يوم الحسين (عليه‌السلام)

يوم الحسين (عليه‌السلام)0%

يوم الحسين (عليه‌السلام) مؤلف:
تصنيف: الإمام الحسين عليه السلام
الصفحات: 206

  • البداية
  • السابق
  • 206 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 640 / تحميل: 91
الحجم الحجم الحجم
يوم الحسين (عليه‌السلام)

يوم الحسين (عليه‌السلام)

مؤلف:
العربية

يوم الحسين (عليه‌السلام )

مجموعة القصائد والخطب التي اُلقيت بمناسبة ذكرى الإمام الحسين (عليه‌السلام )

عبد الرزاق العائش

للسنوات ١٣٦٧ ه - ١٣٧٠ ه

١٩٤٧ م - ١٩٥٠ م

١

الإهداء

إلى البطل الخالد والمرشد الأعظم الذي علَّمنا كيف تكون التضحية في سبيل العقيدة المقدَّسة والمبدأ السامي.

المقدّمة

بين العراق والشعر ترابط وجداني قلّما نجد له نظيراً في بلد آخر ؛ فالعراق بلد الشعر ، وليس ذلك ادّعاءً , إنما حقيقة يقرّها من يعرف العراق ومن يعرف الشعر ؛ فالعراقي يقطع الصمت بالبيت أو البيتين يترنم بها مع نفسه أو يسمع حاضريه ، وإذا عزّ عليه الاستشهاد بالقريض أسعفته الذاكرة بالشعبي.

وليس في العراق كله مَن لا يستشهد بأبيات الشعر الحكمي ، وليس فيه مَن لا يحب الشعر , لا فرق في حب الشعر بين الاُمّي والمتعلم , وبين العالم الفذ والإنسان البسيط , وبين التاجر الغني والفقير المعدم ، اشتركوا جميعاً بحبّ الشعر.

يتفجر في العراق عيوناً. ينابيع رقراقة. بركاناً لاهباً هائجة ثورته. وبين هذا وذاك يكون شعر العراق أو عراق الشعر. جمال الشعر أن يكون عراقياً , وجمال العراق أن يبقى شاعراً. ومَن لا يعرف الشعر لا يعرف العراق , والعكس صحيح.

من العراق برز فحول الشعر العربي قديماً وحديثاً ، برعوا في القريض والشعبي ، ومنهم من برع في الاثنين معاً.

من العراق ظهرت مدارس شعرية متميزة أثّرت في مجمل الحياة الأدبيّة العربية ؛ فالسياب صنع الشعر الحر ، وأسّس مدرسته الشعرية التي سرعان ما أثّرت في العالم العربي وانضمّ إليها الشعراء الآخرون أجيالا بعد أجيال.

والشيخ عبد المنعم الفرطوسي رائد الملاحم التاريخية في الشعر الحديث ، ومن النجف الأشرف ينتشر الشعاع الأدبي ليشمل العراق كله ، وأوّل ما تتعلق به أماكن النخيل الشامخات. سوق الشيوخ.

والبصرة. البصرة تلك الحلم الأرضي الذي عشقه الماء والنخيل فالتصقا به منذ القدم.

كانت البصرة مركزاً من مراكز التحرك الإسلامي التي تتسم بالوعي والتحدي والقدرة على التفاعل مع الحدث ، والتعبير عنه من خلال الموقف المطلوب ؛ فلقد تطلّب الظرف ذات يوم أن يكون الموقف احتجاجاً جماهيرياً , فنهضت البصرة الإسلاميّة بانتفاضة جماهيرية ساهمت في إرباك السلطة البعثية في الستينات , وتطلّب الظرف مرة اُخرى وبعد قرابة الثلاثة عقود أن تحدث انتفاضة شعبية كبيرة فكانت كذلك في الانتفاضة الشعبانية المباركة.

وما كانت البصرة لتنجح في تجربة الثورة والانتفاضة لولا أنها مهّدت السبيل بمرحلة طويلة من البناء التغييري الواعي على أساس الإسلام ؛ فقد كان التحرك الإسلامي يتخذ من كل المواقع منطلقات لنشر الفكر الإسلامي وتعميقه في الأوساط الجماهيرية , المناطق السباقة في هذا المجال. ومع أنّ العراق كله كان ساحة النشاط الإسلامي الحركي إلاّ أنّ البصرة كانت من عطاءاتها سريعة واضحة.

٢

وانطلق الشعر يتحرك في النجف الأشرف كمركز للحركة الشعرية الإسلاميّة ، ثم ينتشر في المدن الاُخرى ، وكان الإلهام يأتي من مصادر عديدة ، لعلّ في مقدّمتها ثورة الحسين (عليه‌السلام ) ؛ فالحسين كان على مرّ الزمن المحرك لعناصر الإبداع الشعري عند أجيال الشعراء ، وليس في تأريخ الشعر الإسلامي كله موضوعٌ حظي باهتمام الشعراء مثل الإمام الحسين وثورته الخالدة.

وكتاب (يوم الحسين) الذي تُقدّمه مؤسسة دار الإسلام للقارئ المسلم إنّما هو وثيقة حيّة عن نشاط البصرة الأدبي الإسلامي ، إضافة إلى كون الكتاب يُقدّم صورة واضحة المعالم عن دور الشعر العراقي في حركة الوعي الإسلامي.

قصائد حسينيّة قالها رجال أثّروا في مجتمعهم فحفظها هذا الكتاب الذي طبع مرة واحدة عام ١٩٥٠م ، ونفدت نسخه فحرمت الأجيال من تلك القصائد والمقالات ؛ ومن أجل أن نحفظ تراث الشعر الإسلامي ونعيد إلى الذاكرة تلك الروح والمواقف الأدبيّة الهادفة نقدّم هذه الطبعة الثانية من الكتاب ؛ راجين أن يحقق الغرض من ورائه ، ومن الله تعالى نسأل التوفيق.

مؤسسة دار الإسلام - لندن

٣

تقديم :

السيد عباس شبر

السيد عباس شبر :

* ولد في البصرة عام (١٣٢١ ه/١٩٠٣م) , ودرس علوم العربَّية والشريعة , والمنطق والكلام في النجف.

