يوم الحسين (عليه‌السلام)

يوم الحسين (عليه‌السلام)0%

يوم الحسين (عليه‌السلام) مؤلف:
تصنيف: الإمام الحسين عليه السلام
الصفحات: 206

  • البداية
  • السابق
  • 206 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 816 / تحميل: 116
الحجم الحجم الحجم
يوم الحسين (عليه‌السلام)

يوم الحسين (عليه‌السلام)

مؤلف:
العربية

ولآخرنا بالشهادة والرحمة وهو حسبنا ونعم الوكيل(١) .

نعم , إنّ كيد القوَّة الطائشة مهما كان شديداً ، وإنّ سعي الجبابرة الطغاة مهما كان قويّاً ، وإنّ جهد الظالمين الأقوياء مهما كان عظيماً فليس باستطاعة هؤلاء القضاء على اُمناء الوحي والذكر الحكيم ، وليس بمقدور الأشرار أن يدركوا أمد الأحرار وشأو أنصار الحقَّ الأبرار. أمّا أبناء عبد شمس أنصار الباطل والظلم فقد تسربلوا بالعار ، وتلفَّعوا بالشنار والصغار ، ثم استحقّوا لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

أيُّها السادة , كان عرب الجاهليّة يسمون هذا الشهر (المؤتمر) , أي يأتمرون فيه للقضاء على المعتدين ، ولحلَّ كلَّ شيء ممّا يقع في السنة من الوقائع القضائية ، ويسمونه (المحرّم) أيضاً ؛ لأنهم كانوا يحرِّمون فيه القتال , وكانوا يعظَّمونه, حتّى إنّ الرجل منهم لو لقي قاتل أبيه أو قاتل أخيه ما مسَّه بسوء ولا بكلمة.

وقد زاد الإسلام تعظيمه ورفع من شأنه ، وجعله من الأشهر الحرم المحترمة ، إلّا أنَّ السلالة السفيانيَّة المجرمة ، وعبيد العصا من رُذّال الكوفة قد خرجوا على التقاليد العربية النبيلة ، والتعاليم الإسلاميّة الشريفة ؛ فخرقوا حرمة هذا الشهر الحرام ، وارتكبوا فيه أفظع وأشنع جريمة في تأريخ الإنسانية وهي الفتك بريحانة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , وبمهجة الزهراء البتول (عليها‌السلام ) ، التقتيل الذريع في ذراري المصطفى (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , وفي أنصارهم أهل الشهامة والحفاظ.

ولله دَرُّ القائل :

ويكبّرون بأن قُتلت وإنما

قتلوا بك التكبير والتهليلا

وفي عاشر محرَّم الحرام قام الجفاة الجناة من أهل الكوفة وهم عصبة يزيد وكلاب عبيد الله بن زياد القذر بنهب أموال الحرائر الهاشميات ، وسلب ثياب العقائل المصونات , وقوَّضوا عليهنّ خيام عليا نزار ، وهن ودائع الهدى ، وكرائم

____________________

(١) اللهوف على قتلى الطفوف / ١٠٥ - ١٠٩.

٢١

الرسالة ، ثم ألهبوا في أطرافها النيران.

ولم يكتفوا بذلك ؛ فإنّهم بعد أن مثَّلوا بالجثث الطواهر الزواكي حملوا رؤوس السادة الغطاريف على الرماح ممّا تأباه طبيعة الوحوش الكاسرة ، وفي هذا يقول الاُستاذ الأزري :

حملت بصفّين الكتابَ رماحُهم

ليكون رأسك بعدها محمولا

لولم تنل أحقادُ حربٍ منك ما

جرأ الوليد فمزّق التنزيلا

والآن أيُّها السادة الكرام أقول : بأنّ الحسين (عليه‌السلام ) كان قد بسط منهاجه الإصلاحي في سبيل تجديد الإسلام والوحدة العربية لنجاة الاُمَّة من شرِّ الانقسام وفتن العصبيات المُردية ، ومعاطب الحميّات المهلكة , وأنّ الصراع العنيف بين الحقَّ الَّذي استشهد هو وأصحابه في سبيل إعلاء رايته الخفّاقة ، وبين سياسة القوَّة الوحشيَّة الَّتي سار على دستورها الأعياص والعنابسة من أبناء عبد شمس كان مستحكم الحلقات من عهد نصير الوثنية أبي سفيان.

