وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى الجزء ٤

وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى0%

وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى مؤلف:
المحقق: خالد عبد الغني محفوظ
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف: مكتبة القرآن الكريم
الصفحات: 234

وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى

مؤلف: نور الدين علي بن أحمد السّمهودي
المحقق: خالد عبد الغني محفوظ
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف:

الصفحات: 234
المشاهدات: 9373
تحميل: 713


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 234 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 9373 / تحميل: 713
الحجم الحجم الحجم
وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى

وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى الجزء 4

مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
العربية

فإن قيل : قوله في الحديث المصدر به هذا الفصل «إلا رد الله عليّ روحي حتى أرد عليه» دال على عدم استمرار الحياة.

فالجواب من وجوه : الأول : أن البيهقي استدل به على حياة الأنبياء ، قال : وإنما أراد والله أعلم إلا وقد رد الله عليّ روحي حتى أرد عليه ، الثاني : أن السبكي قال : يحتمل : أن يكون ردّا معنويا ، وأن تكون روحه الشريفة مشتغلة بشهود الحضرة والملأ الأعلى عن هذا العالم ؛ فإذا سلم عليه أقبلت روحه على هذا العالم لتدارك السلام وترد على المسلّم ، يعني أن رد روحه الشريفة التفات روحاني ، وتنزّل إلى دوائر البشرية من الاستغراق في الحضرة العلية. الثالث : قال بعضهم : هو خطاب على مقدار فهم المخاطبين في الخارج من الدنيا أنه لا بد من عود روحه حتى يسمع ويجيب ، فكأنه قال : أنا أجيب ذلك تمام الإجابة ، وأسمعه تمام السماع ، مع دلالته على رد الروح عند سلام أول مسلّم ، وقبضها بعد لم يرد ، ولا قائل بتكرر ذلك ، إذ يفضي ذلك إلى توالي موتات لا تحصر ، مع أننا نعتقد ثبوت الإدراكات كالعلم والسماع لسائر الموتى ، فضلا عن الأنبياء ، ويقطع بعود الحياة لكل ميت في قبره ، كما ثبت في السنة ، ولم يثبت أنه يموت بعد ذلك موتة ثانية ، بل ثبت نعيم القبر وعذابه ، وإدراك ذلك من الأعراض المشروطة بالحياة ، لكن يكفي فيه حياة جزء يقع به الإدراك ، فلا يتوقف على البنية كما زعم المعتزلة.

وأما أدلّة حياة الأنبياء فمقتضاها حياة الأبدان كحالة الدنيا ، مع الاستغناء عن الغذاء ، ومع قوة النفوذ في العالم ، وقد أوضحنا المسألة في كتابنا المسمى «بالوفا ، لما يجب لحضرة المصطفى» صلى الله تعالى عليه وسلم.

وقال أبو محمد عبد الله بن عبد الملك المرجاني في أخبار المدينة له : قال صاحب الدر المنظم : إن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لما مات ترك في أمته رحمة لهم ، روى عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : ما من نبي دفن إلا وقد رفع بعد ثلاث غيري ، فإني سألت اللهعزوجل أن أكون بينكم إلى يوم القيامة ، اه وقال الحافظ ابن حجر : إن حديث «أنا أكرم على ربي من أن يتركني في قبري بعد ثلاث» ذكره الغزالي لا أصل له ، اه.

وروى عبد الرزاق أن سعيد بن المسيب رأى قوما يسلمون على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال : ما مكث نبي في الأرض أكثر من أربعين ، ثم روى عبد الرزاق إليّ حديث «مررت بموسى ليلة أسرى بي وهو قائم يصلي في قبره» كأنه أراد ردّ ما روي عن ابن المسيب ، وهو رد صحيح ، ولو صح قول ابن المسيب لم يقدح في مشروعية زيارة القبر ؛ لشرفه بنسبته إليه صلى الله تعالى عليه وسلم ، وعلاقته به ، وابن المسيب لم ينكر

١٨١

التسليم ، وإنما أفاد تلك الفائدة ، مع أنا قد قطعنا بوضع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في قبره الشريف ، والأصل استمراره ؛ فيستمر على ذلك حتى يقوم قاطع على خلافه ، مع أنه جاء عن غير ابن المسيب ما يقتضي الاستمرار ، فعن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه أنه لما حصر أشار بعض الصحابة عليه أن يلحق بالشام ، فقال : لن أفارق دار هجرتي ومجاورة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فيها ، وقصة سعيد بن المسيب في سماعه الأذان والإقامة من القبر الشريف أيام الحرة مشهورة.

وقال يحيى : حدثنا هرون بن عبد الملك ابن الماجشون أن خالد بن الوليد بن الحارث بن الحكم بن العاص وهو ابن مطيرة قام على منبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يوم جمعة فقال : لقد استعمل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وهو يعلم أنه خائن ، ولكن شفعت له ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها ، وداود بن قيس في الروضة ، فقام فقال : أس ، أي بسكته ، قال : فمزق الناس قميصا كان عليه شقائق حتى وتروه ، وأجلسوه حذرا عليه منه ، وقال : رأيت كفّا خرجت من القبر قبر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو يقول : كذبت يا عدوّ الله ، كذبت يا كافر ، مرارا.

وممن سافر إلى زيارة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من الشام إلى قبرهعليه‌السلام بالمدينة بلال بن رباح مؤذن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، كما رواه ابن عساكر بسند جيد عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه ، قال : لما رحل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه من فتح بيت المقدس فصار إلى جابية ، سأله بلال أن يقره بالشام ، ففعل ، وذكر قصة في نزوله بداريا ، قال : ثم إن بلالا رأى في منامه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وهو يقول : ما هذه الجفوة يا بلال؟ أما آن لك أن تزورني يا بلال؟ فانتبه حزينا وجلا خائفا ، فركب راحلته وقصد المدينة فأتى قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، فجعل يبكي عنده ويمرغ وجهه عليه ، فأقبل الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما ، فجعل يضمهما ويقبلهما ، فقالا له : يا بلال ، نشتهي أن نسمع أذانك الذي كنت تؤذن به لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في المسجد ، ففعل ، فعلا سطح المسجد ، فوقف موقفه الذي كان يقف فيه ، فلما أن قال «الله أكبر الله أكبر» ارتجّت المدينة ، فلما أن قال : «أشهد أن لا إله إلا الله» ازدادت رجتها ، فلما أن قال «أشهد أن محمدا رسول الله» خرجت العواتق من خدورهن ، وقالوا : بعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، فما رؤي يوم أكثر باكيا ولا باكية بالمدينة بعد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من ذلك اليوم ، كذا ذكر ابن عساكر فيما نقل السبكي ، فقال الحافظ عبد الغني وغيره في ترجمة

١٨٢

بلال : ولم يؤذن بعد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فيما روي إلا مرة واحدة في قدومه المدينة لزيارة قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وقد طلب إليه الصحابة ذلك ، فأذن ولم يتم الأذان ، وقيل : إنه أذن لأبي بكر رضي الله تعالى عنه في خلافته ، قال السبكي : ليس اعتمادنا يعني في الأخذ بذلك في السفر للزيارة على رؤيا المنام فقط ، بل على فعل بلال ، سيما في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه ، والصحابة متوافرون ولا تخفى عنهم هذه القصة ، ورؤيا بلال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مؤكدة لذلك.