* عاد بعدها إلى البصرة مبلَّغا , ثم عُيّنَ عام (١٩٤٣م) قاضياً شرعيّاً في البصرة ، وقد شغل هذا المنصب حتّى وفاته.

* له عدَّة مجاميع شعريَّة مخطوطة ومطبوعة ؛ فالمخطوطة : (خوالج النفس) ، و(الأنفاس المحترقة) , والمطبوعة : (جواهر وصور) , القسم الأول ، و(موشور).

معجم الشعراء العراقيين / ١٨٦ - ١٨٨

* * *

٤

تقديم :

العلامة السيّد عبّاس شبر

القاضي الجعفري في البصرة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسّلام على محمَّد وعترته الطيبة

في عقيدتي أنّ يوم عاشوراء أفجع يوم عرفه التأريخ ، وأنّ مأساة كربلاء اُمثولة كلٍّ متأسٍّ في دنيا الفجائع والأحداث , ولم يتبارَ الشعراء والاُدباء في واقعة كواقعة الطفوف. ولو تتبعنا ما قيل في هذا اليوم الخالد لوجدنا أنفسنا أمام مجهود عظيم من أدب واسع وشعر رائع يتدفق بالحياة والقوة والمعاني السامية في مختلف عصورها.

وما أدب الطفِّ إلّا عواطف ثائرة ، ودموع فائرة ، ودروس بليغة تلقّتها الأيام بليغة عن يوم أبي الأئمَّة وإمام الشهداء (عليه‌السلام ) ، يوم اشتدَّ الصراع بين الفضيلة والرذيلة ، واشتبك الحقُّ الأعزل بالباطل المسلَّح. وفي النهاية يفوز الحقُّ على قلَّة أعوانه بالنصر المبين , مسجَّلاً بالدم صحيفة المجد والخلود.

وينهزم الباطل على كثرة أتباعه ملفَّعاً بالخزي والعار , ولعنة التأريخ والأجيال، ويستقرُّ ريحانة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) نوراً في العيون ، ورحمة في القلوب ، وهدىً في النفوس ، وفكرة مقدَّسة في الرؤوس ، واُنشودة سماويَّة تتناقلها الأعقاب ، وتردد أصداءها السنون والأحقاب.

وبعد ، فهل يوم كيوم الحسين ، أو تضحية كتضحية الحسين ، أو مدرسة كمدرسة الحسين ، أو تاريخ يستعاد غضّاً على الأسماع كتاريخ الحسين (عليه‌السلام ) ؟! فسلامٌ على الحسين ، وعلى اُسرة الحسين.

وأحرى بشبابنا المسلم وهو يستعيد الذكرى ويقيم لها الحفلات أن يترسَّم خطى سيّده فيتمسَّك بمبادئه ، ويأخذ منهاجهه ، ويقتبس من مثاليته التي لو أخذ بها المسلمون لكان شأنهم غير ما نراه.

هذا ، ومن دواعي الغبطة أن أرى في هذا الموطن العريق ، بلد الخليل والجاحظ والفرزدق وبشّار ، ومنبت أعلام الفكر وأقطاب الشعر فريقاً من الشباب المثقَّف وفيهم الأديب (العائش) , وقد بدؤوا منذ بضع سنين بالاحتفال بذكرى يوم عاشوراء ، فأسمعونا ما رقَّ وراق من شعر ونثر ، ثمَّ يُجمع ما قيل في سنوات أربع ويُطلب إليَّ تقديمه للقرَّاء الأعزاء.

ولي الشرف أن اُقدّم للقارىء الكريم هذه الباقة من رياحين عبّاقة ، نبت أكثرها في روض (الخليل) , ولها شذى من نفحات الحسين (عليه‌السلام ) ، وأبتهل إلى الله سبحانه أن يوفِّق هذه النخبة الصالحة من شبابنا العزيز لكلَّ خير ونجاح إنه سميع الدعاء.

عبّاس شبّر الحسيني

البصرة ٣٠ محرم الحرام (١٣٧٠) ه

٥

تعريف :

محمد جواد جلال

هذه خواطر وأفكار كُتب لها أن تُكتب في هذه الصفحات ليقرأها الناس بعد أن سمعوها من أصحابها ، وهم يلقونها تخليداً لذكرى سيد الشهداء وبطل الإباء الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ).

وذكرى الحسين (عليه‌السلام ) من الذكريات الخوالد التي تسير مع الزمن وتبقى مع الحياة ؛ لأنّها ذكرى الفضيلة الثائرة على الرذيلة الجائرة ، أو هي ذكرى الشهادة العظمى التي عزَّ نظيرها في تاريخ الشهداء , فما أجدرها بالخلود وما أحقَّها بالبقاء !

