وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى الجزء ٢

وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى0%

وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى مؤلف:
المحقق: خالد عبد الغني محفوظ
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف: مكتبة الحديث وعلومه
الصفحات: 282

وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى

مؤلف: نور الدين علي بن أحمد السّمهودي
المحقق: خالد عبد الغني محفوظ
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف:

الصفحات: 282
المشاهدات: 17749
تحميل: 498


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 282 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 17749 / تحميل: 498
الحجم الحجم الحجم
وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى

وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى الجزء 2

مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
العربية

عنه أن القبر جثوة(١) مرتفعة مسنّمة غير شديدة الارتفاع ، عليها قزع من حصىّ وتربة طيبها اللهعزوجل . وروى ابن سعد من طريق جعفر بن محمد عن أبيه قال : كان نبيث(٢) قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم شبرا.

ويؤيد التسطيح ما رواه مسلم من حديث فضالة بن عبيد أنه أمر بقبر فسوي ثم قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يأمر بتسويتها.

بقي بعدها موضع قبر

وقد تقدم في الرواية الرابعة أنه بقي بعد القبور الشريفة موضع قبر ، ويؤيده ما روي أن عائشةرضي‌الله‌عنها أرسلت إلى عبد الرحمن بن عوف حين نزل به الموت : أن هلم إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وإلى أخويك ، فقال : ما كنت مضيقا عليك بيتك ، الخبر الآتي في ذكر قبره ، وكذلك ما سيأتي في إذنها للحسن أن يدفن عندها ، ومنع بني أمية له. وكذلك ما في صحيح البخاري عن هشام بن عروة أن عائشة أوصت عبد الله بن الزبير : لا تدفنني معهم : أي النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وصاحبيه ، وادفني مع صواحبي بالبقيع لا أزكى به أبدا. وقد أخرجه الإسماعيلي وزاد فيه : وكان في بيتها موضع قبر ، ولكن في الصحيح أن عمر بن الخطابرضي‌الله‌عنه لما أرسل إلى عائشة فسألها أن يدفن مع صاحبيه قالت : كنت أريده لنفسي فلأوثرنه اليوم على نفسي.

قال الحافظ ابن حجر : فكأن اجتهادها في ذلك تغيّر ، أو لما قالت ذلك لعمر كان قبل أن يقع لها قصة الجمل ، فاستحيت بعد ذلك وإن كانت زوجتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في الدنيا والآخرة كما قاله عمار أحد من حاربها ، انتهى.

وقال ابن التين : كلامها في قصة عمر يدل على أنه لم يبق ما يسع إلا موضع قبر واحد ، فهو يغاير قولها «لا تدفنني عندهم» فإنه يشعر بموضع للدفن ، والجمع بينهما أنها كانت تظن أولا أنه لا يسع إلا قبرا واحدا ، فلما دفن [عمر] ظهر لها أن هناك وسعا لقبر آخر ، أو أن الذي آثرته به المكان الذي دفن فيه من وراء قبر أبيها بقرب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وذلك لا ينفي وجود مكان آخر في الحجرة.

وروى يحيى بسنده إلى عثمان بن الضحاك عن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه عن جده قال : يدفن عيسى بن مريم مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وصاحبيه ، ويكون قبره الرابع.

وفي سنن الترمذي من طريق أبي مودود عن عثمان بن الضحاك عن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه عن جده قال : مكتوب في التوراة صفة محمد وعيسى ابن مريم

__________________

(١) الجثوة : الكومة من تراب وحصى.

(٢) النبيثة : تراب البئر والنهر. (ج) نبائث. والمراد أن الماء الذي حول القبر مقدار الشبر.

١٢١

يدفن معه ، قال : فقال أبو مودود : وقد بقي في البيت موضع قبر ، قال الترمذي : هذا حديث غريب ، وفي بعض النسخ : حسن غريب ، هكذا قال عثمان بن الضحاك ، والمعروف الضحاك بن عثمان المدني ، انتهى كلام الترمذي.

وفي رواية للطبراني عن عبد الله بن سلام قال : يدفن عيسى بن مريم مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأبي بكر وعمر ؛ فيكون قبرا رابعا ، وهو من رواية عثمان بن الضحاك ، وقد وثقه ابن حبان وضعفه أبو داود.

وذكر الزين المراغي أن ابن الجوزي روى في المنتظم عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلّى الله عليه و

سلّم قال : ينزل عيسى بن مريم إلى الأرض ، فيتزوج ويولد له ، فيمكث خمسا وأربعين سنة ، ثم يموت فيدفن معي في قبري ، فأقوم أنا وعيسى بن مريم من قبر واحد بين أبي بكر وعمر.

وقال ابن النجار : قال أهل السير : وفي البيت موضع قبر في السهوة الشرقية ، قال سعيد بن المسيب : فيه يدفن عيسى بن مريم.

والسهوة : بيت صغير منحدر في الأرض قليلا شبيه بالمخدع والخزانة ، وقيل : هو كالصفة يكون بين يدي البيت ، وقيل : هو شبيه بالرف والطاق يوضع فيه الشيء ، ولعل المراد بذلك الموضع الذي ضربت عليه عائشة جدارا وسكنت به كما سبق.

الملائكة يحفون بالقبر

وسنذكر فيما استقر عليه بناء الحجرة أنه عقد على نحو ثلثها الشرقي عقد ، فصار ذلك المحل مميزا عن بقية البيت ، وكان قبله في البناء ما يشهد لجدار آخر من الشام إلى القبلة في تلك الجهة ، فلعله الموضع المذكور.

وروى يحيى وابن النجار عن كعب الأحبار قال : ما من فجر يطلع إلا نزل سبعون ألفا من الملائكة حتى يحفوا بالقبر ، يضربون بأجنحتهم ، ويصلون على النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، حتى إذا أمسوا عرجوا ، وهبط مثلهم فصنعوا مثل ذلك ، حتى إذا انشقت الأرض خرج في سبعين ألفا من الملائكة ،صلى‌الله‌عليه‌وسلم .

وفي صحيح الدارمي نحوه من رواية عائشةرضي‌الله‌عنها ، وقال فيه : سبعون ألفا بالليل وسبعون ألفا بالنهار ، ذكره في باب ما أكرم الله به نبيهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بعد موته ، رواه البيهقي في شعبه.

لا ينبغي رفع الصوت في المسجد

وقد تقدم قول عمررضي‌الله‌عنه «إن مسجدنا هذا لا ترتفع فيه الأصوات» وقال أبو بكررضي‌الله‌عنه : لا ينبغي رفع الصوت على نبي حيا ولا ميتا.

١٢٢

وروى ابن زبالة ويحيى من طريقه عن غير واحد منهم عبد العزيز بن أبي حازم ونوفل بن عمارة قالوا : إن كانت عائشة تسمع صوت الوتد يوتد والمسمار يضرب في بعض الدور المطيفة بمسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فترسل إليهم لا يؤذوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قالوا : وما عمل على مصراعي داره إلا بالمناصع ، توقيا لذلك.

وفي الوفاء لابن الجوزي من طريق أبي محمد الدارمي بسنده عن أبي الجوزاء.

سنة أهل المدينة في أعوام الجدب

قال : قحط أهل المدينة قحطا شديدا ، فشكوا إلى عائشةرضي‌الله‌عنها فقالت : فانظروا قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فاجعلوا منه كوة إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف ، ففعلوا ، فمطروا حتى نبت العشب وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم ، فسمي عام الفتق.

قال الزين المراغي : واعلم أن فتح الكوة عند الجدب سنة أهل المدينة حتى الآن ، يفتحون كوة في سفل قبة الحجرة : أي القبة الزرقاء المقدسة من جهة القبلة ، وإن كان السقف حائلا بين القبر الشريف وبين السماء.

