عاشوراء امتداد لحركة الأنبياء

عاشوراء امتداد لحركة الأنبياء0%

عاشوراء امتداد لحركة الأنبياء مؤلف:
تصنيف: الإمام الحسين عليه السلام
الصفحات: 151

عاشوراء امتداد لحركة الأنبياء

مؤلف: السيد محمد تقي المدرسي
تصنيف:

الصفحات: 151
المشاهدات: 3173
تحميل: 218

توضيحات:

عاشوراء امتداد لحركة الأنبياء
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 151 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 3173 / تحميل: 218
الحجم الحجم الحجم
عاشوراء امتداد لحركة الأنبياء

عاشوراء امتداد لحركة الأنبياء

مؤلف:
العربية

((وتزودوا فان خير الزاد التقوى )) (١٩٧/البقرة).

فالدنيا بالنسبة اليهم سويعات تمر بالنسبة الى عمر الزمان. وقال تعالى:

((وان الدار الآخرة لهي الحيوان )) (٦٤/العنكبوت).

ولقد حوّلوا التصرف فيما يمتلكون من الدنيا الى أن يأتيهم الموت، فلا ينظرون الى أموالهم تلك النظرة الانانية والذاتية، وإنما المال في أيديهم أمانة، والاهل والاولاد ابتلاء وفتنة، والنعم بالنسبة اليهم بلاء كما النقم بلاء، وكل شيء في الحياة بالنسبة اليهم امتحان وابتلاء واختبار لمدى إرادتهم وصمودهم، فهم لا يقسرون أنفسهم على هذه النظرة قسراً ولا يكرهون عليها ليقبلوها، إنما هي نظرة نابعة من عمق شعورهم ووجدانهم الحي وضميرهم المتيقظ ومعرفتهم بحقيقة الدنيا وحقيقة الآخرة، وهذا الشعور وهذه المعرفة بدورها ناشئة باتصال أرواحهم بنور الله سبحانه وتعالى.

حينما نقول اتصال أرواحهم بنور الله، فان هذه الكلمة لا تفي بما تريد أن تعبر عنه، لان هذا الموضوع بالذات ليس مما يعبر عنه بكلمات أو بألفاظ، كيف نعبر عن النور لمن لم يجد النور، بل كيف نعبر عن النور لمن وجد النور، وأكتشفه ووصل الى كنهه.

ان أية كلمة لا تستطيع أن تكون أوضح تعبيراً من وصول هذا الانسان الى النور ذاته، أما الذي لم يصل الى النور ولم يهتد اليه فانه كالاعمى، كلما فسّرت له كلمة النور كلما ازداد غموضاً عنده. وابتعاداً عن فهم حقيقة النور، ويسأل ما هو النور؟

١٢١

وكذلك حينما نقول الاتصال بالله فان كل انسان قد وجد لحظات من الاتصال النوراني في حياته لا أقل لحظات العسر الشديد.. أو لحظات الانقطاع عن الدنيا.. أو لحظات التبتل.. وفي تلك اللحظات عرفنا ونعرف ماذا يعني الاتصال بالله.

١٢٢

ماذا يعني الاتصال بالله؟

ان الاتصال بالله يعني، ان الانسان في تلك اللحظات لا يجد شيئاً أفضل عنده من الله سبحانه وتعالى، يحبه حباً عميقاً، وهو لا يستطيع أن يسأل نفسه لماذا؟ لانه ينسى نفسه في تلك اللحظات التي تتصل روح البشر بنور الله سبحانه وتعالى.

ان الانبياء (ع) والأئمة والاولياء والصالحون، في أغلب أوقاتهم-ان لم تكن كل أوقاتهم-يعيشون هذه الحالة، فقلوبهم بين أصابع الرحمن، ونفوسهم معلقة بعرش الله، فتراهم يعيشون مع الناس ولكنهم في الواقع يعشون مع الله.

يقو ل الامام علي عليه الصلاة والسلام:

((ما رأيت شيئاً، إلّا ورأيت الله قبله ومعه وبعده)).

((والله لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً)).

١٢٣

حالات العارفين

جاء رجل شاب الى النبي (ص)، واذ به أصفر اللون، غائر العينين، ووجده في حالة غريبة، قال: ياهذا مابك؟ قال: يارسول الله: انني لا أستطيع أن أنام، لاني أسمع دائماً حسيس النار، وأرى نعيم الجنة وأجد نفسي دائماً أمام ربّي، فحينما ذهب الشاب، قال: النبي (ص) لاصحابه:

((هذا عارف فعلاً.. وصدق هذا الفتى)).

