عاشوراء امتداد لحركة الأنبياء

عاشوراء امتداد لحركة الأنبياء0%

عاشوراء امتداد لحركة الأنبياء مؤلف:
تصنيف: الإمام الحسين عليه السلام
الصفحات: 151

عاشوراء امتداد لحركة الأنبياء

مؤلف: السيد محمد تقي المدرسي
تصنيف:

الصفحات: 151
المشاهدات: 3168
تحميل: 217

توضيحات:

عاشوراء امتداد لحركة الأنبياء
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 151 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 3168 / تحميل: 217
الحجم الحجم الحجم
عاشوراء امتداد لحركة الأنبياء

عاشوراء امتداد لحركة الأنبياء

مؤلف:
العربية

في مكة المكرمة كانت الاخبار آنئذ تواترت بسقوط الكوفة بيد الحركة الاسلامية، والكوفة عاصمة اسلامية شهيرة آنذاك، أولا أقل احدى الخواصر الثلاث في العالم الاسلامي التي كانت تؤثر على مصير السياسة الاسلامية آنئذ، بالاضافة الى البصرة والشام، ولكن مع كل ذلك تجد الامام الحسين عليه الصلاة والسلام، يوحي الى الجماهير المؤمنة الملتفة حوله في ظلال بيت الله الحرام، يوحي اليهم بأن مصيره هو الموت، وانه سيستمر على هذه الطريق حتى اذاكان ينتهي به الى الموت هو وأولاده ونساؤه الى القتل أو السبي.

((خط الموت على ولد آدم)).

يعبر الامام الحسين (ع) عن الموت بالنهاية المفضلة والسعيدة والحتمية للانسان الذي يعيش الذل والهوان: الموت زينة الانسان اذا كانت الحياة ذلة وهوان.

((مخط القلادة على جيد الفتاة)).

وتعبيراً عن مدى اشتيافه الى الموت يقول:

((ما أولهني الى أسلافي)).

كم أنا مشتاق ووله للوصول الى الذين مضوا من آل بيتي لالحق بهم كما كان يعقوب مشتاقاً الى يوسف.

٤١

الوجه الثالث:

القيادة الالهية الصحيحة

وهذه هي الصفة الاساسية المشتركة بين الحركتين وبين النهضتين، صفة ذلك القائد الذي لا يأبه بأي عقبة، ولا يتأثر بأي صعوبة في طريقه، وهذه هي الصفة المشتركة أيضاً بين حركة الامام الحسين (ع) وكل حركة رسالية تريد أن توقظ ضمير الجماهير الذي لفه الخوف والجبن والجمود، الجماهير المؤمنة التي كانت في عصر الامام الحسين (ع)، وربما حتى في عصرنا هي التي تعرف مصالحها، وتعرف ان حكامها ظلمة ومنحرفون، وتعلم بأن الطريق هو الثورة ومجابهة العنف الارهابي بالعنف الثوري، أو لا أفل مجابهة ذلك العنف بالشجاعة وبإراقة الدماء وبحمل راية المظومين.

ان الجماهير تعرف كل ذك ولكن لا تملك الشجاعة الكافية، وهنا يأتي دور القائد الذي يملك تلك الشجاعة ويقدم ويصبح رائداً في هذه المسيرة، ويصبح طليعة الامة في هذا الطريق فيلتحق به الآخرون، بعد ما يكسر طوق الخوف والارهاب، وبعد ما يفك عن نفسه أغلال الجبن والجمود، وعندما يكون شمعاً يذوب وينير للآخرين دروب العزة والكرامة وطريق الانسانية السعيدة. وهكذا كان موسى (ع) حيث أمره الله سبحانه وتعالى بأن يصرخ ويقول بملىء فيه: كلا.

٤٢

وكلمة كلا كلمة كبيرة، قلّما نجد هكذا خطاب بين الله وبين رسله. وموسى حينما يقول:

((أني أخاف أن يقتلون)).

ويقول كلا:

((وأخاف أن يكذبون)).

يقول كلا:

((أخاف أن يضيق صدري)).

ويقول أيضاً كلا. كل ذلك لا يكون في منطق الرسل وفي منطق أتباعهم حيث ولا وهن ولا حزن ولا خوف ولا جبن ولا تردد ولا شك، وإنما يجب أن يسير مع المناضلين في طريق الله سبحانه وتعالى، والجهاد في سبيله.