قلت : وسنتهم اليوم فتح الباب المواجه للوجه الشريف من المقصورة المحيطة بالحجرة ، والاجتماع هناك ، والله أعلم.

الفصل الثاني والعشرون

فيما ذكروه من صفة الحجرة الشريفة ، والحائز المخمس الدائر عليها ، وبيان

ما شاهدناه مما يخالف ذلك

قال الأقشهري ، فيما رواه من طريق ابن شبة : قال أبو غسان ـ يعني محمد بن يحيى ـ : وأما الحظار الظاهر والبيت الذي فيه فإني اطلعت فيه من بين سقفي المسجد حتى عاينت ذلك الحظار الذي على البيت وما فيه ، وصورته وما فيه ، وذرعته على ما فيه من الذرع ، وذلك حين انكسر خشب سقف المسجد فكشف السقف من تلك الناحية لعمارته ، وأبو البحتري بن وهب بن رشد يومئذ على المدينة ، وذلك في جمادى الأولى من سنة ثلاث وتسعين ومائة.

وقال أبو زيد ـ يعني ابن شبة ـ فهذه صورته ، ثم صورها الأقشهري في كتابه المسمى «بمنسك القاصد الزائر» بهذه الصورة :

١٢٣

وفي هذا التصوير وما ذكر فيه من الذّرع مخالفة لما تقدم عن نقل ابن زبالة حيث قال. والبناء الذي حول البيت بينه وبين البناء الظاهر اليوم مما يلي المشرق ذراعان ، والتصوير المذكور قد اشتمل على أن الفرجة المذكورة ثلاثة أذرع ، ويستفاد من التصوير أيضا أن الفرجة بينهما في جهة القبلة مختلفة ، فبعضها دون الذراع وهو الشبر المشار إليه في كلام ابن زبالة ، وبعضها ذراع.

وسنذكر أن ما شاهدناه في صورة الحجرة الشريفة عند انكشافها أقرب إلى التصوير المذكور مما ذكره ابن زبالة ، وأن الحال شاهد بأنه وقع في بنائها الداخل تغيير ؛ فلم يبق على الصورة المذكورة.

وقد أدرك ابن زبالة عمارة أبي البحتري التي كشف فيها سقف المسجد مما يلي الحجرة الشريفة ، وذكرها في كتابه فقال : وكان أبو البحتري ـ إذ كان واليا على المدينة لهارون أمير المؤمنين ـ كشف سقف المسجد في سنة ثلاث وتسعين ومائة ، فوجد فيه سبعين خشبة مكسورة ، فأدخل مكانها خشبا صحاحا اه.

وكأنه لم يشاهد ذلك كما شاهده أبو غسان ، وعبارة يحيى في ذكر هذه العمارة : وقد كان خشب من خشب المسجد فوق القبر مما يليه انكسر في ولاية أبي البحتري ، فأمر بكشف السقف ، وذكر ما تقدم عن ابن زبالة ، على أن ابن زبالة ويحيى أشارا في كتابيهما إلى تصوير الحجرة والحائز الدائر عليها ، لكن الصورة ساقطة من النسخة التي وقعت لنا.

وقد صور ذلك ابن النجار في كتابه ، وأظنه أخذه من نسخة وقعت له من ابن زبالة

١٢٤

مشتملة على تلك الصورة ، وتبعه عليها ابن عساكر في «تحفة الزائر» والمرافي في تاريخه ، وهي بعيدة مما وجدنا عليه صورة الحجرة الشريفة ؛ فلنبدأ بتصويره ، ثم تصوير الصورة التي شاهدناها ، ثم الصورة التي استقر بناء الحجرة الشريفة عليها ، وقد تبعت في حكاية تصوير ابن النجار ما صنعه المراغي ؛ فإني نقلته من خطه ، فقال : وجعل عمر بنيان الحجرة الشريفة على خمس زوايا لئلا يستقيم لأحد استقبالها بالصلاة ؛ لتحذيرهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من ذلك ، وهذه صورتها وصورة الحائز حولها كما ضبطه ابن النجار ، والله أعلم.

وهذا التصوير ينافي ما تقدم من رواية ابن زبالة وغيره أن البيت مربع مبني بحجارة سود وقصّة.

ثم بنى عليه عمر بن عبد العزيز هذا البناء الظاهر المخمس ؛ لأنه صوّر فيه البيت مخمسا أيضا كما ترى ، وهو خلاف الذي شاهدناه عند انكشافه في العمارة التي أدركناها ، فرأيناه مربعا مبنيا بالأحجار السود المنحوتة لونها يقرب من لون أحجار الكعبة الشريفة ، ولها من الهيبة والأنس ما لا يدرك إلا بالذوق ، ولم نجد بين الجدار الخارج والداخل من جهة

١٢٥

المغرب فضاء أصلا ، ولا مغرز إبرة ، ولم نجد للبيت الداخل بابا أصلا ، ولا موضع باب ، لا في الجهة الشامية ولا في غيرها ، ووجدنا الفضاء الذي خلف البيت الشريف من جهة الشام ، بينه وبين البناء الظاهر ، شكله مثلث ، ومساحته نحو ثمانية أذرع بذراع اليد المتقدم تحريره ، وذلك من جدار البيت الشامي إلى زاوية البناء الظاهر المقابلة له ، وهي الزاوية الشمالية التي ينحرف عنها صفحتا الشكل المثلث المذكور ، وهناك أسطوانة ملاصقة لجدار البيت الشامي في صف أسطوانة مربعة القبر وأسطوانة الوفود ، وبعض الأسطوانة المذكورة داخل في الجدار المذكور ، وقد طوق على أعاليها بأطواق من الحديد ، وأدعمت بجذع من جذوع النخل رأسه في أعاليها ورأسه الآخر في زاوية البناء الظاهر الشمالية المتقدم ذكرها ، والظاهر أن ذلك جعل بعد الحريق لتشقق الأسطوانة المذكورة وتأثير النار فيها ، وهي الأسطوانة التي تقدم ذكرها في التصوير الأول المأخوذ من كلام ابن شبة عند نهاية جدار البيت الشامي ، مما يلي المشرق ، لكنا لم نجدها كذلك ، بل قريبة من وسط الجدار الشامي ، غير أن متولي العمارة ومن كان معه أخبروني أنهم وجدوا عند نقض جدار البيت الشامي من داخله رأس جدار في محاذاة الأسطوانة المذكورة يشهد الحال أنه كان آخذا من الشام إلى ما يحاذيه من القبلي ، فكأنه كان نهاية الحجرة الشريفة من جهة المشرق ، وكأنه لما انهدم زيد فيها ذلك القدر ، قالوا : ولا يخفى على الناظر أن بقية الجدار الشامي مما يلي المشرق لم يبن مع الجانب الآخر منه ، بل هي ملصقة إلى رأس الجدار المذكور بحيث لم يدخل أحجار أحدهما في الآخر ، ولا هي مرتبطة كما هو عادة البناء الواحد ، ورأيت أنا ما يقابل هذا الجانب من الجدار القبلي مما يلي المشرق ؛ فرأيت ما يشهد بإحداث بنائه بحيث إنه مبني بالحجارة غير الوجوه كنسبة الجدار الشرقي ، بخلاف بقية جدارات الحجرة الشريفة فإنها كلها من داخلها وخارجها مبنية بالحجارة الوجوه المنحوتة ، وإنما لم أشاهد ما قدمته مما حكى لي في أمر الجدار الشامي لأني اجتنبت حضور الهدم احتياطا لنفسي ، وظهر بذلك أن البيت الشريف كان من جهة المشرق على ما صوره ابن شبة ، ثم حدث ذلك بعده ، ولم ينبه عليه أحد من المؤرخين ، ويحتمل أن ذلك الجدار هو الذي أحدثته عائشةرضي‌الله‌عنها بينها وبين القبور الشريفة ؛ فقد تقدم عن ابن سعد روايته عن مالك بن أنس قال : قسم بيت عائشة باثنين ، قسم كان فيه القبر ، وقسم كان تكون فيه عائشة وبينهما حائط.

