تنزيه القران عن المطاعن

تنزيه القران عن المطاعن0%

تنزيه القران عن المطاعن مؤلف:
الناشر: دار النهضة الحديثة
تصنيف: تفسير القرآن
الصفحات: 501

تنزيه القران عن المطاعن

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: عماد الدين أبي الحسن عبد الجبّار بن أحمد
الناشر: دار النهضة الحديثة
تصنيف: الصفحات: 501
المشاهدات: 2109
تحميل: 126

توضيحات:

تنزيه القران عن المطاعن
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 501 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 2109 / تحميل: 126
الحجم الحجم الحجم
تنزيه القران عن المطاعن

تنزيه القران عن المطاعن

مؤلف:
الناشر: دار النهضة الحديثة
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

١

ملاحظة

هذا الكتاب

نشر الكترونياً وأخرج فنِيّاً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي

وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً

قسم اللجنة العلميّة في الشبكة

٢

٣
٤

حياة المؤلِّف

هو قاضي القضاة أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمداني.

وهو الذي تلقّبه المعتزلة قاضي القضاة ولا يطلقون هذا اللّقب على سواه ولا يعنون به عند الاطلاق غيره. قرأ على أبي إسحاق بن عياش مدة ثمّ رحل إلى بغداد وأقام عند الشيخ أبي عبد الله مدة مديدة حتّى فاق الأقران وصار فريد دهره.

قال الحاكم وليس تحضرني عبارة تحيط بقدر محله في العلم والفضل فانه الذي فتق علم الكلام ونشر بروده ووضع فيه الكتب الجليلة التي بلغت المشرق والمغرب وضمنها من دقيق الكلام وجليله ما لم يتفق لأحد قبله وطال عمره مواظبا على التدريس والاملاء حتّى طبق الأرض بكتبه وأصحابه وبعد صيته وعظم قدره وإليه انتهت الرئاسة في المعتزلة حتّى صار شيخها وعالمها غير مدافع وصار الاعتماد على كتبه:

وشهرة حاله تغني ( عن الاطناب في الوصف ).

إستدعاه الصاحب إلى الريّ بعد سنة ستين وثلاثمائة فبقي فيها مواظبا على التدريس إلى أن توفي; سنة خمس عشرة أو ست عشرة وأربعمائة وكان الصاحب يقول فيه هو أفضل أهل الأرض ومرة يقول هو أعلم أهل الأرض ويقال أنّ له أربعمائة ألف ورقة مما صنف في كل فنّ :

ومصنفاته أنواع منها في الكلام ككتاب الخلاف والوفاق وكتاب المبسوط وكتاب المحيط. ومنها نوع في الشروح كشرح الاصول وشرح المقالات. ومنها في أصول الفقه كالنهاية والعمدة وشرحه وله كتب في النقض على المخالفين كنقض اللمع ونقض الامامة. ومنها جوابات مسائل وردت عليه كالرازيات

٥

والنيسابوريات. ومنها في الخلاف ككتابه في الخلاف بين الشيخين. ومنها في المواعظ كنصيحة المتفقهة وله كتب في كل فنّ وعلى الجملة فحصر مصنفاته كالمعتذر وهو من أهل الطبقة الحادية عشرة من طبقات المعتزلة ذكر ذلك أحمد بن يحيى المرتضى في كتاب المنية والامل في شرح كتاب الملل والنحل.

