يوم الحسين (عليه‌السلام)

يوم الحسين (عليه‌السلام)0%

يوم الحسين (عليه‌السلام) مؤلف:
تصنيف: الإمام الحسين عليه السلام
الصفحات: 206

  • البداية
  • السابق
  • 206 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 815 / تحميل: 116
الحجم الحجم الحجم
يوم الحسين (عليه‌السلام)

يوم الحسين (عليه‌السلام)

مؤلف:
العربية

وبعد أيُّها السادة , ما أحوجنا نحن العرب في ظروفنا الحاضرة إلى السير على هدي الحسين (عليه‌السلام ) واقتفاء سنَّته , وما أشدَّ افتقارنا إلى رجال فيهم بعض خلال أبي المناضلين العظيم , وقد أحاطت بنا وتكالبت علينا شراذم من شذّاذ الآفاق , وحثالات تريد استغلالنا واغتصاب بلادنا وتمزيقها , تساندها في ذلك حكومات كافرة جاحدة بكلَّ ما قدمناه لها من جميل أيّام محنتها ؛ حيث أجعنا شعوبنا لتأكل هي وتتنعَّم على حساب الوفاء بالعهود والبرّ بالمواعيد, حتّى إذا خرجت منها ظافرة تنكَّرت لنا , وقلبت ظهر المجنَّ , وضربت عرض الحائط بالمواثيق المكتوبة والأقوال الَّتي لا يزال صداها يرنُّ في اُذن الدنيا !

نعم , ما أحوجنا وقد أحاط بنا الخطر الداهم يهدَّدنا في عقر ديارنا إلى المسارعة لرفع راية الجهاد في وجه اُولئك الذين يريدون إذلالنا وغمط حقوقنا مما تأباه الطباع والسجايا العربية كلّ الإباء , مقتدين بإمام المجاهدين الحسين (عليه‌السلام ) في جهاده الأعظم وتضحيته الكبرى , فإن نحن فعلنا فلا بدّ لنا من إحدى الحسنيين :

عش عزيزاً أو مت وأنت كريمٌ

بين طعن القنا وخفقِ البنودِ

بهذا وحده نستطيع أن نحيا رافعي الرؤوس , موفوري الكرامة , ولنا منزلتنا المرموقة تحت الشمس , متمتَّعين بحرَّيَّتنا كاملة غير منقوصة , وقد أحطنا مجدنا بسياج منيع من أموالنا , لا نريد بأحد شرّاً إلاّ أن يبدأنا بشرّ , نساهم في بناء السلم ونشر الحضارة وتعميم العدل كما كنّا من قبل. وهذا هو ثمن المجد , فلنبذله عن طيب خاطر :

المجدُ صدقٌ وإخلاصٌ وتضحيةٌ

في عفَّةٍ ومفاداة وإيثارِ

والمجدُ صبرٌ على عُري ومسغبة

والمجدُ جود بأموال وأعمارِ

والمجدُ حبسٌ وتشريد ومشنقةٌ

والمجدُ إحلاؤه في كل امرارِ

* * *

فهل أنتم مستعدون يا شباب العرب ؟

أحمد محمّد آل صالح

١٠١

ذكرى شهيد الطفِّ

كاظم مكّي حسن(١)

دعته العلا فانصاع لا يرهبُ الخطبا

وآثر لقيا الموت واستسهل الصعبا

أبى غير أن يحيا عزيزاً أو الردى

ففاز بما يرجو وطابت له العقبى

وألقى على الدنيا دروسَ مكارمٍ

وشقَّ لمن يهوى ملاقاتها دربا

دع الشهب لا تحفل ببعد ارتفاعها

فقد فاق في عليائه الأنجم الشهبا

وخلَّ بناة المجد عنك بمعزلٍ

فما المجد إلا ما أقام وما ربّى

لقد شبَّ في حجر النبوَّة واستوى

وفي حجره أسمى الوفاء لقد شبّا

ومن كان طه جدَّه ووصيُّه

أباه خليقٌ أن يرى الفارس الندبا

ومن كانت الزهراء حاضنةً له

جدير به أن يرضع العطف والحبّا

هو المثل الأعلى لكلَّ فضيلة

لدى سلمه أو حين يعلنها حربا

رأى الحرب لما هبَّ بالبغى ربُّه

أعزَّ له شأنا ليحطم ذا الربّا

وشمّر للهيجاء ليثاً مجرَّداً

عزائمه واستقبل الطعن والضربا

وأمعن في البيداء يصحب فتيةً

أجلَّ الورى فضلاً وأروعهم ركبا

فما هبطوا في غير نصرةِ دينهم

وتأييده سهلاً ولا صعدوا هضبا

إلى أن أتوا أرض الطفوف فعطَّروا

بزاكي دماهم جوَّها الرحب والتربا

غداة تصدَّت عصبةُ الشرَّ والخنا

لتركب أتباع الهدى المركب الصعبا

وعاثت فساداً حين لم تلقِ رادعاً

وراحت كما شاء الهوى تنشر الرعبا

____________________

(١) احتوى الكتاب على ستَّ قصائد للاُستاذ كاظم مكَّي حسن.