٤٣

الوجه الرابع:

وحدة الهدف

عندالتتبع التاريخي والتمعن الدقيق نجد ان حركة موسى (ع) كانت تهدف انقاذ الجماهير المستضعفة، هذا هو الهدف القريب لرسالة موسى (ع)، وهكذا كان هدف الامام الحسين (ع)، وكذلك سائر الحركات التحررية الرسالية، على طول التاريخ، التي كان هدفها تحرير الانسان من الاغلال والطواغيت.

وكما قال الامام زين العابدين وهو يبين هدف الحركات الرسالية:

((اخراج الناس من عبادة العباد الى عبادة الله)).

أهداف حركة الامام الحسين (ع).

ثار الامام الحسين (ع) وتحرك، ولكنه لم يخرج ليحكم، أو ليحصل على منصب ومن وراءه يأمر وينهي، كلا.. وقد قالها عندما وضع أهداف حركته الرسالية قائلا:

((ألا وأني لم أخرج بطرأ ولا أشراً ولا مفسداً، وإنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي وشيعة أبي علي (ع) )).

هذا هو شعار الامام الحسين (ع) الذي لم يبدأ حركته الرسالية من أجل أن يصبح حاكماً وهو الذي كان يكرر الآية الكريمة:

((تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الارض ولا فساداً والعاقبة للمتقين)) (٨٣/القصص).

٤٤

لم يخرج الامام الحسين (ع) من أجل الفساد ولم يكن هدفه البغي في الارض كما أتهمه أعداؤه، كان بأمكان الامام الحسين (ع) وهو يملك تلك القوة والشجاعة، بل وتلك الشرعية أن يفعل ما فعله ابن الزبير من بعده، وما فعلته حركة القرامطة في البحرين والبصرة وما فعلته ثورة الزنج في البصرة التي كادت أن تسيطر على بغداد، وما فعله غيره من الذين حملوا راية الثورة، ولكنه لم يفعل شيئاً من ذلك ولم يجبر أحد بالالتحاق به، وكان الامام الحسين (ع) في مكة المكرمة أميراً الحج، ولو بقي في مكة تلك السنة مع تلك الجماهير التي كانت تلتف من حوله وتصلي وراءه، وقد كان هو القائد الروحي الذي لا يرقى اليه شك في العالم الاسلامي كله، لكن مع ذلك لم يتسلط ويتجبر على الناس بقوة السلاح، وكان بامكانه أن يفعل ذلك، ولم يجذب الناس في مكة لحركته بالقوة، ولم يخضعهم له بل بيّن لهم كل الحقيقة، حتى انه حينما جيء اليه بخبر مقتل مسلم بن عقيل، وتحوّل الكوفة من الثورة على الحكم الظالم الى الثورة المضادة حيث عمل ابن زياد في الكوفة حركة انقلابية مضادة ضد الحركة الثورية الرسالية التي قادها مسلم بن عقيل، وقتل مسلم وقتل هاني معه، وحينما وصل الامام الحسين (ع) هذا الخبر وهو في منزل بين كربلاء ومكة المكرمة اسمه ((زورد)) قال له ذلك الذي جاء بالخبر، يابن رسول الله أخبرك سراً أم علناً، قال دون هؤلاء من سر، وكان الامام الحسين عليه الصلاة والسلام يعرف خبر السوء في الكوفة، وكان يعرف ان هذا الركب إنما انحرف عن الطريق وتنكب عن الطريق لكي لا يلتقى به فينبأه بأخبار الكوفة، ولكن مع ذلك قال ما دون هؤلاء القوم من سر، لماذا؟

٤٥

لان حركته كانت اصلاحية لا سائرة ضمن حركة الطاغوت، لم تهدف الى تحكيم طاغوت مكان طاغوت آخر، انّى كان الطاغوت الثاني وتحت أي شعار كان، وهكذا نجد الهدف المشترك بين الحركتين في التاريخ،حركة النبي موسى عليه الصلاة والسلام، وحركة الامام الحسين عليه الصلاة والسلام، وهذا هوالقرآن الحكيم يقول:

((فاتيا فرعون فقولا انّا رسول رب العالمين * ان أرسل معنا بني اسرائيل)) (١٦/١٧/الشعراء).

٤٦

الوجه الخامس:

السلاح المشترك

((العصا والشجاعة)).