وفي هذه الخواطر وهذه الأفكار صور مختلفة من ذكريات يوم الطفَّ الخالد ، وما جرى فيه من أحداث جسام ومواقف عظام جاءت على ألسِنةِ الخطباء ، تارة منثورة واُخرى منظومة ؛ ليكون الكلام فيها جارياً على ما تقتضيه الحال في أمثال تخليد هاتيك الذكريات من إجمال وتفصيل ، وتفسير للحوادث ، وتصوير للوقائع ، وعرض لتاريخ تلك المأساة المروعة بشكل مؤثَّر أخَّاذ. المكان هو قاعة ثانوية البصرة للبنين (نادي الطلاب) ، والزمان عصر عاشوراء، والأشخاص الذين يقومون بواجب الاحتفال بهذه الذكرى جماعة من الشباب البصري يؤلّفون هيئة أدبية لها مكانتها في الأدب والثقافة العصرية ، وفي طليعتهم الاُستاذ عبد الرزاق العائش الذي ما فتئ يمهَّد السبيل في كلَّ عام لإقامة هذا الاحتفال المشهود. وخطباء الحفل رجال لهم منزلتهم المرموقة في الخطابة والشعر ، والمحتفلون جماهير البصريّين على اختلاف طبقاتهم ونحلهم وطوائفهم ، فلا غرو أن يكون الحفل كبيراً رائعاً ، ولا عجب إذا رأينا في الناس من يقترح جمع هذه الخواطر كلَّها في كتاب ليلمَّ شعثها ، ويجمع شتاتها ، ويعدَّها للقرّاء الّذين إن فاتهم الاستماع إليها في أوقاتها لم يفتهم أن يقرؤوها بعدُ في هذه الصفحات. وبالإضافة إلى الفوائد التاريخيّة الناجمة عن تدوين هذه الخواطر والأفكار فإنّ لها فائدة اُخرى هي خدمة اللغة العربية وتخليد بعض آثارها ؛ لأنّ جُلَّ ما اُلقي في هذه الاحتفالات من منثور الكلام ومنظومه بليغٌ رائع وجديد طريف ؛ ذلك لأنّه نتاجُ جماعةٍ من اُدباء البلد عُرفوا بمواهبهم الأدبيّة وتبريزهم في عالم الخطابة والشعر. ومن الناس من يرغب في أن يقرأ لهم ما سمعه منهم وما لم يسمع. ولعل شيئاً من هذه الخواطر والأفكار قد نُشر في حينه في بعض الصحف المحلَّيَّة ، بيد أن ما نُشر كان قليلاً جدّاً بالإضافة إلى ما لم يُنشر ، وهو من أجل هذا لا يؤلّف من موضوع الطفَّ وحدة متماسكة ، ولا يُعطي صورة صادقة لجلال الذكرى وعظم المأساة وروعة الاحتفال. وصفوة القول : إنّ في تدوين هذه الخواطر ونشرها بين القرّاء خيرُ عمل تقوم به الهيئة الأدبيّة في البصرة ؛ لأنّ فيما تنشره من ذكرى شهادة الحسين (عليه‌السلام ) وتاريخه الناصع دروساً قيَّمة للَّذين ينشدون الحياة الحرَّة في ظِلال الفضيلة ، ويطلبون أفضل المثل الإنسانية للصعود إلى معارج الكرامة. فليقرأ الناس تاريخ الحسين (عليه‌السلام ) ، وليستضيئوا بسراجه الوهّاج في ظلم هذه الحياة التي امتلأت بالظلم والتعسّف والجور ، وليعلموا بعد ذلك أنّ الحياة الذليلة خيرٌ منها الموت الزؤام ، وأن العزَّة لله ولرسوله والمؤمنين.

محمد جواد جلال

٦

تمهيد :

محمد حسين إسماعيل

كانت واقعة الطفَّ واستشهاد الإمام الحسين (عليه‌السلام ) ومعه الصفوة المختارة من بني هاشم ، والعصبة الطيبة من الأنصار المؤمنين أقوى نذير للشعوب الّتي كانت تحت حكم يزيد كي تنتبه من سباتها وتطالب بحقَّها.

وأعقبت واقعة الطفَّ عدَّة ثورات ، وكانت هذه الثورات ناجحة ؛ إذ كانت الشرارات الاُولى التي ما فتئت أن أصبحت ناراً حامية تأكل صرح الحكم الاُمويِّ كلِّه ، وتحيله رماداً تذروه الرياح ، ثمَّ تبنى على أنقاضه صرحاً جديداً يرضاه الناس.

وظلّ الناس يتناقلون أخبار الطفَّ في مجالسهم ونواديهم ، ويقارنون بين عظمة الحسين (عليه‌السلام ) وهو يجود بنفسه وأهله وصحبه لإعلاء كلمة الحقَّ ، وبين الحالة الَّتي كان عليها يزيد بن معاوية وأنصاره من تكالبٍ على اللّذات واستباق إلى الشهوات ، وصدوف عن أمر الدين.

وتنبه الناس بعد حين ، واضطرمت قلوبهم بالحقد الدفين على هذه الشرذمة الَّتي كانت تحكم باسم الدين ولا تقيم حدوده ، وتأمر بالمعروف ولا تعمل به ، وتنهى عن المنكر وهي غارقة فيه ؛ فثاروا على يزيد وأشباه يزيد من ولاته وحكّامه. كانت تلك الثورات خاتمة لذلك العهد الذي أغضب الناس.

ونبتت فكرة المآتم الحسينيّة , وكان أوَّل من أقام هذه المجالس والمآتم هم الأئمَّة الأطهار (عليهم‌السلام ) ؛ فكانوا يسمعون الشعر في رثاء الإمام الشهيد ، ويروون الحقائق عن تلك الثورة الدامية التي قُتل فيها أبو الأئمَّة (عليه‌السلام ) , ثم انتشرت تلك المجالس والمآتم في كلّ مكان ، واعتاد الناس بعد الطفَّ بقليل أن يقيموها في أيام عاشوراء ؛ فبقيت على مرّ القرون نبراساً يضيء الطريق.

وها نحن الآن بعد أكثر من ثلاثة عشر قرناً على مقتل الإمام الحسين (عليه‌السلام ) نرى المآتم الحسينيّة تؤدِّي مهمَّتها النبيلة على أكمل وجه ؛ فتذكر قصَّة الظلم الاُمويّ ، وفاجعة البيت العلويّ , وبين هذه الحوادث التاريخية الدامية تدعو الناس إلى إطاعة أوامر الله ، وإلى التمسّك بأهداب الدين , ونشر الفضيلة والحقَّ.

لعل البصرة من أكثر المدن الإسلاميّة احتفالاً بمقدم عاشوراء ؛ فإذا جئت البصرة زائراً في الأيام العشرة الاُولى من المحرَّم على الأخصِّ رأيت اللون الأسود هو اللباس الأعمُّ لأكثر الناس ، يرتدونه حداداً على آل الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ، ورأيت المجالس الحسينيّة متَّصلة متتابعة ، لا تكاد تسير في شارع إلاّ ويلقاك مأتم مكتظٌّ ، فاذا سرت قليلاً رأيت المأتم الثاني وهو أكثر ازدحاماً.

وهكذا ينتقل البصريّ من مأتم إلى مأتم , لا يملُّ سماع الحديث المعاد ؛ لأن فاجعة آل البيت (عليهم‌السلام ) لا يمل سماعها إنسان ؛ ففيها الذكرى والعبرة , والموعظة والقدوة. وليس غشيان هذه المجالس مقتصراً على الشيوخ والكهول ممّن تجاوزت بهم السن ، بل إن للشباب البصريِّ حظاً ونصيباً من الإقبال عليها ، والاستماع إلى فوائدها وحكمها.