وقد استفاض عن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه أنه كان يبرد البريد من الشام يقول : سلم لي على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، وذلك في زمن صدر التابعين.

وممن ذكره عنه الإمام أبو بكر بن عمرو بن عاصم النبيل ، ووفاته في المائة الثالثة ، قال في مناسكه له «ألتزم له الثبوت» وكان عمر بن عبد العزيز يبعث بالرسول قاصدا من الشام إلى المدينة ليقرئ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم السلام ثم يرجع ، انتهى.

وفي فتوح الشام أن عمر رضي الله تعالى عنه لما صالح أهل بيت المقدس وقدم عليه كعب الأحبار وأسلم وفرح بإسلامه قال له : هل لك أن تسير معي إلى المدينة وتزور قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وتتمتع بزيارته؟ فقال : نعم يا أمير المؤمنين أنا أفعل ذلك ، ولما قدم عمر المدينة كان أول ما بدأ بالمسجد وسلم على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.

وروى عبد الرزاق بإسناد صحيح أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان إذا قدم من سفر أتى قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : السلام عليك يا رسول الله ، السلام عليك يا أبا بكر ، السلام عليك يا أبتاه.

وفي الموطأ رواية يحيى بن يحيى أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان يقف على قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فيصلي على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وعلى أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما ، وعند ابن القاسم والقعنبي : ويدعو لأبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما.

وعن ابن عون قال : سأل رجل نافعا : هل كان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يسلم على القبر؟ قال : نعم ، لقد رأيته مائة مرة أو أكثر من مائة ، كان يأتي القبر فيقوم عنده فيقول : السلام على النبي ، السلام على أبي بكر ، السلام على أبي.

وفي مسند أبي حنيفة عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : من السنة أن تأتي قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من قبل القبلة ، وتجعل ظهرك إلى القبلة ، وتستقبل القبر

١٨٣

بوجهك ، ثم تقول : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، أخرجه الحافظ طلحة بن محمد في مسنده عن صالح بن أحمد عن عثمان بن سعيد عن أبي عبد الرحمن المقرئ عن أبي حنيفة عن نافع عن ابن عمر.

قلت : وقد تقرر أن قول الصحابي «من السنة كذا» محمول على سنته صلى الله تعالى عليه وسلم ؛ فله حكم المرفوع.

وروى أحمد بسند حسن كما رأيته بخط الحافظ أبي الفتح المراغي المدني قال : حدثنا عبد الملك بن عمرو قال : حدثنا كثير بن زيد عن داود بن أبي صالح قال : أقبل مروان يوما ، فوجد رجلا واضعا وجهه على القبر ، فأخذ مروان برقبته ثم قال : هل تدري ما تصنع؟ فأقبل عليه ، فقال : نعم إني لم آت الحجر ، إنما جئت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولم آت الحجر ، سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله ، ولكن ابكوا على الدين إذا وليه غير أهله ، قال الهيتمي : رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط ، وفيه كثير بن زيد ، وثقة جماعة وضعفه النسائي وغيره.

قلت : هو كما قال في التقريب ـ صدوق يخطئ ، وسيأتي في الفصل بعده أن يحيى رواه من طريقه ، وأن السبكي اعتمد توثيقه.

وذكر المؤرّخون والمحدّثون منهم ابن عبد البر وأحمد بن يحيى البلاذري وابن عبد ربه أن زياد بن أبيه أراد الحج ، فأتاه أبو بكرة وهو لا يكلمه ، فأخذ ابنه فأجلسه في حجره ليخاطبه ويسمع زيادا ، فقال : إن أباك فعل وفعل ، وإنه يريد الحج ، وأم حبيبة زوج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم هناك ، فإن أذنت له فأعظم بها مصيبة وخيانة لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وإن هي حجبته فأعظم بها حجّة عليه ، فقال زياد : ما تدع النصيحة لأخيك ، وترك الحج تلك السنة فيما قاله البلاذري.

وحكى ابن عبد البر ثلاثة أقوال : أحدها أنه حج ولم يزر من أجل قول أبي بكرة. والثاني أنه دخل المدينة وأراد الدخول على أم حبيبة رضي الله تعالى عنها فذكر قول أبي بكرة فانصرف. والثالث أن أم حبيبة رضي الله تعالى عنها حجبته.

قال السبكي : والقصة على كل تقدير تشهد لأن زيارة الحاج كانت معهودة من ذلك الوقت ، وإلا فكان زياد يمكنه الحج من غير طريق المدينة ، بل هي أقرب إليه ؛ لأنه كان بالعراق ، ولكن كان إتيان المدينة عندهم أمرا لا يترك.

وتقدم في سابع فصول الباب الثاني عند ذكر الخاصة الثمانين اختلاف السلف في أن الأفضل البداءة بالمدينة قبل مكة أو بمكة قبل المدينة ، وأن ممن اختار البداءة بالمدينة

١٨٤

علقمة والأسود وعمرو بن ميمون من التابعين ، ولعل سببه عندهم كما قال السبكي إيثار الزيارة ، وممن اختار البداءة بمكة ثم إتيان المدينة والقبر الإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه ، ففي فتاوى أبي اللّيث السّمرقندي : روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه قال : الأحسن للحاج أن يبدأ بمكة ، فإذا قضى نسكه مر بالمدينة ، وإن بدأ بها جاز ، فيأتي قريبا من قبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فيقوم بين القبر والقبلة.

وقد أوضح السبكي أمر الإجماع على الزيارة قولا وفعلا ، وسرد كلام الأئمة في ذلك ، وبين أنها قربة بالكتاب ، والسنة ، والإجماع ، والقياس.

أما الكتاب فقوله تعالى :( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ ) [النساء : ٦٤] الآية دالة على الحث بالمجيء إلى الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والاستغفار عنده ، واستغفار لهم وهذه رتبة لا تنقطع بموته صلى الله تعالى عليه وسلم ، وقد حصل استغفاره لجميع المؤمنين ؛ لقوله تعالى( وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ) [محمد : ١٩] فإذا وجد مجيئهم فاستغفارهم تكملت الأمور الثلاثة الموجبة لتوبة الله ولرحمته. وقوله :( اسْتَغْفَرَ لَهُمُ ) معطوف على قوله :( جاؤُكَ ) فلا يقتضي أن يكون استغفار الرسول بعد استغفارهم مع أنا لا نسلم أنه لا يستغفر بعد الموت ؛ لما سبق من حياته ومن استغفاره لأمته بعد الموت عند عرض أعمالهم عليه ، ويعلم من كمال رحمته أنه لا يترك ذلك لمن جاءه مستغفرا ربه.