إلّا أنّ فيوضات النهضة الحسينيّة المباركة لا تزال عنوان تاريخ العروبة والإسلام , والصفحة التي تشعُّ بالنور في سجلَّ الأحرار , وأنّ ذكرى هذه النهضة ستبقى على الليالي عبقة فوّاحة الشذا في نفوس المؤمنين أمثالكم من أتباع الحسين (عليه‌السلام ) , والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

توفيق الفكيكيّ - بغداد

٢٢

ذكرى الطفِّ

أنور خليل

أنور خليل

* ولد في العمارة عام ١٣٣٨ ه - ١٩١٩م.

* تخرَّج من دار المعلَّمين بالأعظميَّة عام ١٩٣٦م.

* عين معلّماً ثم أميناً للمكتبة العامَّة في العمارة.

* توفي عام ١٤٠٧ ه - ١٩٨٦م.

* آثاره : (الربيع العظيم وقصائد اُخرى) , و (الصوت الآخر).

٢٣

ذكرى الطفِّ(١)

أنور خليل

ضجَّت الأرض وحيتك السماءُ

يا شهيداً قد طوته كربلاءُ

يا شهيداً هلَّل الخلد له

وتباهت بعلاه الشهداءُ

لم تزل منك على طول المدى

صورةٌ ليس لمعناها انتهاءُ

بأبي أنت لقد أضرمتها

ثورةً للحقَّ يُذكيها الإباءُ

بأبي فتيانك الصيد الاُلى

آثروا الموت كما شئت وشاؤوا

كالنجوم الزهر إن غمّ الهدى

والليوث الغلب إن حم اللقاءُ

فئة عزلاء إلّا من تقىً

ملؤها حقٌّ وصدقٌ ومضاءُ

قلَّة لكنما قد هزأتْ

بجيوشٍ ضاق عنهنّ الفضاءُ

وظِماءٌ يتبارون على

موردِ الموت عسى منه ارتواءُ

فئةٌ مؤمنة قد نازلت

جحفلاً يحدوه ظلمٌ واعتداءُ

طف بأرض الطفَّ واستوحِ الثرى

فعليه من دم القتلى ضياءُ

واذكرنْ موقعةً فاصلةً

هي بين العدل والظلم بلاءُ

واذكرنْ شبلَ عليٍّ عندما

خانه القوم وجاروا وأساؤوا

وأبا الفضل وما أفضله

فارساً يزهو بكفّيه اللواءُ

ولقد عَزَّ عليه إن رنا

للحسين السبط يؤذيه الظماءُ(٢)

____________________

(١) ألقاها الاُستاذ محمود محمّد الحبيب.

(٢) الظمأ : وانما مدت لضرورة الشعر.

٢٤

قصد الماءَ لكي يسعفه

فاذا الماءُ رماحٌ وظباءُ(١)

مات بين الطعن والضرب فتىً

هو للإيثار والبأس سماءُ

والحسين الليث يعدو هاجماً

لا يبالي فكأنّ القومَ شاءُ

فتحدّاهم ببأسٍ ونضا

أحـــــــــــ صارماً فيه من الله سناءُ ـــــب

واذكرنْ أنصاره إذ قدَّموا

دونه أنفسهم نعم الوفاءُ

* * *

إن ذكراك وما أعظمها

كلُّها نبل وفخر ووفاءُ

سجَّل التأريخ عن روعتها

صفحةً حمراءَ يرويها البقاءُ

تقرأ الأجيال فيها موقفاً

علَّم الأنذال كيف النبلاءُ

سيدي قدَّمت درساً عالياً

لبني الدنيا فما فيه امتراءُ

سيدي علّمت أحرار الورى

أنَّ عيش الذلَّ والموتَ سواءُ

أنت قوَّضت على أصحابها

دولةً للظلم فانهار البناءُ

هانت الدنيا على ابن المرتضى

بئس دنياً ساد فيها الأدنياءُ

أيُّها الباكون سبط المصطفى

ويحكم ليس له يرجى البكاءُ

هو أسمى مفخراً أن يغتدي

بطلاً يبكي عليه الضعفاءُ

قد فدى الدين بزاكي دمهِ

عظم المفديُّ شأناً والفداءُ

يا لجرحٍ خالدٍ لم يلتئمْ

كم له فاضت دموعٌ ودماءُ

* * *

أي قلبٍ مؤمنٍ في حبكمْ

لم يحرَّقه الأسى والبُرَحاءُ

أي عين لم تذل أدمعها

فعسى بالدمع للحزن انطفاءُ

ويطوي الدهر ويُطوى أهله(*)

وخطوب الناس يطويها الفناءُ

غير خطب أبديٍّ مفردٍ

ما له ثانٍ ولا منه عزاءُ

كلّما أقبل عام أقبلتْ

ذكرياتُ الطفِّ فاربدَّ الصفاءُ

____________________

(١) الظبا : السيوف.

