عاشوراء امتداد لحركة الأنبياء

عاشوراء امتداد لحركة الأنبياء0%

عاشوراء امتداد لحركة الأنبياء مؤلف:
تصنيف: الإمام الحسين عليه السلام
الصفحات: 151

عاشوراء امتداد لحركة الأنبياء

مؤلف: السيد محمد تقي المدرسي
تصنيف:

الصفحات: 151
المشاهدات: 3177
تحميل: 218

توضيحات:

عاشوراء امتداد لحركة الأنبياء
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 151 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 3177 / تحميل: 218
الحجم الحجم الحجم
عاشوراء امتداد لحركة الأنبياء

عاشوراء امتداد لحركة الأنبياء

مؤلف:
العربية

((هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى اذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا انهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين)) ((٢٢/ يونس).

كل ذلك يدل على ان فئة قليلة من الناس كانوا يجحدون بالله، ذلك الجحود اللفظي، ولو ان القرآن نزل على هذه الفئة القليلة لكان القرآن معزولاً عن الجماهير الاخرى.

ان القرآن الحكيم قد تضمن علاج هذه المشكلة النفسية والعقائدية والتشريعة المتجذرة عند أغلب الناس المؤمنين بالله لفظاً ايماناً حقيقاً إذ ليس هذا الجحود اللفظي هو الكفر بمعناه الصحيح، وأنما الكفر في الحقيقة بالذي يدور حول هذه القضية، فهو أما ترك التشريع الاسلامي الى التشريع غير الاسلامي، أو ترك القيادة الاسلامية والاعتبار بالقيادة الغير اسلامية. هذا هو الكفر أو الشرك ولا فرق بينهما، فاذا أهملت التشريع الاسلامي بمجمله، ومضيت الى تشريع آخر ترسم به خارطة حياتك، فأنك لابد أن تضع نفسك سلفاً في خانة الكفار والمشركين بالله وبالعكس قبولك التشريع الاسلامي كنظام متكامل وقبولك بالانصياع لقيادة اسلامية صحيحة فانك تستحق أن تكتب في قائمة المؤمنين.

٦١

وقد تترك جانباً من النظام، أو تمتنع عن طاعة القيادة في أمر من الامور بعد أن تقبلها قبولاً أولياً مبدئياً، فأنك مؤمن.

فنحن لا نقول ان الذي يترك الصلاة كافر كما قال الفريق الاول من العلماء والفلاسفة، فهذا غير صحيح، لان الذي يترك الصلاة وهو يؤمن أنها واجبة ليس بكافر، كذلك الذي يترك الصوم وهو يؤمن بوجوبه فهو ليس بكافربل، هو فاسق. ولكن الذي يترك الاقتصاد الاسلامي، فيقول أنه ليس هناك وجود لنظام اقتصادي في الاسلام، أو الذي يترك النظام الاجتماعي في الاسلام معللاً بأفضلية النظام الغربي أو النظام الشرقي، أو الذي يترك قانون الاحوال الشخصية الاسلامية ويركن الى أتباع قوانين الاحوال الشخصية الغربية أو الشرقية.. الذي يفعل هكذا هو الكافر حقاً بالاسلام.

٦٢

الانحراف عن القيادة الصحيحة مصداق للكفر

ان الذي يترك القيادة الاسلامية الرسالية ويتجه الى قيادة الطغاة والجبت، هو كافر بلاريب. بينما لو لم يطع الانسان القيادة الاسلامية الرسالية المنبعثة من روح التعاليم الالهية في أمر معين، فان ذلك لا يعدو كونه شركاً خفياً أو فسقاً. ورسول الله (ص) يقول:

((من ختم له بلا إله إلا الله دخل الجنة وأن زنا وأن سرق)).

انه لا يعني تلفط كلمة [لا إله إلا الله] وإنما يعني من لا إله أي لا ولي له ولا قائد ولا مشرع إلا الله أي: قبول القيادة الاسلامية، وفي اطار هذا القبول اذا زنا أو سرق يغفر له ان تاب، أما من يدعي بأن الزنا حلال وانّ السرقة التي تكون عبر البنوك والنظام الرأسمالي والنظام الشيوعي حلال هذا الانسان ليس ممن يقول: لا إله إلا الله، بل هو ممن يؤمن بألوهية النظام الاشتراكي والشيوعي والرأسمالي، من دون النظام الاسلامي.

