دروس في بناء المجلس الحسيني

دروس في بناء المجلس الحسيني 0%

دروس في بناء المجلس الحسيني مؤلف:
المحقق: معهد سيد الشهداء للمنبر الحسيني
الناشر: جمعية المعارف الاسلامية الثقافية
تصنيف: الإمام الحسين عليه السلام
الصفحات: 158

  • البداية
  • السابق
  • 158 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 1163 / تحميل: 190
الحجم الحجم الحجم
دروس في بناء المجلس الحسيني

دروس في بناء المجلس الحسيني

مؤلف:
الناشر: جمعية المعارف الاسلامية الثقافية
العربية

السبايا إلى المدينة، في الشام وما جرى في الشام وفي الكوفة أيضاً فيها نعي بل أضاف إليها وفيات النبي والزهراء وبقية الأئمةعليهم‌السلام .

بعد ذلك ظهر شاعر آخر وهو السيد عبد الحسين الشرع وديوانه باسم (منهل الشرع) وهو بجزأين.

وهناك أرضية للشعر الفائزي (البحراني) الموجود في المنطقة الشرقية بالحجاز والبحرين والكويت إلى عمان.لما كان الخطباء يسافرون من العراق إلى الخليج رأوا أن هناك مطلباً جديداً حيث أن الناس تريد هذا النوع الخاص من الشعر والنعي، بالإضافة أنه شجي، وأشهر ما كتب فيه ابن فائز التي تنسب إليه هذه الأشعار وكتابه باسم (فوز الفائز) كما ويوجد كتاب اسمه (الفائزيات الكبرى)، وكتاب للملا عطيه الجمري بعنوان (الجمرات الودية) وهو جزئين، وقد أشرنا إلى هذه الكتب مسبقاً.

وأفضل موضع يمكن أن يستخدم فيه النعي الطور البحراني هو بعد القصيدة في مقدمة المجلس.وبالعودة إلى أساس دروسنا فإن على الخطيب أن يسعى لتهيئة محاضرات ومواضيع في العشر الأولى من محرم خاصة وبقية المناسبات عامة.

التحضير يحتاج إلى تعب وجهد، يجب أن يحضر المجالس قبل عاشوراء أو بقية المناسبات مثل شهر رمضان بفترة معتد بها وقد يُحرِّم الخطيب من فرصة وهو بأمس الحاجة إليها، إذ قد يطلب منه فجأة مجلس ما فإذا كان قد هيأه مسبقاً فإنه سينقذه من الإحراج.والخطيب لا يعلم في أي مجلس يأتي فيه التوفيق له، ولهذا عليه أن

١٠١

يحسن علاقته بالله تعالى ويتقن عمله في إعداد المجالس وتهيأتها.

ولا بد من الاستماع إلى الخطباء البارزين، ويمكن أن يأخذ مجموعات من محاضرات الخطباء البارزين ويقارن ويستفيد ويستنتج.نعم نحتاج إلى التذكير بذلك باستمرار.

إن الاستماع والمتابعة والتسجيل ومحاولة الترديد والتقليد والمتابعة مع جهاز التسجيل، حيث يتم تسجيل الملاحظات، والمقارنة بين الشيخ الوائلي مثلاً والشيخ المقدسي أو السيد الشوكي والشيخ الصيمري، وغيرهم من شيوغ الخطباء وكيف يتكلمون، ويمكن أن تأخذ من هذه المحاضرة تخميساً ومن تلك يستفيد مصيبة أو الاستفادة من فكرة معينة وهكذا .حتى يصل الخطيب إلى مستوى الاستقلال بنفسه.

ومن الأمور التي تفجر مجالات الخطابة الحسينية هو أن على خطيب المنبر الحسيني أن يكون مبادراً للقراءة، فإذا طلب منه مجلس يجب أن يقرأ بما عنده، ويتجنب الاعتذار، من أجل أن يكتسب خبرة وجرأة، وإن الله سوف يفتح له أبواباً من العلم ولذلك يجب أن يبذل الخطيب ما عنده من طاقات، وقد تحتاج إلى حركة وتفاعل، نعم عليه أن لا يعتذر من أي مجلس، عليه دائماً أن يكون مقتحماً وحاضراً ومبادراً، وسوف يفتح الله تعالى عليه أبواباً لم يكن يفكر بها الخطيب، ولكن على الخطيب أولاً قبل المجلس أن يكون مهيئاً باستعداد ومداومة القراءة والمطالعة والتتبّع وينبغي التنبيه، أن مجالس شهر محرم تختلف عن مجالس شهر رمضان والمجالس في مناسبات الأئمةعليهم‌السلام تختلف عن بقية الأيام وفي العشرة الأولى من المحرم يكون التركيز

١٠٢

على السيرة أكثر من بقية المجالس وهكذا.

التركيز على السيرة هذا يدعوا إلى قراءة مقتل الإمام الحسينعليه‌السلام بدقة وحفظ.

