دروس في بناء المجلس الحسيني

دروس في بناء المجلس الحسيني 0%

دروس في بناء المجلس الحسيني مؤلف:
المحقق: معهد سيد الشهداء للمنبر الحسيني
الناشر: جمعية المعارف الاسلامية الثقافية
تصنيف: الإمام الحسين عليه السلام
الصفحات: 158

  • البداية
  • السابق
  • 158 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 2008 / تحميل: 312
الحجم الحجم الحجم
دروس في بناء المجلس الحسيني

دروس في بناء المجلس الحسيني

مؤلف:
الناشر: جمعية المعارف الاسلامية الثقافية
العربية

كربلاء بعداً عاطفياً، جنباً إلى جنب مع قيام ركب السبي بتوضيح نهضة الإمام الحسينعليه‌السلام وفضح النهج الأموي الظالم، وقد انتظمت مجموعة من التعازي والمآتم العفوية عبر هذه المسيرة.

فهناك عزاء أقيم في كربلاء ليلة الحادي عشر؛ حيث زينبعليها‌السلام المفجوعة ومن بقي من النساء والأطفال في تلك الليلة.

ومجلس أقيم حينما خرج ركب السبايا من كربلاء، ومجلس آخر أقيم في الكوفة؛ وكان مأتماً عاماً، ضجت الكوفة بأهلها حتى يقول القائل: رأيت شيخاً إلى جنبي يبكي قد بلَّ لحيته بدموع عينيه وهو يقول بأبي أنتم وأميًّ.إلى آخر الرواية، إذن هناك مجلس عزاء عمومي في كربلاء وآخر في الكوفة، ومجالس عزاء متنقلة في الطريق إلى الشام.إن مجلس العزاء العام الذي أُقيمَ في الكوفة والتي كانت فيها قاعدة مواليه ومحبة لأهل البيتعليه‌السلام .ولكن هذا الأمر لم يكن موجوداً في الشام؛ لأن الشام كان فيها نمط آخر، حيث ساد العداء لأهل البيتعليه‌السلام ، نعم أقيم مجلس عزاء في قصر يزيد من قبل بعض النساء الأمويات اللواتي أقمن المآتم ثلاثة أيام، وشاركن بنات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالعزاء.كما يُنقل ذلك في تاريخ الطبري والأخبار الطوال وابن الأثير وغيرهم، نعم كان هناك بكاء ونحيب عام في مسجد دمشق الأعظم، تجاوباً مع خطبة الإمام زين العابدينعليه‌السلام .ثم كان هناك مجلس آخر عام أيضاً أقيم في كربلاء حيث أن مأتماً كبيراً أقيم في كربلاء في يوم الأربعين، ومأتم كبير آخر أقيم في المدينة المنورة، لما رجع ركب السبايا إلى المدينة،

٢١

وخروج أهل المدينة لاستقبال الـمَسبيات.حتى يقول الراوي فكان يوماً شبيهاً بيوم مات فيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد أطلقنا على هذه المآتم أنها مآتم عفوية أو عرضية، ومعنى ذلك أنه لم يكن هناك مسألة تخطيط مسبق لهذه المآتم، بل أن طبيعة المأساة وطبيعة الآلام، هي التي كانت تفجر موقف البكاء.نعم برزت المجالس الحسينية الهادفة، بعد ذلك حينما دعا الأئمةعليهم‌السلام شيعتهم وشجعوهم وحثوهم على إقامة هذه المآتم.

فهذا الإمام زين العابدينعليه‌السلام حينما يقول: "أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين دمعة، حتى تسيل على خده بوأه الله بها غُرفاً في الجنة يسكنها أحقاباً".

لقد كانعليه‌السلام يدعو إلى البكاء وتذكر واقعة كربلاء ونجد الإمام الباقرعليه‌السلام يقول: "ما اجتمع مؤمن مع آخر وتذاكروا في أمرنا إلا وكان ثالثهما ملك مقرّب يدعو لهما".

ونستمع إلى الرواية حينما يدخل الفضيل ابن يسار على الإمام الصادقعليه‌السلام ويسأله الإمام: يا فضيل تجلسون وتتحدثون؟ قال الفضيل: نعم جعلت فداك يا ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: "يا فضيل، إن تلك المجالس أحبها أحيوا أمرنا رحم الله من أحيا أمرنا".

