ، ولا نستحسن أنْ نركب وهذان السيّدان يمشيان. فرغب إليهما سعد في أنْ يركبا ، فقال الحسن (عليه‌السلام ) : (( لا نركب ، قد جعلنا على أنفسنا المشي إلى بيت الله الحرام على أقدامنا ، ولكننا نتنكّب عن الطريق )). فأخذا جانباً من النّاس.

وكان ابن عبّاس مع علمه وجلالة قدره يمسك بركاب الحسنَين (عليهما‌السلام ) حتّى يركبا ، ويقول : هما ابنا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

وسمع النبيُّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بكاءهما وهو على المنبر ، فقام فزعاً. وكان (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يخطب على المنبر ، فجاء الحسَنان (عليهما‌السلام ) وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران ، فنزل (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه ، ثمّ قال :( إنّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ ) (١) .

فإذا كان بكاء الحسنَين (عليهما‌السلام ) - وهما طفلان صغيران - وعثورهما في ثوبيهما أزعج النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كلّ هذا الإزعاج حتّى نزل عن المنبر فزعاً مدهوشاً ، وحملهما ووضعهما بين يديه ، فما كان يجري على النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لو رأى ولده الحسن (عليه‌السلام ) يلفظ كبده قطعاً من السمّ الذي دُسّ إليه ؟! وما كان يجري عليه لو رأى ولده الحسين (عليه‌السلام ) وهو وحيد فريد لا ناصر له ولا معين ، يستغيث فلا يُغاث ، ويطلب شربة من الماء فلا يُجاب ، وقد أحاط به ثلاثون ألفاً يرمونه بالسّهام ويطعنونه بالرماح ، ويضربونه بالسيوف ويرشقونه بالحجارة حتّى اُثخن

________________

(١) سورة التغابن / ١٥.

١٤

بالجراح ، وصارت السهام في درعه كالشوك في جلد القنفذ حتّى ذبحوه كما يُذبح الكبش ، ونساؤه وعياله تنظر إليه ؟!

أما كان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يبكي ويجزع ويتفطّر قلبه ويتصدّع ؟

يا رسولَ اللهِ لو عاينْتهُمْ

وهُمُ ما بين قتلٍ وسِبا

لرأتْ عيناك منهمْ منظراً

للحشى شجواً وللعينِ قذا

المجلس الخامس

قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( إنّ الله تعالى جعل ذرّيّة كلِّ نبيٍّ من صلبه خاصّة ، وجعل ذرّيتي من صلب علي بن أبي طالب )).

وقال الحسين (عليه‌السلام ) لأصحاب ابن زياد يوم الطفّ : (( ما لكم تناصرون علَيّ ؟! أما والله ، لئن قتلتموني لتقتلنّ حجّة الله عليكم. لا والله ، ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبيٍّ أحتجّ به عليكم غيري )).

وأجلس النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) الحسن (عليه‌السلام ) على فخذه اليمنى والحسين (عليه‌السلام ) على فخذه اليسرى، وأجلس عليّاً وفاطمة (عليهما‌السلام ) بين يديه ، ثمّ لفّ عليهما كساءه أو ثوبه ، ثمّ قرأ( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (١) . ثمّ قال : (( هؤلاء أهل بيتي حقّاً )).

وقال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لعلي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم‌السلام ) : (( أنا سِلم لـمَن سالمتُم ، وحرب لـمَن حاربتُم )).

ونظر (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى الحسن والحسين (عليهما‌السلام ) ، فقال : (( مَن أحبّ هذين وأباهما واُمّهما ، كان معي في درجتي يوم القيامة )).

وقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( حسين منّي وأنا من حسين ، أحبّ الله من أحبّ حسيناً )). وقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( مَن أحبّ أنْ ينظر إلى أحب أهل الأرض إلى أهل السماء ، فلينظر إلى الحسين (عليه‌السلام ) )).

وكان (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يخطب

______________________

(١) سورة الأحزاب / ٣٣.

١٥

على المنبر إذ خرج الحسين (عليه‌السلام ) ، فوطئ في ثوبه فسقط فبكى ، فنزل النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عن المنبر ، فضمّه إليه وقال : (( قاتل الله الشيطان ! إنّ الولد لفتنة. والذي نفسي بيده ، ما دريت أنني نزلت عن منبري )). ومرّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من بيت فاطمة (عليها‌السلام ) ، فسمع الحسين (عليه‌السلام ) يبكي ، فقال : (( ألم تعلمي أنّ بكاءه يؤذيني ؟ )).

