وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى الجزء ٤

وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى0%

وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى مؤلف:
المحقق: خالد عبد الغني محفوظ
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف: مكتبة القرآن الكريم
الصفحات: 234

وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى

مؤلف: نور الدين علي بن أحمد السّمهودي
المحقق: خالد عبد الغني محفوظ
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف:

الصفحات: 234
المشاهدات: 9369
تحميل: 712


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 234 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 9369 / تحميل: 712
الحجم الحجم الحجم
وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى

وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى الجزء 4

مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
العربية

وادي : معرفة غير مضاف ، علم للوادي الذي به فج الروحاء ، وتقدم في مفرش قول ابن عمر : هبطت بطن واد فإذا ظهر من بطن واد مع بيان المزية.

وادي أبي كبير : فوق المخرم والمعرس وصدر الحفيرة.

وادي أحيليين :بضم الهمزة وسكون الحاء المهملة ثم مثناة تحتية ثم لام ومثناتين كذلك ، تقدم في نار الحجاز.

وادي الأزرق : بسكون الزاي ثم راء ، سبق في جمدان أنه بعد أمج بميل وفي الصحيح أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم مر بوادي الأزرق فقال : كأني أنظر إلى موسى هابطا من الثنية له جؤار إلى الله بالتلبية ، ثم أتى على ثنية هرشى فقال : «كأني أنظر إلى يونس بن متّى» ، الحديث.

وقوله : «ثم أتى» يعني في الرجوع إلى المدينة.

وادي بطحان : وغيره من الأودية التي بالمدينة سبقت في الفصل الخامس وما قبله.

وادي الجزل : بالجيم والزاي ، الوادي الذي به الرحبة ، وسقيا لجزل قرب وادي القرى ، ويلقى وادي إضم في نخيل ذي المروة.

وادي دحيل : سبق في حمى النقيع.

وادي الدوم : معترض في شمالي خيبر إلى قبلتها ، أوله من الشمال غمرة ، ومن القبلة القصيبة ، وهو فاصل بين خيبر والعراص.

وادي السّمك : بفتح السين المهملة ثم السكون ، بناحية الصفراء ، يسلكه الحاج أحيانا ، ذكره المجد في السين.

وادي القرى :واد كثير القرى ، بين المدينة والشام ، وقال الحافظ ابن حجر : هي مدينة قديمة بين المدينة والشام ، وأغرب ابن قرقول فقال : إنها من أعمال المدينة ، انتهى.

ولا إغراب فيه لتصريح صاحب المسالك به كما سبق في تبوك ، وسبق أن دومة الجندل من أعمال المدينة ، وأنها بوادي القرى ، بل يظهر أنها أبعد منه لأنها على خمس عشرة أو ست عشرة ليلة من المدينة ، وأما وادي القرى ففي طبقات ابن سعد أن أسامة بن زيد لما رجع من غزوة الروم أجدّ السير ، فورد وادي القرى في سبع ليال ، ثم قصد يعدو في السير فسار إلى المدينة ستا ، وسبق أن حجر ثمود على يوم من وادي القرى ، وأن العلا بناحية وادي القرى.

وروى البيهقي : من طريق الواقدي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : خرجنا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من خيبر إلى وادي القرى ، فلما نزلنا إلى وادي القرى انتهينا إلى يهود

١٦١

وقد ثوى إليها ناس من العرب ، وذكر استقبال يهود لهم بالرمي وهم يصيحون في آطامهم وقتالهم حتى أمسوا ، قال : وغدا عليهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلم ترتفع الشمس قيد رمح حتى أعطوا بأيديهم. وفتحها عنوة ، وغنمه الله أموالهم ، أصابوا أثاثا ومتاعا كثيرا ، فأقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بوادي القرى أربعة أيام ، وقسم ما أصاب ، وترك الأرض والنخل بأيدي يهود ، وعاملهم عليها ، فلما بلغ يهود تيماء ما وطئ به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم خيبر وفدك ووادي القرى صالحوه على الجزية ، وأقاموا بأيديهم أموالهم فلما كان عمر أخرج يهود خيبر وفدك ، ولم يخرج أهل تيماء ووادي القرى ؛ لأنهما داخلتان في أرض الشام ويروى أن ما دون وادي القرى إلى المدينة حجاز ، وأن ما وراء ذلك من الشام فانصرف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بعد أن ترفع من خيبر ومن وادي القرى ، وقال أحمد بن جابر : قيل : إن عمر أجلى يهود وادي القرى ، وقيل : لم يجلهم.

وسبق في ذي المروة أن بعضهم عده من وادي القرى ، وأنه إن ثبت فهو غير وادي القرى المذكور ، وسبق في بلاكث وبرمة ما يؤيده ، وعليه أهل المدينة اليوم ؛ لأنهم يسمون ناحية ذي المروة وناحية ذي خشب وادي القرى ، ولعلها قرى عرينة.

واردات : هضبات صغار بحمى ضرية ، فيها يقول الأخطل :

إذا ما قلت قد صالحت بكرا

أبي الأضغان والنسب البعيد

ومهراق الدماء بواردات

تبيد لمجريات ولا تبيد

واسط : أطم لبني خدرة ، وأطم آخر لبني خزيمة رهط سعد بن عبادة ، وآخر لبني مازن بن النجار ، وموضع بين ينبع وبدر ، وجبل تنتطح سيول العقيق عنده ثم يفضي إلى الجثجاثة ، وفيه يقول كثير :

أقاموا ، فأما آل عزة غدوة

فبانوا ، وأما واسط فمقيم

واقم : كصاحب ، أطم بني عبد الأشهل ، نسبت إليه حرّتهم ، وله يقول شاعرهم :

نحن بنينا واقما بالحره

بلازب الطين وبالأصرّه

وواقم أيضا : أطم بالمسكبة شرقي مسجد قباء لأبي عويم بن ساعدة ، وأطم آخر في موضع الدار التي يقال لها واقم بقباء كان لأحيحة قبل تحوله للعصبة.

الوالج : كان به الشيخان ، وهما أطمان كما سبق ، وبطرفه مما يلي قناة أطم يقال له الأزرق.

الوبرة :بسكون الموحدة ، قرية على عين من جبال آرة ، وجاء ذكرها في حديث

١٦٢

أهبان الأسلمي أنه كان يسكن يين وهي من بلاد أسلم : يينا هو يرعى بحرة الوبرة عدا الذئب على غنمه ، الحديث ، قاله المجد تبعا لياقوت ، وهو وهم ؛ لأن الوبرة هذه بالفرع كما يؤخذ مما سبق في آرة ، على أربعة أيام من المدينة ويين على بريد من المدينة كما سيأتي ، وتقدم عن المجد في حرة الوبرة ما يخالف المذكور هنا ، وهو الصواب ، وقد وقع الموضعان كذلك في كلام ياقوت فتبعه المجد.

وبعان : بالفتح ثم الكسر وإهمال العين آخره نون ، ويقال باللام بدل الباء ، قرية على أكناف آرة ، قاله المجد.

وجمة : بالفتح وسكون الجيم ، جبل يدفع سيله في عنقه.