وعلى الخطيب أن يكون مبدعاً يجب عليه أن يأتي بشيء جديد، هناك الكثير من أبحاث السيرة الحسينية وفيها أمور غير مسموعة مجهولة جديرة بالبحث والطرح يجب على الخطيب أن يقرأ الكتب جيداً.ولابد أن يتنبّه على أهمية مجالس السبايا، التي تأتي بعد عاشوراء حتى نهاية صفر وضروة حفظ القصائد والنصوص والنعي المناسب لها.

يجب على الخطيب القراءة المستمرة نعم لا يطلب من خطيب المنبر الحسيني أن يكون مفكّراً كما قلنا، ولكن المطلوب أن يكون محاضراً هادفاً ونافعاً.وهذا لا يمنع من كونه مفكّراً ومبدعاً.

والمحاضر النافع يأخذ مما قاله العلماء المفكرون والمفسرون وأهل الرأي، ويمكن أن يقرأ كتاباً واحداً و لا يستفيد منه إلا معلومة واحدة.ولكن هذه المعلومة الواحدة وغيرها هي التي تجعل من منبره نافعاً وناجحاً.

وكما قلنا سابقاً: يجب عليه أن يكون في مكتبة الخطيب كل كتاب تناول مواضيع ثورة الحسينعليه‌السلام ، على الخطيب أن يكون منتجاً وجدياً ولا يكون مجرد صدى عن الآخرين.

وبهذا الدرس نكون قد أنهينا الفقرة الثالثة والأهم من فقرات المنبر الحسيني وهي فقرة المحاضرة والموضوع، ولكي نكمل دروسنا لا بد أن نتوقف في دروسنا القادمة عند فقرتي (التخلّص) و(المصيبة) إن شاء الله.

١٠٣

الدرس الرابع عشر:

فقرة التخلص

كنا في الدروس السابقة قد توقفنا عند شرح وإيضاح الفقرات الثلاث الأولى من فقرات المنبر الحسيني، وهي: المقدمة، القصيدة، المحاضرة(الموضوع).

وبقي علينا أن نواصل شرحنا ودراستنا للفقرات الثلاث الأخرى المتبقية، وهي التخلّص، المصيبة والدعاء.

٤- فقرة التخلص

مرّ بنا، أن المنبر الحسيني كان في بدايته لا يتجاوز قصيدة رثاء يتلوها الشاعر عند أحد أئمة أهل البيتعليهم‌السلام فتتفاعل معها النفوس والقلوب حرقة وألماً وبكاءً.

ثم أخذ المنبر الحسيني يخطو خطوات نوعية ويمرّ بمراحل متعدّدة، حتى وصل المنبر الحسيني حالياً إلى مستوى كبيرٍ من التخصّص، فصار فنّاً خاصاً من فنون الخطابة، لا يقوى على النهوض بمهماته إلّا من توافرت فيه شرائط خاصة بعضها ثقافية وأخرى فنيّة، يتواصل كل هذا مع متابعة ميدانية لأعراق المنبر وأساليب أساتذته وتراكم خبرات الخطباء وإبداعاتهم.

إن من خصائص خطيب المنبر الحسيني الناجح في يومنا هذا، إن

١٠٤

يمتلك حسّاً فنيّاً، وأسلوباً إنسيابياً، وذوقاً أدبياً، يقوى بها على نقل روّاد مجالسه من المحاضرة والبحث اللذين كان بصددهما إلى أيواء عاشوراء، وساحة كربلاء.أي أن هناك جسراً يعبر عليه المستمع من عالم البحث والمحاضرة إلى عالم المصيبة والبكاء والحزن.إن هذا الجسر الذي يحتاج إلى الحس الفني والأسلوب الإنسيابي والذوق الأدبي هو الذي يُعرف بـ (التخلّص).أو (النُقلة).

إن من غير المستساغ أن يتجاوز خطيب المنبر الحسيني فقرة التخلّص هذه لينتقل من فقرة المحاضرة إلى فقرة المصيبة رأساً (من الفقرة ٣ إلى الفقرة ٥).بل لا بد عليه أن يمهّد لهذا الانتقال عبر فقرة التخلّص.

والتخلّص أسلوب أدبي كان معروفاً عند العرب، حيث يذكر الشاعر معنىً ليمهّد الانتقال إلى معنى آخر.

أما في المنبر الحسيني، فإن التخلّص يعني: إن الخطيب حينما يشعر أنه قد أكمل بحثه، وأن المحاضرة التي قد تناولها أدت مهمّتها وكادت أن تصل إلى نهايتها، فإنه يبدأ بالتفكير والتخطيط والبحث عن فكرة ما أو مسألة ما لها ارتباط بمحاضرته من جهة، ويمكن من خلالها - كذلك- التعريج على أحداث واقعة كربلاء.أي يقوم بعملية تمهيد لذهنية المستمع وتهيئة لنفسيته وإعداد لمشاعره حتى تتفاعل في نهاية المجلس مع الأجواء العاطفية والحزينة لأحزان الطف.أن يتخلّص من المحاضرة إلى المصيبة.

