مرآة العقول الجزء ٢٥

مرآة العقول0%

مرآة العقول مؤلف:
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 377

مرآة العقول

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: الشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي ( العلامة المجلسي )
تصنيف: الصفحات: 377
المشاهدات: 11786
تحميل: 3676


توضيحات:

المقدمة الجزء 1 المقدمة الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8 الجزء 9 الجزء 10 الجزء 11 الجزء 12 الجزء 13 الجزء 14 الجزء 15 الجزء 16 الجزء 17 الجزء 18 الجزء 19 الجزء 20 الجزء 21 الجزء 22 الجزء 23 الجزء 24 الجزء 25 الجزء 26
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 377 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 11786 / تحميل: 3676
الحجم الحجم الحجم
مرآة العقول

مرآة العقول الجزء 25

مؤلف:
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مخلدون «وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ ».

فيا عجبا وما لي لا أعجب من خطإ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها لا يقتصون أثر نبيَّ ولا يقتدون بعمل وصي ولا يؤمنون بغيب ولا يعفون عن عيب المعروف فيهم ما عرفوا والمنكر عندهم ما أنكروا - وكلّ امرئ منهم إمام نفسه آخذ منها فيما

_________________________________________________________

الثاني : بدل ، من قوله على سنة ، أو عطف بيان له « ثم انظروا بما ختم الله لهم » الباء بمعنى في أو إلى أو زائدة ، أو صلة للختم قدم عليه ، أي انظروا بأي شيء ختم لهم بعد النضرة. والسرور والأمر والنهي ، النضرة : الحسن والرونق « ولمن صبر منكم العاقبة في الجنان والله مخلدون » قوله : « مخلدون » خبر لمبتدء محذوف ، والجملة مبينة ، ومؤكدة للجملة السابقة ، يسأل عن عاقبتهم فيقال : هم والله مخلدون في الجنان ، «وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ » أي مرجعها إلى حكمه كما قيل أو عاقبة الدولة ، والملك والعزَّ لله ولمن طلب رضاه كما هو الأنسب بالمقام « فيا عجباً » بغير تنوين وأصله فيا عجباً ثم قلبوا الياء ألفا ، فإن وقفت قلت يا عجباه ، أي يا عجبي أقبل فهذا أوانك ، أو بالتنوين أي يا قوم أعجبوا عجباً أو أعجب عجباً ، والأول أشهر وأظهر « وما لي لا أعجب من خطإ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها » الظرف الأخير إما متعلّق بالاختلاف أو بالخطإ أو بهما على التنازع ، وقوله : « على اختلاف حججها » أي مذاهبها أو طرقها أو دلائلها على مذاهبهم الباطلة أو على الحقّ ، مع عدولهم عنها « لا يعتقون أثر نبيَّ » وفي بعض النسخ « لا يقتصون » من قولهم اقتص أثره أي تتبعه « ولا يقتدونبعمل وصيّ » يعني نفسهعليه‌السلام ولا يؤمنون بغيب ، أي بأمر غائب عن الحس ، ممّا أخبر به النبيَّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الجنّة والنّار وغيرهما « ولا يعفون عن عيب » بكسر العين وتشديد الفاء من العفة ، وبسكون العين وتخفيف الفاء من العفو ، أي عن عيوب النّاس « المعروف فيهم ما عرفوا ، والمنكر عندهم ما أنكروا » أي المعروف والخبر عندهم يعرفونه ، ويعدونه معروفاً ، ويستحسنونه بعقولهم الناقصة ، وإن كان منكرا في نفس الأمر ، والمراد أن المعروف والمنكر تابعان لإراداتهم وميولهم

١٤١

يرى بعرى وثيقات وأسباب محكمات فلا يزالون بجور ولن يزدادوا إلّا خطأ لا ينالون تقربا ولن يزدادوا إلّا بعدا من الله عزَّ وجل أنس بعضهم ببعض وتصديق بعضهم لبعض كلّ ذلك وحشة ممّا ورث النبيَّ الأمي ص ونفورا ممّا أدى إليهم من أخبار فاطر السماوات والأرض أهل حسرات وكهوف شبهات وأهل عشوات وضلالة وريبة من

_________________________________________________________

الطبيعية ، فما أنكرته طباعهم كان هو المنكر بينهم ، وإن كان معروفا في الشريعة ، وما اقتضته طباعهم ومالت إليه شهواتهم كان هو المعروف بينهم ، وإن علموا أنه منكر في الّذين « وكلّ امرء منهم إمام نفسه » وفي نهج البلاغة هكذا : « مفزعهم في المعضلات إلى أنفسهم ، وتعويلهم في المبهمات على آرائهم ، كان كلّ امرئ منهم إمام نفسه »(١) « أخذ منها فيما يرى بعرى وثيقات » أي يظنون أنهم تمسكوا بدلائل وبراهين فيما يدعون من الأمور الباطلة « وأسباب محكمات » أي زعموا أنهم تعلقوا بوسائل محكمة فيمن يتوسلون بهم من أئمة الجور« فلا يزالون بجور ، ولم يزدادوا إلّا خطأ لا ينالون تقربا » أي إلى ربّهم « ولن يزدادوا إلّا بعدا من الله » لخطائهم في أديانهم وأعمالهم آنس بعضهم ببعض « على صيغة المصدر ويحتمل الفعل والفقرة التالية يؤيد الأول » وتصديق بعضهم لبعض « وفي بعض النسخ » وتصدق « أي يعطي بعضهم صدقاتهم بعضاً ولعله تصحيف » كلّ ذلك ، وحشة ممّا ورث النبيَّ الأميصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « أي يفعلون كلّ ذلك لوحشتهم ونفرتهم عن العلوم الّتي ورثها النبيَّ لأهل بيته والأمي : نسبة إلى أم القرى ، أو لأنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يتعلم الخط والقراءة ، وإن كان عالـمّا بهما بإلهأمّه تعالى » ونفورا ممّا أدى إليهم من إخبار فاطر السماوات والأرض « أي خالقهما ، ومبدعهما » أهل حسرات « بعد الموت وفي القيامة » وكهوف شبهات « أي تأدى إليهم الشبهات لأنهم يقبلون إليها ويقتلون بها ، وفي بعض النسخ » وكفر وشبهات « فيكونان معطوفين على حسرات » وأهل عشوات « قال الجوهري(٢) : العشوة أن يركب أمراً على غير بيات ، ويقال أخذت عليهم بالعشوة ، أي بالسواد من الليل » وضلالة وريبة « أي شك» من

