وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى الجزء ٢

وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى0%

وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى مؤلف:
المحقق: خالد عبد الغني محفوظ
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف: مكتبة الحديث وعلومه
الصفحات: 282

وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى

مؤلف: نور الدين علي بن أحمد السّمهودي
المحقق: خالد عبد الغني محفوظ
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف:

الصفحات: 282
المشاهدات: 33878
تحميل: 831


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 282 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 33878 / تحميل: 831
الحجم الحجم الحجم
وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى

وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى الجزء 2

مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
العربية

تعليق المصابيح في المسجد وصف عام

ويستحب تعليق المصابيح في المسجد وقد قدمنا ما يقتضي أن تميما الداري أول من فعل ذلك في زمن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم . وقيل : أول من فعله عمر بن الخطاب ، لما جمع الناس في التراويح على إمام واحد. وروى ابن زبالة عن يوسف بن مسلم قال : كان زيت قناديل المسجد يحمل من الشام ، حتى انقطع ذلك في ولاية جعفر بن سليمان الأخيرة على المدينة ، فجعله على سوق المدينة. قال : ثم لما طرح ما يؤخذ من العنب عن الناس في ولاية داود بن عيسى على المدينة سنة ثمان وتسعين ومائة أخرج من بيت المال.

قال : ولم يزل رزق صاحب زيت المسجد ثلاثة دنانير تجرى عليه في كل شهر من بيت المال ، وعليه فيها ما تكسر من القناديل ، انتهى.

وقال ابن النجار : وفي يومنا هذا يصل الزيت من مصر من وقوف هناك ، ومقداره سبعة وعشرون قنطارا بالمصري ، ويصل معه مائة وستون شمعة بين كبار وصغار ، وعلبة فيها مائة مثقال ند لتجمير المسجد ، انتهى.

قلت : وفي زماننا يحمل له من الزيت من مصر والشام زيادة على مائة قنطار بعضها من أوقاف تحت نظر قاضي الشافعية بمصر وبعضها تحت نظر الإمام بمصر ، والله أعلم.

الفصل الحادي والثلاثون

فيما احتوى عليه المسجد من الأروقة والأساطي

ن والبالوعات والسقايات والدروع ، وغير ذلك مما يتعلق به من الرسوم

وصف عام

قال ابن جبير : إن المسجد النبوي مستطيل يحفه من جهاته الأربع بلاطات مستديرة به ، ووسطه كله صحن ، فجهة القبلة منها ـ يعني المسقف القبلي ـ خمس بلاطات ، يعني أروقة ، وقد قدمنا أنه زيد فيه رواقان آخرون فصار سبعة أروقة آخذة من المشرق إلى المغرب ، قال : والجهة الشامية خمسة أروقة أيضا.

قلت : وهذا موافق لما قدمناه في زيادة المهدي عن ابن زبالة من أنه جعل خمس أساطين في السقائف الشامية ، وقدمنا أن الموجود به اليوم أربع فقط ، وذلك أربعة أروقة ، فكأنه لما زيد بعد الحريق الأول الرواقان في مسقف القبلة اختصروا رواقا من المسقف الشامي فأدخلوه في صحن المسجد ، ولم أر من نبه على ذلك من المؤرخين ، وهذا المسقف هو المسمى اليوم بالدكاك ؛ لارتفاعه على بقية أرض المسجد ، ولم أعلم وقت حدوث ذلك ، ولم يتعرض ابن جبير لذكر ارتفاعه مع ذكره لما دون ذلك ، وقد كانت رحلته قبل حريق المسجد الأول فلعل ذلك مما حدث بعده ، كما حدثت الدكتان اللتان بجنبتي المسجد في الحريق الثاني كما سبق.

٢٠١

جدران المسجد

وحدث في زماننا قبيل ذلك عند طرف الدكاك القبلي مما يلي المغرب دكة بارزة هناك ، وهي الدكة التي وضع بها ما أخرج من جوف الحجرة الشريفة من الهدم في العمارة التي أدركناها.

وفي كلام ابن زبالة ما يؤخذ منه تسمية المسقف الشامي بسقائف النساء.

قال ابن جبير : والجهة الشرقية ثلاثة أروقة آخذة من القبلة إلى الشام ، والجهة الغربية أربعة كذلك ، هذا ما ذكره ابن جبير إلا أنه عبر في الجميع بالبلاطات بدل الأروقة ، وكذا صنع ابن عبد ربه في العقد ، وهو مطابق لما عليه المسجد اليوم ، إلا ما أشرنا إليه في المسقف القبلي والشامي.

قال ابن جبير : ونصف جدار القبلة الأسفل رخام موضوع إزارا على إزار ، أي : وزرة فوق أخرى ، مختلف الصنعة واللون ، مجزع أبدع تجزيع ، والنص الأعلى من الجدار منزل كله بفصوص من الذهب المعروف بالفسيفساء قد أنتج الصناع فيه نتائج من الصنعة غريبة تضمنت تصاوير أشجار مختلفات الصفات مائلة الأغصان بثمرها ، والمسجد كله على تلك الصنعة ، لكن الصنعة في جدار القبلة أحفل ، والجدار الناظر إلى الصحن من جهة القبلة كذلك ، ومن جهة الشام أيضا ، والغربي والشرقي الناظران إلى الصحن مجددان أيضا ومقرنصان قد زينا برسم يتضمن أنواعا من الأصبغة ، إلى ما يطول وصفه ، انتهى.

ووصف ابن عبد ربه في «العقد» ما في جدار القبلة من وزارت الرخام وطرر الذهب والفسيفساء ، ثم قال : وحيطان المسجد كلها من داخله مزخرفة بالرخام والذهب والفسيفساء أولها وآخرها.

وذكر أيضا أن رءوس الأساطين مذهّبة عليها أكف منقشة مذهّبة ، وكذلك أعتاب الأبواب مذهبة أيضا.

قلت : وقد زال ذلك كله بسبب الحريق الأول ، وبقي من آثاره شيء يسير في مؤخر المسقف الغربي بجدار المسجد مما يلي الدكاك ، وشيء يسير بالمأذنة الغربية الشمالية مما يلي بابها فيه شيء من الفسيفساء. وأما جدار القبلة فليس به اليوم إلا لوح يتضمن صور أشجار عن يمين مستقبل المحراب الشريف ، وهو من الآثار القديمة ، وكان يقابله في جهة يسار المستقبل لوح مثله سقط قريبا ، ثم زال ذلك كله في الحريق الثاني. وبالجدار المذكور اليوم وزرة رخام أول من أحدثها بعد الحريق الأول الظاهر جقمق كما قدمناه مع بيان أن المحراب العثماني وما حوله كان مرخما قبل ذلك ، وبقية المسجد مبيض أحسن بياض.

وفي جدار القبلة عصابتان من طراز تقدم ذكرهما أيضا ، وكان قد انقشر من العليا

٢٠٢

منهما شيء يسير ، فقلع متولي العمارة التي أدركناها ذلك وما حوله ، وجعله طرازا باسم سلطاننا الأشرف قايتباي أعز الله أنصاره ، ووصله ببقية العصابة المذكورة. وتقدم أيضا ذكر الطراز الآخر من جهة السقف إلى قرب العصابة المذكورة ، وبيان أن الذي ترجح عندي أنه جعل لتمييز المسجد النبوي عما زيد فيه ، وقد زال ذلك كله بعد الحريق الثاني ، وأعادوا منه ترخيم جدار القبلة كما سبق.

عدد أساطين المسجد

وأما عدد الأساطين فذكر ابن زبالة أنها مائتان وستة وتسعون أسطوانا ، منها في جدار القبر الشريف ستة. وذكر ابن النجار أيضا ما يؤخذ منه ذلك.