إن (التخلّص) الناجح منوط بتوافر عدة شرائط أهمها:

١٠٥

أ- الذوق الخطابي والذهنية المنبرية التي تمكّن خطيب المنبر الحسيني من أخذ (فقرة التخلّص) بالاعتبار منذ أن يشرع بصياغة محاضرته وكتابة بحثه.أي أن الخطيب الناجح هو الذي يفكّر وهو في بداية مجلسه كيف سيختم مجلسه هذا!!.لأنه يعلم أن نجاحه وتوفيقه كخطيب لا يعود فقط إلى قوة المحاضرة، إذ قد يشترك في هذا مع بقية المحاضرين، ولكنه يعلم أن الأمر يتعلّق وإلى حدّ كبير - كذلك- إلى رهافة أسلوبه، وانسيابية طريقته في نهاية المحاضرة لربطها بكربلاء.

فحينما يطرح الخطيب محاضرة حول الصديق والصداقة، فإنه يفكر منذ بداية محاضرته بأفضل ربط بين محاضرته وحدث من أحداث كربلاء.حيث يخطط -مثلاً- لأن يُنهي المجلس باستشهاد مسلم بن عوسجه الأسدي ومجيء حبيب بن مظاهر الأسدي رضوان الله عليه إلى مصرعه باعتباره كان صديقاً له ضمن تاريخ جهادي طويل.

فإذن عندنا بداية وهي محاضرة الصداقة، وعندنا نهاية وهي مصيبة استشهاد مسلم بن عوسجة ولكن كيف يربط بينهما؟ هنا يأخذ الخطيب بالتفكير والبحث عن فكرة ما تكون ضمن سياق المحاضرة فلا يشعر المستمع أنه قد دخل في موضوع جديد، بل قد لا يتصوّر أن هذه الفكرة ستنقله إلى كربلاء.فيجد الخطيب الحديث الشريف: «لا يكون الصديق صديقاً حتى يحفظ أخاه في ثلاث؛ في غيبته، ونكبته، وعند وفاته).ويكتشف أهلية مؤدى الحديث الشريف مع المهمة التي يسعى إليها.فيجعل هذا الحديث في آخر محاضرته

١٠٦

لأنه يعتبر جسراً جيداً يربط به بين المحاضرة وكربلاء.فيذكر الحديث مع شرح يتناسب والوقت حتى يصل إلى حضور الصديق في وفاة صديقه.ثم يقول: نعم كم يتألم الصديق حينما يسمع باحتضار صديقه خاصة من كان له معه تاريخ من الوفاء والصدق.فكيف بمن كان يسعى لمصرع أحد أصدقائه وإخوانه وفيه بقية من روح نعم كيف لنا أن نتصور شعور صديق سبقه صديقه إلى الشهادة يذهب إليه ليؤبنه ويبشره بالجنة، كما صنع حبيب بن مظاهر الأسدي حينما سار خلف الإمام الحسينعليه‌السلام إلى مصرع صديقه وابن عمه مسلم بن عوسجة الأسدي.

وهكذا رأينا كيف انتقل الخطيب من المحاضرة إلى المصيبة.

وهذا مجرد مثل لما ينبغي أن تكون عليه ذهنية خطيب المنبر الحسيني، حيث عليه أن يفكر حينما يشرع بكتابة محاضرته بكيفية إنهائها إلى كربلاء.

هذه هي الطريقة الأفضل، نعم يمكن للخطيب أن يبدأ محاضرته ثم يقف في نهايتها متأملاً وباحثاً عن (تخلّص) يعينه في مهمته، وهي مرحلة قد تأتي بعد طول خبرة ومزيد ممارسة.

ب- الاطلاع الواسع والدقيق على كل مفردات السيرة الحسينية.لقد أكّدنا مراراً أثناء دروسنا السابقة، أن من الأمور الأساسية التي تميّز خطيب المنبر الحسيني عن بقية المحاضرين والخطباء، أنه يمتلك اطّلاعاً واسعاً واهتماماً بالغاً بواقعة كربلاء وأحداثها، بل ويزيد على ذلك تميّزه بحفظ النصوص من خطب ومحاورات وأشعار

١٠٧

ذكرتها كتب السير.

إن واقعة كربلاء واقعة شمولية إذا صحّ التعبير، حيث جمعت بين بدايتها ونهايتها أحداثاً متنوعة ومواقف مختلفة، وسلوكيات متباينة، وظروفاً متعددة.جعلت منها منجماً ثميناً ومجالاً غنياً لإمكانية أن يربط بين أي موضوع يُتحدث عنه أو فكرة تناقش أو مسألة تطرح، أن يُربط بين كل ذلك وحدث من أحداث كربلاء، إما بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.ولهذا نجد أن خطباء المنبر الحسيني وهم يعالجون على منابرهم مختلف القضايا ويطرحون أنماط الأبحاث في جوانب الحياة المختلفة للإنسان والمجتمع ثم يربطون كل ذلك بكربلاء وعالمها.