إذا كان بكاء الحسين (عليه‌السلام ) - وهو طفل صغير - يؤذي النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ، فما كان يجري على النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لو نظر إلى ولده الحسين (عليه‌السلام ) وهو ينادي : ((هل من ذابّ يذبّ عن حرم رسول الله ؟ هل من موحّد يخاف الله فينا ؟ هل من مغيث يرجو الله في إغاثتنا ؟ هل من معين يرجو ما عند الله في إعانتنا ؟ )). فلا يُجاب إلّا بضرب السّيوف وطعن الرماح ورمي السهام ، وهو في ذلك يطلب شربة من الماء فلا يجد ، وكلّما حمل بفرسه على الفرات حملوا عليه حتّى أجلوه عنه ؟!

منعوهُ شُربَ الماءِ لا شَرِبوا غداً

من كفِّ والده البطينِ الأنزعِ

المجلس السّادس

قال المدائني : خرج الحسن والحسين (عليهما‌السلام ) وعبد الله بن جعفر (رضي‌الله‌عنه ) حجّاجاً ، ففاتتهم أثقالهم فجاعوا وعطشوا ، فمرّوا بعجوز في خباء لها فقالوا : هل من شراب ؟ قالت : نعم. فأناخوا بها ، وليس لها إلّا شويهة في كسر الخيمة ، فقالت : اجلسوا وامتذقوا لبنها. ففعلوا ذلك، وقالوا لها : هل من طعام ؟ قالت : لا ، إلّا هذه الشاة ، فليذبحها أحدكم حتّى اُهيّئ لكم منها ما تأكلون.

فقام إليها أحدهم فذبحها وكشطها ، ثمّ هيّأت لهم طعاماً فأكلوا ، وأقاموا حتّى أبردوا ، فلمّا ارتحلوا قالوا لها : نحن نفر من قريش نريد هذا الوجه ، فإذا رجعنا سالمين فألـمّي بنا فإنّا صانعون إليك خيراً. ثمّ ارتحلوا.

وأقبل زوجها فأخبرته عن القوم والشاة ، فغضب وقال : ويحك ! تذبحين شاتي لأقوام لا تعرفينهم ثمّ تقولين نفر من قريش !

١٦

ثم بعد مدّة ألجأتهما الحاجة إلى دخول المدينة ، فدخلاها وجعلا ينقلان البعر إليها ويبيعانه ويعيشان منه. فمرّت العجوز في بعض سكك المدينة فإذا الحسن بن علي (عليهما‌السلام ) جالس على باب داره ، فعرف العجوز وهي له منكرة ، فبعث غلامه فردّها فقال : (( يا أمَة الله ، أتعرفينني ؟ )). قالت : لا. قال : (( أنا ضيفك يوم كذا وكذا )). فقالت العجوز : بأبي أنت واُمّي ! فأمر الحسن (عليه‌السلام ) فاشتري لها من شياه الصدقة ألف شاة ، وأمر لها بألف دينار ، وبعثها مع غلامه إلى أخيه الحسين (عليه‌السلام ) فقال : (( بِكم وصلك أخي ؟ )) فقالت : بألف دينار وألف شاة. فأمر لها الحسين (عليه‌السلام ) بمثل ذلك ، ثمّ بعث بها مع غلامه إلى عبد الله بن جعفر فقال : بكم وصلك الحسن والحسين ؟ فقالت : بألفي شاة وألفي دينار. فأعطاها مثل ذلك.

وبنو هاشم معادن الجود والكرم ومعادن الشجاعة ، لا يباريهم في ذلك أحد ، ولا عجب من الشيء إذا جاء من معدنه. وحسبك بكرم الحسنَين (عليهما‌السلام ) وهما سبطا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) الذي لا يباري كرمه السحاب الهاطل ، وشبلا أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) أكرم النّاس وأسخاهم بعد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ). وقلّما يكون الكريم غير شجاع ، والشجاع غير كريم. وأمير المؤمنين (عليه‌السلام ) هو الذي قال : (( جنونان لا أخلاني الله منهما : الشجاعة والكرم )).

واقتدى به ولده الحسين (عليه‌السلام ) في كرمه وشجاعته ، فإنّ هذا الشبل من ذلك الأسد ، وهذا الثمر من ذلك الشجر. وأعظم كرم صدر منه (عليه‌السلام ) يوم تلقّاه الحرّ وأصحابه وهم زهاء ألف فارس ، فسقاهم الماء مع خيولهم في تلك الأرض القفراء ، وهم قد جاؤوا لمحاربته !!

