زبدة التفاسير الجزء ٤

زبدة التفاسير0%

زبدة التفاسير مؤلف:
الناشر: مؤسسة المعارف الاسلامية
تصنيف: تفسير القرآن
ISBN: 964-7777-06-X
الصفحات: 609

زبدة التفاسير

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: فتح الله بن شكر الله الشريف الكاشاني
الناشر: مؤسسة المعارف الاسلامية
تصنيف: ISBN: 964-7777-06-X
الصفحات: 609
المشاهدات: 1098
تحميل: 213


توضيحات:

بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 609 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 1098 / تحميل: 213
الحجم الحجم الحجم
زبدة التفاسير

زبدة التفاسير الجزء 4

مؤلف:
الناشر: مؤسسة المعارف الاسلامية
ISBN: 964-7777-06-X
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

أمر بني آدم على ذلك، وعرقهم راسخ فيه.

( وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ) عقدا لازما، وتصميم رأي، وثباتا على الأمر، إذ لو كان ذا عزيمة وتصلّب لم يزلّه الشيطان، ولم يستطع تغريره. ويحتمل أن يكون ذلك في بدء أمره، قبل أن يجرّب الأمور، ويذوق شريها وأريها(١) .

وعن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لو وزنت أحلام بني آدم بحلم آدم لرجح حلمه، وقد قال الله تعالى: «وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ».

وقيل: عزما على الذنب، لأنّه أخطأ ولم يتعمّد. و «لم نجد» إن كان من الوجود الّذي بمعنى العلم فـ «له عزما» مفعولاه. وإن كان من الوجود المناقض للعدم ـ بمعنى: وعدمنا له عزما ـ فـ «له» حال من «عزما» أو متعلّق بـ «نجد».

( وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ) مقدّر بـ: «اذكر، أي: واذكر وقت ما جرى عليه من معاداة إبليس، ووسوسته إليه، وتزيينه له الأكل من الشجرة، وطاعته له بعد ما تقدّمت معه النصيحة والموعظة البليغة، والتحذير من كيده، حتّى يتبيّن لك أنّه نسي ولم يكن من أولي العزيمة والثبات.

( فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ ) وفي الكشّاف: «إن قلت: إبليس كان جنّيّا، بدليل قوله تعالى:( كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ) (٢) . فمن أين تناوله الأمر وهو للملائكة خاصّة؟

قلت: كان في صحبتهم، وكان يعبد الله تعالى عبادتهم، فلمّا أمروا بالسجود لآدمعليه‌السلام والتواضع له كرامة له، كان الجنّي الّذي معهم أجدر بأن يتواضع، كما لو قام لمقبل على المجلس علية(٣) أهله وسراتهم، كان القيام على واحد بينهم هو دونهم في المنزلة

__________________

(١) الشري: الحنظل. والأري: العسل. والمعنى: أن ذلك قبل أن يجرّب الأمور، ويذوق مرّها وحلوها.

(٢) الكهف: ٥٠.

(٣) علية القوم: جلّتهم وأشرافهم. والسراة: السيّد الشريف.

٢٨١

أوجب، حتى إن لم يقم عنّف وقيل له: قد قام فلان وفلان فمن أنت حتّى تترفّع عن القيام؟

فإن قلت: فكيف صحّ استثناؤه وهو جنّي من الملائكة؟

قلت: عمل على حكم التغليب في إطلاق اسم الملائكة عليهم وعليه، فأخرج الاستثناء على ذلك، كقولك: خرجوا إلّا فلانة، لامرأة بين الرجال»(١) .

ومزيد تحقيق البحث في هذا المبحث قد سبق(٢) في سورة البقرة.

وقوله:( أَبى ) جملة مستأنفة لبيان ما منعه من السجود، وهو الاستكبار، كأنّه جواب قائل قال: لم لم يسجد؟ والوجه أن لا يقدّر له مفعول، وهو السجود المدلول عليه بقوله: «فسجدوا»، وأن يكون معناه: أظهر الإباء عن المطاوعة.

( فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما ) فلا يكوننّ سببا.

لإخراجكما. والمراد نهيهما عن أن يكونا بحيث يسبّب الشيطان إلى إخراجهما.( مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى ) فتحرم من نعيمها. أفرده بإسناد الشقاء إليه بعد إشراكهما في الخروج، اكتفاء باستلزام شقائه شقاءها، من حيث إنّه قيّم عليها، فإنّ الرجل قيّم أهله، لقوله تعالى:( الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ ) (٣) . فشقاوتها وسعادتها في ضمن شقاوته وسعادته. مع المحافظة على الفواصل. أو لأنّ المراد بالشقاء التعب في طلب المعاش والاكتساب، وذلك وظيفة الرجال.

وعن سعيد بن جبير: أنّه أهبط إلى آدم ثور أحمر، فكان يحرث عليه ويمسح العرق من جبينه، فذلك هو الشقاوة.

ويؤيّده قوله مستأنفا لتذكير ما له في الجنّة بلا تعب:( إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها ) في الجنّة( وَلا تَعْرى وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا ) لا تعطش( فِيها وَلا تَضْحى ) ولا يصيبك حرّ

__________________

(١) الكشّاف ٣: ٩١.

