مرآة العقول الجزء ٢٥

مرآة العقول15%

مرآة العقول مؤلف:
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 385

المقدمة الجزء ١ المقدمة الجزء ٢ الجزء ٣ الجزء ٤ الجزء ٥ الجزء ٦ الجزء ٧ الجزء ٨ الجزء ٩ الجزء ١٠ الجزء ١١ الجزء ١٢ الجزء ١٣ الجزء ١٤ الجزء ١٥ الجزء ١٦ الجزء ١٧ الجزء ١٨ الجزء ١٩ الجزء ٢٠ الجزء ٢١ الجزء ٢٢ الجزء ٢٣ الجزء ٢٤ الجزء ٢٥ الجزء ٢٦
  • البداية
  • السابق
  • 385 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 4765 / تحميل: 2177
الحجم الحجم الحجم
مرآة العقول

مرآة العقول الجزء ٢٥

مؤلف:
العربية

1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

كثر خيله ورجله وشارك في المال والولد من أشركه فعمل بالبدعة وترك الكتاب والسنة ونطق أولياء الله بالحجة وأخذوا بالكتاب والحكمة فتفرق من ذلك اليوم أهل الحق وأهل الباطل وتخاذل وتهادن أهل الهدى وتعاون أهل الضلالة حتى كانت الجماعة مع فلان وأشباهه فاعرف هذا الصنف وصنف آخر فأبصرهم رأي العين نجباء والزمهم حتى تردأ هلك ، فإِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ.

لى هاهنا رواية الحسين وفي رواية محمد بن يحيى زيادة

قوله عليه‌السلام : « وكثر خيله ورجله » الخيل : جماعة الفرسان ، والرجل : المشاة أي أعوانه القوية والضعيفة.

قوله عليه‌السلام : « من أشركه » أي الشيطان باتباعه ، وعدم الاستعاذة منه.

قوله عليه‌السلام : « وتخاذل » أي تركوا نصرة الحق ، وفي بعض النسخ « تخادن » من الخدن ، وهو الصديقوتهادن من المهادنة بمعنى المصالحة ، وفي بعض النسخ و « تهاون » أي عن نصرة الحق ، وهذا أنسب بالتخاذل ، كما أن التهادن أنسب بالتخادن.

قوله : « مع فلان » يعني أبا بكر.

قوله عليه‌السلام : « حتى ترد أهلك » أي في الآخرة من الأنبياء والأئمة والمؤمنين وأشارعليه‌السلام بذلك إلى تفسير خسران أهليهم في الآية وأن المراد خسران مرافقة هؤلاء في القيامة ، وفي الجنة وشفاعتهم.قوله عليه‌السلام : « فإن كان دونهم بلاء » أي كان عندهم ابتلاء وامتحان للخلق من مظلوميتهم ومغلوبيتهم ، فلا تجعل ذلك دليلا على عدم حقيتهم ، ولا تحقرهم بذلك ، فإن ذلك علامة حقيتهم ، وعما قليل تنقضي بلاياهم ، ثم تصير وتنقلب تلك البلايا إلى رخاء لا يوصف في الآخرة ، أو في الدنيا عند قيام القائمعليه‌السلام و« العسف » الظلم و« الخسف » كناية عن الخمول وعدم الذكر.

قوله عليه‌السلام : « ثم اعلم أن إخوان الثقة » تحريص على تحصيل الإخوان في الله

١٢١

لهم علم بالطريق فإن كان دونهم بلاء فلا تنظر إليهم فإن كان دونهم عسف من أهل العسف وخسف ودونهم بلايا تنقضي ـ ثم تصير إلى رخاء ثم اعلم أن إخوان الثقة ذخائر بعضهم لبعض ولو لا أن تذهب بك الظنون عني لجليت لك عن أشياء من الحق غطيتها ولنشرت لك أشياء من الحق كتمتها ولكني أتقيك وأستبقيك وليس الحليم الذي لا يتقي أحدا في مكان التقوى والحلم لباس العالم فلا تعرين منه والسلام.

( رسالة منهعليه‌السلام إليه أيضا )

١٧ ـ محمد بن يحيى ، عن محمد بن الحسين ، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع ، عن عمه حمزة بن بزيع قال كتب أبو جعفرعليه‌السلام إلى سعد الخير «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ » أما بعد فقد جاءني كتابك تذكر فيه معرفة ما لا ينبغي تركه وطاعة من رضا الله رضاه فقلت من ذلك لنفسك ما كانت نفسك مرتهنة لو تركته تعجب أن رضا الله وطاعته ونصيحته لا تقبل ولا توجد ولا تعرف إلا في عباد غرباء أخلاء

الموثوق بهم وبأخوتهم.

قوله : « ولو لا أن تذهب بك الظنون عني » أي يصير ظنك السيء بي سببا لانحرافك عني ، وعدم إصغائك إلى بعد ذلك ، وكأنهعليه‌السلام كان يعلم أنه لا يقبل صريح الحق دفعة ، فأراد أن يقربه من الحق شيئا فشيئا لئلا ينفر عن الحق وأهله ،قوله : « في مكان التقوى » أي في محل التقية.

رسالة أيضا منه إليه

الحديث السابع عشر : صحيح على الظاهر.

قوله عليه‌السلام : « ما كانت نفسك مرتهنة » بفتح الهاء أي مرهونة ، والأنفس مرهونة عند الله بما لله عليها من الحقوق والطاعات ، وترك المعاصي فإذا عمل بما يجب عليه وترك ما نهى عنه ، فقد فك رهانها وإلا فيؤخذ منها بتعذيبها كما أن صاحب الدين

١٢٢

من الناس قد اتخذهم الناس سخريا لما يرمونهم به من المنكرات وكان يقال لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يكون أبغض إلى الناس من جيفة الحمار ولو لا أن يصيبك من

يأخذ من الرهن حقه كما قال تعالى «كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلاَّ أَصْحابَ الْيَمِينِ »(١) فإنهم فكوا رهانها.

قولهعليه‌السلام : « فعجب » أي كون رضى الله وطاعته منحصرة في هؤلاء القوم الذين يستحقرهم الناس محل للتعجب يستبعده الناس ، وتأبى عنه أوهامهم وعقولهم الفاسدة التي ألفت بالدنيا وزينتها ، وفي بعض النسخ [ بعجب ] بضم العين ، فيكون متعلقا بالترك أي إن تركته بسبب الإعجاب بالنفس والتكبر عن قبول الحق وإطاعة أهله قال الفيروزآبادي : العجب بالضم : الزهو والكبر(٢) ، وفي بعضها[ تعجب ] على صيغة الخطاب وعلى هذا كأنه كان تعجب في نفسه أو أظهر تعجبه في رسالته فردعليه‌السلام ذلك عليه ،قوله : « ونصيحته » أي نصح عبادة أو طاعته مجازا.

قوله عليه‌السلام : « في عباد غرباء » الغربة عبارة عن قلة الأعوان وقلة الموافقين لهم فيما هم فيه من دين الحق ، كما قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « إن الإسلام بدأ غريبا فطوبى للغرباء(٣) ».

قوله عليه‌السلام : « أخلاء من الناس » الإخلاء : جمع خلو بالكسر ، وهو الخالي عن الشيء ويكون بمعنى المنفرد ، ويقال : أخلاء إذا انفرد أي هم أخلاء من أخلاق عامة الناس وأطوارهم الباطلة أو منفردون عن الناس معتزلون عن شرارهم.

قوله عليه‌السلام : « لما يرمونهم به من المنكرات » أي يتخذهم الناس سخرية واستهزاء بسبب ما يرميهم الناس ويتهمهم به من المنكرات التي هم براء منها ، أو من أشياء يزعمونها من المناكير ، وليست بها ، ويحتمل أن يكون ضمير الفاعل راجعا إلى العباد المحقين أي إنما يتخذون هؤلاء العباد سخريا لأنهم ينسبونهم إلى المنكرات أي يبينون أن أفعالهم وأديانهم منكرة وينهونهم عنها.

قوله عليه‌السلام : « وكان يقال » أي يقول النبي وأهل هذا البيتعليهم‌السلام وهذا رد

__________________

(١) سورة المدّثّر : ٣٨.

(٢) القاموس المحيط : ج ١ ص ١٠١.

(٣) بحار الأنوار : ج ٢٤ ص ٣٢٨ ح ٤٦ ـ ب ٦٧. والحديث مرويّ عن الباقر (عليه‌السلام ).

١٢٣

البلاء مثل الذي أصابنا فتجعل «فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللهِ » وأعيذك بالله وإيانا من ذلك لقربت على بعد منزلتك واعلم رحمك الله أنه لا تنال محبة الله إلا ببغض كثير من الناس ولا ولايته إلا بمعاداتهم وفوت ذلك قليل يسير لدرك ذلك من الله لقوم يعلمون

للعجب والاستبعاد.

قوله عليه‌السلام : « مثل الذي أصابنا » أي من أذى الخلق وتحقيرهم واستهزائهم.

قوله عليه‌السلام : « فتجعل فتنة الناس كعذاب الله » الفتنة هنا البلية ، والأذى أي تجعل أذى الناس كعذاب الله في الضرر وتساوي بينهما ، فتختار عذاب الله بالرجوع عن الحق للاحتراز عن ضررهم ، وهو إشارة إلى قوله تعالى : «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللهِ »(١) أي بأن عذبهم الكفرة على الإيمان.«جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ » أي ما يصيبهم من أذيتهم في الصرف عن الإيمان «كَعَذابِ اللهِ » في الصرف عن الكفر.

قوله عليه‌السلام : « لقربت » جزاء الشرط وهو إما بتشديد الراء على صيغة المتكلم المعلوم أي لجعلتك قريبا من الحق مع غاية بعدك عنه ، أو على صيغة المخاطب المجهول أو بتخفيف الراء إما بصيغة المتكلم أي لقربت إليك ببيان الحق والتصريح به ، أو بصيغة الخطاب أي لصرت قريبا بما ألقي إليك من الحق.

قوله عليه‌السلام : « وفوت ذلك » أي ما يفوتك بسبب معاداة الناس قليل حقير بالنظر إلى ما تدركه من المنافع الأخروية من الله ، فقولهعليه‌السلام : « لدرك » علة للقلة والحقارة.

قوله عليه‌السلام : « ذلك » ثانيا إما راجع إلى الثواب المعلوم بقرينة المقام ، أو إلى ما رجع إليه اسم الإشارة أولا أي عوضه ، وجزاء تركه.

قوله : « لقوم يعلمون » أي لا يعلم حقيقة هذه الحقارة وذلك الشرف إلا العالمون بضعة الدنيا ودناءة منزلتها وحقارتها ، والعارفون برفعته درجات الآخرة وشرفها.

__________________

(١) العنكبوت. ١٠.

١٢٤

يا أخي إن الله عز وجل جعل في كل من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون معهم على الأذى يجيبون داعي الله ويدعون إلى الله فأبصرهم رحمك الله فإنهم في منزلة رفيعة وإن أصابتهم في الدنيا وضيعة إنهم يحيون بكتاب الله الموتى ويبصرن بنور الله من العمى كم من قتيل لإبليس قد أحيوه وكم من تائه ضال قد هدوه يبذلون دماءهم دون هلكة العباد وما أحسن أثرهم على العباد وأقبح آثار العباد عليهم.