إذاً هناك دعوة واضحة إلى إقامة المآتم والحث على حضورها، وكذا الحال مع الإمام الرضاعليه‌السلام عندما يلتقي بالريان ابن شبيب في أول يوم من أيام محرم ويقول له: يا ابن شبيب إن كنت باكياً لشيء فابكِ للحسين بن علي بن أبي طالب.وهذه دعوة أخرى إلى أن تقام

٢٢

المآتم الحسينية، والأئمةعليهم‌السلام لم يكتفوا بالحث وإنما نفذوا ذلك على الأرض.

فكان الإمام الباقرعليه‌السلام يدعو الشعراء إلى بيته، ويدخل الكميت ابن زيد الأسدي ويدخل السيد الحميري وشعراء آخرون يرْثُون الإمام الحسينعليه‌السلام بين يدي الإمام الصادقعليه‌السلام وهو يدعو أصحابه للاجتماع والبكاء.إذاً أصبح هناك مجلس حسيني هادف، وهو يختلف عن المآتم التي كانت في أيام السبايا، ففي أيام السبايا كانت طبيعة المأساة هي التي تُبكي الناس، فيتفاعلون معها.وأما هنا فقد برزت مآتم يُدعى لها ويستجيب المؤمنون لدعوتها.

لقد كان ممكناً لواقعة كربلاء أن تنسى وكانت مهددة بالنسيان فعلاً، ولكن الأئمةعليهم‌السلام أرادوا أن يُبقوا جذوة كربلاء متقدة في النفوس، حتى تبقى طاقة تزِّود الأمة بعطاء عاطفي ورشدٍ واعٍ، فيه حرارة وصدق مع مبادئ الإسلام والتضحية من أجله.نعم لقد أثمرت جهود الأئمةعليهم‌السلام في إبقاء واقعة كربلاء حيّة عبر المجالس والمآتم.حتى نشأت في عهد الإمام الصادقعليه‌السلام طبقة أو مجموعة من الناس أطلق عليهم اسم المنشدون (الـمُنْشِدُ رجل يحفظ الشعر الرثائي في الحسينعليه‌السلام ويقرأه) وهناك رواية أن الإمام الصادقعليه‌السلام تدَخّل حتى في كيفية قراءة القصيدة، ففي الرواية المشهورة حين يدخل أبو هارون المكفوف على الإمام الصادقعليه‌السلام يلتفت إليه الإمامعليه‌السلام يقول له: أتحفظ شيئاً من قصائد السيد الحميري قال نعم، قال الإمامعليه‌السلام أنشدني،

٢٣

وكأنما هيبة الإمام الصادقعليه‌السلام قد جعلت هذا الرجل يقرأ القصيدة وكأنها شعر عادي:

أمرر على جدث الحسين

وقل لأعظمه الزكية

يا أعظماً ما زلت من

وطفاء ساكبة رويّة

ولكن الإمام الصادقعليه‌السلام التفت إلى الرجل وقال: يا أبا هارون ما هكذا، إقرأها كما تقرأون وفي رواية اقرأها وكأنك عند قبر الحسينعليه‌السلام .

وكأن لسان حاله.يقول: نعم لا أكتفي منك أن تقرأها بالطرق العادية، إقرأها بالطور إقرأها باللحن المشجي بالأسلوب الحزين، إذن لقد نشأت في عهد الإمام الصادقعليه‌السلام طبقة تسمى بالمنشدين، المنشدون أناس اختصوا بالرثاء بالإمام الحسين فأصبح هناك تخصص.لقد خطى المنبر الحسيني أولى خطواته، حينما برز في المجتمع أناس متخصصون بقراءة القصائد الرثائية، ولم يكن في المجالس حينذاك موضوع ولا تخلّص ولا مصيبة، كانت هناك قصيدة فقط ولم يكن يقرأ غيرها، وفي موازاة هؤلاء المنشدين نشأت طبقة أخرى تسمى بالقصّاصين.