وفي احدى الحروب الاسلامية، أسر المسلمون جندياً من جنود العدو، فاستعبدوه فجلس بينهم قال: الى ما تدعون؟ قالوا: ندعوا الى ربّ العالمين خالق السموات والارضين والذي فطرهن وهو بكل شيء عليم، قال: ومن ربّ العالمين؟ قالوا: ان علمه وقدرته وتدبيره محيطة بكل شيء، فحينما وصفوا الله له تجلى ربه لقلبه فغمر قلبه نور الايمان. واتصل بالرفيق الاعلى. فاتصل قلبه قبل أن يتصل جسده، وتغيرت حالاته، قال اعطوني برامج دينكم ومناهجه وشرائعه وأحكامه قالوا له، الصلاة، القرآن، فأخذ يصلي، وحين الطعام دعوه للغذاء رفض أن يأتي، ولم ينم الليل وهو جالس في حالة غريبة، قالوا له: نم وارتح، قال وهل يستطيع أحد أن ينام أمام الله جبار السموات والارض خالق كل شيء، لا أستطيع أن أنام، ولا أستطيع أن آكل، فبقى ثلاثة أيام دون أن يأكل أو يشرب أو يرتاح الى أن توفاه الله برحمته.

هذه حالات العارفين بالله حق معرفته، فهل نحن منهم؟!

يقول الامام علي عليه الصلاة والسلام:

((لولا أن المؤمنين قد قدّر الله لهم آجالاً محددة تحلقت أرواحهم الى الله شوقاً اليه، وخوفاً من ناره، ورغبة في جناته))

١٢٤

طبيعة العرفان

هذه هي طبيعة العرفان، المعرفة بالله حق المعرفة وأؤكد على كلمة المعرفة، وكذلك الاتصال بالله تعالى، التي عبرت بها عن هذه الحالة لا تستطيع أن تكشف من حقيقة ما أريد أن أقول، لذلك يصبح هؤلاء مشتاقين الى لقاء الله سبحانه وتعالى، في كل ساعة، وكل يوم، وفي كل حين، وفي أي مكان، متى ما ينتهي وقت الاختبار في الدنيا وننقل الى الآخرة. حيث نعيم الله وجنانه، فهم ليسوا واثقين من أنفسهم، لانهم يتهمونها دائماً، ولكنهم واثقون من رحمة الله ومغفرته لانهم عرفوا الله، وعرفوا ان الله لا يخيب ظنهم، وعرفوا انّ الله سيغفر لهم ذنوبهم حينما يتوفاهم.

((الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة))

فالملائكة تستبشر بأرواح الصديقين، وأرواح الشهداء، وأرواح الاولياء، فتستقبلهم في أول لحظة من لحظات انتقالهم من الدنيا الى الآخرة، ولذلك جاء في الدعاء:

((واجعل خير أيامي يوم ألقاك)).

ذلك اليوم هو خير أيام حياتهم لانهم أنهوا الامتحان وانتهت الصعاب وجاء وقت الجزاء، الذي لا ينتهي، وهل هناك جزاءٌ أفضل من رضى الخالق سيدنا والهنا وحبيب قلوبنا الذي ننتقل اليه، ان هذه الحالة، وهذا الاتصال يعطيهم الامل والاستقامة.

١٢٥

ماذا تعني الاستقامة

ان الاستقامة صعبة على أولئك الذين ليسوا متصلين بروح الله، ولا بنروه، أما بالنسبة الى المؤمنين فيضحكون ويستبشرون بما أتاهم، ولا يعني الضغط بجميع أشكاله وألوانه شيئاً بالنسبة اليهم، فيتمثل أحدهم أمام الحجاج بن يوسف الثقفي، ويقول: كيف أقتلك؟ فيجيبه: ياهذا أنظر لنفسك واختر أنت كيف تريدني أن اقتلك في يوم القيامة!! فتجاوز كل عقبات الخوف والارهاب، وقال ورأى المستقبل في يوم القيامة، لان يعلم أن الحجاج لا يملك شيئاً، وان هذا الظالم إنما يقضي في هذه الحياة الدنيا، كما قال السحرة التائبون الذين كانوا حول فرعون:

قال الله تعالى:

((فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا )) (٧٢/طه).