__________________

(١) نهج البلاغة : تحقيق صبحي الصالح ص ١٢١ ( الخطبة رقم ٨٨ ) وفيه ( وتعويلهم في المهمّات على آرائهم ).

(٢) الصحاح : ج ٦ ص ٢٤٢٧.

١٤٢

وكله الله إلى نفسه ورأيه فهو مأمون عند من يجهله غير المتهم عند من لا يعرفه فما أشبه هؤلاء بأنعام قد غاب عنها رعاؤها ووا أسفى من فعلات شيعتي من بعد قربَّ مودتها اليوم كيف يستذل بعدي بعضها بعضاً وكيف يقتل بعضها بعضاً المتشتتة غداً عن الأصل النازلة بالفرع المؤملة الفتح من غير جهته كلّ حزب منهم آخذ منه بغصن أينما مال الغصن مال معه مع أن الله وله الحمد سيجمع هؤلاء لشر يوم لبني أمية كما يجمع

_________________________________________________________

وكله الله إلى نفسه ورأيه » أي بسبب إعراضه عن الحقّ ، وتركه لأهله « فهو مأمون عند من يجهله » و « غير المتهم عند من لا يعرفه » خبر للموصول ، والغرض بيان أن حسن ظن النّاس والعوام بهم إنما هو لجهلهم بضلالتهم وجهالتهم ، ويحتمل أن يكون المراد بالموصول أئمة من قد ذمهم سابقاً ، لا أنفسهم « فما أشبه هؤلاء » أي هذه الفرق الضالة المختلفة « بإنعام قد غاب عنها رعاؤها » هي جمع الراعي « ووا أسفا من فعلات شيعتي » أي من تتبعني اليوم ظاهراً « من بعد قربَّ مودتها اليوم » ظرف للقربَّ « كيف يستذل بعدي بعضها بعضاً » كما تفرَّقوا عن أئمة الحقّ ، وتوسلوا بأئمة الجور« وكيف يقتل بعضها بعضاً المتشتتة غداً عن الأصل » أي هم الّذين يتفرقون عن أئمة الحقّ ولا ينصرونهم « النازلة بالفرع » أي يتعلقون بالأغصان ، والفروع الّتي لا ينفع التعلق بها بدون التشبث بالأصل كما أنهم بعد تفرقهم عن الأئمةعليهم‌السلام تبعوا كلّ من ادعى حقّا ، وإن لم يكن محقّا ، كمختار وأبي مسلم ، وزيد ويحيى ، ومحمّد ، وإبراهيم ، وغيرهم « المؤملة الفتح من غير جهته » أي من غير الجهة الّتي يرجى منها الفتح ، إذ صاروا بعد خروجهم مغلوبين مقتولين ، أو من غير الجهة الّتي أمروا بالاستفتاح منها ، فإنه كان خروجهم بغير إذن الأئمةعليهم‌السلام معصية « كلّ حزب منهم آخذ بغصن ، أين ما مال الغصن مال معه » أي لتفرقهم عن أئمة الحقّ صاروا شعبا شتى كلّ منهم آخذ بغصن من أغصان شجرة الحقّ بزعمهم ، ممّن يدعي الانتساب إلى أهل البيتعليهم‌السلام مع تركهم الأصل « مع أن الله وله الحمد سيجمع هؤلاء » أي هؤلاء الأحزاب المتشتتة « لشر يوم لبني أمية»

١٤٣

قزع الخريف يؤلف الله بينهم ثم يجعلهم ركاما كركام السحاب ثم يفتح لهم أبوابا يسيلون من مستثارهم كسيل الجنتين سيل العرم حيث بعث عليه قارة فلم يثبت

_________________________________________________________

إشارة إلى اجتماعهم على أبي مسلم الخراساني لدفع بني أمية ، وقد ظفروا بذلك ، لكن دفعوا لفاسد بالأفسد وسلطوا أولاد العباس على أئمة الحقّ « كما يجمع قزع الخريف ، يؤلف الله بينهم ثم يجعلهم ركاما كركام السحاب » في نهج البلاغة(١) « كما تجتمع » قال الجزري(٢) في حديث الاستسقاء « وما في السماء قرعة » أي قطعة من الغيم وجمعها قزع ، ومنه حد على « فتجتمعون إليه كما يجتمع قزع الخريف » أي قطع السحاب المتفرقة ، وإنما خص الخريف لأنه أول الشتاء ، والسحاب يكون فيه متفرقاً غير متراكم ولا مطبق ، ثم يجتمع بعضه إلى بعض بعد ذلك ، وقال(٣) : الركام : السحاب المتراكب بعضه فوق بعض.