قلت : فهذا الاحتمال هو الذي يترجح عندي ، والله أعلم.

ووجد بين جدار البيت الشرقي وبين الجدار الظاهر الشرقي فضاء مختلف كالزقاق الرقيق ، فعند ابتدائه من جهة الشام نحو ذراع اليد يمر فيه الرجل منحرفا ، فإذا قرب من جهة القبلة تضاعف بحيث لا يمر فيه إلا الصغير منحرفا ، وسعته هناك نحو ثلث الذراع.

١٢٦

وقد نقل ابن شبة أنه كان ثلاثة أذرع ؛ فهذا مؤيد لما قدمناه من حدوث التغيير في الجدار الشرقي الداخل ، ورؤيته تقضي بذلك دون بقية الجدران.

ووجدنا بين جدار البيت القبلي والجدار الظاهر القبلي فضاء مختلفا أيضا كالزقاق الرقيق ؛ فأوله من جهة الشرق نحو ذراع اليد ، فإذا قرب من الوجه الشريف تضايق بحيث يصير نحو شبر ثم أقل من ذلك إلى ملتقى الحائطين في جهة المغرب ، وهذا الفضاء لا يمكن المرور فيه ؛ لأن الأسطوانة التي في البناء الظاهر عند مواجهة مواقف الزائر لسيدنا عمررضي‌الله‌عنه بعضها بارز في الفضاء المذكور ، وفي محاذاتها بناء بنحو عرضها قد سدّ ما بين الجدارين من الفضاء ، وكأنه جعل لإدعام الجدار من أجل الانشقاق الآتي ذكره ، أو لمنع المرور هناك ، جزى الله فاعله خيرا!

١٢٧

وأما طول جدران الحائز الظاهر من كل زاوية إلى الأخرى من خارجه فطول الجدار القبلي من زاويته التي تلي القبلة من المغرب إلى زاويته التي تلي المشرق سبعة عشر ذراعا ، بتقديم السين ، ينقص يسيرا ، وذلك موافق لما تقدم في تصوير ابن النجار. وطول الجدار الغربي من القبلة إلى طرف مقام جبريل ستة عشر ذراعا ونحو نصف ذراع ، ومنعطف مقام جبريل هناك الشام ، وذرع منعطفه ذراعان ونصف ذراع ، وجملة ذلك تسعة عشر ذراعا ؛ فهو المراد مما تقدم في تصوير ابن النجار ، لكنه يوهم أن وجه مقام جبريل غير داخل في التسعة عشر ذراعا التي ذكرها للجدار الغربي ، وليس كذلك. وطول الجدار المنعطف من مقام جبريل إلى الزاوية الشمالية اثنا عشر ذراعا ونصف ذراع راجح. وطول الجدار الشرقي من القبلة إلى الزاوية التي ينحرف منه إلى جهة الشمال اثنا عشر ذراعا ونصف ذراع راجح. وطول الجدار المنعطف من الجدار المذكور عند الزاوية المذكورة إلى الزاوية الشمالية نحو أربعة عشر ذراعا ، وفيما ذكرناه من الذرع في الثلاثة الجدر الأخيرة مخالفة لما تقدم في تصوير ابن النجار ومن تبعه.

وأما طول الحائز الظاهر في السماء فثلاثة عشر ذراعا وثلث ذراع ، ويرجح من بعض الجوانب يسيرا ، وعرض منقبته ذراع وربع ثمن.

ونقل الأقشهري أن ابن شبة نقل عن أبي غسان أن طول الحظار الذي على البيت ـ يعني الحائز المذكور ـ من جهة ارتفاعه ثلاثة عشر ذراعا غير سدس.

قلت : وقد رأيت بأعلاه سترة من آجر قدر نصف ذراع يشهد الحال أنها محدثة لإحداث السقف الآتي ذكره للحجرة الشريفة بعد حريق المسجد الأول ؛ فلا مخالفة بين ما وجدناه وبين ما ذكره أبو غسان.

وأما ارتفاع الجدار الداخل في السماء فقسته من خارجه من جهة الشام فكان خمسة عشر ذراعا ، وارتفاع تلك الأرض التي في شامي الحجرة بين الجدارين على أرض الحجرة ذراع ونحو ربع ذراع ، ومع ذلك فالحائز الخارج أرجح من الداخل بيسير أو مساوله ، وسبب ذلك علو الأرض الخارجة عن هذا الحائز على الأرض الداخلة بين الحائزين بأرجح من ذراع ونصف ، مع أن الأرض الداخلة بين الحائزين من جهة الشام التي هي كهيئة المثلث وجدت مجدولة بالحجارة والقصة بحيث لم يتأت لهم حفر أساس فيها ، ولله الحمد على ذلك.

وأما ما تقدم فيما نقلناه من خط المراغي ـ وهو موجود في كلام ابن النجار وابن عساكر ـ من أن طول حيطان الحائز الخارج في السماء ثلاثة وعشرون ذراعا ، فهذا مخالف لما شاهدناه ولما قدمناه عن أبي غسان ، وكأنهم أرادوا بهذا ذرع ما بين الأرض المحيطة بالحجرة

١٢٨

وبين سقف المسجد ، وهذا البناء لم يبلغ به عمر بن عبد العزيز سقف المسجد اتفاقا ، بل فوقه شباك من خشب متصل ذلك الشباك بسقف المسجد كما يظهر عند رفع الكسوة ، وكأن ابن النجار توهم أن الحائط المذكور متصل بالسقف ؛ لأنه قال : وبنى عمر ابن عبد العزيز على حجرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم حائزا من سقف المسجد إلى الأرض ، وصارت الحجرة في وسطه وهو على دورانها.

وينبغي حمل كلامه على أن المراد أنه بناه من سقف المسجد إلى الأرض بما جعل عليه من الشباك ، وكذلك يحمل ما ذكره في ذرع ؛ لأن الشباك المذكور له ذكر في كلامه ، فإنه ذكر ما سيأتي من أن الجمال الأصفهاني جدد تأزير الحجرة بالرخام ، ثم قال : وعمل لها مشبكا من خشب الصندل والآبنوس ، وأداره حولها مما يلي السقف : أي على رأس الجدار المذكور.

قلت : ولعله أول من أحدث هذا الشباك ؛ لأنه ذكر له في كلام متقدمي المؤرخين ، والله أعلم.

وقال ابن النجار : واعلم أن على حجرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أي على سقفها ثوبا مشمعا مثل الخيمة ، وفوقه سقف المسجد ، وفيه ـ أي فيما تحت المشمع المذكور ـ خوخة عليها ممرق أي طابق مقفول ، وفوق الخوخة في سقف السطح خوخة أخرى فوق تلك الخوخة ، وعليها ممرق مقفول أيضا ، وبين سقف المسجد وبين سقف السطح أي السقف الثاني لسطح المسجد فراغ نحو الذراعين.

قلت : أما الممرق الذي ذكره في سقف المسجد الذي يلي الحجرة الشريفة فقد أدركناه موجودا عليه قفل من حديد ومشمع جدده متولي العمارة التي أدركناها إلى أن احترق المسجد في زماننا ، وعملت القبة التي جعلت بدلا عن القبة الزرقاء.