١٠٢

فظائع في طول البلاد وعرضها

فتملؤها سوءاً وتورثها جدبا

ففي جانب منها أقامت مجازراً

وفي جانب قد أحيت النهب والسلبا

ولم ترعَ للإسلام حقّاً وحرمةً

كما لم تراعِ في خلائفها العربا

أذلَّت رقاب المسلمين وكدَّرت

من الشرعة السمحاءموردها العذبا

ولو لم تكن حرباً على الله في الورى

لما ظلمت آل الرسول ذوي القربى

أطاعت يزيداً وهو بالبغي آمر

يرى حبَّ مَن والى إمام الهدى ذنبا

رأت فيه وهو الشرُّ قولاً وفعلةً

إمام هواها السيّد العادل الضربا

ومن مضحكات الدهر أن يحكم الورى

سفيه غدا في كل موبقةٍ صبّا

وأين من الإسلام في روح حكمه

فتىً فيه داء الفسق من أصله دبّا

تعوّد أن يسعى ويسقي وهمُّه

مدى عمره أن يألف اللهو واللعبا

أجل هو للباغي وكل منافق

إمام على نشر المخازي قد انكبّا

مطوراً تراه في محافل صيدِه

وحيناً تراه يجمع الغيد والشربا

إمام وأنواع المفاسد دينه

ومذهبه أن يزرع الغدر والخبّا

بطانته من كلِّ مَن ألف الخنا

وظلم الورى والدسّ والمكر والكذبا

ولا عجب فيما أتى من مظالمٍ

فآباؤه للظلم قد خلّفوا العَقْبا

وحسب يزيد سبَّة حرب أحمدٍ

بتجريعه أبناءه الغم والكربا

أراد لهم ذلَّ الحياة فأجمعوا

على حربه أو يدركوا حقهم كسبا

وهبُّوا إلى لقيا المنون كأنّهم

ضراغم هبَّت من مرابضها غضبى

كرام أبوا إلّا الحياة عزيزة

وإلّا انتصاراً يملأ الشرق والغربا

فما عرفوا طعم الخضوع لظالمٍ

وما أضجعوا منهم على ذلة جنبا

وما منهمُ من حاد عن طرق الهدى

وما فيهمُ من هام في نفسه عجبا

١٠٣

مضى الدهر مطويّاً ولم يلقَ مشبهاً

لهم في التفادي أو لأخلاقهم تربا

فلو أن شعباً سار في الأرض سيرهم

لأصبح في دنياه أكملها شعبا

وحين دعاهم للجهاد إمامهم

أتوه خفافاً يسرعون الخطى وثبا

وجاؤوه لا يرجون دنياً تضيمهم

يزاحم سربٌ منهمُ للردى سربا

يذودون عن حقَّ الحسين وصبرهم

على نكبات الحرب قد ذلَّل الحربا

إلى أن قضوا في حومةِ العزِّ والإبا

ضحايا جهاد أشغل الناس والكتبا

* * *

بنفسي أبيُّ الضيم غودر مفرداً

(وأصحابه قتلى وأمواله نهبى)

يزيد ابتهاجاً كلَّما ازداد محنةً

أو ازداد من لقيا منيَّته قربا

يشدُّ على أعدائه الكثر شدَّةً

تضعضع في أقواهمُ اللب والقلبا

ولم يثنه ثقلُ الحديد أو الظما

عن القوم يسقيهم مناياهم غصبا

وما حرّفته عن مناجزة العدى

جراحٌ قد انتابته تنخبه نخبا

يقاتلهم فرداً وليس له سوى

حسامٍ يرى في حدَّه الأهل والصحبا

تردّى من الإيمان درعاً حصينةً

وجرّد من إقدامه صارماً عضبا

عزائمُه جيش تضيق به الدنى

يُروَّع من أعدائه الجحفل اللجبا

وحسب الجهاد الحرَّ فخراً بسيّدٍ

غدا وحده لله خالقه حربا

وهبه قضى قتلاً فإنّ دماءَه

غدت لسقام الدين حين جرت طبّا

هنيئاً لطه أنَّ قتلَ ابنِ بنتِه

سيبقى وإن طال المدى يانعاً رطبا

ينادي إلى العلياءَ من يعشقونها

ألا فاز منهم من أجاب ومن لبّى

* * *

كاظم مكّي حسن - البصرة

١٠٤

عظة وعبرة

فيصل جريء السامر

فيصل جريء السامر

* مؤرخ , ولد في البصرة.

* حصل على الليسانس والماجستير من جامعة القاهرة , وعلى الدكتوراه سنة ١٩٥٣م عن رسالته (الدولة الحمدانيّة في الموصل وحلب).

