وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى الجزء ٢

وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى0%

وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى مؤلف:
المحقق: خالد عبد الغني محفوظ
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف: مكتبة الحديث وعلومه
الصفحات: 282

وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى

مؤلف: نور الدين علي بن أحمد السّمهودي
المحقق: خالد عبد الغني محفوظ
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف:

الصفحات: 282
المشاهدات: 28629
تحميل: 724


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 282 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 28629 / تحميل: 724
الحجم الحجم الحجم
وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى

وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى الجزء 2

مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
العربية

شامي أسطوان الوفود إلى جهة باب الحجرة الشامي ، والشيعة اليوم يصلون في ذلك الموضع ، ومقتضى ما قدمناه عن ابن النجار في بيت فاطمةرضي‌الله‌عنها ـ حيث قال : وبيتها اليوم حوله مقصورة ، وفيه محراب ، وهو خلف حجرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ وجود مقصورة هناك قبل حريق المسجد ، فلعل ذلك مستند الظاهر ركن الدين في إحداث ذلك.

وقد ذكر المطري ما صنعه الظاهر من هذه المقصورة ، ثم قال : وظن الملك الظاهر أن ما فعله تعظيما للحجرة الشريفة ، فحجر طائفة من الروضة المقدسة مما يلي بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ومنع الصلاة فيها ، مع ما ثبت من فضلها وفضل الصلاة فيها ، فلو عكس ما حجره وجعله خلف بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم من الناحية الشرقية وألصق الدرابزين بالحجرة مما يلي الروضة لكان أخفّ ؛ إذ الناحية الشرقية ليست من الروضة ولا من المسجد المشار إليه ، بل مما زيد في المسجد أيام الوليد ، قال : ولم يبلغني أن أحدا من أهل العلم والصلاح ممن حضر ولا ممن رآه بعد تحجيره أنكر ذلك ، أو تفطن له وألقى له بالا ، وهذا من أهم ما ينظر فيه.

قال الزين المراغي عقبه : ينبغي أن يعلم أن للظاهر سلفا في ذلك ، وهو ما حجره عمر بن عبد العزيز على الحجرة الشريفة من جهة الروضة أيضا ، لكنه قليل ، انتهى.

قلت : وهذا بناء على ما تقرر عنده من أن جدار الحجرة الذي داخل الحائز هو نهاية المسجد في زمنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقد قدمنا في حدود المسجد ما يرد ذلك ، ولو سلّم أن ذلك نهاية المسجد وأن عمر بن عبد العزيز اتخذ الجدار المذكور فيه فذلك لمصلحة حفظ القبر الشريف ، ولجعل بنائه على هيئة لا يتأتى معها استقبال القبر الشريف كما قدمناه ، وهذه المقصورة بضد ذلك ، والله أعلم.

وقال البدر بن فرحون في ترجمة ولي الله سيدي الشيخ علي الواسطي ما لفظه : حكى لي جمال الدين ـ يعني المطري ـ أن الشيخ بعث إلى الملك الناصر يقول له : أنا أضمن لك على الله تعالى قضاء ثلاث حوائج إن قضيت لي حاجة واحدة ، وهي إزالة هذا الشباك الذي على الحجرة الشريفة ، يعني هذه المقصورة ، فبلغه ذلك ، فتوقف ولم يفعل.

قال البدر بن فرحون : وليته فعل ؛ فإن الشباك الذي يدور على الحجرة قطع جانبا من المسجد ، وحجر كثيرا من الروضة ، وفي كل زمان يجدد ويعمر بما يتقوى به ويتأيد ، وأدخل فيه قطعة كبيرة لما أزيلت المقصورة ، يعني المتقدم ذكر إزالتها.

وقال المجد الشيرازي ، عقب ذكره لما تقدم عن المطري : والذي ذكره موجّه ، غير أن أحد الأبواب مفتوح دائما لمن قصد الدخول والزيارة ، فيمكن من أراد الصلاة الدخول والوقوف مع الصف الأول في الروضة ، ولا يخفى أن في تقريب الدرابزين من الحجرة إخراجا للبناء عن وضعه اللائق ، وأيضا فيه تضييق عظيم على الزائرين ، لا سيما عند زحام

١٦١

المواسم ؛ فإنه مع هذا الاتساع ينخنق المكان بالخلق ، فكيف لو ضيق بحيث يتصل الدرابزين بجدار الحجرة؟ لا يقال : إنه كان يتسع من جهة المشرق للزائرين ؛ لأن الناس إنما يقصدون هذه الجهة لكون الرأس الشريف هناك ، وليكون الابتداء بالتسليم على النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم دون أن يتخطوا الشيخينرضي‌الله‌عنهما ، فتأمل ذلك فإنه صحيح. قال : وهذه الكيفية لا مزيد عليها في الحسن ، ولم يتعطل شيء من الروضة بسبب ذلك ، بل بسبب كسل المصلين ، وقد رأيت جماعة من الخدام يصلون داخل الدرابزين أيام الجمعة ، انتهى.

قلت : وما ذكره صحيح بالنسبة إلى زمنه ؛ فإن الباب المذكور كان مفتوحا في سائر الأوقات. وقد نبه على ذلك ابن جماعة في منسكه ، محاولا غلقه في المواسم فقط ، فقال : إن هذا الدرابزين حجر طائفة من الروضة الشريفة مما يلي بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وصار ما بين الحجرة والدرابزين مأوى للنساء بأولادهن الصغار في أيام المواسم ، وربما قذر الصغار فيه ، وقد تحدثت مع الملك الناصررحمه‌الله لما حج وزار سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة في غلق الدرابزين أيام الموسم ، فسكت لما ذكرته ، ولم يجبني بشيء ، وهذا من أهم ما ينظر فيه ، انتهى. فحدث بعد ذلك غلق الأبواب كلها دائما ، ولا يفتح منها شيء إلا في وقت إسراج القناديل ونحوه ، ولا يدخل لذلك إلا بعض الخدام والفراشين أو بعض من له وجاهة بإذن شيخ الخدام ، فيدخل للزيارة ليلا ، وتحقق بسبب ذلك تعطيل تلك البقعة ، وحرم الناس التبرك بأسطوان السرير ؛ فإن محله في شرقي أسطوانة كما تقدم ، وكذلك الوقوف للزيارة في موقف السلف بينها وبين الحجرة الشريفة أو على نحو أربع أذرع من جدار القبر على ما يأتي بيانه ، وكذلك التبرك بمربّعة القبر ومقام جبريل كما قدمناه ، وبيت فاطمةرضي‌الله‌عنها ، فإن ذلك كله في جوف المقصورة ، بل كانت هذه المقصورة سببا لما هو أعظم من ذلك وأطم ، وهو ابتناء دعائم القبة المتقدم ذكرها بأرضها ، فإنها صارت عند العوام بل وعند من لا إحاطة له بأحوال المسجد أنها ليست من المسجد ، بل من الحجرة ، فعاملوها معاملة غير المسجد ، ولما وقعت المفاوضة في عملها صرّحت بتحريم ذلك ، فأشار بعضهم بعمل القبة المذكورة على رءوس الأساطين من غير بناء ، ثم رجعوا عن ذلك وأنا غائب بمصر.

وسبب غلق الأبواب المذكورة أن النجم بن حجي قاضي الشام لما حج في الموسم الشامي رأى ازدحام الناس بذلك المحل وما أشار إليه ابن جماعة فيما تقدم عنه ، فأفتى بغلقها ،

وخالفه الولي العراقي عند قدومه مع الحاج المصري فأفتى بفتحها. وأخبرني بعض مشايخ الحرم أن ذلك كان في سنة اثنين وعشرين وثمانمائة وأن الحال استمر على ما أفتى به الولي العراقي ، فلما ولي النجم بن حجي ديوان الإنشاء تسبب في بروز المراسيم السلطانية

١٦٢

بالأمر بالغلق سنة ثمان وعشرين ، واستمر ذلك إلى اليوم ، كذا أخبرني به بعض مشايخ الحرم. ورأيت حاشية على كلام المجد بخط الحافظ جمال الدين بن الخياط اليمني ، ولفظها : ومما أحدث في دولة الملك الأشرف برسباي صاحب مصر والشام بعد الثلاثين وثمانمائة سمرت أبواب الدرابزين المذكور ، وصار الناس يزورون من وراء الدرابزين من غير دخول أحد إلى الحجرة الشريفة ، قصدوا بذلك زيادة الحرمة ، وتنزيه المشهد الشريف عن كثرة اللامسين بالأيدي وغيره ؛ فإن كثيرا من جهال العرب وغيرهم يلصقون ظهورهم بصندوق القبر الشريف وجداره ، قاصدين بذلك التبرك ، والخير كله في استعمال الأدب ، انتهى.