ونجد جانب آخر، حينما يقول موسى عليه الصلاة والسلام لفرعون، كما جاء في القرآن الحكيم:

((وتلك نعمة تمنّها عليّ ان عبدت بني اسرائيل)) (٢٢/الشعراء).

لقد كان الامام الحسين (ع) في كربلاء وفي الساعات الاواخر من حياته المباركة يقول هذه الكلمة:

((يا شيعة آل أبي سفيان ان لم يكن لكم دين، ولا تخافون المعاد فكونوا أحراراً في دنياكم ان كنتم عرباً كما تزعمون)).

ان هذه الكلمة إيحاء، بل تصريح بأن الامام الحسين (ع) إنما جاء ليكي يستنقد أولئك الذين أصبحوا شيعة لآل أبي سفيان من براثن عبودية آل أبي سفيان، وهكذا النبي موسى (ع) مقابل هذه يقول لفرعون:

٤٧

((وتلك نعمة تمنّها عليّ ان عبدت بني اسرائيل)).

هل هذه نعمة ان أصبحت أنت رجلاً حاكماً تسيطر علىرقاب المستضفعين باسم أوبآخر، وهل كانت نعمة أن يأتي آل سفيان ليتحكموا في مصير الامة الاسلامية ويستعبدوا الناس.

ونجد عند الامام الحسين عليه الصلاة والسلام والنبي موسى (ع) ثعباناً مشتركاً فالنبي موسى (ع) زوده الله تعالى بتلك العصا التي تحولت الى ثعبان مبين، أما الامام الحسين عليه الصلاة والسلام فقد زوده الله تعالى بتلك الشجاعة والبطولة، آية النبي موسى (ع) كانت الثعبان وكانت العصا، وآية الامام الحسين (ع) كانت هي الشجاعة الحسينية التي تحدت كل الصعاب، وهي التي كانت وراء تحول الجماهير بعد الامام الحسين (ع) الى صف لحركة الثورية الرسالية.

٤٨

المرحلة الجهادية للأمة الاسلامية

في عهد الرسول (ص)، كان الرجل اذا لم يتحرك في سبيل الجهاد فلابد أن يمنى نفسه أو يحدثها بهذه الحركة، ويقول: ان شاء الله ستسنح لي فرصة الجهاد في المستقبل، وان فاتني هذا الجهاد، فسوف أجاهد في المرة القادمة، والجهاد كان يملك شرعية اجتماعية وجماهيرية في عهد الرسول (ص) والى عصر الامام الحسين (ع)، ولكن الثورة التحررية لم تكن تملك تلك الشرعية، والجماهير لم تكن تحدث نفسها بأن تقتل في سبيل الدفاع عن الحرية والكرامة ولمقاومة الطاغوت، ولم تكن تمنيّ نفسها بذلك، ولكن بعد مقتل الامام الحسين (ع) نجد العكس، أي أن اية راية كانت ترفع من أجل مقاومة الحكم الاموي، كان الناس يجتمعون حول هذه الراية بشكل غريب، لذلك تجد ان حركة التوابين في الكوفة بعد أربع سنوات من مقتل الامام الحسين (في سنة ٦٥/هجرية) شاعت هذه الحركة بشكل غريب في الكوفة كما النار في الهشيم، وألتفت حولها الجماهير من دون أن يكون هؤلاء الناس منتمين سابقاً الى أي حزب أو منظمة أو حركة أو أي جماعة، وإنما كانوا يظهرون وكما العشب في أيام الربيع ينبت من الارض، وهكذا كان الثوريون ينبتون من الارض، وقضى جيش الارهاب على هذه الحركة، ولكن لم تلبث هذه الحركة ان تجددت لوجود المد الجماهيري، ثم قضى جيش الارهاب الذي كونه النظام لهذه الغاية على الحركة الثانية وهي حركة المختار، ثم مرة أخرى ظهرت حركة ثالثة، وحركة رابعة، وحركة خامسة، وحركات أخرى حتى أنه لم يكن الناس يفكرون في من يحمل الراية ومن هو؟ وما هي أهدافه؟ وحتى انكم تجدون ان بني العباس قد ظهروا على أعدائهم من بني أمية، وحكموا البلاد باسم الامام الحسين (ع)، وشعار بني العباس كان السواد، ولبس السواد، فلماذا كانوا يلبسون السواد؟