والقصاصون هم الذين كانوا يسردون على الناس قصة واقعة كربلاء بما يعرف بالسيرة أو مصرع الحسينعليه‌السلام فيقصون على الناس؛ كيف خرج الإمام الحسينعليه‌السلام من المدينة بعدما رفض بيعة

٢٤

يزيد كيف وصل إلى مكة؟ ماذا جرى في مكة؟

ما هي الطرق من مكة إلى كربلاء؟

ماذا حصل في كربلاء؟ أحداث يوم عاشوراء ثم أحداث ليلة عاشوراء، بعد ذلك السبايا، وماذا حصل في الكوفة؟ ماذا حصل في الشام؟ خطبة الإمام زين العابدينعليه‌السلام ، خطبة السيدة زينبعليها‌السلام ، الرجوع من مكة إلى كربلاء؟ من كربلاء إلى المدينة؟

وكل ما جرى مع الإمام الحسين وأصحابه قبل المعركة وبعد المعركة وهذا يسمى كما ذكرنا بالمقتل أو المصرع.

إذن القصاصون كانوا يقرأون ويقصون على الناس: الذي حدث في كربلاء ثم تطوّر الأمر ثم بعد ذلك حيث اندمج هذان العنصران في شخص واحد، فصار الـمُنْشِدُ يقرأ شيئاً من هذه السيرة.

وبعدها لا بد أن يقرأ معها شيء من الشعر، فبدأت الخيوط الأولى تتجمع لقارئ العزاء، لبروز الخطيب الحسيني، حيث أصبح يقرأ القصيدة والسيرة، ثم استمر هذا التطور حتى أضيف إلى رثاء الإمام الحسينعليه‌السلام رثاء بقية أهل البيتعليهم‌السلام .

ولعل من أقدم النصوص في هذا التطوّر، هو قصيدة دعبل بن علي الخزاعي، التي أنشدها في حضرةِ الإمام الرضاعليه‌السلام ، والتي لم يُركّز فيها فقط على مصيبة الإمام الحسينعليه‌السلام ، وإنما كان يعرّج على مصائب أهل البيت عموماً، وهو التطور الذي وسّع من

٢٥

دائرة المنبر ليشمل بقية الأئمة مع الحسينعليه‌السلام .ومن أبيات تلك القصيدة:

مدارس آيات خلت من التلاوة

ومنزل وحي مقفل العرصاتِ

ديار علي والحسين وجعفر

وحمزة والسجاد ذي الثفناتِ

قبور بكوفان وأخرى بطيبة

وأخرى بفخٍ نالها صلواتي

وقبرٌ بأرض الجوزجان محلها

وقبر ببا خمرا لدى الغربات

وقبرٌ ببغداد لنفسٍ زكيّة

تضمنها الرحمن بالعرفات

ويومها بكى الإمام الرضاعليه‌السلام ثم قال: أضف إلى قصيدتك هذا البيت:

وقبر بطوس يا لها من مصيبة

ألحت على الأحشاء بالزفرات

قال يا بن رسول الله ما عهدت لكم قبراً في طوس، قال الإمام الرضاعليه‌السلام إنه قبري يا دعبل وسيكون مثابة لشيعتي "من زارني في غربتي زرته في غربته يوم القيامة".

بعدها قال الإمام الرضاعليه‌السلام : يا دعبل عرّج بنا على كربلاء.

وبالمناسبة فإن بعض الخطباء يسمون فقرة التخلّص -التي سيأتي

٢٦

بيانها- بالتعريج، حيث يُعرِّج أي ينتقل الخطيب من موضوع إلى موضوع آخر.

وعرِّج بنا على كربلاء تعني أوصلنا إلى كربلاء وفي تلك الساعة، قال دعبل:

أفاطم لو خلت الحسين مجدلاً

وقد مات عطشاناً بشط فراتِ

إلى آخر القصيدة.

ثم أن هناك تطوراً آخر حدث للمجلس الحسيني، حينما دخل موضوع الوعظ في مجالس الحسينعليه‌السلام فأصبح خطيب المنبر الحسيني، يقرأ قصيدة ثم يذكر شيئاً من حديث الوعظ والتذكير بالآخرة والموت ثم يعرّج على كربلاء.

وهكذا بدأ الموضوع يدخل في هيكلية خطيب المنبر الحسيني، كفقرة من فقراته المتطوّرة.

لقد لاحظنا خطوات التطوّر هذه، فالمنشد كان ينشد قصائد الرثاء، ثمّ وسّع من دائرة عمله ليضيف إليها حفظ نصوصٍ من السيرة الحسينية، ثم سيرة ورثاء أهل البيتعليه‌السلام ، وأخيراً شمل التطوّر ذكر المواعظ وأخبارها ضمن الخطبة.