قلت : والصواب المتعين وجوب فتح بعض تلك الأبواب ، خصوصا في غير أيام الموسم ، وليس الطريق في إزالة المفسدة المذكورة غلق تلك الأبواب وتعطيل تلك البقعة ، بل وقوف الخدام عند ذلك المحل ، ومنع من يتعاطى فيه ما لا يليق بالأدب ، على أن ذلك لم يحسم المادة ؛ لأن تلك الأمور ـ أعني لمس الجهال ووضعهم الظهور ـ يفعل اليوم بهذا الدرابزين ، ولا شك أن الجدار الذي كان يفعل به ذلك ليس هو نفس القبر ، بل ولا جدار الحجرة كما قدمناه ، بل جدار آخر دائر به ، كما أن هذه المقصورة دائرة به ، فإن كان ذلك يقتضي تعطيل ذلك المحل ، فليعطل من أجله المسجد بأجمعه ، وتعطيل المسجد أو شيء منه حرام فلا يرتكب لدفع مكروه مع إمكان دفعه بغيره ، وما يقال من أنه ربما وجد في بعض المواسم هناك قذر ؛ فقد كان شيخنا شيخ الإسلام فقيه العصر شرف الدين المناوي يقول في جوابه : لا شك أن ذلك المحل من المسجد ، فإن كان وجود القذر فيه مقتضيا لتعطيله وصيانته بالغلق فليغلق المسجد بأجمعه ، فإن حكم الكل واحد من حيث وجوب صونه واختصاص ما تقرب من المحل الشريف بمزيد التعظيم حاصل بالجدار الكائن عليه ، وطريق التعظيم المنع من ذلك كما قدمناه ، على أن لمس جدار القبر وتقبيله ليس مما أجمع على كراهته كما سنوضحه إن شاء الله تعالى في باب الزيارة.

ولما قدم مولانا السلطان الملك الأشرف قايتباي أعز الله أنصاره المدينة الشريفة للزيارة سنة أربع وثمانين وثمانمائة واجتمعت به بالروضة الشريفة أردت أن أتكلم معه في فتح بعض تلك الأبواب في غير أيام الموسم ، فرأيته قد تعاظم دخول هذه المقصورة لما عرض عليه ذلك. وقال : لو أمكنني الوقوف للزيارة في أبعد من هذا الموضع فعلت ، ورأى أن ذلك هو التعظيم ، فعلمت أنه لا يوافق على ما أريده ، والله أعلم.

١٦٣

الفصل الثامن والعشرون

فيما تجدد من عمارة الحجرة الشريفة في زماننا على وجه لم يخطر قط

بأذهاننا ، وما حصل بسببه من إزالة هدم الحريق الأول من ذلك المحل

الشريف ، ومشاهدة وضعه المنيف ، وتصوير ما استقر عليه أمر الحجرة في

هذه العمارة

اعلم أن بعض سقف المسجد التي تقدم تجديدها كان قد ظهر تكسّر بعض أخشابه في هذه الدولة الأشرفية ـ أعز الله أنصارها ، وأعلى في سلوك العدل منارها ـ فورد المدينة المقر الأشرف السيفي شاهين الجمالي منصرفه من جدة المعمورة ، فأروه ذلك ، وأروه الحائز المخمس الدائر على الحجرة الشريفة لانشقاق فيه قديم يظهر إذا رفعت الكسوة عند منتهى الصفحة الشرقية وانعطافها إلى الزاوية الشمالية ، فرفعوا عنه الكسوة ، وأحضروا بعض أرباب الخبرة بسبب ذلك ، فاختلف النقل عمن حضر ذلك في كونه ضروريا أو غير ضروري ، فاجتمعت بالمشار إليه بسبب ذلك ، فذكر لي أن الذي تحرر أنه ليس بضروري ؛ لأنه شق في طول الحائط لا في عرضه ، وهو قديم مملوء بالجص ، والحائط ليس عليه سقف يثقله فنخشى عليه ، فأعجبني كلامه.

ثم أنهى في سنة ثمان وسبعين لمولانا السلطان الأشرف احتياج المسجد الشريف للعمارة ، وسقوط منارة مسجد قباء ، وكان الجناب الخواجكي الشمسي بن الزمن مغرما بمثل ذلك ، وسبق له بالمدينة الشريفة عمارة لمدرسته المعروفة بالزمنية على يد بعض جماعته ، ففوض إليه السلطان أمر عمارة المسجد النبوي ، فكان ما تقدم من مجيئه إلى المدينة الشريفة في أثناء سنة تسع وسبعين ، وتقريره أمر العمارة ، ثم توجه إلى مصر المحروسة ، فكان من أمر العمارة ما قدمناه.

ثم رغب في أمر العمارة المقر الشرقي شرف الدين الأنصاري تغمده الله برحمته ففوض له ذلك ، وحضر صحبة الحاج إلى مكة المشرفة ، وأقام بها مدة حتى يتكامل حصول آلات العمارة ، فتوفى بها ليلة سابع عشر صفر عام أحد وثمانين وثمانمائة بعد شكوى خفيفة.

ثم وردت المراسيم الشريفة بتفويض أمر العمارة للجناب الشمسي بن الزمن وكان بجدة المعمورة فورد المدينة الشريفة صحبة شاد جدة في جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين ، وأحضر معه جماعة من أرباب الصنائع ، وأقام لينظر في أمر العمارة بنفسه ، فكان ما تقدم من إصلاح السقف الأعلى وعمارة غيره من السّقف المتقدم ذكرها ، وإحكام القبة الزرقاء المحاذية للحجرة الشريفة بسقف المسجد ، وإصلاح حلية الصندوق الكائن بأصل الأسطوان التي في جهة الرأس الشريف والقائم المجدد فوقه.

١٦٤

ولما نزعوا القائم العتيق وما تحته من الصندوق وجدوا ما تحت ذلك من أحجار الأسطوانة المذكورة متشطبا ، وأحجارها قطع مجوفة كالخرز ، وكذا كل أساطين المسجد العتيقة ، وفي جوفها الرصاص وعمد الحديد ، وأهل المدينة يسمون كل قطعة منها خرزة ، ويسمونها أيضا فلكة ، فاقتضى رأيهم تعميق ما على رأس الأسطوان المذكور من أخشاب السقف ، فجعلوا مرمة من الأخشاب حول الأسطوان المذكور ليكسروا الخرز المشقق من ذلك الأسطوان ، وهن ست ، ثم يعلقون ما صح من الأسطوان إلى أن يدخلوا مكان ذلك بدله ، ثم شرعوا في كسر تلك الخرز ونزعها ، فتعسر ذلك عليهم ، وحصل بسببه دق عنيف ، حتى كانت جدران الحجرة تهتز له لاتصالها بالأسطوان المذكور ، فحصل بسبب ذلك كلام من الناس ، ولكن بعد كسر بعض الخرز وإخراجه ، وكانوا يعالجون في إخراج الرصاص أيضا علاجا أعظم من العلاج في الحجر ، فعقدوا مجلسا ، وطلبني متولي العمارة للحضور فيه ، فترددت لأنه بلغني أن بعض الناس أوغر صدره مني وقرر عنده أني حريص على ألّا تكون هذه العمارة على يده ، وكنت أرى منه محبة وميلا ثم تنكر بعض التنكر ، وعلمت أن الرجوع عن إصلاح الأسطوانة المذكورة غير ممكن لكسر بعضها وإخراجه ، فعلمت فوات وقت النظر ، فأجبت الرسول بذلك ، ولم أحضر معهم مع علمي بأن بعض أهل المجلس كان مغري بمخالفة ما أشير به ، وإن كان في غاية الوضوح ، سامحه الله ، ثم افترقوا على إتمام ذلك ، فمكثوا أياما يعالجونه حتى تم ، وأعادوا مكان تلك الخرزات الست مثلها من خرز أسطوان نقضوه من أساطين مسجد قباء ، فكان ذلك بقدر تلك الخرز سواء ، وأحكموا إعادتها بالرصاص وعمد الحديد أحسن إحكام.

وقد كنت أستبعد قدرتهم على ذلك ، وأتعجب من قيام بقية الأسطوان من أعلاه ، مع رفع أسفله ، وكونه كالجبل من الحجر والرصاص ، ولكن ساعدهم المدد المحمدي في ذلك مع حسن معرفة المعلم المباشر لسبك الرصاص.