وقال ابن جبير : عدتها مائتان وتسعون أسطوانا ، ولا مخالفة بينهما ؛ لأن ابن جبير لم يعتبر الأساطين الست التي في جدار القبر الشريف ، وليس فيه خلل إلا بأسطوان واحد ؛ لأن الذي اقتضاه تحريرنا أن جملة الأساطين التي كانت في ذلك الزمان بما في جدار القبر مائتان وخمسة وتسعون أسطوانا ؛ لأن المسقف الغربي أربعة صفوف ، فإذا اعتبرتها من الجدار القبلي إلى الجدار الشامي كان كل صف ثمانية وعشرين أسطوانا ، فجملة هذا المسقف مائة أسطوان واثنا عشر أسطوانا ، والمسقف الشرقي ثلاثة صفوف كل صف منها ثمانية وعشرون أيضا إلا الصف الأوسط فإنه ينقص أسطوانا كما ظهر لنا عند انكشاف الحجرة ؛ لأن الأسطوانة الملصقة إلى جدار الحجرة الشامي الذي في جوف الجدار الظاهر التي تقدم أن متولي العمارة أدخلها في عرض ذلك الجدار في الصف المذكور إنما يقابلها فيه الأسطوان الداخل بعضها في الجدار الظاهر من جهة القبلة ، وكان مقتضى وضع الأساطين في مقابلة بعضها بعضا من كل جانب أن تكون بينها أسطوانة أخرى في موازاة الأسطوانة التي بين مربعة القبر وأسطوان الصندوق الداخلة في الجدار الظاهر ، لكن لم يتأتّ ذلك ؛ لكونها تكون حينئذ في جوف الحجرة الشريفة ، فسقط بسبب ذلك في هذا الصف أسطوان ، وخفي ذلك على من لم يشاهد الحجرة الشريفة. وحينئذ فجملة أساطين المسقف الشرقي من جدار القبلة إلى الجدار الشامي ثلاثة وثمانون أسطوانا ، والباقي بعد ذلك في المسقف القبلي ما يوازي صحن المسجد فقط ، وهو خمسة صفوف كل صف عشرة أساطين فجملة ذلك خمسون أسطوانا ، والباقي أيضا في المسقف الشامي خمسة صفوف تقابل ذلك وجملتها خمسون أسطوانا ، فجملة أساطين المسجد بما دخل في جدار القبر مائتان وخمسة وتسعون أسطوانا ـ بتقديم التاء ـ وفي مؤخر المسقف الغربي أسطوانتان ملتصقتان إلى الجدار الغربي لم تدخلا في هذه العدة.

وأما عدد أساطين المسجد اليوم فقد تقدم أنه زيد في المسقف القبلي من ناحية صحن

٢٠٣

المسجد رواقان ونقص من المسقف الشامي من ناحية الصحن رواق ، فيزيد على ما تقدم عشرة أساطين ، وذلك خارج عن الأساطين التي أحدثت لأجل السقف البارز في رحبة المسجد أمام الباب الشامي من المقصورة المستديرة على الحجرة الشريفة.

وحدث في العمارة المتجددة بعد الحريق إسقاط أسطوان كانت بين الأسطوان التي إليها المصلّى النبوي وبين المحراب العثماني ، وضم بعض أساطين أخرى إلى الأساطين التي هناك ، وفيما حول الحجرة الشريفة ، وإبدال بعضها بدعائم على ما سبقت الإشارة إليه في الفصل التاسع والعشرين مع ما حدث من التغيير في أساطين المسقف القبلي ، وكانت أساطين المسجد كلها ـ كما قال ابن جبير في وصفها ـ أعمدة متصلة بالسمك دون قسي ينعطف عليها ، فكأنها دعائم قوائم ، وهي من حجر منحوت قطعا ململمة مثقبة ، يوضع أنثى في ذكر ، أي بأعمدة الحديد ، ويفرغ بينها الرصاص إلى أن يتصل عمودا قائما ، ويكسى بغلالة جيار ، ويبالغ في صقلها ودلكها ، فتظهر كأنها رخام أبيض.

قلت : وأراد بالقسي ما نسميه اليوم بالقناطر المعقودة حول صحن المسجد ، وأما الأساطين الداخلة في الأروقة فإنها متصلة بالسقف ، سوى الرواقين اللذين يليان رحبة المسجد من المسقف القبلي ، ثم جعل المسقف القبلي كنسبتهما بعد العمارة المتجددة بعد الحريق الثاني كما سبق.

وقد عبر ابن النجار ـ تبعا لمن قبله ـ عن تلك العقود بالطاقات ، فقال : وأما طاقاته أي المحيطة بالصحن ففي القبلة إحدى عشرة طاقة ، وفي الشامي مثلها ، وفي المشرق والمغرب ـ أي كل جانب منهما ـ تسع عشر طاقة ، وبين كل طاق وطاق أسطوان ، ورأس الطاقات مسدود بشبابيك من خشب.

قلت : وهو موافق لكلام ابن زبالة فيما يلي المشرق والمغرب ، مخالف له فيما يلي القبلة والشام ؛ فإنه قال : وعدد طاقاته مما يلي القبلة اثنتا عشرة طاقة ، ومما يلي الشام اثنتا عشرة ، ومما يلي المشرق تسع عشرة ، ومما يلي المغرب تسع عشرة ، فذلك اثنتان وستون طاقة ، انتهى.

وهذا لا يتم إلا على تقدير أن يكون المسقف الغربي ثلاثة أروقة فقط كالمسقف الشرقي ، فتكون العقود التي تلي القبلة والشام اثني عشر ، وما تقدم في عدد الأساطين ينافيه ؛ فالصواب ما ذكره ابن النجار.

وعدد قناطره المحيطة برحبته اليوم من جهة القبلة والشام موافق لما ذكره ابن النجار ؛ فإنها من كل جانب إحدى عشرة ، غير أن باب المقصورة الشامي وما أحدث له من السقف أمامه سد واحدة من تلك القناطر القبلية.

وأما عدد قناطره من المشرق والمغرب فقد نقصت واحدة من كل جهة ؛ لما تقدم من

٢٠٤

زيادة الرواقين بالمسقف القبلي ، ونقص رواق من المسقف الشامي ، فصار عدد القناطر في كل جانب منهما ثماني عشرة قنطرة.

والمسدود اليوم بالشبابيك من رءوس القناطر إنما هو رءوس القناطر القبلية وبعض ما يليها من القناطر الشرقية ، ثم زال ذلك في الحريق الثاني ، وقد ذكر ابن زبالة عن محمد بن إسماعيل قال : أدركت المسجد كان يضيق عن الناس يوم الجمعة حتى يصلي بعضهم في دار القضاء ، وهي يومئذ مبنية ، وفي دار ابن مكمل ، وفي دار النحامين ، وفي دار عاتكة ، قال : فلما قدم أبو جعفر المنصور المدينة سنة أربعين ومائة أمر بستور فستر بها صحن المسجد على عمد لها رءوس كقريات الفساطيط ، وجعلت في الطّيقان ـ أي القناطر المتقدم ذكرها ـ فكانت الريح تدخل فيها ، فلا يزال العمود يسقط على الإ ، سان ، فغيّرها وأمر بستور هي أكثف من تلك الستور وبحبال ، فأتى بها من جدة من حبال السفن القنبار ، وجعلت على سبيك حبالها اليوم ، فكانت تجعل على الناس كل جمعة ، فلم يزل كذلك حتى خرج محمد بن عبد الله بن حسن يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة خمس وأربعين ومائة ، فأمر بها فقطعت درارع لمن كان يقاتل معه ، فتركت حتى كان زمان هرون أمير المؤمنين فأحدث هذه الأستار ، ولم يكن يعني صحن المسجد يستر زمان بني أمية.

قلت : وهذا شيء قد انقطع قديما لعدم الاحتياج إليه لما قلّ الناس بالمدينة ، حتى إن كثيرا من الأروقة لا يمتلئ بالناس.

وبالمسجد اليوم ستارة بالقرب من باب الحجرة الشامي ترخى على ما يليه من القناطر الشرقية لتقي من يجلس هناك من خدام المسجد حر الشمس.