وأما الممرق الذي ذكره في سقف الحجرة تحت المشمع الذي أشار إليه فهذا كان قبل حريق المسجد الأول ، ولم يوجد في السقف الذي عمل بدله بعد الحريق ممرق ، نعم وجد عليه ستارة من المحابس اليمنية مبطنة ، وسنذكر وصفه إن شاء الله تعالى عند ذكر العمارة المتجددة في زماننا ، على أن الذي يقتضيه كلام المطري ومن بعده أنه ليس ثم غير طابق واحد في سقف المسجد ، فإنه قال : وعلى سقف الحجرة بين السقفين ـ أي سقفي المسجد ـ ألواح ، وقد سمّر بعضها على بعض ، وسمر عليها ثوب مشمع ، وفيها طابق مقفل ، إذا فتح كان النزول منه إلى ما بين حائط بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وبين الحائط الذي بناه عمر بن عبد العزيز.

قلت : وليس ما ذكره في وصف هذا الطابق بصحيح ؛ لأن النزول منه يكون على وسط الحجرة سواء كما شاهدناه ، مع أن المطري ومن تبعه اتفق كلامهم كما سيأتي على أن

١٢٩

سقف الحجرة بعد الحريق إنما هو سقف المسجد ، وهو خلاف ما وجدنا الأمر عليه أيضا ، والله أعلم.

الفصل الثالث والعشرون

في عمارة اتفقت بالحجرة الشريفة على ما نقله الأقشهري عن ابن عاث ، وما

وقع من الدخول إليها عند الحاجة له وتأزيرها بالرخام

قال الأقشهري ، ومن خطة نقلت ما لفظه : أخبرنا الشيخ الراوية أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري الشاطبي قال : حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله القضاعي الحافظ قال : حدثنا صاحبنا الرحال أبو عمر أحمد بن أبي محمد هارون بن عاث النفري قال : حدثت بالمدينة الشريفة ، أو قال بمدينة السلام ، بأنهم سمعوا منذ سنين قريبا من الأربعين هدة في الروضة الشريفة أي الحجرة فإنه يعبر عنها بذلك ، فكتب في ذلك إلى الخليفة ، فاستشار الفقهاء ، فأفتوا أن يدخلها رجل فاضل من القومة على المسجد ، فاختاروا لذلك بدرا الضعيف ، وهو شيخ فاضل يقوم بالليل ويصوم النهار ، وهو من فتيان بني العباس ، فدلى حتى دخل الروضة أي الحجرة ، فوجد الحائط الغربي قد سقط ، وهو حائط دون الحائط الظاهر ، فصنع له لبن من تراب المسجد ، فبناه وأعاده على هيئته كما كان ، ووجد هناك قعبا من خشب قد أصابه وقوع الحائط فكسره ، فحمل إلى بغداد مع شيء من تراب الحائط ، وكان يوم وصول ذلك بغداد يوما مشهودا تجمع لاستقباله الناس ، وازدحموا على رؤيته ، وعطلت الصناعات والبيع ، وكانت رحلة ابن عاث سنة ثلاث عشرة وستمائة ، وقد قال «قريبا من أربعين سنة» فيكون ذلك سنة سبعين وخمسمائة أو ما دون ذلك ، وهكذا ذكره في رحلته ومنها نقلته ، ويكون ذلك في دولة المستضيء بالله بن المستنجد بالله ، انتهى كلام الأقشهري.

ولعل هذا الحائط المنهدم في هذه العمارة إنما هو الشرقي من الجدار الداخل ، وأطلق عليه اسم الغربي بالنظر إلى الجدار الخارج الذي يليه ، فتكون هذه الواقعة هي التي اتفق فيها بناء الجدار المتقدم وصفه ، ووقع فيها تقديمه عن محله الأول ، وأبقوا رأسه كما تقدمت الإشارة إليه ، وهو إنما بنى بالحجر ، ولا يتأتى هناك بناء باللبن إلا في السترة التي جعلت على رأس الجدار ، فلعله أراد باللبن المتخذ من تراب المسجد هذا ، لكن في كلام ابن النجار ونقله من بعده وأقره ، ما يقتضي أنه لم يقع دخول إلى الحجرة الشريفة من سنة أربع وخمسين وخمسمائة إلى زمانه ، وقد توفي سنة ثلاث وأربعين وستمائة ، فإنه قال في كتابه «الدرة الثمينة» ما لفظه : واعلم أن في سنة ثمان وأربعين وخمسمائة سمعوا صوت هدة في الحجرة ، وكان الأمير قاسم بن مهني الحسيني ، فأخبروه بالحال ، فقال : ينبغي أن ينزل شخص إلى هناك ليبصر ما هذه الهدة ، فافتكروا في شخص يصلح لذلك ، فلم يجدوا لذلك إلا عمر

١٣٠

النسائي شيخ شيوخ الصوفي بالموصل ، وكان مجاورا بالمدينة ، فذكروا ذلك له ، فذكر أن به فتقا والريح والبول يحوجه إلى دخول الغائط مرارا ، فالزموه ، فقال : أمهلوني حتى أروض نفسي ، وقيل : إنه امتنع من الأكل والشرب وسأل النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إمساك المرض عنه بقدر ما يبصر ويخرج ، ثم إنهم أنزلوه في الحبال من الخوخة إلى الحظير الذي بناه عمر ، ودخل منه إلى الحجرة ومعه شمعة يستضيء بها فرأى شيئا من طين السقف قد وقع على القبور ، فأزاله وكنس التراب بلحيته ، وقيل : إنه كان مليح الشيبة ، وأمسك الله تعالى ذلك الداء قدر ما خرج من الموضع وعاد إليه ، وهذا ما سمعته من أفواه جماعة ، والله أعلم بحقيقة الحال في ذلك.

وعبارة المراغي تبعا للمطري في النقل عن ابن النجار : فأنزلوه بالحبال من بين السقفين من الطابق المذكور ، ونزل بين حائط النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وبين الحائز ومعه شمعة يستضيء بها ، ومشى إلى باب البيت ، ودخل من الباب إلى القبور المقدسة ، فرأى شيئا من الردم ، إما من السقف أو من الحيطان إلى آخره.

قلت : وهذا لا يطابق ما ذكره ابن النجار وعليه رتب المراغي إشكاله الآتي بيانه.

ثم قال ابن النجار : وفي شهر ربيع الآخر من سنة أربع وخمسين وخمسمائة في أيام قاسم أيضا وجدوا من الحجرة رائحة منكرة ، وكثر ذلك حتى ذكروه للأمير ، فأمرهم بالنزول إلى هناك ، فنزل بيان الأسود الخصي أحد خدام الحجرة ، ومعه الصفي الموصلي متولي عمارة المسجد ، ونزل معهما هارون الشادي الصوفي بعد أن سأل الأمير في ذلك ، وبذل له جملة من المال ، فلما نزلوا وجدوا هرا قد هبط ومات وجيف ، فأخرجوه ، وكان في الحائز بين الحجرة والمسجد.

وقال المراغي وغيره في النقل عن ابن النجار : فوجدوا هرا قد سقط من الشباك الذي في أعلى الحائز ، ووقع بين الحائز وبيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

وقال ابن النجار : وكان نزولهم يوم السبت الحادي عشر من ربيع الآخر ، ومن ذلك التاريخ إلى يومنا هذا لم ينزل أحد إلى هناك ، فاعلم ذلك ، انتهى.

فهذا يخالف ما نقله الأقشهري عن ابن عاث ؛ لاقتضائه أن تلك الواقعة في سنة سبعين وخمسمائة أو ما قاربها ، والظاهر أن القضية واحدة ، ولم نجد من دونها فنقل كل منهما بحسب ما بلغه.

وقال الزين المراغي عقب ذكره للواقعة الأولى التي حكاها ابن النجار المتضمنة للدخول إلى القبور الشريفة ما لفظه : وينبغي تأمل هذا النقل ؛ لأن الوصول إلى القبور الشريفة متعذر ، إن كان الجدار الذي أحدثته عائشة المتقدم ذكره باقيا ، فإن جاء نقل بإزالته وبإمكان الاستطراق معه من باب أو نحوه فهو واضح ، وإلا ففيه نظر.