١٨ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن محمد بن سليمان ، عن أبيه ، عن أبي بصير قال بينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ذات يوم جالسا إذ أقبل أمير المؤمنينعليه‌السلام فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إن فيك شبها من عيسى ابن مريم ولو لا أن تقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في عيسى ابن مريم لقلت فيك قولا لا تمر بملإ من الناس إلا أخذوا التراب من تحت قدميك يلتمسون بذلك البركة قال فغضب الأعرابيان والمغيرة بن شعبة وعدة من قريش معهم فقالوا ما رضي أن يضرب لابن عمه مثلا إلا عيسى

قوله عليه‌السلام : « في كل من الرسل » أي في أمة كل من الرسل أو لكل منهم بأن يكون « في » بمعنى اللام ،قوله : « يصبرون معهم » أي مع الأمة وبينهم أو مع الرسل.

قوله عليه‌السلام : « دون هلكة العباد » أي عند أشرافهم على الهلاك لئلا يهلكوا.

قوله عليه‌السلام : « ما أحسن أثرهم » أي ما يصل منهم إلى العباد وأثر الشيء بقيته وما يحصل منه.%الحديث الثامن عشر : ضعيف.

قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : « إن فيك شبها من عيسى بن مريمعليه‌السلام » لزهده وعبادته وافتراق الناس فيه ثلاث فرق ،قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « لو لا أن تقول فيك » إلخ. أي لو لا تحقق هذا الأمر وكون قولي سببا لزيادة رسوخ الناس في هذا الباطل لقلت.

قوله عليه‌السلام : « فغضب الأعرابيان » أي أبو بكر وعمر إذ هما لم يهاجرا إلى الإسلام ، وكانا على كفرهما وكان إسلامهما نفاقا وهجرهما شقاقا فهم داخلون ، في

١٢٥

ابن مريم فأنزل الله على نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : «وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ *إِنْ

قوله تعالى : «الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً »(١) .

قوله عليه‌السلام : « فأنزل الله على نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » إلخ. ولنذكر ما قاله المفسرون في الآية ، ثم لنرجع إلى الخبر« ولما ضرب ابن مريم مثلا » أي ضربه ابن الزبعرى لما جادل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في قوله تعالى : «إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ » أو غيره بأن قال : النصارى أهل كتاب ، وهم يعبدون عيسى ، ويزعمون أنه ابن الله ، والملائكة أولى بذلك ، وعلى قوله : «وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا » أو أن محمدا يريد أن نعبده كما عبد المسيح «إِذا قَوْمُكَ » قريش «مِنْهُ » من هذا المثل «يَصِدُّونَ » يضجون فرحا لظنهم أن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صار ملزما به ، وقرأ نافع وابن عامر والكسائي بالضم من الصدود أي يصدون من الحق ، ويعرفون عنه ، وقيل : هما لغتان نحو بعكف ويعكف وقالوا «آلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ » أي آلهتنا خير عندك أم عيسى ، فإن كان في النار ، فلتكن آلهتنا معه ، أو آلهتنا الملائكة خير أم عيسى ، فإن جاز أن يعبد ويكون ابن الله كانت آلهتنا أولى بذلك ، أو آلهتنا خير أم محمد ، فنعبده وندع آلهتنا «ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً » ما ضربوا هذا المثل إلا لأجل الجدل والخصومة لا لتمييز الحق من الباطل «بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ » شداد الخصومة ، حراص على اللجاج «إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ » بالنبوة ، «وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ » أمرا عجيبا ، كالمثل السائر لبني إسرائيل ، وهو كالجواب المزيح لتلك الشبهة «وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ » لولدنا منكم يا رجال كما ولدنا عيسى من غير أب أو لجعلنا بدلكم «مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ » يخلفونكم في الأرض ، والمعنى أن حال عيسى وإن كانت عجيبة ، فإنه تعالى قادر على ما هو أعجب من ذلك ، وأن الملائكة مثلكم من حيث إنها ذوات ممكنة ، يحتمل خلقها توليدا كما جاز خلقها إبداعا فمن أين لهم استحقاق الألوهية(٢) والانتساب إلى الله سبحانه ، كذا فسرها البيضاوي(٣) .

__________________

(١) سورة التوبة : ٩٧.

(٢) في المصدر : العبودية.

(٣) أنوار التنزيل : ج ٢ ص ٣٧٠ « ط مصر ١٣٨٨ ».

١٢٦

هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ » يعني من بني هاشم «مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ »(١) قال فغضب الحارث بن عمرو الفهري فقال «اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ » أن بني هاشم يتوارثون هرقلا بعد هرقل «فَأَمْطِرْ

وروى علي بن إبراهيم(٢) عن أبيه عن وكيع عن الأعمش عن سلمة بن كهيل عن أبي صادق عن أبي الأعز عن سلمان الفارسي قال : بينما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جالس في أصحابه إذ قال إنه يدخل عليكم الساعة شبيه عيسى بن مريم ، فخرج بعض من كان جالسا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليكون هو الداخل ، فدخل علي بن أبي طالبعليه‌السلام فقال الرجل لبعض أصحابه : أما رضي محمد أن فضل عليا علينا حتى يشبهه بعيسى بن مريم ، والله لآلهتنا التي كنا نعبدها في الجاهلية أفضل منه ، فأنزل الله في ذلك المجلس ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يضجون : فحرفوها « يصدون » وقالوا «آلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ » عليا «إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ » إن علي إلا عبد «أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ » فمحا اسمه عن هذا الموضع ، ثم ذكر الله خطر أمير المؤمنين ، فقال «وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ » يعني أمير المؤمنينعليه‌السلام فهذا الخبر المروي من رجال العامة يؤيد التفسير الوارد في هذا الخبر ويبينه ، وعلى هذا فيكون المراد بقوله «ما ضَرَبُوهُ لَكَ » تفضيل الآلهة فإنه تشبيه مع تفضيل ، وقوله «وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ » أي شبيها بنبي بني إسرائيل ، وهو عيسىعليه‌السلام وقوله : «وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ » أي من بني هاشم «مَلائِكَةً » أي أئمة كالملائكة في التقدس والطهارة ، والعصمة «فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ » أي يكونوا خلفاء في الأرض ولعل كلمة « لو » استعمل على هذا التفسير مقام « إذا » أي متى تعلقت مشيتنا وأردنا ، نجعل في الأرض منهم خلفاء.

قوله : « هرقلا بعد هرقل » بكسر الهاء والقاف اسم ملك الروم أي ملكا بعد ملك ، وكأنه عبر عنهم هكذا كفرا وعنادا وإظهارا لبطلانهمقوله تعالى : «وَما

__________________

(١) الزخرف : ٦٠.

(٢) تفسير القمّيّ : ج ٢ ص ٢٨٥ ـ ٢٨٦.

١٢٧

عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ » فأنزل الله عليه مقالة الحارث ونزلت هذه الآية «وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ » ثم قال له يا ابن عمرو إما تبت وإما رحلت فقال يا محمد بل تجعل لسائر قريش شيئا مما في يديك فقد ذهبت بنو هاشم بمكرمة العرب والعجم فقال له النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ليس ذلك إلي ذلك إلى الله تبارك وتعالى فقال يا محمد قلبي ما يتابعني على التوبة ولكن أرحل عنك فدعا براحلته فركبها فلما صار بظهر المدينة أتته جندلة فرضخت هامته ثم أتى الوحي إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال «سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرينَ » بولاية علي «لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللهِ ذِي الْمَعارِجِ »(١) قال قلت جعلت فداك إنا لا نقرؤها هكذا فقال هكذا والله

كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ » يحتمل أن يكون المراد ترك عذاب الاستئصال ببركتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : فلا ينافي ورود هذا العذاب عليه.

ويحتمل أن يكون المراد بأول الآية نفي عذاب الاستئصال ، وبقوله : « وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ » نفي العذاب الوارد على الأشخاص ، فلذا أمرهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالتوبة لرفعه ، فلما لم يتب نزل عليه.

قوله : « جندلة » أي حجارة.

قولهعليه‌السلام : « فرضت » وفي بعض النسخفرضخت والرض : الدق ، والرضخ ، الكسر والدق.

قوله تعالى : « سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ » أي دعا داع به بمعنى استدعائه ، ولذلك عدي الفعل بالباء قال البيضاوي : السائل نضر بن الحرث ، فإنه قال «إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً » وأبو جهل فإنه قال : «فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ » سأله استهزاء : أو الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم استعجل بعذابهم.قوله تعالى : « ذِي الْمَعارِجِ » أي ذي المصاعد ، وهي الدرجات التي يصعد فيها الكلم الطيب والعمل الصالح ، أو يترقى فيها المؤمنون في سلوكهم ، أو في دار ثوابهم أو مراتب الملائكة أو في السماوات ، فإن الملائكة يعرجون فيها.

__________________

(١) أنوار التنزيل : ج ٢ ص ٥٠٢ ـ ٥٠٣ « ط مصر ١٣٨٨ ».

١٢٨

نزل بها جبرئيل على محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله وهكذا هو والله مثبت في مصحف فاطمةعليها‌السلام فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لمن حوله من المنافقين انطلقوا إلى صاحبكم فقد أتاه ما استفتح به قال الله عز وجل : «وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ »(١) .

١٩ ـ محمد بن يحيى ، عن محمد بن الحسين ، عن علي بن النعمان ، عن ابن مسكان ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليه‌السلام في قوله عز وجل : «ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما

قوله عليه‌السلام : « إنا لا نقرؤها هكذا » كأنه سقط من بين الآية شيء ، وقد روي هذا الخبر في الأصول عن محمد بن سليمان بسند آخر هكذا علي بن إبراهيم ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن خالد ، عن محمد بن سليمان ، عن أبيه عن أبي بصير عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في قول الله تعالى : «سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرينَ » بولاية علي «لَيْسَ لَهُ دافِعٌ » ثم قال : هكذا والله نزل بها جبرئيل على محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٢) .

قوله تعالى : « وَاسْتَفْتَحُوا » ظاهر الخبر أن المراد بالاستفتاح استفتاح العذاب وقال البيضاوي(٣) : أي سألوا من الله الفتح على أعدائهم أو القضاء بينهم وبين أعاديهم من الفتاحة كقوله «رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِ »(٤) .

الحديث التاسع عشر : صحيح.

قوله تعالى : « ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ » قال البيضاوي : كالقحط والموتان ، وكثرة الحرق والغرق ومحق البركات ، وكثرة المضار أو الضلالة والظلم ، وقيل :

المراد بالبحر : قرى السواحل ، وقرى البحور «بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ » بشؤم معاصيهم أو بكسبهم إياه ، وقيل : ظهر الفساد في البر بقتل قابيل أخاه ، وفي البحر بأن جلندا كان «يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً » انتهى.

وقال البغوي : أراد بالبر البوادي والمفاوز ، وبالبحر المدائن والقرى التي على المياه الجارية ، قال عكرمة : تسمى العرب المصر بحرا ، وقال عطية البر ظهر الأرض والبحر هو البحر المعروف ، وقلة المطر كما تؤثر في البر تؤثر في البحر ، فتخلوا أجواف الأصداف ، لأن الصدف إذا جاء المطر يرتفع إلى وجه البحر ، ويفتح فاه فما وقع فيه من المطر صار لؤلؤا ، وقال ابن عباس ومجاهد وضحاك : كانت

__________________

(١) سورة إبراهيم : ١٥. (٢) أصول الكافي ج ١ ص ٤٢٢ ح ٤٧.

(٣) أنوار التنزيل : ج ١ ص ٥٢٧ « ط مصر ١٣٨٨ ». (٤) الأعراف : ٨٩.

١٢٩

كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ »(١) قال ذاك والله حين قالت الأنصار : « منا أمير ومنكم أمير ».