الناشر

٦

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الحمد لله على نعمه وإحسانه في الدين والدنيا وصلواته على محمّد وآله الطيبين ( أما بعد ) فإنّ أولى ما يتكلّفه المرء في أثارة العلوم ما يعظم النفع به في دينه ودنياه فيعرف كيف يعبد ربّه في الصّلاة والصيام وغيرهما ( وذلك ) بقراءة القرآن وبالانقطاع إلى الله، وكل ذلك لا يتم إلّا بمعرفة معاني ما يقرؤه وما يورده في ادعيته من الأسماء الحسنى إما مفصلا وإما على الجملة فانه تعالى قد أودع القرآن من المواعظ والزواجر وغيرهما ما إذا تأمله المرء وقعت به الكفاية : وقد روى عن النبي صلّى الله عليه وسلم انه قال لعليّ بن أبي طالب7 وقد حذره عن اختلاف الأمة بعده : عليكم بكتاب الله فان فيه نبأ من قبلكم وخبر من بعدكم وحكم ما بينكم ما يدعه من جبار إلّا قصمه الله ومن يتبع الهدى في غيره اضله الله وهو حبل الله المتين وأمره الحكيم وهو الصراط المستقيم هو الذي لـما سمعه الجن لم يتناءوا أن قالوا( إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إلى الرُّشْدِ ) هو الذي لا تختلف به الألسنة ولا يخلق على كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه : ومعلوم انه لا ينتفع به إلّا بعد الوقوف على معاني ما فيه وبعد الفصل بين محكمه ومتشابهه فكثير من الناس قد ضل بأن تمسك بالمتشابه حتّى اعتقد ان قوله تعالى( سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) حقيقة في الحجر والمدر والطير والنعم وربما رأوا في ذلك تسبيح كل شيء من ذلك ومن اعتقد ذلك لم ينتفع بما يقرؤه ولذلك قال تعالى( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ) وكذلك وصفه تعالى بأنه( يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ ) وقد أملينا في ذلك كتابا يفصل بين المحكم والمتشابه عرضنا فيه سور القرآن على ترتيبها وبينا معاني ما تشابه من آياتها مع بيان وجه خطأ فريق من الناس في تأويلها ليكون النفع به أعظم ونسأل الله التوفيق للصواب ان شاء الله.

٧

( بسم الله الرّحمن الرّحيم ) معنى بسم الله الابتداء به تبركا والاستعانة في كل امر مهم : ومعنى الله ان العبادة به تليق دون غيره لأنه الخالق والمنعم بسائر النعم : ومعنى الرحمن المبالغة في الانعام العظيم الذي لا يقدر عليه إلّا الله تعالى : ومعنى الرحيم المبالغة في الاكثار من الرحمة والنعمة وقد يوصف بذلك غيره أيضا.

[ مسألة ] قالوا ما وجه الابتداء ببسم الله وهلا قيل بالله الرحمن الرحيم فالاستعانة بالله تقع لا باسمه. وجوابنا أنّ الأمر كما قالوا لكنه ذكر اسمه وأريد هو على وجه الاعظام وهذا كقوله تعالى( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ ) فأمر بتنزيه اسمه وأراد تنزيهه عما لا يليق به لكنه ذكر الاسم تعظيما له وهذا كما يقال صلوات الله على ذكر النبي صلّى الله عليه وسلم.

[ مسألة ] قالوا فما وجه ذكر هذه الاسماء الثلاثة دون غيرها. قيل له ذكر الله لأن المكلف قد اختص بأن لزمته عبادته وهو الذي يعرف أنواع نعمه وذكر الرحمن الرحيم لأنه لأجل ذلك استحق العبادة.

٨

سورة الحمد

معنى الحمد لله الشكر لله وكيف نشكره فعلمنا تعالى ذلك.

[ مسألة ] قالوا الحمد لله خبر فان كان حمد نفسه فلا فائدة لنا فيه وان أمرنا بذلك فكان يجب أن يقول قولوا الحمد لله. وجوابنا عن ذلك ان المراد به الامر بالشكر والتعليم لكي نشكره لكنه وان حذف الامر فقد دل عليه بقوله( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) لأنه لا يليق بالله تعالى وإنّما يليق بالعباد فاذا كان معناه قولوا( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) فكذلك قوله( الْحَمْدُ لِلَّهِ ) وهذا كقوله( وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ) معناه ويقولون( سَلامٌ عَلَيْكُمْ ) ومثله كثير في القرآن.

[ مسألة ] وربما قالوا لـما ذا أعاد( الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) وقد تقدم من قبل.