* مارس التدريس وأصبح مدير التعليم العام في وزارة المعارف بعد ثورة ١٤ تموز ١٩٥٨م , فأسس أوّل نقابة للمعلمين ورأسها بالإجماع سنة ١٩٥٩م , ثمَّ عُين وزيراً للإرشاد فأسس أول وكالة عراقية للأنباء , وجعل لنشر الكتب الأدبيّة والفكريّة على نفقة الدولة , ثمَّ عُين سفيراً في اندونيسيا , فخبيراً جامعياً في مؤسّسات البحث العلمي في كشكوسلوفاكيا , ثمَّ عاد ليشغل درجة الاستاذيّة في كلية الآداب ورئيس لقسم التاريخ.

* من كتبه المطبوعة :

١ - صوت التاريخ ١٩٤٨م.

٢ - ثورة الزنج ١٩٥٤م.

٣ - الاُصول التاريخيّة للحضارة العربيّة في الشرق الأقصى ١٩٧٧م.

٤ - العرب والحضارة الاُوربيّة ١٩٧٧م.

٥ - ابن الأثير ١٩٨٣م.

وله أيضاً كتب مترجمة ومحققة ومؤلّفة بالاشتراك , وبحوث عديدة منشورة في مجلات عربيّة وعالميّة.

١٠٥

عظة وعبرة

فيصل جريء السامر

قليل من الأحداث التأريخيَّة نالت من الدرس والتأمُّل ما نالته نهضة الحسين (عليه‌السلام ) ، وأقلُّ من هذه الأحداث الَّتي تركت في القلوب والأذهان هذا الأثر العميق الَّذي يزداد على مرَّ الأيّام شدَّة ورسوخاً. وليس هذا بعجيب ؛ فالباحث في هذه الحركة يستشفُّ من خلال فصولها حقائق ظلت أكثرها تعلُّقاً بموضوعنا هو أن الصراع بين القوَّة والحقَّ ينتهي دائماً بانتصار الحقَّ ولو بعد حين.

فثورة الحسين (عليه‌السلام ) لم تكن قيام فئة من الناس ضدَّ الدولة , وأن هذه بما لديها من قوة وأنصار استطاعت كبحها والتنكيل بقادتها , كلا فإنها تنطوي على عوامل عميقة الغور , وفلسفة بعيدة المدى.

إنّ اعتلاء يزيد للعرش كان طعنة نجلاء لمبدأ الشورى الَّذي اعتاد عليه العرب وتقشَّعوه , والذي زاد بظهور الإسلام ثباتاً ورسوخاً , وانتصاراً لنظام الاستبداد الذي لمس فيه المسلمون انحرافاً عن مبدأ الشورى ورأي الأغلبيَّة.

فالصراع إذاً كان بين نظامين ؛ نظام الملك الدنيوي , ونظام الخلافة الدينية المنبعثة عن رأي الأغلبيَّة , وانتصار أحدهما إنما يحدَّد مصير الدولة الإسلاميّة , أو يقرر منهجها ومثلها العليا.

وقد صدق الحسن البصريُّ حين قال ما معناه : إنّ رجلين أفسدا اُمور المسلمين ؛ عمرو بن العاص الَّذي أشار على معاوية برفع المصاحف يوم صفين , والمغيرة حين نصح معاوية بأخذ ولاية العهد ليزيد.

١٠٦

حقّاً لقد كان معاوية داهية من الدهاة(١) ، لكن يزيد لم يكن خلفه اللائق , ولم يكن الخليفة المرموق لدى الاُمَّة , لقد كان يزيد قاسياً لا يعرف الرحمة , وظالماً لم يراعِ الحقَّ , ضرب بالتقاليد الإسلاميّة عرض الحائط , وعاش بين ثلَّة من المعربدين يمارس اللهو الذي حرَّمه الدين , ويوجَّه الإهانة تلو الإهانة لمنصب الخلافة الَّذي كان بموجبه رأس المسلمين.

لقد كان الصراع إذاً بعيداً عن غمرة الأطماع ودنيا المناصب واُبَّهة السلطان , كان صراعاً بين فكرتين ومسلكين. ولم يكن الحسين (عليه‌السلام ) يهدف منه إلى نيل الخلافة , بل خرج يلبّي نداء المسلمين الذين أهابوا به أن ينقذ الدين وينتشل الفضيلة ويعيد إلى الإسلام سابق رونقه وماضي مجده , ويحيي مبدأ الشورى الَّذي عصفت به الأطماع.

تصوَّروا أيُّها السادة تلك المعاني المجرَّدة الَّتي جعل منها الحسين (عليه‌السلام ) بنهضته حقائق واقعية ملموسة , رجل يدرك بضميره الحي ونفسه النقيَّة وعقله الكبير أنّ الدولة الإسلاميّة انحرفت عن الصواب , وأن المثل العليا الَّتي خلّفها الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ونافح عنها الخلفاء الاُوَل قد أصابها المسخ والتشويه.