إن من أهم ما يمكّن خطيب المنبر الحسيني من أن يكون ناجحاً في تهيئة التخلّص المناسب والمؤثّر في الوقت ذاته، أن يكون مطّلعاً وبشكلٍ دقيق وتفصيلي على كل ما يتعلق بحركة الإمام الحسينعليه‌السلام منذ أن رفض البيعة ليزيد بل وقبلها، إلى خروجه من المدينة إلى مكة وما جرى له في مكة، حتى خروجه منها إلى العراق، والمنازل التي مرّ بها وأحداثها وأشخاصها، ثم ظروف وصوله إلى كربلاء وكل المحاورات والتطورات حتى ليلة عاشوراء ثم الإهتمام الأكثر تفصيلاً بأحداث ليلة عاشوراء ثم متابعة دقيقة وتفصيلية لكل ما جرى في يوم عاشوراء من مواقف وأحداث وأشعار ونصوص حتى الشهادة، ثم ما جرى بعد ذلك وطول رحلة السبا من كربلاء إلى الكوفة ومنها إلى الشام ثم العودة عبر كربلاء إلى المدينة.

١٠٨

الدرس الخامس عشر:

مادة الخطيب في فقرة التخلص

أكدنا في درسنا السابق على أهمية الاطلاع على السيرة الحسينية بحيث نستطيع أن نصوغ معادلة مفادها: كلما كان الخطيب مطَّلعاً على تفاصيل أدق كان أقدر في اختيار أسلوب التخلّص المؤثّر والنافع.

وكمثال: فإن أحد أساتذة المنبر الحسيني وهو المرحوم الشيخ هادي النويني، كان قد طرح عنواناً لمحاضرته وهو الآية الكريمة﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ (١) .وكان رُبطهُ وتخلّصهُ موفقاً حينما أنهى محاضرته بمقطع من الحوار الذي جرى بين زهير بن القين رضوان الله عليه والشمر يوم عاشوراء، حينما قال الشمر لزهير: إني أراك تعبد الله على حرف.فأجابه زهير: إني والله أراك تعبد الله على سبعين حرفاً.

فلولا أن الخطيب كان متابعاً لهذه الجزئية في هذا الحوار لما اهتدى إلى هذا التخلّص.

وطرح الشيخ أحمد الوائلي في مجلس قام به المختار الثقفي في قضية أخذ ثأر شهداء كربلاء، والأجواء لا مجال فيها للبكاء لأنه فيها انتصار لأهل البيتعليهم‌السلام من قاتليهم وظالميهم.ولكنه وجد في قصة

____________________

١- الحج: ١١.

١٠٩

أخذ الثأر هذا مقطعاً سجّل حالة تأمل وحزن بدت على وجه المختار لما جيء إليه برأس عمر بن سعد ورأس ابنه حفص فقال: أهذا برأس الحسين وهذا برأس علي الأكبر؛ وهكذا وجد هذا الجسر الذي انتقل منه إلى كربلاء، وعاد من خلاله بالمجلس إلى أجواء الحزن.

وهكذا فإن الاطلاع الدقيق والتفصيلي على أحداث كربلاء، يمكّن الخطيب من اختيار التخلّص الناجح والمؤثر في عين الوقت.

إن هذا الاطلاع هو مادة الخطيب في فقرة التخلّص.

- الاطلاع على تجارب شيوخ المنبر الحسيني وإبداعاتهم في هذه الفقرة.لأن هناك أناس مميزون في كل حقل من حقول العلم والمعرفة والأدب وأنواع التخصّصات، فكذلك نجد في عالم المنبر الحسيني، خطباء مميزون.وبعض هؤلاء الخطباء برز تميّزهم وبشكل رائع في فقرة التخلّص.فقد يكون بعض الخطباء غير متميزين في محاضراتهم ولكنهم متميّزون في حسن نقل المستمع من أجواء المحاضرة إلى أجواء المصيبة.

والاطلاع إما مباشرة، من خلال حضور مجالس الخطباء المشهورين أو الاستماع إلى تسجيلات مجالسهم.حيث على الخطيب المبتدئ أن يسائل نفسه كيف سينتهي هذا الخطيب من محاضرته وإلى أي جانب من جوانب كربلاء سيعرّج!

فليحاول التوقّع، ثم ليقارن بين توقعه وبين ما يسمعه من الخطيب.

وأما أن يكون الاطلاع بصورة غير مباشرة، من خلال الكتب والمصنّفات التي اهتمّت بتسجيل بعض اللقطات التي يمكن أن توظّف

١١٠

توظيفاً رائعاً في التخلّص.