ولكن بئسما جازاه أعداؤه على ذلك ؛ فإنّهم وضعوا - بأمر عمر بن سعد - خمسة آلاف رجل على المشرعة يمنعون الحسين (عليه‌السلام ) وأصحابه من استسقاء الماء !!

منعُوهُ من ماء الفُراتِ ووردِهِ

وأبوهُ ساقي الحوضِ يومَ جزاءِ

حتّى قضى عَطشاً كما اشْتهتِ العِدى

بأكفِّ لا صيدٍ ولا أكفاءِ

١٧

أمّا شجاعته (عليه‌السلام ) فهي التي ضُربت بها الأمثال وسارت بها الركبان ، وأنست شجاعة جميع الشجعان. وهو الذي دعا النّاس إلى البراز في يوم كربلاء فلم يزل يقتل كلَّ مَن برز إليه حتّى قتل مقتلة عظيمة. وهو الذي كان يحمل على الأعداء وقد تكملوا ثلاثين ألفاً فينهزمون بين يديه كأنّهم الجراد المنتشر ، فلمّا رأى شمر ذلك ، استدعى الفرسان فصاروا في ظهور الرجّالة ، وأمر الرماة أنْ يرموه ، فرشقوه بالسهام حتّى صار كالقنفذ ، فأحجم عنهم وحالوا بينه وبين رحله.

فقال (عليه‌السلام ) : (( ويلكم يا شيعة آل أبي سفيان ! إنْ لمْ يكن لكم دين ، وكنتم لا تخافون المعاد ، فكونوا أحراراً في دنياكم هذه ، وارجعوا إلى أحسابكم إنْ كنتم عُرُباً كما تزعمون )). فناداه شمر : ما تقول يابن فاطمة ؟ قال (عليه‌السلام ) : (( أقول : أنا الذي اُقاتلكم وتقاتلونني ، والنّساء ليس عليهنّ جناح ، فامنعوا عتاتكم وجهّالكم وطغاتكم من التعرّض لحرمي ما دمت حيّاً )).

قال شمر : لك ذلك. ثمّ صاح : إليكم عن حرم الرجل واقصدوه بنفسه ، فلعمري لهو كفو كريم.

قال اقصدُوني بنفسِي واتْركُوا حَرَمي

قدْ حان حَيني وقدْ لاحتْ لوائحُهُ

المجلس السّابع

مما جاء في كرم الحسنَين (عليهما‌السلام ) ما ذكره البيهقي في كتاب المحاسن والمساوئ ، قال : ذكروا أنّ رجلين ؛ أحدهما من بني هاشم والآخر من بني اُميّة ، قال هذا : قومي أسمح. وقال هذا : قومي أسمح. قال : فسلْ أنت عشرة من قومك ، وأنا أسأل عشرة من قومي.

فانطلق صاحب بني اُميّة ، فسأل فأعطاه كلّ واحد منهم عشرة آلاف درهم. وانطلق صاحب بني هاشم إلى الحسن بن علي (عليهما‌السلام ) فأمر له بمئة وخمسين ألف درهم ، ثمّ أتى الحسين (عليه‌السلام ) فقال : (( هل بدأت بأحد قبلي ؟ )) قال : بدأت بالحسن ، قال : (( ما كنتُ استطيع

١٨

أنْ أزيد على سيّدي شيئاً )). فأعطاه مئة وخمسين ألفاً من الدراهم ، فجاء صاحب بني اُميّة يحمل مئة ألف درهم من عشرة أنفس ، وجاء صاحب بني هاشم يحمل ثلاثمئة ألف درهم من نفسين ، فغضب صاحب بني اُميّة فردّها عليهم فقبلوها. وجاء صاحب بني هاشم فردّها عليهما فأبيا أنْ يقبلاها ، وقالا : (( ما كنّا نبالي ، أخذتها أم ألقيتها في الطريق )).