أقول : نسبة هذا التأليف إليه تعالى مع أنه لم يكن برضاه على سبيل المجاز تشبيها لعدم منعهم عن ذلك وتمكينهم من أسبابه ، وتركهم واختيارهم بتأليفهم ، وحثهم عليه ، ومثل هذا كثير في الآيات والأخبار « ثم يفتح لهم أبوابا يسئلون من مستثارهم ، كسيل الجنتين سيل العرم ، حيث بعث عليه فأرة فلم يثبت عليه أكمة » فتح الأبواب كناية عمّا هيئ لهم من أسبابهم ، وما سنح لهم من تدابيرهم المصيبة ، ومن اجتماعهم وعدم تخاذلهم ، والمستثار موضع ثوراتهم ، أي هيجانهم ووثبهم ونهوضهم ، وشبهعليه‌السلام تسلط هذا الجيش عليهم بسوء أعمالهم بما سلط الله على أهل سبأ بعد إتمام النعمة عليهم ، لكفرانهم وعصيانهم ، كما قال تعالى(٤) : «لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ » لأولاد سبأ بن يسحب بن يعربَّ بن قحطان «فِي مَسْكَنِهِمْ » في موضع سكناهم ، وهو باليمن يقال له مأربَّ «آيَةٌ » علامة دالة على وجود الصانع المختار ، وأنه قادر على ما يشاء «جَنَّتانِ » بدل من آية ، أو خبر محذوف تقديره الآية جنتان «عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ » جماعة عن يمين بلدهم ، وجماعة عن شماله ، كلّ واحدة منهما في تقاربهما وتضايقها كأنه جنة واحدة ، أو بستانا كلّ رجل منهم عن يمين مسكنه وعن شماله

__________________

(١) نهج البلاغة : تحقيق صبحي الصالح ص ٢٤١ الخطبة : ١٦٦.

(٢) النهاية : ج ٤ ص ٥٩. (٣) نفس المصدر : ج ٢ ص ٢٦٠.

(٤) سورة سبأ : ١٥.

١٤٤

_________________________________________________________

«كُلُوا مِنْ رِزْقِ ربّكم وَاشْكُرُوا لَهُ » حكاية لـمّا قال لهم نبيهم أو لسان الحال أو دلالة بأنهم كانوا أحقاء بأن يقال لهم ذلك «بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَربَّ غَفُورٌ » استئناف للدلالة على موجب الشكر «فَأَعْرَضُوا » عن الشكر «فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ »(١) سيل الأمر العرم : أي الصعب من عرم الرجل فهو عارم إذا شرس خلقه وصعب ، أو المطر الشديد أو الجرد أضاف إليه لأنه نقب عليهم سكرا ضربت لهم بلقيس ، كما رواه البغوي(٢) « أن بلقيس لـمّا ملكت سبأ كانوا يقتتلون على ماء واديهم ، وكان يأتيهم السيل من بعيد ، فيؤذيهم سدت بلقيس ما بين الجبلين ، بسد فيه أبواب بعضها فوق بعض ، وجعلت بركة لها اثني عشر مخرجا كعدد أنهارهم الّتي يسقون بها بساتينهم ، وإذا استغنوا سدوها فإذا جاء السيل احتبس وراء السد ، فأخصبت بلادهم وكثرت نعمتهم ، حتّى قيل : إن المرأة كانت تخرج وعلى رأسها المكتل فتعمل بيديها وتسير بين تلك الشجر فيمتلي المكتل ممّا يتساقط فيه من الثمر ، وكان الرجل يمر ببلدهم في ثيابه القمل فتموت القمل كلها من طيب الهواء ».

وقال عليُّ بن إبراهيم : كانت لهم جنات عن يمين ، وشمال مسيرة عشرة أيام ، فمن يمر لا تقع عليه الشمس من التفافها ، فلـمّا عملوا بالمعاصي وعتوا عن أمر ربّهم ونهاهم الصالحون ، فلم ينتهوا بعث الله على ذلك السد الجرذ ، وهي الفأرة الكبيرة فكانت تقلع الصخرة الّتي لا يستقلها الرجل ، وترمي به فلـمّا رأى ذلك قوم منهم هربوا وتركوا البلاد ، فما زال الجرذ تقلع الحجر حتّى خربَّ ذلك السد ، فلم يشعروا حتّى غشيهم السيل ، وخربَّ بلادهم وقلع أشجارهم(٣) وقيل العرم : اسم للمسناة الّتي عقدت سكرا ، على أنه جمع عرمة ، وهي الحجارة المركومة ، وقيل اسم واد جاء السيل من قبله «وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكلّ خَمْطٍ » أي ثمر بشع وقيل : الأراك أو كلّ شجر لا شوك له «وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ » والأثل : هو الطرفاء فعلى ما في الكتاب من قوله : « حيث بعث عليه فأرة » إشارة إلى ما فسر ، وضمير

__________________

(١) سورة سبأ : ١٦. (٢) معالم التنزيل : المطبوع بهامش تفسير ابن كثير ج ٧ ص ١٨ - ١٩. « ط مصر ١٣٤٧ » باختلاف يسير. (٣) تفسير القمّيّ : ج ٢ ص ٢٠١.