ولعلّ أشهر كتاب يمكن أن يعين في هذه المرحلة هو كتاب (الخصائص الحسينية) للعلامة الخطيب الشيخ جعفر التستريرحمه‌الله .وهو كتاب يحظى بأهمية خاصة عند خطباء المنبر الحسيني.كما يمكن الرجوع إلى بعض الكتب الأخرى التي صيغت على شكل مجالس يتم في آخر كل مجلس ربطه بحدث من أحداث كربلاء، مثل كتاب (شجرة طوبى) للمرحوم الشيخ محمد مهدي الحائري ففيه أمثلة كثيرة على التخلّص.

هذه هي أهم النقاط التي يمكن من خلالها أن يوفّق الخطيب للوصول إلى (تخلّص) مناسب ودقيق ومؤثّر.

ومن الجدير بالذكر، أن (التخلّص) كان من الفقرات الفنية التي رافقت تطوّر المنبر في مرحلته الأخيرة (راجع مراحل تطور المنبر الحسيني).ويُذكر أن أول خطيب حسيني أخترع أسلوب التخلّص في المنبر الحسيني، كان الخطيب المشهور الشيخ كاظم سبتيرحمه‌الله (راجع كتاب: ما في النجف وحاضرها للشيخ جعفر محبوبة).

ويُطلق على التخلّص في المجالس الحسينية في العراق والخليج والمنطقة العربية في إيران، مصطلح (الكَريز) بالكاف الأعجمية، وهي كلمة فارسية الأصل معناها: النُقلة.

وفي نهاية فقرة التخلّص لا بد من التأكيد على ما يلي:

النقطة الأولى: على خطيب المنبر الحسيني النابه، أن يختار (التخلّص) المناسب مع ظروف مجلسه ومستوى الحاضرين الثقافي

١١١

والاجتماعي، لأنه قد يكون (تخلّص) رائع في ظرف ما غير موفقٍ في ظرفٍ آخر.فالمسألة راجعة إلى اختيار الخطيب وحسن انتقائه.وكأمثلة:

أ- حضر أحد الطلبة الجدد، مجلساً في مخيّم الإمام الحسينعليه‌السلام بكربلاء ليلة الحادي عشر من المحرّم.وهذا المجلس وبهذه الظروف المكانية والزمانية، يكون الدمع فيه منساباً والقلوب فيه منفعلة مع مصائب الطف.ولما ارتقى الخطيب المنبر بقي ساكناً مدةً حتى الفت أذهان الحضور، فسكتوا واصغوا إليه ينتظرون ما هو سبب سكوته، هل نسي الشعر أو المصيبة أم ماذا؟ وإذا بهذا الخطيب يقرّب أنفه من الميكرفون وهو يصد أصوات الشمّ وكأنه يشمّ رائحة ما.فقال: إني أشم رائحة حريق وأشياءً محترقة.وحينما أراد بعض الحاضرين أن يعرف مصدر رائحة الحريق هذه بادرهم الخطيب: لعلّ هذه من بقايا خيام الحسين المحترقة هذا اليوم هنا في المخيّم فالتهب المجلس بكاءً وصراخاً وحنيناً.

ثم صادف أن التزم هذا الخطيب المبتدئ قراءة مجالس لليالي عاشوراء، في السنة القادمة وعند قرية من القرى حيث تُبنى بيوتهم من القصب وجذوع النخل والحصر، ويعتبر الحريق عندهم كارثة حقيقية، رغم ذلك فقد قرّر هذا الطالب أن يسرد نفس ما جرى من ذلك الخطيب في مخيم الحسينعليه‌السلام بكربلاء.ولما أخذ يشمّ ثم يقول إني أشمّ رائحة حريق وإذا بالناس ينهضون خائفين مذعورين، حذر الحريق المزعوم هذا حتى تركوا المجلس وذهب كل رجل ليطمئن على بيته السريع الاشتعال!!

إذن ليس كل (تخلّص) يكون مناسباً مع اختلاف الظروف الزمانية والمكانية.

١١٢

ب- كان الخطيب الحسيني الشهير الشيخ جواد القسّامرحمه‌الله مدعوّاً لقراءة مجلس في وفاة والدة أحد رؤساء العشائر المشهورين أيضاً واسمه مبدر آل فرعون.واحتشد المجلس وكان الخطيب على منبره في صدر المجلس بينما ابن المتوفاة في آخره فأخذ الخطيب يسأله كيف توفيت الوالدة؟ وظروف الوفاة.ثم تابع أسئلته متى توفيت الوالدة؟ فأجابه: لقد توفيت والدتي عصراً، فبادره الخطيب سائلاً: ولماذا لم تدفن والدتك ليلاً؟.فقال ابنها: كيف يمكن أن تدفن أميّ ليلاً، وأنا ولدها رئيس العشيرة المعروف، والشخصية الاجتماعية البارزة، نعم لا يمكن دفنها حتى تجتمع العشائر وتسمع بذلك القبائل وتأتي الوفود ويجتمع الأرحام، حتى شيّعناها نهاراً مع الاهازيج العشائرية تشييعاً يليق بها وبي وبعشيرتي!!