فيخرج ملأه الغيرة والحمية من مركز الخلافة الأوَّل ليشنَّ حملة ضد الطغيان والعدوان , ويقف مع أنصار معدودين ضد اُبَّهة الملك , وفخفخة السلطان , وأتباع الشيطان , يجالد ويصارع ويكافح حتّى يهوي على أرض الميدان وهو هادئ النفس , مرتاح الضمير ؛ لأنه علَّم الدنيا معنى الاستشهاد , ورسم للأجيال القادمة مفهوم البطولة , وخطَّ على صفحات التأريخ آيات التضحية

____________________

(١) قال أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) : (( والله , ما معاوية بأدهى منّي ولكنه يغدر ويفجر , ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس , ولكن كلُّ غُدَرة فُجَرة , وكل فُجَرة كُفَرة )). انظر نهج البلاغة - الخطبة رقم ٢٠٠.

١٠٧

والعظمة بكلَّ ما تحمل هذه الكلمات من معان.

إنّ مصرع الحسين (عليه‌السلام ) بما رافقه من ملابسات سيوقظ مدى الزمن - كما يقول جيبون - أعمق مشاعر الألم والأسى في أبرد القلوب وأغلظها.

وهكذا تعلمنا مأساة الحسين (عليه‌السلام ) أن قليلاً من الناس يعيشون , ولديهم فكرة , وللحياة في مفهومهم هدف. وأغلب الناس يعيشون ويموتون ثمَّ يتركون الدنيا دون أن يخلَّفوا وراءهم أثراً , كفقاعات الماء تنفجر بهدوء ودون ضجَّة ودون سخط. لكن المخلَّدين هم اُولئك الذين يُحيلون أيَّامهم ولياليهم سعياً دائباً إلى غاية نبيلة , وكفاحاً متَّصلاً من أجل فكرة , ثمَّ يموتون وهم اُنشودة على كلِّ لسان , وترنيمة في كلَّ وجدان.

لقد مات يزيد ومات الحسين (عليه‌السلام ) , لكن التأريخ أفرد لذلك صفحة سوداء كلُّها خزي وعار , ولهذا سجلات كلُّها حمد وثناء. كلها مجد وخلود تُروى كلَّ يوم , بل كلَّ ساعة. إنا نُسيء إلى ذكرى الحسين (عليه‌السلام ) إن ندبناه وبكيناه فحسب ؛ فإنّ البكاء عليه أضعف الإيمان.

علينا أيُّها السادة أن نستمدَّ من حياته واستشهاده عظة وعبرة , ونجعل من مأساته بحراً خضمّاً ننهل من عبابه الصبر والشجاعة , والإيمان والكفاح كلَّما أعوزتنا هذه المعاني لإصلاح حاضرنا ورسم طريق مستقبلنا.