ثم حدثت بعد ذلك تطورات كثيرة أخرى إلى أن وصل الخطيب الحسيني إلى المستوى الذي فيه الآن.فعندما نستمع إلى مجلس حسيني للدكتور الوائلي مثلاً.وإذا بها محاضرة متكاملة فيها الفقه والاقتصاد والفلسفة والعلوم المختلفة وتفسير القرآن والثقافة

٢٧

والتأريخ، بحيث يخرج منها المستمع متعلِّماً ومستفيداً.

وحتى نعرف مقدار السعة التي بلغتها ثقافة الخطباء، نذكر مثلاً لأحد الخطباء المبدعين وهو السيد صالح الحليرحمه‌الله الذي سبق أن أشرنا إليه في درسنا السابق، والذي كان أحد الخطباء المعروفين فكان قد دعي في النجف الأشرف، لإقامة مجالس لعشرة أيام، وكان هناك في العراق عدة جهات تقيم المجالس الحسينية، مثل صنف البقالين يقيمون مجلساً، صنف الحدادين عندهم مجلس، صنف أصحاب المطاعم، صنف أصحاب الفنادق، صنف بائعي الخضار، صنف سائقي السيارات، كل صنف من هذه الأصناف له مأتم خاص به.وكان في النجف مجلس يقيمه المكاريون وهم الذين يتولون مهمة نقل البضائع والمسافرين على دوابهم قبل شيوع السيارات من النجف وإليها.فدعي السيد الحلي أن يقيم لهم مجلس لعشرة أيام.وتستمر هذه المجالس من أول محرم إلى الثلاثين من صفر أي ستين يوماً متتالياً ليلاً ونهاراً، وجرت العادة أن يستمر المجلس الواحد لعشرة أيام أو ليالٍ، فهناك مجلس للعشرة الأولى من المحرم ومجلس للعشرة الثانية منه، وآخر للثالثة وهكذا بالنسبة لشهر صفر أو شهور أخرى.

ولما ارتقى السيد صالح الحلي المنبر، لم يخرج في مجلسه هذا عن مواضيع وأخبار القوافل وما قيل في الجمال والخيول والبغال والحمير من شعر ونوادر أدبية وأحاديث وقصص.فتعاظمت هناك حشود كبيرة من الحضور يستمعون إلى محاضراته ويستمتعون بها وبشكل مذهل.وهكذا لم يبق منبر الحسينعليه‌السلام مجرد مجلس بكاء، إنَّ

٢٨

مجالس الإمام الحسينعليه‌السلام ليست فقط مجالس عزاء، وإنما هي مجالس لتربية الأمة، والمنبر الحسيني الذي بدأ بتجمع بسيط في منزل الإمام الصادق أو الباقرعليه‌السلام ووصل إلى هذه المستويات المتطورة من الطرح، حتى صار مؤسسة إعلامية كبرى، تعالج مشكلات الإنسان المسلم وشؤونه المختلفة وإن على خطيب المنبر الحسيني أن يستوعب هذه المسيرة حتى يعي دوره الذي ينبغي النهوض به والإحاطة بالبرنامج والموضوع الذي يسعى لطرحه.

٢٩

الدرس الثالث:

تمهيد في الخطابة وخطابة المنبر الحسيني

نشأت الخطابة مع تكوّن المجتمعات البشرية الأولى، حيث برزت الحاجة إلى التحدث مع المجتمع المتكون، وبأسلوب يشد الجميع ويوصل إليهم المعلومة المطلوبة.

ويعتبر الأنبياءعليهم‌السلام هم اقدم خطباء البشرية؛ بما كانوا يقومون به من أدوار التوجيه والإرشاد للمجتمعات البشرية، عبر العصور وبمختلف اللغات وتباين الثقافات.

وقد تميز النبي شعيبعليه‌السلام ، بقوة حججه وأسلوبه المميز في الإجتماع مع قومه، حتى لقّب بـ (خطيب الأنبياء).

ومع توسع حاجات الإنسان، وتنوّع وجهات نظره، وبروز حقول جديدة لنشاطاته، فقد تطورّت الخطابة وفقاً لهذا التطور والتخصّص، حيث تقسّم الخطابة إلى أقسام عدة، منها: الخطابة الدينية والخطابة السياسية والخطابة العسكرية والخطابة الاجتماعية.الخ

وذلك حسب نوعية الموضوع المطروح للبحث والمراد الحديث عنه وتوضيح معالمه.