وجوابنا ان ذلك ليس بتكرار لأن المراد بالأول توكيد الاستعانة والمراد بالثاني توكيد الشكر له فلذلك كرر.

[ مسألة ] قالوا ما معنى قوله( مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) ويوم الدين ليس بموجود حالا وكيف يملك المعدوم وما فائدة ذلك. وجوابنا أنّ المراد القادر على ( ذلك اليوم ) الذي فيه الجنة على عظم شأنها والنار على عظم امرها وفيه المحاسبة والمساءلة فنبه تعالى بذلك على انكم ان شكرتم وقمتم بالواجب فلكم من الفوز في الآخرة بالثواب نهاية ما تتمنون فصار ذلك ترغيبا في الشكر والعبادة وزجرا

٩

عن خلافه واذا قرئ « مالك » فالمراد به القدرة على يوم الدين واذا قرئ « ملك » فالمراد به القدرة على العباد الذين يتصرف تعالى فيهم بما يوجب الانقياد له.

[ مسألة ] قالوا ما معنى( اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ) وعندكم ان الله تعالى قد هدى الخلق بالادلة والبيان فما وجه هذا الطلب والدعاء. وجوابنا على ذلك انه تعالى وان مكن وأقدر المكلف ففي قدرته تعالى من زيادة البيان والادلة والالطاف والعصمة ما ينتفع به العبد إذا أمده بها والعبد يجوّز ذلك فيطلبه وهذا كما قال تعالى( وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً ) فأمر تعالى العبد أن ينقطع إلى الله تعالى فيقول( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) وان لا يكذب في ذلك فيكون مراده بالصلاة الرياء والسمعة وأن لا يستعين إلّا بالله تعالى وأن يستمد من جهته الالطاف والمعونة على الصراط المستقيم الذي هو دينه وطريقة من أنعم الله عليه لا طريقة الكفار الذين ضلوا فغضب الله عليهم.

١٠

سورة البقرة

[ مسألة ] قالوا ما الفائدة في قوله تعالى( الم ) ولا يعقل من ذلك في اللغة فائدة وكيف يجوز ذلك والقرآن عربي والعرب لا تعرف ذلك. وجوابنا أنّ الله تعالى جعل ذلك اسما للسورة وعلى هذا الوجه يقال سورة ( ق ) ( وحم ) السجدة وسورة ( طه ) ولله تعالى ان يجعل لهذه السورة اسما وهذا مروي عن الحسن البصري وغيره ومتى قيل فقد حصل في ذلك اشتراك ولا بد من ضم زائدة اليه فلا فائدة إذا في ذلك. فجوابنا أنّ الألقاب كزيد وعمرو يقع فيها أيضا الاشتراك ثمّ تمييزها بزيادة وقيل أيضا في جوابه ان فائدة ذلك أن القرآن مؤلف من هذه الحروف التي تقدرون عليها « ومع » ذلك يتعذر عليكم هذا النظم بفضل رتبته فاعلموا انه معجز.

[ مسألة ] ومتى قيل ولما ذا قال تعالى( ذلِكَ الْكِتابُ ) ولم يقل هذا الكتاب. فجوابنا أنه جل وعز وعد رسوله إنزال كتاب عليه لا يمحوه الماء فلما أنزل ذلك قال( ذلِكَ الْكِتابُ ) والمراد ما وعدتك ولو قال هذا الكتاب لم يفد هذه الفائدة.

[ مسألة ] قالوا ما معنى( لا رَيْبَ فِيهِ ) وقد علمتم أن خلقا يشكون في ذلك فكيف يصح ذلك وان أراد لا ريب فيه عندي وعند من يعلم فلا فائدة في ذلك. فجوابنا أنّ المراد انه حق يجب أن لا يرتاب فيه وهذا كما يبين المرء الشيء لخصمه فيحسن منه بعد البيان أن يقول هذا كالشمس واضح وهذا لا

١١

يشك فيه أحد وهذا كما يقال عند اظهار الشهادتين ان ذلك حق وصدق وان كان في الناس من يكذب بذلك.