ان هذه هي حقيقة الاتصال بالله، ولهذا فترى أصاحب الامام الحسين (ع) في كربلاء، كما جاء في الاحاديث لم يكونوا يشعرون بحر الحديد، وفي الواقع ان أجسامهم لم تتبدل الى أجسام أخرى تحس بتعذيب الظالمين، ولكن شوقهم الى الجنة، واتصال أرواحهم بنور الله تعالى، جعلهم لا يتأثرون بثقل الحديد، ولا بالقتل الشنيع.

أحدهم كان في أتون المعركة وفي حر الصحراء الشديد، والاعداء محيطون به يرشقونه بالنبال كوابل المطر، وجراحاته تنزف وتقطر دماً، ومع ذلك ينظر الى السماء ثم يقول يا أبا عبد الله هذا وقت الصلاة وأريد أن أصلّي آخر صلاة لي وراءك يا أبا عبد الله.. ما هي هذه الروح؟

١٢٦

في أشد لحظات حياته لا ينسى الصلاة، بل ولا ينسى مستحباتها، ويريد أن يصلي الصلاة جماعة، فيقول له الامام الحسين: أحسنت ذكرت الصلاة جعلك الله من المصلين، فبشره بأنه يحتسب عند الله تعالى من المصلين، فوقف الامام الحسين في يوم عاشوراء بعد أن قتل أصحابه يصلي صلاة الظهر.

هؤلاء هم الصفوة الذين اتصلت أرواحهم بنور الله، فمنحهم الله الاستقامة، والحركات الاسلامية اليوم الذين يريدون تحرير بلادهم وشعوبهم بل وسائر الجماهير من رجس الطغاة والانظمة الفاسدة، عليهم أن يحرروا الانسان من الجبت والانحرافات العقائدية، ومن الغفلة، والنسيان، ومن حب الدنيا، ومن التورط في الشهوات.

والحركات الرسالية تتحمل صعوبات أكبر، لان أهدافها أكبر، ولانها لا تريد فقط تحرير الارض، بالرغم من ان تحرير الارض شيء عظيم، ولكنه ليس الهدف الاساسي، وإنما الهدف هو تحرير الانسان، وهذا الهدف لا يتحقق الا بعد ازالة الطغاة، ولكن لا يعني ذلك ان هذا هو الهدف الاول والاخير، فيحررون الارض ويحررون الانسان، بل وقبل ذلك وأهم من ذلك أن يحرروا أنفسهم من ضغط الشهوات، ومن أغلال النفس وقيود الجبت.

ان الجهاد في سبيل الله تعالى، والصراع مع الاعداء ينعكس على النفس البشرية، فالانسان الذي يجاهد في سبيل الله تعالى مخلصاً يكون الجهاد بالنسبة اليه معراجاً يعرج بروحه الى الله تعالى.

١٢٧

((والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا )) (٦٩/العنكبوت).

ان الذين يجاهدون في سبيل الله، يعرفون الطرق المؤدية الى الله سبحانه وتعالى، وهذا هو هدف الانبياء (ع)، وفي كربلاء نجد نماذج من هذه الاستقامة، ومن هذا النوع الجهاد، وأبعاد استقامة الامام الحسين (ع) في يوم عاشوراء من خلال قراءة دعاء عرفة والتدبر فيه، وخصوصاً في كلمته التي يقول فيها:

((فان لم تكن غضبت عليّ فلا أبالي سبحانك غيرك ان عافيتك أوسع لي)).

والعافية أحسن من المرض، والسلم أفضل من الحرب، والامن أفضل من الخوف، ولكن ليس هذا هو الهدف الأساسي، إنما الهدف الاساسي هو الرضا، جاء رجل للامام جعفر الصادق (ع) وقد سأله الامام : كيف أصبحت؟ فقال: ((يابن رسول الله أصبحت والمرض أحبّ اليّ من الصحة والفقر أحبّ اليّ من الغنى، والخوف أحبّ اليّ من الامن)) فقال له الامام (ع): (أما نحن فلسنا كذلك) فقال الرجل: كيف؟ قال الامام(ع): (نحن اذا أراد لنا الله الخوف، فالخوف أحب الينا من الامن، واذا أراد لنا الامن، فالامن أحب الينا من الخوف، واذا أراد لنا العافية، فالعافية أرضى لنا، واذا أراد لنا المرض، فالمرض أرضى لنا، ما يريده الله نحن نريده، أو نحبه).