٧

ومنذ سنين طويلة فكَّر بعض الاُدباء البصريّين بإقامة احتفال تأبين في اليوم العاشر من كلَّ محرم ، على أن يقوم الاُدباء البصريّون أنفسهم بإلقاء إنتاجهم شعراً ونثراً حول مأساة الطفِّ ، على أن يكون الاحتفال عصرياً يتَّفق وروح العصر وجلال الذكرى. وبقيت هذه الفكرة اُمنية تحتاج الى تحقيق حتّى حل محرم عام (١٣٦٧ ه) فعادت الفكرة أكثر تبلوراً وظهوراً.

ولعلّ من الواجب عليَّ أن أقول بأنَّ نشاط الاُستاذ عبد الرزّاق العائش كان العامل الرئيس لتحريك الفكرة وإخراجها إلى حيّز الوجود ، وكانت داره المنتدى الذي اجتمع تحت سقفه دعاة الفكرة الاُولى , وفي مقدَّمتهم اُستاذنا العّلامة الجليل السيد عبّاس شبر ، والاُستاذ محمد جواد جلال , والأساتذة عبد الرزّاق العائش ، ومحمود الحبيب ، وكاظم مكّي حسن ، ومحمد حسين الحمزة ، ومحمد هاشم الجواهري ، والاُستاذ عبود علي شبر.

تقرَّر في هذا الاجتماع الّذي عقده من ذكرنا أسماءهم أعلاه أن يكون الاحتفال ليالي السادس والسابع والثامن والتاسع والعاشر في دار الاُستاذ العائش ، وفي اليوم العاشر من المحرَّم على قاعة ثانوية البصرة للبنين (نادي الطلاب). وقد اُلقي في هذه الأيام الكثير من الإنتاج الشعريِّ والنثريِّ ، اخترنا بعضه للنشر في هذا الكتاب ؛ نظراً لكثرة الإنتاج.

أما في السنوات (١٣٦٨) و (١٣٦٩) و (١٣٧٠) ه فكان التأبين يقام في اليوم العاشر فقط على قاعة ثانوية البصرة للبنين (نادي الطلاب) ، وقد نشر فى هذا الكتاب كافة ما اُلقي في هذه السنوات الثلاث. واعترافاً بالجميل نذكر أن بعض الاُدباء من غير البصرة قد اشتركوا في هذه الحفلات التأبينيّة بجهودهم الأدبيّة , وقد نُشرت أيضاً.

بقي من الواجب أن اُشير إلى العلاّمة السيّد عباس شبر ، والاُستاذ محمد جواد جلال ، والاُستاذ كاظم محمود الصائب ، فقد كان لتوجيههم وآرائهم وإشرافهم أطيب الأثر في إظهار الحفل بأبهى روعة.

وأودّ أن اُشير أيضاً إلى أنّ الكتاب قد خلا من خطب الاُستاذ محمد جواد جلال ؛ لأنّ الاُستاذ كان يرتجل خطبته في كلَّ عام ارتجالاً ، والّذين يعرفون عمق أدبه وبلاغة اُسلوبه وسحر إلقائه يعلمون بأن خطبته من أروع الخطب وأكثرها تأثيراً في النفوس.وكان الحفل يُبدأ ويُختم في كل عام بتلاوة ما تيسَّر من آي الذكر الحكيم من قِبل الاُستاذ الشيخ عبد الكريم الحمداني والشيخ عليّ السبيعيّ ، وفي السنة الحالية من الشيخ شاكر الحمدانيّ.

وبعد ، فإننا نقدِّم هذه المجموعة الثمينة بمغزاها إلى القرّاء ، وقد نشر فيها ما اُلقي في هذه السنين في حفلات التأبين التي كان الإقبال العظيم عليها دليلاً ملموساً على مدى نجاحها , آملين في نفس الوقت أن تكون السنين القادمة أكثر روعة وفخامة ، شاكرين لكل مَن بذل جهده الأدبيَّ والمعنويَّ في مؤازرتنا ، ذاكرين على الأخصِّ جهود الاُستاذ العائش ، وهو الشعلة من الإيمان والتضحية ؛ فقد كان يسهر الليالي ، ويبذل غاية ما يستطيعه الإنسان لكي يجعل الحفل التأبينيَّ يليق بجلال الذكرى.

نسأله جلّ وعلا الرضا والقبول.

* * *

٨

التاريخ الشعري

عبد الرزاق العائش

علي البازي

الشيخ علي البازي (١٨٨٢ - ١٩٦٧)

* شاعر ، ضليع بفن (التاريخ الشعري) ورائد في كتابته.

* ولد في النجف وتتملذ بمدرستها العلميّة ، اشتغل في الحقل الوطني , حيث كُلّفَ وصديقه الشاعر الشيخ محمد علي اليعقوبي بتحريض عشائر الفرات الأوسط للالتحاق بركب الجهاد لمقاومة الإنكليز الغزاة ١٩٢٠م.

* له ديوانان ؛ الأول (وسيلة الدارين) مطبوع بثلاثة أجزاء سنة ١٩٢٠م ، والثاني (أدب التاريخ) مخطوط ، أرّخ فيه حوادث الشخصيات العراقية والعالمية بأربعمئة تاريخ شعري.

التاريخ الشعري

تفضل المؤرّخ الكبير والشاعر المعروف الاُستاذ عليّ البازيّ فنظم هذه الأبيات , مؤرِّخاً فيها صدور هذا الكتاب كما هي شيمته ؛ إذ ما من مناسبة تستحقّ الذكر إلّا وتصدّى لها ، وراح يُغدق عليها من فيض عبقريَّته. وهذا - والحقُّ يقال - مزيّة انفرد بها دون سواه من الشعراء المعاصرين.

العائش

٩

للبصرةِ الفيحا وأبنائها

ذكر جميل ملأ الخافقينْ

في كل عامٍ لهمُ موقفٌ

يستنزفون الدمع من كلَّ عينْ

فيه ينوحون على سادةٍ

هم شفعاءُ الخلق في النشأتينْ

تلك مراثيهم وآثارها

واضحةٌ يُجلى بها كل رينْ

انظر إلى السفر فتأريخه

(ينبيك مجموع لذكرى الحسينْ) ١٣٧٠ه

علي البازي - الكوفة

* * *

١٠

الليالي الخمس

الَّتي أحيتها الهيئة الأدبيّة في دار معتمدها عبد الرزّاق العائش , ابتداءً من الليلة السادسة من شهر محرم (١٣٦٧) ه حتّى الليلة العاشرة منه.