٢٠ ـ وعنه ، عن محمد بن علي ، عن ابن مسكان ، عن ميسر ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال قلت قول الله عز وجل : «وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها » قال فقال يا ميسر إن الأرض كانت فاسدة فأصلحها الله عز وجل بنبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال «وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ».

الأرض خضرة مؤنقة لا يأتي الرجل شجرة إلا وجد عليها ثمرة ، وكان ماء البحر عذبا ، وكان لا يقصد الأسد البقر ولا الغنم ، فلما قتل قابيل هابيل اقشعرت الأرض وشاكت الأشجار وصار ماء البحر ملحا ، وقصد الحيوان بعضها بعضا(٣) .

قوله : « حين قالت الأنصار » إلخ. لعل. المراد غصب الخلافة ، أو قول هذه الكلمة القبيحة وتركهم خليفة الرسول ، وصار ترك خليفة الحق سببا للضلال الساري في البر والبحر ، أي المحيط بجميع العالم ، وبسبب عدم استيلاء أهل الحق والعدل فشى الجور في البراري والبحار بالظلم ، والغصب والنهب ، وبسبب استيلاء أهل الباطل منعت بركات السماء والأرض عن العباد كما قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : « بنا يفتح الله وبنا يختم الله وبنا يمحو ما يشاء ، وبنا يثبت ، وبنا يدفع الزمان الكلب وبنا ينزل الغيث ، فلا يغرنكم بالله الغرور ، ما أنزلت السماء قطرة من ماء منذ حبسه الله عز وجل ، ولو قد قام قائمنا لأنزلت السماء قطرها ، ولا خرجت الأرض نباتها ولذهبت الشحناء من قلوب العباد ، واصطلحت السباع والبهائم حتى تمشي المرأة بين العراق إلى الشام لا تضع قدميها إلا على النبات وعلى رأسها زبيلها لا يهيجها سبع ولا تخافه(٤) .

الحديث العشرون : صحيح على الظاهر ، إذ الظاهر أنمحمد بن علي هو ابن محبوب ، ويحتمل أبا سمينة فيكون ضعيفا.

قوله عليه‌السلام : « كانت فاسدة » أي بالكفر والجهل والضلال والظلم والجور.

__________________

(١) سورة الروم : ٤١.

(٢) سورة الأعراف : ٥٥ و ٨٤.

(٣) معالم التنزيل : « ذيل تفيسر ابن كثير ط مصر » ح ٦ ص ٤٣٨ باختلاف يسير وتلخيص.

(٤) بحار الأنوار : ج ٥٢ ص ٣١٦ ح ١١.

١٣٠

( خطبة لأمير المؤمنينعليه‌السلام )

٢١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حماد بن عيسى ، عن إبراهيم بن عثمان ، عن سليم بن قيس الهلالي قال خطب أمير المؤمنينعليه‌السلام فحمد الله وأثنى عليه ثم صلى على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ثم قال :

ألا إن أخوف ما أخاف عليكم خلتان اتباع الهوى وطول الأمل أما اتباع الهوى فيصد عن الحق وأما طول الأمل فينسي الآخرة ألا إن الدنيا قد ترحلت مدبرة وإن الآخرة قد ترحلت مقبلة ولكل واحدة بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا ـ فإن اليوم عمل ولا حساب وإن غدا حساب ولا عمل وإنما بدء وقوع الفتن

خطبة لأمير المؤمنينعليه‌السلام

الحديث الحادي والعشرون :

الخبر مختلف فيه بسليم ، وعلى هذه النسخة لعل فيه إرسالا إذ لم يعهد برواية إبراهيم بن عثمان وهو أبو أيوب الخراز عن سليم ، وقد مر مثل هذا السند مرارا عن إبراهيم بن عمر اليماني عن أبان بن أبي عياش عن سليم ، ولعله سقط من النساخ ، فالخبر ضعيف على المشهور ، لكن عندي معتبر ، لوجوه ذكرها محمد بن سليمان في كتاب منتخب البصائر وغيره.

قوله عليه‌السلام : « إن أخوف » مشتق من المبني للمفعول على خلاف القياس كأشهر.

قوله عليه‌السلام : « عمل » قال ابن ميثم(١) قائم مقام الخبر من قبيل استعمال المضاف إليه مقام المضاف أي اليوم يوم عمل أو وقت عمل.

قوله عليه‌السلام : « قد ترحلت » قال الفيروزآبادي(٢) : ارتحل القوم عن المكان انتقلوا كترحلوا شبهعليه‌السلام انقضاء العمر شيئا فشيئا ونقص لذاتها بترحلها وإدبارها ، وقرب الموت يوما فيوما بترحلها وإقبالها.

قوله عليه‌السلام : « إنما بدء وقوع الفتن » إلخ ، قد مر في كتاب العقل(٣) هذا الجزء

__________________

(١) شرح نهج البلاغة لابن ميثم : ج ٢ ص ١٠٩.

(٢) القاموس : ج ٣ ص ٣٨٣. « ط مصر ».

(٣) لاحظ ج ١ ص ١٨٥ ح ١.

١٣١

من أهواء تتبع وأحكام تبتدع يخالف فيها حكم الله يتولى فيها رجال رجالا ألا إن الحق لو خلص لم يكن اختلاف ولو أن الباطل خلص لم يخف على ذي حجى لكنه يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان فيجللان معا فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه ونجا الذين سبقت لهم من الله الحسنى إني سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يربو فيها الصغير ويهرم فيها الكبير يجري الناس عليها ويتخذونها سنة فإذا غير منها شيء قيل قد غيرت السنة وقد أتى الناس منكرا ثم تشتد البلية وتسبى الذرية وتدقهم الفتنة كما تدق النار الحطب وكما تدق الرحى بثفالها ويتفقهون

من الخبر بسند صحيح عن الباقرعليه‌السلام ، وفيه « أيها الناس إنما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع ، وأحكام تبتدع يخالف فيها كتاب الله ».

قوله عليه‌السلام : « من هذا ضغث » الضغث : ملأ الكف من الشجر والحشيش والشماريخ ،قوله : « فيجليان » (١) وفيما مر فيجيئان(٢) معافهنالك استحوذ الشيطان على أوليائه ، ونجا الذين سبقت لهم من الله الحسنى » وهو الأظهر ، وعلى ما في هذا الخبر لعل المراد نجا الذين قال الله فيهم «سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى » أي سبقت لهم في علم الله وقضائه ومشيته الخصلة الحسنى ، وهي السعادة أو التوفيق للطاعة أو البشرى بالجنة أو العاقبة الحسنى.

قوله عليه‌السلام : « لبستم » كذا في بعض النسخ وهو ظاهر ، وفي بعضها « ألبستم » على بناء المجهول من الأفعال وهو أظهر وفي أكثرها « ألبستكم » فيحتمل المعلوم والمجهول بتكلف إما لفظا وإما معنى.

قوله عليه‌السلام « يربو فيها الصغير » قال الفيروزآبادي : ربا ربوا كعلو ورباء زاد ونما ،(٣) والغرض بيان كثرة امتدادها ،قوله : « وقد أتى الناس منكرا » لعله داخل تحت القول ويحتمل العدم.

قوله عليه‌السلام : « وكما تدق الرحى بثقالها » في أكثر النسخ بالقاف ولعله تصحيف والظاهر الفاء قال الجزري(٤) : وفي حديث عليعليه‌السلام : « وتدقهم الفتن دق الرحى

__________________

(١) في بعض نسخ المتن [ فيجالان ] والموجود هنا « فيجلّلان ».

(٢) لاحظ : ج ١ ص ١٨٦.

(٣) القاموس المحيط : ج ٤ ص ٣٣٢ « ط مصر ».

(٤) النهاية : ج ١ ص ٢١٥.

١٣٢

لغير الله ويتعلمون لغير العمل ويطلبون الدنيا بأعمال الآخرة ثم أقبل بوجهه وحوله ناس من أهل بيته وخاصته وشيعته فقال قد عملت الولاة قبلي أعمالا خالفوا فيها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله متعمدين لخلافه ناقضين لعهده مغيرين لسنته ولو حملت الناس على تركها وحولتها إلى مواضعها وإلى ما كانت في عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لتفرق عني جندي حتى أبقى وحدي أو قليل من شيعتي الذين عرفوا فضلي وفرض إمامتي من كتاب الله عز وجل وسنة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أرأيتم لو أمرت بمقام إبراهيمعليه‌السلام فرددته إلى الموضع الذي وضعه فيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ورددت فدكا إلى ورثة فاطمةعليها‌السلام ورددت صاع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كما كان وأمضيت قطائع أقطعها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لأقوام لم تمض لهم ولم تنفذ ورددت دار جعفر إلى ورثته وهدمتها من المسجد ورددت قضايا من الجور قضي بها ونزعت نساء تحت رجال بغير حق فرددتهن إلى أزواجهن

بثقالها » الثقال بالكسر : جلدة تبسط تحت رحا اليد ليقع عليها الدقيق ، ويسمى الحجر الأسفل ثقالا بها والمعنى أنها تدقهم دق الرحى للحب إذا كانت مثقلة ، ولا تثفل إلا عند الطحن ، وقال الفيروزآبادي(١) : وقول زهير بثقالها أي على ثقالها أي حال كونها طاحنة لأنهم لا يثقلونها إلا إذا طحنت انتهى.

وعلى ما في أكثر النسخ لعل المراد مع ثقالها أي إذا كانت معها ما يثقلها من الحبوب ، فيكون أيضا كناية عن كونها طاحنة.

قوله عليه‌السلام : « أو قليل » أي لا يبقى معي إلا قليل.

قوله عليه‌السلام : « لو أمرت بمقام إبراهيم » إشارة إلى ما فعله عمر من تغيير المقام عن الموضع الذي وضعه فيه رسول الله إلى موضع كان فيه في الجاهلية ، رواه الخاصة(٢) والعامة(٣) .

قوله : « ونزعت نساء » إلخ ، كالمطلقات ثلاثا في مجلس واحد وغيرها مما خالفوا فيه حكم الله.

__________________

(١) القاموس المحيط : ج ٣ ص ٣٤٢ « ط مصر ».

(٢) الأصول الستة عشر ص ٢٢.

(٣) أخبار مكّة للأزرقي ج ص ٣٣.

١٣٣

واستقبلت بهن الحكم في الفروج والأحكام وسبيت ذراري بني تغلب ورددت ما قسم من أرض خيبر ومحوت دواوين العطايا وأعطيت كما كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله

قوله عليه‌السلام : « وسبيت ذراري بني تغلب » لأن عمر رفع عنهم الجزية فهم ليسوا بأهل ذمة فيحل سبي ذراريهم كما روي عن الرضاعليه‌السلام أنه قال : « إن بني تغلب من نصارى العرب أنفوا واستنكفوا من قبول الجزية ، وسألوا عمر أن يعفيهم عن الجزية ويؤدوا الزكاة مضاعفا فخشي أن يلحقوا بالروم فصالحهم على أن صرف ذلك عن رؤوسهم وضاعف عليهم الصدقة فرضوا بذلك »(١) .

وقال محيي السنة : روي أن عمر بن الخطاب رام نصارى العرب على الجزية فقالوا : نحن عرب لا نؤدي ما يؤدي العجم ، ولكن خذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض يعنون الصدقة ، فقال عمر : هذا فرض الله على المسلمين ، قالوا : فزد ما شئت بهذا الاسم لا باسم الجزية ، فراضاهم على أن ضعف عليهم الصدقة.

قوله : « ومحوت دواوين العطايا » أي التي بنيت على التفضيل بين المسلمين في أزمن الثلاثة.