هذا معنى كلام الامام الحسين في دعاء عرفة، وهو هدف يجب أن نضعه نصب أعنييا دائماً.

١٢٨

الامام الحسين (ع) القدوة والمثال الرسالي

ان الذي يقرأ دعاء عرفة ويتدبر فيه، ويقرأ خطاب الامام الحسين (ع) في مكة المكرمة، وفي المدينة، ورسائله الى العلماء التي بعثها، ربما يكتشف جانباً بسيطاً من شخصيه الايمانية ويعرف لماذا كان الامام الحسين (ع) في كربلاء يفقد أعزّ أصحابه، وأعز أنصاره وهو يحبهم ويشفق عليهم ولكن مع ذلك حينما فقد كل أصحابه ومعظم أهل بيته وحتى طفله الرضيع، حمل على القوم يقول حميد بن مسلم: (فو الله ما رأيت مكسوراً قط قتل أصحابه وأبناؤه وأهل بيته أربط جأشاً منه).

فقد كل شيء في الحياة ولكنه لم يفقد شيئاً واحداً هو أهم الاشياء، وهو الله سبحانه وتعالى، فدخل الامام الحسين (ع) المعركة وكلما قتل أحد يقول: ((الله أكبر)) ويرفع صوته بالتكبير لكي تعرف نساؤه وأهل بيته من الخيام أنه لا يزال حياً، لانه أمل النساء والاطفال والأرامل واليتامى الذين لم يكونوا-آنئذ-يملكون أحداً غير الامام الحسين وكل من كان يقتل ويستشهد في المعركة كانت تقول زوجته الارملة، وأولاده اليتامى، لابأس ان قتل أبونا أوقتل أخونا وقتل أزواجنا مادام الامام الحسين (ع) موجود، هو سبيلنا الفريد والعماد الذي نأوي اليه، لذلك كان يرفع صوته لهم بالتكبير وهو يخوض تلك اللجج من جيوش الاعداء الذين أحاطوا به من كل جانب، والبعض قال ان عددهم (٣٠ ألف مقاتل، وقال البعض ان عددهم نصف مليون) ولكن حينما تتصور (٣٠ ألف فارس مسلح) أمام رجل واحد هو الذي يحاربهم، وينكشفون أمامه انكشاف المعزى عن الاسد، انه لشيء عجيب!!.

١٢٩

وهنا لا نريد أن نبحث كل الجوانب المأساوية في قضية الامام الحسين (ع) وكيف رضخ بالحجارة، ورمي بالسهام، وضرب بالسيوف، وقد قاموا بكل الاعمال غير الانسانية، والجرائم بحق الامام الحسين (ع) ومع ذلك كشف القوم حتى دخل المشرعة، يقول الرواة:

(كان هو عطشاناً فأدخل الفرس رأسه في الماء ليشرب الماء فقال الامام الحسين (ع) أنت عطشان وأنا عطشان فاشرب الماء، وكأن الفرس أحس بذكاءه الخاص ونباهته وخصوصاً الفرس العربي الاصيل، وفرس الامام الحسين (ع) كان فرس النبي (ص)، فرفع الفرس رأسه من الماء، والذي اغترف الامام الحسين-عليه الصلاة والسلام-مقداراً من الماء ليشرب، فقال له رجل: يا أبا عبد الله أتشرب الماء والخيل أحاطت بحرمك!! رمى الماء، وعاد ليتأكد من سلامة حرمه، فكشفهم عن حرمه ثم عاد الى المعركة، وعادوا مرة أخرى، وهكذا كلما انهزموا أمامه عادوا الى حرمه، ليهددوه بأسرهم، فيعود الى حرمه لا يعرف هل يحارب أم يدافع عن حرمه وهو يمنى الارامل واليتامى في مخيمه بالماء. عندها رضخوه بالحجارة فأصابت حجارة جبهته الكريمة كما أصاب السهم مرة جبهته، ثم أصيب اصابات بالغة).

يقول الرواة:

(في اللحظات الاخيرة من حياة الامام الحسين-عليه الصلاة والسلام-تعرض جسده بما لا يقل عن مائة ضربة من مختلف الاسلحة، وجسمه الشريف أصبح كالقنفذ من كثرة نبت السهام عليه، لكن مع كل ذلك وفي كل تلك اللحظات يقول:

١٣٠

((هوّن عليّ ما نزل بي بعين الله).