الوحيدة : مؤنث الوحيد للمنفرد ، من أعراض المدينة بينها وبين مكة.

ودّان : بالفتح ودال مهملة مشددة آخره نون ، قرية من نواحي الفرع لضمرة وغفار وكنانة ، على ثمانية أميال من الأبواء ، أكثر نصيب من ذكرها قال :

أقول لركب قافلين عشية

قفا ذات أوشال ومولاك قارب

قفوا أخبروني عن سليمان إنني

لمعروفه من أهل ودّان راغب

فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله

ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب

وقال أبو زيد : ودّان من الجحفة على مرحلة ، بينها وبين الأبواء ستة أميال وبها كان أيام مقامي بالحجاز رئيس لبني جعفر بن أبي طالب ، ولهم بالفرع وساية ضياع وعشيرة ، وبينهم وبين الحسنيين حروب ، ولم يزل كذلك حتى استولت طائفة من اليمن تعرف ببني حرب على ضياعهم.

ودعان : بالفتح ثم السكون وعين مهملة آخره نون ، موضع بينبع.

هضب الوراق جبل تقدم في حمى ضرية.

ورقان : بالفتح ثم الكسر وقد تسكن وبالقاف ، جبل عظيم أسود على يسار المصعد من المدينة ، وينقاد من سيالة إلى الجي بين العرج والرويثة ، وبسفحه عن يمينه سيالة ثم الروحاء ثم الرويثة ثم الجي ، وفي ورقان أنواع الشجر المثمر وغير المثمر والقرظ والسماق ، وفيه أوشال وعيون ، سكانه بنو أوس من مزينة قوم صدق أهل عمود ، قاله عرام.

وقال الأسدي : إنه على يسار الطريق حين يخرج من السيالة ، ويقال : إنه يتصل إلى مكة ، انتهى.

وذكر عرام أن الذي يليه عند الجي القدسان ، يفصل بينه وبينهما عقبة ركوبة ، وسبق

١٦٣

في فضل أحد من حديث الطبراني أن ورقان من جبال الجنة ، وحديث «خير الجبال أحد والأشعر وورقان» وأنه أحد الأجبل التي وقعت بالمدينة من الجبل الذي تجلى الله تعالى له ، وفي رواية أنه أحد الأجبل التي بنيت الكعبة منها ، وسبق في مسجد عرق الظبية قولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «هل تدرون ما اسم هذا الجبل» يعني ورقان «هذا حمت ، جبل من جبال الجنة ، اللهم بارك فيه وبارك لأهله» ثم قال «هذا سجاسج للروحاء ، هذا واد من أودية الجنة» قال ابن شبة : يقال يوم حمت ؛ إذا كان شد الحر : أي هو قوى شديد.

الوسباء : بالفتح وسكون السين المهملة ثم باء موحدة وبالمد ، ماء لبني سليم بلحف أبلى.

وسط : بل بحمى ضرية ، ينسب إليه دارة وسط بناحيته اليسرى.

وسوس : من الوسواس من أودية القبلية ، يصب من الأجرد على الحاضرة والنكباء ، وهما فرعان بهما نخل لجهينة وغيرهم ، والحاضرة عين لبني عبد العزيز بن عمر في صدر الحرار.

الوشيجة : بالفتح وكسر الشين المعجمة ثم مثناة تحت وجيم وهاء ، من أودية العقيق ذو وشيع بالفتح ثم الكسر آخره عين مهملة ، من أموال المدينة.

الوطيح : بالفتح وكسر الطاء المهملة وياء وحاء مهملة ، من أعظم حصون خيبر ، سمي بوطيح بن مازن رجل من ثمود ، وفي كتاب أبي عبيدة «الوطيحة» بزيادة هاء.

وظيف الحمار : بالظاء المعجمة والمثناة تحت والفاء ، ستدق الذراع والساق من الحمار ونحوه ، هو من العقيق ما بين سقاية سليمان بن عبد الملك إلى زغابة.

وفي طبقات ابن سعد في قصة ما عز : أنه لما مسّته الحجارة فر يعدو قبل العقيق فأدرك بالمكيمن ، وكان الذي أدركه عبد الله بن أنيس بوظيف الحمار ، فلم يزل يضربه حتى قتله ، انتهى. والمكيمن : بالعقيق ، لكنه بعيد من الموضع المذكور

وعيرة : بالفتح وكسر العين المهملة وسكون المثناة تحت وفتح الراء ثم هاء ، جبل شرقي ثور ، أكبر منه وأصغر من أحد.

ولعان : لغة في وبعان كما سبق.

حرف الياء

يتيب : بالفتح ثم كسر المثناة فوق ثم مثناة تحت ثم موحدة ، جبل له ذكر في حدود الحرم ، وفي نزول أبي سفيان به حين حرق صورا من صيران العريص كذا قاله المجد ، وسبق في حدود الحرم ما يخالفه في الضبط.

١٦٤

يثرب : تقدم في أسماء المدينة ، وقال ابن زبالة : يثرب أم قرى المدينة ، وهي ما بين طرف قناة إلى طرف الجرف ، أي هذا حدها من المشرق والمغرب وما بين المال الذي يقال له البرني إلى زبالة أي من الشام والقبلية ، وفي شامي الموضع المعروف اليوم بيثرب نخل يعرف بالمال ، وزبالة تقدم بيانها.

ذو يدوم : من أودية العقيق.

يديع : بالفتح وكسر الدال المهملة ومثناة تحتية ثم عين مهملة ، ناحية بين فدك وخيبر ، بها مياه وعيون لفزارة وغيرهم.

يراجم : غدير ببطن قاع النقيع في صير الجبل نصيف روى الزبير أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم توضأ من غدير يراجم بالنقيع وقال : إنكم ببقعة مباركة ، وقال تبع الملك :

ولقد شربت على يراجم شربة

كادت بباقية الحياة تذيع

يرعة : محركة والعين مهملة ، في ديار فزارة ، بين ثوابة والحراضة.

يلبن : بالفتح ثم السكون ثم موحدة مفتوحة ثم نون ، غدير بنقيع الحمى في صير ، وقال ابن السكيت : هو قلت (١) عظيم بالنقيع من حرة سليم ، قال الهجري : ويقول الفصحاء فيه «ألبن» بهمزة بدال الياء و «يلبن» بالياء ، وقال المجد : هو جبل قرب المدينة ، وقيل : غدير بها.

اليسيرة : بئر بني أمية بن زيد ، تقدمت في الآبار.

يليل : بياءين مفتوحتين بينهما لام وآخره لام ، واد بناحية ينبع والصفراء ، يصب في البحر ، وبه عين كبيرة تخرج من جوف رمل من أغزر ما يكون من العيون ، وتجري في الرمل فلا يستطيعون الزراعة عليها إلا في أحياء الرمل ، وبها نخل وبقول ، وتسمى النجير ، ويتلوها الجار ، وهو على شاطئ من النجير ، قاله عرام.