[ مسألة ] قالوا لـما ذا قال تعالى( هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ) والهدى عندكم الدلالة وهو دلالة لكل فلما ذا خص المتقين دون غيرهم هلا دل ذلك على ان الهدى هو نفس الايمان. فجوابنا أنه تعالى قد بين في غير موضع ان القرآن هدى للناس فعم الكل وإنّما خص المتقين هاهنا من حيث اختصوا بقبوله وهذا كقوله تعالى( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها ) فخصهم من حيث يخشون عند الانذار وان كان صلّى الله عليه وسلم كان منذرا للكل كما قال تعالى( وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً ) وقد ثبت ان ذكر الواحد لا يدل على ان غيره بخلافه.

[ مسألة ] يقال ما معنى قوله( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) ما الغيب الذي مدحهم بالايمان به أولستم تقولون ( لا يعلم الغيب إلّا الله ). وجوابنا أنّ هذا الغيب يراد به الغائبات التي قام الدليل على صحتها كأمر الآخرة والجنة والنار والملائكة والحساب فمدح المتقين ووصفهم بأنهم يؤمنون بذلك( وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ ) أي يدومون عليها ويؤدونها بحقها( وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ) على وجه البر ولا ينفقون من الحرام الذي جعله الله رزقا لغيرهم فغصبوه ثمّ قال( وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ) حتّى يؤمنون بكل الرسل ولا يفرّقون بينهم( وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ) فلا يدخلهم شبهة في ذلك : ثمّ بين ان هؤلاء هم المفلحون الظافرون بثواب الله فدل بذلك على ان الثواب انما يكون بهذه الطريقة ورغب في التمسك بها وزجر عن خلافها وقد قيل ان في جوابه أن المراد أنهم يؤمنون بظهر الغيب باطنا كما يؤمنون ظاهرا وهذا أيضا حسن.

[ مسألة ] يقال ما معنى قوله( أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ ) ومعلوم ان الهدى ان كان دلالة فكل المكلفين فيه سواء فهلا دل ذلك على انه

١٢

نفس الايمان. فجوابنا أنّ المراد انهم على بصيرة مما تعبدهم به وتقبل الهدى يسمى هدى كما ان الجزاء على الامتثال للدلالة يسمى هدى وهذا كقوله تعالى في أهل النار انهم قالوا( لَوْ هَدانَا اللهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا ) وارادوا بذلك النعيم والثواب.

[ مسألة ] يقال ما معنى قوله( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) ومعلوم ان في الكفار من قرأه وآمن. فجوابنا أنه أراد قوما من الكفار مخصوصين في أيامه صلّى الله عليه وسلم علم الله تعالى ان الصالح ان يخبر الرسول بأمرهم لكيلا يتشدد في استدعائهم ولا يغتم ببقائهم على الكفر وذلك كقوله تعالى( لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ) وهذا من العموم الذي يراد به الخصوص. وربما سألوا فقالوا إذا كان قد أخبرنا بأنهم لا يؤمنون فكيف كلفهم وكيف يقدرون على الايمان الذي لو فعلوه لكان تكذيبا لخبر الله تعالى. فجوابنا أنّ ذلك انما يدل على انهم لا يؤمنون اختيارا وان قدروا عليه فلذلك ذمهم وقد يقدر القادر على ما لا يختاره كما أنه تعالى يقدر على افناء الدنيا في هذا الوقت وان كان لا يختاره ولو كان ايمانهم إذا قدروا عليه قدرة على تكذيب الله لكان الله تعالى إذا قدر على اقامة القيامة الآن وقد أخبر بأنه لا يقيمها إلّا بعد علامات أوجب أن يكون قادرا على تكذيب الله وكان يجب إذا قدر على الضدين وإنّما يفعل أحدهما أن يكون قادرا على تجهيل نفسه وهذا كلام من لا يعرف التكذيب والتجهيل وذلك ان التجهيل ما يصير به المرء جاهلا دون غيره والتكذيب ما يصير به كاذبا أو يتبين ذلك من حاله دون غيره.