* * *

فيصل جريء السامر - البصرة

١٠٨

شعلة الطفِّ التي لن تنطفئ

أحمد بدران

أفديك في الطفَّ بين البيض منحورا

مكفّناً بدماء أشرقت نورا

موسّداً جمرة الرمضاء ذا كبدٍ

مقرورةٍ وفؤادٍ بات مسرورا

* * *

يا كاتباً أحرف الإيمان في دمه

حتّى بزغن فلم يبقين ديجورا

حملت شعلة نور الحقَّ منصرعاً

وسرت تهدي بها الأجيال مقبورا

قد قبّلتك المواضي وهي خاشعةٌ

لما تراجع عنك الموت مذعورا

رآك فكرة حقَّ لم تزل أبداً

يسمو بها العقل تمحيصاً وتفكيرا

* * *

يا من إذا صال فالهيجاء مائجةٌ

موج الخضمِّ الَّذي لاقى الأعاصيرا

نار لحربك قد أجَّت فبات لها

نورٌ غدا يوسع الأذهان تنويرا

وتلك ملحمةٌ ضاع القياس بها

كأنها عالمٌ قد بات مسحورا

فالقاتل النذل قد أضحى القتيلَ بها

ومن طوته المنايا بات منشورا

وبات في حكمها المغلوب منتصراً

وذلك الغالب المغرور مقهورا

* * *

١٠٩

وقفتُ في الطفَّ أستوحي فوارسَها

ليثاً فليثاً ونحريراً فنحريرا

يلوح طيفك يابن المصطفى فأرى

وجه الحقيقة مرئيّاً ومنظورا

ياليت تبصر كيف الدهر خاتلنا

وكيف أبدل صفو العيش تكديرا

وكيف باتت فلسطين تعيث بها

ذئابُ (صهيون) لا تخشى المغاويرا

وكيف تُطرد هذي العرب من بلدٍ

لولا جدودهمُ ما كان مذكورا

أرى العروبةَ لم تقتصّ من فئةٍ

داست كرامتها ظلماً وتحقيرا

وأنت نازلت جيش البغي في نفرٍ

حتّى سقطت على البوغاء منحورا

* * *

يابن النبي يودُّ البدر من جزعٍ

لو عفَّر الخدَّ في مثواك تعفيرا

وودّت الشمس لو ترثيك باكيةً

مع الكواكب تعظيماً وتقديرا

هيهات ذكرك تمحوه السنون فذا

مصوَّرٌ أبداً في الكون تصويرا

ما لاح ذا الشفق المحمرُّ جانبه

إلا وذكَّر أهل الأرض تذكيرا

وما ارتدى الليلُ أثواب الحداد سدىً

لكن ليظهر حزناً كان مستورا

وليس تلك نجوم الليل نبصرها

بل تلك ذكرك فيه بات مسطورا

لا زال ذكرك يابن المصطفى أبداً

يروي مآثر سعي بات مشكورا

* * *

أحمد بدران

١١٠

يوم الحسين (عليه‌السلام ) في البصرة

مجلة البيان النجفيّة

تمتاز مدينة البصرة بنشاط أدبيًّ ونتاج قيّم حول ذكرى واقعة الطفَّ وتمجيدها. ولا يغيب عن ذهن القارئ الكريم ما تضمَّنه عددنا الخاص للسنة الثانية من صفحات كثيرة لنتاج هذه المدينة.

وفي هذا العام الذي تجلّى فيه النضوب الأدبيُّ حول واقعة الطفَّ من قبل الصحافة والكتاب , وما قامت به معظم المدن العراقيَّة من حفلات , كان ما اُلقي فيها أدباً مكرّراً مسموعاً أفهمنا أن يوم الحسين في البصرة كان نتاجه بكراً جديداً.

ويبرهن على هذا القول ما تجده منشوراً في هذا العدد من الكلمات والقصائد الَّتي اُلقيت في الحفلة التي أقامتها الهيئة الأدبيّة في قاعة الثانوية تحت رعاية سعادة متصرف اللواء السيّد فخريّ الطبقجلي , فكانت أروع حفلة تأبينيَّة شهدتها البصرة في العصر الحاضر , لا سيما وإنّ القائمين بها زمرة من الشباب المخلصين لمبدئهم ووطنهم , ومن الَّذين تشبَّعت فيهم الروح الحسينيّة محفوفة بروحانية الماضي وثقافة الحاضر.

(البيان) - العدد ٥٧ - ٥٨ من السنة الثالثة

١١١

الذكرى الثالثة

لسنة ١٣٦٩ ه - ١٩٤٩ م

في قاعة الثانوية مساء يوم العاشر من محرم ١٣٦٩ ه , إذ ابتدأت الحفلة في تمام الساعة الثالثة بعد الظهر وانتهت في تمام الساعة الخامسة بعد الظهر.

عدد الكراسي ١٥٠٠ داخل القاعة , عدا ١٠٠ تخت خارج القاعة , وما يقارب ٣٠٠ كرسي كذلك خارج القاعة , ومع ذلك كله امتلأت الساحة الكبيرة بالجمهور وقوفاً على الأقدام.

منهج الحفلة الكبرى للذكرى الثالثة

مساء يوم العاشر من محرم (١٣٦٨) ه الموافق (٢/١١/١٩٤٩) م

تحت رعاية سعادة متصرَّف اللواء السيد جمال عمر نظمي

١ - القرآن … الشيخ عبد الكريم الحمداني

٢ - كلمة الافتتاح … عبد الرزّاق العائش

٣ - كلمة ارتجالية … الاُستاذ محمّد جواد جلال

١١٢

٤ - خطاب إلى يزيد (قصيدة) …الاُستاذ بدر شاكر السيّاب

٥ - الحسين السبط والعقيدة … الاُستاذ كمال الجبوريّ

٦ - ثورة الحسين (قصيدة) … الاُستاذ رشيد ياسين

٧ - شهيد الحق والعدالة … الأديب كاظم السوداني

٨ - في موكب الحسين (قصيدة) … الاُستاذ كاظم محمود صائب

٩ - كلمة … للاُستاذ شاكر راغب الحلي(١)

١٠ - من وحي الحسين (قصيدة) … الشاعر محمّد هاشم الجواهري

١١ - رمز النضال … الاُستاذ عبُّود شبَّر

١٢ - أبو الشهداء (قصيدة) … كاظم مكَّي حسن

١٣ - كلمة ارتجالية … الاُستاذ السيد محمّد رشيد مرتضى

١٤ - القرآن الكريم … المقرئ الشيخ عبد الكريم الحمداني

١٥ - كلمة شكر (ارتجاليَّة) … عبد الرزّاق العائش

____________________

(١) ألقاها الكاتب بنفسه , ولكن الهيئة لم تحتفظ بنسخة منها.

١١٣

كلمة الافتتاح

عبد الرزاق العائش

أيُّها الحفل العظيم , ليس من الصعب على باحث منقَّب عن حقيقة ما أن يقف على بابها , أو أن يتبيَّنها حقيقة ملموسة مهما اُحيطت بالغموض , بل إنما الصعوبة كلٌّ الصعوبة في أن يلج بابها بدقَّة وإمعان حتّى يقف على ما اُوصدت عليه من معان دقيقة ذاتِ شأن في بحثه وتنقيبه.