ثم كان ما تقدم من إعادة الصندوق المذكور والقائم فوقه إلى محلهما ، ونقض الرخام المؤزّر به جدار الحجرة الظاهر وتجديده كما تقدم ، وعند قلع رخام الصفحة الآخرة من الزاوية الشمالية إلى الصفحة الشرقية مع ما يليها من صفحة المشرق عند منعطفها ظهر الشق المتقدم ذكره وهو انشقاق قديم سدّ الأقدمون خلله بكسر الآجر وأفرغوا فيه الجص وبيضوه بالقصّة فانشق البياض من رأس وزرة الرخام إلى رأس الجدار المذكور ، فأرادوا اختبار ما تحت البياض ليعلموا قدره ، فقشروا البياض عنه ، وأخرجوا ما في خلله من الجص والآجر ، فظهر من خلله بناء الحجرة المربع الذي هو جوف البناء المخمس المذكور فظهر منه ملتقى حائطه الشامي وحائطه الشرقي ، وظهر هناك شق أيضا في جدار الحجرة الداخل عند ملتقى

١٦٥

الجدارين المذكورين تدخل اليد فيه ، وهو قديم أيضا ، وقد سدّه المتقدمون ، ثم اتّسع قليلا على دوام الأيام.

فلما كان عشية السبت ثالث عشر شعبان عقدوا مجلسا في جوف المقصورة عند الجدار المذكور ، حضره القضاة والمشايخ والخدام وشيخهم الأمير إينال ، وطلبوني لذلك المجلس ، فترددت في الحضور لما قدمته ، ثم توضأت وصليت صلاة الاستخارة وسألت الله أن يلهمني السداد والصواب ، وحضرت فوجدت الأمر قد اتفق عليه ، وشاهدت ما قدمته من وصف ذلك ، ورأيت على ذلك البناء الداخل من الهيبة والأنس ما لا يوصف ولا يدرك إلا بالذوق ، وتحرر لي أن سبب انشقاق الجدار الظاهر انشقاق الجدار الداخل وميلانه نحو الجدار الظاهر وكأن الأقدمين لما رأوا انشقاق الجدار الداخل ـ ولعل رؤيتهم لذلك والله أعلم عقب الحريق عند ما أحدثوا السقف المتقدم وصفه على الحجرة الشريفة ـ أدعموا الجدار الداخل بأخشاب جعلوها بين الجدار الداخل والخارج عند رأسهما في شرقي الحجرة ، فمال الجدار الظاهر من أعلاه بحيث صار أعلاه لا يوازي أسفله ، وخرج بسبب ذلك عن الاستقامة ، فحدث فيه الشق المذكور ، ورأيت الحاضرين بين ساكت ومشير ، فترجح عندي سلوك رأي ابن عباسرضي‌الله‌عنهما في أمر الكعبة ، حيث أشار بترميمها فقط ، ورأيت أن ما يطلب هنا من الأدب أوجب مما يطلب هناك ، فحاولت إدعام البناء الظاهر ببناء ، فلم أوافق عليه ، فسألت مهندس العمارة ـ وكان أعرف الحاضرين بهذا الأمر ـ هل تحققت الآن إشراف هذا الجدار على السقوط وأنه لا يتأتى تأخيره ، أم يحتمل التأخير مدة إذا رمّ بالجص والآجر كما كان أوّلا فيؤخر إلى أن يصير غير محتمل للتأخير ؛ فإنه لا يفعل هنا إلا ما تدعو إليه الضرورة في الحال؟ فقال : الترميم شيء وقطع الفرط شيء آخر ، ثم سأل متولي العمارة عن كيفية ما يكتب ليطالع به المسامع الشريفة ، فقال له القاضي الزكوي قاضي الشافعية وأحد الناظرين سامحه الله تعالى : سرّح العمال غدا للهدم وكتابة المحضر علينا ، وخافت متولي العمارة بالإنكار عليه في إحضاري ، وحثّه على الإعراض عن كلامي.

ثم إن متولي العمارة ذكر لي أنه رأى رؤيا فهم منها الهدم ، فصمّم عليه ، ورأيت عنده من شجاعة الجنان وثبات الجأش في هذا الأمر ما لا يوصف ، وبلغني أن بعض الناس ذكر له أن ما سبق من كلامي دليل على ما كان قد ألقاه إليه من حرصي على ألّا تكون هذه العمارة على يده ، وأن لا يفوز بهذه المنقبة العظيمة التي لم يسبق إليها ، ومن يسمع يخل ، ولكني أشهد الله ورسوله على أني لم أرد سوى محض الوفاء بما أوجبه الله علينا من الأدب مع حبيبهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ومن بدل النصيحة.

ثم في صبيحة الرابع عشر من شعبان المذكور شرعوا في هدم المحل الشريف المتقدم

١٦٦

ذكره من الجدار الظاهر ، فهدموا جانبا من الصفحة الشرقية وجانبها مما يليها من الصفحة المنحرفة منها إلى جهة الزاوية الشمالية ، وسعة ذلك خمسة أذرع بذراع اليد ، وذلك من بعد نحو أربعة أذرع من الأرض إلى رأس الجدار المذكور ، فظهر حينئذ هدم الحريق الذي في الفضاء الكائن بين جداري الحجرة الشريفة ، ورأينا فيه كثيرا من الأخشاب المحترقة قد سلم من بعضها قدر الذراع ونحوه.

ثم في خامس عشر الشهر المذكور حضروا لتنظيف ذلك ، وتوجه متولي العمارة لشيخنا العارف بالله تعالى سيدي شهاب الدين الأبشيطي قدس الله روحه ، وسأله في الحضور للتبرك به ، فحضر من خارج الجدار ، وامتنع من الدخول وقرأ الفاتحة ، وقال : نظفوا على بركة الله ، ثم انصرف وقال لي بعد ذلك : ذكروا لنا أن هدم ذلك ضروري ، فقلنا لهم : الضروري يعمل ، فلما دخلوا لإزالة ذلك شاهدت أمرا مهولا من ردم الحريق بحيث لم يتأت إزالته إلا بالعتل والمساحي ، وتحققت بسبب ذلك عذر من أدرك زمن الحريق في عدم إزالة ما بالحجرة الشريفة منه كما قدمناه ، وكان ارتفاعه في ذلك المحل نحو القامة ، وهو ردم من السقف الأعلى وجص وآجر من الجدار الذي كان بأعلى سقف المسجد لتمييز الحجرة الشريفة عن غيرها ، كما تقدم بيانه ، ومما كان على رءوس الأساطين ومما احترق من أخشاب ذلك ، فاشتغلوا بتنظيفه وتزاحم الناس عليه فاستمروا في ذلك حتى بلغوا في تنظيفه الأرض القديمة ، بحيث ظهر تحصيب ذلك المحل بحصباء تشبه ما في المسجد ، غير أنها قد اسودّت من نداوة الأرض ، واعتبرت التفاوت بين الأرض المرخمة خارج الجدار الظاهر والأرض المذكورة بداخله ، فكانت الأرض المذكورة ـ أعني الداخلة بين الجدارين ـ أخفض من الخارجة بذراع وثلث بذراع اليد ، وظهر من وصف البناء الداخل ما قدمناه في الفصل الثاني والعشرين من كونه مربعا بأحجار منحوتة عليها أبهة عظيمة ، وأن الصفحة الغربية منه ملاصقة للصفحة الغربية من البناء الظاهر ، وليس بينهما ولا مغرز إبرة ، وأنه لا باب فيه ولا موضع باب ، وفي الصفحة الشمالية لا صق بها الأسطوان التي قدمنا وصفه ، وأن بعضه داخل في الصفحة المذكورة ، وقد أثر فيه الحريق كما قدمناه حتى تشطب بعضه سيما في أعاليه وهو في صف مربعة القبر يليها من جهة المشرق.

وتبين حينئذ ما في الجدار الداخل من الانشقاق المتقدم وصفه في شماليه مما يلي المشرق ، فأدخلوا فيه شمعة ، فشاهدوا فيما يقابله من الجدار القبلي مما يلي المشرق أيضا انشقاقا مثله ، وتبين لي أن البناء المتقدم وصفه بين الجدارين القبليين في موازاة الأسطوانة الظاهرة في الجدار القبلي التي يقف عندها المسلّم على عمررضي‌الله‌عنه إنما جعل إدعاما للجدار المذكور لما حدث به ذلك الانشقاق ، وظهر ما أدعموا به من الأخشاب بين الجدار

١٦٧

الداخل والخارج في جهة المشرق على ما قدمناه ، فتردد متولي العمارة في نقب الجدار الشامي لإحكام ذلك الشق وترميم الشق المقابل له.

ثم عزم على هدم الجدار المذكور ـ أعني : جدار الحجرة الداخل من جهة الشام ـ بأجمعه ، فبدأ برفع السقف الذي وجد على الحجرة نفسها كما قدمناه ، وحينئذ ظهر لهم ساحة الحجرة الشريفة ، وستر الله تعالى القبور الشريفة عن الأعين بالردم ، ثم علمت أن هذا الموطن يطلب فيه من التثبت والأدب التام ما لا يطلب في غيره ، فانصرفت عازما على أن لا أحضر معهم ما داموا في تعاطي الهدم وأن أحضر معهم في البناء. ثم أفاضوا في عقد قبة سفلية على جدار الحجرة الداخل رعاية الإتقان والإحكام فكرهت ذلك لعلمي أنه يجر إلى هدم معظم الحجرة مع ما فيه من تغيير الهيبة الأولى.