وقال ابن زبالة ويحيى : وكان ماء المطر إذا كثر في صحن المسجد يغشى السقائف التي في القبلة ، وكانت حصباء تلك الناحية تسيل إلى صحن المسجد ، فجعل بين القبلة والصحن لاصقا بالسواري حجاب من حجارة من المربعة التي في غربي المسجد إلى المربعة التي في شرقيه على القبر ، فمنع الماء من الصحن أن يغشى القبلة ومن حصباء القبلة أن يصير إلى الصحن. وعبارة يحيى : فأمر أبو البحتري بحجارة فجعلت ردا لذلك الماء الذي كان يدخل والحصباء التي كانت تسيل فيما بين المربعة التي كانت عند القبر والمربعة التي في غربي المسجد ، وجعل ذلك لاصقا بالسواري.

قلت : والمراد أنه جعل أحجار الحجاب المذكور فيما بين السواري التي تلي رحبة المسجد من المشرق إلى المغرب ، وقد كانت مربعة القبر أول السواري المذكورة من جهة المشرق ؛ لأنها في صف أسطوان الوفود كما قدمناه ، وذلك الصف كان آخر المسقف القبلي ، وكانت المربعة الغربية في آخر السواري المذكورة مما يلي المغرب ، وهي الأسطوان المثمنة اليوم

٢٠٥

التي بينها وبين ركن صحن المسجد الغربي اليوم أسطوانتان بسبب زيادة الرواقين المتقدم ذكرهما في مؤخر المسقف المذكورة ، وهذا الحجاب المذكور قد اندفن اليوم فلا يظهر منه شيء ، والظاهر أنه كان بين السواري المطيفة بصحن المسجد من المشرق والمغرب حجاب مثل ذلك ، وكانت بقاياه ظاهرة فيما يلي الدكاك من المسقفين المذكورين قبل حدوث ما سبق من الدكاك بهما ، والمسقف القبلي اليوم أرضه عالية على ما يليه من الصحن يسيرا ؛ فلا يغشاه مياه الأمطار ، لكن وطأه متولي العمارة بعد الحريق الثاني حتى ساوى به أرض المصلى الشريف كما سبق ، فاحتاج إلى عمل حجاب من الأحجار بين السواري التي تلي رحبة المسجد من جهة القبلة وما حولها.

عدد بالوعات المسجد

وأما عدد البالوعات بصحن المسجد فقد ذكر ابن زبالة ويحيى أن به أربعا وستين بالوعة لماء المطر عليها أرحاء لها صمائم من حجارة يدخل الماء من خلالها.

قلت : ولا يظهر به اليوم غير بالوعة واحدة لها فوّهتان ، وهي عند الحجرين المتقدم ذكرهما في تجديد المسجد ، وإحدى الفوهتين إلى جانب الحجرين من القبلة ، والثانية إلى جانبهما من جهة الشام ، ويجتمعان في بئر واحدة هناك ، وعليهما حجران كالأرحاء ، وفي أسفل ما على فوهتيهما من ذلك مشبك يدخل الماء من خلاله ليمنع نزول الحصباء هناك ، ومع ذلك فقد بحروها في العمارة المتقدم ذكرها أولا ، فخرج منها شيء كثير من الحصباء.

سقايات المسجد

وأما السقايات التي كانت به فذكر ابن زبالة أنه كان في صحن المسجد في زمنه تسع عشرة سقاية ، وذلك في صفر سنة تسع وتسعين ومائة ، منها ثلاث عشرة أحدثتها خالصة ، وهي أول من أحدث ذلك ، ومنها ثلاث سقايات لزيد البربري مولى أمير المؤمنين ، ومنها سقاية لأبي البحتري وهب بن وهب ، ومنها سقاية لشجن أم ولد هارون أمير المؤمنين ، ومنها سقاية لسلسبيل أم ولد جعفر بن أبي جعفر. وقد أورد ذلك ابن النجار مترجما عليه بذكر السقايات التي كانت في المسجد ، ثم قال : وأما الآن فليس في المسجد سقاية إلا في وسطه. قال : وفيه بركة كبيرة مبنية بالآجر والجص والخشب ينزل إليها بدرج أربع في جوانبها ، والماء ينبع من فوارة في وسطها تأتي من العين ، ولا يكون الماء فيها إلا في أيام المواسم إذا جاء الحاج ، وبقية السنة تكون فارغة. عملها بعض الأمراء بالشام ، واسمه شامة. قال : وعملت الجهة أم الخليفة الناصر لدين الله في مؤخر المسجد سقاية كبيرة فيها عدة من البيوت ، وحفرت لها بئرا ، وفتحت لها بابا إلى المسجد في الحائط الذي يلي الشام ، انتهى.

٢٠٦

قلت : الذي يظهر من كلام ابن زبالة أنه أراد بالسقايات ما يجعل لأجل الشرب ، وظاهر ما ذكره ابن النجار أن المراد بذلك ما يجعل للوضوء. وذكره لما عملته أم الخليفة الناصر لدين الله صريح في ذلك ، فإنه يعني بذلك الميضأة التي بابها في حائط المسجد الشامي ، وكان لها باب آخر من خارج سد قديما ، وهو ظاهر فيما يلي المسجد من المغرب.

وقوله «فيها عدة بيوت» أي عدد الأخلية التي بها.

وقوله أولا «فأما الآن فليس في المسجد سقاية إلا في وسطه» الظاهر أنه يريد السقاية التي كانت للشرب بوسط المسجد.

وقد ذكرها البدر بن فرحون فقال : ولقد كان في وسط المسجد سقاية يحمل إليها الماء من العين بناها شيخ الخدام في ذلك الوقت ، ووقف عليها أوقافا من ماله وكانت متقدمة على النخل تقديرها خمسة عشر ذراعا في مثلها ، وجعل في وسطها مصرفا للماء مرخما ، ونصب فيها مواجير للماء وأزيارا ودوارق وأكوازا ، وحجّرها بالخشب والجريد ، وجعل لها غلقا من حديد ، واستمرت السنين العديدة ، فكثر الشر فيها ، والتزاحم عندها ، وصار يدخلها من يتوضأ فيها فربما يزيل فيها الأذى ، من استقرب المدى ، ثم تعدى الحال وزاد شرها. وذكر فتنة اتفقت للخدام مع بعض الأشراف بسببها ، قال : فلما غلبت مفسدتها على مصلحتها أزيلت عن اجتماع من القاضي شرف الدين الأميوطي والشيخ ظهير الدين ، انتهى.

وأما البركة التي ذكرها ابن النجار فإنها مذكورة في كلام المطري ، واقتضى كلامه نسبتها لابن أبي الهيجاء ، فإنه ذكر ما سيأتي عنه في الكلام على العين الزرقاء من أن ابن أبي الهيجاء في حدود الستين وخمسمائة أمدّ منها شعبة وأوصلها إلى الرحبة التي عند المسجد من جهة باب السلام ، يعني سوق المدينة اليوم. ثم قال : وكان قد جعل منها شعبة صغيرة تدخل إلى صحن المسجد ، وجعل لها منهلا بدرج عليه عقد يخرج الماء من فوارة يتوضأ منها من يحتاج إليه ، فحصل بذلك انتهاك حرمة المسجد الشريف من كشف العورات والاستنجاء في المسجد ، فسدّت لذلك ، انتهى.

قلت : وقد رأيت آثار درجها في غربي النخيل التي بصحن المسجد قريبا منها ، وليس بالمسجد اليوم شيء من السقايات إلا ما يحمل إليه من الدوارق المسبّلة فيشربها الناس في أوقات مخصوصة ، إلا أن خزانة الخدام الآتي ذكرها لا يزال بها ماء لأجل شربهم. ثم لما عمر سلطان زماننا الأشرف مدرسته التي بين باب الرحمة وباب السلام جعل فيها سبيلا مما يلي باب الرحمة له شباك إلى المسجد.

٢٠٧

حواصل المسجد

وأما الحواصل والخزائن التي بالمسجد الشريف ففيه القبة التي بصحنه ، وقد مر ذكرها ، وغالب ما يوضع فيها اليوم زيت وقود المسجد ، وتقدم أن المصحف المنسوب إلى عثمان رضي الله تعالى عنه موضوع بها.