والعلماء فهموا من الآية العموم لحالتي الموت والحياة ، واستحبوا لمن أتى القبر أن يتلوها ويستغفر الله تعالى ، وحكاية الأعرابي في ذلك نقلها جماعة من الأئمة عن العتبي ، واسمه محمد بن عبيد الله بن عمرو ، أدرك ابن عيينة وروى عنه ، وهي مشهورة حكاها المصنفون في المناسك من جميع المذاهب ، واستحسنوها ، ورأوها من أدب الزائر ، وذكرها ابن عساكر في تاريخه ، وابن الجوزي في مثير الغرام الساكن ، وغيرهما بأسانيدهم إلى محمد بن حرب الهلالي ، قال : دخلت المدينة ، فأتيت قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فزرته وجلست بحذائه ، فجاء أعرابي فزاره ، ثم قال : يا خير الرسل إن الله أنزل عليك كتابا صادقا قال فيه( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ) إلى قوله( رَحِيماً ) وإني جئتك مستغفرا ربك من ذنوبي ، متشفعا بك ، وفي رواية : وقد جئتك مستغفرا من ذنبي مستشفعا بك إلى ربي ، ثم بكى وأنشأ يقول :

يا خير من دفنت بالقاع أعظمه

فطاب من طيبهن القاع والأكم

نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه

فيه العفاف وفيه الجود والكرم

١٨٥

ثم استغفر وانصرف ، قال : فرقدت فرأيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في نومي وهو يقول : الحق الرجل وبشّره بأن الله غفر له بشفاعتي ، فاستيقظت فخرجت أطلبه فلم أجده.

قلت : بل قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن موسى بن النعمان في كتابه مصباح الظلام : إن الحافظ أبا سعيد السمعاني ذكر فيما روينا عنه عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال : قدم علينا أعرابي بعد ما دفنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بثلاثة أيام ، فرمى بنفسه على قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وحثا من ترابه على رأسه ، وقال : يا رسول الله ، قلت فسمعنا قولك ، ووعيت عن الله سبحانه وما وعينا عنك ، وكان فيما أنزل عليك( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ ) [النساء : ٦٤] الآية ، وقد ظلمت وجئتك تستغفر لي ، فنودي من القبر : إنه قد غفر لك ، انتهى.

وروى ذلك أبو الحسن علي بن إبراهيم بن عبد الله الكرخي عن علي ابن محمد بن علي ، قال : حدثنا أحمد بن محمد بن الهيثم الطائي قال : حدثني أبي عن أبيه عن سلمة بن كهيل عن ابن صادق عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ، فذكره.

وأما السنة فما سبق من الأحاديث في زيارة قبرهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بخصوصه وقد جاء في السنة الصحيحة المتفق عليها الأمر بزيارة القبور ، وقبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم سيد القبور وداخل في عموم ذلك.

وأما الإجماع فقال عياضرحمه‌الله تعالى : زيارة قبرهصلى‌الله‌عليه‌وسلم سنة بين المسلمين مجمع عليها ، وفضيلة مرغب فيها ، انتهى.

وأجمع العلماء على استحباب زيارة القبور للرجال كما حكاه النووي ، بل قال بعض الظاهرية بوجوبها.

وقد اختلفوا في النساء ، وقد امتاز القبر الشريف بالأدلة الخاصة به كما سبق ، قال السبكي : ولهذا أقول : إنه لا فرق في زيارته صلى الله تعالى عليه وسلم بين الرجال والنساء ، وقال الجمال الريمي في التقفية : يستثنى أي من محل الخلاف ـ قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وصاحبيه ، فإن زيارتهم مستحبة للنساء بلا نزاع ، كما اقتضاه قولهم في الحج : يستحب لمن حج أن يزور قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وحينئذ فيقال معاياة : قبور يستحب زيارتها للنساء بالاتفاق ، وقد ذكر ذلك بعض المتأخرين وهو الدمنهوري الكبير ، وأضاف إليه قبور الأولياء والصالحين والشهداء ، انتهى.

وأما القياس فعلى ما ثبت من زيارتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لأهل البقيع وشهداء أحد ، وإذا استحب زيارة قبر غيره فقبرهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أولى ؛ لما له من الحق ووجوب التعظيم ، وليست زيارته إلا

١٨٦

لتعظيمه والتبرك به ، ولتنالنا الرحمة بصلاتنا وسلامنا عليه عند قبره بحضرة الملائكة الحافين به ، وذلك من الدعاء المشروع له.

والزيارة قد تكون لمجرد تذكر الآخرة ، وهو مستحب ؛ لحديث «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة». وقد تكون للدعاء لأهل القبور كما ثبت من زيارة أهل البقيع ، وقد تكون للتبرك بأهلها إذا كانوا من أهل الصلاح ، وقال أبو محمد الشارمساحي المالكي : إن قصد الانتفاع بالميت بدعة إلا في زيارة المصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم وقبور الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، قال السبكي : وهذا الاستثناء صحيح ، وحكمه في غيرهم بالبدعة فيه نظر.

قلت : قد ذكر هذا الاستثناء ابن العربي أيضا ، فقال : ولا يقصد يعني زائر القبر الانتفاع بالميت فإنها بدعة ، وليس لأحد على وجه الأرض إلا لمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم ، نقل ذلك عنه الحافظ زين الدين الحسيني الدمياطي ، ثم تعقبه بأن زيارة قبور الأنبياء والصحابة والتابعين والعلماء وسائر المرسلين للبركة أثر معروف.

وقد قال حجة الإسلام الغزالي : كلّ من يتبرك بمشاهدته في حياته يتبرك بزيارته بعد موته ، ويجوز شد الرحال لهذا الغرض ، انتهى.

وقد تكون الزيارة لأداء حق أهل القبور ، وقد روي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال «آنس ما يكون الميت في قبره إذا زاره من كان يحبه في دار الدنيا» وسبق عن ابن عباس مرفوعا «ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن يعرفه في الدنيا فسلم عليه إلا عرفه وردعليه‌السلام » ورأيت بخط الأقشهري : روى بقيّ بن مخلد بسنده إلى محمد بن النعمان عن أبيه مرفوعا «من زار قبر أبويه في كل جمعة أو أحدهما كتب بارا وإن كان في الدنيا قبل ذلك بهما عاقا».

قال السبكي : وزيارة قبرهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فيها هذه المعاني الأربعة فلا يقوم غيرها مقامها.

وقد قال عبد الحق الصقلي عن أبي عمران المالكي ، قال : إنما كره مالك أن يقال «زرنا قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم» لأن الزيارة من شاء فعلها ومن شاء تركها ، وزيارة قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم واجبة ، قال عبد الحق : يعني من السنن الواجبة ، انتهى.

واختار عياض أن كراهة مالك لذلك لإضافة الزيارة إلى القبر ، وأنه لو قال «زرنا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم» لم يكره ؛ لحديث «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد ، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» فحمى إضافة هذا اللفظ إلى القبر قطعا للذريعة.

١٨٧

قال السبكي : ويشكل عليه حديث «من زار قبري» إلا أن يكون لم يبلغ مالكا ، أو لعله يقول : المحذور في قول غيره صلى الله تعالى عليه وسلم ، مع أن ابن رشد نقل عن مالك أنه قال : وأكره ما يقول الناس زرت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وأعظم ذلك أن يكون النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يزار.

قال ابن رشد : ما كره مالك هذا إلا من وجه أن كلمة أعلى من كلمة ، فلما كانت الزيارة تستعمل في الموتى وقد وقع من الكراهة ما وقع كره أن يذكر مثل ذلك في النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وقيل : كرهه لأن المضي إلى قبره ليس ليصله بذلك ولا لينفعه ، وإنما هو رغبة في الثواب ، انتهى ملخصا.

والأخير هو المختار في تأويل كلام مالك كما قاله السبكي ، قال : والمختار عندنا أنه لا يكره إطلاق هذا اللفظ.