كلمة الهيئة الأدبيّة

لقد عزمت الهيئة الأدبيّة في البصرة في بادئ الأمر على إقامة سلسلة من الحفلات الخطابيّة بمناسبة ذكرى سيّد الشهداء (عليه‌السلام ) ، تبدأ من الليلة الاُولى من المحرم سنة (١٣٦٧) ه وتنتهي في اليوم العاشر.

كان هذا عزم اللجنة ، فوجَّهت عدَّة رسائل إلى نخبة من الاُدباء والشعراء في مختلف ألوية العراق وفي داخل البصرة ، فوردتها كمّيَّة كبيرة من النتاج الأدبيّ الرائع نظماً ونثراً , ولكن تلك الكمّية ما كانت لتكفي لمدّة عشرِ ليال ؛ لذا شرعت بالعمل من الليلة السادسة وانتهت في اليوم العاشر.

غير أن تلك الليالي الخمس وإن كانت قليلة العدد فإنها كثيرة النفع ؛ حيث أدّت نتيجة مرضية لم تؤدِّها ليال عديدة من حيث إحياء ذكرى الحسين (عليه‌السلام ) باُسلوب يتّفق والعصر الحاضر من ناحية الدرس والتحليل وتنظيم المكان.

فلقد كان النجاح حليف تلك الفكرة من أوَّل ليلة ؛ حيث أخذ المكان يزدحم بالوافدين من مختلف الطبقات وبالأخص الطبقة المثقَّفة ، حيث وجدت ضالَّتها المنشودة ؛ إذ طالما طمح أرباب النفوس السامية إلى تحقيق هذه الفكرة فتحقَّقت (ولله الحمد) بنجاح غير منتظر.

كما وأن الذين كانوا يرون خطأً أن قضيَّة الحسين (عليه‌السلام ) محصورة في نطاق ضي-ق ، ومختصَّة بطبقة دون اُخرى لـمّا رأوا نجاح الفكرة نكصوا على أعقابهم يندبون حظهم العاثر ، حيث خانهم في فهم حقيقة النهضة الحسينيّة ، لا سيَّما وأن الاُدباء والشعراء البصريّين الّذين ساهموا في هذا الحفل أعادوا إلى الأذهان عصر الجاحظ والحريري والخليل بن أحمد وغيرهم. وإن ننسَ فلا ننسَ حضرات الاُدباء والشعراء الذين لبوا دعوة اللجنة بسرعة فائقة.

ونظراً لما لاقته هذه الفكرة - فكرة إحياء عشر ليال - من نجاح باهر فلنا وطيد الأمل في السنة القادمة أن تكون بنطاق أوسع ، ولربما تحقق في أماكن عديدة. فاللجنة ترفع جزيل شكرها إلى الذوات الّذين ساهموا في تحقيق هذا الغرض النبيل ، سواء الذين قدَّموا إنتاجهم من بعيد ، أو الذين تلوا الإنتاج بأنفسهم.

ونسأله تعالى أن يعيد هذه الذكرى ونحن كأحسن ما نكون سعادةً ورفاهية تحت ظلَّ عرش مليكنا المفدى فيصل الثاني ، وحماية الوصي وولي العهد عبد الإله المعظَّم ، إنه قريب مجيب.

* * *

١١

منهج الليالي الخمس

١ - إنها لأحدى العبر (كلمة الافتتاح) … عبد الرزّاق العائش

٢ - الصراع بين الحقَّ والقوَّة …المحامي توفيق الفكيكيّ - بغداد

٣ - ذكرى الطفَّ (قصيدة) … أنور خليل - عمارة

٤ - حسين … خليل رشيد - عمارة

٥ - دروس تضحية … السيد مسلم الحلَّي - حلة

٦ - الجهاد المقدّس … عبد الواحد الأنصاري - عمارة

٧ - نهض الحسين مجاهداً (أبيات) … جواد الشيخ حسين

٨ - من وحي الذكرى … السيد محمد تقي الحكيم - نجف

٩ - أنا الحسين بن علي (قصيدة). السيد طالب الحيدري - بغداد

١٠ - المثل الأعلى … المحامي صالح فاضل

١١ - قصيدة (يوم الدماء) … كاظم محمود صائب

١٢ - هب الدين حصناً (قصيدة) … عبد الكريم الندواني - عمارة

١٣ - يا من رأى واحداً (قصيدة) … الشيخ عليٌّ البازي - نجف

١٤ - التضحية … عبد الرزّاق العائش

هذا مجمل ما اُلقي خلال الليالي الخمس , عدا ما اُلقي ارتجالياً من قِبل الاُستاذ محمَّد جواد جلال وبعض الأعضاء الآخرين. ولـمّا لم تكن النية معقودة على النشر لم تعمد الهيئة إلى تحرير ما اُلقي ارتجاليّاً. هذا مع العلم أن البدء والختام في كلَّ ليلة القرآن الكريم.

* * *

١٢

إنها لإحدى العبر

عبد الرزاق العائش

أيُّها السادة , إنّها لإحدى العبر أن سمت داري الوضيعة هذه الليلة بهذا الحفل الكريم ، فأمست تضاهي بإشراق نورها القصور الشامخة في وضح النهار ؛ حيث منحتموها شرف حضوركم ، وحبوتم صاحبها بفخر تقديركم , هذا مع صرف النظر عن قيمة الدار المادية ، وعن مركز صاحبها الاجتماعيِّ ؛ فإن دلَّ هذا التشريف وهذا التقدير على شيء فإنّما يدلان على كرم أخلاقكم ونبل سجاياكم.