١٤٥

_________________________________________________________

« عليه » إما راجع إلى السيل فعلى تعليلية أو إلى العرم ، إذا فسر بالسد وفي بعض النسخ نقب بالنون والقاف والباء الموحدة فقوله فأرة مرفوع بالفاعلية ، وفي نهج البلاغة(١) كسيل الجنتين حيث لم تسلم عليه فأرة ، ولم تثبت له أكمة. والفأرة : الجبل الصغير ، والأكمة هي الموضع الّذي يكون أشدّ ارتفاعا ممّا حوله ، وهو غليظ لا يبلغ أن يكون حجرا ، أو التل من حجارة واحدة أو هي دون الجبال. والحاصل : بيان شدة السيل المشبه به بأنه أحاط بالجبال ، وذهب بالتلال ولم يمنعه شيء « ولم يرد سننه رص طود » السنن : الطريق والرص : التصاق الأجزاء بعضها ببعض ، والطود : الجبل أي لم يرد طريقه طود مرصوص ، أي جبل اشتد التصاق أجزائه بعضها ببعض ، وفي النهج بعد ذلك : ولا حداب أرض هي جمع حدبة ، وهي المكان المرتفع ، ولـمّا بينعليه‌السلام شدة المشبه به أخذ في بيان شدة المشبه فقال : « يذعذعهم الله في بطون أو دية » الذعذعة بالذالين المعجمتين ، والعينين المهملتين : التفريق أي يفرقهم الله في السيل متوجهين إلى البلاد « ثم يسلكهم «يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ » » من ألفاظ القرآن(٢) أي كما أن الله تعالى ينزل الماء من السماء فيستكن في أعماق الأرض ثم يظهره ينابيع إلى ظاهرها كذلك هؤلاء يفرقهم الله في بطون الأودية ، وغوامض الأغوار ثم يظهرهم بعد الاختفاء ، كذا ذكره ابن أبي الحديد(٣) ، والأظهر أنه بيان لاستيلائهم على البلاد وتفرقهم فيها وظهورهم في كلّ البلاد ، وحصول أعوانهم من سائر العباد فكما أن مياه الأنهار ووفورها توجب وفور مياه العيون والآبار ، فكذلك يظهر أثر هؤلاء في كلّ البلاد وتكثر أعوانهم في جميع الأقطار ، وكلّ ذلك ترشيح لـمّا سبق من التشبيه « يأخذ بهم من قوم » أي بني أمية« حقوق قوم » أي أهل البيتعليهم‌السلام للانتقام من أعدائهم ، وإن لم يصل إليهم « ويمكن لقوم » أي لبني العباس « لديار قوم » أي بني أمية وفي بعض النسخ [ ويمكن لهم قوماً ديار قوم ] وفي النهج « ويمكن لقوم في ديار قوم » والمال واحد

__________________

(١) نهج البلاغة : تحقيق صبحي الصالح ص ٢٤١ ( الخطبة ١٦٦ ).

(٢) قال تعالى : «أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ » ( الزمر : ٢١ ).

(٣) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج ٩ ص ٢٨٥.

١٤٦

الْأَرْضِ » يأخذ بهم من قوم حقوق قوم ويمكن بهم قوماً في ديار قوم تشريدا لبني أمية ولكيلاً يغتصبوا ما غصبوا يضعضع الله بهم ركنا وينقض بهم طي الجنادل من إرم ويملأ منهم بطنان الزيتون فو الّذي فلق الحبّة وبرأ النسمة ليكونن ذلك وكأني

_________________________________________________________

في الكلّ » تشريدا لبني أمية.

ولكيلا يغتصبوا ما غصبوا « التشريد : التفريق والطرد » والاغتصاب بمعنى الغصب ، ولعلّ المراد أن الغرض من استيلاء هؤلاء ليس إلّا تفريق بني أمية ودفع ظلمهم « يضعضع الله بهم ركنا » قال الفيروزآبادي : ضعضعه : هدمه حتّى الأرض(١) أي يهدم الله بهم ركنا وثيقا عظيماً هو أساس دولة بني أمية « وينقض بهم طي الجنادل من إرم » الجنادل : جمع جندل وهو ما يقله الرجل من الحجارة ، أي ينقض الله ويكسر بهم البنيان الّتي طويت ، وبنيت بالجنادل والأحجار من بلاد إرم ، وهي دمشق والشام ، إذ كان مستقر ملكهم في أكثر الأزمان تلك البلاد لا سيما زمانهعليه‌السلام .

قال الفيروزآبادي : إرم ذات العماد : دمشق أو الإسكندرية ، أو موضع بفارس(٢) ، وفي بعض النسخ [ على الجنادل ] « ويملأ منهم بطنان الزيتون» قال الجزري(٣) : فيه « ينادي مناد من بطنان العرش » أي من وسطه ، وقيل : من أصله ، وقيل : البطنان جمع بطن : وهو الغامض من الأرض ، يريد من دواخل العرش.

وقال الفيروزآبادي : الزيتون : مسجد دمشق أو جبال الشام ، وبلد بالصين ، والمعنى إن الله يملأ منهم وسط مسجد دمشق أو دواخل جبال الشام ، والغرض من الفقرتين بيان استيلاء هؤلاء القوم على بني أمية في وسط ديارهم والظفر عليهم في محلّ استقرارهم ، وأنه لا ينفعهم بناء ولا حصن في التحرز منهم « فو الّذي فلق الحبة » فأخرج منها أنواع النبات « وبرء النسمة » أي أصناف ذوي الحياة « ليكونن ذلك وكأني أسمع صهيل خيلهم » الصهيل : كأمير صوت الفرس « وطمطمة رجالهم » قال الفيروزآبادي رجل طمطم ، وطمطمي بكسرهما وطمطماني بالضمّ : في لسانه عجمة(٤) ، وقال الجزري في

__________________

(١) القاموس المحيط : ج ٣ ص ٥٦ « ط مصر ».ى (٢) نفس المصدر : ج ٤ ص ٧٤.