ويستدل أيضا بقوله تعالى :( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ) الآية ، على مشروعية السفر للزيارة وشدّ الرحال إليها ، على ما سبق تقريره بشموله المجيء من قرب ومن بعد ، وبعموم قوله «من زار قبري» وقوله في الحديث الذي صححه ابن السكن «من جاءني زائرا» وإذا ثبت أن الزيارة قربة فالسفر إليها كذلك ، وقد ثبت خروج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من المدينة لزيارة قبور الشهداء ، فإذا جاز الخروج للقريب جاز للبعيد ، وحينئذ فقبره صلى الله تعالى عليه وسلم أولى ، وقد انعقد الإجماع على ذلك ؛ لإطباق السلف والخلف عليه. وأما حديث «لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» فمعناه لا تشدوا الرحال إلى مسجد إلا إلى المساجد الثلاثة ، إذ شدّ الرحال إلى عرفة لقضاء النسك واجب بالإجماع ، وكذلك سفر الجهاد والهجرة من دار الكفر بشرطه ، وغير ذلك ، وأجمعوا على جواز شد الرحال للتجارة ومصالح الدنيا.

وقد روى ابن شبة بسند حسن أن أبا سعيد يعني الخدري رضي الله تعالى عنه ـ ذكر عنده الصلاة في الطور ، فقال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا ينبغي للمطيّ أن تشدّ رحالها إلى مسجد يبتغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى» فهذا الحديث صريح فيما ذكرناه ، على أن في شدّ الرحال لما سوى هذه المساجد الثلاثة مذاهب : نقل إمام الحرمين عن شيخه أنه أفتى بالمنع ، قال : وربما كان يقول : يكره ، وربما كان يقول : يحرم ، وقال الشيخ أبو علي : لا يكره ولا يحرم ، وإنما أبان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن القربة المقصودة في قصد المساجد الثلاثة ، وما عداها ليس قربة.

١٨٨

قال السبكي : ويمكن أن يقال : إن قصد بذلك التعظيم فالحق ما قاله الشيخ أبو محمد ؛ لأنه تعظيم لما لم يعظمه الشرع ، وإن لم يقصد مع عينه أمر آخر فهذا قريب من العبث ؛ فيترجح ما قاله أبو علي.

وذهب الداودي إلى أن ما قرب من المساجد الفاضلة من المصر فلا بأس بإتيانه مشيا وركوبا ، استدل بمسجد قباء لأن شد الرحال لا يكون لما قرب غالبا ، ونقل عياض أنه إنما يمنع إعمال المطيّ للناذر ، ومذهبنا ومذهب الجمهور أنه لا يصح نذر ما سوى المساجد الثلاثة ، ومذهب ليث بن سعد صحة ذلك مطلقا ، وقال بعضهم : يلزم ما لم يكن شد رحل كمسجد قباء وهو قول محمد بن مسلمة المالكي.

وروى مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم أن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما سئل عمن جعل على نفسه مشيا إلى مسجد قباء وهو بالمدينة ، فألزمه ذلك ، وأمره أن يمشي ، قال ابن حبيب في الواضحة : فكذلك من نذر أن يمشي إلى مسجده الذي يصلي فيه مكتوبته ، وليس بلازمه فيما نأى عنه من المساجد لا ماشيا ولا راكبا. قال السبكي : هذا كله في قصد المكان لعينه ، أو قصد عبادة فيه تمكن في غيره ، أما قصده بغير نذر لغرض فيه كالزيارة وشبهها فلا يقول أحد فيه بتحريم ولا كراهة ، مع أن السفر بقصد زيارة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم غايته مسجد المدينة ؛ لأنها إنما تكون فيه لمجاورته القبر الشريف ، وغرض الزائر التبرك بالحلول في ذلك المحل ، والتسليم على من بذلك القبر الشريف ، وتعظيم من فيه كما لو كان حيا بالحياة المألوفة فسافر إليه ، وليس القصد تعظيم بقعة القبر لعينها.

وقال الماوردي : قال أصحابنا عند ذكر من يلي أمر الحج : فإذا قضى الناس حجهم أمهلهم الأيام التي جرت عادتهم بها ، فإذا رجعوا سار بهم على طريق مدينة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، رعاية لحرمته ، وقياما بحقوق طاعته ، وذلك وإن لم يكن من فروض الحج فهو من مندوبات الشرع المستحبة ، وعبادات الحجيج المستحسنة ، وقال القاضي الحسين : إذا فرغ من الحج فالسنة أن يقف بالملتزم ويدعو ، قال : ثم يأتي المدينة ، ويزور قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم. وقال القاضي أبو الطيب : ويستحب أن يزور النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن يحج ويعتمر ، وقال المحاملي في التجريد : ويستحب للحاج إذا فرغ من مكة أن يزور قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وتقدم قول أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه : الأحسن للحاج أن يبدأ بمكة ، فإذا قضى نسكه مر بالمدينة إلى آخره.

والحنفية قالوا : إن زيارة قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من أفضل المندوبات

١٨٩

والمستحبات ، بل تقرب من درجة الواجبات ، وكذلك نص عليه المالكية والحنابلة ، وأوضح السبكي نقولهم وسردها في كتابه في الزيارة ، ولا حاجة إلى تتبع ذلك مع الإجماع عليه.

فإن قيل : روى عبد الرزاق أن الحسن بن الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهم رأى قوما عند القبر ، فنهاهم ، وقال : إن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال «لا تتخذوا قبري عيدا ، ولا تتخذوا بيوتكم قبورا ، وصلوا عليّ حيثما كنتم ؛ فإن صلاتكم تبلغني» وروى أبو يعلى عن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما ، أنه رأى رجلا يجئ إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فيدخل فيها فيدعوه ، فنهاه ، فقال : ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال «لا تتخذوا قبري عيدا ، ولا بيوتكم قبورا ، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم» وروى القاضي إسماعيل في الصلاة على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عن سهل بن أبي سهيل قال : جئت أسلّم على النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وحسن بن حسن رضي الله تعالى عنهما يتعشى ، وبيته عند بيت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وفي رواية : رآني الحسن بن الحسن رضي الله تعالى عنهما عند القبر ، وهو في بيت فاطمة رضي الله تعالى عنها يتعشى فقال : هلمّ إلى العشاء ، فقلت : لا أريده ، فقال : مالي رأيتك عند القبر؟ وفي رواية : مالي رأيتك وقفت؟ قلت : وقفت أسلّم على النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال : إذا دخلت فسلم عليه وفي رواية «إذا دخلت المسجد فسلم عليه» ثم قال : إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال «لا تتخذوا بيتي عيدا ، ولا بيوتكم مقابر الحديث» ثم قال : ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء.

قلنا : روى القاضي إسماعيل أيضا في فضل الصلاة على النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بسنده إلى عليّ بن الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهم أن رجلا كان يأتي كل غداة ؛ فيزور قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، ويصلي عليه ، ويصنع من ذلك ما انتهره عليه علي بن الحسين ، فقال له علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما : ما يحملك على هذا؟ قال :أحب التسليم على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، فقال له علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما ، هل لك أن أحدثك حديثا عن أبي؟ قال : نعم ، قال له علي بن الحسين رضي تعالى عنهما : أخبرني أبي عن جدي أنه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «لا تجعلوا قبري عيدا الحديث».