(*) لا يخفى ما في المصراع من خلل عروضي واضح , لا يصح إلّا على قراءة (ينطوي الدهرُ ويُطوى أهلُه.) (موقع معهد الإمامين الحسنَين)

٢٥

لكمُ يا آل بيتِ المصطفى

مأتمٌ في كلِّ قلبٍ ورثاءُ

عبرات القوم لـمّا انفجرت

عبّرت عن حزنهم لا الشعراءُ

* * *

بأبي أنتم هدانا الله في

نوركم يا من بكم زال الخفاءُ

كم لكم من تضحياتٍ جمَّةٍ

وبطولاتٍ لها يعنو القضاءُ(١)

بالنفوس الغرِّ جدتم في الوغى

وسواكم بحطامٍ بُخلاءُ

يا ضحايا المثل الأعلى الذي

هو لولاكم خيال وهراءُ

بعتم الدنيا وأقبلتم على

جنَّةِ الخُلد وفيها الأصفياءُ

ليت كلَّ الناس في ذكراكمُ

قبسوا بعض سناكم واستضاؤوا

أيُّها القوم اذكروا أبطالَكمْ

إنما الذكرى عظاتٌ وولاءُ

فاجعلوا سيرتهم نبراسكمْ

واتبعوا النهج الذي فيه التجاءُ

ليس يجدينا عويلٌ صاخبٌ

ومناحاتٌ ولطمٌ وبكاءُ

إنما ينفعنا يا سادتي

اِهتداءٌ بهداهم واقتداءُ

* * *

أنور خليل - العمارة

____________________

(١) يعنو : يخضع. مختار الصحاح / ٤٥٩ (عنا).

٢٦

حسين.(١)

خليل رشيد

الحسين أعطانا دروساً في العزَّة والإباء ، وعلَّمنا كيف نكون صلدي الإيمان والعقيدة , وأن نقف موقفاً ملؤه العزة والفخار. (حسين) كلمة جليلة القدر ، كبيرة المعنى ، عظيمة المغزى , ينضمُّ تحت كلمة (حسين) كلُّ معاني الإنسانيّة الكاملة ؛ فإذا ما ذُكرتْ كلمة (حسين) ذكرت معها التضحية ونكران الذات ، ذُكر معها التفاني في سبيل العقيدة والمبدأ , ذُكر معها التجرُّد والتخلّي عن الدنايا والهنات والرذائل ، ذكرت معها الفضيلة وكلُّ ما هو رفيع سام.

فكلمة الحسين عسيرة المتناول ، صعبة التحليل ، وإنَّ الأديب ليحار ويقف مندهشاً ماذا يرصف من جمل , وما ينضد من عبارات , وما ينمَّق من معان , ولا يدري أيَّة صفحة من صفحات هذا السجل الخالد يملي على الناس ؟! والأديب مهما وسعت دائرة تفكيره ، ومهما كثرت معلوماته ، ومهما بلغ من الرقي والكمال فلن يتعدّى الاُمور السطحيَّة البسيطة الَّتي لامست حياة الحسين (عليه‌السلام ).

ونحن حتّى الآن لا نفهم من كلمة (حسين) غير البكاء والعويل , واللطم والنحيب ، كأن الحسين (عليه‌السلام ) قُتل لأجل أن نتعوَّد اللطم ونألف البكاء.

والحسين أرفع من أن يُبكى عليه ؛ إذ لم يمت ميتة ذليلة ، ولم يقف موقفاً غير مشرَّف , فجدير بنا إذا ما ذُكر الحسين أن نرفع الرؤوس معتزَّين ، مشرئبَّة أعناقنا مفاخرين ، نباهي الاُمم بهذا الإنسان الكامل ، لا أن نطأطئ الرؤوس بذلَّة وانكسار ؛ فالحسين لم يرد لنا هذا وحاشاه , ولم يضحِّ من أجله.

الحسين أعطانا دروساً في العزَّة والإباء ، وعلَّمنا كيف نكون صلدي الإيمان والعقيدة ،

____________________

(١) ألقاها السيّد غالب الناهي.

٢٧

وأن نقف موقفاً ملؤه العزَّة والفخار. هذا ما أراد لنا أبيُّ الضيم ، ولكن الذاكرين - عفا الله عنهم - عوَّدونا على غير هذا ؛ إذ لم يفهموا من الحسين (عليه‌السلام ) سوى جلب الغيرة وجز المغنم.