وتعرَّف الخطابة عدة تعريفات، وقد تكون بوضوحها لدى الإنسان

٣٠

بما لا تحتاج معه إلى ذكر نصّ خاص في تعريفها، ولكننا مع ذلك سنورد بعضاً من هذه التعريفات.فقد تعرَّف الخطابة بأنها: (فن التحدّث إلى الجماهير).أو تعرّف في علم المنطق بأنها: (صناعة علمية بسببها يمكن إقناع الجمهور في الأمر الذي يتوقع حصول التصديق به بقدر الإمكان)(١) .

وبعد هذا المرور السريع بموضوع الخطابة، والذي تكفّلت ببيان تاريخه وأنواع الخطابة وتعريفاتها كتب كثيرة، وقصدُنا هنا هو التمهيد لموضوع دروسنا القادمة في حقل (خطابة المنبر الحسيني).أو الخطابة الحسينية أحياناً.ولكن الإسم الأول قد يكون أدق في الدلالة والتعريف من الثاني.

خطابة المنبر الحسيني

إن خطابة المنبر الحسيني تعتبر من أقسام الخطبة الدينية، شأنها شأن خطبة الجمعة وخطبة العيدين.

إلا أننا سوف نجد أن خطيب المنبر الحسيني يحتاج إلى كلّ ما يحتاج إليه الخطيب الديني وزيادة.

فخطبة المنبر الحسيني قسم من أقسام الخطبة الدينية حسب المفهوم، إلا أن مساحة ما تتناوله خطبة المنبر الحسيني قد تكون أوسع مما تتناوله الخطبة الدينية المألوفة.

وعلى هذا فيمكن ان نعّرف خطبة المنبر الحسيني بأنها قسم خاص من أقسام الخطبة الدينية، لها مقدمة خاصة تميزّها عن بقية

____________________

١- راجع منطق المظفر: ص٣٦٩.

٣١

الأقسام، وتتلى بإنشاء خاص، ثم تختتم بأبيات رثاء بأطوار خاصة، ويقع بينهما موضوع البحث الذي قد تشترك فيه مع أقسام الخطبة الدينية الأخرى.

وستتضح الصورة وبشكل جلّي في الدروس القادمة إن شاء الله.

ولقد مرّ المنبر الحسيني وخطابته، بتطورات نوعّية عبر تاريخه الطويل، الذي بدأ بُعيد استشهاد الإمام الحسينعليه‌السلام ، وحتى وصوله المرحلة التي بلغها في عصرنا الحالي، والتي تعتبر أرقى ما وصل إليه المنبر الحسيني في تطورّه، حيث تتألف فقراته التي تشكل هيكليته مما يلي:

١- المقدمة.

٢- القصيدة.

٣- المحاضرة (البحث) أو (الموضوع).

٤- التخلص.

٥- المصيبة.

٦- الدعاء.

وسنحاول في دروسنا هذه -إن شاء الله- بيان هذه الفقرات بما يجعل الصورة واضحة للمهتمين بشؤون المنبر الحسيني عامة، وللطلبة الراغبين باعتلاء أعواده ليكونوا خطباءً له بشكل خاص.

آملين أن تكون هذه الدروس مساهمة في الطريق الصحيح، من أجل العمل العلمي الهادف لإيجاد أفضل السبل وأنجح الوسائل؛ التي من شأنها بروز خطيب منبر حسيني، بالمستوى الذي يمكِّنه من أداء

٣٢

مهّمته الكبيرة والقيام بمسؤوليتهم الجسيمة، أمام الله تعالى والأمة والتاريخ، وبما يجعله أهلاً لوسام (خدمة سيد الشهداء الحسينعليه‌السلام ).

وكما مرّ بنا فإن خطبة المنبر الحسيني تتميّز عن بقية أقسام الخطبة الدينية ببعض المميزات، حتى يمكن القول؛ أن بين خطبة المنبر الحسيني وعموم الخطبة الدينية ما يعرف في علم المنطق بـ (نسبة العموم والخصوص مطلقاً)، إذ أن طيب المنبر الحسيني يتوافر على كل شرائط الخطيب الديني مع إضافات ومؤهلات لا يحظى بها سوى خطيب المنبر الحسيني.وسيتضح ذلك في توقفنا عند الفقرات التي تتألف منها خطبة المنبر الحسيني، وهي:

١- المقدمة

مما يميّز خطبة المنبر الحسيني هو نحوٌ خاص من المقدمّات، التي يبدأ بها خطيب المجلس، حيث لا بد من أن يخصّ الإمام الحسينعليه‌السلام بصلاة خاصة ثم لا بد أن ينهي المقدمة بالجملة التي حفظتها جماهير المنابر الحسينية وهي (يا ليتنا كنا معكم سادتي أو سيدي - فنفوز فوزاً عظيماً).