هذا والناس يستمعون هذا الحوار، وهم لا يدرون هدف الخطيب من هذا الحوار، وإذا بالخطيب يرفع صوته صارخاً وناعياً:

ولأي الأمور تُدفن ليلاً بضعة المصطفى ويُعفى ثراها

أم من بنت من حليلة من ويلٌ لمن سنّ ظلمها وآذاها

فانفجر المجلس بالبكاء بهذا التخلّص الفني الرائع في ربط ظروف دفن هذه المرأة مع ظروف دفن سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراءعليها‌السلام .

ولكن صادف أن أحد الخطباء البسطاء كان حاضراً هذا المجلس فأعجب بهذا التخلّص.وذات يوم توفيت والدة أحد الفلاحين الفقراء، فدعي للقراءة في مجلس قليل الحضور محدود التواجد.

١١٣

وإذا بهذا الخطيب يحاول محاكاة الشيخ جواد القسّام وتقليده في مجلسه المشهور آنفاً.فبدأ يخاطب ذلك الفلاح الفقير .كيف توفيت الوالدة؟ وما هي ظروف وفاتها؟.إلخ.

ولكن صادف أيضاً، أن هذا الفلاّح المسكين كان حاضراً ذلك المجلس المشهور، وإذا به يقاطع الخطيب بلغة لا تخلو من استهجان وتهكّم! مولانا إقرأ مجلسك ولا تضخّم الموضوع، فلا أنت كالشيخ ابن قسّام، ولا أنا كرئيس العشيرة مبدر ولا والدتي كوالدته!! فضحك الناس وأسقط ما في يدي الخطيب وفشل مجلسه وولّى هارباًپ.

النقطة الثانية: إن هناك مجتمعات عريقة في إقامة المجالس الحسينية، تكوّنت عندها على تراكم الخبرات والاستماع لشيوغ الخطباء واستمرارية المجالس لعدة مناسبات وبمختلف الظروف، تكونت خبرة ونشأ ذوق ونمى حسٌ مرهف، يتجاوب مع الخطيب ويتفاعل معه.فتسهل بذلك مهمة الخطيب وتكون فرص النجاح لديه أكثر.ومن جملة تلك التسهيلات أن المستمع يفهم مراد الخطيب وقصده والنقطة التي يريدها.ولكن الأمر لا يكون كذلك في مجتمع أو بيئة قليلة المجالس محدودة الخطباء جديدة العهد بها، فما يكون تخلصاً نافعاً في مجلس قد يكون نافع في مجلس آخر لا يمتلك عراقة الأول وقدمه وخبرته.

وكمثل على ذلك.فقد ارتقى أحد كبار الخطباء وهو الشيخ عباس قوزي المنبر في يوم عاشوراء، وهو بحذائه مما أثار استغراب الحاضرين واستهجانهم، وارتفعت همهماتهم فيما بينهم، كيف يرتقي الخطيبُ منبر سيد الشهداء بحذائه وفي يوم عاشوراء؟

١١٤

وإذا بذلك الخطيب يلتفت إليهم ليقول: استغربتم ارتقائي المنبر بحذائي؟ والمنبر ما هو إلّا خشب وقماش أسود، فما تقولون لو رأيتم الشمر يطأ صدر الحسين؟.وارتفعت أصواتهم بالبكاء والنحيب.

إن هذا التخلّص، الرائع قد لا يكون مناسباً في بيئة أخرى، بل قد لا يبكي الناس في أكثر المجتمعات الحديثة حالياً.

النقطة الثالثة: إن مجالس ليالي عاشوراء، وكما سبق بيانه، تنتهي بمصائب معروفه لكل ليلة من الليالي، وبالتالي فإن نفسية روّاد المجالس مهيأة للاستماع إلى مصيبة خاصة، وبالتالي فهم يتوقعون أن يكون التخلّص لكل مصيبة محدّداً مسبقاً، وهذه الحالة لا تلغي إبداع الخطيب في اختراع طرق تخلص متنوعة وجديدة.

وما يقال عن ليالي عاشوراء، يقال عن المجالس التي تعقد في مناسبات وفيات المعصومينعليهم‌السلام فبالرغم من كون هذه المجالس محدّدة المصيبة، إلا أنها لا تلغي دور فقرة التخلّص في مزيد من الإبداع والتفنن.

أما ما عدا ذلك من المجالس، وطوال السنة، مثل مجالس بقية شهر المحرم، ومجالس شهر صفر ومجالس شهر رمضان الفضيل، فإن الخطيب فيها مخيّر باختيار نوعية الموضوع (المحاضرة) كما له الحرية باختيار فقرة المصيبة وما يناسبها من تمهيد عبر فقرة التخلّص.

ونؤكد أخيراً، أن نجاح الخطيب الحسيني في فقرة (التخلّص) يعود إلى عوامل عدة منها: متابعته لشيوخ الخطباء، وأساتذة المنبر، الاطلاع الكامل على كل تفاصيل السيرة الحسينية، حسّه المرهف وحسن أسلوبه وقدرته على الإبداع المتواصل.