ثم في حادي عشر شعبان المذكور أجمعوا أمرهم على ذلك ، فشرعوا في هدم الجدار الشامي والشرقي من البناء الداخل ، فوجدوا في الجانب الذي يلي المغرب من الجدار الشامي ، وكذا فيما يقابله من القبلي ، وكذا في الغربي عند ما هدموا أسفل السترة المبنية على السقف المحترق بين فصوص الأحجار وأعلاها مع رأس الجدر المذكورة لبنا غير مشوى طول اللبنة منه أرجح من ذراع وعرضه نصف ذراع ، وسمكه ربع ذراع ، وطول بعضه وعرضه وسمكه واحد وهو نصف ذراع ، ولم يجدوا مثل ذلك في الجدار الشرقي ، ولا فيما يليه من الشامي والقبلي ، وقد عاب بعض الناس على الأقدمين في وضعهم ذلك في الجدار ، ونسبهم به إلى التقصير ، وربما قال : إن البنائين زمن الوليد لما أمر ببناء المسجد على يد عمر بن عبد العزيز كانوا كفارا ، وإن ذلك من غشهم ، وهذا جهل من قائله.

وقد قدمنا من شرح حال بناء الحجرة ما فيه كفاية ، وتقدم أن عمر بن الخطاب أو ابن الزبير هو الباني للحجرة على ما رواه ابن سعد ، ولو سلّم أن تلك البناية في ولاية عمر بن عبد العزيز للعمارة المتقدمة فهو أتقى لله من أن يهمل قبر نبيه بيد الكفار حتى يغشوا في بنائه بمثل ذلك. وقد ظهر لي في ذلك أن السلف لما بنوا الحجرة الشريفة بالأحجار لقصد الإحكام والبقاء ، وكان ما عدا الأساس منها مبنيا باللبن في عهدهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كما يؤخذ مما قدمناه ، فرأوا أن لا يخلو بناؤهم من بركة ذلك اللبن ، فوضعوا منه ما رأوا فيه الصلابة بين الأحجار المبنية بالقصّة ، ولو لا إتقان ذلك البناء لما مكث هذه المدة المديدة ، والعجب أن الخلل والانشقاق لم يحصل إلا في الناحية الخالية منه ، وقد قدمنا أن الذي يظهر أن تلك الناحية سقطت وأعيدت ، واختلاف البناءين شاهد بذلك ، حتى إن الجدار الشرقي لم يكن مبنيا بالحجارة الموجّهة إلا من داخله دون خارجه ، وعرض منقبته أقل من عرض بقية الجدر. ولما بلغوا في هدم الجدار الشامي أرض الحجرة الشريفة شرعوا في تنظيف الردم الساتر للقبور

١٦٨

الشريفة ، وذلك في صبيحة الثالث والعشرين من شعبان المذكور ، ومكثوا في ذلك إلى غروب الشمس مع كثرتهم حتى بلغني أن الحجرة الشريفة امتلأت بهم ، ولم يخصوا مكانا دون مكان ، فظنوا أن القبر الشريف النبوي قريبا من وسط الحجرة ، وليس كذلك كما سنبينه ، ووضعوا ما أخرجوه من الردم عند طرف المسقف الغربي في زاويته المتصلة بمسقف الدكاك ، وبنى عليه متولي العمارة تلك الدكة البارزة هناك. ثم وفّى القضاي الزكوي بما وعد به متولي العمارة من كتابة المحضر ، وكتب فيه أهل المدينة ، ولم أكتب فيه ، واعتذرت بأنه لم يسبق لي عادة بمثل ذلك ، وبعثوا به إلى مصر المحروسة ، فلما كان في صبيحة الخامس والعشرين من الشهر المذكور بعث إليّ متولي العمارة لأتبرك بمشاهدة الحجرة الشريفة بعد تنظيفها ، وصار قائل يقول : ظهر القبر الشريف ، وقائل يقول : لم يجدوا لجميع القبور الشريفة أثرا ، فحثّني داعي الشوق وغلبة الوجد ، واستحضرت ما وقع لبعض السلف من سؤاله لعائشةرضي‌الله‌عنها أن تريه القبور الشريفة ، وغير ذلك مما سبق ومما سيأتي في باب الزيارة ، ووصف السلف للقبور الشريفة ، وذكرهم ذرع الحجرة الشريفة وكيفيتهما كما تقدم ، فعزمت على الإقدام ، وتمثلت بقول بعضهم :

ولو قيل للمجنون أرض أصابها

غبار ثرى ليلى لجدّ وأسرعا

 

لعلّ يرى شيئا له نسبة بها

يعلّل قلبا كاد أن يتصدعا

فتطهرت وتوجهت لذلك مستحضرا عظيم ما توجهت إليه ، وموقع المثول ببيت أوسع الخلق كرما وعفوا ، وذلك هو المعول عليه ، واستحضرت بقول بعضهم :

عصيت فقل لي كيف ألقى محمدا

ووجهي بأثواب المعاصي مبرقع

ثم أنشدت الذي يليه :

عسى الله من أجل الحبيب وقربه

يداركني بالعفو فالعفو أوسع

وسألت الله أن يمنحني حسن الأدب في ذلك المحل العظيم ، ويلهمني ما يستحقه من الإجلال والتعظيم ، وأن يرزقني منه القبول والرضى ، والتجاوز عما سلف ومضى ، فاستأذنت ودخلت من مؤخر الحجرة ، ولم أتجاوز ذلك المحل ، فشممت رائحة ما شممت في عمري رائحة أطيب منها ، ثم سلمت بوجل وحياء ، على أشرف الأنبياء ، ثم على ضجيعيه خلاصة الأصفياء ، ودعوت بما تيسر من الدعوات ، وتشفعت بسيد أهل الأرض والسموات ، واستنزلت به في بيته من الأزمات ، واغتنمت هذه الفرصة في جميع الحالات ، ولله در القائل :

تمتّع إن ظفرت بنيل قرب

وحصّل ما استطعت من ادّخار

فقد وسّعت أبواب التداني

وقد قرّبت للزوار داري

١٦٩

وقد هبّت نسيمات لنجد

فطب واشرب بكاسات كبار

فما وقت يمرّ بمستعاد

وما دار الأعزّة بالقرار

فودّع أرض نجد قبل بعد

فما نجد لمرتحل بدار

أقول لمن يمرّ بأرض نجد

ويظفر من رباها بالديار

تزود من شميم عرار نجد

فما بعد العشية من عرار

وقل أيضا لمغتنم صفاء

على معنى يلوح لذي اعتبار

إذا العشرون من شعبان ولّت

فواصل شرب ليلك بالنهار

ولا تشرب بأقداح صغار

فإن الوقت ضاق على الصغار

فلما قضيت من ذلك الوطر ، متعت عيني من تلك الساحة بالنظر ، لأتحف بوصفها المشتاقين ، وأنشر من طيب أخبارها في المحبين ، فتأملت الحجرة الشريفة فإذا هي أرض مستوية ، وتناولت من ترابها بيدي فإذا فيه نداوة وحصباء كالحصباء المتقدم وصفها بين الجدارين يظهر عند فحصه بالأصابع ، ولم أجد للقبور الشريفة أثرا ، غير أن بأوسط الحجرة موضعا فيه ارتفاع يسير جدا ، توهموا أنه القبر الشريف النبوي ، فأخذوا من ترابه للتبرك فيما زعموا ، ومنشأ ذلك الوهم جهل من كان هناك بأخبار الحجرة الشريفة ، وذلك المحل ليس هو القبر النبوي قطعا ، ولعله قبر عمررضي‌الله‌عنه ؛ لأن الشافعيرضي‌الله‌عنه قد نص على أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إنما لحد له في جدار القبلة.

قال الشافعي ، فيما نقله عنه الأقشهري ردا على من قال إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أدخل لقبره معترضا : هذا من فحش الكلام في الأخبار ؛ لأن قبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان قريبا من الجدار ، وكان اللحد تحت الجدار ، فكيف توضع الجنازة على عرض القبر حتى سلّ معترضا؟ فدلّ على أن هذا النقل غير صحيح ، انتهى.

وروى ابن عساكر عن جابررضي‌الله‌عنه قال : رشّ قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وكان الذي رش الماء على قبره بلال بن رباح بقربة بدأ من قبل رأسه حتى انتهى إلى رجليه ثم ضرّجه بالماء إلى الجدار ، لم يقدر على أن يدور من الجدار لأنهم جعلوا بين قبره وبين حائط القبلة نحوا من سوط.