وسأقول بصراحة , وبلا وجل ومداجاة ، والألم يحزُّ في نفسي ويقضُّ مضجعي ، وسيغضب البعض من قولتي هذه , فماذا يهمني تجاه بيان الحقيقة وكشفها ، غضب الناس أو رضوا ؟ فليرضَ من يرضى ، وليغضب من يغضب ما زالت قولتي هذه تُسر الحسين (عليه‌السلام ) وترضيه , أقول : إنّ بعض الذاكرين قد اتّخذوا من هذه الأعواد المشيَّدة بدم الحسين الطاهر ، وبدم عترته واسطة لسد جشعهم المادِّي ، وسلَّماً لنيل أغراضهم الشخصيَّة ليس غير ؛ فصوَّروا لنا الحسين بصورة غير صورته لا يرتضيها هو (عليه‌السلام ).

أقول : فلو نهج الذاكرون حسب الخطَّة الَّتي رسمها الحسين (عليه‌السلام ) لأصبحت هذه الاحتفالات الَّتي تقام باسم الحسين (عليه‌السلام ) معاهد عالية يتخرَّج منها الشباب المثقَّف المؤمن بفكرته في الجهاد والكرامة ، ولرأيت بعض ما يصرف وينفق باسم الحسين (عليه‌السلام ) تشاد به الجامعات والكلّيّات لتربية نشءٍ حسينيًّ صالح. ولكن أين المرشدون والمصلحون ليوجَّهوا هذا الشباب الحائر توجيهاً صحيحاً ؟!

أجل أيُّها السادة ، أقول : مجرم كل من يرقى هذه الأعواد ولم يعطها حقَّها ، مجرم كلُّ من يرقى هذه الأعواد ولم يوضح الغاية الَّتي من أجلها قُتل الحسين (عليه‌السلام ) ، مجرم والحسين خصمه ، ويطول موقفه بين يدي الله ويحاسبه حساباً عسيراً.

فإلى العمل المثمر أيُّها الذاكرون , إلى النهج السوي ؛ نهج الحسين (عليه‌السلام ) ، وبذلك تكونون قد أدَّيتم الواجب الملقى على عواتقكم وأحييتم ذكرى الحسين (عليه‌السلام ).

وأختم كلمتي هذه بقوله تعالى :( فَذَكِّر إِن نَّفَعَتِ الذِكرَى ) (١) ،( وَذَكِر فَإِنَّ الذِكرَى تَنفَعُ المُؤمِنِينَ ) (٢)

خليل رشيد - العمارة

* * *

____________________

(١) سورة الأعلى / ٩ ٠

(٢) سورة الذاريات / ٥٥.

٢٨

دروس تضحية

مسلم الحلي

السيد مسلم الحسيني ١٩١٦م - ١٩٨١م

* ولد في الحلّة ، أسّسَ (جمعية المقاصد الإسلاميّة) ببغداد.

* كتبهُ المطبوعة :

١ - الميزان الصحيح ١٩٤٦م.

٢ - الزكاة ١٩٥١م.

٣ - القرآن والعقيدة (جزءان) ١٩٦١م.

٤ - الاُصول الاعتقادية في الإسلام ١٩٦٩م.

* وله كتب خطيّة , منها (بلوغ الغاية في شرح الكفاية) في ثلاثة أجزاء ، و(العلم والعقيدة).

٢٩

دروس تضحية(١)

السيد مسلم الحلي

إن أقعد العجزُ عن نيل المنى قدمي

فلي من العزَّ ما تقوى به هممي

ولي من المجد ما لو أسترقُّ به

شهب السماء لأضحت كلُّها خدمي

آبائي الغرُّ من عادت مآثرهم

محمودة الذكر تروى من فمٍّ لفمِ

هم أوضحوا النهج حيث الناس أغمرها

وحشية الجهل لم يعرف سوى الصنمِ

فقوَّموها بمعوجٍّ ومعتدل

بالأسمر اللدن والهندية الخذمِ

والرمح أقوم تعديلاً لذي عوجٍ

والسيف أحسن تدبيراً من القلمِ

أما ومجدهم السامي وجودهم الـ

ـطامي وذاك لعمري أعظم القسمِ

إني سأنظمها بيضاءَ ناصعةً

جوامعاً لجميل الذكر والحكمِ

ذا مستهلُّ دموعي أستهل به

نطقي وفي زفرات الوجد مختتمي

وتلك نفثةُ مصدور قذفت بها

ومن كلوم فؤادي أفرغت كلمي

أو هذه زفراتي نُظّمت كلماً

مذ أخرس الوجد مني مقِوَلي وفمي

أنا الثكول فلا وجدي بمنقطعٍ

كلا وذا دمُ دمعي غير منصرمِ

دماء قوميَ في رغم العلا ذهبت

هدراً وظلماً ولم يُثأر لها بدمِ

ذا سبط طه وشبل الطهر حيدرةٍ

والسيّد الخلق من عرب ومن عجمِ

عن منهج الحقَّ ما زلّت له قدمٌ

وكان أفضل من يمشي على قدمِ

سبط النبي أمان الملتجين به

وليس يَأمن في ملجىً ولا حرمِ

من دافع الصلّ قسراً عن مواطنه

ومن تطرَّق ليث الغاب في الأجمِ

____________________

(١) ألقاها الاُستاذ رشيد السعد.