فهذا يبين أن ذلك الرجل زاد في الحد ، فيكون علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما موافقا لما سيأتي عن مالك من كراهة الإكثار من الوقوف بالقبر ، وليس إنكارا

١٩٠

لأصل الزيارة ، أو أنه أراد تعليمه أن السلام يبلغه مع الغيبة لما رآه يتكلف الإكثار من الحضور.

وعلى ما ذكرناه يحمل ما ورد عن حسن بن حسن رضي الله تعالى عنه ، بدليل قوله «إذا دخلت فسلم عليه» ولأن يحيى الحسيني روى في كتابه عن جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين عن أبيه عن جده أنه كان إذا جاء يسلم على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وقف عند الأسطوانة التي تلي الروضة ، ثم يسلم ، ثم يقول : هاهنا رأس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

قال المطري وغيره : وهذا موقف السلف قبل إدخال الحجر في المسجد. وسبق في الكلام على المسمار المواجه للوجه الشريف بيان الموضع الذي كان يقف عنده علي بن الحسين من جهة الوجه الشريف أيضا ، وقال يحيى في أخبار المدينة له : حدثنا هرون بن موسى الفروي قال : سمعت جدي أبا علقمة يسأل : كيف كان الناس يسلّمون علي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قبل أن يدخل البيت في المسجد؟ فقال : كان يقف الناس على باب البيت يسلمون عليه ، وكان الباب ليس عليه غلق ، حتى هلكت عائشة رضي الله تعالى عنها.

قلت : وكيف يتخيل في أحد من السلف المنع من زيارة المصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم ، وهم مجمعون على زيارة سائر الموتى ، فضلا عن زيارته صلى الله تعالى عليه وسلم؟ وما روي عن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري أنه قال «ما رأيت أبي قط يأتي قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وكان يكره إتيانه» محمول على تقدير صحته على ما سيأتي عن مالك من كراهة الوقوف بالقبر لمن لم يقدم من سفر.

وقولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا تجعلوا قبري عيدا» قال الحافظ المنذري : يحتمل أن يكون المراد به الحث على كثرة زيارة قبره صلى الله تعالى عليه وسلم ، وأن لا يهمل حتى لا يزار إلا في بعض الأوقات كالعيد الذي لا يأتي في العام إلا مرتين ، قال : ويؤيده قوله «لا تجعلوا بيوتكم قبورا» أي لا تتركوا الصلاة فيها حتى تجعلوها كالقبور التي لا يصلى فيها ، قال السبكي : ويحتمل أن يكون المراد لا تتخذوا له وقتا مخصوصا لا تكون الزيارة إلا فيه ، ويحتمل أيضا أن يراد لا تتخذوه كالعيد في العكوف عليه وإظهار الزينة والاجتماع وغير ذلك مما يعمل في الأعياد ، بل لا يأتي إلا للزيارة والسلام والدعاء ثم ينصرف عنه.

قلت : وقد كانت الصحابة رضي الله تعالى عنهم يقصدون النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قبل وفاته للزيارة ، وهو صلى الله تعالى عليه وسلم حي الدارين ، بل روى أحمد بإسنادين أحدهما

١٩١

برجال الصحيح عن يعلى بن مرة من حديث قال فيه : ثم سرنا فنزلنا منزلا ، فنام النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، فجاءت شجرة تشق الأرض حتى غشيته ثم رجعت إلى مكانها ، فلما استيقظ ذكرت له ، فقال : هي شجرة استأذنت ربهاعزوجل أن تسلم على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فأذن لها. فإذا كان هذا حال شجرة فكيف بالمؤمن المأمور بتعظيم هذا النبي الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم الممتلئ بالشوق إليه؟ وحديث حنين الجذع تقدم ذكره في محله. وقال القاضي ابن كج من أصحابنا : إذا نذر أن يزور قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فعندي يلزمه الوفاء وجها واحدا ، وإذا نذر أن يزور قبر غيره ففيه وجهان. قال السبكي : لم ير لغيره من أصحابنا خلافه ، والقطع بذلك هو الحق ؛ للأدلة الخاصة في ذلك ، ومن يشترط في النذر أن يكون مما وجب جنسه بالشرع ويقول «إن الاعتكاف كذلك ؛ لوجوب الوقوف» فقد يقول : إن زيارة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وجب جنسها وهي الهجرة إليه في حياته.

ووجه الخلاف في قبر غيره تشبيهه بزيارة القادمين وإفساد السلام ونحو ذلك مما لم يوضع قربة مقصودة وإن كان قربة من حيث ترغيب الشرع فيه لعموم فائدته ، وعلى هذا يكون الأصح لزومه بالنذر كما في تلك المسائل.

وقال العبدي من المالكية في شرح الرسالة : وأما النذر للمشي إلى المسجد لحرام والمشي إلى مكة فله أصل في الشرع وهو الحج والعمرة ، والمشي إلى المدينة لزيارة قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أفضل من الكعبة ومن بيت المقدس ، وليس عنده حج ولا عمرة ، فإذا نذر المشي إلى هذه الثلاثة لزمه ، فالكعبة متفق عليها ، ويختلف أصحابنا وغيرهم في المسجدين الآخرين ، قال السبكي : والخلاف الذي أشار إليه في نذر إتيان المسجدين الآخرين لا في الزيارة.

وفي كتاب تهذيب الطالب لعبد الحق : رأيت في بعض المسائل التي سئل عنها الشيخ أبو محمد بن أبي زيد ، قيل له في رجل استؤجر بمال ليحج به وشرطوا عليه الزيارة ، فلم يستطع تلك السنة أن يزور لعذر منعه من ذلك. قال : يردّ من الأجرة بقدر مسافة الزيارة ، قال الحاكي لذلك عنه : وقال غيره من شيوخنا : عليه أن يرجع ثانية حتى يزور ، وقال ابن عبد الحق : انظر ، إن استؤجر للحج لسنة بعينها فهاهنا يسقط من الأجرة ما يخص الزيارة ، وإن استؤجر على حجة مضمونة في ذمته فهاهنا يرجع ويزور ، وقد اتفق النقلان ، قال السبكي : وهذا فرع حسن ، والذي ذكره أصحابنا أن الاستئجار على الزيارة لا يصح ؛ لأنه عمل غير مضبوط ولا مقدر بشرع ، والجعالة إن وقعت على نفس الوقوف لم يصح أيضا ؛

١٩٢

لأن ذلك مما لا يصح فيه النيابة عن الغير ، وإن وقعت الجعالة على الدعاء عند قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم كانت صحيحة ؛ لأن الدعاء مما يصح النيابة فيه ، والجهل بالدعاء فيه لا يبطلها ، قاله الماوردي في الحاوي.

قال السبكي : وبقي قسم ثالث لم يذكره ، وهو إبلاغ السلام ، ولا شك في جواز الإجارة والجعالة عليه كما كان عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه يفعل ، وأن الظاهر أن مراد المالكية هذا ، وإلا فمجرد الوقوف من الأجير لا يحصل للمستأجر غرضا ، انتهى.