قوله عليه‌السلام : « ولم أجعلها دولة » قال الجزري(٢) : في حديث أشراط الساعة « إذا كان المغنم دولا » جمع دولة بالضم ، وهو ما يتداول من المال ، فيكون لقوم دون قوم.

قوله عليه‌السلام : « وألقيت المساحة » إشارة إلى ما عده الخاصة والعامة من بدع عمر أنه قال ، ينبغي مكان هذا العشر ونصف العشر دراهم ، نأخذها من أرباب الأملاك فبعث إلى البلدان من مسح على أهلها فألزمهم الخراج ، فأخذ من العراق يوما يليها ما كان أخذه منهم ملوك الفرس على كل جريب درهما واحدا ، وقفيزا من أصناف الحبوب ، وأخذ من مصر ونواحيها دينارا وأردبا عن مساحة جريب كما كان يأخذ منهم ملوك الإسكندرية.

وقد روى محيي السنة وغيره عن علمائهم عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « أنه قال : منعت العراق درهمها وقفيزها ، ومنعت الشام مدها ودينارها ، ومنعت مصر إردبها و

__________________

(١) الوسائل : ج ١١ ص ١١٦ ح ٦ ب ٦٨ من أبواب جهاد العدوّ.

(٢) النهاية : ج ٢ ص ١٤٠.

١٣٤

يعطي بالسوية ولم أجعلها دولة بين الأغنياء وألقيت المساحة وسويت بين المناكح وأنفذت خمس الرسول كما أنزل الله عز وجل وفرضه ورددت مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى ما كان عليه وسددت ما فتح فيه من الأبواب وفتحت ما سد منه وحرمت المسح على الخفين وحددت على النبيذ وأمرت بإحلال المتعتين وأمرت بالتكبير على الجنائز خمس تكبيرات وألزمت الناس الجهر ببِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وأخرجت من أدخل مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في مسجده ممن كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أخرجه

دينارها »(١) والأردب لأهل مصر أربعة وستون منا ، وفسره أكثرهم بأنه قد محي ذلك شريعة الإسلام ، وكان أول بلد مسحه عمر بلد الكوفة وتفصيل الكلام في ذكر هذه البدع موكول إلى الكتب المبسوطة التي دونها أصحابنا لذلك ، كالشافي للسيد المرتضى وعسى الله أن يوفقنا لبسط الكلام في بدع أهل الكفر والجور في شرح كتاب الحجة.

قوله عليه‌السلام : « وسويت بين المناكح » بأن يزوج الشريف والوضيع كما فعله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وزوج بنت عمه مقداد.

قوله عليه‌السلام : « وأمرت بإحلال المتعتين » أي متعة النساء ومتعة الحج اللتين حرمهما عمر.

قوله عليه‌السلام : « خمس تكبيرات » أي لا أربعا كما ابتدعته العامة.

قوله عليه‌السلام : « وألزمت الناس » إلخ. يدل ظاهرا على وجوب الجهر بالبسملة مطلقا وإن أمكن حمله على تأكد الاستحباب.

قوله عليه‌السلام : « وأخرجت » إلخ. ويحتمل أن يكون المراد إخراج جسدي الملعونين الذين دفنا في بيته بغير إذنه ، مع أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يأذن لهما لخوخة(٢) في مسجده ، وإدخال جسد فاطمةعليها‌السلام ودفنها عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو رفع الجدار من بين قبريهما.

ويحتمل أن يكون المراد إدخال من كان ملازما لمسجد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في

__________________

(١) مسند أحمد بن حنبل : ج ٢ ص ٢٦٢.

(٢) الخوخة باب صغير كالنافذة الكبيرة وتكون بيتين ينصب عليها باب. « النهاية ج ٢ ص ٨٦ ».

١٣٥

وأدخلت من أخرج بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ممن كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أدخله وحملت الناس على حكم القرآن وعلى الطلاق على السنة ـ وأخذت الصدقات على أصنافها وحدودها ورددت الوضوء والغسل والصلاة إلى مواقيتها وشرائعها ومواضعها ورددت أهل نجران إلى مواضعهم ورددت سبايا فارس وسائر الأمم إلى كتاب الله وسنة نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا لتفرقوا عني والله لقد أمرت الناس أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلا في

حياته كعمار وأضرابه ، وإخراج من أخرجه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله من المطرودين ، ويمكن أن يكون تأكيدا لما مر من فتح الأبواب وسدها.

قوله عليه‌السلام : « ورددت أهل نجران إلى مواضعهم » لم أظفر إلى الآن بكيفية إخراجهم وسببه وبمن أخرجهم.

قوله عليه‌السلام : « ورددت سبايا فارس » لعل المراد الاسترداد ممن اصطفاهم وأخذ زائدا من حظه.

قوله عليه‌السلام : « ما لقيت » من كلام مستأنف للتعجب.

قوله عليه‌السلام : « وأعطيت » رجوع إلى الكلام السابق ، ولعل التأخير من الرواة.

قوله تعالى : « إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ » هذه من تتمة آية الخمس حيث قال تعالى : «وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »(١) قال : البيضاوي(٢) : «إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ » متعلق بمحذوف دل عليه «وَاعْلَمُوا » أي إن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أنه جعل الخمس لهؤلاء فسلموه إليهم ، واقتنعوا بالأخماس الأربعة الباقية ، فإن العلم المتعلق بالعمل إذا أمر به لم يرد منه العلم المجرد ، لأنه مقصود بالعرض ، والمقصود بالذات هو العمل ، «وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا » محمد من الآيات والملائكة والنصر «يَوْمَ الْفُرْقانِ » يوم

__________________

(١) سورة الأنفال : ٤.

(٢) أنوار التنزيل : ج ١ ص ٣٩٥ « ط مصر ١٣٨٨ ».

١٣٦

فريضة وأعلمتهم أن اجتماعهم في النوافل بدعة فتنادى بعض أهل عسكري ممن يقاتل معي يا أهل الإسلام غيرت سنة عمر ينهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوعا ولقد خفت أن يثوروا في ناحية جانب عسكري ما لقيت من هذه الأمة من الفرقة وطاعة أئمة الضلالة والدعاة إلى النار وأعطيت من ذلك سهم ذي القربى الذي قال الله عز وجل :«إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ »(١) فنحن والله عنى بذي القربى الذي قرننا الله بنفسه وبرسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال تعالى «فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ » فينا خاصة : «كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ » في ظلم آل محمد «إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ »(٢) لمن ظلمهم رحمة منه لنا وغنى أغنانا الله به ووصى به نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولم يجعل لنا في سهم الصدقة نصيبا أكرم الله رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأكرمنا أهل البيت أن يطعمنا من أوساخ الناس فكذبوا الله وكذبوا رسوله وجحدوا كتاب الله الناطق بحقنا ومنعونا فرضا فرضه الله لنا ما لقي أهل بيت نبي من أمته ما لقينا بعد نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله «وَاللهُ الْمُسْتَعانُ » على من ظلمنا ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

بدر ، فإنه فرق فيه بين الحق والباطل «يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ » المسلمون والكفار.

أقول : لعل نزول حكم الخمس كان في غزاة بدر ، «وَما أَنْزَلْنا » إشارة إليه كما يظهر من بعض الأخبار(٣) ، وفسرعليه‌السلام ذي القربى بالأئمةعليهم‌السلام كما دلت عليه الأخبار المستفيضة ، وعليه انعقد إجماع الشيعة.

قوله تعالى : « لِكَيْلا يَكُونَ دُولَةً » هذه تتمة لآية أخرى ، ورد في فيئهمعليه‌السلام حيث قال : «ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ » أي الفيء الذي هو حق الإمامعليه‌السلام «دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ » الدولة بالضم : ما يتداوله الأغنياء ، وتدور بينهم كما كان في الجاهلية.

قوله : « رحمة لنا » أي فرض الخمس والفيء لنا رحمة منه لنا ، وليغنينا بهما عن أوساخ أيدي الناس.

__________________

(١) الأنفال : ٤١.

(٢) سورة الحشر : ٧.

(٣)

١٣٧

( خطبة لأمير المؤمنينعليه‌السلام )

٢٢ ـ أحمد بن محمد الكوفي ، عن جعفر بن عبد الله المحمدي ، عن أبي روح فرج بن قرة ، عن جعفر بن عبد الله ، عن مسعدة بن صدقة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال خطب أمير المؤمنينعليه‌السلام بالمدينة فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي وآله ثم قال أما بعد فإن الله تبارك وتعالى لم يقصم جباري دهر إلا من بعد تمهيل ورخاء ولم يجبر كسر عظم من الأمم إلا بعد أزل وبلاء أيها الناس في دون ما استقبلتم من عطب واستدبرتم من خطب معتبر

الحديث الثاني والعشرون : ضعيفقوله : « لم يقصم » أي لم يكسر« جباري دهر إلا من بعد تمهيل » أي تأخير« ورخاء » أي نعمة وسعة عيش ،« ولم يجبر كسر عظم من الأمم » أي يدفع الجبابرة ، واستيلاء أهل الحق عليهم ، وفي نهج البلاغة(١) « ولم يجبر عظم أحد من الأممإلا بعد أزل وبلاء » الأزل : الضيق والشدة ،« أيها الناس في دون ما استقبلتم من خطب (٢) واستدبرتم من خطب ، معتبر » الخطب : الشأن والأمر.

ويحتمل أن يكون المراد بما استدبروه ما وقع في زمن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من استيلاء الكفرة ، أولا وغلبة الحق وأهله ثانيا ، وانقضاء دولة الظالمين ونصرة الله رسوله على الكافرين ، والمراد بما استقبلوه ما ورد عليهم بعد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الفتن ، واستبداد أهل الجهالة والضلالة بأمور المسلمين بلا نصر من رسول رب العالمين ، وكثرة خطائهم في أحكام الدين ، ثم انقضاء دولتهم ، وما وقع بعد ذلك من الحروب ، والفتن كل ذلك محل للاعتبار لمن عقل وفهم ، وميز الحق عن الباطل فإن زمان الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وغزواته ومصالحته ومهادنته مع المشركين كانت منطبقة على أحوال أمير المؤمنينعليه‌السلام من وفاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى شهادتهعليه‌السلام .

ويحتمل أن يكون المراد بما يستقبل وما يستدبر شيئا واحدا ، فإن ما يستقبل قبل وروده يستدبر بعد مضيه ، والمراد التفكر في انقلاب أحوال الدنيا. وسرعة

__________________

(١) نهج البلاغة : تحقيق صبحي الصالح ص ١٢١ « الخطبة ٨٨ » وفيه « ما استقبلتم من عتب ».

(٢) في المتن « من عطب ».