٣٠

خلت اُميةُ من رشدٍ فما حفظت

عهدَ النبوة في قربًى ولا رحمِ

هذا المحرَّم كم في يومه انتُكهت

محارم الله في أيّامه الحرمِ

قد سامت الشهم أن يعطي يداً بيدِ

والشهم يأبى حياة الذلَّ عن شممِ

وهكذا ذو الإبا يأبى الإباء له

إلّا الردى أو حياة العزِّ والكرمِ

يابن النبيِّ ومن للعزِّ كان أباً

ويا ربيب الإبا والمجد والشيمِ

إن يمضِ حقّك مغدوراً ومهتضماً

فقد قضيت بعزٍّ غير مهتضمِ

لقد مضيت وقد خلّفتها مُثُلاً

بقين فينا مثال العزَّ والعظمِ

دروس تضحيةٍ للمؤمنين بها

إذا مضت اُممٌ تُلقى إلى اُممِ

شدَدت للدين أزراً غير منقطعٍ

وشِدْت للدين ركناً غير منهدمِ

يا آل هاشم هذي نفثةٌ نفثت

من واغر الصدر دامي القلب محتدمِ

لا أنت للحرب لا للضرب إن ألفت

أسيافك الغمد لا للسيف لا العلمِ

لا عذر إن لم تشيموا من سيوفكمُ

ذبابها بدل الأغماد في القممِ

هذي عقائل بيت الوحي قد حُملت

بعد التخدّر فوق الأنيق الرسمِ

وذاك ثغر ابن بنت الوحي تنكثهُ

بالخيزرانة ظلماً كفُّ منتقمِ

فلتقبضنَّ لؤيُّ كفَّها أسفاً

ولا ترى اليوم فهرٌ ثغر مبتسمِ

* * *

السيد مسلم الحلي - الحلة

٣١

الجهاد المقدّس

محمد حسين إسماعيل

٣٢

الجهاد المقدّس(١)

الشيخ عبد الواحد الأنصاري

(صاحب مجلة الميزان)

تمتاز ذكرى سيّد الشهداء أبي عبد الله الحسين (عليه‌السلام ) [من] بين ذكريات أبطال الدهر وعظماء التاريخ بكثير من الروعة والقدسية ، وتحيط تاريخ حياته هالة من المجد والعزَّة والجلال.

يحفظ التاريخ الإسلامي بين طياته ذكرى أئمَّة كرام كلَّهم بنظر العقيدة والإيمان سواء في العلم والزهد , واليقين والتقوى ، إلّا أنّ الحسين (عليه‌السلام ) بجهاده المعروف ، وتضحيته الكبرى في سبيل الحقَّ والدين والحرِّيَّة كانت له مكانة أسمى.

ولا أجدني مغالياً إذا قلت : إن شخصية الحسين العظيمة قد غطّى شعاعها شخصيّاتِ الدنيا بأسرها ؛ فالذين لا يدينون بالقرآن ولا يمتُّون إلى الإسلام بصلة ما ، من الاُمم المتفرقة الأديان ، المختلفة المبادئ , عندما يقفون أمام شخصيته تمتلكهم الروعة ؛ فيقفون خاشعين معظمين مكبرين في نفسية الحسين (عليه‌السلام ) المقدسة روح الإقدام والثبات, والمبدأ واليقين.

أيَّة علاقة أيّها السادة للوثنيين والهندوس والسيخ وأضرابهم بالحسين (عليه‌السلام ) وهم يحيون ذكراه بكثير من الحزن والأسى والإنفاق ، عدا إعجابهم بالنفسية الحسينيّة ؟! إذاً فالحسين (عليه‌السلام ) محبوب العالم ، وذكراه تحتلُّ الصفحة الاُولى من سجل الذكريات الخالدة.

ولو مدَّ الله في عمر الدهر

____________________

(١) ألقاها الاُستاذ حاتم السامر.

٣٣

والإنسان إلى ما شاء [لشاهدت](١) الأجيال القادمة تردُّد صدى القرون السالفة الداوية بذكراه المجيدة.