١١٥

الدرس السادس عشر:

فقرة المصيبة ١

أكملنا في درسنا السابق الفقرة الرابعة من فقرات المنبر الحسيني المعاصر، وهي فقرة (التخلّص).وفي هذا الدرس نواصل دراستنا لبقية الفقرات وهما (المصيبة) وَ (الدعاء).

٥- فقرة المصيبة

ونعني بها التوقّف عند مفردة من مفردات أحداث واقعة كربلاء ذات الجانب العاطفي الحزين، حيث يتم إشباع هذا الجانب بالشعر الرثائي المناسب لها، وبنوعية الشعر العربي الفصيح (القريض)، والشعر الشعبي المتداول.

وفي هذه الفقرة يتغير أداء خطيب المنبر الحسيني، شكلاً ومضموناً أما شكلاً؛ فمن خلال تغيّر نبرات صوته وارتفاعها، واستخدام أطوار وأساليب الإنشاد العاطفي الحزين.فالخطيب نفسه الذي كان هادئاً في حديثهِ، طبيعياً في طرح محاضراته، نجده في هذه الفقرة رافعاً صوته، مغيّراً نبراته لمزيد من الإبكاء وإيقاد العواطف الحزينة وإذكاء الإشجان.

وللدّقة العلمية، فإن نبرات صوت الخطيب تبدأ في نهاية فقرة (التخلّص) السابقة، ولكن التغيّر هناك تغيراً بسيطاً يتمثّل بترقيق

١١٦

الصوت دون رفعه، وبأسلوب رقيق هادئ في عملية تهيئة للوصول بروّاد المجالس الحسينية إلى حالة الإبكاء واستدرار الدموع.

إن فقرة (المصيبة) كانت من التطورات الفنية التي طرأت على المنبر الحسيني عبر مراحله التاريخية.فقد كانت المصيبة ضمن قصيدة الرثاء التي لم يكن غيرها في بداية نشوء المنبر كما مرّ بنا.فحينما كان الشاعر يقرأ قصيدته الرثائية، فإنما كان يعرض جوانباً من كربلاء وأحزانها ومصائبها، دون أن يكون للمصيبة فقرة خاصة.ثم أن الشعر الرثائي في بدايته لم تكن تصاحبه تغيرات في الصوت وتجويد في الإنشاد الحزين.نعم بدأ ذلك بوقت مبكر، حينما طلب الإمام الصادقعليه‌السلام من أبي هارون المكفوف الـمُنشد، أن يعيد قراءته لقصيدة السيد الحميري بأسلوب شجي وطريقة مُحزنة وإنشاد عاطفي.(كما ذكرناه في دروسنا الأولى).

ومع تطوّر المنبر، ودخول عنصر الوعظ بعد إنشاد القصيدة في مقدمة المجلس، كان لا بد من ختم المجلس بالعودة إلى كربلاء وآلامها مرة أخرى، فنشأت فقرة (المصيبة).

إن فقرة (القصيدة) التي سبق لنا دراستها، كانت تتضمن التعريج على كربلاء ومصائبها، وقد قلنا أن الأفضل من الناحية الفنية أن يتم انتقال الخطيب من طور (الدرج) إلى طور (المثكل) حينما ينتقل الشاعر إلى كربلاء وأحزانها.كما قلنا هناك - أن العادة قد جرت أن لا يكتفي بإنشاد القصيدة الفصحى في أول المجلس، بل تُلحق بها أبيات من الشعر الشعبي العراقي أوالخليجي.

١١٧

لكننا هنا ونحن في نهاية المجلس، فإن فقرة (المصيبة) تختلف عن سابقتها التي جاءت ضمن القصيدة في جملة نقاط منها:

أ- ضرورة التمهيد لفقرة (المصيبة) بفقرة (التخلّص) كما درسنا، بينما لا تحتاج المصيبة التي تأتي ضمن القصيدة إلى تمهيد من قبل خطيب المنبر الحسيني.

ب- إن المصيبة الواردة في القصيدة لا تحتاج إلى إشباع، كما ينبغي أن يكون عليه الحالة في فقرة (المصيبة) آخر المجلس.فإذا لم يتم التفاعل العاطفي مع القصيدة ومصيبتها ولم يحدث إبكاء ولم تنزل الدموع، فهو أمر لا يقدح بقدرة الخطيب ومقدرته الفنية في الوصول بالمستمع إلى مستوى ذلك، وإلى حدّ واضح.أما أن لا يوفّق الخطيب في أن يصل بروّاد مجلسه في فقرة (المصيبة) إلى مستوى الإبكاء، فهي مسألة بحاجة إلى مراجعة ودراسة، وهي ظاهرة تمس صميم مهمة الخطيب الحسيني.