إن هاتين الجملتين أساسيتان في المقدمة؛ (صلى الله عليك يا مولاي يا أبا عبد الله) و (يا ليتنا كنا معكم.) وقد تسبق ذلك الصلاة على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأهل بيته الطاهرينعليهم‌السلام (يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزاً عظيماً) هذه المقدمة بمجرد أن يسمعها الإنسان الذي يعي ويعرف هذه الأجواء فإنه يتبادر له فوراً أنه في مجلس حسيني وليس

٣٣

محاضرة ما والمقطع الأخير مستلّ من وصية الإمام الرضاعليه‌السلام قالها للريّان ابن شبيب: "يا ابن شبيب إن سرك أن يكون لك من الأجر كمن قتل مع الحسينعليه‌السلام فقل كلما ذكرته يا ليتني كنت معكم فأفوز فوزاً عظيماً" كما أن من المعلوم أن القرآن الكريم ذكر هذه الصيغة بالآية المباركة﴿ وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًاً (١) .

أو قد تبدأ بالبسملة والحمد لله ثم الصلاة.ولكن كل ذلك لا يعتبر أساسياً أو مميزاً لمقدمة المنبر الحسيني، أن الذي يميزها هو إفراد صلاة خاصة بالإمام الحسينعليه‌السلام ، التي قد يضاف إليها ألفاظ ومصطلحات، يميل اليها بعض الخطباء فيما يميل غيرهم إلى غيرها، مثل القول بعد الصلاة على الإمام الحسينعليه‌السلام : السلام عليك أو صلى الله عليك يا رحمة الله الواسعة ويا باب نجاة الأمة، أو يا صريع الدمعة الساكبة وصاحب المصيبة الراتبة أو يا مظلوم كربلاء.أو قد تضاف فقرة.صلى الله عليك وعلى المستشهدين بين يديك، خاصة في مجالس عاشوراء.ثم لا بد أن يختتم كل ذلك بـ (يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزاً عظيماً.

ثم أن بعض الخطباء لهم مقدمة ثابتة، لا يغيّرونها مع اختلاف المناسبات أو المواسم الخطابية.وبعضهم يخصّ مجالس عاشوراء بفقرات يضيفها للمقدمة.

بينما نجد بعض الخطباء يكتفي بالصلاة على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وآله ثم

____________________

١- النساء: ٧٢.

٣٤

يختم مقدمته بيا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزاً عظيماً وذلك في مجالس وفيّات النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبقية المعصومينعليهم‌السلام دون أن يخصّ الإمام الحسين بمقدمة خاصة كما هو المألوف في كل المجالس الحسينية، وهم قلة نادرة في الخطباء.

إن اختصاص خطبة المنبر الحسيني بفقرات خاصة، يعتبر أول ما يميزّها عن بقية أنواع الخطبة الدينية، وهناك مميّز آخر لها، وهو أنه لا بد من تلاوة فقرات المقدمة بطور معين وأسلوب خاص، ولا يكتفي بقراءتها بصورة عاديّة كما يبدأ بقية خطباء الخطب الدينية الأخرى.

إذن، فان مقدمة خطبة المنبر الحسيني تتميز بأمرين هما:

١- تشمل فقرات خاصة بها تخرجها من أي مقدمة خطبة دينية أخرى.

٢- لا بد من تلاوتها بطور خاص وأسلوب معّين.

إن فقرة المقدمة، من التطورّات الجديدة التي طرأت على المنبر الحسيني، حيث خلت الكتب الخطابية القديمة منها ولعل آخر ما وصل إلينا من تلك الكتب هو كتاب (الـمُنتخب) لفخر الدين الطريحي والذي يعرف (بالفخري) أيضاً.