(٢) راجع ج ١ ص ١٣٢.

(٣) النساء: ٣٤.

٢٨٢

الشمس، فإنّه ليس فيها شمس، وإنّما فيها ضياء ونور وظلّ ممدود. يعني: أنّ لك أسباب الكفاية في الجنّة، والأقطاب الّتي يدور عليها كفاف الإنسان، من الشبع والريّ والكسوة والكنّ(١) . فذكر سبحانه استجماعها له في الجنّة، وأنّه مكفيّ لا يحتاج إلى كفاية كاف، ولا إلى كسب كاسب، كما أنّ أهل الدنيا يحتاجون إلى ذلك. وذكرها بلفظ النفي لنقائضها الّتي هي الجوع والعرى والظمأ والضحو، ليطرق سمعه بأسامي أصناف الشقوة الّتي حذّره منها، حتّى يتحذّر عن السبب الموقع فيها كراهة لها.

والواو العاطفة وإن نابت عن «إنّ» لكنّها نابت من حيث إنّها نابت عن كلّ عامل، ولم يكن حرفا موضوعا للتحقيق خاصّة. فدخولها على «أن» لا من حيث إنّها حرف تحقيق، فلا يمتنع اجتماعها مع «أن» كما امتنع اجتماع «إنّ» و «أن». فلا يرد أنّ «إنّ» لا تدخل على «أن»، فلا يقال: إنّ أن زيدا منطلق، والواو نائبة عن «إنّ» وقائمة مقامها، فلم أدخلت عليها؟

وقرأ نافع وأبو بكر: وإنّك لا تظمأ، بكسر الهمزة. والباقون بفتحها.

( فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى (١٢٠) فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى (١٢١) ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى (١٢٢) قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى (١٢٣) )

__________________

(١) الكنّ: البيت.

٢٨٣

( فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ ) فأنهى إليه الوسوسة، فإنّ وسوسة الشيطان كولولة الثكلى ووعوعة الذئب ووقوقة الدجاجة، في أنّها حكايات للأصوات، وحكمها حكم: صوّت وأجرس. فإذا قلت: وسوس له، فمعناه: لأجله. وإذا قلت: وسوس إليه، معناه: أنهى إليه الوسوسة، كقولك: حدّث إليه، وأسرّ إليه. وكذلك الولولة والوقوقة والوعوعة.

( قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ ) الشجرة الّتي من أكل منها خلد ولم يمت أصلا. فأضافها إلى الخلد ـ وهو الخلود ـ لأنّها سببه بزعم الشيطان.( وَمُلْكٍ لا يَبْلى ) لا يزول ولا يضعف.

( فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما ) فظهرت لهما عوراتهما( وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ) أخذا يلزقان الورق على سوآتهما للتستّر. وهو ورق التين.

وحكم «طفق» حكم «كاد» في وقوع الخبر فعلا مضارعا. وبينهما مسافة قصيرة، فإنّ «طفق» للشروع في أوّل الأمر، و «كاد» لمشارفته والدنوّ منه.

قيل: كان الورق مدوّرا، فصار على هذا الشكل من تحت أصابعهما. وقيل: كان لباسهما الظفر، فلمّا أصابا الخطيئة نزع عنهما، وتركت هذه البقايا في أطراف الأصابع.

( وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ ) بأكل الشجرة، أي: خالف ما أمره به ربّه. والمعصية مخالفة الأمر، سواء كان الأمر واجبا أو ندبا.( فَغَوى ) أي: خاب من الثواب الّذي كان يستحقّه على الفعل المأمور به. أو خاب ممّا كان يطمع فيه بأكل الشجرة من الخلود. أو عن المأمور به. أو عن الرشد، حيث اغترّ بقول العدوّ. وفي إسناد العصيان والغواية إليه، مع صغر زلّته الّتي هي ترك الأولى، تعظيم للزلّة، وزجر لأولاده عنها.

وعن ابن عبّاس: لا شبهة في أنّ آدمعليه‌السلام لم يمتثل ما رسم الله له، وتخطّى فيه ساحة الطاعة ـ يعني: الطاعة المندوبة ـ وذلك هو العصيان.

ولـمّا عصى خرج فعله من أن يكون رشدا وخيرا، وكان غيّا لا محالة، لأنّ الغيّ خلاف الرشد، ولكن في قوله:( وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ) بهذا الإطلاق وبهذا التصريح ـ

٢٨٤

حيث لم يقل: وزلّ آدم وأخطأ، وما أشبه ذلك ممّا يعبّر به عن الزلّات الّتي هي ارتكاب ما هو تركه أولى وأصوب ـ لطف بالمكلّفين، وزجر بليغ، وموعظة كافّة. وكأنّه قيل لهم: انظروا واعتبروا كيف نعيت على النبيّ المعصوم حبيب اللهعزوجل وصفيّه، الّذي لا يجوز عليه اقتراف الكبيرة والصغيرة، وزجرته عن ترك الأولى بهذه الغلطة وبهذا اللفظ الشنيع؟! فلا تتهاونوا بما يفرط منكم من السيّئات والصغائر، فضلا عن التجسّر على التورّط في الكبائر.

( ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ ) اصطفاه وقرّبه إليه بالتوبة عمّا صدر منه من ترك الندب. من: جبى إليّ كذا فاجتبيته، مثل: جليت عليّ العروس فاجتليتها. وأصل الكلمة الجمع.

يقال: اجتبت الفرس نفسها، إذا اجتمعت نفسها راجعة بعد النفار.( فَتابَ عَلَيْهِ ) رجع إليه، وقبل توبته لـمّا تاب( وَهَدى ) إلى الثبات على التوبة، ووفّقه لحفظها، والتشبّث بأسباب التقوى. وقيل: هداه إلى الكلمات الّتي تلقّاها منه.

( قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً ) الخطاب لآدم وحوّاء، أو له ولإبليس. ولـمّا كان آدم وحوّاء أصلي البشر، والسّببين اللّذين منهما نشؤا وتفرّعوا، جعلا كأنّهما البشر في أنفسهما، فخوطبا مخاطبتهم، فقيل:( بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ) لأمر المعاش، كما عليه الناس من التجاذب والتحارب. أو لاختلال حال كلّ من النوعين بواسطة الآخر. أو الخطاب لآدم وحوّاء وإبليس. ويؤيّد الأوّل قوله:( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً ) كتاب ورسول( فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُ ) في الدنيا عن طريق الدين( وَلا يَشْقى ) في الآخرة عن الثواب الدائم.

عن ابن عبّاس: ضمن الله لمن اتّبع القرآن أن لا يضلّ في الدنيا ولا يشقى في الآخرة. ثمّ تلا قوله:( فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى ) .

والمعنى: أن الشقاء في الآخرة هو عقاب من ضلّ في الدنيا عن طريق الدين، فمن اتّبع كتاب اللهعزوجل ، وامتثل أوامره، وانتهى عن نواهيه، نجا من الضلال ومن عقابه.

٢٨٥

( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (١٢٤) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً (١٢٥) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى (١٢٦) وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى (١٢٧) )

( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي ) عن الهدى الذاكر لي، والداعي إلى عبادتي( فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ) ضيّقا. مصدر وصف به، ولذلك يستوي فيه المذكّر والمؤنّث. وذلك لأنّ المعرض عن الدين مجامع همّته ومطامح نظره تكون إلى أعراض الدنيا، متهالكا مفرط الحرص على ازديادها، خائفا على انتقاصها، شحيحا على إنفاقها، بخلاف المؤمن الطالب للآخرة، فإن مع الدين التسليم والقناعة والتوكّل على الله وعلى قسمته، فصاحبه ينفق ما رزقه بسماح وسهولة، فيعيش عيشا رافها، كما قالعزوجل :( فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ) (١) . مع أنّه تعالى قد يضيّق بشؤم الكفر، ويوسّع ببركة الإيمان، كما قال:( وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ ) (٢) . وقال:( وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ) (٣) .( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ ) (٤) . وقال :

__________________

(١) النحل: ٩٧.

(٢) البقرة: ٦١.

(٣) المائدة: ٦٦.

(٤) الأعراف: ٩٦.

٢٨٦

( اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً ) (١) . وقال:( وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً ) (٢) .

وعن بعض العلماء: لا يعرض أحد عن ذكر ربّه إلّا أظلم عليه وقته، وتشوّش عليه رزقه. وعن الحسن: المعيشة الضنك هي طعام الضريع والزقّوم في النار. وعن أبي سعيد الخدري: هو عذاب القبر.

( وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى ) أعمى البصر. وهذا مثل قوله:( وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا ) (٣) .

روى معاوية بن عمّار قال: «سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن رجل لم يحجّ وله مال؟قال: هو ممّن قال الله تعالى: ونحشره يوم القيمة أعمى فقلت: سبحان الله أعمى؟ قال: أعماه الله عن طريق الحقّ».

وعن مجاهد: أعمى عن الحجّة. يعني: أنّه لا حجّة له يهتدي إليها. والأوّل هو الوجه، لأنّه الظاهر، ولا مانع منه. ويدلّ عليه الآية المذكورة وقوله:( قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً ) وقد أمالهما حمزة والكسائي، لأنّ الألف منقلبة من الياء. وفرّق أبو عمرو بأنّ الأوّل رأس الآية ومحلّ الوقف، فهو جدير بالتغيير.

( قالَ كَذلِكَ ) أي: مثل ذلك فعلت أنت. ثمّ فسّره فقال:( أَتَتْكَ آياتُنا ) واضحة نيّرة( فَنَسِيتَها ) فلم تنظر إليها بعين المعتبر، ولم تتبصّر، وتركتها وعميت عنها، فكأنّك نسيتها( وَكَذلِكَ ) ومثل تركك إيّاها( الْيَوْمَ تُنْسى ) أي: جعلناك في العمى والعذاب كالشيء المنسيّ. يعني: نتركك في العمى والعذاب، ولا نزيل الغطاء عن عينيك.