[ مسألة ] في ذلك أيضا يقال إذا كان قد علم أنهم يكفرون فلما ذا حسن أن يكلفهم مع علمه بأنهم لا يختارون إلّا ما يؤدّيهم إلى النار. وجوابنا أنّه إنّما علم أنّهم لا يختارون الايمان مع تمكنهم من اختياره وتسهيله سبيلهم إلى اختياره بكل وجه فانهم انما يؤتون من قبل أنفسهم وأنهم لو اختاروا الوصول إلى ثواب عظيم لصح ذلك منهم ويفارق حالهم حال من منع من الايمان وإنّما يقبح ذلك

١٣

على مذهب من يقول انه تعالى يخلق فيهم هذه الأفعال من المجبرة.

[ مسألة ] قالوا فقد قال تعالى( خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ ) وهذا يدل على أنه قد منعهم من الايمان ومذهبكم بخلافه وكيف تأويل الآية. وجوابنا أنّ للعلماء في ذلك جوابين، أحدهما أنه تعالى شبه حالهم بحال الممنوع الذي على بصره غشاوة من حيث أزاح كل عللهم فلم يقبلوا كما قد تعين للواحد الحق فتوضحه فاذا لم يقبل صح أن تقول انه حمار قد طبع الله على قلبه وربما تقول انه ميت وقد قال تعالى للرسول( إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى ) وكانوا أحياء فلما لم يقبلوا شبههم بالموتى وهو كقول الشاعر.

لقد اسمعت لو ناديت حيا

ولكن لا حياة لمن تنادي

ويبين ذلك انه تعالى ذمهم ولو كان هو المانع لهم لـما ذمهم وانه ذكر في جملة ذلك الغشاوة على سمعهم وبصرهم وذلك لو كان ثابتا لم يؤثر في كونهم عقلاء مكلفين. والجواب الثاني ان الختم علامة يفعلها تعالى في قلبهم لتعرف الملائكة كفرهم وانهم لا يؤمنون فتجتمع على ذمهم ويكون ذلك لطفا لهم ولطفا لمن يعرف ذلك من الكفار أو يظنه فيكون أقرب إلى أن يقلع عن الكفر وهذا جواب الحسن; ولذلك قال تعالى( وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) .

[ مسألة ] يقال كيف يجوز أن يقول( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ ) وذلك يدل على الماضي ثمّ ينفي بعد ذلك بقوله( وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ) فجوابنا انه أراد تعالى المنافقين الذين يظهرون الايمان ويبطنون الكفر وقص تعالى خبرهم لعظم مضرتهم في ثلاث عشرة آية كما أنه ذكر صفة المؤمنين في أربع آيات وصفة الكفار في آيتين فقد كانت مضرتهم أعظم في أيام الرسول صلّى الله عليه وسلم فكشف تعالى بذلك حالهم لئلا يغتر بهم ولكي يتحرز من مخالطتهم ودل ذلك على ان اظهار الايمان ليس بايمان وان المعتمد على ما في

١٤

القلب من المعرفة وعلى هذا الوجه قال صلّى الله عليه وسلم الايمان قول باللسان ومعرفة بالقلب وعمل بالجوارح.

[ مسألة ] يقال كيف قال تعالى( يُخادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) ومعلوم ان الخداع منهم وان جاز على المؤمنين الذين لا يعرفون باطنهم فلا جائز على الله تعالى فكيف جاز أن يقول ذلك. وجوابنا أنّ فعلهم لـما كان فعل المخادع قال تعالى ذلك وان لم يكن خداعا لله في الحقيقة ولذلك قال تعالى بعده( وَما يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ ) لأن الذي فعلوه عاد بأعظم الضرر عليهم من حيث ينالهم ذلك بغتة وهم لا يشعرون.