٣٥

الدرس الرابع:

فقرة القصيدة

سبق لنا في الدرس السابق، أن توقفنا عند موضوع فقرات المنبر الحسيني في عصرهِ الأخير، وقد درسنا الفقرة الأولى؛ وهي فقرة (المقدمة)، وسنكمل في درسنا هذا بقية الفقرات.

فبعد فقرة المقدمة، تأتي الفقرة الثانية، وهي فقرة القصيدة.

٢- فقرة القصيدة

لقد كان استشهاد الإمام الحسينعليه‌السلام وأهل بيته وأصحابه في كربلاء من جهة، وأخذ أهله وعياله سبايا من جهة أخرى، سبباً بالغ الأثر في هذا الاندفاع الأسطوري لرثاء شهداء كربلاء، حيث ما فتئ الشعراء ومنذ صدمتهم الأولى، بما جرى أيام عاشوراء عام ٦١ ه وحتى الآن، بل وإلى قيام الساعة، يبادرون إلى ترجمة عواطفهم وعميق تأثرهم وشدّة انفعالهم بقصائد أخذت مأخذها في تهيج المشاعر، وإرهاف الحس، وشدّة الإندفاع، في إقامة المآتم الحسينية، ومنذ أن راح الأئمةعليهم‌السلام يحثّون الناس على البكاء على الإمام الحسينعليه‌السلام نراهم في الوقت نفسه يحثون على قول الشعر وإنشاده.

ولا أحسب أن شخصية غير الحسينعليه‌السلام وحادثة غير واقعة كربلاء، قد حظيت بهذا الاهتمام الكبير، من قبل أعاظم

٣٦

الشعراء والمبرزين منهم وعلى طول التاريخ! وامتّد الرثاء من اللغة العربية إلى بقية اللغات؛ كالفارسية والتركية والأوردّية، حيث توقف الشعراء عند مقاطع من أحداث كربلاء وأشبعوها عاطفة ولوعة وشجىً.ولقد بلغ من سعة ما كتب من شعر باللغة الاوردّية - كمثال - ان هناك درساً خاصاً في كليات الآداب بالجامعات الهندية تحت عنوان (مرثية) ويعنون بها قصائد الرثاء الحسيني.

إن تنوع المواقف والأحداث والأخلاقيات وأطراف أحداث كربلاء، جعلت منها مادةً خصبةً غنيّةً متنوعة الأبعاد، تغري الشعراء بالانفعال بها، وترجمة ذلك شعراً رقيقاً حزيناً عميق التأثير، وفي أدق أحداث الطف.

وكل هذا أسهم في توفير مادة غنيّة وكبيرة لخطباء المنبر الحسيني، مكّنتهم من معالجة مختلف المناسبات والمواسم التي يغطيها المنبر الحسيني، حتى أَلّفت مجموعات شعرية ضخمة جمعت أبرز القصائد الرثائية، ولأشهر الشعراء المجيدين في هذا الحقل المميّز.وعلى سبيل المثال: موسوعة شعراء الطف للخطيب الحسيني الشهيد السيد جواد شبّر.

ثمّ إن هناك بعض القصائد قد حازت بقصب السبق حيث راح خطباء المنبر الحسيني، يولونها عناية خاصة؛ لما تضمنته من شروط فنيّة وعاطفية مكّنتها أن تفوز باختيار الخطباء الحُسينيين وبمستوىً لم تحظ به قصائد أخرى.

٣٧

ونقصد بالشروط الفنيّة: أن تبدأ القصيدة بما ألِفته القصائد العربية العريقة من وقوف على الديار وتذكرّ الأحبة والبكاء للفراق ثم يعرّج بعد ذلك، على كربلاء وأحداثها.

وأما الشروط العاطفية فنعني بها، نجاح القصيدة بإذكاء الحزن وتهييج الشجى، عبر اختيارها ألفاظاً مميزة في سباكة ملفتة، تناغم الروح العاطفية الحزينة.

إن اجتماع الشروط الفنيّة والشروط العاطفية، جعل المنبر الحسيني يُركّز على بعض القصائد الرثائية تعود إلى مجموعة من الشعراء دون غيرهم، ومن أبرز هؤلاء الشعراء من قدامى ومعاصرين.قصائد الشريف الرضي وتائية دعبل الخزاعي وقصائد السيد حيدر الحليّ والسيد جعفر الحليّ والحاج هاشم الكعبي والسيد رضا الهندي وآخرين.