فحقيقة أن الحسين (عليه‌السلام ) إنما ضحّى بنفسه وبمَن يتعلَّق بها من النفوس الزاكية في سبيل مثل أعلى ومبدأ سام , وإنه لم يدع مجالاً لأحد بعده في ميداني التضحية والإخلاص للمثلِ العليا والتفاني في سبيل العقيدة والمبدأ. هذه حقيقة ملموسة يكفينا عناء البحث عنها علمنا بأن الحسين (عليه‌السلام ) حفيد محمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ذاك الذي قال فيه : (( حسين مني وأنا من حسين ))(١) .

أجل , ليس في البحث عن هذه الحقيقة أيّة صعوبة , بل هناك معان دقيقة اُوصدت عليها حقيقة تضحية الحسين (عليه‌السلام ) دون أن يتناولها البحث حتّى الآن , أو تناولها بعض لكن لم يلمّوا بها إلّا إلمامة سطحيَّة.

ومن تلك المعاني الدقيقة القيمة بالبحث تفوُّق يوم الحسين من حيث الوقع في النفوس السامية على سواه من الأيّام الخالدة , ومنها حمل الحسين (عليه‌السلام ) لطفله بين يديه إلى أقوام سبق

____________________

(١) مسند أحمد بن حنبل ٤ / ١٧٢ , مشكاة المصابيح ٣ / ٣٧٥ / ٦١٦٩ , كنز العمال ٢ / ١٢٠ / ٣٤٢٨٩ , كشف الخفاء (العجلوني) ١ / ٤٢٩.

١١٤

في علمه أن الجهل أقفل قلوبهم , والطمع أعمى أعينهم حتّى أصبحوا لا يميِّزون بين ابن فاطمة وبين ابن سمية , ولا يعقلون أيُّهما أحقُّ أن يتّبعوه.

سادتي , لا أدَّعي أني توصلّت في البحث عن هاتين الناحيتين من نواحي يوم الحسين إلى حدَّ التعمُّق , ولكني خطوت خطوة جديدة بالنسبة لأبحاثي السابقة. أما تفوُّق يوم الحسين على سواه من الأيام الخالدة فلأن قيم المثل العليا تتفاوت بتفاوت أهمَّيتَّها للمجتمع , وبتفاوت مسيس الحاجة إليها ؛ فإطعام مسكين بائس في يوم ذي مسغبة أهم من إشباع ألف صائم متموَّل.

هكذا جاء يوم الحسين. لقد جاء في زمن جفَّ فيه نبع الفضيلة إلّا من ناحية الحسين وصحبه , وعزَّت فيه النفوس الأبيَّة إلّا نفس الحسين ومَن حذا حذوها , وكاد يذوي عود الإنسانية ويجفّ لحاؤه لولا أن سقاه الحسين دمه الزاكي حتّى عادت إليه الحياة من جديد.

وأما حمل الطفل إلى الأعداء في مثل تلك الساعة العصيبة فقد كان وحدة قياسية لما بلغه اُولئك البغاة من الانحطاط الخلقي. يالها من فعلة شنعاء تأباها حتّى الوحوش , وتتنزَّه عن إتيان بعضها في أطفال بعضها البعض !

طفل أخذ منه العطش مأخذه , وبمقتضى عاطفة الاُبوَّة حمله أبوه إلى الأعداء يستسقي له الماء , وهو يأمل أن يجد بينهم إنساناً على الأقلَّ فتدفعه وشائج الإنسانية فيسقيه. لكن أنّى يوجد بين أعداء الإنسان الكامل إنسانٌ بالمعنى الصحيح ؟! لذا أجمعوا على أن يسقوه بدل الماء كأس الموت دهاقاً.

إذاً فقتل الطفل الظامئ جاء دليلاً مادياً معزَّزاً لما جاء به الحسين من الأدلَّة المنطقية على أن الذين تألَّبوا على قتله لم يقصدوا قتله بالذات , وإنما قصدوا قتل المثل العليا أينما وجدت , وحيثما كانت , وأنه (عليه‌السلام ) لم يقدم على قتالهم مع علمه بتفاوت القوى المادَّيَّة بينه وبينهم , لم يقدم على قتالهم بالذات , وإنما أقدم على تقويض دعائم الظلم ومحو معالم الطغيان.

فبحقًّ إذا ما اتخذنا الحسين قدوة للذود عن الفضيلة , والذبَّ عن مبادئ الإنسانية الحقَّة , وبحقًّ إذا ما احتفلنا بيومه الخالد احتفالاً يتَّفق وقدسيَّته , لكي نقف على معان دقيقة ذاتِ شأن بالنسبة لوجباتنا الاجتماعيَّة العامَّة والخاصَّة ,( لِمِثِل هَذَا فَليَعمَلِ العَامِلُونَ ) (١) .