(٣) النهاية ج ١ ص ١٣٧. (٤) القاموس المحيط : ج ٤ ص ١٤٥.

١٤٧

أسمع صهيل خيلهم وطمطمة رجالهم وايم الله ليذوبن ما في أيديهم بعد العلو والتمكين في البلاد كما تذوب الألية على النّار من مات منهم مات ضإلّا وإلى الله عزَّ وجل يفضي منهم من درج ويتوب الله عزَّ وجل على من تاب ولعلّ الله يجمع شيعتي بعد التشتت لشر يوم لهؤلاء وليس لأحد على الله عزَّ ذكره الخيرة بل لله الخيرة والأمر جميعاً.

أيّها النّاس إن المنتحلين للإمامة من غير أهلها كثير ولو لم تتخاذلوا عن مر الحق

_________________________________________________________

صفة قريش « ليس فيهم طمطمانية حمير » شبه كلام حمير لـمّا فيه من الألفاظ المنكرة بكلام العجم يقال رجل أعجم طمطمي وقد طمطم في كلأمّه(١) وأشارعليه‌السلام بذلك إلى أن أكثر عسكرهم من العجم ، لأن عسكر أبي مسلم كان من خراسان « وأيم الله ليذوبن ما في أيديهم بعد العلو والتمكين في البلاد كما تذوب الألية على النّار » الظاهر أن هذا أيضاً من تتمة بيان انقراض ملك بنو أمية ، وسرعة زواله ، ويحتمل أن يكون إشارة إلى انقراض هؤلاء الغالبين من بني عباس « من مات منهم مات ضإلّا وإلى الله تعالى يقضي منهم من درج » وفي النسخ يفضي بالفاء ، أي يوصل ، وبالقاف بمعنى القضاء والمحاكمة أو الإنهاء والإيصال كما في قوله تعالى : «وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ »(٢) ودرج الرجل أي مشى ودرج أيضاً بمعنى مات ، ويقال : درج القوم أي انقرضوا ، والظاهر أن المراد به هنا الموت ، أي من مات ضالاً وأمره إلى الله يعذبه كيف يشاء ، ويحتمل المشي أيضاً أي من بقي منهم فعاقبة الفناء ، والله يقضي فيه يعلمه « ويتوب الله عزَّ وجل على من تاب » أي من أعوانهم وأحزابهم « ولعلّ الله يجمع شيعتي بعد التشتت لشر يوم لهؤلاء » إشارة إلى زمان القائمعليه‌السلام « وليس لأحد على الله عزَّ وجل الخيرة بل لله الخيرة والأمر جميعاً » أي ليس لأحد أن يشير بأمر على الله إن هذا خير ينبغي أن تفعله ، بل له أن يختار من الأمور ما يشاء بعلمه ، وله الأمر يأمر بما يشاء في جميع الأشياء « أيّها النّاس إن المنتحلين للإمامة من غير أهلها كثير » أي فلا تصدقوا كلّ مدع ولا تتبعوه ، ولو لم تتخاذلوا عن مر الحقّ، أي

__________________

(١) النهاية : ج ٣ ص ١٣٩. (٢) سورة الحجر : ٦٦.

١٤٨

ولم تهنوا عن توهين الباطل لم يتشجع عليكم من ليس مثلكم ولم يقو من قوي عليكم وعلى هضم الطاعة وإزوائها عن أهلها لكن تهتم كما تاهت بنو إسرائيل على عهد موسى بن عمرانعليه‌السلام ولعمري ليضاعفن عليكم التيه من بعدي أضعاف ما تاهت بنو إسرائيل ولعمري أن لو قد استكملتم من بعدي مّدة سلطان بني أمية لقد اجتمعتم على السلطان الداعي إلى الضلالة وأحييتم الباطل وخلفتم الحقّ وراء ظهوركم وقطعتم الأدنى

_________________________________________________________

الحقّ الّذي هو مر أو خالص الحقّ فإنه مر واتّباعه صعب ، وفي النهج(١) : عن نصر الحقّ « ولم تهنوا عن توهين الباطل » أي لم تضعفوا عن تحقير الباطل وأضعافه ، « لم يتشجع عليكم من ليس مثلكم » وفي النهج(٢) : لم يطمع فيكم « ولم يقومن قوي عليكم ، وعلى هضم الطاعة » أي كسرها « وإزوائها عن أهلها » يقال زوى الشيء عنه : أي صرفه ونحاه ، ولم أظفر بهذا البناء فيما اطلعت عليه من كتب اللغة « لكن تهتم كما تاهت بنو إسرائيل على عهد موسى » أي كما تاهوا في خارج المصر أربعين سنة ، يتيهون ويتحيرون في الأرض ، ليس لهم مخرج بسبب عصيانهم ، وتركهم الجهاد ، فكذا أصحابه تحيروا في أديانهم وأعمالهم لـمّا لم ينصروه ولم يعينوه على عدوه كما روي(٣) عن النبيَّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال : لتركبن سنين من كان قبلكم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة ، حتّى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. وفي النهج(٤) : ولكنكم تهتم متاه بني إسرائيل ولعمري ليضاعفن عليكم التيه من بعدي أضعاف ما تاهت بنو إسرائيل. يحتمل أن يكون المراد بالمشبه به هنا تحير قوم موسى بعده في دينهم ويمكن أن يراد به تحيرهم في الأرض في حياتهعليه‌السلام كالسابق ، وعلى التقديرين المراد بالمضاعفة إما المضاعفة بحسب الشدة ، وكثرة الحيرة ، أو بحسب الزمان ، فإن حيرتهم كانت أربعين سنة والنّاس إلى الآن متحيّرون تائهون في أديانهم وأحكامهم « ولعمري أن لو قد استكملتم مّدة سلطان بني أمية لقد اجتمعتم على سلطان الداعي إلى الضلالة ، أي الداعي إلى بني عباس « وأحييتم الباطل » أي مرة ثانية « وخلفتم الحقّ وراء ظهوركم » أي متابعة أئمة أهل البيتعليهم‌السلام « وقطعتم