١٣٨

وما كل ذي قلب بلبيب ولا كل ذي سمع بسميع ولا كل ذي ناظر عين ببصير عباد الله أحسنوا فيما يعنيكم النظر فيه ثم انظروا إلى عرصات من قد أقاده الله بعلمه كانوا على سنة من آل فرعون أهل «جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ » ثم انظروا بما ختم الله لهم بعد النضرة والسرور والأمر والنهي ولمن صبر منكم العاقبة في الجنان والله

زوالها وكثرة الفتن فيها فيحث هذا التفكر العاقل اللبيب على ترك الأغراض الدنيوية والسعي لما يوجب حصول السعادات الأخروية. ويحتمل على بعد أن يكون المراد بما يستقبلونه ما أمامهم من أحوال البرزخ وأهوال القيامة ، وعذاب الآخرة ومثوباتها ، وبما استدبروه ما مضى من أيام عمرهم وما ظهر لهم من آثار فناء الدنيا وحقارتها ، وقلة بقائها ،« وما كل ذي قلب بلبيب » أي عاقل ،« ولا كل ذي سمع بسميع » أي يفهم الحق ويؤثر فيه ويعمل به ،« ولا كل ذي ناظر عين ببصير » أي يبصر الحق ويعتبر بما يرى ، وينتفع بما يشاهد ، وليس لفظ « عين » في نسخ النهج ، وفي بعض نسخ الكتاب « عباد الله أحسنوا فيما يعنيكم » أي يهمكم وينفعكم ، وفي بعض النسخ« يعينكم النظر فيه » الظاهر أنه بدل اشتمال لقوله : « فيما يعينكم » ويحتمل أن يكون فاعلا لقوله يعينكم ، بتقدير النظر قبل الظرف أيضا« ثم انظروا إلى عرصات » قال الفيروزآبادي(١) : العرصة كل بقعة بين الدور واسعة ليس فيها بناء ، والجمع عراص وعرصات« من قد أقاده الله بعلمه » يقال : أقاده خيلا أي أعطاه ليقودها ، ولعل المراد من مكنه الله من الملك بأن خلى بينه وبين اختياره ، ولم يمسك يده عما أراده بعلمه وحكمته أي بما يقتضيه علمه من عدم إجبارهم على الطاعات وترك المنهيات.

ويحتمل أن يكون من القود والقصاص ، ويؤيده أن في بعض النسخ بعمله بتقديم الميم على اللام ، فالضمير راجع إلى الموصول« كانوا على سنة » أي طريقة وحالة مشبهة ، ومأخوذة من آل فرعون من الظلم والكفر والطغيان ، أو من الرفاهية والنعمة كما قال : «مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ »(٢) فعلى الأول : حال ، وعلى

__________________

(١) القاموس المحيط : ج ٢ ص ٣٠٧.

(٢) سورة الدخان : ٢٥.

١٣٩

مخلدون «وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ ».

فيا عجبا وما لي لا أعجب من خطإ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها لا يقتصون أثر نبي ولا يقتدون بعمل وصي ولا يؤمنون بغيب ولا يعفون عن عيب المعروف فيهم ما عرفوا والمنكر عندهم ما أنكروا ـ وكل امرئ منهم إمام نفسه آخذ منها فيما

الثاني : بدل ، من قوله على سنة ، أو عطف بيان له« ثم انظروا بما ختم الله لهم » الباء بمعنى في أو إلى أو زائدة ، أو صلة للختم قدم عليه ، أي انظروا بأي شيء ختم لهم بعد النضرة. والسرور والأمر والنهي ، النضرة : الحسن والرونق« ولمن صبر منكم العاقبة في الجنان والله مخلدون » قوله : « مخلدون » خبر لمبتدء محذوف ، والجملة مبينة ، ومؤكدة للجملة السابقة ، يسأل عن عاقبتهم فيقال : هم والله مخلدون في الجنان ، «وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ » أي مرجعها إلى حكمه كما قيل أو عاقبة الدولة ، والملك والعز لله ولمن طلب رضاه كما هو الأنسب بالمقام« فيا عجبا » بغير تنوين وأصله فيا عجبا ثم قلبوا الياء ألفا ، فإن وقفت قلت يا عجباه ، أي يا عجبي أقبل فهذا أوانك ، أو بالتنوين أي يا قوم أعجبوا عجبا أو أعجب عجبا ، والأول أشهر وأظهر« وما لي لا أعجب من خطإ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها » الظرف الأخير إما متعلق بالاختلاف أو بالخطإ أو بهما على التنازع ، وقوله : « على اختلاف حججها » أي مذاهبها أو طرقها أو دلائلها على مذاهبهم الباطلة أو على الحق ، مع عدولهم عنها « لا يعتقون أثر نبي » وفي بعض النسخ« لا يقتصون » من قولهم اقتص أثره أي تتبعه« ولا يقتدون بعمل وصي » يعني نفسهعليه‌السلام ولا يؤمنون بغيب ، أي بأمر غائب عن الحس ، مما أخبر به النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الجنة والنار وغيرهما« ولا يعفون عن عيب » بكسر العين وتشديد الفاء من العفة ، وبسكون العين وتخفيف الفاء من العفو ، أي عن عيوب الناس« المعروف فيهم ما عرفوا ، والمنكر عندهم ما أنكروا » أي المعروف والخبر عندهم يعرفونه ، ويعدونه معروفا ، ويستحسنونه بعقولهم الناقصة ، وإن كان منكرا في نفس الأمر ، والمراد أن المعروف والمنكر تابعان لإراداتهم وميولهم

١٤٠

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

قد زرعت في قلبه شهوة ووردت به موارد حياض الهلكة.

يا عيسى كن رحيما مترحما وكن كما تشاء أن يكون العباد لك وأكثر ذكرك الموت ومفارقة الأهلين ولا تله فإن اللهو يفسد صاحبه ولا تغفل فإن الغافل مني بعيد واذكرني بالصالحات حتى أذكرك.

يا عيسى تب إلي بعد الذنب وذكر بي الأوابين وآمن بي وتقرب بي إلى المؤمنين ومرهم يدعوني معك وإياك ودعوة المظلوم فإني آليت على نفسي أن أفتح لها بابا من السماء بالقبول وأن أجيبه ولو بعد حين.

يا عيسى اعلم أن صاحب السوء يعدي وقرين السوء يردي واعلم من تقارن

قوله تعالى : « موارد حياض الهلكة » الإضافة إما بيانية إلى الموارد التي هي حياض الهلاك ، أو لامية بأن يكون المراد بالموارد أطراف تلك الحياض وفي الأمالي « موارد الهلكة ».

قوله تعالى : « كن رحيما مترحما » الرحم رقة القلب والترحم إعمالها وإظهارها ، وفي الأمالي « وكن للعباد كما تشاء ».

قوله تعالى : « ولا تله » أي لا ترتكب ما يلهى ويوجب الغفلة عن الله تعالى.

قوله تعالى : « واذكرني بالصالحات » أي بالأعمال الصالحة فإنها مسببة عن ذكره تعالى ، وذكره تعالى إثابته أو ذكره في الملإ الأعلى بخير.

قوله تعالى : « وذكر بي الأوابين » الأوبة : الرجوع أي الذين يرجعون إلى الله بالتوبة والأعمال الصالحة.

قوله تعالى : « إن صاحب السوء يعدى » من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة ، والسوء بالفتح ، وقيل يجوز الضم أي المصاحب الشرير السيء الخلق يعدى أي تؤثر أخلاقه فيمن صحبه ، يقال أعداه الداء يعديه إعداء ، وهو أن يصيبه مثل ما يصاحب الداء.

قوله تعالى : « وقرين السوء يردي » أي يهلك من يقارنه.

٣٢١

واختر لنفسك إخوانا من المؤمنين.

يا عيسى تب إلي فإني لا يتعاظمني ذنب أن أغفره وأنا أرحم الراحمين اعمل لنفسك في مهلة من أجلك قبل أن لا يعمل لها غيرك واعبدني ليوم «كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ » فيه أجزي بالحسنة أضعافها وإن السيئة توبق صاحبها فامهد لنفسك في مهلة ونافس في العمل الصالح فكم من مجلس قد نهض أهله وهم مجارون من النار.

يا عيسى ازهد في الفاني المنقطع وطأ رسوم منازل من كان قبلك فادعهم وناجهم «هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ » وخذ موعظتك منهم واعلم أنك ستلحقهم في اللاحقين.

يا عيسى قل لمن تمرد علي بالعصيان وعمل بالإدهان ليتوقع عقوبتي وينتظر إهلاكي إياه سيصطلم مع الهالكين طوبى لك يا ابن مريم ثم طوبى لك إن أخذت

قوله تعالى : « في مهلة من أجلك » أي في زمان عمرك الذي أمهل وأخر فيه أجلك ، وقد يطلق الأجل على العمر ، فكلمة من بيانية ، قبل أن لا تقدر على العمل بعد الوفاة ، وفي الأمالي « قبل أن لا يعمل لها غيرك ».

قوله تعالى : « وهم مجارون » قال الجوهري : أجاره الله من العذاب أنقذه(١) .

قوله تعالى : « وطأ رسوم » أي امش على آثار منازل من كان قبلك« وادعهم هل تحس منهم من أحد » أي هل تشعر بأحد منهم وتراه أو تسمع صوتهم ، كما قال تعالى : «وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً »(٢) والركز : الصوت الخفي.

قوله تعالى : « وعمل بالإدهان » قال الفيروزآبادي(٣) : المداهنة خلاف ما تغمر كالأدهان ، ولعل المراد هنا المداهنة في الدين ، وترك النهي عن المنكر.

قوله تعالى : « سيصطلم » قال الجوهري(٤) : الاصطلام الاستئصال.

__________________

(١) الصحاح : ج ٣ ص ٦١٨ :.

(٢) سورة مريم : ٩٨.

(٣) القاموس : ج ٤ ص ٢٢٤.

(٤) الصحاح : ج ٥ ص ١٩٧.

٣٢٢

بأدب إلهك الذي يتحنن عليك ترحما وبدأك بالنعم منه تكرما وكان لك في الشدائد لا تعصه يا عيسى فإنه لا يحل لك عصيانه قد عهدت إليك كما عهدت إلى من كان قبلك وأنا على ذلك من الشاهدين.

يا عيسى ما أكرمت خليقة بمثل ديني ولا أنعمت عليها بمثل رحمتي.

يا عيسى اغسل بالماء منك ما ظهر وداو بالحسنات منك ما بطن فإنك إلي راجع.

يا عيسى أعطيتك ما أنعمت به عليك فيضا من غير تكدير وطلبت منك قرضا لنفسك فبخلت به عليها لتكون من الهالكين.

يا عيسى تزين بالدين وحب المساكين وامش على الأرض هونا وصل على

قوله تعالى : « إن أخذت بأدب إلهك » أي بالآداب التي أمرك بها إلهك أو تتخلق بأخلاق ربك ، وقال الجوهري :تحنن عليه : ترحم(١) .

قوله تعالى : « ما أكرمت خليقة بمثل ديني » أي بشيء مثل ديني ، وضميرعليها راجع إلى الخليفة ، والظاهر أن المرادبالرحمة الجنة ، ويحتمل المغفرة.

قوله تعالى : « فيضا » أي كثيرا واسعا ، وفيه استعارة مكنية« والتكدير » ترشيح إذ الفيض يطلق على كثرة الماء وسيلانه ، والظاهر أن الغرض بهذا الخطاب أمة عيسىعليه‌السلام كما ورد في القرآن آيات كثيرة المخاطب بها الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والمراد بها أمته كقوله تعالى «لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ »(٢) وأضرابها.

قوله تعالى : « تزين بالدين » أي بآثاره وأعماله وأخلاقه فإنها زينة المتقين ومن أحسن زينتهم حب المساكين والمعاشرة معهم.

قوله تعالى : « هَوْناً » قال الجوهري(٣) : الهون : السكينة والوقار ، وفلان

__________________

(١) الصحاح : ج ٦ ص ٢٩٠٤.

(٢) سورة الزمر : ٦٥.

(٣) الصحاح : ج ٦ ص ٢٢١٨.

٣٢٣

البقاع فكلها طاهر.

يا عيسى شمر فكل ما هو آت قريب واقرأ كتابي وأنت طاهر وأسمعني منك صوتا حزينا.