عبد الرزاق العائش

* * *

____________________

(١) سورة الصافات / ٦١.

١١٥

خطاب إلى يزيد

بدر شاكر السياب

بدر شاكر عبد الجبار السياب

* ولد في جيكور من قرى أبي الخصيب عام ١٣٤٥ ه - ١٩٢٦م.

* دخل الابتدائيَّة وتخرَّج منها عام (١٩٣٨) م , ثمَّ تخرَّج من الإعداديَّة في البصرة / الفرع العلمي عام (١٩٤٢) م. وفي العام (١٩٤٨) م تخرَّج من دار المعلَّمين العالية / قسم اللغة الإنجليزية.

* فصل من التدريس بسبب نشاطه السياسي.

* هرب إلى إيران لمدة سبعين يوماً بعد مشاركته في مظاهرات عام (١٩٥٢) م.

* كان من الموقّعين على نداء أنصار السلام كلَّ عام إلّا عام (١٩٥٣) م. وفي العام (١٩٥٦) م سافر إلى دمشق عضواً في الوفد العراقي إلى مؤتمر الأدباء العرب , كما حضر مؤتمر الأدب العربي الذي أنعقد عام (١٩٦١) م في روما.

* انتمى للحزب الشيوعي بين عامي (١٩٤٥ - ١٩٥٤).

* توفي في المستشفى الأميري في الكويت في (٢٤ / ١٢ / ١٩٦٤) م.

* من آثاره : (أزهار ذابلة) ، (أساطير) ، (أعاصير) , (إقبال) ، (اُنشودة المطر) ، وغيرها.

١١٦

خطاب الى يزيد

بدر شاكر السياب

ارمِ السماءَ بنظرة استهزاءِ

واجعل شرابك من دم الأشلاءِ

واسحق بظلّك كلَّ عرض ناصعٍ

وأبح لنعلك أعظم الضعفاءِ

واملأ سراجك إن تَقَضّى زيتهُ

مما تدرُّ نواضب الأثداءِ

واخلع عليه كما تشاء ذبالةً

هدب الرضيع وحلمة العذراءِ

واسدر بغيّك يا يزيد فقد ثوى

عنك الحسين ممزَّق الأحشاءِ

والليل أظلم والقطيع كما ترى

يرنو إليك بأعين بلهاءِ

أحنى لسوطك شاحباتِ ظهوره

شأن الذليل ودبَّ في استرخاءِ

وإذا اشتكى فمن المغيث وإن غفا

أين المهيب به إلى العلياءِ

* * *

مثَّلت غدرك فاقشعرَّ لهولِه

قلبي وثار وزلزت أعضائي

واستقطرت عيني الدموع ورنّقت

فيها بقايا دمعةٍ خرساءِ

يطفو ويرسب في خيالي دونها

ظلٌّ أدقُّ من الجناح النائي

أبصرت ظلك يا يزيد يرجُّه

موجُ اللهيب وعاصف الأنواءِ

رأس تكلّل بالخنا واعتاض عن

ذاك النضار بحيَّة رقطاءِ

ويدان موثقتان بالسوط الذي

قد كان يعبث أمسِ بالأحياءِ

قم فاسمع اسمك وهو يغدو سبّةً

وانظر لمجدك وهو محض هباءِ

وانظر إلى الأجيال يأخذ مقبلٌ

عن ذاهب ذكرى أبي الشهداءِ

كالمشعل الوهّاج إلا أنها

نور الإله يجلّ عن إطفاءِ

* * *

عصفت بي الذكرى فألقت ظلّها

في ناظريَّ كواكب الصحراءِ

مبهورة الأضواء يغشى ومضها

أشباح ركب لجَّ في الإسراءِ

أضفى عليه الليل ستراً حِيك من

عرف الجنان ومن ظلال (حراءِ)