__________________

(١ و ٢ و ٤) نهج البلاغة : تحقيق صبحي الصالح ص ٢٤١ « الخطبة : ١٦٦ ».

(٣) مسند أحمد بن حنبل : ج ٤ ص ١٢٥. وبحار الأنوار : ج ٢٨ ص ٨.

١٤٩

من أهل بدر ووصلتم الأبعد من أبناء الحربَّ لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولعمري أن لو قد ذاب ما في أيديهم لدنا التمحيص للجزاء وقربَّ الوعد وانقضت المّدة وبدا لكم النجم ذو الذنب

_________________________________________________________

الأدنى من أهل بدر » أي الأدنين إلى الرَّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نسبا الناصرين له في غزوة بدر وهي أعزَّ غزوات الإسلام ، يعني نفسه وأولاده صلوات الله عليهم « ووصلتم إلّا بعد من أبناء الحربَّ لرسول الله » أي أولاد العباس ، فإنهم كانوا أبعد نسباً عن الرَّسول من أهل البيتعليهم‌السلام ، وكان جدهم العباس ممّن حاربَّ الرَّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله في غزوة بدر ، حتّى أسر.

« ولعمري أن لو قد ذاب ما في أيديهم » أي لو ذهب ملك بني العباس ، لدنى التمحيص للجزاء أي قربَّ قيام القائم والتمحيص الابتلاء والاختبار ، أي يبتلي النّاس ويختبرون بقيامهعليه‌السلام ليجزي الكافرين ، ويعذبهم في الدُّنيا قبل نزول عذاب الآخرة بهم.

ويمكن أن يكون المراد تمحيص جميع الخلق لجزائهم في الآخرة إن خيراً فخيراً ، وإن شراً فشراً ، وقربَّ الوعد أي وعد الفرج ، وانقضت المّدة أي قربَّ انقضاء مّدة دولة أهل الباطل « وبدا لكم النجم ذو الذنب » وهو من علامات ظهور القائمعليه‌السلام ، ويحتمل أن يكون إشارة إلى ذات ذنب ظهرت في سنة تسع وثلاثين وثمانمائة هجرية ، والشمس في أوائل الميزان بقربَّ الإكليل الشمالي كانت تطلع وتغيب معه لا تفارقه ، ثم بعد مّدة ظهر أن لها حركة خاصة بطيئة فيما بين المغربَّ والشمال ، وكان يصغر جرمها ويضعف ضوؤها بالتدريج حتّى انمحت بعد ثمانية أشهر تقريباً ، وقد بعدت عن الإكليل في الجهة المذكورة ، قدر ذراع ، لكن قولهعليه‌السلام : « من قبل المشرق » يأبى عنه إلّا بتكلّف ، وقد ظهر في زماننا في سنة خمس وسبعين وألف ذو ذؤابة فيما بين القبلة والمشرق ، ومكث أشهرا ثم ظهر أول الليل في جانب المشرق وقد ضعف ثم بعد أيام انمحى ، وكانت له حركة على التوالي لا على نظام معلوم ،

١٥٠

من قبل المشرق ولاح لكم القمر المنير فإذا كان ذلك فراجعوا التوبة واعلموا أنكم إن اتبعتم طالع المشرق سلك بكم مناهج الرَّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله فتداويتم من العمى والصمم والبكم وكفيتم مئونة الطلب والتعسف ونبذتم الثقل الفادح عن الأعناق ولا