وتاريخيّاً، فقد بدأ المنبر الحسيني، أول ما بدأ، بقصيدة تتلى أو تنشد أمام أحد أئمة أهل البيتعليهم‌السلام ، حيث تأخذ العواطف مأخذها والدموع مجاريها.وهذا واضح في المصادر المهتمة بهذا الأمر، ككتاب (الكامل في الزيارات) لابن قولويه فيما ذكرته المصادر الأدبية في تراجم الشعراء الراثين للإمام الحسينعليه‌السلام .

ولم تنقل لنا تلك المصادر؛ الكيفية أو الأطوار التي كانت تلك القصائد تتلى بها، ولكنها ما كانت -حسب المتوقع- لتتجاوز طرائق العرب في الحداء والنوح، وفي تحسين مطلوب للصوت والإنشاد.كما

٣٨

في رواية دخول أبي هارون المكفوف على الإمام الصادقعليه‌السلام حيث أنشده قصيدة للسيد الحميري:

أمرر على جدث الحسين

وقل لأعظمه الزكية

يا أعظماً ما زلت من

وطفاءَ ساكبة رويّة

وإذا مررت بقبره

فأطِلْ به وقْف المطيّة

وابك المطهّر للمطهّر

والمطهّرة النّقيّة

كبكاء معولةٍ أتت

يوماً لواحدها المنيّة

حيث التفت اليه الإمامعليه‌السلام ، ليطلب منه أن يقرأها بالرقّة والأسلوب العاطفي الحزين وكأنه عند قبر الحسينعليه‌السلام (١) .

إن تحسين الصوت أمر مطلوب في تلاوة القرآن الكريم والأدعية المأثورة.وقد نقل عن الإمام زين العابدينعليه‌السلام أنه كان أحسن الناس صوتاً بالقرآن الكريم، وكان إذا قرأ القرآن انقطع الطريق وتجمّع الناس على داره يستمعون لقراءته.

كما ورد عن الإمام الصادقعليه‌السلام : الحثّ على أن يقرأ القرآن بألحان العرب وطرقها.

____________________

١- راجع الكامل في الزيارات.

٣٩

وهذا ما يرجّح أن الأطوار التي كانت تستخدم في الرثاء الحسيني لم تكن تتجاوز تلك الطرق ولو في بداياتها.

ولسنا هنا معنيين بمتابعة الطرق والأطوار، التي كانت أسلوباً لإنشاد قصائد الرثاء، ولكنها مجرد إشارة تاريخية لموضوع درسنا.

واليوم، فإنّ هناك أطواراً عدّة يزخر بها المنبر الحسيني المعاصر، ترجع إلى المقامات المعروفة، حيث تشترك مع بعض أساليب وطرق تلاوة القرآن الكريم، أو الأدعية المأثورة.

ولست أجد من المناسب أن نثقل كاهل الطالب وذاكرته، بأنواع الأطوار ومختلف طرق النعي والإنشاد الحزين.فلسنا هنا بصدد إعداد دراسة مفصّلة عن جميع طرق الإنشاد، التي يألفها المنبر الحسيني، بل هدفنا أولاً؛ أن نمكّن الطالب من إنشاد القصيدة بالطريقة التقليدية الصحيحة التي عليها المنبر الحسيني، ونبدأ معه ببضع أطوار لا تصل إلى خمس.كبداية، ثم له - بعد ذلك - من أن يطوّر نفسه، شيئاً فشيئاً مع ازدياد تقدمّه في الخدمة الحسينية، حيث يقوى على تنويع طرق الإنشاد الرثائي، وبما يتناسب مع أوتاره الصوتية وطول نَفَسِه وأمور أخرى.إن أول الخطوات الفنّية في المنبر الحسيني، أن يتكوّن لدى الطالب ذوقٌ إنشادي خاص، وتمكّن وتناغم بعد ذلك، بالطرق التقليديّة والأساليب المتّبعة، والتي يألفها خطباء المنبر الحسيني وجمهوره على حدّ سواء.ولهذا فإن هذه الخطوة تكون سهلةً ومتيسّرةً في البيئة التي تكثر فيها المآتم الحسينية، حيث تألف الأذن وينسجم الذوق مع أساليب إنشاد القصائد الرثائية في الإمام الحسينعليه‌السلام .

بينما تكتنف هذه الخطوة بعض الصعوبات بالنسبة للطالب

٤٠