صحيح أن المسألة نسبيّة، تختلف من مجتمع منبري لآخر، ومن مستوىً لثانٍ، ولكن لفقرة المصيبة خصوصية واضحة في إيصال خطيب المنبر الحسيني بروّاد مجلسه إلى نقطة الانفجار العاطفي والبكاء أو التباكي.

ج- في فقرة (المصيبة) وللوصول إلى ما ذكر أعلاه، فإن الخطيب لا يكتفي عادة بطور خاص، ولا بإسلوب واحد في إذكاء العواطف الحزينة المتعلقة بالمفردة التي اختارها لإنهاء مجلسه بها.فنجده يستخدم عدة أطوار من الشعر الفصيح والشعبي الدارج، ينتقل فيه من الفصيح إلى

١١٨

الشعبي وبالعكس، حتى يجد أن المجلس قد أخذ كفايته من الإذكاء العاطفي والإبكاء الحزين.بينما جرت العادة في إنشاد القصيدة على اتباع أطوار محدّدة، وقد لا ينتقل إلى الشعر الشعبي بعدها، وإذا فعل ذلك فمن غير المألوف والمستساغ عودته مرة أخرى إلى الشعر الفصيح.

د- إن المصيبة التي تأتي ضمن فقرة (القصيدة) لا تحتاج إلى بيان وعرض من قبل الخطيب، فلا تبرز فيها قدرته الإبداعية أو الأدبية في صياغة الكلمات وسبك الألفاظ، بينما نجد أن فقرة (المصيبة) في نهاية المجلس تأتي أولاً بعد فقرة (التخلّص) التي تمهّد لها، وثانياً لا بد للخطيب أن يصوّر المفردة الحزينة، ويقرّب جوانبها العاطفية، وهو يسعى لإذكاء الأحزان واستدرار الدموع، مستخدماً رصيده الأدبي، ومقدرته التصويرية، بل قد ينزل الخطيب الحسيني من منبره، ولاقطة الصوت بيده - لمزيد من الإبكاء - ويتجوّل بين الناس، كما هو الحال في بعض مجالس الخليج، وهذا لا يكون عند إنشاد القصيدة.فالنقطة الرابعة هنا، إن مستوى الخطيب وقدرته وكفاءته ورهانة أسلوبه تبرز في فقرة (المصيبة) هذه، وبشكل واضح.

ه- في أثناء إنشاد القصيدة لا يحتاج الخطيب إلى إيراد نصّ يتعلّق بالمصيبة التي تتناولها هذه القصيدة، بينما يحتاج الخطيب في فقرة (المصيبة) إلى إيراد النصّ المأخوذ من كتب المقاتل والسير، حتى يهيأ الأجواء ويوضّح الصورة ويبرز المفردة الحزينة، التي يريد توظيفها في هذه الفقرة.وهنا تبرز ضرورة حفظ النصوص المتعلقة بجوانب كربلاء وما فيها من حوارات وأشعار وتوصيف المواقف.

١١٩

ونورد مثالاً يتضمن النقاط التي ذكرناها آنفاً.

لو فرضنا أن خطيب المنبر الحسيني، كان يطرح محاضرة في الأخلاق وأهميتها أو في خصوص أخلاق النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثم أخذ الخطيب يفكّر في مفردة المصيبة التي ينبغي اختيارها لإنهاء مجلسه، فاختار - فرضاً- مفردة مصيبة عبد الله الرضيع بن الإمام الحسينعليه‌السلام .فالخطيب لا بد عليه أولاً أن يهيء ذهن المستمع ونفسيته للانتقال من المحاضرة إلى كربلاء، أي لا بد أن يمرّ بفقرة (التخلّص) قبل وصوله إلى فقرة (المصيبة).

فتبدأ نبرات صوته بالتغيّر، حيث يتحدث بطريقة هادئة حزينة وكأنه يخاطب قلوب الحاضرين وضمائرهم، فيقول - على سبيل المثال -: هذه أخلاق الإسلام وهذه أخلاق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي كان يحبّ الأطفال ويرعاهم، ويقولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمن لم يقبّل طفله الصغير "من لا يرحم لا يُرحم".حتى كان يؤتى بالأطفال إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليؤذن ويقيم في آذانهم وليدعو لهم ويباركهم ويمسح بيديه الحانيتين عليهم.

(وهنا تبدأ نفسية المستمع بالاستعداد لما يريد الخطيب إيصاله إليه، وهي مصيبة الطفل الرضيع).أقول سيدي يا رسول الله، إذا كنت تعامل أطفال المسلمين بهذه الرقّة وهذه العاطفة وهذا الحنّو.فأين أنت يا من بعثت رحمة للعالمين عن أبنائك يوم عاشوراء.أين أنت عن أطفال الحسن وأطفال الحسين.

(لاحظ هنا أن الخطيب أخذ يوظّف قدراته الفنية والتصويرية والأدبية للانتقال إلى فقرة المصيبة).

نعم أين أنت يا نبي الله عن كربلاء، لا أعلم حالك إذا نظرت إلى

١٢٠