وفي غزوة بدر أن قريشا نزلت بالعدوة القصوى من الوادي خلف العقنقل ويليل بين بدر وبين العقنقل ، فيليل هذا غير يليل السابق ذكره في الخلائق ؛ لأن ذاك عند الضبوعة ، ومن مجتمعها تخرج إلى فرش ملل.

وروي برجال وثقوا عن سبرة بن معبد قال : رأى أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم سحابة ، فقالوا : يا رسول الله كنا نرجو أن تمطرنا هذه السحابة ، فقال : إن هذه أمرت أن تمطر بيليل ، يعني واديا يقال له يليل.

__________________

(١) القلت : النقرة في أرض أو بدن.

١٦٥

ينبع : بالفتح ثم السكون وضم الموحدة وإهمال العين مضارع «نبع الماء» أي : ظهر ، من نواحي المدينة على أربعة أيام منها ، وإنما أفردت عنها في الأعصر الأخيرة ، سميت به لكثرة ينابيعها ، قال بعضهم : عددت بها مائة وسبعين عينا.

ولما أشرف عليها علي رضي الله تعالى عنه ونظر إلى جبالها قال : لقد وضعت على نقي من الماء عظيم ، وسكانها جهينة وبنو ليث والأنصار ، وهي اليوم لبني حسن العلويين.

وروى ابن شبة أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أقطع عليا بينبع ، ثم اشترى عليّ إلى قطيعة عمر شيئا.

وروى أيضا عن كشد بن مالك الجهني قال : نزل طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد بن عليّ بالمنحار وهو موضع بين حوزة السفلى وبين منحوين على طريق تجار الشام يرقبان عير أبي سفيان ، فأجازهما كشد ، فلما أخذ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ينبع أقطعها لكشد ، فقال : إني كبير ، ولكن أقطعها لابن أخي ، فأقطعها له ، فابتاعها منه عبد الرحمن بن سعد الأنصاري بثلاثين ألف درهم ، فخرج عبد الرحمن إليها وأصابه صافيها وربحها ، فقدرها ، وأقبل راجعا ، فلحق علي ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنه دون ينبع ، فقال : من أين جئت؟ فقال : من ينبع ، وقد سئمتها ، فهل لك أن تبتاعها؟ قال علي : قد أخذتها بالثمن ، قال : هي لك ، فكان أول شيء عمله علي فيها البغيبغة.

وعن عمار بن ياسر قال : أقطع النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم عليّا بذي العشيرة من ينبع ، ثم أقطعه عمر بعد ما استخلف قطيعة ، واشترى عليّ إليها قطيعة ، وكانت أموال علي بينبع عيونا متفرقة تصدق بها.

وروى أحمد بن الضحاك أن أبا فضالة خرج عائدا لعلي بينبع ، وكان مريضا ، فقال له : ما يسكنك هذا المنزل؟ لو هلكت لم يلك إلا الأعراب أعراب جهينة ، فاحتمل إلى المدينة فإن أصابك قدر وليك أصحابك ، فقال علي : إني لست بميت من وجعي هذا ، إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم عهد إليّ أن لا أموت حتى أضرب ثم تخضب هذه يعني لحيته من هذه ، يعني هامته.

يهيق : موضع قرب المدينة ، قال المجد : لم أر من تعرض له ، وفي الحديث «ليوشكن أن يبلغ بنيانهم سيفا» يعني أهل المدينة.

يين : بياءين مفتوحة ثم ساكنة ثم نون ، وليس في كلامهم ما فاؤه وعينه ياء غيره ، وضبطه الصغاني بفتح الياءين.

قال نصر : يين واد به عين من أعراض المدينة ، على بريد منها ، وهي منازل أسلم من خزاعة.

١٦٦

وقال الزمخشري : يين عين بواد يقال له حورتان ، لبني زيد الموسوي من بني الحسن.

وفي سر الصناعة : يين واد بين ضاحك وضويحك ، جبلان بأسفل الفرش.

قلت : وسيلهما يصب في حورتين ، فلا تخالف ، وأثر العين والقرية اليوم موجود هناك ، وكان بها فواكه كثيرة ، حتى نقل الهجري أن يين بلد فاكهة المدينة ، وكانت تعرف من قريب بقرية بني زيد ، فوقع بينهم وبين بني يزيد حروب ، فجلا بنو زيد عنها إلى الصفراء ، وبنو يزيد إلى الفرع ، فخربت ، وكانت منازل بني أسلم قديما.

وعن أسماء بن خارجة الأسلمي قال : دخلت على النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يوم عاشوراء ، فقال : أصمت اليوم يا أسماء؟ فقلت : لا ، قال : فصم ، قلت : قد تغديت ، قال : صم ما بقي من يومك ، وأمر قومك يصومونه ، قال : فأخذت نعلي بيدي فما دخلت رجلي حتى وردت يين على قومي ، فقلت : إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يأمركم أن تصوموا بقية يومكم.

وفي حديث أهبان الأسلمي ثم الخزاعي أنه كان يسكن يين ، فبينما هو يرعى بحرة الوبرة عدا الذئب على غنمه ، الحديث.

وقال ابن هرمة :

أدار سليمي بين يين فمثعر

أبيني ، فما استخبرت إلا لتخبري

ومحجة يين طريق درب الفقرة التي في شامي الجمّاوات : لأن يين على يمين طريق مكة قرب ملل ، وقال الهجري : قال أبو الحسن : عبود جبل بين مدفع مريين وبين ملل ومريين طريق ، أي يسلك هناك ويريد مريين بطريق عبود. وقال ابن إسحاق ، في المسير إلى بدر : ثم مر على تربان ، ثم على ملل ، ثم علي عميس الحمام من مريين ثم علي صخيرات الثمام ، ويين أيضا : بئر بوادي بوادي عياش ، والله سبحانه وتعالى أعلم.

١٦٧

الباب الثامن

في زيارة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم

وفيه أربعة فصول

الفصل الأول

في الأحاديث الواردة في الزيارة نصّا

الحديث الأول

روى الدار قطني والبيهقي وغيرهما ، قال الدار قطني : حدثنا القاضي المحاملي ، حدثنا عبيد بن محمد الوراق ، حدثنا موسى بن هلال العبدي ، عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «من زار قبري وجبت له شفاعتي».