وبالمسجد أيضا أمام كل من المنارات الأربع خزانة ، إلا أن ما أمام المنارتين القبليتين من ذلك أصلي ، بخلاف المنارتين الشاميتين فإنه محدث ، ولذلك قال البدر بن فرحون : وما أحق بالإزالة ما أحدث بالمنارتين الشاميتين ؛ إذ قدم بابهما على بابيهما الأصليين ، وجعل ما بين البابين في كل منارة خلوة اقتطع بها جانب من المسجد كبير لا شك في تحريمه ، انتهى.

وفي جهة المغرب أيضا إلى جانب باب المنارة الشمالية الغربية المعروفة بالخشبية ـ سميت بذلك لأن حد الخشبتين كان يؤذن بها ـ خزانة صغيرة يضع بعض الخدام فرشهم فيها ، وربما أقام بها من يريد الاعتكاف بالمسجد ويليها في جهة المغرب أيضا حاصلان كبيران يوضع فيهما القناديل الزجاج وبعض آلات المسجد ، وفي الأول منهما مما يلي الخزانة المذكورة وضعت كتبي ، وكنت أجلس به للمطالعة والاعتكاف فإنه من المسجد ، واتفق لي في سبب الإقامة به أمر ليس هذا محل ذكره.

ويقابل ذلك في جهة المشرق مما يلي المنارة المعروفة بالسنجارية خلوة كبيرة فيها فرش الخدام أيضا ، وإلى جانبها خزانتان إحداهما بيد من تكون له النوبة من الفراشين يضع فيها فوانيس المسجد ونحوها ، والثانية بيد الخدام أيضا ، وفي جهة المشرق قريبا من باب جبريل بينه وبين باب النساء خزانة يضع فيها الخدام الماء لشربهم وبعض فرشهم وأمتعتهم ، وهي المذكورة في كلام ابن جبير حيث قال : وفي الجهة الشرقية بيت مصنوع من عود هو موضع مبيت بعض السّدنة الحارسين للمسجد المبارك ، قال : وسدنته فتيان أحابيش وصقالبة ظراف الهيئة نظاف الملابس والشارات ، انتهى ، وإلى جانب الخزانة المذكورة صندوق يوضع فيه ما يستخرج من القبة من الزيت للوقود في كل ليلة.

وفي غربي المسجد بين باب الرحمة وباب السلام حاصل يوضع فيه النورة ، يعرف بابه بخوخة أبي بكر رضي الله تعالى عنه ، فإنها كانت في محاذاته كما تقدم ، فلما زيد في المسجد جعلوا هناك خوخة في المسجد تحاذي الخوخة الأولى وقد جعل لذلك ثلاثة أبواب عند عمارة المدرسة الأشرفية ، ومحل الخوخة من ذلك الباب الثالث من على يسارك إذا دخلت من باب السلام.

قناديل المسجد

وأما عدد قناديله فذكر ابن زبالة أنها مائتان وتسعون قنديلا في زمانه ، وجملتها في

٢٠٨

زماننا مائتا قنديل وستة وخمسون قنديلا ، هذه الدائمة ، ونحو المائة قنديل يسرجونها في بعض الأوقات ، ويجعلون في كل قنطرة من القناطر التي تلي صحن المسجد من مقدمه وجنبتيه ثلاثة قناديل ، ويقتصرون في بعض الأوقات على واحد في كل قنطرة كما في القناطر التي في مؤخر المسجد ، سيما إذا قلّ عندهم الزيت ، وحدث بعد الحريق الثاني زيادة سلاسل كثيرة معدة لتعليق القناديل بها ، وبصحن المسجد أربعة مشاعيل اثنان في جهة القبلة واثنان في جهة الشام ، وكل واحد كالأسطوانة ، وبأعلاه مسرجة عظيمة تشعل في ليالي الزيارات المشهورة ، ولا أدري ابتداء حدوث ذلك ، ويزيدون تنانير وبزاقات في مقدم الروضة وما حولها ، ويحتفلون بذلك سيما في ليلة سبع وعشرين من رمضان ، ويسرجون في كل ليلة منه نحو أربعين شمعة ، ويضعونها على شمعدانات كبار في قبلة الروضة والحجرة ، وفي غربي المنبر ، وبعضها في محراب الحنفية الآتي ذكره.

وللمسجد فوانيس عدتها ستة ، يطوف بها الخدام بعد صلاة العشاء الآخرة لإخراج الناس من المسجد عند غلق أبوابه ، ولا يدعون به إلا الخدام ومن له نوبة من أرباب وظائفه.

وذكر البدر بن فرحون في ترجمته شبل الدولة كافورا المظفري شيخ الخدام المعروف بالحريري أن من آثاره الحسنة تبطيل الطوف بالشعل من جريد النخل وتبديلها بالفوانيس التي يطوفون بها اليوم كل ليلة ، وذلك أنهم كانوا قبل الحريري وصدرا من ولايته يأخذ عبيد الخدام وبعض الفراشين شعلا من سعف النخل فيطوفون بها عوض الفوانيس اليوم يجرون بها كأشد ما يكون من الجري ، فإذا وصلوا باب النساء خرجوا بها وخبطوا ما بقي معهم منها ، وكانت تسود المسجد وتسود بابه أيضا ، وفيها من البشاعة ما لا يخفى ، فأمر بالفوانيس عوضهارحمه‌الله تعالى.

في صحن المسجد نخيل مغروسة

وبصحن المسجد نخيل مغروسة ، ولم أدر ابتداء حدوث ذلك ، إلا أن ابن جبير قال في رحلته عند ذكر القبة التي بصحن المسجد ما لفظه : وبإزائها في الصحن خمس عشرة نخلة ، انتهى.

وقال البدر ابن فرحون : إن أول من أدرك من مشايخ الخدام الشيخ عزيز الدولة ، قال : وفي أيامه غرس كثير من هذا النخل الذي بالمسجد اليوم ، وكان منه شيء قبل العزيزي ، ومات أكثره ، انتهى.

وذكر المجد عزيز الدولة وقال : إن غرس أكثر هذا النخل كان في زمانه ، ثم قال : وكأنه لم يتعرض أحد لإنكار هذه البدعة إجلالا لشأنه ، أو خوفا من لسانه ، أو تمكينا له من

٢٠٩

الاقتداء بمن غرسه قبله وخنق في عنقه من هذا المنكر حبله ، وقد انجعفت تلك النخيل لهبوب عاصفة هبت في أواخر مشيخة ياقوت الرسولي ، ثم أعيد الغراس ، ووقع الإنكار من بعض الناس ، لكن لم يصادف كلامه محلا من الإشارة والإفادة ، ولعله سوغ حملا على احتمال أنه لم يغرس أولا إلا بنوع من الاستحقاق ، لكن لا يخفى ما في اعتماد الاحتمال البعيد من قلة التقى.

قلت : وقد أراد طوغان شيخ أن يزيد فيه سنة ثلاث وسبعين وثمانمائة ، فأنكرت ذلك ، وقام بعض أهل الخير في المنع منه ، فبطل ذلك ولله الحمد.

أئمة المسجد

ولم يزل المسجد النبوي بإمام واحد يصلي بالناس في مقام النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ويتقدم أيام الموسم إلى المحراب العثماني ، حتى سعى طوغان شيخ المذكور في إحداث محراب للحنفية في دولة الأشرف إينال ، فقام أهل المدينة في منعه ، وساعدهم على ذلك من أرباب الدولة المصرية صاحب الشيم المرضية جمال الدين يوسف ناظر الخواص الشريفة ، تغمده الله برحمته ، فلم يتم لطوغان المذكور ذلك ، فلما توفي المشار إليه أعاد طوغان السعي في الدولة المذكورة ، فبرزت المراسيم به بعد الستين وثمانمائة ، واستمر إلى زماننا فيصلي إمامه الصلوات الخمس عقب انصراف إمام المحراب النبوي ، وهو إمام الشافعية ، إلا في التراويح فيصليان معا ، وهذا الأمر دبّ إلى المدينة الشريفة من مكة المشرفة.