١٣١

قلت : نظره إنما يتوجه على ما قدمه من أن النزول كان إلى ما بين الحائطين وأنه مشى إلى باب البيت ، وليس في كلام ابن النجار تعرض لشيء من ذلك ، بل مقتضى ما قدمناه عنه ـ من أن الحجرة الشريفة بها ممرق ، وبسقف المسجد مثله ـ أن النزول إنما هو من العلو إلى سقف الحجرة ، ثم منه إليها ؛ فلا نظر ، على أن الجدار الذي أشار إليه وأن عائشة بنته ولم نجد له أثرا إلا ما تقدمت الإشارة إليه من رأس جدار الحائط الشامي مقتض لأنه كان هناك جدار من الشام إلى القبلة ، وكذلك الباب لم نجد له أثرا كما قدمناه.

وأما تأزير الحجرة بالرخام فليس له ذكر في كلام ابن زبالة ، وله ذكر في كلام يحيى ؛ فإنه روى ما حاصله أن بيت فاطمة الزهراء لما أخرجوا منه فاطمة بنت حسين وزوجها حسن بن حسن وهدموا البيت بعث حسن بن حسن ابنه جعفرا ، وكان أسنّ ولده ، فقال له : اذهب ولا تبرحن حتى يبنوا فتنظر الحجر الذي من صفته كذا وكذا هل يدخلونه في بنيانهم ، فلم يزل يرصدهم حتى رفعوا الأساس وأخرجوا الحجر ، فجاء جعفر إلى أبيه فأخبره ، فخر ساجدا وقال : ذلك حجر كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يصلي إليه إذا دخل إلى فاطمة ، أو كانت فاطمة تصلي إليه ، الشك من يحيى.

وقال علي بن موسى الرضي : ولدت فاطمةعليها‌السلام الحسن والحسين على ذلك الحجر.

قال يحيى : ورأيت الحسين بن عبد الله بن عبد الله بن الحسين ولم أر فينا رجلا أفضل منه إذا اشتكى شيئا من جسده كشف الحصى عن الحجر فيمسح به ذلك الموضع ، ولم يزل ذلك الحجر نراه حتى عمّر الصانع المسجد ففقدناه عند ما أزر القبر بالرخام ، وكان الحجر لاصقا بجدار القبر قريبا من المربعة.

قال بعض رواة كتاب يحيى : الصانع هذا هو إسحاق بن سلمة ، كان المتوكل وجه به على عمارة المدينة ومكة.

قلت : وكانت خلافة المتوكل سنة اثنتين وثلاثين ومائتين ، وتوفي في شوال سنة سبع وأربعين ، وكان هذا مأخذ بن النجار في قوله إن المتوكل في خلافته أمر إسحاق بن سلمة وكأن على عمارة الحرمين من قبله أن يؤزّر الحجرة بالرخام ففعل.

ثم في خلافة المقتفي سنة ثمان وأربعين وخمسمائة جده جمال الدين وزير بني زنكي ، وجعل الرخام حولها قامة وبسطة.

قلت : ولم يذكر أحد من المؤرخين تجديدا لهذا الرخام بعد ذلك ، وقد جدده في زماننا متولي العمارة الآتي ذكرها الجناب الشمس المحسني الخواجكي بن الزمن بأمر المقام الشريف السلطاني قايتباي عز نصره ، ووجد في الصفحة القبلية عند ابتدائها من جهة المغرب في

١٣٢

اللوح السماقي اللون الثاني في تلك الجهة من الألواح الملونة التي يحيط بها الرخام الأبيض البارز قطعة أوسع من الديا نار ملصقة في ظاهر اللوح المذكور بالجص ، فأشيع أنها جوهرة نفيسة ذات لمعان ، ثم إن متولي العمارة أرانيها فإذا هي حجر عسلي اللون يميل حمرته إلى الصفرة ، قال : وأظنه حجر اليرقان ، وقد خشي عليه متولي العمارة إن أعيد لصقا كهيئته الأولى ، فأمر بنقر الرخامة المذكورة وتنزيله فيها ، ففعلوا ذلك ، وأعادوا تلك الرخامة إلى محلها.

ولم أر من نبه على ابتداء حدوث الرخام الذي حول الحجرة الشريفة بالأرض والظاهر أنه حدث عند حدوث تأزيرها بالرخام ؛ لما تقدم من كلام يحيى في أمر الحجر الذي كان يتبرك به من أن الحسين بن عبد الله كان يكشف عنه الحصى ، وأنه لم يدخل في البناء ، وأنه فقده عند تأزير الحجرة بالرخام ، فدل ذلك على أنه رخم الأرض أيضا ، وإلا لما استتر الحجر المذكور.

وأما ترخيم المصلّى الشريف فلا أدري متى زمن حدوثه ، وله ذكر في رحلة ابن جبير.

وأما الرخام الذي بالمحراب العثماني وما حوله فالقديم منه ـ أعني بعد الحريق الأول ـ ترخيم المحراب وشيء يسير عن جنبتيه ، وفي دولة السلطان الملك الظاهر جقمق في أول عشر الستين وثمانمائة أمر بعمل الوزرة التي في الجدار القبلي ، فاتصل ذلك بترخيم المحراب المذكور ، وقد جدد غالب ذلك في العمارة التي أدركناها أيضا ، وأبدل الطراز الأول الذي كان بأعلى الوزرة وكان محمرا بماء الذهب الطراز الموجود اليوم ، ثم زال ذلك كله في حريق المسجد الثاني ، ثم أعيد مع زيادة فيه مما يلي المنارة الرئيسية ، ومع ترخم ما حول الحجرة الشريفة وتأزيرها بالرخام ، ومع ما سبق من عمل محراب المصلى الشريف وترخيمه ، ورخموا أيضا الدعائم المواجهة للوجه الشريف التي أحدثوها عند عمارة القبة الثانية من داخل المقصورة وخارجها ، وجميع ما يوجد من الرخام بالمسجد اليوم من عمل سلطان زماننا الأشرف قايتباي ، أعز الله أنصاره ، وضاعف اقتداره! والله أعلم.

الفصل الرابع والعشرون

في الصندوق الذي في جهة الرأس الشريف ، والمسماة الفضة المواجه للوجه

الشريف ، ومقام جبريل من الحجرة الشريفة ، وكسوتها ، وتخليقها

أما الصندوق فلم أعلم ابتداء حدوثه ، وكذلك القائم المحلّى فوقه ، إلا أنه قد ظهر لنا في هذه العمارة التي أدركناها أنه كان موجودا قبل حريق المسجد الأول ؛ لأن متولي العمارة كان قد قلعه لاقتضاء رأيه قلع حلية الفضة التي كانت على القائم الخشب الذي فوق الصندوق ليحكم صوغها ، وزاد ذلك فضة وتمويها بالذهب ، وأصلح حلية الصندوق أيضا ،

١٣٣

وكان ذلك سببا لإصلاح أصل الأسطوانة التي كان بها ، فلما قلعوا الصندوق المذكور ظهر فيه قوائم صندوق عتيق ، وفي تلك القوائم أثر الحريق ، وكأنهم جددوا عليه صندوقا ، وجعلوا ذلك المحترق في جوفه ، وقد أعيد كذلك.

وقد ذكر المجد الشيرازي هذا الصندوق والقائم فقال : وفي الصفحة الغربية من الحجرة الشريفة صندوق آبنوس مختم بالصندل مصفح بالفضة مكوكب بها ، هو قبالة رأس النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وفيه أسطوان ، وفوق الصندوق قائم من خشب مجدد ، وأما الصندوق فطوله خمسة أشبار وعرضه ثلاثة أشبار وارتفاعه في الهواء أربعة أشبار.