لانهم كانوا يدّعون بأنهم يدافعون عن الامام الحسين (ع)، هذه الكلمة كانت تلهب حماس الجماهير بشكل غريب وتثيرفيهم كل عواطف الانسانية وتشحن ضمائرهم بالارادة والعزيمة، لماذا؟

لان الامام الحسين (ع) قد أكسب الثورة شرعية، ولم تصبح الثورة ذات شرعية إلا باسم الامام الحسين عليه الصلاة والسلام، ولكن الى أن تعتقد الجماهير بأن الشرعية الحقيقية في المجتمع هي شرعية الثورة، والى أن تعلم الجماهير بذلك، فالامر بحاجة الى وقت طويل.

٤٩

تحول موقف البصرة

وقد وقف المؤرخون أمام ظاهرة تاريخية موقف التعجب، وهي ظاهرة تحول البصرة التي كانت منذ عهد الامام علي (ع) قد وقفت موقفاً مضاداً للثورة، ولكن حينما نزل الثائر ابراهيم الاخ الثائر محمد بن عبدالله المعروف بذي النفس الزكية تحولت بين عشية وضحاها من مدينة مضادة للثورة، ومن قلعة محصنة للانظمة الفاسدة الى قلعة من قلاع الثورة، وحاربت من أجل الثورة حتى ان كثيراً من العلماء من الائمة المعروفين قد افتوا بأن البيعة التي بايعها الناس مكرهين يمكن ابطالها، فبطلت البيعة، وبايع الناس مرة أخرى، محمداً على أساس انه الخليفة الشرعي، وحاربوا تحت لواء أخيه لماذا؟

لان الثورة قد اكتسبت شرعية جماهيرية، الجماهير قد تعودت على الانطلاق، وكما كانت الجماهير سابقاً وفي أيام الرسول (ص) تلتف حول راية الجهاد أصبحت الجماهير وبسبب حركة الامام الحسين (ع) تلتف حول راية الثورة، ان هذا هو الثعبان.

انه يشبه الثعبان الذي كان آية لموسى (ع) وانها لآية الدم وآية البطولة التي ترافق إراقة الدماء أن يصبح الانسان مظلوماً فيقتل فيثير احساساً في الناس ويشحن في عزائمهم إرادة التحدي، مثل ما حدث في ايران حينما وجدنا كيف كان الناس يتحدون الدبابات والمدافع وطائرات الهيلوكبتر العمودية المزودة برشاشات ٥٠٠، كانوا يتحدونها بصدروهم العارية فيقتلون حينئذ، مما يثير في الناس جميعاً الحماس، فاذا بك ترى وكأن ظاهرة عاشوراء تبعث من جديد قبل أربع سنوات في شوارع طهران، فعدة ملايين من الناس يتظاهرون ضد الشاه المقبور.

٥٠

ما الذي حرك هذه الملايين؟

لقد اكتشف هؤلاء الملايين ان لديهم سلاحاً من أنفسهم هو سلاح التحدي، وهو السلاح الذي عبر عنه الامام بالدم الذي ينتصر على السيف، وأي دم على أي سيف؟

الدم الذي ترافقه البطولة والشجاعة لا المكر والخديعة. الدم الذي أريق في أرض كربلاء كان دماً شجاعاً، والامام الحسين عليه الصلاة والسلام لم يترك استراتيجية حربية إلا واستخدمها في كربلاء، وكل طريقة ممكنة للكيد بالعدو استخدمها الامام الحسين (ع)، إلا الطرق الهابطة اللا انسانية فلم يمنع الماء عن العدو، لان منع الماء عن العدو ومنع الضرورات الحياتية وسائل سافلة ومنحطة، ولا تستعمل لإثبات حق وتأكيد مظلوميته (ع)، وما فعله من قبل والده الامام علي (ع) في حرب صفين حين سقى الجيش المعادي الذي كان بقيادة الحر بن يزيد الرياحي، أما غير هذه الطرق اللانسانية، هناك طرق أخرى شريفة استخدمها الامام الحسين (ع)، لماذا؟

٥١

لان الانسان اذا أراد أن يموت فليمت بشجاعة فليمت بشرف، وزينب الكبرى (ع) قالت في الكوفة متحدية شماتة ابن زياد، قالت بلى ان أخى قد استشهد في كربلاء، ولكن متى؟