أقول : وفضائل الحسنَين (عليهما‌السلام ) لا تحصى بحدّ ولا تحصر بعدّ ، كيف ؟ وهما ولدا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وسبطاه وريحانتاه من الدنيا ، وسيّدا شباب أهل الجنّة ، خير النّاس أباً واُمّاً وجدّاً وجدّةً وخالاً وخالةً وعمّاً وعمّةً ؛ أبوهما أمير المؤمنين سيّد الأوصياء (عليه‌السلام ) ، واُمّهما فاطمة الزهراء بضعة الرسول وسيّدة النّساء (عليها‌السلام ) ، وجدّهما رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) سيّد ولد آدم ، وجدّتهما خديجة بنت خويلد أمّ المؤمنين أول نساء هذه الاُمّة إسلاماً ، التي بذلت أموالها في إحياء الدين فقام الاسلام بمالها وسيف علي بن أبي طالب. وأخوالهما وخالاتهما أبناء رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وبناته ، وعمّهما جعفر الطيّار في الجنّة ، مع ما لهما في أنفسهما من الفضائل.

ألا قاتل الله عصبة قتلتهما وظلمتهما ! حتّى قضى الحسن (عليه‌السلام ) شهيداً بالسمّ ، وقضى الحسين (عليه‌السلام ) شهيداً بالسيف غريباً ظامئاً ، وقُتلت أنصاره وأهل بيته ، وسُبيت نساؤه من كربلاء إلى الكوفة ، ومن الكوفة إلى الشام ، وطِيفَ برأسه في البلدان :

مَنْ مبلغُ الـمُصطفى سبطاهُ قدْ قَضَيا

بالسمِّ هذا وذا بالسّيفِ منْحُورا

أوصَى وأكّد في الدنيا وصيّتَهُ

فأوسعوا عهدَهُ نَكثاً وتغييرا

لو كان جدُّهُما أوصَى بظلْمِهما

لما اسْتطاعُوا لِما جاؤوهُ تكْثيرا

المجلس الثامن

ممّا جاء في كرم الحسين (عليه‌السلام ) ، ما رواه عمرو بن دينار قال : دخل الحسين

١٩

بن علي (عليهما‌السلام ) على اُسامة بن زيد وهو مريض ، وهو يقول : وآغمّاه ! فقال له الحسين (عليه‌السلام ) : (( وما غمّك يا اُسامة ؟ )). فقال : دَيني ، وهو ستّون ألف درهم. فقال الحسين (عليه‌السلام ) : (( هو علَيّ )). فقال : إنّي أخشى أنْ أموت. فقال الحسين (عليه‌السلام ) : (( لنْ تموت حتّى أقضيها عنك )). قال : فقضاها قبل موته.

وكان (عليه‌السلام ) يقول : (( شرّ خصال الملوك ؛ الجُبن عن الأعداء ، والقسوة على الضعفاء ، والبخل عن الإعطاء)).

ووفد أعرابي إلى المدينة فسأل عن أكرم النّاس بها ، فدُلّ على الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهما‌السلام ) ، فدخل المسجد فوجده يصلّي ، فوقف بازائه وأنشأ يقول :

لمْ يَخبِ الآن مَنْ رجاكَ ومَنْ

حرَّكَ من دون بابِك الحلَقهْ

أنت جوادٌ وأنت مُعتَمَدٌ

أبوك قدْ كان قاتلَ الفسَقهْ

لولا الّذي كان منْ أوائِلكُمْ

كانتْ علينا الجَحيمُ مُنطبقهْ

فسلّم الحسين (عليه‌السلام ) ، وقال : (( ياقنبر ، هل بقي من مال الحجاز شيء ؟ )) قال : نعم ، أربعة آلاف دينار. فقال (عليه‌السلام ) : (( هاتها ، قد جاء مَن هو أحقّ بها منّا )). ثمّ نزع بردته ولفّ الدنانير فيها وأخرج يده من شقّ الباب ؛ حياءً من الأعرابي ، وأنشأ يقول :

خُذْها فإنّي إليك معتذرٌ

واعلَمْ بأنّي عليك ذو شَفَقهْ

لو كان في سَيرنا الغداةَ عصاً

أمستْ سمانا عليكَ مُندفِقهْ(١)

لكنَّ ريبَ الزّمان ذو غِيرٍ

والكفُّ منّي قليلةُ النّفَقهْ

فأخذها الأعرابي وبكى. فقال له الحسين (عليه‌السلام ) : (( لعلّك استقللت ما أعطيناك ؟ )). قال : لا ، ولكن كيف يأكل التراب جودك ؟!

ووُجِد على ظهر الحسين (عليه‌السلام )

______________________

(١) لعلّ المراد بالسّير : واحد السّيور التي تُقدّ من الجلد ، فإنّه إذا كان فيه عصا ( أي مشدوداً بطرف عصا ) ، صار سوطاً قابلاً للضرب ، فيكون كناية عن الحكم والقوّة .

٢٠