٦٣

معنى الشرك في القرآن.

قال الله سبحانه وتعالى:

((وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما الا ما حملت ظهرهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزينا هم ببغيهم وانا لصادقون * فان كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين * سيقول الذين أشركو الو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا أن تتبعون إلا الظن وأن أنتم إلا تخرصون * قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين * قل هلهم شهداءكم الذين يشهدون ان الله حرم هذا فان شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربّهم يعدلون )) (١٤٦/١٥٠ الأنعام).

ان تبريراً بسيطاً ونظرة خاطفة على هذه الآيات تكشف لنا معنى الشرك، بعد أن ذكر الاحكام الشرعية.يبين القرآن الحكيم في بداية قوله:

((فان كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين )) (١٤٧/ الأنعام))

ثم يقول في آية أخرى:

٦٤

((سيقول الذين أشركوا شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء )) (١٤٨/ لأنعام))

ونتابع مع سياق الآيات:

((وهم بربهم يعدلون )) (١٥٠/ الأنعام)

ومثل هذه الآيات كثيرة في القرآن الحكيم كالآية الكريمة التي تقول:

((أتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا لعيبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون )) (٣١/ التوبة).

وجاء في الجزء العاشر من تفسير المنار بصدد حديثه عن الآية السابقة نقلاً عن الرازي-وهو من كبار المفسرين المسلمين-في كتابه مفاتيح الغيب: (ان الاكثرية من المفسرين قالوا: ليس المراد من اتخاذ الارباب من دون الله الاعتقاد بهم فقط، بل الطاعة في الاوامر والارتداع عن النواهي).

ونقلاً عن عدي بن حاتم الذي كان نصرانياً فأنتهى الى رسول الله (ص) وهو يقرأ سورة براءة فوصل الى هذه الآية، فقال للرسول (ص) [لسنا نعبدهم] قال:

٦٥

((ألستم تحرمون ما أحل الله فتحرمونه وتحلون ما حرم الله فتستحلونه؟!)).

قلت: بلى. قال :[ فتلك عبادتهم] ويعلق صاحب المنار على الآية والمفسرين فيها بما يلي: وجملة القول ان الله تعالى أنكر في كتابه حسب رأيه وفهمه هذا حلال، وهذا حرام، هذا أيضاً ما يقوله الفخر الرازي في تفسيره مفاتيح الغيب وهو حجة في التفسير كما هو حجة في نقله عن أغلب المفسرين الاسلاميين في عصره.

الآن وبعد اتضاح الرؤية وانكشاف الغبار عن وجه الحقيقة.. لنطرح هذا السؤال على أيدي الاستعمار المتلبسة بشعارات الاسلام [علماء البلاط ووعاظ السلاطين] ماذا تعني هذه الآية وهل هي ترتبط بواقعكم وخضوعكم للانظمة الغربية والشرقية؟

في ذلك العصر عرف المفسرون المسلمون المعنى الحقيقي لهذه الآية، والمعنى الحقيقي للشرك، الذي يقع في قبالة التقوى، والتي تعني الايمان بالوهية الله في التشريع، والتصميم على قبول النظام السياسي للقيادة الاسلامية الرسالية، أي قبول قيادة النبي (ص) والائمة من بعده عليهم أفضل الصلاة والسلام.

٦٦

الطاعة والتقوى هما ما كانت تهدف اليهما رسالات الانبياء، فالتقوى في مقابل الكفر، والطاعة في مقابل الشرك.

اذا عرفنا ذلك فلنعرف قصة النبي ابراهيم عليه السلام.

ان النبي ابراهيم (ع) كغيره من الانبياء عليهم السلام، كانوا يؤكدون على هذه الفكرة، حيث بعث الى قومه وأخذ ينهاهم عن عبادة الاصنام كما جاء في القرآن الحكيم:

((واتل عليهم نبأ ابراهيم * إذ قال لابيه وقومه ما تعبدون. * قالوا نعبد أصناماً فنظل لها عاكفين * قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضّرون * قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون * قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآباؤكم الاقدمون )) (٦٩/٧٦/ الشعراء)

يأتي نوح (ع) فيقول:

((فاتقوا الله وأطيعون)).