لم يستشهد إلا بعد أن أدخل في كل بيت من بيوت الكوفة العزاء وهذا هو الحق. الامام الحسين عليه الصلاة والسلام وأصحابه قد أخذوا ثأرهم من أعدائهم، وهكذا المجاهدون عبر التاريخ الذين كانوا يطلبون الموت، لان الشهادة شرف وان الموت في الله حياة، لم يكونوا يريدون أن يموتوا على فراشهم، ولا في قعر السجون أو صبراً باعدام الارهابين من أصحاب السلطات الفاسدة.. كلا، إنما اختاورا الطريق الامثل فكانوا يدخلون في ساحة المعركة بشجاعة فيقتلون ثم يقتلون، بعد أن يأخذ بثأره وثأر إمته من أعداءه، ان هذا هو الدم الذي ينتصر على السيف، وهذا بالذات كان آية الامام الحسين عليه الصلاة والسلام التي تقابل آية العصى عند النبي موسى عليه الصلاة والسلام.

٥٢

طاعة القيادة وسيلة النجاة

ان الكلمات القرآنية التي هي محور التشريع الاسلامي ومنار البصيرة الرسالية ومصنع الايمان الصافي يجب أن تفسر وفق السياق القرآني ذاته وما نستنبطه منه، ومن أبرز الكلمات التي تعتبر مفتاحاً لفهم القرآن ومدخلاً لطريق فهم الحياة هي الكلمات التي تؤكد عليها آيات القرآن الحكيم وتجعلها محوراً لسائر الافكار والتشريعات. ومنها كلمة الشرك والكفر والفسق، والطاعة والتقوى.

ورسالات الانبياء تلخصت في هذه الكلمات، إذ أنها تنهى الناس عن الشرك أساساً، وعن الكفر والفسق والفجور أحياناً، والتأكيد على تقوى الله وطاعة رسوله كما سنجد كل ذلك في الآيات الموجودة في سورة الشعراء.

٥٣

معنى الشرك

والسؤال الذي يوجه هنا وهو في ذات الوقت سؤال أساسي وخطير:

ما هو معنى الشرك؟

وما هو معنى الكفر؟

وعندما نعرف معنى هاتين الكلمتين الاساسيتين سيتضح أيضاً معنى كلمتي الطاعة والتقوى على طريقة معرفة الاشياء بأضدادها، ولقد وضحنا مسبقاً ان القرآن الحكيم لا يطلق كلمة الكفر على جحود الله سبحانه وتعالى راساً، وكلمة الشرك على الخضوع والسجود المباشر للاصنام البشرية أو الحجرية، بل عادة ما تأتي كلمة الكفر في القرآن الحكيم لبيان الجحود العملي والجحود السلوكي لله، يعني أن يدعي الانسان الايمان بالله وعبادته.. وأنّ الله خالق السموات والارض ولكنه عملياً وتشريعاً وسلوكياً يخالف هذه الفكرة، ويسير في الطريق المغاير لها. والشرك عادة ما يطلق في كتاب الله على عبادة الاصنام والخضوع للطغاة. والعبادة في القرآن بدورها تطلق على الخضوع والتسليم سواء كان في نمط السجود والركوع وتقديم القرابين والذبائح للاصنام أو في نمط الخضوع التشريعي والسلوكي.

من هو الكافر؟

٥٤

آراء الفلاسفة والعلماء المسلمين في الكفر

قال بعضهم بأن الكافر هو من يترك أي فريضة من الفرائض الالهية، كتارك الصلاة وتارك الصوم وتارك الحج ومن أشبه.

والبعض الآخر قال، كلا إنما هو الجحود المباشر المعلن لوجود الله سبحانه.

فمن قال لا أؤمن بالله فهو كافر، ومن لم يقل فهو مسلم سواءاً وافق قوله فعله أم لا. وكل فريق من هذين الفريقين أستند في كلامه على دليلين عقلي ونقلي. فالذي قال بأن الكفر ترك أي عمل من الاعمال الواجبة أستند على القرآن الحكيم فيدعم برهانه بالآية الكريمة التي تبين أن الذي لا يحج فهو كافر.

((ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا ومن كفر فان الله غني عن العالمين)) (٩٧/آل عمران).

وآيات مشابهة لهذه الآية كمااستندت بأن فائدة الايمان وروحه هو العمل فاذا فقد الانسان العمل فماذا ينفعه أيمانه؟ وكيف نستطيع أن نسميه بأنه مؤمن؟.