قال السبكي : كذا في عدة نسخ معتمدة من سنن الدار قطني عبيد الله مصغرا ، وكذلك الدار قطني في غير السنن ، واتفقت رواياته من طريق محمد بن أحمد بن محمد ومحمد بن عبد الملك بن بشران وأبي النعمان تراب بن عبيد كلهم عن الدار قطني عن المحاملي علي عبيد الله مصغرا ، ورواه غير الدار قطني عن غير المحاملي كما رواه البيهقي من طريق محمد بن رنجويه القشيري ، قال : حدثنا عبيد بن محمد بن القاسم بن أبي مريم الوراق ، حدثنا موسى بن هلال العبدي ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ، الحديث ؛ فثبت عن عبيد بن محمد وهو ثقة روايته على التصغير ، ورواه جماعة غيره عن موسى بن هلال منهم جعفر بن محمد البزوري حدثنا محمد بن هلال البصري عن عبيد الله مصغرا رواه العقيلي ومنهم محمد بن إسماعيل بن سمرة الأحمسي ، واختلف عليه ؛ فروي عنه مصغرا كغيره ، وروي عنه مكبرا ، ومرّض ذلك الحافظ يحيى بن علي القرشي ، وصوب التصغير ، وفي تاريخ ابن عساكر بخط البرزالي : لمحفوظ عن ابن سمرة «عبيد الله» وفي كامل ابن عدي «عبد الله أصح» قال السبكي : وفيه نظر ، والذي يترجح «عبيد الله» لتضافر روايات عبيد بن محمد كلها وبعض روايات ابن سمرة ، ولما سيأتي في الحديث الثالث من متابعة مسلمة الجهني لموسى بن هلال ، ويحتمل أن موسى سمع الحديث من عبيد الله وعبد الله جميعا ، وحدث به عن هذا تارة وعن هذا أخرى. وممن رواه عن موسى عن عبد الله مكبرا الفضل بن سهل ؛ فإن صح حمل على أنه عنهما ، إذ لا منافاة ، على أن المكبر روى له مسلم مقرونا بغيره ، وقال

١٦٨

أحمد : صالح ، وقال أبو حاتم : رأيت أحمد بن حنبل يحسن الثناء عليه ، وقال يحيى بن معين : ليس به بأس ، يكتب حديثه ، وقال : إنه في نافع صالح ، وقال ابن عدي : لا بأس به ، صدوق. وقال ابن حبان ما حاصله : إن الكلام عليه لكثرة غلطه لغلبة الصلاح عليه ، حتى غلب عن ضبط الأخبار.

قال السبكي : وهذا الحديث ليس في مظنة الالتباس عليه ، لا سندا ولا متنا ؛ لأنه في نافع ، وهو خصيص به ، ومتنه في غاية القصر والوضوح ، والرواة إلى موسى بن هلال ثقات ، وموسى قال ابن عدي : أرجو أنه لا بأس به ، وقد روى عنه ستة منهم الإمام أحمد ، ولم يكن يروي إلا عن ثقة ، فلا يضره قول أبي حاتم الرازي : إنه مجهول ، وقول العقيلي : لا يتابع عليه ، وقول البيهقي : سواء قال عبيد الله أم عبد الله فهو منكر عن نافع ، لم يأت به غيره ، فهذا وشبهه يدلك على أنه لا علة لهذا الحديث إلا تفرد موسى به ، وأنهم لم يحتملوه له لخفاء حاله ، وإلا فكم من ثقة ينفرد بأشياء وتقبل منه.

قلت : ولهذا قال بعض الحفاظ ممن هو في طبقة ابن منده : هذا الخبر رواه عن موسى بن هلال محمد بن إسماعيل بن سمرة الأحمسي ، ومحمد بن جابر المحاربي ، ويوسف بن موسى القطان ، وهرون بن سفيان ، والفضل بن سهل ، والعباس بن الفضل ، وعبيد بن محمد الوراق ، وبعض هؤلاء قال في حديثه : عن عبيد الله بن عمر ، ذكرناه بأسانيده في الكتاب الكبير ، ولا نعلم رواه عن نافع إلا العمري ، ولا عنه إلا موسى بن هلال العبدي ، تفرد به ، انتهى.

قال السبكي عقب ما تقدم : وأما بعد قول ابن عدي في موسى ما قال ووجود متابع فإنه يتعين قبوله ، ولذلك ذكره عبد الحق في الأحكام الوسطى والصغرى ، وسكت عليه مع قوله في الصغرى «إنه تخيرها صحيحة الإسناد ، معروفة عند النقاد» وقد نقلها الأثبات ، وتداولها الثقات ، وذكر نحوه في الوسطى المعروفة اليوم بالكبرى ، وسبقه ابن السكن إلى تصحيح الحديث الثالث كما سيأتي ، وهو متضمن لمعنى هذا ، وأقل درجات هذا الحديث الحسن إن نوزع في صحته لما سيأتي من شواهده ، وتضافر الأحاديث يزيدها قوة ، حتى إن الحسن قد يترقى بذلك إلى درجة الصحيح.

وقال الذهبي : طرق هذا الحديث كلها لينة يقوى بعضها بعضا ؛ لأنه ما في رواتها متهم بالكذب ، قال : ومن أجودها إسنادا حديث حاطب «من رآني بعد موتي فكأنما رآني في حياتي» أخرجه ابن عساكر وغيره ، انتهى.

ومعنى قوله «وجبت» أنها ثابتة لا بد منها بالوعد الصادق.

١٦٩

وقوله «له» إما أن يراد بخصوصه فيخص الزائر بشفاعة لا تحصل لغيره ، وإما أن يراد أنه تفرد بشفاعة مما يحصل لغيره ، والإفراد للتشريف والتنويه بسبب الزيارة ، وإما أن يراد أنه بعدم تركه الزيارة يجب دخوله فيمن تناله الشفاعة ؛ فهو بشرى بموته مسلما ، فيجري على عمومه ، ولا يضم فيه شرط الوفاة على الإسلام ، بخلافه على الأولين.

وقوله «شفاعتي» في هذه الإضافة تشريف ، فإن الملائكة والأنبياء والمؤمنين يشفعون ، والزائر له نسبة خاصة فيشفع هو فيه بنفسه ، والشفاعة تعظم بعظم الشافع.

الحديث الثاني

روى البزار من طريق عبد الله بن إبراهيم الغفاري : حدثنا عن عبد الرحمن بن زيد عن أبيه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال «من زار قبري حلّت له شفاعتي».

قال البزار : عبد الله بن إبراهيم حدث بأحاديث لم يتابع عليها ، وإنما يكتب من حديثه ما لا يحفظ إلا عنه ، وقال أبو داود : إنه منكر الحديث.

قال السبكي : وهذا الحديث هو الأول ، ولذلك عزاه عبد الحق للدار قطني والبزار ، إلا أن في الأول «وجبت» وفي هذا «حلت» فلذلك أفردته ، والقصد تقوية الأول به ، فلا يضره ما قيل في الغفاري ، وكذا ما قيل في عبد الرحمن بن زيد ، إذ ليس راجعا إلى تهمة كذب ولا فسق ، ومثله يحتمل في المتابعات والشواهد ، وقد روى الترمذي وابن ماجه لعبد الرحمن بن زيد ، وقال ابن عدي : إن له أحاديث حسانا ، وإنه ممن احتمله الناس وصدقه بعضهم ، وإنه ممن يكتب حديثه ، وصحح الحاكم حديثا من جهته في التوسل بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

الحديث الثالث

روى الطبراني في الكبير والأوسط ، والدار قطني في أماليه ، وأبو بكر بن المقرئ في معجمه ، من رواية مسلمة بن سالم الجهني قال : حدثني عبيد الله بن عمر عن نافع عن سالم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من جاءني زائرا لا تحمله حاجة إلا زيارتي كان حقّا عليّ أن أكون له شفيعا يوم القيامة» وفي معجم ابن المقرئ عن مسلمة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن سالم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «من جاءني زائرا كان له حقا على اللهعزوجل أن أكون له شفيعا يوم القيامة» فقد تابع مسلمة الجهني موسى بن هلال في شيخه عبيد الله العمري ، والطرق كلها في روايته متفقة على عبيد الله المصغر الثقة ، إلا أن مسلمة بن حاتم

١٧٠

الأنصاري رواه عن مسلمة عن عبد الله مكبرا ، وأورد الحافظ ابن السكن هذا الحديث في باب «ثواب من زار قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم » من كتابه المسمى بالسنن الصحاح المأثورة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وهو إمام حافظ ثقة مات بمصر سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة ، وكتابه هذا محذوف الأسانيد ، ومقتضى ما شرطه في خطبته أن يكون هذا الحديث مما أجمع على صحته.