[ مسألة ] ان قيل ما معنى قوله تعالى( فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضاً ) والمراد في قلوبهم كفر ونفاق فزادهم الله ذلك أو ما يدل على ان الكفر من خلق الله ومن قبله. فجوابنا أنه تعالى ذكر المرض ولم يذكر الكفر فحمله على ان المراد به الكفر غلط والمراد بذلك أن في قلوبهم غما أو حسدا على ما يخص الله تعالى به الرسول صلّى الله عليه وسلم وأصحابه فقد كانوا يغتاظون ويعظم غمهم ثمّ قال تعالى( فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضاً ) أي غما بما يفعله بالرسول ويجدده له من المنزلة حالا بعد حال فقول من قال بحمله على الكفر غلط عظيم ولذلك قال( وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) فان كان الله تعالى خلق ذلك فيهم كما خلق لونهم وطولهم فأيّ ذنب لهم حتّى يعذبهم وكيف يضيف اليهم فيقول( بِما كانُوا يَكْذِبُونَ ) وعلى هذا وصفهم تعالى بأنهم مفسدون في الارض وانهم السفهاء بعد ذلك وانهم( وَإِذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ ) .

[ مسألة ] قالوا كيف وصف تعالى نفسه بالاستهزاء فقال( اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) . فجوابنا أنّ الاستهزاء لا يجوز على الله تعالى لأنه فعل مخصوص يفعله من لا يمكنه التوصل إلى مراده إلّا بهذا الجنس فتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وإنّما أراد بذلك أنه يعاقبهم

١٥

ويجازيهم على استهزائهم كما قال تعالى( وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها ) ( فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ ) وما يفعله الله تعالى لا يكون سيئة ولا اعتداء ويقول العرب الجزاء بالجزاء والاول ليس بالجزاء وقال صلّى الله عليه وسلم أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك وإنّما أجرى اللفظ على جزاء الاستهزاء مجازا واتساعا. فان قيل ما معنى قوله تعالى( وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) أفتجوزون على الله تعالى ان يمدهم في كفرهم وان يريد ذلك. وجوابنا أنّه تعالى أراد بمدهم في جزاء طغيانهم لا نفس طغيانهم ويحتمل أن يكون ذلك عاقبة أمرهم في ذلك لقلة قبولهم ويكون ذلك مآل أمرهم وعلى هذا الوجه ذمهم بقوله( أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى ) فالمراد بقوله( وَيَمُدُّهُمْ ) أنه يبقيهم وهذا حالهم ويبين تعالى ذلك بأن( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ ) فان ظلمة المكان وقد كان فيه الضياء ثمّ فقد أعظم من الظلمة الدائمة.

[ مسألة ] ان قيل كيف يصح أن يقول تعالى( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ) ولم يكونوا كذلك في الحقيقة. فجوابنا انه تعالى شبه حالهم من حيث لم ينتفعوا بما يسمعون ويبصرون ويقولون بحال من هذا وصفه وذلك بين في اللغة فيمن لم يقبل ولا ينتفع والبيان انه يوصف بذلك على ما قدمنا من انه ربما يوصف بأنه ميت وبأنه بهيمة وبأنه حمار وقد تقدم ذكر ذلك وعلى هذا الوجه يقال حبك للشيء يعمي ويصم والمراد يصيره إلى رتبة الأعمى والأصم في انه لا ينتفع ويتعدى وجه الصواب.

[ مسألة ] فان قيل كيف يقول تعالى( أو كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ ) ولفظة أو يستعملها من شك في الامور دون العالم ويتعالى الله عن هذا الوصف : ( فجوابنا ) انه تعالى كما يجوز أن يمثلهم بشيء يجوز أن يمثلهم بشيء آخر في باب الضلالة وليس المراد إلّا الجمع بين الامرين وقد يقال لفظة أو فيما طريقة الجمع في ذلك كقوله تعالى( لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ

١٦

تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أو بُيُوتِ آبائِكُمْ ) أراد الجمع وكذلك قوله( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أو آبائِهِنَّ ) أراد الجمع وقد يقال جالس الحسن أو ابن سيرين والمراد الجمع واذا جاز في الواو أن يراد به معنى أو كقوله تعالى( فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ ) فكذلك يجوز أن يذكر أو ويراد به الجمع.