وقد قال الزركشي : إن السبب في حدوث ذلك بها أن الإمام كان في ذلك الوقت مبتدعا ، فعند ما امتنع الناس من إقامة الجماعة مع إمامهم الذي أقاموه سمحوا للناس في اتخاذ أئمة لأنفسهم ، واستمر الأمر عليه ، وكذا جرى مثله في بيت المقدس وجامع مصر قديما ، انتهى.

وقد بينا حكم ذلك في كتابنا الموسوم «بدفع التعرض والإنكار ، لبسط روضة المختار».

عرض جدار المسجد

وقال ابن زبالة ويحيى : وعرض منقبة جدار المسجد مما يلي المغرب ذراعان ينقصان شيئا ، وعرض منقبته مما يلي المشرق ذراعان وأربعة أصابع ، وإنما زيد فيه لأنها من ناحية السيل.

قلت : وهذا لأن السيل كان يغشى المسجد من تلك الجهة ، ولهذا سقط جدار الحجرة الشرقي كما قدمناه ، وسقط أيضا جدار المسجد من الناحية المذكورة كما قدمناه من قول ابن

٢١٠

زبالة «أخاف المسجد من شرقيه في سلطان محمد بن عبد الله الربعي من ولد ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب من ناحية موضع الجنائز فأمر به فبنى» انتهى.

وقد قدمنا في زيادة الوليد ما رواه يحيى من طريق ابن زبالة في ذرع عرض المسجد ، وبينا فساده ، والصواب ما ذكره ابن زبالة في أواخر الكلام على المسجد ؛ فإنه ذكر ذرع مسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم الأول عرضا وطولا ، ثم قال : وذرع مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم اليوم ذرع عرضه من مقدمه في القبلة بين المشرق والمغرب مائة وخمسة وستون ذراعا ، ينقص مؤخره عن مقدمه خمسة وثلاثين ذراعا ، وطوله من اليمن إلى الشام مائتان وأربعون ذراعا.

قلت : وقد حررت ذرعه فكان عرضه من مقدمه في القبلة مائة ذراع وسبعة وستين ذراعا ونصفا ، فيزيد على ما ذكره ابن زبالة ذراعين ونصفا ، وذلك لاختلاف الأذرعة أو لرخاوة الحبل الذي وقع القياس به ، ونحو ذلك.

وكان عرضه من مؤخره في الشام مائة وخمسة وثلاثين ذراعا فيزيد على ما ذكره خمسة أذرع.

وكان طوله من القبلة إلى الشام مائتي ذراع وثلاثة وخمسون ذراعا ، فيزيد على ما ذكره ابن زبالة ثلاثة عشر ذراعا.

وقد ذكر ابن النجار ما يوافق ذرعنا هذا مع مخالفة يسيرة فقال : طول المسجد اليوم من قبلته إلى الشام مائتا ذراع وأربعة وخمسون ذراعا وأربعة أصابع ، ومن شرقيه إلى غربيه ـ يعني في مقدمه ـ مائة ذراع وسبعون ذراعا صافية ، انتهى.

قال ابن زبالة : وطول رحبة المسجد ـ يعني صحنه ـ من اليمن إلى الشام مائة وخمسة وستون ذراعا ، وعرضها بين المشرق والمغرب ثمان وتسعون ذراعا ، انتهى.

وذكر ابن النجار أن طولها مائة وتسعة وخمسون ذراعا وثلاثة أصابع ، وعرضها سبع وتسعون ذراعا راجحة.

قلت : وطول رحبة المسجد اليوم من القبلة إلى الشام مائة ذراع واثنان وخمسون ذراعا ونصف ذراع ، فإذا أضفت لذلك عرض الرواق الذي زيد في الرحبة على ما قدمناه من أنه زيد فيها رواقان من ناحية ونقص رواق من ناحية والرواق نحو تسعة أذرع فيكون جملة ذلك مائة وأحدا وستين ذراعا ونصفا ، وذلك نحو ما ذكره ابن النجار.

وأما عرض الرحبة اليوم من مقدم المسجد فخمسة وتسعون ذراعا بتقديم التاء على السين ، والله تعالى أعلم.

وذكر ابن النجار أن طول المسجد في السماء خمسة وعشرون ذراعا ، ومراده ارتفاعه من أرضه إلى أعلى شرفاته ؛ لأنه ذكر في موضع آخر ما يقتضي أن ارتفاعه من أرض المسجد إلى

٢١١

سقفه أحد وعشرون ذراعا ، فيكون سمك السقف والحائط الذي عليه الشراريف حول صحن المسجد أربعة أذرع ، والذي بين أرض مقدم المسجد وسقفه بعد خفض أرضه عقب الحريق الثاني اثنان وعشرون ذراعا ، وتقدم في زيادة عمررضي‌الله‌عنه ما يقتضي أنه كان بينهما في زمانه أحد عشر ذراعا ، ولم أقف على ذكر ما جعله عثمان رضي الله تعالى عنه بينهما ، وذرع ما بين الأرض المحيطة بالمسجد من خارجه وأعلى سترة جداره من جهة المغرب ثمانية وعشرون ذراعا ؛ فهذا سمك المسجد من خارجه ، والله أعلم.

وقد تقدم ذكر منابر المسجد وذرعها في زيادة الوليد.

الفصل الثاني والثلاثون

في أبواب المسجد وما سد منها ، وما بقي ،

وما يحاذيها من الدور قديما وحديثا

أبواب المسجد

تقدم أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم جعل للمسجد الشريف ثلاثة أبواب : بابا في مؤخره ، والباب الذي يدعى باب عاتكة ويقال له باب الرحمة ، والباب الذي كان يدخل منه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو باب آل عثمان.

وقد اقتضى كلام المؤرخين أن هذين البابين لم يحولا عن مكانهما ، بل لما زيد في المسجد من جهتهما جعلا في محاذاة محلهما الأول.

وقد قدمنا في زيادة عمررضي‌الله‌عنه أنه جعل الأبواب ستة : بابين عن يمين القبلة ، وبابين عن يسارها ، وبابين خلف القبلة ، وأنه لم يغير باب عاتكة ولا باب عثمان ، بل زاد في جهة باب عاتكة الباب الذي عند دار مروان وهو باب السلام ، وزاد بعد باب عثمان الباب المعروف بباب النساء ، فهذان البابان هما المزيدان في المغرب والمشرق.

وسبق أيضا أن عثمان رضي الله تعالى عنه أقر هذه الأبواب على حالها ، ولم يزد فيها شيئا.

ولم يذكر ابن زبالة ولا يحيى ولا رزين ما زاده الوليد من الأبواب ، ولا ما زاده المهدي حين زاد في المسجد ، إلا أن ابن النجار قال : وأما أبواب المسجد فكانت بعد زيادة المهدي فيه ، وذكر تسعة عشر بابا غير باب خوخة أبي بكررضي‌الله‌عنه ، كما سيأتي ، وبين أماكنها كما سنشير إليه.

وقال المطري وتبعه المراغي والمجد : لما بنى الوليد بن عبد الملك المسجد ووسعه جعل له عشرين بابا ، وذكر الأبواب المذكورة بعينها مع الخوخة المذكورة ، وهذا وهم ؛ لأن المنقول في هذه الأبواب أنها إنما كانت في زيادة المهدي ، وهي التي استقر عليها الحال في أمر

٢١٢

المسجد ، وأيضا فما سيأتي في وصف الأبواب التي في جهة الشام وما يليها من جهة المشرق والمغرب لا يتصور أن يكون في زمن الوليد ؛ لما تقدم من أن المهدي هو الذي زاد ذلك ، والمطري موافق عليه ، فكيف يذكر وصف تلك الأبواب فيما نسبه للوليد ، وسيأتي أيضا أن أحد هذه الأبواب ـ وهو باب زياد ـ إنما فتحه زياد في ولاية أبي العباس المنصور.