يا عيسى لا خير في لذاذة لا تدوم وعيش من صاحبه يزول يا ابن مريم لو رأت عينك ما أعددت لأوليائي الصالحين ذاب قلبك وزهقت نفسك شوقا إليه فليس كدار الآخرة دار تجاور فيها الطيبون ويدخل عليهم فيها الملائكة المقربون وهم مما يأتي يوم القيامة من أهوالها آمنون دار لا يتغير فيها النعيم ولا يزول عن أهلها يا ابن مريم نافس فيها مع المتنافسين فإنها أمنية المتمنين حسنة المنظر طوبى لك يا ابن مريم إن كنت لها من العاملين مع آبائك آدم وإبراهيم في جنات ونعيم لا تبغي بها بدلا ولا تحويلا كذلك أفعل بالمتقين.

يا عيسى اهرب إلي مع من يهرب من نار ذات لهب ونار ذات أغلال وأنكال

يمشي على الأرض هونا.

قوله تعالى : « وصل على البقاع » هذا خلاف ما هو المشهور من أن جواز الصلاة في كل البقاع من خصائص نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بل كان يلزمهم الصلاة في بيعهم وكنا يسهم ، فيمكن أن يكون هذا الحكم فيهم مختصا بالفرائض أو بغيرهعليه‌السلام من أمته.

قوله تعالى : « شمر فكل ما هو آت قريب » قال الفيروزآبادي : شمر وشمر وانشمر وتشمر مر جادا أو مختالا ، وتشمر للأمر ، تهيأ(١) انتهى أي جد واجتهد في العبادة ، فإن الموت آت لا محالة ، وكل ما هو آت قريب.

قوله تعالى : « وزهقت نفسك » أي هلكت واضمحلت ،قوله تعالى : « مع آبائك » أي تكون أو طوبى لك مع آبائك.

قوله تعالى : « وأنكال » قال الفيروزآبادي(٢) : النكل بالكسر القيد الشديد

__________________

(١) القاموس : ج ٤ ص ٢١٧.

(٢) القاموس : ج ٤ ص ٦٠.

٣٢٤

لا يدخلها روح ولا يخرج منها غم أبدا قطع كقطع الليل المظلم من ينج منها يفز ولن ينجو منها من كان من الهالكين هي دار الجبارين والعتاة الظالمين وكل فظ غليظ وكل مختال فخور.

يا عيسى بئست الدار لمن ركن إليها وبئس القرار دار الظالمين إني أحذرك نفسك فكن بي خبيرا.

يا عيسى كن حيث ما كنت مراقبا لي(١) واشهد على أني خلقتك وأنت عبدي وأني صورتك وإلى الأرض أهبطتك.

يا عيسى لا يصلح لسانان في فم واحد ولا قلبان في صدر واحد وكذلك الأذهان.

والجمع أنكال أو قيد من نار.قوله تعالى : « قطع كقطع الليل المظلم » أي ليس لنارها نور.قوله تعالى : « والعتاة » قال الفيروزآبادي(٢) : عتا عتوا : استكبر وجاوز الحد فهو عات ، وقال :الفظ : الغليظ الجانب. السيء الخلق ، الخشن الكلام ، وقال : رجلمختال : متكبر.

قوله تعالى : « بئست الدار » أي النار« لمن ركن » أي مال إليها بارتكاب الفسوق.

قوله تعالى : « فكن بي » أي بمعونتي خبيرا بعيوب نفسك ، أو كن عالما بي وبرحمتي ونعمتي ، وعقوبتي حتى لا تغلبك نفسك ولا تخدعك.

قوله تعالى : « من إقبالي » أي تنتظر فضلي وإحساني ، وتخاف عقوبتي وتعلم أني مطلع على سرائر أمرك.

قوله تعالى : « لا يصلح لسانان في فم واحد » أي بأن تقول في حضور القوم كلاما ، وفي غيبتهم كلاما آخر ، أو تمزج القول الحق بالباطل ، والطاعة من

__________________

(١) في بعض النسخ المتن « كن حديث ما كنت من إقبالي » والظاهر أنّ هذه النسخة كانت عند المجلسيّ طاب ثراه.

(٢) القاموس : ج ٣ ص ٣٤.

٣٢٥

يا عيسى لا تستيقظن عاصيا ولا تستنبهن لاهيا وافطم نفسك عن الشهوات

القول بالمعصية.

قوله تعالى : « ولا قلبان » في صدور واحد أي لا تجتمع محبة الله ومحبة غيره من المال والجاه ، وزخارف الدنيا وشهواتها في قلب واحد ، فلا يتصور الجمع بينهما إلا بأن يكون لك قلبان وهو محال كما قال تعالى : «ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ »(١) .

قوله تعالى : « وكذلك الأذهان » أي لا يجتمع شيئان متضادان في ذهن واحد ، كالتوجه إلى الدنيا ، والتوجه إلى الله ، والتوكل عليه والتوكل على الخلق ونحو ذلك ، ويحتمل أن يكون ذكر اللسان والقلب تمهيدا لبيان الأخير ، أي كما لا يمكن أن يكون في فم لسانان ، وفي صدر قلبان ، فكذا لا يجوز أن يكون في ذهن واحد ، خيالان متضادان يصيران منشأين لأمور مختلفة متباينة.

قوله تعالى : « لا تستيقظن عاصيا » أي لا تتوجه إلى تيقظ الغير ، والحال أنك عاص ، بل ابدأ بإصلاح نفسك قبل إصلاح غيرك ، وكذا الفقرة الثانية ، هذا إذا ورد الفعلان متعديين ، لكن أكثر اللغويين ذكروا البناء الأول لازما ، ولم يذكروا البناء الثاني فيحتمل أن يكون المراد لا تستيقظ استيقاظا لا يردعك عن المعاصي ، ولا استنباها مخلوطا باللهو والغفلة ، أو لا يكن استيقاظك وتنبهك عند الموت بعد العصيان واللهو ، ويحتمل أن يكون الأول لازما والثاني متعديا ، فيكون المعنى أتم وأكمل فتأمل.

قوله تعالى : « وافطم » أي اقطع« نفسك عن الشهوات الموبقات » أي المهلكات.

__________________

(١) سورة الأحزاب : ٤.

٣٢٦

الموبقات وكل شهوة تباعدك مني فاهجرها واعلم أنك مني بمكان الرسول الأمين فكن مني على حذر واعلم أن دنياك مؤديتك إلي وأني آخذك بعلمي فكن ذليل النفس عند ذكري خاشع القلب حين تذكرني يقظان عند نوم الغافلين.

يا عيسى هذه نصيحتي إياك وموعظتي لك فخذها مني وإني رب العالمين.

يا عيسى إذا صبر عبدي في جنبي كان ثواب عمله علي وكنت عنده حين يدعوني وكفى بي منتقما ممن عصاني أين يهرب مني الظالمون.

يا عيسى أطب الكلام وكن حيثما كنت عالما متعلما.

يا عيسى أفض بالحسنات إلي حتى يكون لك ذكرها عندي وتمسك بوصيتي.

قوله تعالى : « مؤديتك إلى » أي تردك الدنيا إلى بالموت وأعاقبك بما عملت من معاصيك.

قوله تعالى : « في جنبي » أي في قربي أو طاعتي ، قال الشيخ الطبرسي في قوله تعالى : «يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ »(١) : الجنب القرب ، أي يا حسرتا على ما فرطت في قرب الله وجواره ، وفلان يعيش في جنب فلان أي في قربه وجواره ومنه. قوله تعالى : «الصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ »(٢) وقال البيضاوي(٣) : أي في جانبه ، أي في حقه وهو طاعته ، قال سابق البريري :

أما تتقين الله في جنب وامق

له كبد حري عليك تقطع

وقيل في ذاته على تقدير مضاف كالطاعة ، وقيل : في قربه من قوله تعالى : «وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ ».

قوله تعالى : « وأفض » من الإفضاء بمعنى الإيصال ، أو من الإفاضة بمعنى

__________________

(١) سورة الزمر : ٥٦.

(٢) مجمع البيان : ج ٨ ص ٥٠٥.

(٣) أنوار التنزيل : ج ٢ ص ٣٢٦.

٣٢٧

فإن فيها شفاء للقلوب.

يا عيسى لا تأمن إذا مكرت مكري ولا تنس عند خلوات الدنيا ذكري.

يا عيسى حاسب نفسك بالرجوع إلي حتى تتنجز ثواب ما عمله العاملون أولئك يؤتون أجرهم وأنا خير المؤتين.

يا عيسى كنت خلقا بكلامي ولدتك مريم بأمري المرسل إليها روحي جبرئيل الأمين من ملائكتي حتى قمت على الأرض حيا تمشي كل ذلك في سابق علمي.

يا عيسى زكريا بمنزلة أبيك وكفيل أمك إذ يدخل عليها المحراب فيجد عندها رزقا ونظيرك يحيى من خلقي وهبته لأمه بعد الكبر من غير قوة بها أردت بذلك أن يظهر لها سلطاني ويظهر فيك قدرتي أحبكم إلي أطوعكم لي وأشدكم

الاندفاع والإسراع في السير أي أقبل إلى بسبب حسناتك أو معها.

قوله تعالى : « بالرجوع إلى » أي بسبب أن مرجعك إلى.

قوله تعالى : « ثواب ما عمله العاملون » أي مثله.

قوله تعالى : « خلقتك بكلامي » أي بلفظ كن من غير والد.

قوله تعالى : « كل ذلك في سابق علمي » أي كان جميع ذلك في علمي السابق وتقديري ، وفعلتها للحكم التي علمته فيها.

قوله تعالى : « ونظيرك يحيى » أي في الزهد والعبادة وسائر الكمالات أو في تولده من شيخ كبير يئس من الولد ، فكأنه أيضا خلق من غير والد.

قوله تعالى : « من غير قوة بها » أي من غير قوة كانت بها تقوى بتلك القوة على تحصيل الولد ، أي كانت كبيرة يائسة لا تستعد بحسب القوي البشرية عادة لتولده منها.

قوله تعالى : « أردت بذلك أن يظهر لها سلطاني » أي عظمتي وقدرتي على

٣٢٨

خوفا مني.

يا عيسى تيقظ ولا تيأس من روحي وسبحني مع من يسبحني وبطيب الكلام فقدسني.

يا عيسى كيف يكفر العباد بي ونواصيهم في قبضتي وتقلبهم في أرضي يجهلون نعمتي ويتولون عدوي وكذلك يهلك الكافرون.

يا عيسى إن الدنيا سجن منتن الريح وحسن فيها ما قد ترى مما قد تذابح عليه الجبارون وإياك والدنيا فكل نعيمها يزول وما نعيمها إلا قليل.

يا عيسى ابغني عند وسادك تجدني وادعني وأنت لي محب فإني أسمع

قوله تعالى : « نواصيهم في قبضتي » الأخذ بالناصية بين العرب كناية عن القهر والقدرة ، لأن من أخذ بناصية غيره فقد قهره وأذله ، ولا يستطيع الامتناع مما يريده منه ، كما قال تعالى : «ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها »(١) قوله تعالى : « وتقلبهم » أي تصرفهم في الأمور وتحولهم من حال إلى حال.

قوله تعالى : « وحسن فيها » أي زين للناس فيها ما قد ترى من زخارفها التي اقتتل عليها الجبارون ، وذبح بعضهم بعضا لأجلها ، قال الفيروزآبادي(٢) :تذابحوا : ذبح بعضهم بعضا ، وفي الأمالي(٣) « منتن الريح وخشن وفيها ما قد ترى ».

قوله تعالى : « ابغني عند وسادك » أي أطلبني وتقرب إلى عند ما تتكى على وسادك للنوم بذكري ،« تجدني » لك حافظا في نومك أو قريبا منك مجيبا

__________________

(١) سورة هود : ٦.

(٢) القاموس : ج ١ ص ٢٢٠.