( وَكَذلِكَ ) ومثل ذلك الجزاء( نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ ) بالانهماك في الشهوات

__________________

(١) نوح: ١٠ ـ ١١.

(٢) الجنّ: ١٦.

(٣) الإسراء: ٩٧.

٢٨٧

المنهيّة، من الشرك وفرط الإعراض عن الآيات الناهية( وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ ) ولم يصدّقها، بل كذّب بها وخالفها.

ولـمّا توعّد المعرض عن ذكره بعقوبتين: المعيشة الضنك في الدنيا، وحشره أعمى في الآخرة، ختم آيات الوعيد بقوله:( وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ ) وهو الحشر على العمى الّذي لا يزول ابدا، أو عذاب النار الدائمي، أو كلاهما( أَشَدُّ وَأَبْقى ) من ضنك العيش المنقضي.

أو: ولتركنا إيّاه في العمى أشدّ وأبقى من تركه لآياتنا.

( أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (١٢٨) وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩) )

( أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ) مسند إلى ما دلّ عليه قوله:( كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ ) أي: إهلاكنا إيّاهم. أو إلى الجملة، أي ألم يهد لهم هذا الكلام؟ ونظيره قوله تعالى:( وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ ) (١) أي: تركنا عليه هذا الكلام. ويجوز أن يكون فيه ضمير الله أو الرسول. ويدلّ عليه قراءته بالنون.( يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ ) يمرّون بمساكن عاد وثمود، ويشاهدون علامات هلاكهم حين يتّجرون إلى الشام.

( إِنَّ فِي ذلِكَ ) في إهلاكنا إيّاهم( لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى ) لذوي العقول الناهية عن التغافل والتعامي. وفيه تنبيه لهم وتخويف، أي: أفلا يخافون أن يقع بهم مثل ما وقع بهؤلاء؟!( وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ ) وهي العدة بتأخير عذاب هذه الأمّة إلى الآخرة

__________________

(١) الصافّات: ٧٨ ـ ٧٩.

٢٨٨

( لَكانَ لِزاماً ) لكان مثل ما نزل بعاد وثمود لازما لهؤلاء الكفرة. وهو مصدر وصف به. أو فعال بمعنى مفعل، أي: ملزم. وهو اسم آلة سمّي به اللازم، لفرط لزومه.( وَأَجَلٌ مُسَمًّى ) عطف على «كلمة» أي: ولولا العدة بتأخير العذاب، وأجل مسمّى لأعمارهم أو لعذابهم، وهو يوم القيامة أو يوم بدر، لكان العذاب لزاما. والفصل للدلالة على استقلال كلّ منهما بنفي لزوم العذاب. ويجوز عطفه على المستكن في «كان» أي: لكان الأخذ العاجل وأجل مسمّى لازمين لهم، كما كانا لازمين لعاد وثمود.

( فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى (١٣٠) وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٣١) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى (١٣٢) )

ثمّ أمر سبحانه نبيّه بالصبر على أذاهم، فقال:( فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ) من تكذيبك، وأذاهم إيّاك( وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ) وصلّ وأنت حامد لربّك على هدايته لك، وتوفيقك لأداء الصلاة، وإعانتك عليه. أو المراد التسبيح على ظاهره، أي: نزّهه عن الشرك وسائر ما يضيفون إليه من النقائص، حامدا له على ما ميّزك بالهدى، معترفا بأنّه مولي النعم كلّها.

ويؤيّد الأوّل ظاهر قوله:( قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ) يعني: الفجر( وَقَبْلَ غُرُوبِها ) يعني: الظهر والعصر، لأنّهما واقعتان في النصف الأخير من النهار بين زوال الشمس

٢٨٩

وغروبها. أو العصر وحده.

( وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ ) ومن ساعاته. جمع إنى بالكسر والقصر، أو أناء بالفتح والمدّ.

( فَسَبِّحْ ) فصلّ. يعني: المغرب والعشاء، فإنّ «من» للابتداء. والمعنى: إنّ أوّل الليل ابتداء وقت العشاءين. وعن ابن عبّاس رضى عنه الله: صلاة الليل. و «من» للتبعيض.

وإنّما قدّم زمان الليل لاختصاصه بمزيد الفضل، لأنّ القلب فيه أجمع، والنفس فيه أميل إلى الاستراحة، فالعبادة فيه على النفس أشقّ وأحمز، وللبدن أتعب وأنصب، فكانت أدخل في معنى التكليف وأفضل، كما قالعليه‌السلام : «أفضل الأعمال أحمزها».

ولذلك قال الله تعالى:( إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً ) (١) .

( وَأَطْرافَ النَّهارِ ) تكرير لصلاتي الصبح والمغرب، إرادة الاختصاص، كما اختصّت في قوله:( حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى ) (٢) . ومجيئه بلفظ الجمع لأمن الإلباس، كقوله تعالى:( فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ) (٣) . وقول الشاعر: ظهراهما مثل ظهور الترسين(٤) .