وقال ابن سعد في طبقاته : أخبرنا شريح بن النعمان عن هشيم قال : أخبرني رجل من قريش من أهل المدينة يقال له محمد بن عبد الرحمن عن أبيه قال : سقط حائط قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في زمن عمر بن عبد العزيز ـ وهو يومئذ على المدينة في ولاية الوليد ـ فكنت في أول من نهض ، فنظرت إلى قبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فإذا ليس بينه وبين حائط عائشةرضي‌الله‌عنها إلا نحو من شبر ، فعرفت أنهم لم يدخلوه من قبل القبلة ، وعلى تقدير أن يكون ثمّ موضع بين

١٧٠

القبر الشريف وبين جدار القبلة بحيث يتأتى إدخالهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من ناحية القبلة فلا يكون ذلك الموضع محل القبر الشريف ؛ لبعده من جدار القبلة جدا. وفيما رواه ابن زبالة ويحيى من خبر عبد الله بن محمد بن عقيل في قصة سقوط جدار الحجرة الشريفة المتقدم ذكره أن عمر بن عبد العزيز قال لمزاحم لما دخل : يا مزاحم كيف ترى قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ؟ قال : متطأطئا ، قال : فكيف ترى قبر الرجلين؟ قال : مرتفعين ، قال : أشهد أنه رسول الله.

وقد قدمنا من وصف داخل الحجرة وذكر ذرعها ما فيه كفاية.

وقد تأملت التفاوت بين أرض الحجرة الشريفة وبين أرض الفضاء الخارج بين الجدار الشامي الداخل وزاوية الجدار الخارج فوجدت أرض الحجرة أنزل منه بنحو ذراع ونصف ، وتقدم أن أرض الفضاء المذكور أخفض مما حول الحجرة من المسجد بذراع وثلث ، فيكون التفاوت بين داخل أرض الحجرة وأرض المسجد نحو ثلاثة أذرع.

وتأملت آثار ردم الحريق في الجدران فرأيته في بعضها نحو ثلاثة أذرع ، وفي بعضها نحو ذراعين ، وأخبرني المباشرون لإخراجه بذلك أيضا.

ثم هدموا من الجدار القبلي مما يلي المشرق جانبا نحو أربعة أذرع وشيء ، حتى بلغوا به أرض الحجرة.

وهدموا أيضا جانبا من الجدار الغربي مما يلي الشام حتى بلغوا به الأرض أيضا ، وذلك نحو خمسة أذرع منه ، فعلوا ذلك ليتأتى لهم إحكام القبة التي أجمعوا أمرهم عليها ، ولم يبق من أركان الحجرة الشريفة سوى مجمع جدار القبلة وجدار المغرب.

ثم إنهم هدموا من علو ما بقي من الجدارين المذكورين نحو خمسة أذرع ، ولم يبق من بناء الحجرة الأصلي إلا ما فضل منهما.

ووجدوا عند هدم مبدأ الجدار القبلي من أعلاه ميزابا قد احترق بعضه من جهة ما كان في بناء الجدار ، وبقي منه نحو الذراع ، وهو من عرعر له رائحة ذكية ، وسعة مجرى الماء فيه نحو أربعة أصابع أو خمسة ، كأنه كان ميزابا للحجرة الشريفة قديما فحرص الأقدمون على ما بقي منه بعد الحريق ووضعوه بين السترة التي أحدثوها لأجل السقف وبين رأس الجدار ، فجزاهم الله خيرا.

ولما أعيد بناء الحجرة حرصت على أن يعاد فيها ، فوعدني متولي العمارة بذلك ، فلما كان عند ختم البناء سألته عنه ، فذكر لي أنه جعله في البناء الآتي ذكره في أعلى الجدار الشامي بين ما بقي من لبن الحجرة وليس عليه بطين ذلك اللبن.

ثم عند الشروع في إعادة بناء الحجرة اقتضى رأيهم إدخال الأسطوان المتقدم وصفه خلف جدار الحجرة الشامي لتشققه فزادوا في عرض ذلك الجدار من الرحبة المثلاثة الشكل

١٧١

المتقدم وصفها بين الجدارين ، وكان الشروع في إعادة بناء الحجرة في سابع عشر شعبان المذكور ، فابتدءوا بالجدار المذكور ، وأوصلوه بالجدار الغربي ، وأعادوا ذلك بأحجار الحجرة التي نقضوها منها ، ثم رأوا أن إحكام القبة التي عزموا عليها يقتضي تربيع محلها ، بحيث لا يزيد طوله على عرضه. وقد قدمنا في ذرع الحجرة ما يقتضي عدم ذلك ، فعقدوا قبوا على نحو ثلث الحجرة الذي يلي المشرق والأرجل الشريفة ، وجعلوا الجدار الخارج من جهة المشرق متصلا بجدار الحجرة الداخل ، فأدخلوا ما كان بينهما في جدار القبو المذكور إلى نهاية ارتفاعه ، وكذا فعلوا فيما كان بين الجدار القبلي الداخل والخارج ، سدّوه أيضا بالبناء حتى لم يبق حول البناء الداخل فضاء إلا ما بقي من الرحبة المثلاثة الشكل في جهة الشام وصار علو القبة المذكور فضاء أيضا بين القبة وبين الجدار الظاهر في جهة المشرق وعقدوا القبة المذكورة على ما بقي من الحجرة ، وهو ما يلي المغرب منها في جهة الرءوس الشريفة ، وحاول بعض الناس أن يكون عقد القبة بالآجر ، فكرهت ذلك لما لا يخفى ، فاجتنبه متولي العمارة جزاه الله تعالى خيرا ، وعقدها بالأحجار المنحوتة من الحجر الأسود ، وكملها بالأبيض ، وأخبروني أن ارتفاع القبة المذكورة من داخل أرض الحجرة الشريفة إلى محدّب القبة المذكورة ـ وهو أعلاها المغروز فيه هلالها ـ اثنا عشر ذراعا بذراع العمل ؛ فيكون بالذراع المتقدم وصفه ثمانية عشر ذراعا وربع ذراع.

ومن أرض الحجرة أيضا إلى نهاية القبو الذي بنى عليه أحد حوائط القبة المذكورة ثمانية أذرع وشيء بذراع العمل ، وذلك نحو أحد عشر ذراعا بالذراع المتقدم وصفه ، وارتفاع حائط القبة الشرقي ـ وهو الذي يلي القبو المتقدم وصفه ـ عن طرف القبور الذي بنى عليه الحائط المذكور ذراع وثلثان بذراع العمل ، وذلك ذراعان ونصف راجح بالذراع المتقدم وصفه ، وصار ما بين حائط القبة المذكور وبين حائط الحجرة الظاهر في جهة المشرق ـ أعني سطح القبو المذكور وما اتصل به ـ كما كان بين الجدارين ، وأدخل في عرض الجدار رحبة واحدة تحيط بها من المغرب حائط القبة المتقدم وصفه ، ومن المشرق حائط الحجرة الظاهر ، ومن القبلة حائط الحجرة الظاهر أيضا ، ومن الشام سترة بنيت له فيما بين جدار القبة الذي يليه وجدار الحجرة الظاهر في المشرق.

وذرع هذه الرحبة المذكورة بسطح القبو المذكور طولا من القبلة إلى الشام سبعة أذرع ونصف سدس ذراع بذراع العمل ، وذلك أحد عشر ذراعا بالذراع المتقدم وصفه.

وذرعها عرضا مختلف : فمما يلي القبلة ذراعان ونصف بذراع العمل ، ومما يلي الشام نحو الثلاثة.

وأما جدار القبة الشامي فقد تقدم أنهم زادوا في عرضه من الرحبة خلفه وجعلوه أيضا

١٧٢

متفاوت العرض ؛ فجعلوا ما يلي المشرق منه ـ وهو الموضع المحاذي للأسطوانة التي وقعت الزيادة في العرض لأجل إدخالها وإدغامها بذلك ـ أزيد من الجهة التي تلي المغرب منه بنحو نصف ذراع ؛ فإنهم جعلوا عرض الجدار في هذه الجهة من أسفل عقد القبة نحو ثلاثة أذرع بذراع اليد ، وعرضه في الجهة الأخرى دون ذلك بنحو نصف ذراع ، بحيث صارت جهة الأسطوان المذكور بارزة عن بقية ذلك الجدار في الرحبة المذكورة كما سيأتي تصويره.

وقد جعلوا على رأس هذا الجدار بناء يسيرا مما بقي من اللبن الذي أخرج من بعض جدار الحجرة كما تقدم وصفه ، بعد أن تفرق اللبن المذكور ، وأخذ الكثير منه.