ان الامام الحسين (ع) حينما يقول ((الله أكبر)) فان قلبه يتجدد استقامة وصبراً وصموداً، وحينما هوى الى الارض لا يجد كلمة يعبر بها عن واقعه إلا تلك الكلمة التي تكشف طبيعته وشخصيته وتصبغ حركته كلها بصبغة الايمان قال:

((رضاً برضاك، لا معبود سواك)).

هذه هي الكلمة الوحيدة التي قالها الامام الحسين-عليه الصلاة والسلام-في تلك اللحظات يقول المؤرخون: حينما وقع الامام الحسين (ع) وبه تلك الجراحات الكثيرة وحوله الاعداء، جمع حفنة من التراب جعلها كالوسادة، ووضع رأسه عليها وأخذ يناجي ربه وكأنه في طرف والدنيا كلها في طرف آخر، ولا يهمه إلا كسب رضا الله سبحانه وتعالى.. ليؤكد مسيرته الالهية الخاصة.

١٣١

كيف نحيي ثورة الامام الحسين (ع)

لقد انتهت مأساة كربلاء لتبدأ مسيرة كربلاء

مأساة كربلاء انتهت بسفك أزكى الدماء، وسبي أطهر النساء، وفاجعة لم يسبق لها مثيل عبر التاريخ، وابتدأ من بعد ذلك اليوم مسيرة جديدة، لان هذه المأساة تحولت مع الزمن الى مسيرة، وهذا المسيرة تحولت الى حقائق راسخة توغلت في عمق الانسان حتى اصبحت جزءاً منه وكأنها من سنن الكون.

ولكن من الذي قاد هذه المسيرة؟

قبل أن نجيب على هذا السؤال لابد أن نلفت أنظاركم الى دور الثقافة في الثورة.

كلّنا يعرف ان الثقافة هي عصب الثورة، وعلى قاعدة التوحيد والايديولوجية تبنى الثورات، ومن هذه القاعدة تنطلق.

ولولا ايمان الثائرين الذي يدفعهم الى التضحية من أجلها ووجود فلسفة الشهادة في الامة الاسلامية، إذن لما كانت الثورات ممكنة الحدوث عبر التاريخ، خصوصاً الثورات الاسلامية، بما كانت تملك من بطولات، ومن شجاعة.

١٣٢

إلا أن دور الثقافة لا ينتهي عند هذا الحد، لان الدور الاعظم للثقافة يبدأ بعد الثورات، وسواءاً انتهت الثورات بانتصار أو بنكسة مؤقتة، فان للثقافة دوراً أساسياً لها.

ان الاسلام منذ البداية قام على أساس التضحية والفداء، والتعبير الذي يقول:

((ان الدم ينتصر على سيف)) هو التعبير الموجز المستلهم من الآيات القرآنية وخصوصاً من قوله سبحانه وتعالى على لسان أحد الانبياء:

((ربي اني مغلوب فأنتصر)).

وهو تعبير يلخص تاريخاً حافلاً بالدماء والدموع يلخصه هذا التعبير البسيط الذي يقول:

((الدم ينتصر على السيف)).

ولا ريب ان الثورة الاسلامية حتى في بداية انطلاقها في عهد الرسول (ص) كانت تعتمد على دماء الشهداء الذين يقتلون في سبيل الله، ولكن ان لم يكن هناك لسان ناطق باسم هذا الدم، ولم تكن هناك فكرة معبرة عن تلك الشهادة فأن الدم سيذهب هدراً، وان القتل سينسي، وبذلك لا يحققان أهدافهما المقدسة.

١٣٣

مسؤولية بقايا الدم والسيف والشهادة

وفعلاً لو انتهت مأساة كربلا باستشهاد أبي عبد الله الحسين (ع)، فلا ريب ان كلام ذلك الانسان الضعيف الخائر الارادة الذي قال: بأننا سنقتل في هذه الصحراء وينسانا الناس ولا يعلم بنا أحد، لكان كلام هذا الرجل صحيحاً.