أيُّها الحفل الكريم , قلت : إنها لإحدى العبر ، ولا أحسبني مرسلاً القول جزافاً ، كما ولا أحسبني محتاجاً إلى شيء من العناء للتدليل على قولي أكثر من هذين السؤالين، وهما : ما قيمة هذه الدار التي تجشَّمتمُ عناء الوصول لأجلها ؟ وما قيمتي أنا الّذي تواضعتم إلى درجة التعرُّف بي لو لم يكن هناك دافع خفيٌّ قويٌّ ؟

أقول هذا وكأني بكم تجيبونني بلسان واحد : لا الدار ولا صاحبها يستحقان هذه العناية كلَّها لو لم يكن هناك دافع خفيٌّ قويٌّ في منطقة اللاشعور يقضي على كل اعتبار سوى اعتباره ؛ ألا وهو دافع حب الحسين (عليه‌السلام ) ، ذلك الدافع الذي اودعه الله من قوة الإيجاب ما تقهقر بإزائه أيَّة قوَّة سالبة مهما بلغت من الشدَّة والعنف.

إذاً أيُّها السادة , إن قوة معنوية كهذه يجدر بنا أن نستمدَّ منها كافَّة قوانا المعنويَّة ، كما ويجدر بنا أن نقدِّرها حق قدرها ليعمَّ نفعها. هذا هو الدافع الحقيقيُّ الذي دفعكم لتشريف داري ، وهذا هو أيضاً سرُّ وقوفي بين أيديكم مرفوع الرأس , فياله من سرٍّ دقيق !

وهنا يحقُّ لي أن أفخر على أقراني بهذه الظاهرة الحميدة ، وأنا إذ أفخر لا لأنكم شرَّفتموني بحضوركم فحسب ، بل ولأني استطعت بمساعدة نخبة من الاُدباء البصريِّين وغيرهم أن اُهيِّئ لكم بعض الغذاء الروحيِّ على هذه المائدة الحسينيّة المباركة لمدة خمس ليال , اعتباراً من الليلة ، وذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون.

فشكراً لله على هذه النعمة السابغة نعمة حب المصطفى وآله , وشكراً لكم على هذا الشعور السامي النبيل. والسلام عليكم.

عبد الرزاق العائش - البصرة

١٣

الصراع بين الحقِّ والقوة

توفيق الفكيكي

توفيق الفكيكي ١٩٠٣م - ١٩٦٩م

* ولد توفيق علي ناصر الفكيكي في بغداد ، تخرّج من دار المعلمين الابتدائية وعُيّن معلماً , ثمّ ترك التعليم ليلتحق بكلية الحقوق وتخرّج فيها ، ومارس المحاماة لفترة ، وعُيّنَ قاضياً في سامراء والنجف ، حيث درس الفقه والمنطق وحاور العلماء في مجالسهم.

* من كتبه :

أولاً : المتعة في الفقه المقارن - النجف ١٩٣٧م.

ثانياً : الراعي والرعيّة (جزءان) - النجف ١٩٣٩م.

ثالثاً : أقرب الوسائل لنشر الحضارة الصحيحة في العراق - النجف ١٩٣٨م.

رابعاً : أدب الفتوّة - النجف ١٩٤١م.

خامساً : سكينة بنت الحسين (عليهما‌السلام ) - النجف ١٩٥٠م.

سادساً : شجرة العذراء - بغداد ١٩٦٢م.

* أصدر جريدة (النظام) سنة ١٩٢٧م وعطّلتها سلطة الانتداب البريطاني , ثمَّ أصدر جريدة (الرعد) سنة ١٩٤٨م ولم تستمر طويلاً.

١٤

الصراع بين الحقِّ والقوة في حومة الطفِّ(١)

توفيق الفكيكي المحامي

أيُّها الحفل الكريم ، لقد تكرَّمت اللجنة القائمة بواجب إحياء ذكرى النهضة الحسينيّة المعطَّرة المباركة فشرّفتني بدعوتها إلى مشاركة إخواني البصريِّين في إحياء ذكرى سيِّد الشهداء (عليه‌السلام ) وأنصاره العظماء. وبمزيد الشرف اُقدِّم بين أيديكم هذه الكلمة المتواضعة في مصاب الإسلام الأليم ، وفجيعة البيت المحمدي العظيم بنزول الخطب الجسيم في ساحة العترة الطاهرة ، تلك المعركة التأريخية الكبرى بين شهداء الحق وبين عبيد القوة الطائشة.

أيُّها السادة ، إنّ لكلَّ اُمَّة نصيباً من الشهداء الخالدين , كما إنّ لكلَّ مجتمع من المجتمعات نصيباً من المجرمين الساقطين ، وبهذا الميزان توزن قيم الأفراد الروحية المثاليّة , وبهذا المقياس تقاس خصائص الشعوب وحضارات الأقوام؛ فكلما كانت صفحات الجهاد لامعة بنور الحقَّ ، اُرجوانيّة قانية بدم الشهداء كانت دليلاً ناطقاً على سموِّ الاُمَّة الذاتي، وحجَّة بليغة على قوَّتها الروحيَّة ، وتربيتها الاستقلاليَّة , وجدارتها بالوصاية على غيرها من الاُمم ؛ وبذلك نطق القرآن الكريم :( وَ كَذَلك جَعَلنَاكُم أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيكُم شَهِيداً ) (٢) .

فالاُمَّة الصالحة الَّتي ترث الأرض هي الَّتي ترخص الدماء الزكيَّة في بناء صروح مجدها الشامخة ، وتَشيد كيان عظمتها السامقة في نهضتها التحريريّة ضدَّ الطغيان المتعسف , وبذلك يتمُّ توحيد صفوفها ، ويسود العدل فيها , وينتصر

____________________

(١) ألقاها الاُستاذ محمود محمّد الحبيب.

(٢) سورة البقرة / ١٤٣.

١٥

الحقُّ , وتعتزُّ الشريعة ، وتقوى في المجتمع وحدة الإخاء المستندة على أساس الحق والعدل والمساواة والحرِّيَّة الصحيحة.

ويتجلّى لنا هذا المبدأ القويم في تضحية الرسول الغالية في قوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لعمّه أبي طالب (رضي‌الله‌عنه ) عندما ظنَّ فيه أنه خاذله ومسلمه إلى المشركين من قريش ، وأنه قد ضعف عن نصرته ، فقال له : (( يا عم ، والله لو وضعوا الشمس في يميني ، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتّى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته )). فقال له عمّه أبو طالب (رضي‌الله‌عنه ) : اذهب يا بن أخي ، فقل ما أحببت ، فوالله لا أسلمك لشيء أبداً(١) .