وتركوا في نحو وسط هذا الجدار خوخة ، فلما لم يبق إلا هي أدخلوا منها شيئا كثيرا من الحصباء جاءوا بها من عرصة العقيق من جنس حصباء المسجد بعد غسلها بالماء ليضعوها على القبور الشريفة ، وكنت قد ذكرت لبعضهم أن موضع القبر الشريف النبوي مما يلي الجدار القبلي ، وأنه يستنبط مما قدمناه في مسمار الفضة المحاذي للوجه الشريف أن أول القبر الشريف من جهة المغرب على نحو ذراعين بذراع اليد من الحائط الغربي ؛ لأنا إذا أسقطنا عرض الجدارين الغربيين ـ وهما الجدار الداخل والخارج ، وهو نحو ثلاثة أذرع مما بين المسمار وأول الجدار الظاهر الغربي وهو نحو خمسة أذرع كما تقدم ـ كان الباقي نحو الذراعين إلى الرأس الشريف ، فاستحسن ذلك ، فحضر معهم لما دخلوا من الخوخة المذكورة لوضع الحصباء على القبور الشريفة ، فوضعوا ذلك على المحل الشريف المذكور كما وصفت ، وأخذوا بالهيئة المشهورة في كيفية القبور الشريفة من أن رأس أبي بكررضي‌الله‌عنه خلف منكب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ورأس عمررضي‌الله‌عنه خلف منكب أبي بكر ، فوضعوا الحصباء عليهما كذلك وكان بعض المباشرين لذلك حنفيا ـ وهو صهر متولي العمارة ـ فجعلها مسنّة ، وذلك بعد أن أكثروا في الموضع المذكور من البخور بالعود والعنبر وغيرهما من أنواع الروائح ، وعرف المحل الشريف على ذلك كله راجح فائح ، ولله در القائل :

بطيب رسول الله طاب نسيمها

فما المسك ما الكافور ما المندل الرّطب

وألقى جماعة من الناس من تلك الخوخة أوراقا كتبوا فيها التشفع بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ومارب يسألونها بالحجرة الشريفة ، ثم سدوا الخوخة المذكورة ، وأحكموا بناءها كبقية الجدار ، وبيضوا القبة المذكورة وجميع جدرانها من خارجها بالجص ، وجاءت حسنة فاض عليها أنس المحل الشريف ، ونصبوا بأعلاها هلالا من نحاس يظنه الرائي ذهبا ، وهو قريب من سقف المسجد الأول ؛ فإن القبة المذكورة تحته ، ثم سدوا ما بقي من نقب الجدار الظاهر ، وحضرت معهم في ذلك الوقت ، وحضرت أيضا بعض بناء الحجرة الشريفة ، وتبركت بالعمل فيه ، ولم أحضر غير ذلك طلبا للسلامة ، وأنشدت في ذلك المحل الشريف قصيدتي التي تطفلت بها على واسع كرم الجناب الرفيع الحبيب الشفيع الحالّ بذلك الحمى المنيع ، التي أولها :

١٧٣

قف بالديار لحي في ذرى الحرم

وحيّ هذا المحيّا من ذوي إضم

وكان الفراغ من ذلك وختم بناء الجدار الظاهر في يوم الخميس المبارك سابع شوال من السنة المذكورة ، وأصرفوا في ذلك وفي غيره من عمارات المسجد وإعادة منارة مسجد قباء وتجديد بعض سقفه وإحكام مصرف المياه التي كانت تجتمع حول المسجد عند كثرة الأمطار مالا جزيلا ، ومن أعظم ذلك نفعا ما جعل لمصرف المياه المذكورة كما سيأتي وصفه فقد عم نفعه ، وذلك كله في الصحائف الشريفة السلطانية الأشرفية ، أعز الله أنصارها ، وأعلى في سلوك العدل منارها ، على يد متولي العمارة الجناب الشمسي المتقدم ذكره ضاعف الله تعالى حسناته.

وهذا تصوير ما استقر عليه الأمر من هذه العمارة في صورة الحجرة المشرفة والقبور الشريفة بها :

ثم حدث بعد الحريق الثاني عند إنشاء القبة الثانية التي جعلوها بدلا عن القبة الزرقاء المتقدم ذكرها تأسيس دعامة وعقد في جهة المغرب عند مقام جبريلعليه‌السلام متصل بجدار الحجرة الظاهر من أعلاه وأسطوان وعقد في مقابلة ذلك في المشرق متصل بالجدار الظاهر أيضا في جهة المغرب.

١٧٤

الفصل التاسع والعشرون

في الحريق الحادث في زماننا بعد العمارة السابقة وما ترتب عليه

ألحقته هنا مع إلحاق ما تقدمت الإشارة إليه في الفصول السابقة ، لحدوثه بعد الفراغ من مسودة كتابنا هذا لأني توجّهت إلى مكة المشرفة للاعتمار أول شهر رمضان عام ست وثمانين وثمانمائة ، فورد علي بها عدة كتب من الصادقين في الخبر ، وشافهني من شاهد الأمر والأثر ، بما حصل من الخطب العظيم ، والرزء الجسيم ، باحتراق المسجد النبوي أول الثلث الأخير من ليلة الثالث عشر من شهر رمضان ، وذلك أن رئيس المؤذنين وصدر المدرسين الشمسي شمس الدين محمد بن الخطيب قام يهلّل حينئذ بالمنارة الشرقية اليمانية المعروفة بالرئيسية ، وصعد المؤذنون بقية المنائر ، وقد تراكم الغيم فحصل رعد قاصف أيقظ النائمين ، فسقطت صاعقة أصاب بعضها هلال المنارة المذكورة ، فسقطت في المسجد وله لهب كالنار ، وانشق رأس المنارة ، وتوفي الريس المذكور لحينه صعقا ففقد من كان على بقية المنائر صوته ، فنادوه فلم يجب ، فصعد إليه بعضهم فوجده ميتا ، وأصاب ما نزل من الصاعقة سقف المسجد الأعلى بين المنارة الرئيسية وقبة الحجرة النبوية فثقبه ثقبا كالترس ، وعلقت النار فيه وفي السقف الأسفل ، ففتح الخدام أبواب المسجد قبل الوقت المعتاد وقبل إسراجه ، ونودي بالحريق في المسجد ، فاجتمع أمير المدينة وأهلها بالمسجد الشريف ، وصعد أهل النجدة منهم بالمياه لإطفاء النار ، وقد التهبت سريعا في السقفين ، وأخذت لجهة الشمال والمغرب ، فعجزوا عن إطفائها ، وكلما حاولوه لم تزدد إلا التهابا واشتعالا ، فحاولوا قطعها بهدم بعض ما أمامها من السقف ، فسبقتهم لسرعتها ، وتطبق المسجد بدخان عظيم ، فخرج غالب من كان به ، ولم يستطيعوا المكث ؛ فكان ذلك سبب سلامتهم ، وهرب من كان بسطح المسجد إلى شماليه ، ونزلوا بما كان معهم من حبال الدلاء التي استقوا بها الماء بخارج المسجد على الميضأة والبيوت التي هناك وما حول ذلك ، وسقط بعضهم فهلك ، ونزل طائفة منهم إلى المسجد من الدرج فاحترق بعضهم ولجأ بقيتهم إلى صحن المسجد مع من حالت النار بينه وبين أبواب المسجد ممكن كان أسفل ، ومنهم صاحبنا الشيخ العالم صدر المدرسين الشمسي شمس الدين محمد بن المسكين المعروف بالعوفي ، فمات بعد أيام لضيق نفسه بسبب الدخان مع توعك سابق ،رحمه‌الله تعالى! واحترق من الخدام الزيني شند نائب خازن دار الحرم ، تغمده الله برحمته! ومات جماعة تحت هدم الحريق من الفقراء وسودان المدينة ، وجملة من مات بسبب ذلك بضع عشرة نفسا ، وكانت سلامة من بقي بالمسجد على خلاف القياس ؛ لأن النار عظمت جدّا حتى صارت كبحر لجي من نار ، ولها زفير وشهيق وألسن تصعد في الجو ، وصار لفحها يؤثر من البعد حتى أثرت في النخلات التي بصحن المسجد ،

١٧٥

وعلق منها شيء بالمنارة الرئيسية فاحترقت ، ووصلت النار لثياب الريس شمس الدين محمدرحمه‌الله تعالى فاحترقت بعد موته ، وصارت النار ترمي بشرر كالقصر فتسقط بالبيوت المجاورة للمسجد ، ومع ذلك فلا تؤثر فيها ، حتى سقط بعض الشرر على سعف فلم يحترق ، وحمل بعض خزائن الكتب من تحت سقف المسجد إلى صحنه فأصابها الشرر فأحرقها.

ونقل عن جمع كثير أنهم شاهدوا حينئذ أشكال طيور بيض كالإوز يحومون حول النار كالذي يكفها عن بيوت الجيران.