جدير بنا , ونحن نقيم هذه الذكرى المباركة ، أن نزيل عن الأذهان ما غرسته فيها يد الدعايات الاُمويَّة من التشويه لستر ما اقترفته اُميَّة من الجرائم والآثام في دنيا الإسلام , تلك الدعايات السيئة التي روَّجتها الأغراض ونشرتها السياسة الاُمويَّة الغاشمة ، والَّتي أثَّرت أثرها السيِّئ في نفوس بعض المسلمين ، وأصبح كثير منهم لا يفهم من وقعة الطف أكثر من أنها قصة مأساة دامية قد لا يُعقل أكثر ما وقع فيها من القسوة والوحشية.

وربما جرفه سيل الدعاية المعاكسة للحقيقة فألقى تبعة هذه المأساة على عاتق الحسين (عليه‌السلام ) لنهوضه ضد دولة غنيَّة بالمال والسلاح ، ولإعراضه عن رأي المشيرين عليه بالسكوت والتريُّث والابتعاد عن الكوفة الَّتي غدرت بأبيه وأخيه من قبل.

أتراه لم يستمع إلى التاريخ ويتبصَّر في ألواحِهِ التي تكشف له بأقلَّ إمعان أستار الباطل الَّتي اُسدلت على وجه الحقيقة لكي تغطي فضائح اُميّة وآثامها ؟!

كلا , بل هو البصير العليم بها ، ولو تابع درس التاريخ وراقب بكلَّ دقَّة أعمال اليد السوداء الَّتي أسعرت الحروب، ونشرت الرايات ، وخاضت المعارك ضدَّ سلطان الدين ودعوة الإسلام في بدر واُحد والأحزاب ، تلك اليد التي جذَّتها سيوف المسلمين يوم الفتح ، كيف راحت تداوي جرحها ببلسم الإيمان الكاذب تحت ستار التدليس في ظل الإسلام ، وكيف عادت تعمل في الخفاء باسم الإسلام للقضاء عليه باسم الدين لقلب نظامه وأحكامه ، وكيف كانت تدبّر الحيل وتحوك المؤامرات لبعث الجاهليّة من جديد.

ومَن تابع حركات تلك اليد السوداء وجدها تعمل بكلَّ حذر وتكتُّم في عهد

____________________

(١) في الأصل : (تشاهد).

٣٤

الخليفتين (الصدّيق والفاروق) , وكيف امتدت وتطاولت بعد مضي ستَّ سنين من خلافة عثمان حتّى قبضت على زمام الاُمور وقياد الخلافة ، وصيّرت الخليفة آلة صمّاء تديره حيث شاءت وحيث رغبت ، وحيث تحقَّق آمالها وأمانيها دون أن تلتفت إلى ما ستجرّه على الخليفة من المصائب والويلات.

ويرى بكلَّ وضوح تلك اليد تفتح باب الشر على مصراعيه ، وتضحّي على صخرة آماله حياة ثالث الخلفاء , تتَّخذ من دمه وسيلة تبعث الرعب وتغرس الفتن في صفوف المسلمين.

أيّها السادة ، لم تكن أعمال تلكم اليد السوداء لتخفى على دعاة الدين وقادة الرأي وحملة القرآن ، ولم يكن الناطق بالحقَّ والمبعوث رحمة للعالمين يلعن اُمية وقادة الكفر منها على رؤوس الأشهاد إلّا ليظهر للملأ الذين حوله أنّ هؤلاء المغرضين لم يعتنقوا الإسلام بدافع العقيدة ، ولم يعترفوا به إلّا خوفاً من حراب المسلمين ، وإلّا ليقول لأصحابه: إنّ اليد الاُمويَّة الَّتي اعتدت عليكم بالأمس سوف تعود وتلعب دوراً مخرّباً لقلب الدين ، وبعث الجاهليّة الَّتي محتها أحكام القرآن ، فقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( اللهمَّ العن مروان ومَن يخرج من صلبه إلى يوم القيامة ، إلّا المؤمنين منهم , وقليل هم )).

فلم تزل تلك اليد الملطَّخة بالدماء الزكية في سبيل تحقيق أهدافها وأغراضها ، حتّى انتهى الأمر إلى معاوية بذلك الشكل المؤسف على تلك الصورة السوداء في جبين التاريخ ، وتمكّن معاوية من قتل الحسن (عليه‌السلام ) شقيق الحسين الأكبر وخامس الخلفاء الراشدين.

راح معاوية بكلَّ جدٍّ ونشاط يسعى إلى تحقيق آمال جده الفاشلة ؛ فسلَّط على رقاب المسلمين نفراً لا ناقة لهم ولا جمل في الإسلام ، وقد وصفهم التأريخ بالبطش وسفك الدماء ، وعرفهم جمهور المسلمين بالكفر والبغي والعدوان؛ كزياد بن أبيه ، وولده عبيد الله ، وبسر بن أرطاة ، والمغيرة بن شعبة ، ومروان بن الحكم ، وعمرو بن العاص وأضرابهم من قساة الولاة وقادة الجور وشاربي دماء الأحرار ؛ فقضوا بسيوف البغي وأموال المسلمين على دعاة الإصلاح من المؤمنين.