وفيه نظر، لأنّ طرفي الشيء منه لا خارج عنه. وصلاة المغرب يقع في الليل، فكيف يكون في النهار؟ أللّهمّ إلّا أن يكون إسناد الطرف إلى وقت المغرب على سبيل التجوّز، تسمية باسم مجاوره وملاصقه. أو يراد بالنهار من الصبح إلى ذهاب الحمرة

__________________

(١) المزّمّل: ٦.

(٢) البقرة: ٢٣٨.

(٣) التحريم: ٤.

(٤) لخطام المجاشعي، صدره:

ومهمهين قذفين مرتين

ظهراهما مثل ظهور الترسين

والمهمه: المفازة والصحراء. يقال: فلاة قذف أو قذف، أي: تتقاذف بمن سلكها.

والمرت: القفر والصحراء لا ماء فيه ولا نبات. والترس: حيوان ناتئ الظهر. ثنّى الشاعر «ظهراهما» على الأصل، وجمع فيما بعد لأمن اللبس.

٢٩٠

المغربيّة، كما قال بعضهم.

وقيل: المراد منه الأمر بصلاة الظهر، فإنّه نهاية النصف الأوّل من النهار وبداية النصف الأخير. وجمعه باعتبار النصفين، أو لأنّ النهار جنس. أو المراد العصر، وإعادتها لأنّها الوسطى عند الأكثر. وعلى هذا جمعه باعتبار أنّها أوقات العصر في النصف الأخير من النهار، فيصدق على كلّ ساعة أنّها طرف. أو المراد التطوّع في أجزاء النهار. ومن حمل التسبيح على الظاهر، أراد المداومة على التسبيح والتحميد على عموم الأوقات.

( لَعَلَّكَ تَرْضى ) متعلّق بـ «سبّح» أي: سبّح في هذه الأوقات طمعا أن تنال عند الله ما به ترضى نفسك، من الشفاعة والدرجة الرفيعة والمرتبة العليّة. وقيل: بجميع ما وعدك الله به، من النصر وإعزاز الدين في الدنيا، والشفاعة وسموّ المرتبة في العقبى.

وقرأ أبو بكر والكسائي بالبناء للمفعول، أي: يرضيك ربّك.

روي عن أبي رافع: نزل برسول الله ضيف، فبعثني إلى يهوديّ، فقال: قل: إنّ رسول الله يقول: أقرضني كذا من الدقيق إلى هلال رجب. فأتيته فقلت له. فقال: والله لا أقرضه إلّا برهن. فأتيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأخبرته. فقال: والله لو أسلفني لقضيته، وإنّي لأمين في السماء وأمين في الأرض، اذهب بدرعي الحديد إليه. فأنزل الله تعالى على رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تسلية له عن حطام الدنيا:( وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ) أي: نظر عينيك( إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ ) استحسانا له، وتمنّيا أن يكون لك مثله، فإنّ مدّ النظر هاهنا عبارة عن تطويله بحيث لا يكاد يردّه، استحسانا للمنظور إليه وإعجابا به، وتمنّيا أن يكون له، كما فعل نظّارة قارون حين قالوا:( يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) (١) حتّى واجههم أولوا العلم والإيمان بـ( وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ) (٢) .

__________________

(١، ٢) القصص: ٧٩ ـ ٨٠.

٢٩١

وفيه: أنّ النظر غير الممدود معفوّ عنه، وذلك مثل نظر من باده(١) الشيء بالنظر ثمّ غضّ الطرف، ومنه: النظرة الأولى لك لا الثانية. ولـمّا كان النظر إلى الزخارف كالمركوز في الطباع، وأن من أبصر منها شيئا أحبّ أن يمدّ إليه نظره ويملأ منه عينيه، قيل:( وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ) أي: لا تفعل ما كان من عادة الطبيعة ومقتضاها.

( أَزْواجاً مِنْهُمْ ) أصنافا من الكفرة. ويجوز أن يكون حالا من الضمير في «به»، والمفعول «منهم». كأنّه قيل: إلى الّذي متّعنا به. وهو أصناف بعضهم، أو ناسا منهم.

( زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا ) منصوب بالذمّ، وهو من أنواع النصب على الاختصاص.

أو بالبدل من محلّ به، أو من أزواجا، بتقدير مضاف، أي: ذوي زهرة. أو مفعول ثان لـ «متّعنا» على تضمين معنى: أعطينا وخوّلنا. وهي الزينة والبهجة.

وقرأ يعقوب بفتح الهاء. وهي لغة، كالجهرة والجهرة. أو جمع زاهر، وصفا لهم بأنّهم زاهر وهذه الدنيا، لتنعّمهم، وبهاء زيّهم، وصفاء ألوانهم، وتهلّل(٢) وجوههم، وطراوة نظرهم ممّا يلهون ويتنعّمون، بخلاف ما عليه المؤمنون الزهّاد.