وأخبر أمير المدينة الشريفة السيد الشريف زين الدين فيصل الجمازي أن شخصا من العرب صادق الكلام رأى في المنام ليلة ثاني عشر من شهر رمضان أن السماء فيها جراد منتشر ، ثم عقبته نار عظيمة ، فأخذ النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم النار وقال : أمسكها عن أمتي ، فجزاه الله عن أمته ـ خصوصا عن جيرانه ـ أفضل ما جزى نبيّا عن أمته.

وحكى أيضا عن بواب رباط السبيل أنه ذكر مثل تلك الرؤيا عن غيره ، كتب لي بذلك صاحبنا العلامة شيخ المحدثين بالحرم النبوي الشيخ شمس الدين بن شيخنا العلامة ناصر الدين العثماني أمتع الله به.

هذا ما حصل لأهل المدينة الشريفة من الدهشة العظيمة والحيرة لما شاهدوا من هول هذه النار ومنظرها الفظيع ، حتى أيقن بعضهم بالهلاك ، وانتقل بعض أهل الدور منها لما وصل إليهم الشرر ، وخرج بعضهم من باب المدينة الذي يلي البقيع ، وبعضهم من بابها الذي يلي المصلى ، وظنوا أن النار محيطة بهم. قال الشمس العثماني : وصار لجميع المدينة من جميع جهاتها بالبكاء ضجيج ، وبالدعاء عجيج ، قال : وأمر هذه النار عجيب ، وليس الخبر كالمعاينة ، وصار المسجد كالتنور ، ولم يمض إلا أقل من عشر درج وقد استولى الحريق على جميع سقف المسجد وحواصله وأبوابه وما فيه من خزائن الكتب والربعات والمصاحف ، غير ما وقعت المبادرة لإخراجه أولا وهو يسير ، وغير القبة التي بصحن المسجد ، وسبق ذكر سلامتها في الحريق الأول ، وكنت تركت كتبي بالخلوة التي كنت أقيم بها في مؤخر المسجد ، فكتب إليّ باحتراقها ، ومنها أصل هذا التأليف وغيره من التآليف والكتب النفيسة نحو ثلاث مائة مجلد ، فمنّ الله تعالى عليّ ببرد الرضى والتسليم ، وفراغ القلب عن ذلك ، حتى ترجحت هذه النعمة عندي على نعمة تلك الكتب لما كنت أجده قبل من التعلق بها ؛ فلله الحمد والشكر على ذلك. هذا ، مع ما منّ الله به علي من غيبتي عن هذا الأمر المهول ؛ فإن وقوعه كان في ليلة الوصول إلى الحرم المكي ، ولم يتفق لي منذ سكنت المدينة الخروج منها في رمضان ، بل كنت ألازم المسجد النبوي فيه من أوله إلى آخره ليلا ونهارا ، فكان ذلك سبب النجاة من هذا الأمر.

١٧٦

ولما اشتعلت النار في السقف المحاذي للحجرة الشريفة ذاب الرصاص من القبة التي بسقف المسجد الأعلى ، واحترقت أخشابها وما يحاذيها من السقف الأسفل والشباك الدائر على حائز عمر بن عبد العزيز الذي تعلق الكسوة بأعلاه ، وسقط ما سقط من ذلك على القبة السفلى التي تقدم تجديدها ، فلما أصبحوا بدءوا بطفي ما سقط على القبة المذكورة ، واستمروا في ذلك إلى آخر النهار ، فسلمت القبة المذكورة مع أن بعضها من الحجر الأبيض الذي يسرع تأثره بالنار ، وذلك من المعجزات النبوية ؛ لأن كثيرا من أساطين المسجد الشريف سقطت لما ذاب بعض رصاصها وتهشمت وهي من الحجر الأسود ، ومع ذلك تفتت كأنه أحجار النورة ، وعدة ما سقط منها مائة وبضع وعشرون أسطوانا ، وما بقي منها فقد أثرت فيه النار أثرا بينا ، وسلمت الأساطين اللاصقة بجدار الحجرة أيضا ؛ فالحمد لله على حماية الحجرة المنيفة ، الحاوية للقبور الشريفة ، واحترقت المقصورة التي كانت حول الحجرة الشريفة والمنبر الشريف وما كان أمام المصلى المنيف بالروضة الشريفة من الصندوق وما عليه من المحراب المتقدم وصفه ، وسقطت أكثر عقود المسجد ، وما بقي منها فهو آئل إلى السقوط ، وسقط علو المنارة الرئيسية ، ثم خشوا من سقوط بعض ما بقي منها فهدموا نحو ثلثها ، وكتبوا إلى سلطان مصر مولانا الأشرف سلطان الحرمين الشريفين قايتباي أيد الله أنصاره بذلك سادس عشر رمضان ، واقتضى رأي نائب الناظر سد أبواب حواصل المسجد حتى القبة التي بوسطه المرصد فيها زيت مصابيحه ، وترك الردم على حاله حتى ترد الأوامر الشريفة فتضرر الناس بذلك ، فاتفقت الآراء على تنظيف مقدم المسجد ما عدا ما جاور الحجرة الشريفة خوفا على ما سقط من حلية قناديلها ، مع أنها يسيرة كما يؤخذ مما سبق ، فجعلوا على ذلك حاجزا من الآجرّ ، ونقلوا هدم مقدم المسجد إلى ما يلي باب الرحمة من مؤخره ، وعمل في ذلك أمير البلد والقضاة والأشراف وعامة الناس حتى الكثير من النساء والأطفال تقربا إلى الله تعالى بغير أجرة ، ولم يتأخر عن ذلك إلا المخدّرات من النساء.

وبنوا في محل المنبر منبرا من آجر ، وصلّوا بالمصلى النبوي من حينئذ ، وعملوا لأبواب المسجد غير باب جبرائيل خوخا يدخل منها ، وسدوا ما زاد على ذلك ، ونصب الخدام خياما بالمسجد إذ لم يبق به ظل ، وصار بعض أهل الخير يسرج قناديل متعددة من عنده في المسجد مع توفر الزيت بحاصله ، لكن تعذر ذلك بسبب سدّه ، واستمرت النار فيما لم ينقل هدمه من المسجد حتى فيما حول الحجرة الشريفة وموقف الزائرين تجاه الوجه الشريف ، وأخبر بعضهم بمشاهدة الدخان يتصاعد من ذلك المحل الشريف بعد مدة ، وفي أثناء شوال أخبر قاضي المالكية شمس الدين السخاوي حفظه الله تعالى أنه رأى في النوم من يقول له : أطفئوا النار من الحجرة الشريفة ، يعني الموضع الذي تركوا تنظيفه حولها ، فتفقدوا ذلك

١٧٧

فوجدوا النار في ثمانية مواضع ، فأطفؤوا ذلك ، ثم رأوا أن مادة هذه النار لا تنقطع إلا بتنظيف الردم ، فاجتمعت الآراء على ذلك بعد توقّف تام من نائب الناظر ، وعيّنوا لتعاطيه من يثقون به من الخدام والفقهاء والفقراء ، وكان الصواب المبادرة لذلك أولا ، ولكن على كل خير مانع ، ولا يدري أحد أسرار ما الله في عباده صانع ، ولما نظفوا ذلك وجدوا حلية الصندوق المجعول في جهة الرأس الشريف وجانبا من الكسوة وبعض البسط سالما لسقوط الردم عليه ، ووجدوا القناديل التي كان التخوّف في تنظيف ذلك المحل لأجلها ، وأداروا على الحجرة الشريفة جدارا من الآجر في موضع المقصورة المحترقة ، وجعلوا فيها شبابيك وطاقات وأبوابا ، وقام بمصروف ذلك بعض النساء المباركات وغيرها ، وسامح البناءون بنصف أجرهم مع توفر المصروف بحاصل المسجد الشريف ، وأحضرت تلك المرأة أيضا وغيرها كسوة للحجرة الشريفة من القماش الأبيض فجعلت عليها.

وفي ذلك كله عبرة تامة وموعظة عامة لأولي الأبصار ، وهو منذر بأمر عظيم ، ولهذا اختص به هذا المحل المنسوب إلى النذيرصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقد ثبت أن أعمال الأمة تعرض عليهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلما ساءت منا الأعمال المعروضة ناسب ذلك الإنذار بإظهار عنوان النار المجازي بها في موضع عرضها ، ولم أزل في وجل مما يعقب ذلك حيث لم يحصل الاتعاظ والانزجار ، وقد قال تعالى :( وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً ) [الإسراء : ٥٩] ، وقال تعالى :( ذلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ ) [الزمر : ١٦] وكأن لسان القدرة ينادي : ألا تتعظون بما ترون وتسمعون؟ ألا تنتهون وتنزجرون؟ ألا ترون إلى هذا المحل الشريف مع عظيم نسبته وعلو رتبته ومكانته لما تلوّث بآثاركم معشر المذنبين ، وتدنّس بأقذاركم كافة الغافلين ، أرسلت عليه بحرا من النار السماوية تطهره من تلك الآثار ، وتزجركم عن التمادي على الإصرار ، وموالاة اتباع الأوزار ، وتشهد بصائركم عموم القدرة ، فترسلون من الأبصار سوابق العبرة ، تأسفا على ما اجترحتموه قبل هذه العبرة ، فمن لم ينته بهذا الزاجر الفعلي عن إصراره ، ولم يقتبس من هذه النار العظيمة قبسا يهتدي بأنواره ، فلينظر فيما حدث عقيب حريق المسجد القديم ، ويتفكر في ضعفه عن احتمال العذاب الأليم ، حمانا الله من ذلك ، وسلك بنا أجمعين أحسن المسالك.