في تلك الأيام كانت المعارك كثيرة، والصراعات-سواءاً-الداخلية أو الخارجية منها كانت بالعشرات بل بالمئات وفي طرف من الارض استشهد مجموعة من المسلمين دفاعاً عن قضيتهم، من الذي سيذكر هذه الحادثة؟

لولا ذلك اللسان الناطق باسم الثورة والمتمثل في زينب الكبرى (ع) التي حملت ماساة كربلاء معها تطوف بها كل أرض، وكل مصر.

هذا هو دور الثقافة.. دور الاعلام، ان الشيء الذي يحيي الشهيد ويميته هو الاعلام، لذلك فان مسؤولية الباقين من بقايا السيف وبقايا الدم والشهادة مسؤولية أكبر من مسؤولية الماضين حينما يقوم نظام طاغوتي، كنظام صدام بإعدام الصفوة من أبناء أمتنا في العراق، فأن أولئك ذهبوا الى ربهم في جنات عرضها السماوات والارض أحياء يرزقون عند ربهم، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وما أحلى الشهادة وما أحلى اللقاء بعد الشهادة.

١٣٤

ولكن من الذي يمسك بيده مصير هذه الصفوة المستشهدة في وطننا الحبيب العراق؟

مسؤولية أصحاب القلم.. وأصحاب الفكر اذا حملوا مسؤولياتهم فأنهم لا يحيون فقط شهدائهم بل يرزقون شهدائهم رزقاً دائماً حسناً

فحينما يسقط شهيدا لابد أن يرتفع من حوله على كل بقعة دم من دمائه الطاهرة علم يدعو باسمه، يصنع منه سيفاً يلاحق الطغاة به في نومهم وفي يقظتهم!! ولكن اذا سقط شهيد وسكت الآخرون، فإن ذلك يعني انهم اشتركوا في جريمة قتله، واشتركوا في موته، فإن أماته الطاغوت مادياً فقد اماته الناس معنوياً لذلك قال القائل:

((أولئك الذين مضوا قاموا بدور الامام الحسين (ع) وأولئك الباقون يجب أن يقوموا بدور زينب وإلا فسوف يكونون من أتباع يزيد)).

ان دم الامام الحسين (ع) في كربلاء يشكل من كل قطرة دم زكية رافداً أثار أحاسيس الشعراء، بل ان لم أبالغ ان هذه القطرة من الدم صنعت الشعراء، فالانسان الذي يحمل قضيةً وأحساساً، هو الانسان الذي يريد أن يعبر عن هذه الوصية بصدق، فيبحث عن وسيلة للتعبير، والحاجة أم الاختراع، وسيجد بعدها وسيلة اللسان والشعر، وهي الوسيلة المناسبة للتعبير عن آهاتهم وأحزانهم وآلامهم وعن قضيتهم الانسانية.

١٣٥

دور الشعراء في الثورة

في وادي كربلاء، بدأت وسيلة الشعر ابتداء من أراجيز الشهداء قبل استشهادهم ثم بعض الابيات المنسوبة الى أبي عبد الله الحسين (ع)، أو الى سكينة بنت الامام الحسين-عليه الصلاة والسلام-هذه الابيات المعروفة:

((شيعتي مهما شربتم عذب ماء فذكروني

أو سمعتم بشهيد أو قتيل فأندبوني

فأنا السبط الذي من غير ذنب قتلوني

وبجرد الخيل بعد القتل عمداً سحقوني))

هذه الابيات كلها أنطلقت من كربلاء نفسها في يوم عاشوراء، أو الابيات التي نسبت الى زين العابدين حول الحر بن يزيد الرياحي.

هذا الشعر أمتد الى الكوفة على يد [كميت] وأمتد الى خراسان على يد شاعر أهل البيت دعبل الخزاعي، واستمر مع الحمدانيين بأبي فراس الحمداني بالذات، أو كالشعراء الآخرين كالشريف الرضي، والشريف المرتضى وغيرهم، فكانت رسالة الشعر رافداً انطلق من كل قطرة من قطرات الشهيد المظلوم في كربلاء.

ربما الامام زين العابدين حينما كتب على قبر الامام الحسين (ع) بأصبعه الشريف (هذا قبر الحسين بن علي الذي قتل عطشاناً مظلوماً) هذه الكلمة كانت الاشارة الخضراء التي فتحت لهذا الرافد أوسع أبوابه.