ثم يأتي هود ويقول:

((فاتقوا الله وأطيعون)).

٦٧

كذلك ثمود حينما أرسل صالح اليهم قال لهم:

((اني لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون)).

ان رسالات الانبياء عليهم السلام خط واحد يمتد عبر التاريخ، مهما طال وبعد، والامام الحسين عليه الصلاة والسلام تجسيد لهذه الرسالات الالهية، وقيامه كقيام أولئك الرسل عليهم الصلاة والسلام، ولكن بالرغم من ذلك فلابد أن نوف الكلام عن هذه الثورة.

ان الثورة الامام الحسين -عليه الصلاة والسلام-أشبه ما تكون بثورة موسى (ع)، فدم الامام الحسين (ع) بمثابة عصى موسى، هذا الدم أريق ظلماً على صحراء كربلاء وأما السحرة الذين سجدوا لرب موسى وآمنوا به في لحظات قليلة رغم كل الضغوط فمثلهم كمثل من التحق بالامام الحسين عليه الصلاة والسلام، ومنهم من تغير في ظرف أيام أو ساعات كوهب الذي ترك دينه السابق بعد أن تفجرت في قلبه ينابيع الايمان التي اجتاحت تاريخه الماضي وأمحت سلوكه القديم من الوجود، وكذلك الحر بن يزيد الرياحي الذي انتقل فجأة من مستنقع الشرك ونصرة الباطل الى جنة الايمان ونصرة الحق. فكل أصحاب الامام الحسين (ع) هم رمز البطولة التي تتحدى كل الضغوط انّى كان حجمها ومصدرها.

٦٨

ولنتدبر في هذه الآية الكريمة لكي نعرف كيف كانت حركة الامام الحسين عليه الصلاة والسلام امتداداً لحركة رسالات السماء عبر التاريخ. إذ يقول الله سبحانه:

((وألقى السحرة ساجدين * قالوا آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون * قال فرعون آمنتم به قبل أن اذن لكم ان هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون * لأقطعن أيديكم وأرجلكم من ثم لأصلبنكم أجمعين * قالوا انّا الى ربنا منقلبون )) (١٢٠/١٢٥/ الأعراف).

هكذا تحدوا طغيان فرعون.. كما تحدى أصحاب الامام الحسين عليه الصلاة والسلام فرعون زمانهم [يزيد] فالحركة الاسلامية عبر تيار التاريخ، أنما بنيت وارتفع منارها على مثل هؤلاء الابطال، الذين تحدوا كل أسباب الضغوط بأرادتهم الرسالية الصلبة.

ــــــــــــــــــــــ

١ - بحار الانوار ج ٥٠، ص٢٠٨

٢ - معاني الاخبار ص١٠٨

٣ - بحار الانوار ج٥٠، ص٢٠٨

٦٩

كربلاء والانتصار على الذات

النفس البشرية جزء لا تتجزء، والحقول المختلفة للحياة تتفاعل مع بعضها لتكوّن حياة واحدة ممزوجة من كافة العوامل.

٧٠

ماذا تعني الثورة؟

الثورة هي نتاج كل العوامل التي تتفاعل في الحياة، وكل الضغوط اتي تؤثر على النفس، والثورة الرسالية هي التي تستلهم قيمها من قيم الله، كثورة سيد الشهداء الامام الحسين عليه الصلاة والسلام.

ان هذه الثورة سوف تؤثر في الحياة الاجتماعية بقدر انعكاسها على النفس البشرية، فالنفس تصفو بالثورة، والثورة هي نتيجة الصفاء النفسي، وكما أن الثورة تهدف ازالة النفاق والفساد من النفس البشرية.

ان الذين ينتصرون على أنفسهم وعلى ضعفهم، وعلى ما فيها من ازدواجية وخداع ذاتي، وعجزهم البشري في داخل أنفسهم، ويتغلبون على ترددهم ورهبتهم من الحياة، يكتشفون ما أودع الله في كيانهم من كنوز، من العقل والارادة والضمير الحي النابض، ان أولئك هم الذين سينتصرون-بأذن الله-على قوى الشرك والضلالة والجهالة في المجتمع.