قلت : ولهذا نقل عنه جماعة منهم الحافظ زين الدين العراقي أنه صححه ، فإما أن يكون ثبت عنده من غير طريق مسلمة أو أنه ارتقى إلى ذلك بكثرة الطرق ، وتبويبه دال على أنه فهم من هذا الحديث الزيارة بعد الموت ، أو أن ما بعد الموت داخل في العموم ، قال السبكي : وهو صحيح.

الحديث الرابع

روى الدار قطني ، والطبراني في الكبير والأوسط ، وغيرهما من طريق حفص بن داود القارئ عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «من حجّ فزار قبري بعد وفاتي كان كمن زارني في حياتي».

ورواه ابن الجوزي في «مثير الغرام الساكن» من طريق الحسن بن الطيب : حدثنا علي بن حجر حدثنا حفص بن سليمان عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «من حج فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي وصحبه» قال أبو اليمن بن عساكر : تفرد بقوله «وصحبتي» الحسن بن الطيب عن علي بن حجر ، وفيه نظر ، وهي زيادة منكرة ، قال السبكي : ولم ينفرد بها ابن الطيب ؛ فقد رواه كذلك ابن عدي في كامله من طريق الحسن بن سفيان عن علي بن حجر بالسند المتقدم ، ورواه أبو يعلى من طريق حفص بن سليمان عن كثير بن شنطير عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عمر بدون قوله «وصحبني».

قلت : والتشبيه بمن صحبني لا يقتضي التشبيه به من كل وجه حتى يناقضه قوله «لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا الحديث» كما زعمه بعضهم.

وروى بعض الحفاظ المعاصرين لابن منده هذا الحديث من طريق حفص بن سليمان عن ليث بلفظ «من حج فزارني في حياتي» قال السبكي : وحفص بن أبي داود وثّقه أحمد ، ثم روى ذلك عنه من طريقين ، قال : وذلك مقدم على من روى عنه تضعيفه ، وضعفه جماعة ، وهم حفص بن سليمان القارئ الغاضري على ما قاله البخاري وابن أبي حاتم وابن عدي وابن حبان وغيرهم ، وهو لم ينفرد بهذا الحديث ، ودعوى البيهقي انفراده به

١٧١

بحسب اطلاعه ؛ فقد جاء في الكبير والأوسط للطبراني متابعته ؛ فإنه رواه من طريق عائشة بنت يونس امرأة الليث عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عمر قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «من زار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي» قال الهيتمي : فيه عائشة بنت يونس ، ولم أجد من ترجمها.

الحديث الخامس

روى ابن عدي في الكامل من طريق محمد بن محمد بن النعمان حدثني جدي قال : حدثني مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني» قاله ابن عدي : ولا أعلم رواه عن مالك غير النعمان بن شبل ، ولم أر في أحاديثه حديثا غريبا قد جاوز الحد فأذكره ، وروى في صدر ترجمته عن عمران بن موسى أنه وثقه وعن موسى بن هارون أنه متهم ، قال السبكي : هذه التهمة غير مفسدة ، فالحكم بالتوثيق مقدم عليها ، والحديث ذكره الدار قطني في غرائب مالك بالسند المتقدم وقال : تفرد به هذا الشيخ وهو منكر ، والظاهر أن ذلك بحسب تفرده ، وعدم احتماله له بالنسبة إلى الإسناد المذكور ، ولا يلزم أن يكون المتن في نفسه منكرا ولا موضوعا ، وذكر ابن الجوزي له في الموضوعات سرف منه.

الحديث السادس

روى الدار قطني في السنن في الكلام على حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما «من استطاع أن يموت في المدينة فليفعل» من طريق موسى بن هارون عن محمد بن الحسن الجيلي عن عبد الرحمن بن المبارك عن عون بن موسى عن أيوب عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «من زارني إلى المدينة كنت له شهيدا وشفيعا» قيل للجيلي : إنما هو سفيان بن موسى ، قال : اجعلوه علي بن موسى. قال موسى بن هارون : ورواه إبراهيم بن الحجاج عن وهيب عن أيوب عن نافع مرسلا عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلا أدري أسمعه إبراهيم بن الحجاج أولا؟

قلت : والصواب أنه من رواية سفيان بن موسى ، وقد ذكره ابن حبان في الثقات.

قيل : وأخطأ راويه في متنه ، والمعروف من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما «من استطاع منكم أن يموت بالمدينة ـ الحديث» وفيه نظر.

الحديث السابع

روى أبو داود الطيالسي قال : حدثنا سوار بن ميمون أبو الجراح العبدي قال : حدثني رجل من آل عمر ، عن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول «من

١٧٢

زار قبري أو قال من زارني ـ كنت له شفيعا ، أو شهيدا ، ومن مات في أحد الحرمين بعثه اللهعزوجل في الآمنين يوم القيامة».

قال السبكي : سوّار بن ميمون روى عنه شعبة ، فدل على ثقته عنده ، فلم يبق من ينظر فيه إلا الرجل الذي من آل عمر ، والأمر فيه قريب ، لا سيما في هذه الطبقة التي هي طبقة التابعين.

الحديث الثامن

روى أبو جعفر العقيلي من رواية سوّار بن ميمون المتقدم عن رجل من آل الخطاب عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال «من زارني متعمدا كان في جواري يوم القيامة ، ومن مات في أحد الحرمين بعثه الله في الآمنين يوم القيامة» وفي رواية أخرى عن هارون بن قزعة عن رجل من آل الخطاب مرفوعا نحوه ، وزاد عقب قوله في جواري يوم القيامة «ومن سكن المدينة وصبر على بلائها كنت له شهيدا ، أو شفيعا ، يوم القيامة» وقال في آخره «من الآمنين يوم القيامة» بدل «في الآمنين». وهارون بن قزعة ذكره ابن حبان في الثقات ، والعقيلي لم يذكر فيه أكثر من قول البخاري : إنه لا يتابع عليه ، فلم يبق فيه إلا الرجل المبهم وإرساله.

وقوله فيه «من آل الخطاب» يوافق قوله في رواية الطيالسي «من آل عمر» وقد أسنده الطيالسي عن عمر رضي الله تعالى عنه ، لكن البخاري لما ذكره في التاريخ قال : هارون بن قزعة عن رجل من ولد حاطب عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم «من مات في أحد الحرمين» روى عنه ميمون بن سوار لا يتابع عليه ، وقال ابن حبان : إن هارون بن قزعة روى عن رجل من ولد حاطب المراسيل ، وعلى كلا التقديرين فهو مرسل جيد ، وسيأتي عن هارون بن قزعة أيضا مسندا بلفظ خر في الحديث التاسع ، قاله السبكي.