(٣) الأمالي : ص ٤١٩ « ط بيروت ».

٣٢٩

السامعين أستجيب للداعين إذا دعوني.

يا عيسى خفني وخوف بي عبادي لعل المذنبين أن يمسكوا عما هم عاملون به فلا يهلكوا إلا وهم يعلمون.

يا عيسى ارهبني رهبتك من السبع والموت الذي أنت لاقيه فكل هذا أنا خلقته «فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ».

يا عيسى إن الملك لي وبيدي وأنا الملك فإن تطعني أدخلتك جنتي في جوار الصالحين.

يا عيسى إني إذا غضبت عليك لم ينفعك رضا من رضي عنك وإن رضيت عنك لم يضرك غضب المغضبين.

يا عيسى اذكرني في نفسك أذكرك في نفسي واذكرني في ملئك أذكرك في ملإ خير من ملإ الآدميين.

قوله تعالى : « فإني أسمع السامعين » فينبغي أن تحب من كان كذلك ، أو إن لم استجب لأحد فإنما هو لعدم المحبة ، وإلا فأنا أسمع السامعين ، والأول أظهرقوله تعالى : « فلا يهلكوا » أي إن هلكوا وضلوا وأصروا على المعاصي يكون بعد إتمام الحجة عليهم.

قوله تعالى : « أذكرك في نفسي » أي أفيض عليك من رحماتي الخاصة من غير أن يطلع عليها غيري.

قوله تعالى : « أذكرك في ملأ خير من ملأ الآدميين » الملأ : الإشراف والعلية

٣٣٠

يا عيسى ادعني دعاء الغريق الحزين الذي ليس له مغيث.

يا عيسى لا تحلف بي كاذبا فيهتز عرشي غضبا الدنيا قصيرة العمر طويلة الأمل وعندي دار خير مما تجمعون.

يا عيسى كيف أنتم صانعون إذا أخرجت لكم كتابا ينطق بالحق وأنتم تشهدون بسرائر قد كتمتموها وأعمال كنتم بها عاملين.

يا عيسى قل لظلمة بني إسرائيل غسلتم وجوهكم ودنستم قلوبكم أبي تغترون أم علي تجترءون تطيبون بالطيب لأهل الدنيا وأجوافكم عندي بمنزلة الجيف المنتنة كأنكم أقوام ميتون.

يا عيسى قل لهم قلموا أظفاركم من كسب الحرام وأصموا أسماعكم عن ذكر

أو الجماعة ، والمراد ملأ الملائكة المقربين ، والذكر في ذلك الملأ بالثناء عليه والمباهاة به أو إثابته بمشهد منهم ، وخيرية ذلك الملأ وفضله على ملإ الآدميين لكون جميعهم معصومين مطهرين ، لا ينافي كون نادر من الآدميين أشرف منهم مع أنه يحتمل أن يكون المراد بملإ الآدميين الملأ الذي لم يدخل فيه الأنبياء والصديقون.

قوله تعالى : « فيهتز » أي يتحرك غضبا.

قوله تعالى : « بسرائر » بدل من قوله بالحق.

قوله تعالى : « قلموا أظفاركم » كناية عن قبض اليد عن الحرام.

قوله تعالى : « عن ذكر الخنى » (١) أي الفحش في القول.

قوله تعالى : « فإني لست أريد ضرركم » وفي بعض النسخ « صرركم » بالصاد المهملة من قولهم صر صريرا أي صوت وصاح شديدا قاله في القاموس(٢) ، وفي بعضها « صوركم » كما روي إن الله لا ينظر إلى صوركم ، ولا إلى أجسادكم ولكنه ينظر إلى قلوبكم ونياتكم.

__________________

(١) النهاية : ج ٢ ص ٨٦.

(٢) القاموس : ج ٢ ص ٦٩.

٣٣١

الخنا وأقبلوا علي بقلوبكم فإني لست أريد صوركم.

يا عيسى افرح بالحسنة فإنها لي رضا وابك على السيئة فإنها شين وما لا تحب أن يصنع بك فلا تصنعه بغيرك وإن لطم خدك الأيمن فأعطه الأيسر وتقرب إلي بالمودة جهدك وأعرض عن الجاهلين.

يا عيسى ذل لأهل الحسنة وشاركهم فيها وكن عليهم شهيدا وقل لظلمة بني إسرائيل يا أخدان السوء والجلساء عليه إن لم تنتهوا أمسخكم قردة وخنازير.

يا عيسى قل لظلمة بني إسرائيل الحكمة تبكي فرقا مني وأنتم بالضحك تهجرون أتتكم براءتي أم لديكم أمان من عذابي أم تعرضون لعقوبتي فبي حلفت لأتركنكم مثلا للغابرين

قوله تعالى : « فإنها شين » أي عيب قبيح.

قوله تعالى : « وإن لطم » أي ذلك الغير.

قوله تعالى : « يا أخدان السوء » قال الفيروزآبادي(١) : الخدن بالكسر وكأمير الصاحب ، ومن يخادنك في كل أمر ظاهر وباطن ، فيحتمل أن يكون من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة ، كما هو الشائع في مثله ، وأن يكون المراد أنهم محبون للسوء مخادنون له ، ولعل قوله والجلساء بهذا أوفق وأنسب ، فإن الضمير راجع إلى السوء فيكون السوء بضم السين.

قوله تعالى : « الحكمة تبكي » استناد البكاء إلى الحكمة مجازي ، لأنها سببه ويمكن أن يكون بتقدير مضاف أي أهل الحكمة ، ويمكن أيضا أن تقرأ تبكي من باب الأفعال.

قوله تعالى : « تهجرون » من الهجر وهو الهزء وقبيح الكلام.

قوله تعالى : « مثلا للغابرين » الغابر : الماضي والباقي ، والمراد به هنا الثاني

__________________

(١) القاموس : ج ٤ ص ٢١٨.

٣٣٢

ثم أوصيك يا ابن مريم البكر البتول بسيد المرسلين وحبيبي فهو أحمد صاحب الجمل الأحمر والوجه الأقمر المشرق بالنور الطاهر القلب الشديد البأس الحيي المتكرم فإنه رحمة للعالمين وسيد ولد آدم يوم يلقاني أكرم السابقين علي وأقرب المرسلين مني العربي الأمين الديان بديني الصابر في ذاتي المجاهد المشركين بيده عن ديني أن تخبر به بني إسرائيل وتأمرهم أن يصدقوا به وأن يؤمنوا به وأن يتبعوه وأن ينصروه.

قال عيسىعليه‌السلام إلهي من هو حتى أرضيه فلك الرضا قال هو محمد رسول الله إلى الناس كافة أقربهم مني منزلة وأحضرهم شفاعة طوبى له من نبي وطوبى لأمته إن هم لقوني على سبيله يحمده أهل الأرض ويستغفر له أهل السماء أمين ميمون

أي أهلككم وأجعل هلاككم مثلا يمثل به ، ويذكر ويعتبر به من يأتي بعدكمقوله تعالى : « يوم يلقاني » أي يظهر سيادته في ذلك اليوم ، ويحتمل تعلقه بما بعده.

قوله تعالى : « الديان بديني » الديان : القهار والحاكم والقاضي يقال : ديّنتهم فدانوا أي قهرتهم فأطاعوا ، أي يقهرهم على الدخول في دين الله ، أو يحكم بينهم بحكم الله ، أو يتعبد الله بدين الحق من دان بمعنى عبد.

قوله تعالى : « أن تخبر » بدل اشتمال من قوله : « سيد المرسلين » وفي الأمالي(١) « يا عيسى آمرك أن تخبر به » وفيه « قال عيسى : الهي من هو؟ قال : يا عيسى أرضه فلك الرضا ، قال : اللهم رضيت ، فمن هو؟ قال : محمد رسول الله» قوله تعالى : « وأحضرهم شفاعة » أي شفاعته حاضرة مهيأة لكل من يستحقها. وفي الأمالي « وأوجبهم عندي شفاعة » وهو أظهر.

قوله تعالى : « إذ هم لقوني » وفي الأمالي « إن هم لقوني » وهو أظهر.

__________________

(١) الأمالي : ص ٤٢٠.

٣٣٣

طيب مطيب خير الباقين عندي يكون في آخر الزمان إذا خرج أرخت السماء عزاليها وأخرجت الأرض زهرتها حتى يروا البركة وأبارك لهم فيما وضع يده عليه كثير الأزواج قليل الأولاد يسكن بكة موضع أساس إبراهيم.

يا عيسى دينه الحنيفية وقبلته يمانية وهو من حزبي وأنا معه فطوبى له ثم طوبى

قوله تعالى : « طيب » أي خلق من طينة طيبة مقدسة ،« مطيب » أي من النقائص والرذائل.

قوله تعالى : « وأبارك لهم » هذه المعجزة من متواترات معجزاته حيث وضع يده على طعام قليل وأشبع به خلقا كثيرا في مواطن كثيرة ، وعلى ماء قليل ، وأروى به جماعة جمة في مواضع عديدة.

قوله تعالى : « يسكن بكة » قال الفيروزآبادي(١) : بكة : خرقه ومزقه وفسخه وفلانا زاحمه أو زحمه ضد ورد نخوته ووضعه وعنقه دقها ، ومنه بكة لمكة أو لما بين جبليها ، أو للمطاف لدقها أعناق الجبابرة ، أو لازدحام الناس بها.

قوله تعالى : « دينه الحنيفية » قال الجزري(٢) : الحنيف هو المائل إلى الإسلام الثابت عليه ، والحنيف عند العرب من كان على دين إبراهيمعليه‌السلام وأصل الحنف الميل ، ومنه الحديث « بعثت بالحنيفية السمحة » انتهى وقيل : المراد الملة المائلة عن الشدة إلى السهولة.

قوله تعالى : « وقبلته يمانية » قال الجزري(٣) : فيه « الإيمان يمان ، والحكمة

__________________

(١) القاموس : ج ٣ ص ٢٩٥.

(٢) النهاية : ج ١ ص ٤٥١.

(٣) النهاية : ج ٥ ص ٣٠٠.

٣٣٤

له له الكوثر والمقام الأكبر في جنات عدن يعيش أكرم من عاش ويقبض شهيدا له حوض أكبر من بكة إلى مطلع الشمس «مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ » فيه آنية مثل نجوم السماء

يمانية » إنما قال ذلك لأن الإيمان بدأ من مكة ، وهي من تهامة ، وتهامة من أرض اليمن ، ولهذا يقال الكعبة اليمانية.

قوله تعالى : « ويقبض شهيدا » يدل على أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مات شهيدا كما رواه الصفار في كتاب بصائر الدرجات عن إبراهيم بن هاشم عن جعفر بن محمد عن عبد الله بن ميمون القداح عن أبي عبد اللهعليه‌السلام : قال سمت اليهودية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في ذراع ، قال : وكان رسول الله يحب الذراع والكتف ، ويكره الورك لقربها من المبال ، قال : لما أتى بالشواء أكل من الذراع ، وكان يحبها فأكل ما شاء الله ثم قال الذراع : يا رسول الله إني مسموم فتركه ، وما زال ينتقض به سمه حتى ماتصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (١) .

وقال ابن شهرآشوب في كتاب المناقب : روي أنه أكل من الشاة المسمومة مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بشر بن البراء بن معرور ومات من ساعته ، ودخلت أمه على النبي عند وفاته ، فقال : يا أم بشر ما زالت أكلة خيبر التي أكلت مع ابنك تعاودني والآن قطعت أبهري(٢) .