وبهذا الإيمان العميق والعقيدة السامية استطاع الرسول الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن ينشر مبدأ السلام العالميِّ الَّذي جاء به الإسلام بعد أن خَضِدت شوكة المشركين ، واندحرت الوثنيَّة ، وانهزمت اليهوديَّة ، وانخذل سلطان العقائد الجاهليَّة , وتحرَّر العرب من ربقة الذلَّ والخنوع والاستسلام إلى أهواء المستبدّين الأشرار.

وفي العصر الاُموي قد ساد نظام الارستقراطيّة الأجنبيّة الدخيلة , وكانت النفسيّة العربيّة قد تأثَّرت إلى حدٍّ بعيد في هذا العهد بنزعات شتّى ؛ فاندرست معالم الحق ، وطُمست منائر الشريعة الغّراء المتألَّقة ، وكادت العقائد المطموسة كالوثنيَّة واليهوديَّة وغيرهما تعيد سيرتها الاُولى ، ويتطاير شرر فتنتها في أنحاء جزيرة العرب وبلاد الإسلام لولا موقف شهيد آل البيت الحسين (عليه‌السلام ).

وإليكم نبذة من كتاب له إلى الطاغية معاوية ، وهو من احتجاجاته الصارخة على تصرُّف البلاط الاُموي ، فقال (عليه‌السلام ) : (( وقلت فيما قلت : انظر لنفسك ولدينك ولاُمّة محمّد , واتقِ شق عصا هذه الأمة ، وأن تردهم إلى فتنة. إنّي لا أعلم فتنة أعظم على هذه الاُمَّة من ولاية الأشرار عليها ، ولا أعظم نظراً لنفسي ولديني ولاُمة محمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أفضل من أن أجاهرك ؛ فإن فعلت فإنه قربة إلى الله ، وإن تركته فإني استغفر الله لديني , وأسأله

____________________

(١) شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد).

١٦

توفيقه لإرشاد أمري ))(١) .

وهذه المجاهرة التي جاهر بها سيّد الشهداء (عليه‌السلام ) صاحب البلاط الاُموي ، وهو في بدء قوَّته وجبروته وطغيانه تصوّر لنا صوت الحقَّ وقوَّته ، وصوت الحرِّيَّة العربيَّة الحمراء الصارخ في وجه الارستقراطيَّة الكريه , وسيبقى دويُّه يجلجل في فم الزمان بجلائل البطولة الهاشميَّة الخالدة ما بقي الدهر الخؤون وتعاقبت الأجيال.

ذلك صوت الشهداء الخالدين في الدفاع والاستماتة في سبيل كرامة الشعب وحرِّيَّته ، خوفاً من أن تغتصبها قوَّة المستبدِّين الغاشمين ، والسهر على حفظ عقائد الاُمَّة السليمة من أن تهان ، وصيانة تقاليده القوميَّة الصحيحة ، ومن ثمّ لأجل خلاص أفراد الاُمَّة الآمنين من الإرهاب والأحكام الجائرة ، والانتصار إلى المثل الأخلاقية الرفيعة.

وهذه الأهداف الحسينيّة قد صرَّح بها (عليه‌السلام ) في وصيَّته لأخيه محمّد ابن الحنفيَّة عند حركته الى الكوفة ، فقال له: (( وإني لم أخرج [أشراً ولا] بطراً , ولا مفسداً ولا ظالماً ، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في اُمَّة جدَّي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ، اُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ، وأسير بسيرة جدِّي وأبي علي بن أبي طالب ؛ فمن قبلني بقبول الحقَّ [فالله أولى بالحقِّ] , ومَن ردَّ عليَّ هذا أصبر حتّى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين ))(٢) ؛ ولهذا كان يقول : (( لا بدّ أن اُقتل في سبيل الحقَّ ولا استسلم للباطل )).

أيُّها السادة , إنّ نهضة سيد الشهداء (عليه‌السلام ) كانت صراعاً بين الحق المقدَّس وبين القوة الفاجرة الأثيمة ، وقد وضع برنامجها في كلمته الخالدة حينما اعتزم المسير من البطحاء : (( ألا مَن كان منكم باذلاً فينا مهجته ، موطَّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا ؛ فإنّي راحل مصبحاً إن شاء الله )).

إنّ هذا الكلمة البليغة ، الواضحة الصريحة هي ركيزة المبدأ الإصلاحي

____________________

(١) بحار الأنوار ٤٤ / ٢١٢ - ٢١٣.

(٢) بحار الأنوار ٤٤ / ٣٢٩ - ٣٣٠ ، وما بين المعقوفين من المصدر.

١٧

لكل مصلح صادق في العالم يريد أن يسلك باُمَّته طرق الإصلاح الوعرة الخشنة لنصرة الفضيلة الـمُضامَة ، والحق المهضوم ، والعدل المأسور بيد الأشرار. تلك الكلمة العالية الصريحة الَّتي لا يقولها إلّا مصلح ناصح لربّه ولعقيدته ، ولا تعيها إلّا القلوب العامرة بالإيمان الصحيح ، ولا تفقه معناها إلّا النفوس المؤمنة بقدسيَّة الحقَّ ، والمطمئنة بعقيدتها الراسخة.

وإن بذل المهج الغوالي في سبيل المبدأ السامي ، وتوطين النفوس الكريمة على لقاء الله لا يقوم به إلّا الشهداء الأبرار ، والصدِّيقون الأخيار ، وإلّا أمثال أصحاب أبي عبد الله (عليه‌السلام ) الأطهار ، واُولئك قليل , كما قال ابو الشهداء في حومة الطف : (( ألا إنّ الدعيَّ ابن الدعي قد ركز بين اثنتين ؛ بين السلَّة والذلَّة , وهيهات منا الذلَّة ، يأبى الله لنا ورسوله والمؤمنون ، لا نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام. ألا وقد أعذرت وأنذرت ، ألا وإني زاحف بهذه الاُسرة مع قلة العدد وكثرة العدو وخذلان الناصر ))(١) .

أجل أيها السادة , قليل اُولئك الَّذين يفرّقون بين جمال الحقَّ وبين قبح القوَّة وظلماتها ، بل هم أقلُّ من القليل اُولئك الذين يؤمنون بالحقَّ كدين وروح وقلب ، وهو الثورة على عبادة السلطان الجبّار ، والثورة على عبادة الشهوات الخسيسة, وعلى الذلَّة والمسكنة ، والثورة على دنيا الفساد والظلم ، والفناء في خدمة العدل ، والتمرُّد على السلطة المستبدِّة ، والسياسة الفاسدة العابثة.