والحاصل من كلام من كان قبل المطري من المؤرخين أن الذي استقر عليه أمر المسجد بعد انتهاء زياداته كانت شارعة في رحبة دار القضاء ولا ينافي ذلك قول ابن زبالة. وفي المسجد ـ يعني في زمنه ـ أربعة وعشرون بابا لأنه قال في تفصيلها : منها ثمانية من ناحية المشرق ، ومما يلي القبلة : باب يدخل منه الأمراء من ناحية باب مروان إلى المقصورة ، وعن يسار القبلة الباب الذي تدخل منه المقصورة من موضع الجنائز ، وعن يمين القبلة باب بحذائه سواء في الطرف الآخر أي في مقابلته يدعى باب زيت القناديل ، ذكروا أن مروان عمله ، وخوخة آل عمر تحت المقصورة ، ومما يلي المغرب ثمانية أبواب منها الخوخة التي تقابل يمين خوخة أبي بكر الصديقرضي‌الله‌عنه ، ومما يلي الشام أربعة ، انتهى كلام ابن زبالة ؛ فغيره لم يعد الباب الذي كان في القبلة شارعا في دار مروان ؛ لأنه باب دار ، وكذا خوخة آل عمر ؛ لأنها للدار لا للمسجد ، وكذا باب زيت القناديل ؛ لأنه باب خزانة للمسجد لا يدخل منه عامة الناس ، وكان موضعه عند زاوية الجدار الغربية مما يلي القبلة وجدوه عند عمارة المنارة التي بباب السلام وسد بجدارها.

وأما الباب الذي ذكره عن يسار القبلة فيؤخذ من كلامه أنه كان في المشرق مقابلا لباب زيت القناديل وأنه خاص بالمقصورة ، ولو كان بابا عاما لعده في الأبواب التي في جهة المشرق ، وقد ظهر هذا الباب عند هدم المنارة الشرقية بعد الحريق الذي أدركناه ، وهو باب صغير وجد مسدودا عند زاوية جدار المسجد الشرقية ، وكأن الدخول كان منه إلى الخزانة التي تحت المنارة الشرقية اليمانية ثم منها إلى المقصورة ، ولهذا لما بسط ابن زبالة الكلام على أبواب المسجد في موضع آخر لم يذكر هذه الأبواب الأربعة ، بل اقتصر على العشرين.

فلنذكر ما ذكره وغيره فيها وما زاده المطري في بيانها مما يعرف بمحلها ثم نفرد خوخة آل عمر بالكلام عليها ، فنقول :

باب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم

الأول : وهو مبتدأ أبواب جهة المشرق مما يلي القبلة ، باب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، سمي بذلك لكونه في مقابلة حجرة عائشة رضي الله تعالى عنها التي بها قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، لا لكونه دخل منه ؛ إذ لا وجود له في زمنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقد سد عند تجديد الحائط الشرقي ، وجعل مكانه شباك

٢١٣

يقف الإنسان عنده من خارج ، فيرى الحجرة الشريفة ، كذا قاله المطري ومن بعده ، وسيأتي ما يخالفه.

باب علي

الثاني : باب عليرضي‌الله‌عنه ، كان يقابل بيته الذي خلف بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقد سد أيضا عند تجديد الحائط ، وما ذكرنا من أن باب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم مقدم على هذا الباب للقبلة صرح به المطري ومن تبعه ، وهو الذي تقتضيه المناسبة التي ذكروها للتسمية بذلك ، لكن صرح ابن النجار بخلافه ، فقال في عدّ أبواب جهة المشرق : باب علي ، ثم باب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ثم باب عثمان ، ثم باب مستقبل دار ريطة ، إلى آخر الترتيب الآتي ، ومأخذه في ذلك أن ابن زبالة ويحيى ذكرا ما كان مكتوبا على جدارات المسجد فقالا : وفي الزيادة الشرقية في جوف المسجد بين باب علي وباب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم مكتوب ، وذكرا ما كان مكتوبا.

ثم قالا : وبين باب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وباب عثمان مكتوب ، وذكرا ما كان مكتوبا.

ثم ذكر أيضا في الكتابة من خارج الجدار على الأبواب نحو هذا ، وقالا أيضا : إن في القبلة من خارج المسجد في موضع الجنائز حيث يصلي على الموتى عند باب علي بن أبي طالب مكتوب بعد البسملة( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) [آل عمران : ١٩٠] الآية فاقتضى ذلك أن باب علي هو أول أبواب هذه الجهة ، وأن باب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم هو الثاني منها ، والذي حمل المطري ومن تبعه على مخالفة ذلك ما قدمناه عنه من رعاية تلك المناسبة ، ويحتمل : أن بيت عليرضي‌الله‌عنه كان ممتدّا في شرقي حجرة عائشةرضي‌الله‌عنها إلى موضع الباب الأول

فسمي باب علي بذلك ، ويدل له ما تقدم عن ابن شبة في الكلام على بيت فاطمةرضي‌الله‌عنها من أنه كان فيما بين دار عثمان التي في شرقي المسجد وبين الباب المواجه لدار أسماء ، ويكون تسمية الباب الثاني بباب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لقربه من بابه ، والله أعلم.

باب عثمان باب جبريل

الثالث : باب عثمان ، وهو الباب الذي وضع قبالة الباب الذي كان يدخل منه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقد قدمنا عن ابن زبالة ويحيى أن الباب الذي كان يدخل منه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم هو باب آل عثمان ولذا أطلق عليه في رواية ليحيى في زيادة عثمان أنه باب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم . وقد ظهر درج عند باب مقصورة الحجرة الشامي في مقابلة الباب المذكور بسبب الحفر للدعامة التي هناك ، والظاهر أنه درج الباب المذكور قبل تحويله ؛ لكونه في موازاة جدار المسجد الأول كما يؤخذ مما سبق من حدوده ، وسمي بذلك لمقابلته لدار عثمان بن عفان ، وسيأتي أنها كانت من الطريق التي تسلك إلى البقيع التي عن يسار الخارج من هذا الباب إلى الطريق التي في شامي

٢١٤

المدرسة الشهابية ، والذي يقابل هذا الباب اليوم من دار عثمان رباط أنشأه جمال الدين محمد بن أبي المنصور الأصفهاني المعروف بالجواد وزير بني زنكي.

قال المطري : وقفه على فقراء العجم ، وجعل له فيه تربة لها شباك في جهة الشباك المتقدم ذكره في مقابلة القبر الشريف. ولما مرض وهو في السجن قال للشيخ أبي القاسم الصوفي : كنت أخشى أن أنقل من الدست إلى القبر ، يعني أنه فرح بأن يأتيه الموت وهو على تلك الحالة ، وقال له : إن بيني وبين أسد الدين شركوه ـ يعني عم صلاح الدين بن أيوب ـ عهدا أن من مات قبل صاحبه حمله صاحبه الحي إلى المدينة الشريفة فدفنه فيها في التربة التي عملها ، فإن أنا مت فامض إليه فذكره ، فلما توفي سار الشيخ إلى أسد الدين في هذا المعنى ، فأعطاه مالا صالحا ليحمله به إلى مكة والمدينة الشريفتين ، وأمر أن يحج معه جماعة من الصوفية ، ومن يقرأ بين يدي تابوته عند النزول والرحيل وقدوم مدينة تكون في الطريق ، وينادى بالصلاة عليه في البلاد ، فلما كان في الحلة اجتمع الناس للصلاة عليه ، فإذا شاب قد ارتفع على موضع عال ونادى بأعلى صوته :

سرى نعشه فوق الرقاب ، وطالما

سرى جوده فوق الركاب ونائله

يمرّ على الوادي فتثني رماله

عليه ، وبالنادي فتثنى أرامله

فلم ير باك أكثر من ذلك اليوم ، ثم وصلوا به إلى مكة فطافوا به حول الكعبة ، وصلوا عليه بالحرم ، وحملوه إلى المدينة فصلوا عليه ودفنوه بتربته المذكورة.

وكانت وفاته في سنة تسع وخمسين وخمسمائة ، وكان له آثار حسنة سيما بالحرمين الشريفين ، وعمل للمدينة الشريفة السور الآتي ذكره ، وسنذكر هناك شيئا من ترجمته.