ولقد شدّد العلماء من أهل التقوى والزهّاد في وجوب غضّ البصر عن أبنية الظلمة، وعدد الفسقة في اللباس والمراكب وغير ذلك، لأنّهم إنّما اتّخذوا هذه الأشياء لعيون النظّارة، فالناظر إليها محصّل لغرضهم، وكالمغري لهم على اتّخاذها.

( لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ) لنبلوهم ونختبرهم فيه، أي: لنعاملهم معاملة المختبر، بشدّة التعبّد في أداء الحقوق، وصرفه في مصرفه المأمور به.

وقيل: معناه: لنشدّد عليهم التعبّد، بأن نكلّفهم متابعتك والطاعة لك، مع كثرة أموالهم وقلّة مالك، فيستوجبوا العذاب الأليم عند تمرّدهم واستكبارهم.

وقيل: معنى الفتنة: العذاب، أي: لنعذّبهم في الآخرة بسببه، لأنّ الله قد يوسّع

__________________

(١) باده الشيء: بغته وفاجأه.

(٢) تهلّل وجه فلان: تلألأ من السرور.

٢٩٢

الرزق على بعض أهل الدنيا تعذيبا له، كما قال:( سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ) (١) .

( وَرِزْقُ رَبِّكَ ) وما ادّخر لك في الآخرة( خَيْرٌ ) ممّا منحهم في الدنيا( وَأَبْقى ) فإنّه لا ينقطع. أو ما رزقك من نعمة الإسلام والنبوّة خير منه وأدوم. أو ما رزقك من الحلال الطيّب خير من أموالهم المحرّمة الخبيثة، فإنّ الغالب عليها الغصب والسرقة والربا، وأبقى بركة.

ثمّ أمر سبحانه نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأن يأمر أهل بيته بالصلاة، بعد ما أمره بها، ليتعاونوا على الاستعانة بها على فقرهم، ولا يهتمّوا بأمر المعيشة، ولا يلتفتوا لفت أرباب الثروة، فقال:( وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ ) أي: أهل بيتك. وقيل: التابعين من أمّتك.( وَاصْطَبِرْ عَلَيْها ) واصبر على فعلها، وداوم عليها.

( لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً ) أي: أن ترزق نفسك ولا أهلك( نَحْنُ نَرْزُقُكَ ) وإيّاهم، فلا تهتمّ بأمر الرزق والمعيشة، وفرّغ بالك لأمر الآخرة( وَالْعاقِبَةُ ) المحمودة( لِلتَّقْوى ) لذوي التقوى.

ويؤيّد أنّ الآية نزلت في أهل بيتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما روي عن أبي سعيد الخدري: «لمّا نزلت هذه الآية كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يأتي باب فاطمة وعليّعليهما‌السلام تسعة أشهر وقت كلّ صلاة، فيقول: الصلاة رحمكم الله( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ) (٢) الآية».

وما روي عن أبي جعفرعليه‌السلام : «أمر الله نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يخصّ أهله دون الناس، ليعلم الناس أنّ لأهله عند الله منزلة ليست للناس، فأمرهم مع الناس عامّة، ثمّ أمرهم خاصّة».

وروي أيضا أنّه إذا أصاب أهله فقرا أمرهم بالصلاة، وتلا هذه الآية.

__________________

(١) الأعراف: ١٨٢ ـ ١٨٣.

(٢) الأحزاب: ٣٣.

٢٩٣

وعن بكر بن عبد الله المزني قال: كان إذا أصابت أهله خصاصة قال: قوموا فصلّوا، بهذا أمر الله رسوله، ثمّ يتلو هذه الآية.

وعن بعضهم: من دان(١) في عمل الله، كان الله في عمله.

وعن عروة بن الزبير: أنّه كان إذا رأى ما عند السلاطين قرأ( وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ) الآية، ثمّ ينادي الصلاة الصلاة.

( وَقالُوا لَوْلَا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٣٣) وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى (١٣٤) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى (١٣٥) )

ولـمّا اقترح الكفّار المعاندون على عادتهم في التعنّت آية على النبوّة، مع وضوحها عندهم بالمعجزات الباهرة، قال الله تعالى في عنادهم ولجاجهم:( وَقالُوا ) أي: كفّار قريش( لَوْ لا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ ) مقترحة، إنكارا لـما جاء به من الآيات، أو للاعتداد به تعنّتا وعنادا. فألزمهم الله بإتيانه بالقرآن الّذي هو أمّ المعجزات وأعظمها وأبقاها، فقال:( أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى ) من التوراة والإنجيل وسائر الكتب السماويّة، فإنّ اشتمال القرآن على زبدة ما فيها من العقائد والأحكام الكلّيّة، مع أنّ الآتي بها أمّي لم يرها ولم يتعلّم ممّن علمها، إعجاز بيّن.

__________________

(١) أي: أطاع وذلّ.

٢٩٤

وفيه إشعار بأنّه كما يدلّ على نبوّته، برهان لـما في سائر الكتب المنزلة، ودليل صحّته، لأنّه معجزة، وتلك ليست كذلك، بل هي مفتقرة إلى حجّة تشهد على صحّتها.

وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص: أو لم تأتهم بالتاء. والباقون بالياء.

ولـمّا كان حقيقة المعجزة اختصاص مدّعي النبوّة بنوع من العلم أو العمل على وجه خارق للعادة، ولاخفاء على من له أدنى مسكة أنّ العلم أصل العمل، وأعلى منه قدرا، وأبقى أثرا، فالقرآن الّذي أعجزهم عن إتيان مثل آية منه، مع أنّهم أفصح فصحاء العرب وأبلغ بلغائهم، المشتمل على خلاصة العقائد الحقّة وقواعد الأحكام السنيّة التي في الكتب السالفة، مع أميّة الآتي به، أبين المعجزات وأمتن البيّنات.

وقيل: معناه: أو لم يأتهم في القرآن بيان ما في الكتب الأولى من أنباء الأمم الّتي أهلكناهم، لـمّا اقترحوا الآيات ثمّ كفروا بها، فما ذا يؤمنهم أن يكون حالهم في سؤال الآية كحال أولئك؟

( وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ ) من قبل بعث محمد، أو البيّنة والتذكير، لأنّها في معنى البرهان. أو المراد بها نزول القرآن.( لَقالُوا ) يوم القيامة( رَبَّنا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً ) يدعونا إلى طاعتك، ويرشدنا إلى دينك( فَنَتَّبِعَ آياتِكَ ) فنعمل بما فيها( مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَ ) بالقتل والسبي في الدنيا( وَنَخْزى ) بدخول النار يوم القيامة. فقطعنا عذرهم بإرسال الرسل، فلم يبق لهم معذرة.

وفيه دلالة على وجوب اللطف، فإنّه إنّما بعث الرسول لكونه لطفا، ولو لم يبعثه لكان للخلق حجّة عليه سبحانه، فكان في البعثة قطع العذر وإزاحة العلّة.

ثمّ قال لنبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( قُلْ كُلٌ ) أي: كلّ واحد منّا ومنكم( مُتَرَبِّصٌ ) منتظر لـما يؤول إليه أمرنا وأمركم. فنحن ننتظر وعد الله لنا فيكم، وأنتم تتربّصون بنا الدوائر.

( فَتَرَبَّصُوا ) أمر على وجه التهديد( فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِ )

٢٩٥

الدين المستقيم. والسويّ بمعنى الوسط، أي: الخيار والجيّد، أو المستوي.( وَمَنِ اهْتَدى ) من الضلالة. أو من اهتدى إلى طريق الجنّة، نحن أم أنتم.

و «من» في الموضعين للاستفهام. ومحلّها الرفع بالابتداء. ويجوز أن تكون الثانية موصولة، بخلاف الأولى، لعدم العائد. فتكون معطوفة على محلّ الجملة الاستفهاميّة المعلّق عنها الفعل، على أنّ العلم بمعنى المعرفة. أو على «أصحاب» أو على «الصراط» على أنّ المراد به النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

٢٩٦

(٢١)

سورة الأنبياء

مكّيّة كلّها. وهي مائة واثنتا عشرة آية. أبيّ بن كعب عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: «من قرأ سورة الأنبياء حاسبه الله حسابا يسيرا، وصافحه وسلّم عليه كلّ نبيّ ذكر اسمه في القرآن».

وقال أبو عبد اللهعليه‌السلام : «من قرأ سورة الأنبياء حبّا لها كان ممّن رافق النبيّين أجمعين في جنّات النعيم، وكان مهيبا في أعين الناس حياة الدنيا».

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

( اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣) )

٢٩٧

واعلم أنّه سبحانه لـمّا ختم سورة طه بذكر الوعيد، افتتح هذه السورة بذكر القيامة، فقال:( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ ) اقتربه بالإضافة إلى ما مضى، لأنّ ما بقي من الدنيا أقصر وأقلّ ممّا سلف منها، بدليل انبعاث خاتم النبيّينصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الموعود مبعثه في آخر الزمان. وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «بعثت في نسم الساعة» أي: أوّلها. وقال أيضا: «بعثت أنا والساعة كهاتين» وأشار إلى إصبعيه. ومن خطبة أمير المؤمنينعليه‌السلام : «ولّت الدنيا حذّاء، ولم تبق إلّا صبابة كصبابة الإناء»(١) .

وإذا كانت بقيّة الشيء ـ وإن كثرت في نفسها ـ قليلة بالإضافة إلى معظمه، كانت خليفة بأن توصف بالقلّة.

أو المراد اقترابه عند الله، لقوله تعالى:( إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَراهُ قَرِيباً ) (٢) .

وقوله:( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) (٣) . أو لأنّ كلّ ما هو آت قريب، وإنّما البعيد ما انقرض ومضى.

والمراد اقتراب الساعة، وإذا اقتربت فقد اقترب ما فيها من الحساب والثواب والعقاب، وغير ذلك. ونحوه:( وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُ ) (٤) .