وذكر الديلمي في التقفية : أن حاصل ما في مسألة الاستئجار للزيارة ثلاثة أوجه للأصحاب : أصحها فيما حكاه ابن سراقة في مختصره جواز ذلك ، واختاروه الإمام محمد بن أبي بكر الأصبحي صاحب الإيضاح والمفتاح وأفتى به ، والثاني لا يجوز ، وبه قطع الماوردي ، قال : لأنه عمل غير مضبوط ، والثالث وبه قال الإمام عليّ بن قاسم الحكمي ، واختاره صاحب الأصبحي أنه يا بني على ما إذا حلف لا يكلم فلانا فكاتبه أو راسله ، والصحيح عند الأكثرين أنه لا يحنث ، فلا يصح الاستئجار ، وإن قلنا يحنث صح الاستئجار.

قلت : وهذا البناء ضعيف ؛ لأن مبنى الأيمان على العرف ، وأما ذلك فقربة مقصودة كما أن المكاتبة والمراسلة يحصل بهما التودد والصّلة ، وإن لم يسم كلاما ، والله سبحانه وتعالى أعلم.

الفصل الثالث

في توسّل الزائر ،وتشفعه به صلى الله تعالى عليه وسلم إلى ربه تعالى ، واستقبالهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في سلامه وتوسله ودعائه.

اعلم أن الاستغاثة والتشفع بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وبجاهه وبركته إلى ربه تعالى من فعل الأنبياء والمرسلين ، وسير السلف الصالحين ، واقع في كل حال ، قبل خلقه صلى الله تعالى عليه وسلم وبعد خلقه ، في حياته الدنيوية ومدة البرزخ وعرصات القيامة.

الحال الأول : ورد فيه آثار عن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ، ولنقتصر على ما رواه جماعة منهم الحاكم وصحح إسناده عن عمر بن الخطابرضي‌الله‌عنه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «لما اقترف آدم الخطيئة قال : يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي ، فقال الله : يا آدم وكيف عرفت محمدا ولم أخلقه؟ قال : يا رب لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت فيّ من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا : لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ، فعرفت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحبّ الخلق إليك ، فقال الله

١٩٣

تعالى : صدقت يا آدم إنه لأحبّ الخلق إليّ ، إذ سألتني بحقه فقد غفرت لك ، ولو لا محمد ما خلقتك» رواه الطبراني وزاد «وهو آخر الأنبياء من ذريتك».

قال السبكي : وإذا جاز السؤال بالأعمال كما في حديث الغاز الصحيح وهي مخلوقة فالسؤال بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم أولى ، وفي العادة أن من له عند شخص قدر فتوسل به إليه في غيبته فإنه يجيب إكراما للمتوسّل به ، وقد يكون ذكر المحبوب أو المعظم سببا للإجابة ، ولا فرق في هذا بين التعبير بالتوسل أو الاستغاثة أو التشفع أو التوجه ، ومعناه التوجه به في الحاجة ، وقد يتوسل بمن له جاء إلى من هو أعلى منه.

الحال الثاني : التوسل بهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بعد خلقه في مدة حياته في الدنيا. منه ما رواه جماعة منهم النسائي والترمذي في الدعوات من جامعه عن عثمان بن حنيف أن رجلا ضرير البصر أتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال : ادع الله لي أن يعافيني ، قال : إن شئت دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لك ، قال : فادعه ، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة ، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي لتقضى لي ، اللهم شفعه فيّ. قال الترمذي. حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وصححه البيهقي ، وزاد : فقام وقد أبصر ، وفي رواية : ففعل الرجل فبرأ.

الحال الثالث : التوسل به صلى الله تعالى عليه وسلم بعد وفاته ، روى الطبراني في الكبير عن عثمان بن حنيف المتقدم أن رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه في حاجة له ، وكان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته ، فلقي ابن حنيف فشكا إليه ذلك ، فقال له ابن حنيف : ائت الميضأة فتوضأ ، ثم ائت المسجد فصل ركعتين ، ثم قل : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم نبي الرحمة ، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك أن تقضي حاجتي ، وتذكر حاجتك ، فانطلق الرجل فصنع ما قال ، ثم أتى باب عثمان ، فجاءه البواب حتى أخذ بيده ، فأدخل على عثمان رضي الله تعالى عنه ، فأجلسه معه على الطّنفسة ، فقال : حاجتك ، فذكر حاجته وقضاها له ثم قال له : ما ذكرت حاجتك حتى كانت الساعة ، وقال : ما كانت لك من حاجة فاذكرها ، ثم إن الرجل خرج من عنده فلقي ابن حنيف فقال له : جزاك الله خيرا ، ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلي حتى كلمته فيّ ، فقال ابن حنيف : والله ما كلمته ولكن شهدت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأتاه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره ، فقال له النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : إن شئت دعوت أو تصبر ، فقال : يا رسول الله إنه ليس لي قائد وقد شق عليّ ، فقال له النبي صلى الله تعالى عليه

١٩٤

وسلم : ائت الميضأة فتوضأ ، ثم صل ركعتين ، ثم ادع بهذه الدعوات ، قال ابن حنيف فو الله ما تفرقنا ، وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط ، ورواه البيهقي من طريقين بنحوه.

قال السبكي : والاحتجاج من هذا الأثر بفهم عثمان ومن حضره الذين هم كانوا أعلم بالله ورسوله وبفعلهم.

قلت : وقد سبق في قبر فاطمة بنت أسد رضي الله تعالى عنها قوله صلى الله تعالى عليه وسلم في دعائه إليها «بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي» وأن في سنده روح بن صلاح وثقه ابن حبان والحاكم وفيه ضعف ، وبقية رجاله رجال الصحيح ، وفيه دلالة ظاهرة للحال الثاني بالنسبة إليه صلى الله تعالى عليه وسلم ، وكذا للحال الثالث ، لقولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «الأنبياء الذين من قبلي».

وقد يكون التوسل بهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بعد الوفاة بمعنى طلب أن يدعو كما كان في حياته ، وذلك فيما رواه البيهقي من طريق الأعمش عن أبي صالح عن مالك الدار ، ورواه ابن أبي شيبة بسند صحيح عن مالك الدار ، قال : أصاب الناس قحط في زمان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، استسق الله لأمتك فإنهم قد هلكوا ، فأتاه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في المنام فقال : ائت عمر فاقرئه السلام وأخبره أنهم مسقون ، وقل له : عليك الكيس الكيس ، فأتى الرجل عمر رضي الله تعالى عنه فأخبره ، فبكى عمر رضي الله تعالى عنه ثم قال : يا رب ما آلو إلا ما عجزت عنه.

وروى سيف في الفتوح أن الذي رأى المنام المذكور بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

ومحل الاستشهاد طلب الاستسقاء منه صلى الله تعالى عليه وسلم وهو في البرزخ ودعاؤه لربه في هذه الحالة غير ممتنع ، وعلمه بسؤال من يسأله قد ورد ، فلا مانع من سؤال الاستسقاء وغيره منه كما كان في الدنيا.

وسبق في الفصل الحادي والعشرين من الباب الرابع ما رواه أبو الجوزاء قال : قحط أهل المدينة قحطا شديدا فشكوا إلى عائشة رضي الله تعالى عنها ، فقالت : فانظروا إلى قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، فاجعلوا بينه كوّة إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف ، ففعلوا ، فمطروا الخبر المتقدم.