قوله تعالى : « له حوض أكبر من بكة إلى مطلع الشمس » أي عرضه أكثر من هذه المسافة البعيدة ، ويحتمل أن يكون المفضل عليه مقدرا ، ويكون المذكور تحديدا له أي له حوض أكبر الحياض عرضه من مكة إلى منتهى الأرض من جانب المشرق وفي الأمالي(٣) « أبعد من مكة إلى مطلع الشمس » وهو يؤيد المعنى الأول.

قوله تعالى : « مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ » أي من جنسه ، قال الجزري(٤) : الرحيق

__________________

(١) بصائر الدرجات : ص ١٤٦. والبحار : ج ٨٧ ص ٤٠٦.

(٢) المناقب : ج ١ ص ٨٠ و ٨١. والبحار : ج ١٧ ص ٣٩٦.

(٣) الأمالي ص ٤٢٠ « ط النجف الأشرف ».

(٤) النهاية : ج ٢ ص ٢٠٨.

٣٣٥

وأكواب مثل مدر الأرض عذب فيه من كل شراب وطعم كل ثمار في الجنة من شرب منه شربة لم يظمأ أبدا وذلك من قسمي له وتفضيلي إياه على فترة بينك وبينه يوافق سره علانيته وقوله فعله لا يأمر الناس إلا بما يبدأهم به دينه الجهاد في عسر ويسر تنقاد له البلاد ويخضع له صاحب الروم على دين إبراهيم يسمي عند الطعام ويفشي السلام ويصلي والناس نيام له كل يوم خمس صلوات متواليات ينادي إلى الصلاة كنداء الجيش بالشعار ويفتتح بالتكبير ويختتم بالتسليم ويصف قدميه في الصلاة كما تصف الملائكة أقدامها ويخشع لي قلبه ورأسه النور في صدره والحق على لسانه وهو على الحق حيثما كان أصله يتيم ضال برهة من زمانه عما يراد به تنام عيناه

من أسماء الخمر. يريد خمر الجنة ، والمختوم المصون الذي لم يبتذل لأجل ختامه.

قوله تعالى : « وأكواب » قال الفيروزآبادي(١) : الكوب بالضم كوز لا عروة له أو(٢) لا خرطوم له ، والجمع أكواب.

قوله تعالى : « على دين إبراهيم عليه‌السلام » أي هو على دين إبراهيم أو يخضع له أو(٢) لأنه على دين إبراهيمعليه‌السلام .

قوله تعالى : « بالشعار » قال الجزري(٣) : في الحديث ، أن شعار أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الغزو يا منصور أمت أي علامتهم التي كانوا يتعارفون بها في الحرب انتهى إنما شبه الأذان بالشعار ، لأنه أيضا شعار لمحاربة النفس والشيطان ، وهي الجهاد الأكبر.

قوله تعالى : « أصله يتيم » أي بلا أب أو بلا نظير أو متفرد عن الخلق« ضال برهة » أي طائفة من زمانه عما يراد به أي الوحي والبعثة ، أو ضال من بين قومه

__________________

(١) القاموس : ج ١ ص ١٢٦.

(٢) كذا في النسخ والظاهر زيادة كلمة « أو » من النسّاخ.

(٣) النهاية : ج ٢ ص ٤٧٩.

٣٣٦

ولا ينام قلبه له الشفاعة وعلى أمته تقوم الساعة ويدي «فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ » عليه أوفيت له بالجنة فمر ظلمة بني إسرائيل ألا يدرسوا كتبه ولا يحرفوا سنته وأن يقرءوه السلام فإن له في المقام شأنا من الشأن

لا يعرفونه بالنبوة ، فكأنه ضل عنهم ثم وجدوه ، كما روى الصدوق(١) بإسناده عن الحسن بن الجهم عن الرضاعليه‌السلام قال : قال الله تعالى لنبيه محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى »(٢) يقول ألم يجدك وحيدا فآوى إليك الناس «وَوَجَدَكَ ضَالًّا » يعني عند قومك «فَهَدى » أي هداهم إلى معرفتك «وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى » يقول أغناك بأن جعل دعاءك مستجابا » وروي في العلل(٣) بإسناده عن ابن عباس قال : سئل عن قول الله «أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى » قال : إنما سمي يتيما لأنه لم يكن له نظير على وجه الأرض من الأولين والآخرين ، فقال تعالى ممتنا عليه : «أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً » أي وحيدا لا نظير لك «فَآوى » إليك الناس وعرفهم فضلك حتى عرفوك «وَوَجَدَكَ ضَالًّا » يقول منسوبا عند قومك إلى الضلالة فهداهم بمعرفتك «وَوَجَدَكَ عائِلاً » يقول : فقيرا عند قومك يقولون لا مال لك ، فأغناك الله بمال خديجة ثم زادك من فضله ، فجعل دعاءك مستجابا حتى لو دعوت على حجر أن يجعله الله لك ذهبا لنقل عينه إلى مرادك ، وأتاك بالطعام حيث لا طعام ، وأتاك بالماء حيث لا ماء ، وأعانك بالملائكة حيث لا مغيث ، فأظفرك بهم على أعدائك.

قد روى علي بن إبراهيم في تفسيره(٤) عن علي بن الحسين عن أحمد بن أبي

__________________

(١) عيون أخبار الرضاعليه‌السلام : ج ١ ص ١٩٩ ـ ٢٠٠.

(٢) سورة الضحى : ٦.

(٣) العلل : ص ٥٥ « ط قم ».

(٤) تفسير القمّيّ : ج ٢ ص ٤٢٧.

٣٣٧

يا عيسى كل ما يقربك مني فقد دللتك عليه وكل ما يباعدك مني فقد نهيتك عنه فارتد لنفسك.

يا عيسى إن الدنيا حلوة وإنما استعملتك فيها فجانب منها ما حذرتك وخذ منها ما أعطيتك عفوا.

يا عيسى انظر في عملك نظر العبد المذنب الخاطئ ولا تنظر في عمل غيرك بمنزلة الرب كن فيها زاهدا ولا ترغب فيها فتعطب.

يا عيسى اعقل وتفكر وانظر في نواحي الأرض «كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ».

يا عيسى كل وصفي لك نصيحة وكل قولي لك حق وأنا الحق المبين فحقا

عبد الله عن أبيه عن خالد بن يزيد عن أبي الهيثم عن زرارة عن الإمامينعليهم‌السلام في قول الله تعالى «أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى » أي فآوى إليك الناس «وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى » أي هدى إليك قوما لا يعرفونك حتى عرفوك «وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى » أي وجدك تعول أقواما فأغناهم بعلمك ، قال علي بن إبراهيم : اليتيم الذي لا مثل له ولذلك سميت الدرة اليتيمة لأنه لا مثل لها ، ووجدك عائلا فأغناك بالوحي ، لا تسأل عن شيء أحدا «وَوَجَدَكَ ضَالًّا » في يوم لا يعرفون فضل نبوتك فهداهم الله بك.

قوله تعالى : « فارتد لنفسك » الارتياد : الطلب أي اطلب لنفسك ما هو خير لك.

قوله تعالى : « عفوا » أي فضلا وإحسانا أو حلالا طيبا ، قال الفيروزآبادي(١) العفو : أحل المال وأطيبه وخيار الشيء وأجوده ، والفضل والمعروف.

قوله تعالى : « بمنزلة الرب » أي النظر في أعمال الغير ومحاسبتها شأن الرب لا شأن العبد.

قوله تعالى : « كن فيها » أي في النظرة في عمل الغير أو في أعمال الغير أو في

__________________

(١) القاموس : ج ٤ ص ٣٦٦.

٣٣٨

أقول لئن أنت عصيتني بعد أن أنبأتك ما لك من دوني ولي ولا نصير.

يا عيسى أذل قلبك بالخشية وانظر إلى من هو أسفل منك ولا تنظر إلى من هو فوقك واعلم أن رأس كل خطيئة وذنب هو حب الدنيا فلا تحبها فإني لا أحبها.

يا عيسى أطب لي قلبك وأكثر ذكري في الخلوات واعلم أن سروري أن تبصبص إلي كن في ذلك حيا ولا تكن ميتا.

يا عيسى «لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً » وكن مني على حذر ولا تغتر بالصحة وتغبط نفسك

الدنيا لظهورها بقرينة المقام.

قوله تعالى : « أو ذنب » لعل الترديد من الراوي أو منه تعالى بأن يكون المراد بالخطيئة الكبيرة ، وبالذنب الصغيرة.

قوله تعالى : « أطب لي قلبك » أي اجعل قلبك طيبة عن الأخلاق الذميمة ، والنيات الفاسدة. وحب الدنيا وزخارفها ، لمحبتي ومعرفتي ، أو خالصا لوجهي وفي الأمالي(١) : « أطب بي قلبك » أي كن محبا لي راضيا عني ، أو أجعل قلبك راضيا عني ، يقال : طابت نفسه بكذا أي رضيها وأحبها.

قوله تعالى : « ولا تغتر بالنصيحة » أي لا تنخدع عن النفس والشيطان بترك النصيحة أو لو لا تغفل بنصح غيرك عن نصح نفسك ، أو لا تعرض نفسك للهلكة بترك النصيحة وفي الأمالي : « لا تغتر بالصحة » وهو أظهر.

قوله تعالى : « ولا تغبط نفسك » الظاهر أنه بالباء المشددة يقال غبطهم أي حملهم على الغبطة(٢) أي لا تجعل نفسك في أمور الدنيا بحيث يغبطها الناس أو لا تجعل نفسك بحيث تغبط الناس على ما في أيديهم ، والأول أظهر ، ويمكن أن يقرأ

__________________

(١) الأمالي : ص ٤٢١.

(٢) الغبط : حسد خاصّ ، يقال : غبطت الرجل اغبطه غبطا إذا اشتهيت أن يكون لك مثل ما له « النهاية ج ٣ ص ٣٣٩ ».

٣٣٩

فإن الدنيا كفيء زائل وما أقبل منها كما أدبر فنافس في الصالحات جهدك وكن مع الحق حيثما كان وإن قطعت وأحرقت بالنار فلا تكفر بي بعد المعرفة «فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ » فإن الشيء يكون مع الشيء.

يا عيسى صب لي الدموع من عينيك واخشع لي بقلبك.

يا عيسى استغث بي في حالات الشدة فإني أغيث المكروبين وأجيب المضطرين وأنا أرحم الراحمين.

١٠٤ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن الحكم ، عن منصور بن يونس ، عن عنبسة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إذا استقر أهل النار في النار يفقدونكم فلا يرون منكم أحدا فيقول بعضهم لبعض «ما لَنا لا نَرى رِجالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ »(١) قال وذلك قول الله عز وجل : «إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ »(٢) يتخاصمون فيكم فيما كانوا يقولون في الدنيا.

( حديث إبليس )

١٠٥ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن صفوان ، عن يعقوب بن شعيب قال قال لي أبو عبد اللهعليه‌السلام من أشد الناس عليكم قال قلت جعلت فداك كل قال أتدري مم ذاك يا يعقوب قال قلت لا أدري جعلت فداك قال إن

بالتخفيف ونفسك بالرفع.

قوله تعالى : « فإن الشيء يكون مع الشيء » أي لكل عمل جزاء ، وكل شيء يكون مع ما يجانسه ، فلا تجلس مع الجاهلين ، تكن منهم ، وليست هذه الفقرة في الأمالي.

الحديث الرابع والمائة : ضعيف وقد سبق مثله.

الحديث الخامس والمائة : صحيح ، ومضمونه معلوم.

__________________

(١) ص : ٦١ ـ ٦٢ ـ ٦٣.

(٢) ص : ٦١ ـ ٦٢ ـ ٦٣.

٣٤٠

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

381

382

383

384

385