وفي قبلة رباطه من دار عثمان أيضا تربة اشترى أرضها أسد الدين شيركوه بن شاذي عم السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شاذي ، وحمل إليها هو وأخوه نجم الدين أيوب والد صلاح الدين بعد موتهما ودفنا فيها سنة ست وسبعين وخمسمائة ، وتوهم الذهبي أنهما دفنا بالبقيع فجزم به في العبر.

وبقية دار عثمان من القبلة دار إلى جانب هذه التربة موقوفة على خدام الحرم الشريف يسكنها مشايخهم ، وهذه دار عثمان الكبرى المقابلة لهذا الباب ، وسيأتي ذكر داره الصغرى التي في موضعها رباط المغاربة. ويعرف هذا الباب أيضا بباب جبريلعليه‌السلام .

قلت : ولم يبينوا سبب تسميته بذلك ، ولعل سببها ما سبق في الفصل الرابع والعشرين من قول أبي غسان : إن علامة مقام جبريل التي يعرف بها اليوم أنك تخرج من الباب الذي يقال له باب آل عثمان فترى على يمينك إذا خرجت من ذلك الباب على ثلاثة أذرع وشبر وهو من الأرض على نحو من ذراع وشبر حجرا أكبر من الحجارة التي بها جدار المسجد ،

٢١٥

مع ما قدمناه أيضا من أن الأصل في ذلك أن جبريلعليه‌السلام في غزوة بني قريظة أتى على فرس عليه اللأمة حتى وقف بباب المسجد عند موضع الجنائز ، ولم يكن ثم حينئذ غير الباب المذكور وروى ابن زبالة عن المطلب بن عبد الله أن حارثة بن النعمان مرّ والنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم مع جبريل في موضع الجنائز ، فمر ولم يسلم ، فقال جبريل للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : أهو ممن شهد بدرا؟ قال : نعم ، قال : فكيف هو في أمتك؟ أيرون لهم به؟ قال : نعم ، قال : ما زالت الملائكة الذين شهدوا بدرا معك يرى لهم ، قال : فجاء حارثة إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : هل رأيت الرجل الذي كان معي؟ قال : نعم وشبهته بدحية الكلبي ، قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : فإنه جبريل ، وقد قال لو سلم لرددنا عليه ، فقال : ما منعني من السلام إلا أني رأيتك تحدّث معه فكرهت أن أقطعه عنك ، وروى البيهقي في الدلائل عن حارثة بن النعمان قال : مررت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ومعه جبريل جالس في المقاعد ، فسلمت عليه ومررت ، فلما رجعنا وانصرف النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال لي : هل رأيت الذي كان معي؟ قلت : نعم ، قال : فإنه جبريلعليه‌السلام ، وقد ردّ عليك السلام.

وكان مكتوبا على هذا الباب من خارجه بعد البسملة( لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ) [التوبة : ١٢٨] الآيتين.

باب ريطة (باب النساء)

الرابع : باب ريطة بفتح الراء ابنة أبي العباس السفاح ، كان يقابل دارها ، ويعرف بباب النساء ، وسبب تسميته بذلك ما رواه أبو داود من طريق عبد الوارث عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : لو تركنا هذا الباب للنساء ، قال : نعم ، فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات. ثم قال أبو داود عقبه : وقال غير عبد الوارث ، وهو أصح ، ثم رواه من طريق إسماعيل عن أيوب عن نافع عن ابن عمر «قال قال عمر» بمعناه ، قال : وهو أصح. ثم رواه أيضا من طريق بكير عن نافع قال : إن عمر بن الخطاب كان ينهى أن يدخل من باب النساء ، وهذا هو المعتمد ؛ لما تقدم من أنه لم يكن في زمنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في شرقي المسجد غير باب آل عثمان. وقد روى ابن زبالة ويحيى من طريقه عن ابن عمر قال : سمعت عمر حين بنى المسجد يقول : هذا باب النساء ، فلم يدخل منه ابن عمر حتى لقي الله ، وكان لا يمر بين أيدي النساء وهن يصلين.

ودار ريطة التي كانت مقابلة لهذا الباب قال المطري : كانت دار أبي بكر الصديق ، ونقل أنه توفي فيها ، وهي الآن مدرسة للحنفية بناها ياركوج أحد أمراء الشام ، وعمل له فيها مشهدا نقل إليه من الشام ، والطريق إلى البقيع بينها وبين دار عثمان ، نقل ذلك ابن زبالة.

٢١٦

قلت : وما ذكره من نسبة الدار المذكورة لأبي بكر الصديق سيأتي مستنده مع بيان ما فيه.

وفي أعلى هذا الباب من خارجه لوح من الفسيفساء مكتوب فيه آية الكرسي من بناء المسجد القديم ، وقد زال عند الحريق الثاني.

الخامس : باب كان يقابل دار أسماء بنت الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس ابن عبد المطلبرضي‌الله‌عنهم ، كانت من جملة دار جبلة بن عمرو الساعدي ، ثم صارت لسعد بن خالد بن عمر بن عثمان ، ثم صارت لأسماء المذكورة ، وهي اليوم رباط للنساء ، وقد سدّ هذا الباب أيضا عند تجديد الحائط الشرقي من المنارة الشرقية الشمالية إلى هذا الباب المذكور في أيام الناصر لدين الله سنة تسع وثمانين وخمسمائة ، كذا قاله المطري ومن تبعه ، وظاهر كلام ابن جبير أن سد هذا الباب وغيره من الأبواب كان قبل الثمانين وخمسمائة ؛ لأن رحلة ابن جبير كانت قبل الثمانين كما قدمناه ، وقد قال فيها : وللمسجد المبارك تسعة عشر بابا أي غير خوخة أبي بكر لم يبق منها مفتوحا غير أربعة ، في المغرب منها اثنان ، وفي المشرق اثنان ، انتهى. لكنه قال بعد ذلك : وفي القبلة باب واحد صغير مغلق ، يعني باب دار الإمارة. ثم قال : وفي المغرب خمسة مغلقة أيضا ، وفي المشرق خمسة أيضا مغلقة ، وفي الشام أربعة مغلقة أيضا ، انتهى. فتبين أنها كانت في زمنه غير مسدودة لكنها مغلقة ، فيكون سدّها حدث في التاريخ الذي ذكره المطري ، والله أعلم.

باب سادس

السادس : باب كان يقابل دار خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه ، وقد دخل في بناء الحائط المذكور ، والدار المذكورة اليوم رباط الرجال ، ومعها في جهة الشمال دار عمرو ابن العاص كما سيأتي بيانه ، ويعرف الرباط المذكور اليوم برباط السبيل ، وكذا رباط النساء المتقدم ذكره يعرف بذلك أيضا ، والرباطان المذكوران بناهما القاضي كمال الدين أبو الفضل محمد بن عبد الله بن القاسم الشهرزوريرحمه‌الله تعالى. وذكر ابن زبالة ويحيى أنه كتب على نجاف هذا الباب من داخل «مما أمر به المهدي محمد أمير المؤمنين مما عمل البصريون سنة اثنتين وستين ومائة ومبتدأ زيادة المهدي في المسجد.

قلت : وكتابة ذلك عليه تقتضي أنه الذي أحدثه وما بعده ، وأنه أول زيادته كما تقدم.

باب سابع

السابع : باب كان يقابل زقاق المناصع دخل أيضا في الحائط بعد تجديده ، وزقاق المناصع كان بين دار عمرو بن العاص وأبيات الصوافي ، وعبر عنها المطري بدار موسى بن إبراهيم ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي لأمر توهمه من كلام ابن زبالة

٢١٧

كما سنوضحه إن شاء الله تعالى ، والزقاق اليوم ينفذ إلى دار الحسن بن علي العسكري ، وتعرف اليوم بحوش الحسن ، وكان الزقاق المذكور ينفذ إلى المناصع خارج المدينة ، وهو كان متبرزا للنساء بالليل على عهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأبيات الصوافي هذه التي عبر عنها المطري بدار موسى بن إبراهيم سيأتي أن بعضها اليوم رباط للرجال أنشأه القاضي محيي الدين أبو علي عبد الرحيم بن علي بن الحسن اللخمي البيساني ، ودخل هذا الباب أيضا في الحائط عند تجديده.