واُولئك المؤمنون هم الشهداء حقاً الذين تُبنى بدمائهم الزكية قواعد الممالك ، وتشاد على جماجمهم دعائم استقلال الشعوب ، وترفرف فوق هاماتهم ألوية الحمد والحرَّيَّة. هؤلاء هم الذين قال الله تعالى فيهم :( إنَّ اللهَ اشتَرَى مِنَ الـمُؤمِنِينَ أنفُسَهُم وَأَموَالَهُم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهِ

____________________

(١) بحار الأنوار ٤٤ / ٣٢٩ - ٣٣٠ ، وما بين المعقوفين من المصدر.

١٨

فَيقتُلُونَ وَيُقتَلُونَ ) (١) .

وتلك هي الشهادة العالية في الحق ، والإذلال الشنيع للقوَّة والجبروت ؛ إذ لا تنال الاُمم استقلالها إلّا بضحاياها المقدّسة من الشهداء ، ولا تستردُّ حريتها المغصوبة إلّا بدمائهم الزكيَّة الفوّارة.

ولو رجعنا إلى الدروس البليغة الّتي ألقاها سيّد الشهداء (عليه‌السلام ) في خطبه الجبّارة يوم عاشوراء على مسامع الطغام اللئام ، وأمعنّا النظر في غرر أنصاره العظماء ، وتملَّينا درر المعاني في خطب الحوراء زينب الكبرى الَّتي قالتها في قصر الأمارة في الكوفة وفي البلاط الاُموي في الشام ، لرأينا كيف كان مصير الصراع بين الحقَّ والقوة وأثرهما في النهضة الحسينيّة التحريريَّة الخالدة.

يا أحبّاء الحسين , إنّ الواجب يقضي علينا ونحن في هذا الموقف الحزين أن نذرف الدموع السخينة على مصائب الهاشميات والعقائل النبوية ، ونمجّد بطولة الحوراء زينب الكبرى (عليها‌السلام ) ؛ ففي ذلك تطهير لقلوبنا وتهذيب لنفوسنا ؛ لأنّ مصير الصراع بين الحق والقوة ، أو بالأحرى بين الإسلام وبين نظام الحكم الجاهلي إذا لم نعبّر عنه بالوثنية قد كشفت لنا القناع عنه الحرة عقيلة آل محمّد زينب الكبرى (عليها‌السلام ) بعد واقعة الطفّ ؛ حيث إنها شاهدت بأمِّ عينيها ذلك الصراع بين الرشد والغي في ساحة كربلاء الَّتي مشى فيها أبو الشهداء فرحاً جذلاً ، وبين يديه أصحابه المغاوير غير هيّابين بالموت الأحمر ؛ حبّاً بنيل الشهادة في نصرة الحقَّ والعقيدة.

وقد أدركت الحرَّة الحوراء في حياتها عاقبة القوة الغادرة الماكرة , ومآل الكيد والخيانة التي ارتركب جريرتها هؤلاء المجرمون الجناة من دعاة القوّة المستهترة بقدسية الحق وحرمة البيت النبوي العظيم.

وبعد أن انجلت الغبرة ، وانتهت المأساة التاريخية الموجعة بين جند الحقَّ وجيوش الباطل سيقت الحوراء إلى قصر الإمارة في الكوفة ومعها الخفرات عقائل البيت الهاشمي المطهر ، وهن في قيد الأسر وحرّ الحديد ، وقد شُهرت فوق رؤوسهنَّ حراب المنتصرين الأوغاد وسيوفهم ، فقال لها ابن مرجانة الزنيم

____________________

(١) سورة التوبة / ١١١.

١٩

بلسان الشامت : أرأيتِ صنع الله بأخيك الحسين والعتاة المردة من أهل بيته ؟

فقالت له : وما رأيت إلّا جميلاً ؛ اُولئك كتب عليهم القتل فبرزوا الى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجّ وتخاصمُ ، فانظر لمن الفلج ثكلتك اُمك يا بن مرجانة !

ثم قال لها ابن مرجانة الرذيل : الحمد لله الذي قتلكم وفضحكم وأكذب اُحدوثتكم.

فأجابته بقولها البليغ : (إنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر ، وهو غيرنا)(١) .

ورحم الله دعبلاً إذ يقول :

فآلُ رسولِ الله نحف جسومُهم

وآلُ زياد حفّل القصراتِ

بناتُ زياد في القصور مصونةٌ

وآلُ رسول الله في الفلواتِ

ولما وصلت سبايا آل محمّد (عليهم‌السلام ) عاصمة اُميّة ، وأدخلهم عَبيد التاج وحفدة يزيد الأوباش على صاحب القرود والفهود ، وبنات رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يرسفن بالأصفاد والأغلال ، فهشَّ يزيد حليف الخمور والفجور , ثمّ أنشد :

ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا

جزع الخزرج من وقع الأسلْ

فنهضت إليه الحوراء ، وغضبت غضبتها العلويَّة ، وصرخت في وجه الجبّار العنيد ، فقالت (عليها‌السلام ) : صدق الله كذلك حيث يقول :( ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤوا السُّوأى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَكَانُوا بِهَا يَستَهزِئونَ ) (٢) .

ثم قالت بعد كلام فصيح طويل : فكد كيدك ، واسعَ سعيك ، وناصب جهدك ؛ فوالله لا تمحو ذكرنا ، ولا تميت وحينا ، ولا تدرك أمدنا ، ولا يرحض عنك عارها. وهل رأيك إلّا فند ، وأيّامك إلّا عدد ، وجمعك إلاّ بدد , يوم ينادي المنادي : ألا لعنة الله على الظالمين ! فالحمد لله الّذي ختم لأوَّلنا بالسعادة ،

____________________

(١) اللهوف على قتلى الطفوف / ٩٣ - ٩٤ ، (بتقديم وتأخير فيه) ، الإرشاد (ضمن سلسلة مؤلَّفات المفيد) ١١ / ٢ / ١١٥.

(٢) سورة الروم / ١٠.

٢٠