قلت : وقد ظفرت بذلك كله في كلام ابن جبير في رحلته ، غير ما يتعلق بالقائم المذكور ، ومن ذلك أخذ المجد وصف القائم بكونه مجددا ، وكانت رحلة ابن جبير عام ثمانين وخمسمائة ، فاستفدنا بذلك وجود ذلك الصندوق قبل الحريق في ذلك الزمان ، وما ذكره من أن الصندوق المذكور قبالة الرأس الشريف فيه تجوّز ؛ لأنه قد ظهر لنا في هذه العمارة أنه في محاذاة الجدار الداخل القبلي ، وسيأتي أن الوجه الشريف إلى الجدار ؛ فالرأس الشريف متأخر عن الصندوق المذكور يسيرا.

ومستند المجد وغيره في هذا الإطلاق ما روى جعفر بن محمد بن علي بن الحسينرضي‌الله‌عنه عن أبيه عن جده أنه كان إذا جاء يسلم على النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وقف عند الأسطوانة التي تلي الروضة ، ثم يسلم ، ثم يقول : هاهنا رأس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والمراد به ما قدمناه ، والله أعلم.

وذرع الصندوق المذكور في الارتفاع ذراع ونصف وربع بذراع اليد ، وأعلى القائم فوقه محاذ لرأس الوزرة الرخام ، وطول القائم المذكور ثلاثة أذرع ، وهو خمس صفحات ألصق بعضها على بعض وجعلت محيطة بما ظهر من الأسطوانة التي الصندوق بأصلها فوقه ؛ فإن بعض الأسطوانة في البناء الملاصق لها من الحائز المذكور ولو أحاطت الصفحات بجميع الأسطوانة لكانت أكثر من خمس ، ولكانت شكلها مثمنا ، وهو مختم بالخشب الأسود الهندي ، معصب بصفائح الفضة المموهة طولا وعرضا بأحسن صناعة ، وصفائحه الطولية من الفضة أربع ، والمقاطعة لها من جهة العرض خمس ، وفي رأسه من أعلاه حلية رقيقة كالزيق ، وزنة ما عليه من الفضة زيادة على ألفي قفلة ، وأخذوا لأجل تمويهه من حاصل المسجد أربعين مثقالا من الذهب كما أخبرني به متولي العمارة.

وأما الصندوق فلم يغير ، كله مغشى بالفضة ، وقد احترق في حريق المسجد الثاني ، ووجدوا حليته من الفضة ، فجددوا صندوقا في محله وجعلوا موضع القائم الذي كان فوقه رخاما كتوبا فيه البسملة والصلاة والتسليم على النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم والترضي عن أصحابه وغير ذلك.

١٣٤

وأما المسمار المواجه للوجه الشريف فقد تقدم أن بينه وبين أول الصفحة الغربية من المغرب خمسة أذرع ، وقد اعتبرت ذلك فنقص يسيرا نحو سدس ذراع ، وكأنه لاختلاف الأذرعة ، ولم أعلم ابتداء حدوث التعليم بهذا المسمار أيضا ، والمذكور في كلام المتقدمين إنما هو التعريف بأن يجعل القنديل على رأسه ، لكن قال المطري : إن ما ذكر من القيام تحت القنديل تجاه الحجرة الشريفة للسلام كان قبل احتراق المسجد الشريف ؛ فإنه لم يكن يقابل وجه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلا قنديل واحد ؛ ولما جدد جعل هناك عدة قناديل ، وإنما علامة الوقوف تجاه الوجه الكريم اليوم مسمار فضة في رخامة حمراء ، انتهى. وهو يوم حدوث التعليم به بعد الحريق ، ولأن ابن جبير ذكره في رحلته وهو أقدم من ابن النجار فقال عند وصف الحجرة الشريفة : وفي الصفحة القبلية أمام وجه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم مسمار فضة هو أمام الوجه الكريم ، فتقف الناس أمامه للسلام ، انتهى. وأيضا فقد روى ابن الجوزي في «مثير الغرام الساكن» أن ابن أبي مليكة كان يقول : من أحب أن يقوم وجاه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فليجعل القنديل الذي في القبلة عند القبر على رأسه ، ثم قال ابن الجوزي : وثم ما هو أوضح علما من القنديل ، وهو مسمار من صفر في حائط الحجرة ، إذا حاذاه القائم كان القنديل فوق رأسه ، انتهى.

وقال يحيى في كتابه : كان بن أبي مليكة يقول : إذا جعلت القنديل على رأسك والمرمرة المدخولة في جدار القبر قبالة وجهك استقبلت وجه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

قلت : وكأن هذا المسمار في موضع تلك المرمرة ، ولهذا قال ابن النجار : إن اليوم هناك علامة واضحة ، وهي مسمار من فضة في حائط حجرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، إذا قابله الإنسان كان القنديل على رأسه ، فيقابل وجه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، انتهى.

ولم أر لهذا المسمار ذكرا في كلام من صنّف في المناسك قبل ابن جماعة ، والذي في مناسك ابن الصلاح أخذا من الإحياء ذكر القنديل ، وجعله حذار رأس الزائر ، ونقله عن ابن أبي مليكة ، واقتضى كلامه أن الواقف هناك يكون بينه وبين السارية التي عند رأس القبر عند زاويته الغربية وهي أسطوان الصندوق نحو أربعة أذرع ؛ فهو قريب مما تقدم في التعليم بالمسمار المذكور ، وإن لم يصرح به ، لكن قال الأقشهري ومن خطه نقلت : أخبرنا الإمام العالم رضي الدين أبو أحمد إبراهيم بن محمد بن أبي بكر إمام مقام إبراهيم الخليل بمكة توفي في تاسع شهر ربيع الأول من عام اثنين وعشرين وسبعمائة والشيخ الوزير أبو عبد الله محمد بن أبي بكر محمد بن عيسى المومناني قالا : أخبرنا الإمام أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن الصلاح السهروردي قال : ثم يأتي الزائر الصريح المقدس فيستدبر القبلة ويستقبل جداره نحو ثلاثة أذرع أو أربعة أذرع من الجدار وجاه المسمار الذي في الجدار القبلي من

١٣٥

الحجرة المشرفة ، هذا ما نقلته من خط الأقشهري بحروفه ، ولم أره في كلام ابن الصلاح ، والذي نقله ابن عساكر في تحفته عن ابن الصلاح وهو من تلامذته إنما هو ما قدمناه ، وروايته عن إبراهيم الطبري عن ابن الصلاح تخليط ؛ فإن وفاة ابن الصلاح في سنة ثلاث وأربعين وستمائة ، والذي أدركه إنما هو والد إبراهيم المذكور ، وهو المعروف بالرضي الطبري ، فإن مولد الوالد المذكور سنة ثلاث وثلاثين وستمائة ، فإنما أدرك من زمن ابن الصلاح عشر سنين ، فكيف يكون ولده راويا عن ابن الصلاح بلا واسطة؟

وقال الأقشهري عقب ما تقدم عنه : وقد سقط هذا المسمار سنة عشرين وسبعمائة ، ولم يردّ إلى موضعه إلا في رجب عام أربع وعشرين وسبعمائة.