وهناك دليل آخر عن الامام الرضا(ع) يقول فيه:

((الايمان ما وقر في القلب وصدقته الأعمال)) (١)

وفي حديث آخر عن الامام الرضا (ع):

((الايمان عقد بالقلب، ولفظ باللسان، وعمل بالجوارح)) (٢)

بينما استند الفريق الثاني الذي قا ل بأن الكفر هو الجحود اللفظي لوجود الله، استند هو الآخر على مجموعة أدلة ونصوص منها قول الرسول (ص):

((الاسلام ما جرى على اللسان)).

((من شهد الشهادتين فهو مسلم)).

أو من قال:

٥٥

((لا إله إلا الله ختم له ودخل الجنة)).

وعن الامام الباقر (ع) انه قال:

((الاسلام اقرار بلا عمل)) (٣)

حتى أن ابا ذر راوي الحديث قد سأل النبي مرة أو مرتين أو ثلاث مرات قال: وإن زنا وإن سرق، قال الرسول (ص):

((وإن زنا وإن سرق)).

فكرر السؤال ثلاث مرات فأجابه بذات الجواب ثلاثاً.

إذن فمن يقول لا اله إلا الله، ولا ينكر ربه أنكاراً مباشراً فهو مسلمٍ، برأي هذا الفريق، كافر برأي الفريق الآخر. والواقع ان النصوص الشرعية، والادلة العقلية متشابهة في مثل هذا الموضوع المشكل المعقد، والسبب ان هوى الانسان ومصالحه تحدو به الى أن يدّعي بأن الكفر ليس إلا مجرد الجحود اللفظي لوجود الله سبحانه وتعالى. حتى يريح كل انسان نفسه من وصمة الكفر وعار الشرك، ويجعل الآيات القرآنية والنصوص التي تبحث عن الكفر بعيدة عنه، ومتوجهة الى أولئك البعيدين الذين يعيشون في عمق غابات افريقيا المظلمة ويعبدون الاصنام الحجرية والمنحوتة بصورة مباشرة فأولئك هم الكفار، أما نحن فمسلمون ولله الحمد.

ان شهوة الانسان تأخذ مجراها في قنوات ذاته بشكل طبيعي لا ريب، فللإنسان قدرة المخادعة حتى مع ذاته بشكل غريب، فاذا لم يصل أويزك أو يصم فأن هناك في نفسه قوتين:

١-قوة تلومه على ما فعل وهي المسماة بالمنطق القرآني:

٥٦

((النفس اللوامة)).

٢-قوة أخرى تبرر له ما علمه، وما يعمل وما سوف يعمل، فيبدأ التحدث مع آفاق نفسه: الصلاة غير واجبة عليك. فأنت متعب والمتعب لا صلاة عليه أو أنك كنت مريضاً والمريض لا حرج عليه، أو كنت مسافراً والمسافر صعب عليه أن، يصلي ولا يجب عليه اصوم.. وهكذا. تراه بشتى الوسائل يريح ضميره الايماني الذي يوخزه وخزاًًً كالابر، وهذه القوة هي القوة المبرّرة التي تسمى في لغة القرآن بالمسوّلة:

((كذلك سولت لي نفسي)).

كما قال السامري لموسى (ع)، فالنفس تسول الامر وترتبة بشكل يجعل الانسان مرتاحاً، كما أنه سبحانه وتعالى جعل في جسم الانسان هذه الحالة فحينما يشتد الالم في جسم الانسان فان هناك جهازاً في المخ يحاول اعطاء افرازات معينة تفصل الاعصاب عن المخ، فتحمل عند الانسان حالة من الغيبوبة، فتغيب الروح ومن ثم يرتاح فلا يحس بالالم مهما كانت شدّته هذا فيما اذا أشتد الالم بجسم الانسان، كذلك في روح الانسان، فهناك جهاز لخلاص الانسان من العذاب النفسي حينما يعذّب الانسان وتصبح لديه نفسية صعبة يأت ذلك الجهاز ليفصل بين الالم النفسي وبين الانسان وهذا ما يسمى في علم النفس الحديث [حالة الاحباط النفسي].