وقد يكون التوسل به صلى الله تعالى عليه وسلم بطلب ذلك الأمر منه ، بمعنى أنه

١٩٥

صلى الله تعالى عليه وسلم قادر على التسبب فيه بسؤاله وشفاعته إلى ربه فيعود إلى طلب دعائه وإن اختلفت العبارة. ومنه قول القائل له : أسألك مرافقتك في الجنة الحديث ، ولا يقصد به إلا كونه صلى الله تعالى عليه وسلم سببا وشافعا.

الحال الرابع : التوسل به صلى الله تعالى عليه وسلم في عرصات القيامة فيشفع إلى ربه تعالى ، وذلك مما قام الإجماع عليه وتواردت به الأخبار. وروى الحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : أوحى الله إلى عيسى : يا عيسى آمن بمحمد وأمر من أدركته من أمتك أن يؤمنوا به ، فلولا محمد ما خلقت آدم ، ولو لا أني خلقت محمدا ما خلقت الجنة والنار ، ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب ، فكتبت عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله فسكن.

قلت : فكيف لا يستشفع ، ولا يتوسل بمن له هذا المقام والجاه عند مولاه؟ بل يجوز التوسل بسائر الصالحين كما قاله السبكي ، وإن نقل بعضهم عن ابن عبد السلام ما يقتضي أن سؤال الله بعظيم من خلقه ينبغي أن يكون مقصورا على نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم.

وقد روى ابن النعمان في مصباح الظلام قصة استسقاء عمر رضي الله تعالى عنه بالعباس عم رسول الله صلى الله عليه وتعالى وسلم نحو ما في الصحيح ، وأن الحافظ أبا القاسم هبة الله بن الحسن رواها من طرق ، وفي بعضها عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال : كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إذا قحط استسقى بالعباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه ، ويقول : اللهم إنا كنا إذا قحطنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا ، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم فاسقنا ، قال : فيسقون.

وفي رواية له عن ابن عباس أن عمر رضي الله تعالى عنهم قال : اللهم إنا نستسقيك بعم نبيكصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ونستشفع إليك بشيبته ، فسقوا وفي ذلك يقول عباس بن عتبة بن أبي لهب :

بعمي سقى الله الحجاز وأهله

عشية يستسقي بشيبته عمر

وروي أن العباس رضي الله تعالى عنه قال في دعائه : وقد توجه بي القوم إليك لمكاني من نبيك صلى الله تعالى عليه وسلم.

وقال عياض في الشفاء بسند جيد عن ابن حميد أحد الرواة عن مالك فيما يظهر قال : ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكا في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال مالك : يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد فإن الله تعالى أدّب قوما فقال :( لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ ) [الحجرات : ٢] الآية ، ومدح قوما فقال :( إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ

١٩٦

أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ) [الحجرات : ٣] الآية ، وذم قوما فقال :( إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ ) الآية ، وإن حرمته ميتا كحرمته حيا ، فاستكان لها أبو جعفر ، فقال : يا أبا عبد الله أستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول الله صلى الله تعالى وسلم؟ فقال : لم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدمعليه‌السلام إلى الله يوم القيامة؟ بل استقبله واستشفع به ، فيشفعك الله تعالى قال الله تعالى :( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ) [النساء : ٦٤] الآية.

فانظر هذا الكلام من مالك ، وما اشتمل عليه من أمر الزيارة والتوسل بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم واستقباله عند الدعاء ، وحسن الأدب التام معه.

وقال أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن الحسين السامري الحنبلي في المستوعب : باب زيارة قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وذكر آداب الزيارة ، وقال : ثم يأتي حائط القبر فيقف ناحيته ، ويجعل القبر تلقاء وجهه ، والقبلة خلف ظهره ، والمنبر عن يساره ، وذكر كيفية السلام والدعاء. منه : اللهم إنك قلت في كتابك لنبيكعليه‌السلام ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ ) الآية ، وإني قد أتيت نبيك مستغفرا ، فأسألك أن توجب لي المغفرة كما أوجبتها لمن أتاه في حياته ، اللهم إني أتوجه إليك بنبيكصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وذكر دعاء طويلا.

وقال أبو منصور الكرماني من الحنفية : إن كان أحد أوصاك بتبليغ التسليم تقول : السلام عليك يا رسول الله من فلان بن فلان ، يستشفع بك إلى ربك بالرحمة والمغفرة فاشفع له.

وقال عياض : قال مالك في رواية ابن وهب : إذا سلم على النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ودعا يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة ، ويدنو ، ويسلم ولا يمس القبر بيده ، وفي رواية نقلها عياض عن المبسوط أنه قال : لا أرى أن يقف عند القبر يدعو ، لكن يسلم ويمضي.

قلت : وهي مخالفة أيضا لما تقدم في مناظرة المنصور لمالك ، وكذا لما نقله ابن الموار في الحج فيما جاء في الوداع ، فإنه قال : قيل لمالك : فالذي يلتزم أترى له أن يتعلق بأستار الكعبة عند الوداع؟ قال : لا ، ولكن يقف ويدعو ، قيل له : وكذلك عند قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم؟ قال : نعم ، انتهى. وحمل بعضهم رواية المبسوط على من لم يؤمن منه سوء الأدب في دعائه عند القبر.

نقل ابن يونس المالكي عن ابن حبيب في باب فرائض الحج ودخول المدينة أنه قال : ثم اقصد إذا قضيت ركعتيك إلى القبر من وجاه القبلة ، فادن منه وسلم على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأثن عليه وعليك السكينة والوقار ، فإنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يسمع ويعلم وقوفك بين يديه ، وتسلم على أبي بكر وعمر وتدعو لهما.

١٩٧

وقال النووي في رءوس المسائل : عن الحافظ أبي موسى الأصبهاني أنه روى عن مالك أنه قال : إذا أراد الرجل أن يأتي قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فيستدبر القبلة ، ويستقبل النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ويصلي عليه ويدعو.

وقال إبراهيم الحربي في مناسكه : تولى ظهرك القبلة ، وتستقبل وسطه ـ يعني القبر ـ.

وروى أبو القاسم طلحة بن محمد في مسند أبي حنيفة بسنده عن أبي حنيفة قال : جاء أيوب السختياني فدنا من قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، فاستدبر القبلة ، وأقبل بوجهه إلى القبر ، وبكى بكاء غير متباك.

وقال المجد اللغوي : روى عن الإمام الجليل أبي عبد الرحمن عبد الله بن المبارك قال : سمعت أبا حنيفة يقول : قدم أيوب السختياني وأنا بالمدينة فقلت : لأنظرنّ ما يصنع ، فجعل ظهره مما يلي القبلة ووجهه مما يلي وجه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وبكى غير متباك ، فقام مقام رجل فقيه.

قلت : فهذا يخالف ما ذكره أبو الليث السمرقندي في الفتاوى عطفا على حكاية حكاها الحسن بن زياد عن أبي حنيفة من أن المسلّم على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يستقبل القبلة ، وقال السروجي الحنفي : يقف عندنا مستقبل القبلة ، قال الكرماني الحنفي منهم : ويقف عند رأسه ويكون وقوفه بين المنبر والقبر مستقبل القبلة.

وعن أصحاب الشافعي وغيره : يقف وظهره إلى القبلة ووجهه إلى الحظيرة ، وهو قول ابن حنبل ، انتهى.