٧١

فوائد الصراع

ان الصراع الاجتماعي النابع من إرادة حرة، وضمير انساني وعقلية واعية.. ان هذا الصراع سوف يبلور شخصية الانسان، ويثير دفينة عقله، ويفجر مخزون انسانيته، بل سوف يهديه الى الصراط المستقيم، كما قال ربنا سبحانه وتعالى:

((والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا )) (٦٩/العنكبوت)

ان عملية الجهاد، أو عملية الصراع، هي عملية مواجهة الفساد الاجتماعي، هذه المواجهة التي سوف تقتلع من النفس البشرية جذور الفساد والنفاق والانحراف، ذلك لان الانسان قوة خارقة في الخداع الذاتي، أكد ربنا سبحانه وتعالى على ذلك بقوله:

((ان الانسان لظلوم كفار )) (٣٤/ ابراهيم).

بالرغم من انه تحمل مسؤولية رفضت السموات والارض والجبال تحملها، وأشفقن منها ولكن تحمّلها الانسان ولكن بنفسية ظلومة كفارة، تحاول أن تسير وتحجب الحقيقة عن ذاتها، بأن تخدع نفسها ومن حولها، ولذلك فانّ كل انسان ينطوي في داخله على نسبة كبيرة من النفاق.

ان موعظة الناصحين وهدى المؤمنين وتلاوة آيات القرآن بل وحتى صدمات المآسي الحياتية لا تستطيع أن تنتزع من النفس البشرية جذور النفاق، فيبقى الانسان منافقاً لذاته ولغيره. وتبقى جذور الانحراف حيّة في نفسه فأنّى عادت اليه الحياة الطيبة عاد منحرفاً عن طريقه.

٧٢

وأكثر من هذا تعالوا بنا لنرى أولئك الذين ركبوا في البحر وجرت بهم ريح طيبة وفرحوا بها، ثم أحاطت بهم العواصف والامواج من كل مكان فتساقطت أمام أعينهم الاوهام ولم يعودوا يشركون بالله شيئاً

((ودعوا الله مخلصين له الدين * ولكن لما نجاهم الى البر اذا هم يشركون * )) (٦٥/العنكبوت)

فالى ساعات قريبة كانت نفوسهم وقلوبهم، وكل وجودهم متوجهاً الى الله سبحانه وتعالى يستمدون منه العون ويدعونه مخلصين، ولكن سرعان ما نسوا أو تناسوا كل عهودهم، ومواثيقهم، وعادوا يشركون!.

وأعظم من هذا يبين لنا القرآن الحكيم صفة الانسان بعد ما رأى بأم عينيه أهوال الموت، وفضائع القبر، ثم عذاب الله في يوم القيامة، رأى بأم عينيه نعيم الجنة وعذاب الجحيم. يقول الله سبحانه وتعالى عن هذا الانسان أنه لو أعيد الى الدنيا لعاد الى ما كان يفعله سابقاً، بالرغم من أنه رأى كل شيء، وهو يطالب ربه في يوم القيامة بأن يعديه الى الدنيا ليحسن عملاً ولكن يقول:

((ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه انهم لكاذبون )) (٢٨/الانعام)

٧٣

إذن لو أعادهم الله سبحانه وتعالى الى الدنيا وأعطاهم فرصة الحياة من جديد. لعادوا الى ما كانوا يقترفونه من آثام ومعاصي.. نعم هذه هي النفس البشرية وهذا هو الطغيان البشري.

فكيف يمكننا القضاء على النفاق والخداع أو الطغيان النفسي؟

لا يمكننا ذلك إلا بعملية الصراع، الجهاد لانه عن طريق الجهاد وعن طريق المحاولات المتكررة والصعبة يتم تغيير الحياة واصلاحها، ويصلح الانسان نفسه ويتغلب على طغيانها.

الملاحظ ان الناس كلما أسقطوا صنماً حجرياً قائماً في الحياة الاجتماعية فانهم يسقطون بموازاته صنماً في الاخلاق الفاسدة في أنفسهم.

اننا حينما نحارب طاغوتاً، ونظاماً فاسداً أو مؤسسة اجتماعية منحرفة، فاننا إنما نحارب بقدرها وبموازاتها طغياناً وانحرافاً في أنفسنا وصنماً قائماً في ذواتنا.