١١٧

أسرى ونام فليس إلّا هِمَّة

باسم الحسين وجهشة استبكاءِ

تلك ابنة الزهراء ولهى راعها

حلمٌ ألمَّ بها مع الظلماءِ

تنبي أخاها وهي تخفي وجهها

ذعراً وتلوي الجيد من إعياءِ

عن ذلك السهل الملبَّد يرتمي

في الاُفق مثل الغيمة السوداءِ

يكتظّ بالأشباح ظمأى حشرجت

ثم أشرأبَّت في انتظار الماءِ

مفغورة الأفواه إلا جثَّة

من غير رأس لُطّخت بدماءِ

زحفت إلى ماء تراءى ثمّ لم

تبلغه وانكفأت على الحصباءِ

غير الحسين تصدّه عما انتوى

رؤيا فكُفَّي يابنة الزهراءِ

مَن للضعاف إذا استغاثوا والتظت

عينا (يزيد) سوى فتى الهيجاءِ

* * *

بأبي عطاشى لاغبين ورضّعاً

صُفر الشفاه خمائص الأحشاءِ

أيد تمدُّ إلى السماء وأعينٌ

ترنو إلى الماء القريب النائي

طام أحلّ لكل صاد ورده

من سائب يعوي ومن رقطاءِ

عزَّ الحسين وجلَّ عن أن يشتري

ريَّ الغليل بخطَّة نكراءِ

آلى يموت ولا يوالي مارقاً

جمّ الخطايا طائش الأهواءِ

فليصرعوه كما أرادوا إنما

ما ذنب أطفال وذنب نساءِ

* * *

١١٨

عاجت بي الذكرى عليها ساعةً

مرَّ الزمان بها على استحياءِ

خفقت لتكشف عن رضيعٍ ناحلٍ

ذبلت مراشفه ذبول خباءِ

ظمآن بين يدي أبيه كأنه

فرخ القطاة يدفُّ في النكباءِ

لاح الفرات له فأجهش باسطاً

يمناه نحو اللجَّة الزرقاءِ

واستشفع الأبُ حابسيه على الصدى

بالطفل يومئ باليد البيضاءِ

رجّى الرواء فكان سهماً حزَّ في

نحر الرضيع وضحكة استهزاءِ

فاهتزَّ واختلج اختلاجة طائرٍ

ظمآن رفَّ ومات قرب الماءِ

* * *

ذكرى ألـمّت فاقشعرَّ لهولِها

قلبي وثار وزلزلت أعضائي

واستقطرت عيني الدموع ورنَّقت

فيها بقايا دمعة خرساءِ

يطفو ويرسب في خيالي دونها

ظلٌّ أدقُّ من الجناح النائي

حيران في قعر الجحيم معلّقٌ

ما بين ألسنة اللظى الحمراءِ

* * *

بدر شاكر السيّاب - البصرة

١١٩

الحسين السبط والعقيدة

كمال الجبوري

مدرَّس في ثانوية البصرة للبنين

سادتي الماجدين , لا بدّ لارتباط العقل الإنساني بالدرجات العليا من الكمال الروحي , ولإيصال الوشائج بين الجسم الفاني والروح الخالدة , وللمقارنة بين الناسوت المجسّم واللاهوت المتسامي , أقول : لا بدّ لكلَّ هذه من روابط توازن بينها وتُعدُّ لها ؛ لئلاّ تطيش الحلوم , ويستغرق الفكر في مجال التصاعد الحي القهري صعداً تحوَّل به النظر من المحسوس إلى ما يسمّى بالتداعي.

إذ لا تتمكّن حواس البشر وهي محدودة ممازة من حصرها في إطار يحرزها من المروق إلّا بالقناعة والتمكين , ولا تكون القناعة إلّا بالأمان الروحي المتأتَّي من الأعماق , والصادر عن الإرادة , والمدفوع من الباطن , الخفي من الوجدان.

وكان لا بدّ لهذه القناعة الموسومة بالإيمان , المترابطة بالعلل , الثابتة من أوشاج تربطها بالحس , وأسباب تعقدها بالنفس , ألا وهي الَّتي نسميها بالعقيدة ؛ استخلاصاً من معنى عقدها المتين , واستنتاجاً لما توجده في النفس من رضا متبيَّن.

وعلى هذا الأساس البين , والنهج الواضح بنى علماؤنا القدامى قواعدهم المنطقية لترسيخ العقائد ؛ فأفردوا لها فصولاً كاملة , ووصفوا لها الحدود البينة والاُسس الثابتة , وأبانوا ما يعتورها من علل ويصيبها من زلل , وما يقوَّمها من أسباب ويمركزها من عوامل حتّى أصبح علماً قائماً بذاته يتدارسونه , وعليه يعتمدون وبه يتداولون.

ولقد جاء المصطفى (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بلاهوته القديم , ونهجه المستقيم لاُناسيًّ من الاُمَّيين ؛ فتقبَّلته فئة فتح الله على بصيرتها بالهدى والفقه والتقرُّب من ذات البارئ المصور , لدرجة أنَّ أحدهم كان من المعرفة والقربى الروحية بأن لو كشف له الغطاء ما ازداد يقيناً , وتقبّلته فئة اُخرى كان العمى قد ران على بصيرتها , والضلال قد تطابق على نفوسها , وعصبية الجاهليّة الخرقاء قد علت طريقها , فعزفت عن الهدى ودين الحق أطواراً , وأخيراً تحمَّلته بالقوّة وإن كانت لتكيد له سراً وجهراً.

ومضى الإسلام قدماً والقلوب الآسنة لم تطهر من الأوشاب , والحفائظ الآنية ولم تُطوَ إلّا على الرين المحض وإن كانت صورها تظهر في التكالب على العرض الزائل والمتع الفانية بما فيها من أدران وخبث ظاهر للعيان , وكيف لا وهي تتلاقفها تلاقف الاُكرة , وتتراشق عليها تراشق اليعاسيب على الزهرة.

١٢٠