وقال محقق الحنفية الكمال بن الهمام : إن ما نقل عن أبي الليث من أنه يقف مستقبل القبلة مردود بما روى أبو حنيفة في مسنده عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ، قال : من السنة أن تأتي قبر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من قبل القبلة ، وتجعل ظهرك إلى القبلة ، وتستقبل القبر بوجهك ، ثم تقول : السلام عليك أيها النبي الكريم ورحمة الله وبركاته.

وقال ابن جماعة في منسكه الكبير : ومذهب الحنفية أنه يقف للسلام والصلاة عليهصلى‌الله‌عليه‌وسلم عند الرأس المقدس بحيث يكون عن يساره ، ويبعد عن الجدار قدر أربعة أذرع ، ثم يدور إلى أن يقف قبالة الوجه المقدس مستدبر القبلة ، فيسلم ويصلي عليهصلى‌الله‌عليه‌وسلم . وشذ الكرماني من الحنفية فقال : إنه يقف للسلام عليهصلى‌الله‌عليه‌وسلم مستدبر القبر المقدس مستقبل القبلة ، وتبعه بعضهم ، وليس بشيء ، فاعتمد على ما نقلته ، انتهى.

واعتمد السبكي ما تقدم من نسبة ما قاله الكرماني للحنفية ، قال : واستدلوا بأن ذلك

١٩٨

جمع بين العبارتين ، قال : وقول أكثر العلماء هو الأحسن : فإن الميت يعامل معاملة الحي ، والحي يسلم عليه مستقبلا ، فكذلك الميت ، وهذا لا ينبغي أن يتردد فيه ، انتهى.

وذكر المطري أن السلف كانوا إذا أرادوا السلام على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قبل إدخال الحجرات في المسجد وقفوا في الروضة مستقبلين السارية التي فيها الصندوق الخشب ، أي لكونها في جهة الرأس الشريف ، مستدبرين الروضة وأسطوان التوبة. وتقدم من رواية يحيى عن زين العابدين علي بن الحسين أنه كان يفعل نحو ذلك ، وروى يحيى بسند جيد عن أبي علقمة الغروي الكبير قال : كان الناس قبل أن يدخل البيت في المسجد يقفون على باب البيت يسلمون.

قلت : وذلك لتعذر استقبال الوجه الشريف حينئذ ، ولذا قال المطري : فلما أدخل بيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في المسجد وأدخلت حجرات أزواجه رضوان الله عليهن وقف الناس مما يلي وجه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، واستدبروا القبلة للسلام عليه ، فاستدبار القبلة في الحالة مستحب كما في خطبة الجمعة والعيدين وسائر الخطب المشروعة كما قاله ابن عساكر في التحفة.

وروى ابن زبالة عن سلمة بن وردان قال : رأيت أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما إذا سلم على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يأتي فيقوم أمامه. وفي كلام أصحابنا أن الزائر يستقبل الوجه الشريف في السلام والدعاء والتوسل ، ثم يقف بعد ذلك مستقبل القبلة والقبر عن يسار والمنبر عن يمينه فيدعو أيضا كما سنشير إليه.

خاتمة : في نبذ مما وقع لمن استغاث بالنبي ص أو طلب منه شيئا عند قبره ، فأعطى مطلوبه ونال مرغوبه ، مما ذكره الإمام محمد بن موسى بن النعمان في كتابة «مصباح الظلام ، في المستغيثين بخير الأنام».

فمن ذلك ما قال : اتفق الجماعة من علماء سلف هذه الأمة من أئمة المحدّثين والصوفية والعلماء بالله المحققين ، قال محمد بن المنكدر : أودع رجل أبى ثمانين دينارا وخرج للجهاد ، وقال لأبي : إن احتجت أنفقها إلى أن أعود ، وأصاب الناس جهد من الغلاء ، فأنفق أبي الدنانير ، فقدم الرجل وطلب ماله ، فقال له أبي : عد إليّ غدا ، وبات في المسجد يلوذ بقبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مرة وبمنبره مرة ، حتى كاد أن يصبح ، يستغيث بقبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، فبينما هو كذلك وإذا بشخص في الظلام يقول : دونكها يا أبا محمد ، فمد أبي يده فإذا هو بصرّة فيها ثمانون دينارا ، فلما أصبح جاء الرجل فدفعها إليه.

١٩٩

وقال الإمام أبو بكر بن المقرئ : كنت أنا والطبراني وأبو الشيخ في حرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكنا على حالة ، وأثّر فينا الجوع ، وواصلنا ذلك اليوم ، فلما كان وقت العشاء حضرت قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقلت : يا رسول الله الجوع ، وانصرفت ، فقال لي أبو القاسم : اجلس ، فإما أن يكون الرزق أو الموت ، قال أبو بكر : فقمت أنا وأبو الشيخ والطبراني جالس ينظر في شيء ، فحضر بالباب علوى ، فدقّ ففتحنا له ، فإذا معه غلامان مع كل واحد زنبيل فيه شيء كثير ، فجلسنا وأكلنا وظننا أن الباقي يأخذه الغلام ، فولى وترك عندنا الباقي ، فلما فرغنا من الطعام قال العلوي : يا قوم أشكوتم إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم؟ فإني رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في المنام فأمرين أن أحمل بشيء إليكم.

وقال ابن الجلاد : دخلت مدينة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وبي ناقة ، فتقدمت إلى القبر وقلت : ضيفك ، فغفوت فرأيت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، فأعطاني رغيفا ، فأكلت نصفه ، وانتبهت وبيدي النصف الآخر.

وقال أبو الخير الأقطع : دخلت مدينة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأنا بفاقة ، فأقمت خمسة أيام ما ذقت ذواقا ، فتقدمت إلى القبر ، وسلمت على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى أبي بكر وعمر ، وقلت : أنا ضيفك يا رسول الله ، وتنحّيت ونمت خلف القبر ، فرأيت في المنام النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأبو بكر عن يمينه وعمر عن شماله وعلي بن أبي طالب بين يديه ، فحركني عليّ وقال : قم ، قد جاء رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، فقمت إليه وقبلت بين عينيه ، فدفع إليّ رغيفا ، فأكلت نصفه ، وانتبهت فإذا في يدي نصف رغيف.

وقال أبو عبد الله محمد بن أبي زرعة الصوفي : سافرت مع أبي ومع أبي عبد الله بن خفيف إلى مكة ، فأصابتنا فاقة شديدة ، فدخلنا مدينة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم ، وبتنا طاوين ، وكنت دون البلوغ ، فكنت أجئ إلى أبي غير دفعة وأقول : أنا جائع ، فأتى أبي الحظيرة وقال : يا رسول الله أنا ضيفك الليلة ، وجلس على المراقبة ، فلما كان بعد ساعة رفع رأسه وكان يبكي ساعة ويضحك ساعة ، فسئل عنه فقال : رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فوضع في يدي دراهم ، وفتح يده ، فإذا فيها دراهم ، وبارك الله فيها إلى أن رجعنا إلى شيراز ، وكنا ننفق منها.

وقال أحمد بن محمد الصوفي : تهت في البادية ثلاثة أشهر ، فانسلخ جلدي ، فدخلت المدينة ، وجئت إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فسلمت عليه وعلى صاحبيه ثم نمت فرأيتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في النوم

٢٠٠