الانسان الذي يشعر بمهانة في ذاته، وانه ذليل صغير، تحدث عنده هذه الحالة حيث تأتي هذه القوة فتقول له [أنت أكبر] [أنت ضخم] [أنت جبار] فتحدث عنده حالة الكبر، وحالة الكبر رد فعل لحالة الصغر ولمركب النقص. هذا هو التبرير وخداع النفس. والقرآن الحكيم يقول:

٥٧

((يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم )) (٩/البقرة)

وفي آية أخرى يقول القرآن الحكيم:

((ان المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم )) (١٤٢/النساء).

وهذا هو الخداع الذاتي الذي يتجه اليه النصوص الاسلامية، حيث يجرب الانسان نفسه بكل جهده لكي يفسر الآيات والأحكام والتشريعات بما لا يعارض أهواءه وشهواته أو لا يعارض ما فعله وارتكبه سابقاً، وآنئذ تتمحور وتتركز هذه الحالة في كلمات الشرك والكفر، والتقوى والطاعة.

جائني شاب ذات يوم وقد بدت على ملامحه علامات الاستفهام، وقبل أن يسألني قال لي بأن قلبي نظيف ومؤمن وصادق، قلت له: تفضل، ولكنه عاد مؤكداً ذات الكلمات فلم أعرف السبب إلا بعد فترة من محاورتي معه ثم ذكر سؤاله: هل تجب عليّ الصلاة؟

قلت له: نعم الصلاة واجبة عليك. قال قد أكون نجساً، فرددت عليه: لماذا أنت نجس؟ [وقد كان يعيش في بعض البلاد الغربية]، قال لي: لا نني دائماً مع الفجور.. قلت له: أبتعد عن ذلك قال: مع ذلك أنا نجس، ودائماً أشرب الخمر!. قلت له: أبتعد عن ذلك. قال أيضاً أبقى نجساً!

٥٨

من خلال هذا الحديث بدى لي أن هذا الانسان كان يفعل الكثير من الموبقات، ولكي يؤكد على نظافة قلبه وعدم خلوه من الايمان أخد قبل السؤال، يكرر تلك الكلمات؟

ان أي فرد منا يسعى ليكون أفضل المطيعين وأخلص المتقين لكي يبقى الشرك والكفر بعيداً عنه، ان هذه حالة نفسية لذلك يصبح هذا الموضوع شائكاً ومعقداً، وحتى لو كانت الآيات والادلة العقلية واضحة، في مثل هذا الموضوع لحاولنا ابعاد هذا الوضوح ومحاولة التشويش عليها بصورة وبأخرى.

أيها المسلمون: اصغوا وأستمعوا الى الآيات التي تتلى عبر أبواق الاذاعات، ستجدون ان هذه الآيات عادة ما تنتخب من سور معينة كسورة يوسف وقسم من سورة النور وقسم من قصار السّور أيضاً..لماذا؟

الجواب، انهم يختارون الآيات التي لا تختص بازالة الستار عن مكامن الانحراف، فاذا جاءوا بآيات الربا، والزنا، والآيات التي تدور حول التشريع وما أشبه فأنهم بذلك يزيلون الغبار من على المرآة التي تعكس حقيقتهم المنحرفة. لذلك نجدهم يبعدون تلاوة هذه الآيات ولحنها.

وبعد هذه المقدمة لا بأس أن نقول بأن كل ذلك التقصير المصطنع في الادلة التي تدور حول موضوع الكفر والشرك، والتقوى والطاعة، ولابد أن يزول عند اطلاق النفس من ضغط الهوى ودراسة القضية دراسة موضوعية.

٥٩

ما هو واقع الكفر؟

ان الكفر في الواقع ليس فقط الجحود اللفظي. كلا انه كما ذكرنا سابقاً أن قليلاً من الناس عبر التاريخ كانوا بهذا المفهوم والآيات القرآنية شاهدة على ذلك، وهناك آيات كثيرة بهذا المضمون:

((ولئن سألتهم من خلق السموات والارض ليقولنّ الله )) (٢٥/لقمان).

واذا ركبوا السفينة في وسط البحر مع تلاطم الامواج بعضها البعض وأشرفت السفينة على الغرق، رفعوا أيديهم بالدعاء الى الله سبحانه وتعالى، ونسوا الشركاء وأتباعهم، وفي القرآن توجيه الى الله وتذكرة به ولكن هذا التوجيه كان يأتي مع التشريعات العلمية. قال الله تعالى:

٦٠