الحديث التاسع

روى الدار قطني وغيره من طريق هارون بن قزعة عن رجل من آل حاطب عن حاطب رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي ، ومن مات بأحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة» وفي رواية أحمد بن مروان صاحب المجالسة عن هارون بن أبي قزعة مولى حاطب عن حاطب ، والرواية «عن رجل عن حاطب» كما سبق أولى الصواب.

الحديث العاشر

روى أبو الفتح الأزدي في الثاني من فوائده من طريق عمار بن محمد : حدثني خالي سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد اللهرضي‌الله‌عنه قال : قال رسول الله

١٧٣

صلى‌الله‌عليه‌وسلم «من حج حجة الإسلام ، وزار قبري ، وغزا غزوة ، وصلى في بيت المقدس ، لم يسأله اللهعزوجل فيما افترض عليه».

قال السبكي : وعمار هو ابن أخت سفيان ، روى له مسلم والحسن بن عثمان الزيادي ، ووثقه الخطيب ، والراوي عنه ما علمت من حاله شيئا. وصاحب الخبر أبو الفتح من أهل العلم والفضل ، وكان حافظا ، ذكره الخطيب وابن السمعاني. وأثنى عليه محمد بن جعفر بن علان ، وقال أبو النجيب الأرموي : رأيت أهل الموصل يوهّنونه جدا ، وسئل البرقاني عنه ، فأشار إلى أنه كان ضعيفا ، وذكر غيره كلاما أشد من هذا الحديث.

الحديث الحادي عشر

روى أبو الفتوح سعيد بن محمد اليعقوبي في جزئه رواية إسماعيل المشهور بابن الأنباطي عنه قال فيه من طريق خالد بن يزيد : حدثنا عبد الله بن عمر العمري قال : سمعت سعيدا المقبري يقول : سمعت أبا هريرة رضي الله تعالى عنه يقول : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «من زارني بعد موتي فكأنما زارني وأنا حيّ ، ومن زارني كنت له شهيدا ، أو شفيعا ، يوم القيامة».

وخالد بن يزيد إن كان العمري فقد قال ابن حبان : إنه منكر الحديث.

الحديث الثاني عشر

روى ابن أبي الدنيا من طريق إسماعيل بن أبي فديك عن سليمان بن يزيد الكعبي عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال «من زارني بالمدينة كنت له شفيعا وشهيدا يوم القيامة» وفي رواية «كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة» ورواه البيهقي بهذا الطريق ، ولفظه «من مات في أحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة ، ومن زارني محتسبا إلى المدينة كان في جواري يوم القيامة».

وإسماعيل مجمع عليه ، وسليمان ذكره ابن حبان في الثقات ، وقال أبو حاتم : إنه منكر الحديث ليس بقوى.

قلت : وزعم ابن عبد الهادي أن روايته عن أنس منقطعة ، وأنه لم يدركه ، فإنه إنما يروى عن التابعين وأتباعهم.

الحديث الثالث عشر

روى ابن النجار في أخبار المدينة له ، قال : أنبأنا أبو محمد بن علي أخبرنا أبو يعلى الأزدي أخبرنا أخبرنا أبو إسحاق البجلي أخبرنا أبو سعيد بن أبي سعيد النيسابوري أخبرنا إبراهيم بن محمد المؤدب حدثنا محمد بن محمد حدثنا محمد بن مقاتل حدثنا جعفر بن

١٧٤

هارون حدثنا سمعان بن المهدي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «من زارني ميتا فكأنما زارني حيا ، ومن زار قبري وجبت له شفاعتي يوم القيامة ، وما من أحد من أمتي له سعة ثم لم يزرني فليس له عذر».

قلت : لم يتكلم عليه السبكي ، وقال الذهبي : سمعان بن مهدي عن أنس لا يعرف ، ألصقت به نسخة مكذوبة ، رأيتها ، قبح الله من وضعها ، انتهى.

قال الحافظ ابن حجر : وهي من رواية محمد بن مقاتل عن جعفر بن هارون الواسطي عن سمعان ، وهي أكثر من ثلاثمائة حديث ، أكثر متونها موضوعة ، انتهى.

الحديث الرابع عشر

روى أبو جعفر العقيلي في الضعفاء في ترجمة فضالة بن سعيد بن زميل المازني من طريقه عن محمد بن يحيى المازني عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «من زارني في مماتي كان كمن زارني في حياتي ، ومن زارني حتى ينتهي إلى قبري كنت له يوم القيامة شهيدا ، أو قال شفيعا» وذكره ابن عساكر من جهته بإسناده إلا أنه قال «من رآني في المنام كان كمن رآني في حياتي» والباقي سواء.

وفضالة قال العقيلي : حديثه غير محفوظ ، لا يعرف إلا به ، قال السبكي : كذا رأيته في كتاب العقيلي. ونقل ابن عساكر عنه أنه قال : لا يتابع على حديثه من جهة تثبت ، ولا يعرف إلا به. ومحمد بن يحيى المازني قال ابن عدي : أحاديثه مظلمة منكرة ، ولم يذكر ابن عدي هذا الحديث في أحاديثه ، ولم يذكر فيه ولا العقيلي في فضالة شيئا من الجرح سوى التفرد والنكارة.

الحديث الخامس عشر

روى بعض الحفاظ في زمن ابن منده قال : حدثنا أبو الحسن حامد بن حماد بن المبارك بسرّمن رأى بنصيبين حدثنا أبو أيوب إسحاق بن يسار بن محمد النصيبي حدثنا أسيد بن زيد حدثنا عيسى بن بشير عن محمد بن عمرو بن عطاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «من حج إلى مكة ثم قصدني في مسجدي كتبت له حجتان مبرورتان» وهو في مسند الفردوس ، ولم يذكره السبكي.

وأسيد بن زيد هو الجمال ، قال الحافظ ابن حجر : هو ضعيف ، أفرط ابن معين فكذبه ، وله في البخاري حديث واحد معروف بغيره ، انتهى ، فهو ممن يستشهد به. وعيسى بن بشير : مجهول ، ومن بعده ثقة.

١٧٥

الحديث السادس عشر

روى يحيى بن الحسن بن جعفر الحسيني في أخبار المدينة له من طريق النعمان بن شبل قال : حدثنا محمد بن الفضل مديني سنة ست وسبعين عن جابر عن محمد بن علي عن علي رضي الله تعالى عنه ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «من زار قبري بعد موتي فكأنما زارني في حياتي ، ومن لم يزرني فقد جفاني» ولم يتكلم السبكي عليه.