١٣٦

رسالة الكلمة

إن دماء الشهداء رافداً آخر للتعبير عن أحداث الطف هو رافد الخطب اللاهبة، وقد كانت زينب الكبرى تقذف لهباً وحمماً في وجه الطغاة، ابتداء من كربلاء حيث خاطبت عمر بن سعد في يوم عاشوراء خطاباً، فبكى وجرت دموعه على لحيته الخبيثة، وكذلك في الكوفة وقد قال أحد الخطباء بأن أعضاء ثورة التوابيين سجلوا أسمائهم تحت منبر زينب الكبرى في الكوفة، وهذا صحيح، فلما ألقت ذلك الخطاب وأثارتهم وكشفت واقعهم الفاسد بكل عنف-وفي نفس الوقت-بكل بطولة حينذاك أخذ بعضهم ينظر أنحن الرجال أم هذه المرأة هي الرجل الحقيقي!

إمرأة فقدت كل أعزتها وهي وحيدة مع ذلك فهي لا تتحدث فقط عن ظلم الطغاة وعن انحرافهم، بل تتحدث عن سكوت الجماهير، وعن مدى اشتراكهم في الجريمة لو استمروا ساكتين وهذه هي الشجاعة.

أن يقول المصلح كل الحقيقة، وانها حقاً رسالة الكلمة التي تحولت الى رافد.

الخطب لم تعد بعد كربلاء خطباً فارغة، وإنما كانت الخطابات والاحاديث تبدأ بذكر الامام الحسين (ع) وتنتهي بهذا الذكر، وهكذا تحولت كل قطرة من قطرات دام الامام الحسين (ع) الى رسالة الكلمة.

١٣٧

روافد الثورة

والقطرات الاخرى تحولت منها الى رسالة والى رافد جرى في عروق الثائرين عبر التاريخ، وآخر جرى في عروق العلماء والمفكرين. وآخر جرى في عروق الناس ورفعهم الى كل معاني الانسانية والتضحية.. ولكن الذي يعنينا هنا هو رافد الثقافة.

فبعد أن يقوم الشهيد بدوره، يبدأ الدور الحقيقي والاساسي وهو دور الكلمة، والثقافة، والاعلام، سواء بالكلمة الموزونة (الشعر) أو بالكلمة (النثر) الناطقة.

هذا الدور هو في الواقع منعطف خطير الى الثورة، فأن قام به الباقون انتصرت الثورة.. وإلا فأن مصير الثورة سيكون على كف متأرجح.

الامام الحسين (ع) كان يعلم هذا الدور، وكان يخطط له منذ البدء بطريقة معينة للاستفادة من هذا الدور، ولذلك صحب معه زينب وسائر لمخدرات من أهل بيته.

١٣٨

الارادة والوعي والعزم، ثلاثي الرسالي

الاسلام لا يريد للانسان أن يخضع قسراً لرسالة السماء، إنما يريد الانسان أن ينتمي الى الرسالة وينمي فيه الارادة والعزم والوعي لكي يصل بوعيه وبفكره وبارادته الى مستوى الايمان الرسالة.

والذين يستشهدون في طريق الحق.. لا يهدفون العلو الى السلطة، ويفرضوا على الناس فكرة معينة. واذا كانوا على هذا الطريق، لا يوفقهم الله لذلك ، حتى وان أرادوا لان الله لا يريد لعباده المؤمنين أن يتحولوا الى أرهابين.

ولكن إنما يهدف أولئك بشهادتهم.. أن يفسحوا المجال واسعاً أمام الثقافة والوعي ليأخذ محله في رفع الناس الى مستوى الايمان.

كان ذلك هدف كربلاء.. ومن الاهداف التي رسمها الله تعالى من فوق عرشه لهذه الارض، ولبطل هذه الارض الامام الحسين (ع).

كان ذلك من الاهداف الاساسية لفتح المجال أمام الخطباء والكُتّاب والاعلام، امام الناس ليفهموا الحقيقة.

١٣٩

الامام الحسين (ع) سفينة النجاة

حينما نسمع حديث الرسول (ص) وقول أحد الائمة:

((كلنا سفن النجاة.. وسفينة الامام الحسين أسرع، كلنا باب النجاة وباب الامام الحسين أوسع)).

وحينما يقول الرسول (ص):

((الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة)).

يعني ان الامام الحسين (ع) كان يريد أن يأخذ الناس المنحرفين الى الجنة عبر فتح المجال واسعاً أمام هداية الناس.

١٤٠