٧٤

الجهاد.. عملية تفاعليه مزدوجة

لا يستطيع الانسان أن يقول في البدء ان عليّ اصلاح نفسي، وأن اسقط الطواغيت المتراكمة داخل ذاتي، مثل الخوف، الكسل، الفشل، الجبن، ومن ثم أقضي على طاغوت الالحاد والفساد في المجتمع!! كلا.

ان العملية تفاعلية. ففي كل خطوة يجب أن تقضي على طاغوت في ذاتك وطاغوت في المجتمع.

٧٥

من معطيات الثورة الحسينية

حينما نجلس في مأتم أو في محفل من محافل ذكر الامام الحسين (ع) وثورته الخالدة.. التي هي خلاصة لثورات الانبياء عليهم الصلاة والسلام وامتداد لرسالات الله. فإننا نفعل ذلك لتصفية أنفسنا وتزكية ذواتنا.

ان هذه الدموع التي تجري على مصاب الشهيد السبط تغسل قلب الانسان، وتقلع الصفات السيئة من نفسيته، فتراهم يلتحم عن طريق الدموع وبسبب هذه التزكية مع روح أبي عبد الله الحسين (ع) صاحب البطولات النادرة، أي مع تلك النفسية التي انتصرت على كل عوامل الضعف البشري.

ان هذه الدموع هي وسيلة تلاحمنا، وأسلوب تفاعلنا واتصالنا بينبوع فيض الحسين (ع) وفيض أهل بيت النبوة وأصحابه سلام الله عليهم جميعاً، وكذلك كل نوع من أنواع تجديد ذكرى أبي عبد الله الحسين (ع)، يجعلنا أكثر تفاعلاً مع هذه المأساة وبالتالي أكثر استيعاباً لدروسها وللقضاء على النفاق والخداع الذاتي.

٧٦

نحن في قفص الاتهام

الامام الحسين عليه الصلاة والسلام حجة الله علينا يوم القيامة وكل امام حجة.

فماذا تعني الحجة؟

الحجة تعني ان الله سبحانه وتعالى الذي خلقك، خلق الامام الحسين (ع)، والذي أعطي الامام الحسين تلك المواهب فان رحمته واسعة، وهو قادر أن يتفضل بلطفه بمثل تلك المواهب عليك، ان الذي أعطى الامام الحسين (ع) هذه المقدرة حتى أنه كلما أصيب في يوم عاشوارء بمصيبة جلّل وجهه الكريم غيمة من البشارة والانشراح

لماذا؟

لانه كان متصلاً بقدرة الله ويتجلى ذلك في مصيبة أبنه علي الاكبر وهي المصيبة الصعبة الاليمة، وتتمثل أيضاً في فاجعة الطفل الرضيع الذي ألهب قلبه الصغير الجوع والعطش والحر الشديد، فيطلب الامام الحسين (ع) لهذا الطفل شربة من الماء واذا بالاعداء يمرونه بوابل من السهام الغادرة فيذبحونه على صدر أبيه، فهل يوجد هناك قلب بشري قادر على أن يتحمل مرارة هذه المصيبة وألمها، كلا. ولكن مع ذلك الامام الحسين (ع) يمسك بالدم ويرمي به نحو السماء ويقول:

٧٧

((هوّن عليّ ما نزل بعين الله)).

لان ما يجري إنما كان بعين الله، وتحت سمعه وبصره وبأحاطة علمه فان ذلك سيهون عليّ، وانني أحب ربي، ومن يحب أحداً فلابد أن يضحي من أجله. وهنا أسأل الانسان-لا أقول: أيها المسلم أو الموالي كلا-إنما أقول أيها الانسان!

كيف انتصر الامام الحسين عليه الصلاة والسلام على عوامل الضعف البشرية في ذاته؟

كيف انتصر على حبه العميق_أوبالاحرى_على شفقته الشديدة تجاه ابنه الرضيع، تجاه نجله الشاب الوسيم الذي رآه أمامه مقطعاً بالسيوف ارباً ارباً؟

كيف انتصر على هذه العوامل كلها وهو بشر، وكان صامداً كالطود العظيم ازاءها؟ بل يتهلل وجهه الكريم انشراحاً كلما زادت مصائبه؟

لاشك أن ذلك كان لارتباطه برب العالمين، لانه يرى أن هذه المصائب هي الجسر الذي يربطه بالله ويقربه اليه زلفى.