_________________________________________________________

وتطبيق ما في الخبر عليه يحتاج إلى تكلّف آخر أيضاً « ولاح لكم القمر المنير » لعلّ المراد ظهور قمر آخر أو شيء شبيه بالقمر في السماء ، أو كناية عن القائمعليه‌السلام ويؤيد الأخير ما رواه المفيد « ره » في إرشاده مرسلا عن مسعدة ، وفيه وأشرق لكم قمركم كملاء شهر ، وكليلة تم(١) « فإذا كان ذلك فراجعوا التوبة » أي ارجعوا إلى التوبة أو إلى الله بالتوبة ، واعلموا أنكم إن اتبعتم طالع المشرق ، أي المهديعليه‌السلام إذ مكة شرقية بالنسبة إلى المدينة ، أو لأن اجتماع العساكر عليه وتوجهه إلى فتح البلاد إنما يكون من الكوفة ، وهي شرقية بالنسبة إلى الحرمين ، ولا يبعد أن يكون ذكر المشرق ترشيحا للاستعارة أي القمر الطالع من مشرقه ، ويحتمل على بعد أن يكون إشارة إلى السلطان إسماعيل أنار الله برهانه « سلك بكم مناهج الرَّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفي بعض النسخ [ منهاج ] كما في النهج » فتداويتم من العمى والصمم والبكم « أي ليفيض الله تعالى بهعليه‌السلام وبمتابعته نور الإيمان على جوارحكم ، فترون الحقّ ، وتسمعونه وتقبلونه ، وتنطقون به » وكفيتم به مؤنة الطلب والتعسف « التعسف هنا الظلم ، أي لا تحتاجون في زمانهعليه‌السلام إلى طلب الرزق ، والظلم على النّاس لأخذ أموالهم» ونبذتم الثقل الفادح عن الأعناق « يقال : فدحه الدين ، أي أثقله ، أي طرحتم الديون المثقلّة ، ومظالم العباد ، أو إطاعة أهل الجور وظلمهم عليكم عن أعناقكم ، » ولا يبعد الله « أي في ذلك الزمان أو مطلقاً » إلّا من أبي « عن طاعتهعليه‌السلام أو طاعة الله ،» وظلم « على نفسه ، وعلى النّاس » واعتسف « أي مال عن طريق الحقّ إلى غيره ، » أو ظلم على غيره ، « وأخذ ما ليس له » من الأموال والحقوق والولايات ،

__________________

(١) الإرشاد : ص ١٣٨ ( ط الآخوندي - ١٣٧٧ ه‍ ).

١٥١

يبعد الله إلّا من أبى وظلم واعتسف وأخذ ما ليس له «وَسَيَعْلَمُ الّذين ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ »(١) .

( خطبة لأمير المؤمنينعليه‌السلام )

٢٣ - عليُّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن محبوب ، عن عليُّ بن رئاب ويعقوب السرَّاج ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أن أمير المؤمنينعليه‌السلام لـمّا بويع بعد مقتل عثمان صعد المنبر فقال الحمد لله الّذي علا فاستعلى ودنا فتعالى وارتفع فوق كلّ منظر وأشهد أن لا إله

_________________________________________________________

«وَسَيَعْلَمُ الّذين ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ » عند انقلابهم ورجوعهم بعد الموت إلى الله.

الحديث الثالث والعشرون : حسن.

قولهعليه‌السلام : « علا فاستعلى » الاستعلاء هنا مبالغة في العلو ، أي علا عن رتبة المخلوقين ، فاستعلى عن التشبه بصفاتهم أو كان عاليا بالذَّات والصفات ، فأظهر وبين علوه بالإيجاد أو طلب علوه من العباد ، بأن يخضعوا عنده ويعبدوه ، وعلى الأخيرين يكون الاستفعال للطلب بتقدير أو تجوز.

قولهعليه‌السلام : « ودنى فتعالى » أي دنى من كلّ شيء ، فتعالى أن يكون في مكان إذ لا يمكن للمكاني الدنو من كلّ شيء ، أو دنوة دنو علم وقدرة وإيجاد وتربية وهو عين علوه وشرافته ورفعته ، فليس دنوة دنوا منافياً للعلو بل مؤيد له ، ويحتمل في الفقرتين أن يكون الفاء بمعنى الواو أي علا وكثر علاوة ، ودنى وتعالى أن يكون دنوة كدنو المخلوقين.

قولهعليه‌السلام : « وارتفع فوق كلّ منظر » المنظر : النظر ، والموضع المرتفع ، وكلـمّا نظرت إليه فسرك أو ساءك ، والمراد أنه تعالى ارتفع عن كلّ محلّ يمكن أن ينظر إليه أي ليس بمرئي ولا مكاني ، أو ارتفع عن كلّ نظر ، فلا يمكن لبصر الخلق النظر إليه ، أو ارتفع عن محال النظر والفكر ، فلا يحصل في وهم ولا خيال ولا عقل

__________________

(١) الشعراء : ٢٢٧.

١٥٢

إلّا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمّداً عبده ورسوله خاتم النبيين وحجة الله على العالمين مصدقا للرسل الأولين وكان بالمؤمنين رءوفا رحيما فصلى الله وملائكته عليه وعلى آله.

أما بعد أيّها النّاس فإن البغي يقود أصحابه إلى النّار وإن أول من بغى على الله جل ذكره - عناق بنت آدم وأول قتيل قتله الله عناق وكان مجلسها جريبا [ من الأرض ] في جريب وكان لها عشرون إصبعا في كلّ إصبع ظفران مثل المنجلين فسلط الله عزَّ وجل عليها أسدا كالفيل وذئبا كالبعير ونسرا مثل البغل فقتلوها وقد قتل الله الجبابرة على أفضل أحوالهم وآمن ما كانوا وأمات هامان - وأهلك فرعون وقد قتل عثمان إلّا وإن بليتكم

_________________________________________________________

ويحتمل معنى دقيقا بأن يكون المراد بالارتفاع فوقه الكون عليه ، والتمكن فيه مجازا أي ظهر لك في كلّ ما نظرت إليه بقدرته وصنعه وحكمته.

قولهعليه‌السلام : « خاتم النبيين » بفتح التاء وكسرها أي آخرهم.

قولهعليه‌السلام : « فإن البغي » أي الظلم والفساد والاستطالة.

قولهعليه‌السلام : « وإن أول من بغى » كأنّها كانت مقدمة على قابيل.