والنعمان بن شبل : تقدم الكلام عليه في الحديث الخامس ، وعن محمد بن الفضل قال : إنه مديني ، فهو غير محمد بن الفضل بن عطية الذي كذبوه ، خلاف قول ابن عبد الهادي إنه هو ؛ لأن ذاك كوفي ، ويقال : مروزي نزل بخارى. وجابر إن كان الجعفي كما قال ابن عبد الهادي فهو ضعيف ، فيه كلام كثير وثقة شعبة والثوري. ومحمد بن علي إن كان أبا جعفر الباقر فالسند منقطع ؛ لأنه لم يدرك جده علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ، وإن كان ابن الحنفية فقد أدرك أباه عليا ، وقد قال أبو سعيد عبد الملك بن محمد بن إبراهيم النيسابوري الجركوسي في شرف المصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم : روى عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم «من زار قبري بعد موتي فكأنما زارني في حياتي ، ومن لم يزر قبري فقد جفاني». وعبد الملك هذا توفي سنة ست وأربعمائة بنيسابور ، وقبره فيها مشهور يزار ، قاله السبكي ، قال : وقد روى حديث علي من طريق أخرى ليس فيها تصريح بالرفع ، ذكرها ابن عساكر من طريق عبد الملك بن هرون بن عنترة عن أبيه عن جده عن علي رضي الله تعالى عنه قال : من سأل لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم الدرجة والوسيلة حلت له شفاعته يوم القيامة ، ومن زار قبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان في جوار رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وعبد الملك بن هارون بن عنترة فيه كلام كثير ، رماه يحيى بن معين وابن حبان ، وقال البخاري : منكر الحديث ، وقال أحمد : ضعيف الحديث ، اه.

قلت : وقد رأيت في نسخة من كتاب يحيى رواية ابنه طاهر بن يحيى عنه عقب حديث عليّ المتقدم ما لفظه : حدثنا أبو يحيى محمد بن الفصل بن نباتة النميري قال : حدثنا الجمالي قال : حدثنا الثوري عن عبد الله بن السائب عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، مثله ، اه. ولم أر ذلك في النسخة التي هي رواية ابن ابنه الحسين بن محمد بن يحيى عن جده يحيى.

الحديث السابع عشر

روى يحيى أيضا قال : حدثنا محمد بن يعقوب حدثنا عبد الله بن وهب عن رجل عن

١٧٦

بكر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال «من أتى المدينة زائرا لي وجبت له شفاعتي يوم القيامة ، ومن مات في أحد الحرمين بعث آمنا» ولم يتكلم عليه السبكي.

ومحمد بن يعقوب هو أبو عمر الزبيري المدني ، صدوق. وعبد الله بن وهب ثقة ، ففيه الرجل المبهم. وبكر بن عبد الله إن كان المزني فهو تابعي جليل ؛ فيكون مرسلا ، وإن كان هو بكر بن عبد الله بن الربيع الأنصاري فهو صحابي.

الفصل الثاني

في بقية أدلة الزيارة ، وإن لم تتضمّن لفظ الزيارة نصّا

وبيان تأكد مشروعيتها وقربها من درجة الوجوب ، حتى أطلقه بعضهم عليها ، وبيان حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في قبره ، ومشروعية شدّ الرحال إليه ، وصحة نذر زيارتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والاستئجار للسلام عليه.

روى أبو داود بسند صحيح كما قال السبكي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «ما من أحد يسلم عليّ إلا ردّ الله عليّ روحي حتى أردعليه‌السلام » وقد صدّر به البيهقي باب زيارة قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، واعتمد عليه جماعة من الأئمة فيها منهم الإمام أحمد ، قال السبكي : وهو اعتماد صحيح ؛ لتضمنه فضيلة رد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وهي عظيمة.

وذكر ابن قدامة الحديث من رواية أحمد بلفظ «ما من أحد يسلّم عليّ عند قبري» فإن ثبت فهو صريح في تخصيص هذه الفضيلة بالمسلم عند القبر ، وإلا فالمسلّم عند القبر امتاز بالمواجهة بالخطاب ابتداء وجوابا ، ففيه فضيلة زائدة على الرد على الغائب ، مع أن السلام عليه صلى الله تعالى عليه وسلم على نوعين : الأول ما يقصد الدعاء منا بالتسليم عليه من الله ، سواء كان بلفظ الغيبة أو الحضور ، كقولنا : صلى الله تعالى عليه وسلم ، والصلاة والسلام عليك يا رسول الله ، سواء كان من الغائب عنه أو الحاضر عنده ، وهذا هو الذي قيل باختصاصه بهصلى‌الله‌عليه‌وسلم عن الأمة ، حتى لا يسلم على غيره من الأمة إلا تبعا كالصلاة عليه ، فلا يقال : فلانعليه‌السلام . الثاني : ما يقصد به التحية كسلام الزائر إذا وصل إلى قبره ، وهو غير مختص ، بل يعم الأمة ، وهو مبتدع للرد على المسلم بنفسه أو برسوله فيحصل ذلك منهعليه‌السلام . وأما الأول فالله أعلم ، فإن ثبت امتاز الثاني بالقرب والخطاب ، وإلا فقد حرم من لم يزر هذه الفضيلة ، وهو مقتضي ما فسر به الحديث الإمام الجليل أبو عبد الرحمن عبد الله بن زيد المقبري أحد أكابر شيوخ البخاري ، حيث قال في قوله «ما من أحد يسلم عليّ الحديث" : هذا في الزيارة إذا زارني فسلّم عليّ رد الله عليّ

١٧٧

روحي حتى أرد عليه ، وأما حديث «أتاني ملك فقال يا محمد أما يرضيك أن لا يصلي عليه أحد من أمتك إلا صليت عليه عشرا ، أو لا يسلم عليك إلا سلمت عليه عشرا ؛ فالظاهر أنه في السلام بالنوع الأول.

وروى النسائي وإسماعيل القاضي بسند صحيح عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه مرفوعا إن لله ملائكة سيّاحين في الأرض يبلّغون من أمتي السلام ، وجاءت أحاديث أخرى في عرض الملك لصلاة الأمة وسلامها على النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وهذا في حق الغائب. وأما الحاضر عند القبر ، فهل يكون كذلك أو يسمعه صلى الله تعالى عليه وسلم بلا واسطة؟ فيه حديثان : أحدهما : «من صلى عليّ عند قبري سمعته ، ومن صلى علي نائيا بلّغته» رواه جماعة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا من طريق أبي عبد الرحمن محمد بن مروان السدي الصغير ، وهو ضعيف. قال الطيالسي : حدثنا العلاء بن محمود حدثنا أبو عبد الرحمن قال البيهقي : أبو عبد الرحمن هذا هو محمد بن مروان السدي فيما أرى وفيه نظر ، انتهى. قلت : وروى نحوه أبو محمد عبد الرحمن بن حمدان بن عبد الرحمن بن المرزبان الخلال من طريق أبي البحتري ، وهو ضعيف جدا ، عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ، قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم «من صلى عليّ عند قبري رددت عليه ، ومن صلى علي في مكان آخر بلغونيه». والحديث الثاني وهو أضعف من الأول عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أيضا «من صلى علي عند قبري وكّل الله بها ملكا يبلغني ، وكفى أمر آخرته ، وكنت له شهيدا وشفيعا» وفي رواية «ما من عبد يسلم علي عند قبري إلا وكل الله بها ملكا يبلغني ، وكفى أمر آخرته ودنياه ، وكنت له شهيدا وشفيعا يوم القيامة» فإن ثبت الأول فكفى بذلك شرفا ، وإلا فهو مرجو ، فينبغي الحرص عليه ، قال السبكي : وسيأتي ما يدل على أنه صلى الله تعالى عليه وسلم يسمع من يسلم عليه عند قبره ويرد عليه عالما بحضوره عند قبره. وكفى بهذا فضلا حقيقا بأن ينفق فيه ملك الدنيا حتى يتوصل إليه من أقطار الأرض.