وما أنت فلماذا لا تنتصر على ضعفك أيها الانسان؟

ان هذه هي الحجة الله علينا، فكلما نجلس ونذكر ثورة الامام الحسين عليه الصلاة والسلام، ونعظم فيه هذه البطول كلما ندين ضعف أنفسنا، ونحثها على سلوك الطريق الذي سلكه الامام الحسين (ع) للانتصار على ذاتها وضعفها.

٧٨

ان هذا هو الدرس الاعظم الذي يستطيع كل انسان أن يستوعبه من سيرة أبي عبد الله الحسين (ع)، وهكذا فان كربلاء مدرسة متكاملة للمكرمات وللناس، كل الناس بمختلف فئاتهم باستطاعتهم أن يستفيدوا دروساً في المكرمات من هذه المدرسة بل من هذه الجامعة-ان صح التعبير-.

الشباب بأمكانهم ، يدرسوا عند علي الاكبر، عند القاسم، عند سائر شباب أهل البيت-عليهم السلام-وللشيوخ أيضاً أساتذتهم في كربلاء الحسين (ع) حبيب بن مظاهر، مسلم بن عوسجة، وغيرهم من الذين ضحوا في سبيل الله.

النساء يستطعن أن يستفدن من هذه المدرسة ويتتلمذن عند زينب الكبرى عليها الصلاة والسلام، وعند النساء الفاضلات الاخريات عليهن السلام.

الاطفال الرضع باستطاعتهم أن ينتهجون نهج الطفل الرضيع.

أن ينتصر الانسان على حبه لنفسه وينزل الى الشوارع ويقاوم بصدره العاري ورصاص الاعداء ان هذا شيء نادر على الحياة ولكنه شيء موجود كما رأيناه في ايران أيام الثورة المتصاعدة ضد حكم الشاه المقبور.

٧٩

المرأة باستطاعتها أن تأتي وتقابل الموت بكل رحابة صدر اذا تسلحت بالمبدأ وبروح الجهاد وفلسفة الشهادة. ان هذا الشيء نعرفه، وبالرغم من ندرته في العالم لكنه شيء موجود. ولكن أن تأتي امرأة وتحمل طفلها الرضيع وتنزل به الى الشوارع لتقابل الرصاص. هذا شيء لم نز مثيلاً له في التاريخ أبداً، بينما قد رأينا في ايران أن النساء الايرانيات كن يخرجن بأطفالهن الرضع الى الشوارع أمام الرصاص، وفي كثير من التظاهرات قتل فيها الاطفال الرضع.

كيف تسمح نفس هذه المرأة للخروج بطفلها الرضيع الى الشوارع وتقابل الرصاص؟

المعروف ان المرأة حين تخرج الى الموت تدع طفلها في البيت، أو عند الجيران. ولكن نساءنا وشعبنا شعب حسيني قد درس عند أبي عبد الله الحسين (ع) كيف يحمل طفله الرضيع ليجعل منه دليلاً وآية على ظلم الاعداء.

نعم.. ان هذه المدرسة خاصة.. هذه مدرسة الابطال الرضّع..مدرسة كربلاء، باستطاعة الجميع تعلم كل صفة وكل مكرمة.

الوفاء عند ابي افضل العباس.

الشجاعة عند الامام الحسين (ع).

الحنان واللطف عند زينب الكبرى، وبالرغم من شجاعتها وبطولتها كانت تفيض على صحراء كربلاء شآبيب الحنان والحب والعطف. لم تكن قد خرجت من انسانيتها، انها الانسانية ولكنها الانسانية الشجاعة.

ونتعلم من الامهات كيف تدفع ابنها الى ساحة المعركة والمراة الشابة كيف تحرض زوجها على الجهاد.

هذه صفات انسانية رفيعة الستوى. ففي كل عشرة ملايين حدث نجد حدثاً مثل هذا.. انه حدث فريد.

ونتعلم من هذه المدرسة هذه الدروس العظيمة.

٨٠