٣٥

حتّى لقد قال أشدُّ الناس عصبيَّة لاُميَّة ودولة اُميَّة أنيس النصولي في كتابه (الدولة الاُموية في الشام) , ذلك الكتاب الذي أحدث ضجة كبرى في الأوساط الإسلاميّة ، فطُرد على إثره المؤلّف المذكور من التدريس في العراق ، يقول : عزم معاوية بن أبي سفيان عزما أكيداً طيلة حياته على استئصال شأفة المعارضين للمركزيَّة الاُمويَّة ، فبذل الأموال ووهب المناصب وجيَّش الجيوش ، ونظم فرق الجواسيس والشرطة في طول البلاد وعرضها ، وقطع ألسنة الناس والشعراء بحلمه ودهائه وكرمه(١) .

وقال : أسند الاُمويُّون ولاية المصرين : الكوفة والبصرة إلى رجال قساة ، لا يعرفون الرحمة ولا تتخلل الشفقة إلى قلوبهم ، فاتَّبعوا سياسة الشدَّة بحذافيرها ، وراحوا يتَّهمون الناس على الظنّ ؛ فجرَّدوا السيوف على الرؤوس ، وأعملوا السوط في الظهور , وجعلوا السجن مقبرة الزعماء والمعارضين.

ثم يستطرد بقوله : ولو تصفَّحنا تاريخ الولاة الاُمويِّين في العراق أمثال زياد بن أبيه ، وعبيد الله بن زياد ، والحجّاج بن يوسف وغيرهم لتحقَّقنا أن ملك بني اُميّة لم يقم إلّا على سيوفهم ، ولم تتوطَّد أركانه إلّا على أسنَّتهم(٢) .

انتهى ما يقوله داعية الاُمويين في القرن العشرين أنيس النصولي.

بعد أن قضى معاوية على دعاة الحقَّ وزعماء الدين كحجر بن عدي ، وحذيفة بن اليمان ، وميثم التمار ، ورشيد الهجري ، وعمرو بن الحمق الخزاعي

____________________

(١) الدولة الاُمويَّة في الشام / ٩.

(٢) الدولة الاُمويَّة في الشام / ١٤٥.

٣٦

أصبح في مأمن من المعارضين المخلصين إلّا من الحسين بن علي (عليه‌السلام ). والحسين يقظ حريص على صالح الإنسانيّة, يراقب حركات تلك اليد العاتية مراقبة شديدة لحرصه على مصالح الدين وشؤون الإسلام ؛ فعزم معاوية بإغراء المغيرة بن شعبة [له] على تحقيق آمال سلفه بصورة سريعة فعّالة ، فنصب ولده المتهتَّك بالفسق والفجور وليّاً للعهد ، وترقّب ساعة الانقلاب والقضاء على تعاليم الإسلام ؛ فنشط في الشام والعراق , والحجاز ومصر صنائع اُميَّة ، وراحوا يحرَّضون الناس على البيعة ليزيد ، ويغرون الناس بذهب المسلمين ومن بيوت أموالهم التي فتحت أبوابها لرشوة ذوي الأطماع.

ومن سوء حظَّ الدعاية الاُمويَّة أنها لم تتوفَّق على [الرغم من جهدها الذي بذلته في](*) أن تمحو ما اقترفه معاوية في هذا الشأن من المخازي.

يقول ابن الأثير : إنّ معاوية كان يستقبل الوفود الَّتي ترد عليه لإعطاء البيعة ليزيد ، وقد سأل رئيس وفد الكوفة : بكم اشترى أبوك دين هؤلاء ؟ (يريد أعضاء الوفد) ، فأجابه : بكذا دراهم ودنانير. فقال له : لقد وجد دينهم رخيصاً(١) . فعلى هذا الشكل المضحك المبكي تمكّن معاوية من جعل يزيد ولياً للعهد من بعده ، يزيد الذي لم يرتضِه حتّى صنيعته زياد بن أبيه.

سادتي , عقدت تلك اليد الاُمويَّة السوداء في تلك الساعات آمالها الخائبة على ناصية ذلك الشاب السافل ، وباتت تنتظر ساعة الانقلاب بعد أن مهّدت له الاُمور وذلّلت أمامه العقبات ، وصارت لا تخاف إلّا من شبح الحسين (عليه‌السلام ) ؛ فعقدت العزم في القضاء عليه وإزاحته عن طريقها مهما كلَّفها الأمر.