[ فصل ] ثمّ انه تعالى بعد وصف المنافقين بعث المكلفين على عبادته فقال( يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) ولا يصح أن يقول ذلك إلّا مع الامر بمعرفة الله تعالى ليصح أن يعبد ومع اقامة الدلالة التي يصل بالنظر فيها إلى معرفة الله تعالى وذلك ما نبه عليه بقوله( الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) ونبّه بذلك على أنّ العبادة انما تليق به لانه خالقنا والمنعم علينا ونبه بذلك على بطلان التقليدي لأنه لا يصح أن يكون طريقا لمعرفته ونبه بذلك على انه ليس بجسم وأنه انما يعرف بفعله وخلقه.

[ مسألة ] ان قيل فما معنى قوله تعالى( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) ولعل انما يستعمله المتكلم بمعنى الشك : فجوابنا أنّ المروى عن ابن عباس والحسن ان لعل وعسى من الله واجب فالمراد لكي تتقوا ولكي تشكروا وتفلحوا وذلك أحد ما يدلنا على انه تعالى لا يريد من المكلف إلّا الطاعة التي هي التقوى والشكر وما شاكل ذلك وعلى هذا الوجه قال الله تعالى لموسى وهارون صلّى الله عليهما وسلم( فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أو يَخْشى ) لانه أراد بذلك تذكره وخشيته وهو الذي يفهم في اللغة واذا ذكر في غير ذلك فهو مجاز. وقد أجاب بعض العلماء بان المخاطب إذا كان لا يعلم هل يختار ذلك أو لا يختاره صح من المخاطب ان يخاطبه بذلك ليترجاه فمن حيث كان المخاطب مترجيا غير قاطع جاز ان يخاطب بذلك فامر تعالى بعبادته ثمّ قال في آخره( فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً ) وهذا هو معنى الاخلاص أي اعبدوه ووحدوه ثمّ نبه

تنزيه القرآن (٢)

١٧

على وجوب الاعتراف بنبوة النبي صلّى الله عليه وسلم فقال( وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ) فقد أوتيتم الفصاحة التامة فان كان غير صادق ولكم الحمية والآنفة وقد الزمكم طاعة الله والانقياد فما الذي يقعدكم عن ان تأتوا بمثله وهلا دل قعودكم عن ذلك على ان القرآن معجز يدل على صدقه في النبوة وبين انهم كما لم يأتون بمثله فكذلك حالهم أبدا بقوله( فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا ) .

[ مسألة ] يقال لم قال تعالى( فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ ) وكيف تكون الحجارة وقودا وكيف يصح في الناس ان يكونوا وقودا لها وهم لا يحترقون. فجوابنا انه تعالى نبه على عظمها وانها لذلك تحترق بالحجارة وليس إذا كان الناس وقودها وجب ان يفنوا لانه تعالى يمنع وصول النار إلى المقاتل وإنّما تحترق ظواهرهم كما قال عز وجل( كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها ) أعاذنا الله منها بالتقوى.

[ مسألة ] قالوا فقد قال تعالى في هذه النار( أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ) فهلا دل على ان غير الكفار لا يدخلونها. فجوابنا أنّ للنيران دركات فهذا صفة واحدة منها وبعد فليس إذا ذكر الله تعالى انها معدة للكافرين دل على نفي غيرهم وعقب ذلك بقوله( وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ ) وبين ان لهم فيها أزواجا مطهرة من الامور التي ربما تنفر في دار الدنيا من ضروب ما يتأذى به.