قلت : وقد أخرج في هذه العمارة من موضعه عند ترخيم جدار الحجرة الشريفة ، ثم أعيد في محله الأول بعينه في الرخامة الحمراء التي كان بها ، ثم سقط من محله في الحريق الثاني ، وجدد مسمار آخر في محله ، ولا يختلف أحد ممن أدركناه بالمدينة الشريفة في أن ذلك الموضع تجاه الوجه الشريف ، وهو الذي يقتضيه الحال عند مشاهدة الحجرة الشريفة من داخلها ، غير أني رأيت في كلام يحيى ما يوهم خلاف ذلك ، فإنه ذكر أن الموضع الذي يواجه الوجه الشريف هو ما بين الأسطوانة المتوسطة في قبلة جدار قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، بين هذا الموضع وبين الأسطوان شبران وثلاث أصابع متفرجة من الحفيرة إلى الوسطى ، وإن كل من أدركه من أهل بيته كانوا إذا وقفوا للسلام على النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وقفوا قريبا من هذا الموضع ، وكانت ثم علامة قد تعلموا بها حفيرة ولم تزل ثمّ منذ علمت إلى أن عمر الصانع المسجد في ولاية أمير المؤمنين المتوكل فإنه أزر القبر بالرخام فذهبت العلامة منذ ذلك. وقال : إن موسى بن جعفر قال : من وقف في هذا الموضع منحرفا واضعا شق وجهه الأيمن استقبل وجه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان علي بن الحسين يقف ثم ، انتهى.

قلت : الأسطوانة الوسطى التي يشير إليها هي البارزة في الصفحة القبلية من جدار القبر ، يقف قربها المسلم على عمررضي‌الله‌عنه ، وبينها وبين المسمار المذكور نحو ثلاث أذرع أو أزيد ، وقد قال : إن الموضع الذي ذكره بينه وبين الأسطوانة المذكورة شبران وثلاثة أصابع ، فيكون بعيدا من المسمار المذكور بنحو الذراعين وقد شاهدنا الأسطوانة المذكورة من داخل الحجرة فرأيناها قريبة من نهايتها ، بحيث إن من دفن هناك ووجهه في محاذاة الموضع الذي ذكره يحيى كانت رجلاه في جدار الحجرة الشرقي كما نقل ذلك في دفن عمررضي‌الله‌عنه ، فيبعد كل البعد كون الوجه الشريف في محاذاة ذلك الموضع ، على أن ما نقله عن موسى بن جعفر يقتضي أن استقبال الوجه الشريف للواقف في الموضع الذي ذكره إنما يكون مع الانحراف ووضع شق الوجه الأيمن يعني على جدار القبر ، وعلى هذا فيستقبل

١٣٦

الزائر جهة المغرب حتى يحصل ذلك ، وذلك لأن الحائط القبلي منحرف كما أشرنا إليه في التصوير المتقدم ، فلا يقتضي ذلك أن المستقبل للمحل الذي عينه من غير وضع وجهه يكون مقابلا للوجه الشريف ، وإنما يسامت الواقف الوجه الشريف إذا حاذى المسمار المتقدم وصفه ، وكأن يحيى يرى أن الزائر يلصق خده بجدار القبر على الهيئة السابقة ، فيصير محل المسمار المذكور أمامه ، ولذلك أورد عقب ما تقدم عنه قصة أبي أيوب الأنصاري الآتي ذكرها في التزامه القبر.

واعلم أن تشبيك باب المقصورة التي حدثت إدارتها على ما حول الحجرة الشريفة قد يمنع من مشاهدة المسمار المذكور إلا لمن يتأمل ذلك من تشبيكه ، وذلك يشغل قلب الزائر ، وقد تحرر لنا أن ما يقابله من ذلك هو الصرعة الثانية من باب المقصورة القبلي الذي على يمين مستقبل القبر الشريف ، فمن حاذى هذه الصرعة كان محاذيا لذلك ، وهذا المسمار مموّه بالذهب رأسه مستدير ، وقد أحدث متولي العمارة مسمارا آخر رأسه فضة ، لكنه في أول هذه الصفحة القبلية مما يلي المغرب قريبا من جهة الصندوق المتقدم وصفه ، ورأس هذا المسمار مكوكب كالقبة ، فلا يشتبه بالمسمار المتقدم ، وأحدث أيضا مسمارين آخرين في ابتداء الصفحة الغربية مما يلي القبلة قريبا من مسماره المتقدم ، وما علمت السبب في إحداث ذلك ، وقد زالت هذه المسامير الثلاثة المحدثة بالحريق الثاني.

وأما الموضع المعروف بمقام جبريل عند مربعة القبر فقد تقدم أنه كان هناك مسمار في منحرف المربعة إلى الزاوية الشمالية من الحجرة علامة عليه ، فلم نجده هناك ، وسألت عنه الخدام والمرخمين فقالوا : إنهم لم يجدوا هناك شيئا ، وتسمية ذلك الموضع بمقام جبريل تقدم مستنده في الكلام على أسطول مربعة القبر ، ولم أدر لم سمي بذلك ، إلا أن ابن جبير ذكر هذا المحل من الحجرة الشريفة ، وقال : وعليه ستر مسبل يقال : إنه كان مهبط جبريلعليه‌السلام ، انتهى. لكن ترجم ابن شبة في كتابه لمقام جبريل ثم قال : قال أبو غسان : علامة مقام جبريلعليه‌السلام التي يعرف بها اليوم أنك تخرج من الباب الذي يقال له باب آل عثمان ، فترى على يمينك إذا خرجت من ذلك الباب على ثلاثة أذرع وشبر وهو من الأرض على نحو من ذراع وشبر حجرا أكبر من الحجارة التي بها جدار المسجد ، قال : فكان مالك بن أنس يقول ، وسقط ما بعد ذلك من كتاب ابن شبة فلم أدر ما هو ، لكن يستفاد من ذلك حكاية خلاف في مقام جبريل : هل هو داخل المسجد عند المربعة المذكورة أو خارجه عند باب آل عثمان وهو المعروف اليوم بباب جبريل؟ ولعل ذلك سبب تسمية الباب المذكور بذلك ، كما ستأتي الإشارة إليه.

وقال ابن زبالة : أخاف المسجد من شرقيه في سلطان محمد بن عبد الله بن سليمان

١٣٧

الربعي من ولد ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب من ناحية موضع الجنائز ، فأمر به فبنى ، وتعلم مقام جبريلعليه‌السلام بحجر ونقش فيه خاتم سليمان ومشق لأن يعرف به مقام جبريل ، ومقام جبريل يمناه داخل في المسجد ، فبلغ ذلك مالك بن أنس ، فتكلم فيه وأنكره وعابه ، فغير وجعل مكانه حجر طويل مصمت لا علم فيه مخالف لحجارة المسجد ، انتهى ؛ فيحتمل أن يريد بقوله «ومقام جبريل يمناه داخل المسجد» الموضع المتقدم ذكره من الحجرة الشريفة ، ويحتمل أن يريد أن الباب قد قدم عن محله الأول في محاذاته ، فصار مقام جبريل داخل المسجد في محاذاة ذلك ، ويرجح هذا أن الظاهر أن الأصل في مقام جبريل ما قدمناه في غزة بني قريظة من رواية صاحب الاكتفاء أن جبريلعليه‌السلام أتى في ذلك اليوم على فرس عليه اللأمة حتى وقف بباب المسجد عند موضع الجنائز ، وإن على وجه جبريل لأثر الغبار ، اه ؛ فلذلك سمي الباب المذكور بباب جبريل ؛ إذ لم يكن حينئذ للمسجد باب في ناحية الجنائز غيره.

وفي رواية البيهقي عن عائشةرضي‌الله‌عنها قالت : كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم عندنا ، فسلم علينا رجل ونحن في البيت ، فقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فزعا ، فقمت في أثره ، فإذا بدحية الكلبي ، فقال : هذا جبريلعليه‌السلام يأمرني أن أذهب إلى بني قريظة ، والله أعلم.