ومن العجائب أنه لم يتأتّ إخراج ردم هذا الحريق بعد نقله لمؤخر المسجد حتى حضر الحجّاج من سائر الآفاق للزيارة ، وشاهدوا هذه العبرة العظيمة ، ورأوا ما اجتمع من الردم كالآكام والتلول الجسيمة ، ثم قبيل دخول الحاج مكة بالقعدة الحرام من العام الثاني أرسل الله سيلا عظيما بمكة المشرفة ملأ ما بين الجبلين وعلا جدار أبواب المعلى ، ودخل جوف الكعبة الشريفة ، وارتفع فيها أزيد من قامة وهدم دورا كثيرة يقال إنها تزيد على ألفي دار ،

١٧٨

وذهب بسبب ذلك من الأموال والأنفس ما لا يحصيه إلا الله تعالى ، حتى أنهم ضبطوا من وجد تحت الردم بالمسجد الحرام فقط عند تنظيفه فكانت عدتهم نحو الثمانين ، وقيل أزيد من مائة ، ولم أقف فيما نقل من سيول الجاهلية والإسلام على مثل ذلك ، ولما نظفوا ذلك الردم ـ وهو أتربة ونقض هدم حملها السيل ـ لم يتأتّ إخراجه قبل وصول الحجاج وصار ذلك كالآرام والتلول العظيمة في المسجد الحرام ، فحضر الحجاج كلهم وشاهدوا ذلك ، فسبحان من بيده الخلق والأمر لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.

ولما وصل خبر الحريق لرودس من بلاد النصارى أظهروا بذلك فرحا واستبشارا ، وتظاهروا بالزينة وضرب النواقيس ، فلم يمض ذلك اليوم إلا وقد أرسل الله عليهم زلازل عظيمة هدمت عليهم جانبا من سور البلد والكنيسة وكثيرا من دورهم ، وهلك منهم بذلك خلائق لا يحصون ، ودامت الزلازل عليهم ، أياما ، شاهدت ذلك في كتب وردت من ثغر إسكندرية بخط من يعتمد عليه ، وذكروا أن المخبر لهم بذلك أهل المراكب الواردة من رودس المذكورة ، وأنهم سافروا والزلازل مستمرة بها ، وهم يخرجون الموتى من تحت الهدم بعد انتقال من بقي إلى خارج البلد ، فتأمل هذه المعجزات النبوية ، والآيات الربانية.

ولما وصل القاصد إلى مصر المحروسة ، واتصل علم الحريق المذكور بسلطانها ، عظم ذلك عليه ، وبرزت أوامره الشريفة بالمبادرة إلى تنظيف المسجد الشريف ، ورأى أن في تأهيل الله تعالى له لعمارة ذلك مزيد التشريف ، وكمال التعريف ، وأنه كرامة من الله تعالى أكرمه بها ، وذخيرة يرجو الفوز بسببها ، فاستقبل أمر العمارة بهمة تعلو الهمم العلية ، ورسم بإبطال عمائره المكية ، وبتوجه شادها السيفي الأمير سنقر الجمالي صحبة الحاج الأول بزيادة على مائة صانع من البنائين والنجارين والنشارين والدهانين والحجارين والنحاتين والحدادين والمرخّمين وغيرهم ، وكثير من الحمير والجمال ، وصحبته وصحبة أخيه المقر الأشرفي الشجاعي شاهين والأمير قاسم الفقيه شيخ الحرم الشريف مبلغ عشرين ألف دينار ، وشرع السلطان في تجهيز الآلات والمؤن حتى كثرت في الطّور والينبع والمدينة الشريفة.

ثم جهّز متولي العمارة الأولى بالمدينة الشريفة ـ وهو الجناب العالي الخواجكي الشمسي شمس الدين بن الزمن ـ في أثناء ربيع الأول وصحبته أكثر من مائتي جمل ومن مائة حمار وأزيد من ثلاثمائة من الصناع أهل الصنائع الأولى وغيرهم من الحمالين والمبيضين والسباكين والجباسين ، وأصرفوا لهم شيئا من الأجرة قبل سفرهم ، وقد صارت أحمال المؤن متواصلة قلّ أن تنقطع برا وبحرا ، واستقبلوا أمر العمارة بجد واجتهاد ، فهدموا المنارة الرئيسية التي أصابها الحريق إلى أساسها ، وهدموا من سور المسجد من ركن المنارة التي بباب السلام إلى آخر جدار القبلة وما يليه من المشرق إلى باب جبريل ، وما يلي المنارة من المغرب أيضا إلى

١٧٩

باب الرحمة ، وأعادوا المنارة الرئيسية وسور المسجد المذكور ، وزادوا في عرضه يسيرا ، ووسعوا المحراب العثماني ، وسقفوا مقدم المسجد سقفا واحدا ، بعد أن قصروا أساطينه وجعلوا عليها عقودا من الآجر فوقها أخشاب السقف ، وكانت الأساطين المذكورة قبل ذلك واصلة إلى سقف المسجد كهيئة ما بقي من أساطينه في بقية المشرق والمغرب والشام ، وجعلوا على المحراب العثماني قبة على رءوس الأساطين ، بعد أن قرنوا إلى كل أسطوانة ثانية ، وجمعوا في بعضها بين خمس أساطين ؛ ليتأتى لهم عقد القبة المذكورة ، وأزالوا الأسطوانة التي كانت في محاذاة الأسطوانة التي إليها المصلّى النبوي بينها وبين المحراب العثماني ، وجعلوا على ما يحاذي الحجرة الشريفة وما حوله قبة عظيمة على دعائم بأرض المسجد وعقودا من الآجر بدلا عن القبة الزرقاء التي كانت قبل الحريق ، وكانت تلك على رءوس السواري كما سبق في الفصل السابع والعشرين ، وقدمنا هناك ما حصل من ضيق المسجد من جهة المشرق بسبب ابتناء بعض تلك الدعائم هناك ، فخرجوا بجدار المسجد الشرقي ـ أعني ما حاذى ذلك منه ـ بنحو عرض الجدار في البلاط الشرقي ، وأبقوا الباب المعروف بباب جبريل في محله.

ثم أحدثوا أسطوانا في جانب مثلث الحجرة ليشتدّ به العقد الذي عليه القبة في تلك الناحية ، وحفروا لذلك أساسا عظيما ظهر بسببه القبر المنسوب في أحد الأقوال لفاطمة الزهراءرضي‌الله‌عنها ، وزادوا دعامتين وعقدا إلى جانب الأسطوانتين اللتين في جهة الوجه الشريف ، ولم يبالوا بما حدث بسبب ذلك من الضيق في الموضع المواجه للوجه الشريف داخل المقصورة وغيره لخشيتهم من سقوط القبة المذكورة ، وكانوا قد وجدوا في جدار المنارة الرئيسية عند هدمها خزانة وضع الأقدمون بها أوراق المصاحف المحترقة في الحريق الأول وسدوا عليها ، فأخرجوا تلك الأوراق ووضعوها في أعلى القبة المذكورة عند ختمها ، فبدأ في القبة تشقّق ، فقيل لهم : إن ذلك بسبب وضع الأوراق المذكورة بها ؛ لأن الله تعالى يقول :( لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللهِ ) [الحشر : ٢١] فأخرجوا تلك الأوراق منها ، فقضيت العجب من ذلك.

ومن الغريب أني كنت قد عزمت على التوجه إلى أرض مصر لزيارة والدتي وأهلي قبل الشروع في العمارة المذكورة ، فلم أحضر شيئا من ذلك ، ومن الله تعالى بالوصول إلى الوالدة والأهل ، فتوفيت الوالدة بعد قدومي بعشر ليال ، وكانت مدة غيبتي عن أهلي ستة عشر سنة ، ثم منّ الله تعالى بالعود إلى المدينة الشريفة بعد تعويض ما تدعو الحاجة إليه من الكتب المحترقة ، فوجدتهم قد عمروا القبة المذكورة ومقدم المسجد وعقدوا العقود المتصلة بهذه القبة من المشرق والشام ، وجعلوها قبوا بدل السقف ، واتخذوا فيما بين الحجرة الشريفة

١٨٠