[ مسألة ] ان قيل فما معنى قوله تعالى( إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها ) . فجوابنا أنه تعالى لـما ضرب مثل آلهتهم بالذباب( إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً

١٨

وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ) وضرب أيضا مثلهم بالعنكبوت وضعف نساجته قال الكفار طعنا في ذلك كيف يضرب تعالى مثل آلهتنا بهذه المحقرات فأنزل الله تعالى هذه الآية وأراد أنه انما يضرب المثل بما هو أليق بالقصة وأصلح في التشبيه فاذا ضرب مثلهم في باب الضعف كان ذكر الحقير في المنظر من الحيوان أحسن موقعا ومعنى قوله( بَعُوضَةً فَما فَوْقَها ) أي في الصغر والضعف وعجائب الحكمة في البعوضة وصغار الحيوان أزيد من عجائبهما في كبار الحيوان لمن تأمل.

[ مسألة ] قالوا فقد قال تعالى( وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً ) وذلك يدل على أنه تعالى يضل ويهدي لا كما تقولون بأنه تعالى لا يجوز عليه ذلك « قلنا » انا انما ننكر أن يضل تعالى عن الدين بخلق الكفر والمعاصي وارادتها كما ننكر أن يأمر بها ويرغب فيها ولا ننكر أن يضل من استحق الضلال بكفره وفسقه وقد نص الله تعالى على ما نقوله في تفسير هذه الآية ودل عليه لانه قال( وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ ) فنبه بذلك على أن قوله « يضلّ به كثيرا » أريد به يضل بالكفر به كثيرا والا كان لا يكون لقوله( وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ ) معنى لان غير الفاسقين يضلهم على قول القوم ثمّ انه تعالى وصف من يضله فقال( الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ) فبين تعالى أنه يضلهم بهذه الخصال لا أنه يبدؤهم بالضلالة وعلى هذا الوجه قال( فَرِيقاً هَدى ) أي إلى الثواب( وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ ) بين كيف حق ذلك فقال( إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللهِ ) وعلى هذا الوجه قال( وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ ) فخصهم بذلك وقال( وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ) أي إلى الثواب وقال( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ

١٩

رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ ) وقال( وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً ) وقال( إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً ) أي بالالطاف والتأييد وقال تعالى( إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى ) أي بالادلة وقال( وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) أي بالأدلة وقال( كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ ) وقال تعالى( وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ) أي بقبوله لذلك وقال( انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا ) وذم تعالى الشيطان وفرعون والسامريّ بما كان منهم من الضلال فالاضلال من الله تعالى مخالف لإضلالهم لا كما يقوله المجبرة والقدرية الذين يضيفون تقدير الفواحش إلى ربهم فنقول إنه تعالى هدى الخلق بالأدلة والبيان ويهدي من آمن بالثواب خاصة ويهديهم أيضا بالالطاف ونقول انه يضل من استحق العقاب بالمعاقبة وبأن يعدلهم عن طريق الجنة وبأن لا يفعل بهم من الألطاف ما ينفعهم ولا نقول انه يضل عن الدين بأن يخلق الضلال فيهم ولا انه يريده ولا انه يدعوهم اليه لان ذلك هو الذي يليق بالشياطين والفراعنة وإنّما قال تعالى( يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً ) وأراد يعاقب بالكفر به( وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً ) أي يثيب بالايمان به كثيرا ويجوز إضافة هذا الضلال إلى نفسه وقد قيل أيضا انهم لـما ضلوا عنده جاز أن يضاف إلى نفسه كما قال تعالى( وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً ) ثمّ قال من بعد( وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إلى رِجْسِهِمْ ) فأضاف ايمانهم وكفرهم إلى السورة لـما آمن بعضهم عند نزولها وكفر بعضهم فكذلك أضاف هذا الضلال إلى نفسه لـما كفروا بالمثل عند نزوله ثمّ بين تعالى بقوله( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ) على أن الكفر من قبلهم وانهم قد كفروا نعمة ربهم وعدد نعمه عليهم معظما لذنبهم وكفرهم لأن عظم النعمة تعظم معصية المنعم ونعم الله علينا لا يدانيها نعم فلذلك يكون اليسير من المعاصي عظيما كما يكون اليسير من عقوق الوالد البار

٢٠