واللام صلة لـ «اقترب». أو تأكيد لإضافة الحساب إليهم. وأصله: اقترب حساب الناس، ثم اقترب للناس الحساب، ثمّ اقترب للناس حسابهم، كقولك: أزف(٥) للحيّ رحيلهم. الأصل: أزف رحيل الحيّ، ثمّ أزف للحيّ الرحيل، ثمّ أزف للحيّ رحيلهم.

ومنه قولهم: لا أبالك، لأنّ اللام مؤكّدة لمعنى الإضافة. وهذا الوجه أغرب من أن يكون للصلة.

__________________

(١) نهج البلاغة (محمد عبده) ٩٣. والحذّاء: الماضية السريعة.

(٢) المعارج: ٦ ـ ٧.

(٣) الحجّ: ٤٧.

(٤) الأنبياء: ٩٧.

(٥) أي: اقترب.

٢٩٨

وعن ابن عبّاس: أنّ المراد بالناس المشركون. وهذا من إطلاق اسم الجنس على بعضه.

ووجه اختصاصهم بالكفّار تقييدهم بقوله:( وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ ) عن الحساب( مُعْرِضُونَ ) عن التفكّر في عاقبته، ولا يتفطّنون لـما ترجع إليه خاتمة أمرهم، مع اقتضاء عقولهم أنّه لا بدّ من جزاء المحسن والمسيء. وهما خبران للضمير. ويجوز أن يكون الظرف حالا من المستكن في «معرضون». وقد تضمّنت الآية الحثّ على الاستعداد ليوم القيامة.

( ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ ) ينبّههم عن سنة الغفلة والجهالة. وهو طائفة نازلة من القرآن.( مِنْ رَبِّهِمْ ) صفة لـ «ذكر» أو صلة لـ «يأتيهم»( مُحْدَثٍ ) يحدث الله لهم آية بعد آية، ويجدّد لهم سورة بعد سورة( إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ) يستهزؤن به ويستسخرون منه، لتناهي غفلتهم، وفرط إعراضهم عن النظر في الأمور، والتفكّر في العواقب.

وعجز الآية حال من الواو. وكذلك( لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ) أي: استمعوه جامعين بين الاستهزاء والتلهّي والذهول عن التفكّر فيه. ويجوز أن يكون حالا من واو «يلعبون».

وتنقيح المعنى: أنّهم إذا نبّهوا عن سنة الغفلة، وفطنوا لذلك بما يتلى عليهم من الآيات والنذر، أعرضوا عن التفكّر، وسدّوا أسماعهم ونفروا. وقرّر إعراضهم عن تنبيه المنبّه وإيقاظ الموقظ، بأنّ الله يجدّد لهم الذكر وقتا فوقتا، ويحدث لهم آية بعد آية، وسورة بعد سورة، ليكرّر على أسماعهم التنبيه والموعظة، لعلّهم يتّعظون. فما يزيدهم استماع الآي والسور، وما فيها من فنون المواعظ والبصائر الّتي هي أحقّ الحقّ وأجدّ الجدّ، إلّا لعبا وتلهّيا واستهزاء واستسخارا.

( وَأَسَرُّوا النَّجْوَى ) ذكر التناجي بعد الإسرار ـ وإن لم يكن إلّا إسرارا ـ للمبالغة. والمعنى: بالغوا في إخفائها، أو جعلوها بحيث لا يفطن أحد لتناجيهم، ولا

٢٩٩

يعلم أنّهم متناجون.

( الَّذِينَ ظَلَمُوا ) بدل من واو «وأسرّوا» للإيماء بأنّهم الموسومون بالظلم الفاحش فيما أسرّوا به. أو فاعل له، والواو لعلامة الجمع على لغة من قال: أكلوني البراغيث. أو مبتدأ والجملة المتقدّمة خبره. وأصله: وهؤلاء أسرّوا النجوى. فوضع المظهر موضع المضمر، تسجيلا على فعلهم بأنّه ظلم. أو منصوب على الذمّ.

وقوله:( هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ) في موضع النصب بدلا من النجوى، أو مفعولا لقول مقدّر. كأنّهم استدلّوا بكونه بشرا على كذبه في ادّعاء الرسالة، لاعتقادهم أنّ الرسول لا يكون إلّا ملكا، واستلزموا منه أنّ ما جاء به من الخوارق ـ كالقرآن ـ سحر، فلذلك قالوا على سبيل الإنكار:( أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ) أي: أفتحضرون السحر وأنتم تشاهدون وتعاينون أنّه سحر؟! وإنّما أسرّوا بهذا الحديث وبالغوا في إخفائه، تشاورا في استنباط ما يهدم أمر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويظهر فساده للناس عامّة، فينفّروهم عنه بشيئين: أحدهما: أنّه بشر. والآخر: أنّ ما أتى به سحر.

( قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤) بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥) ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦) وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧) )

ثم أمر سبحانه نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله:( قالَ ) يا محمّد. وقرأ حمزة والكسائي وحفص: قال، بالإخبار عن رسوله. يعني: قال محمّد لهؤلاء الكفرة المتشاورين سرّا:( رَبِّي يَعْلَمُ

٣٠٠