باب ثامن

الثامن : باب كان يقابل أبيات الصوافي دخل في الحائط أيضا عند تجديده ، وأبيات الصوافي تقدم أن بعضها الذي يلي دار عمرو بن العاص هو رباط الفاضل ، وبعضها الآخر وهو الذي كان يقابل هذا الباب هو المعروف اليوم بدار الرسام التي وقفها الشيخ صفي الدين السلامي على أقاربه ثم على الفقراء ، وفي شاميها الباب الذي يدخل منه إلى رباطي النخلة ، وهما رباطا السلامى ، وقد عبر المطري عن ذلك بقوله : «وهي ـ يعني أبيات الصوافي ـ في دور كانت بين موسى بن إبراهيم المخزومي وبين عبيد الله بن الحسين الأصغر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالبرضي‌الله‌عنهم » قال : وموضع هذه الدور اليوم دار اشتراها الشيخ صفي الدين أبو بكر بن أحمد السلاميرحمه‌الله ووقفها على قرابته السلاميين ، انتهى.

وسيأتي أن أبيات الصوافي هي الدور التي كان فيها قهطم ، وأنها كانت بين دار عمرو بن العاص ودار موسى بن إبراهيم المخزومي المشتركة بينه وبين عبيد الله بن الحسين ، وأن هذه الدار المشتركة كانت أول الدور في جهة المشرق مما يلي الشام ، فأبيات الصوافي هي دار قهطم ، وفي موضعها ما قدمناه من رباط الفاضل ودار السلامي. وأما الدار المشتركة ففي موضعها اليوم الميضأة المعطلة وبيت الرئيس إبراهيم الذي بين الميضأة والزقاق الذي يلي دار المضيف كما سيأتي بيانه ، ودار المضيف هي آخر الدور التي في جهة الشام ، والدار المشتركة كانت ملاصقة لها ، وسيأتي بيان منشأ ما وقع للمطري ، وهذا الباب آخر الأبواب التي كانت في جهة المشرق.

أبواب المسجد الشامية

وقد طوى المطري الكلام على الأبواب الشامية ، فقال : وفي شمالي المسجد أربعة أبواب سدت أيضا عند تجديد الحائط الشمالي ، وليس في شمالي المسجد اليوم باب إلا باب سقاية عمرتها أم الإمام الناصر.

وسبب عدم كلام المطري على الأبواب الشامية أن ابن زبالة لم يذكر ما يقابلها من

٢١٨

الدور ، لكن ظهر لي أنه يؤخذ من كلامه وكلام ابن شبة في الدور المطيفة بالمسجد ، فلنذكر ما استنفدنا منهما في ذلك ، فنقول :

باب تاسع

التاسع : باب كان في دبر المسجد ، وهو أول أبواب الشام مما يلي المشرق ، وكان يقابل دار حميد بن عبد الرحمن بن عوف ، وهي دار جده عبد الرحمن التي كان ينزل بها ضيفان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كما سيأتي ، وبقية دار ابن مسعود ، وفي موضعهما الدار المعروفة بدار المضيف وما في غربيها من رباط الظاهرية.

باب عاشر

العاشر : باب كان يقابل دار أبي الغيث بن المغيرة ، وفي موضعها اليوم الرباط المعروف برباط الظاهرية والشرشورة.

الباب الحادي عشر

الحادي عشر : باب كان يقابل ما يلي دار أبي الغيث من أبيات خالصة مولاة أمير المؤمنين ، وموضع ذلك المارستان الذي أنشأه أبو جعفر المنتصر بالله سنة سبع وعشرين وستمائة.

الباب الثاني عشر

الثاني عشر : باب كان في مقابلة بقية أبيات خالصة وفي موضع ذلك اليوم بيت وزقاق يتوصل منه إلى الرباط الذي أنشأه الشيخ شمس الدين الشستري. وهذا الباب آخر الأبواب التي كانت في جهة الشام ، وكلها اليوم مسدودة كما تقدم ، وما يوجد اليوم من الدور والأبنية الملاصقة لجدار المسجد المذكور كلها حادثة كما يؤخذ من كلام متقدمي المؤرخين ، ولم أقف على ابتداء حدوث ذلك.

الباب الثالث عشر

الثالث عشر : وهو أول أبواب المغرب مما يلي الشام باب كان يقابل دار منيرة وكانت من دور عبد الرحمن بن عوف ، ثم صارت لعبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، ثم صارت لمنيرة مولاة أم موسى ، وفي موضعها اليوم الدار التي صارت لشيخنا العارف بالله سيدي عبد المعطي المغربي نزيل مكة المشرفة ، ثم انتقلت للسيد الشريف العلامة محيي الدين قاضي الحنابلة بالحرمين الشريفين ، وما في قبلتها إلى الباب الذي يدخل منه إلى دور القياشين التي للخواجا قاوان ، وهذا الباب مسدود كما هو مشاهد من خارج المسجد.

٢١٩

الباب الرابع عشر

الرابع عشر : باب كان يقابل دار منيرة أيضا كما صرح به ابن زبالة ويحيى ، ووهم المجد فجعله الذي بعده ، وموضع ما يقابله اليوم من دار منيرة الدار الموقوفة على الخدام التي في قبلة الزقاق الذي يدخل منه إلى دور القياشين ، وهذا الباب مسدود اليوم كما يظهر من خارج المسجد أيضا ، وبذلك يعلم أن محلهما من ذلك الجدار لم يجدد.

الباب الخامس عشر

الخامس عشر : باب كان يقابل دار نصير صاحب المصلى وهو مولى المهدي وكانت هذه الدار منزلا لسكينة بنت الحسين بن عليرضي‌الله‌عنهم ، وفي موضعها اليوم الدار التي عن يسار الداخل من زقاق دور القياشين والدار التي تعرف اليوم بدار تميم الداري ، وقد آلت إليّ ثم وقفتها ، وهي الآن منزلي ، ولم أقف على أصل في تسميتها بذلك ، وهذا الباب في مقابلة الدار المعروفة بدار تميم من دار نصير ، وهو مسدود اليوم ، وبقيت منه قطعة تظهر من خارج المسجد ، ودخل باقيه عند تجديد الحائط من باب عاتكة إليه.

الباب السادس عشر

والسادس عشر : باب كان يقابل دار جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك ، وقد دخل في داره هذه فارغ أطم حسان بن ثابت كما قاله ابن زبالة ، وفي موضعها اليوم المدرسة الكلبرجية التي أنشأها السلطان شهاب الدين أحمد سلطان كلبرجة من بلاد الهند في سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة ، وهذا الباب دخل في الحائط عند تجديده ، وأسقطه المطري مع أنه مذكور في كلام ابن زبالة ويحيى ، ولما أسقطه زاد بدله بابا لا وجود له في كلام من قبله ، على ما سيأتي التنبيه عليه.

باب عاتكة (باب السوق) (وباب الرحمة)

السابع عشر : باب عاتكة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية ، كان يقابل دار عاتكة المذكورة ، ثم صارت هذه الدار ليحيى بن خالد البرمكي والد جعفر ، ودخلت في دار جعفر المتقدم ذكرها ، وتوهم الزين المراغي من نسبتها لجعفر بن يحيى ومن كون أطم حسان دخل في دار جعفر بن يحيى أنها محل أطمه ، وليس كذلك لما قدمناه ، وفي موضعها اليوم دار من أوقاف الخدام في قبلة المدرسة الكلبرجية تواجه يمين الخارج من باب المسجد المذكور ، وقد استبدلها الشيخ الزيني بن مزهر بإزالة ديوان الإنشاآت وما غربيها من الدور ، واتخذ ذلك مدرسة ورباطا وأروقة على يد صاحبنا العلامة الشيخ نور الدين المحلي نفع الله به ، ويعرف هذا الباب قديما أيضا بباب السوق ، كما يؤخذ مما سيأتي في باب زياد ، لأن سوق المدينة كانت في المغرب في جهته. ويعرف قديما أيضا بباب الرحمة ؛ فإن يحيى ذكر في بناء النبي

٢٢٠