كسوة الحجرة النبوية

وأما كسوة الحجرة الشريفة فقد ذكر ابن النجار ما قدمناه في تأزير الحجرة الشريفة بالرخام وعمل الجواد الأصبهاني في الشباك المتخذ من خشب الصندل المتقدم وصفه على جدارها ، ثم قال : ولم تزل الحجرة الشريفة على ذلك حتى عمل لها الحسين بن أبي الهيجاء صهر الصالح وزير الملوك المصريين ستارة من الديبقي الأبيض ، وعليها الطروز والجامات المرقومة بالإبريسم الأصفر والأحمر ، ونيطها وأدار عليها زنارا من الحرير الأحمر ، والزنار مكتوب عليه سورة (يس) بأسرها ، وقيل : إنه غرم على هذه الستارة مبلغا عظيما من المال ، وأراد تعليقها على الحجرة ، فمنعه قاسم بن مهنى أمير المدينة وقال : حتى تتأذن الإمام المستضيء بأمر الله.

فبعث إلى العراق يستأذن في تعليقها ، فجاءه الإذن في ذلك ، فعلقها نحو العامين ، ثم جاءت من الخليفة ستارة من الإبريسم البنفسجي عليها الطرز والجامات البيض المرقومة وعلى دوران جاماتها مكتوب بالرقم : أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وعلى طرازها اسم الإمام المستضيء بأمر الله ، فشيلت تلك ونفذت إلى مشهد علي بن أبي طالب بالكوفة ، وعلقت هذه عوضها ، فلما ولي الإمام الناصر لدين الله نفذ ستارة أخرى من الإبريسم الأسود ، وطرزها وجاماتها من الإبريسم الأبيض ، فعلقت فوق تلك ، فلما حجت الجهة أم الخليفة

١٣٨

وعادت إلى العراق عملت ستارة من الإبريسم الأسود أيضا على شكل المذكورة ونفذتها فعلقت على هذه ، ففي يومنا هذا على الحجرة ثلاث ستائر بعضهن على بعض ، انتهى.

وهو يقتضي أن ابن أبي الهيجاء أول من كسا الحجرة في خلافة المستضيء بأمر الله ، وكانت خلافته في سنة ست وستين وخمسمائة ، ومات سنة خمس وسبعين وخمسمائة ، وفي كلام رزين ما يقتضي مخالفته ؛ فإنه قال في ضمن كلام نقله عن محمد بن إسماعيل ما لفظه : فلما كانت ولاية هارون أمير المؤمنين وقدمت معه الخيزران أمرت بتخليق مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وتخليق القبر وكسته الزنانير وشبائك الحرير ، انتهى.

وقد رأيت في العتبية ما يصلح أن يكون مستندا في أصل الكسوة ، فإنه قال في أوائلها : قيل لمالك : قلت إنه ينبغي أن ينظر في قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم كيف يكسون سقفه ، فقيل : يجعل عليه خيش ، فقال : وما يعجبني الخيش ، وإنه ينبغي أن ينظر فيه ، انتهى.

قال ابن رشد في بيانه : كره مالك كشف سقف قبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ورأى من صونه أن يكون مغطّى ، ولم ير أن يكتفي من ذلك بالخيش ، وكأنه ذهب إلى أن يغطي بتغطية البيوت المسكونة ، ولقد أخبرني من أثق به أنه لا سقف له اليوم تحت سقف المسجد ، انتهى.

وقد يضم إلى ذلك أنه إنما جاز كسوة الكعبة لما فيه من التعظيم ، ونحن مأمورون بتعظيم النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وتعظيم قبره من تعظيمه ، وهذا أولى بالجواز مما سيأتي عن السبكي في مسألة القناديل من الذهب حيث سلك بها هذا المسلك ، وليس في كلام ابن زبالة ويحيى تعرض لأمر كسوة الحجرة ، ولعله لأنها إنما حدثت بعدهما ، مع أن ابن زبالة ذكر ما قدمناه في كسوة المنبر الشريف وجعل الستور على الأبواب ، ونقل أن كسوة الكعبة كان يؤتى بها المدينة قبل أن تصل إلى مكة ، فتنشر في مؤخر المسجد ، ثم يخرج بها إلى مكة ، ولم يذكر للحجرة كسوة.

ثم ذكر تخليق الحجرة والمسجد فقال : وقدمت الخيزران أم موسى أمير المؤمنين المدينة في سنة سبعين ومائة ، فأمرت بمسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فخلّق ، وولي ذلك من تخليقه مؤنسة جاريتها ، فقام إليها إبراهيم بن الفضل بن عبيد الله بن سليمان مولى هشام بن إسماعيل فقال : هل لكم أن تسبقوا من بعدكم وأن تفعلوا ما لم يفعل من كان قبلكم؟ قالت له مؤنسة : وما ذلك؟ قال : تخلّقون القبر كله ، ففعلوا ، وإنما كان يخلق منه ثلثاه أو أقل ، وأشار عليهم فزادوا في خلوق أسطوان التوبة والأسطوان التي هي علم عند مصلّى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فخلقوهما حتى بلغوا بهما أسفلهما ، وزادوا في الخلوق في أعلاهما ، انتهى ولو كان لكسوة الحجرة وجود في زمانه لتعرض له.

واعلم أن في عشر الستين وسبعمائة في دولة السلطان الصالح إسماعيل بن الملك

١٣٩

الناصر محمد بن قلاون اشترى قرية من بيت مال المسلمين بمصر ، ووقفها على كسوة الكعبة المشرفة في كل سنة ، وعلى كسوة الحجرة المقدسة والمنبر الشريف في كل خمس سنين مرة ، هكذا ذكره التقي الفاسي في شفاء الغرام.

وذكره الزين المراغي إلا أنه قال في الوقف على كسوة الحجرة : في كل ست سنين مرة ، تعمل من الديباج الأسود المرقوم بالحرير الأبيض ، ولها طراز منسوج بالفضة المذهبة دائر عليها ، إلا كسوة المنبر فإنها بتقصيص أبيض.

قلت : وما ذكراه من المدة المذكورة بالنسبة إلى الحجرة كأنه كان معمولا به في زمانهما ، وأما في زماننا فيمضي عشر سنين ونحوها ولا تعمل ، نعم كلما ولي ملك بمصر فإنه يعتني بإرسال كسوة.

وذكر الحافظ ابن حجر في الكلام على كسوة الكعبة أن الصالح هذا اشترى حصة من بلد يقال لهل سندبيس ، اشترى الثلثين منها من وكيل بيت المال ، ووقفها على هذه الجهة ، ولم يتعرض لكسوة الحجرة ، فلعل الثلث الثالث الذي لم يذكره يتعلق بكسوة الحجرة لما قدمناه ، ويحتمل أن ما يرد من الكسوة من جهة الملوك ، لا من وقف ، وعادتهم إذا وردت كسوة جديدة قسم شيخ الخدام الكسوة العتيقة على الخدام ومن يراه من غيرهم ، ويحمل إلى السلطان بمصر منها جانبا ، وحكم بيع كسوة الحجرة كحكم بيع كسوة الكعبة ، وقد اختلف العلماء في ذلك قديما ، وفي المسألة عندنا وجهان.

وقال الحافظ صلاح الدين خليل العلائي : إنه لا يتردد في جواز ذلك الآن ؛ لأن وقف الإمام للضيعة المتقدمة على الكسوة كان بعد استقرار هذه العادة والعلم بها ، فينزل لفظ الواقف عليها ، انتهى ، والله أعلم.

الفصل الخامس والعشرون

في قناديل الذهب والفضة التي تعلق حول الحجرة الشريفة ،

وغيرها من معاليقها

القناديل

اعلم أني لم أر في كلام أحد ذكر ابتداء حدوث ذلك ، إلا أن ابن النجار قال ما لفظه : وفي سقف المسجد الذي بين القبلة والحجرة على رأس الزوار إذا وقفوا معلّق نيف وأربعون قنديلا كبارا وصغارا من الفضة المنقوشة والساذجة ، وفيه اثنان بلور ، وواحد ذهب ، وفيها قمر من فضة مغموس في الذهب ، وهذه تنفذ من البلدان من الملوك وأرباب الحشمة والأموال ، انتهى.

١٤٠