حتّى إذا ما هلك معاوية في أواخر عام ستين للهجرة امتدَّت تلك اليد الفاشلة إلى دقَّ ساعة الانقلاب ، فامتدَّت اليد الحسينيّة البيضاء في عراص الطفَّ ، فقبضت على تلك اليد المجرمة قبضاً محكماً ؛ فمحت ما رسمته في مختلف أدوارها من الخطط

____________________

(*) ما بين المعقوفتين هو من إضافات موقع معهد الإمامَين الحسنين (عليهما‌السلام ).

(١) الكامل في التاريخ ٣ / ١٩٨.

٣٧

الجهنَّميَّة ، وحطَّمت كلَّ ما بنت من معالم الجور والمظالم.

بيد أن المؤسف أنها لم تنهزم دون أن قايضت حسيناً مقايضة قاسية ؛ انتقاماً لفشلها وذهاب آمالها - أيّها السادة - حتّى استوفت من الحسين (عليه‌السلام ) كلّ درهم أنفقته قطرة من دمه ودم المجاهدين ، فوقف الحسين (عليه‌السلام ) في عرصات كربلاء يوم العاشر من المحرم مرحّباً بتلك المقايضة في سبيل الله ورسوله ، صارخاً في جيوش الباطل تلك الصرخة الداوية في مسمع الأجيال :

إن كان دينُ محمّدٍ لم يستقم

إلّا بقتلي يا سيوف خذيني

عبد الواحد الأنصاري - العمارة

* * *

٣٨

نهض الحسين مجاهداً(١)

الشيخ جواد الشيخ حسين

يا ربعُ ما لك بعد نورك مظلمُ

أفهل تجيب فقد أتاك متيَّمُ

إني مررت على الديار مسلَّماً

فالشوق يملي والدموع تترجمُ

ربعٌ به روضُ المسرَّة يانعٌ

والمجدُ في ساحاته يترنَّمُ

عهدي به صعب المراس لحادثٍ

واليوم من فرط الأسى يتظلّمُ

قد كان نوراً للهدى فكأنما

حاد حدا تلك البدور فأتهموا

نهض الحسين مجاهداً ومكابداً

مِحناً لها صمُّ الصفا تتحطَّمُ

لاقى خميساً في الهياج عرمرماً

وحسامه مجرٍ لديه عرمرمُ

قد قابلوه فردَّهم متبسَّماً

(فالسيف ينثر والمثقّف ينظمُ)

باعوا شريعةَ أحمدٍ بضلالةٍ

وحداهمُ نحو الضلالِ الدرهمُ

يدعوهمُ مستهزئاً بكماتهمْ

حتّى إذا ما قابلوه تلعثموا

قد سنَّ للعرب الإبا فاستيقظوا

تسدى على ذاك الإباء وتلحمُ

يمشي على ضوءِ الحقيقة طفلُهمْ

وشبابُهم بضيا الحقيقة معلمُ

جمَّ الفضائل أحرزوا بثباتهمْ

والمرءُ في وثباته يتقدّمُ

طبعت على المجد الأثيل طباعُهمْ

ولهم على هام السماك مخيَّمُ

جواد الشيخ حسن - البصرة

____________________

(١) ألقاها الاُستاذ كاظم الجزائري.

٣٩

من وحي الذكرى

محمّد تقي الحكيم

السيد محمّد تقي الحكيم ١٩٢١م

* فقيه ولد في النجف ودرس على يد أكابر علمائها , ودرّس الفلسفة والفقه , والقانون والاُصول , والبلاغة والتفسير. كان عميداً في كلية الفقه في النجف (١٩٦٥م - ١٩٧٥م).

* أسس مع عدد من المفكرين المجمع الثقافي لمنتدى النشر ١٩٤٣م ، وأسس كذلك مع عدد من الأعلام كلية الفقه سنة ١٩٥٨م. شارك في المؤتمر الأول لمجمع البحوث الإسلاميّة في القاهرة سنة ١٩٦٤م بدعوة من الأزهر , تُرجمت بعض كتبه إلى اللغات الأجنبية.

* انتخب في أكثر من مجمع علمي عربي منذ سنة ١٩٦٧م. له أكثر من ١٢ كتاباً مطبوعاً , منها :

١ - المدخل إلى دراسة الفقه المقارن - بيروت ١٩٦٧م.

٢ - الاشتراك والترادف ١٩٦٥م.

٣ - المعنى الحرفي في اللغة بين النحو والفلسفة والاُصول - القاهرة ١٩٦٧م.

٤ - فكرة التقريب بين المذاهب ١٩٧٨م.

٤٠