قلت : روى عبد الحق في الأحكام الصغرى وقال : إسناده صحيح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم «ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه فيسلم عليه إلا عرفه ، وردعليه‌السلام » ورواه ابن عبد البر وصححه كما نقله ابن تيمية ، لكن بلفظ «ما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا ردّ الله عليه روحه حتى يردعليه‌السلام » وقال عبد الحق في كتاب العاقبة : ويروى من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها «ما من رجل يزور قبر أخيه فيجلس عنده

١٧٨

إلا استأنس به حتى يقوم» وروى ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : إذا مر الرجل بقبر يعرفه فسلم عليه ردعليه‌السلام وعرفه ، وإذا مر بقبر لا يعرفه فسلم عليه ردعليه‌السلام .

والآثار في هذا المعنى كثيرة ، وقد ذكر ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم ـ كما نقه ابن عبد الهادي ـ أن الشهداء بل كل المؤمنين إذا زارهم المسلم وسلّم عليهم عرفوا به ، وردواعليه‌السلام ، فإذا كان هذا في آحاد المؤمنين فكيف بسيد المرسلينصلى‌الله‌عليه‌وسلم ؟

وذكر البارزي في «توثيق عرى الإيمان» عن سليمان بن سحيم قال : رأيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في النوم فقلت : يا رسول الله هؤلاء الذين يأتونك فيسلمون عليك أتفقه سلامهم؟ قال : وأرد عليهم.

وروى ابن النجار عن إبراهيم بن بشار ، قال : حججت في بعض السنين ، فجئت المدينة فتقدمت إلى قبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فسلمت عليه ، فسمعت من داخل الحجرة : وعليك السلام ، وقد نقل مثل ذلك عن جماعة من الأولياء والصالحين.

ولا شك في حياته صلى الله تعالى عليه وسلم بعد وفاته ، وكذا سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أحياء في قبورهم حياة أكمل من حياة الشهداء التي أخبر الله تعالى بها في كتابه العزيز ، ونبيّنا صلى الله تعالى عليه وسلم سيد الشهداء ، وأعمال الشهداء في ميزانه ، وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم «علمي بعد وفاتي كعلمي في حياتي» رواه الحافظ المنذري.

وروى ابن عدي في كامله عن ثابت عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون» ورواه أبو يعلى برجال ثقات ، ورواه البيهقي وصححه ، وروى من طريق ابن أبي ليلى وهو سيئ الحفظ ـ عن ثابت عن أنس رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال «إن الأنبياء لا يتركون في قبورهم بعد أربعين ليلة ، ولكن يصلون بين يدي الله حتى ينفخ في الصور» قال البيهقي :وإن صح بهذا اللفظ فالمراد والله أعلم ـ لا يتركون لا يصلون إلا هذا المقدار ، ثم يكونوا مصلين فيما بين يدي الله تعالى.

قال البيهقي : ولحياة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ـ بعد موتهم شواهد من الأحاديث الصحيحة ، ثم ذكر حديث «مررت بموسى وهو قائم يصلي في قبره» وغيره من أحاديث لقاء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الأنبياء وصلاته بهم ، وحديث الصحيحين «فإذا موسى باطش بجانب العرش ، فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي أم كان ممن

١٧٩

استثنى اللهعزوجل » قال البيهقي : وهذا إنما يصح على أن اللهعزوجل يردّ على الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أرواحهم ، فهم أحياء عند ربهم كالشهداء ، فإذا نفخ في الصور النفخة الأولى صعقوا فيمن صعق ، ثم لا يكون ذلك موتا في جميع معانيه ، إلا في ذهاب الاستشعار في تلك الحالة. ويقال : إن الشهداء ممن استثنى اللهعزوجل بقوله :( إِلَّا مَنْ شاءَ اللهُ ) قال : وروينا في ذلك خبرا مرفوعا ، وذكر أيضا حديث أوس بن أوس مرفوعا «أفضل أيامكم يوم الجمعة ، فيه خلق آدم ، وفيه قبض ، وفيه النفخة ، وفيه الصعقة ، فأكثروا عليّ من الصلاة فيه ، فإن صلاتكم معروضة علي» قالوا : وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ يقولون بليت ، فقال «إن الله حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» أخرجه أبو داود وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم وصححه ، وذكر البيهقي له شواهد ، ثم ذكر حديث «إن لله ملائكة سيّاحين يبلغون عن أمتي السلام» وغيره.

وروى ابن ماجه بإسناد جيد ـ كما قال المنذري ـ عن أبي الدرداء قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «أكثروا الصلاة عليّ يوم الجمعة فإنه مشهود تشهده الملائكة ، وإن أحد يصلّي علي إلا عرضت عليّ صلاته حين يفرغ منها» قال : قلت : وبعد الموت؟ قال «وبعد الموت ، إن الله حرم عليّ الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام» فنبي اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم حي يرزق ، هذا لفظ ابن ماجه ، قال السبكي : وفي إسناده زيد بن أيمن عن عبادة بن نسئ ، إلا أنه بتقوى باعتضاده بغيره.

وروى البزار برجال الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال «إن لله ملائكة سيّاحين يبلغونّي عن أمتي» قال : وقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم «حياتي خير لكم ، تحدثون ويحدث لكم ، ووفاتي خير لكم ، تعرض علي أعمالكم ، فما رأيت من خير حمدت الله عليه ، وما رأيت من شر استغفرت الله لكم».

وقال الأستاذ أبو منصور البغدادي في أجوبة مسائل الجاجرميين : قال المتكلمون المحققون من أصحابنا : إن نبينا محمداصلى‌الله‌عليه‌وسلم حي بعد وفاته ، يسرّ بطاعات أمته ، وإن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لا يبلون ، وسيأتي في الفصل الثالث قول ابن حبيب :فإنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يسمع ويعلم وقوفك بين يديه.

وقال البيهقي في كتاب الاعتقاد : الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بعد ما قبضوا ردّت إليهم أرواحهم ؛ فهم أحياء عند ربهم كالشهداء ، وقد رأى نبيّنا صلى الله تعالى عليه وسلم ليلة المعراج جماعة منهم ، قال : وقد أفردنا لإثبات حياتهم كتابا.

قلت : ويؤيد ذلك حديث «إن عيسى ابن مريمعليه‌السلام مار بالمدينة حاجا أو معتمرا ، وإن سلم عليّ لأردّنّ عليه».

١٨٠