قولهعليه‌السلام : « وأول قتيل قتله الله » أي بالعذاب.

قولهعليه‌السلام : « في جريب » لعلّ المراد أنها كانت تملأ مجموع الجريب بعرضها وتحتها ، وفي تفسير عليُّ بن إبراهيم « وكان مجلسها في الأرض موضع جريب » وفيما رواه ابن ميثم بتغيير ما : « كان مجلسها من الأرض جريبا »(١) .

قولهعليه‌السلام : « مثل المنجلين » المنجل : كمنبر ما يحصد به.

قولهعليه‌السلام : « وأمات هامان » أي عمر « وأهلك فرعون » يعني أبا بكر ويحتمل العكس ، ويدلّ على أن المراد هذان الأشقيان.

قوله عليه‌السلام : « وقد قتل عثمان » ويمكن أن يقرأ قتل على بناء المعلوم والمجهول ، والأول أنسب بما تقدم. قولهعليه‌السلام : « إلّا وإن بليتكم » أي ابتلاؤكم وامتحانكم بالفتن.

__________________

(١) شرح نهج البلاغة لابن ميثم : ج ١ ص ٢٩٧.

١٥٣

قد عادت كهيئتها يوم بعث الله نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله والّذي بعثه بالحقّ لتبلبلن بلبلة ولتغربلن غربلة ولتساطن سوطة القدر حتّى يعود أسفلكم أعلاكم وأعلاكم أسفلكم وليسبقن

_________________________________________________________

قولهعليه‌السلام : « لتبلبلن بلبلة » البلبلة(١) : الاختلاط ، وتبلبلت الألسن أي اختلطت وقال ابن ميثم : وكنى بهما عمّا يوقع بهم بنو أمية وغيرهم من أمراء الجور من الهموم المزعجة ، وخلط بعضهم ببعض ورفع أراذلهم وحط أكابرهم عمّا يستحق كلّ من المراتب ، وقال الجزري(٢) : فيه دنت الزلازل والبلابل هي الهموم والأحزان وبلبلة الصدر وسواسه ، ومنه الحديث إنما عذابها في الدُّنيا البلابل والفتن ، يعني هذه الأمة ومنه خطبة عليُّ : لتبلبلن بلبلة ولتغربلن غربلة انتهى والأظهر أن المراد اختلاطهم واختلاف أحوالهم ودرجاتهم في الدين ، بحسب ما يعرض لهم من الفتن.

قولهعليه‌السلام : « ولتغربلن غربلة » والظاهر أنها مأخوذة من الغربال ، الّذي يغربل به الدقيق ، ويجوز أن تكون من قولهم غربلت اللحم أي قطعته ، فعلى الأول الظاهر أن المراد تميز جيدهم من رديئهم ، ومؤمنهم من منافقهم ، وصالحهم من طالحهم بالفتن الّتي تعرَّض لهم ، كما أن في الغربال يتميز اللب من النخالة ، وقيل : المراد خلطهم ، لأن غربلة الدقيق تستلزم خلط بعضه ببعض.

وقال ابن ميثم(٣) : هو كناية عن التقاط آحادهم وقصدهم بالأذى والقتل كما فعل بكثير من الصحابة والتابعين ،. ولا يخفى ما فيه ، وعلى الثاني فلعلّ المراد تفريقهم وقطع بعضهم عن بعض.

قولهعليه‌السلام : « ولتساطن سوطة القدر » قال الجزري(٤) : ساط القدر بالمسوط ، وهو خشية يحرّك بها ما فيها ليختلط ، ومنه حديث عليُّ ( رض ) : « لتساطن سوط القدر ».

قولهعليه‌السلام : « حتّى يعود أسفلكم أعلاكم » أي كفاركم مؤمنين ، وفجاركم

__________________

(١و٣) شرح نهج البلاغة لابن ميثم ج ١ ص ٢٩٦ - ٣٠٠.

(٢) النهاية : ج ١ ص ١٥٠. (٤) النهاية : ج ٢ ص ٤٢١.

١٥٤

سابقون كانوا قصروا وليقصرن سابقون كانوا سبقوا والله ما كتمت وشمة ولا كذبت كذبة ولقد نبئت بهذا المقام وهذا اليوم إلّا وإن الخطايا خيل شمس حمل عليها أهلها وخلعت لجمها فتقحمت بهم في النّار إلّا وإن التقوى مطايا ذلل حمل عليها أهلها وأعطوا

_________________________________________________________

متفقين ، وبالعكس ، أو ذليلكم عزيزا ، وعزيزكم ذليلاً ، موافقا لبعض الاحتمالات السابقة.

قولهعليه‌السلام : « وليسبقن سابقون كانوا قصروا » يعنيعليه‌السلام به قوماً قصروا في أول الأمر في نصرته ، ثم نصروه واتبعوه ، أو قوماً قصروا في نصرة الرَّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأعانوه صلوات الله عليه.

قولهعليه‌السلام : « وليقصرن سابقون كانوا سبقوا » يجري فيه الاحتمالان السابقان والأول فيهما أظهر كطلحة والزبير وأضرابهما ، حيث كانوا عند غصب الخلافة يدعون أنهم من أعوانه صلوات الله عليه وعند البيعة أيضاً ابتدءوا بالبيعة ، وكان مطلوبهم الدُّنيا ، فلـمّا لم يتيسر لهم كانوا أول من خالفه وحاربه.

قولهعليه‌السلام : « والله ما كتمت وشمة » أي كلمة ممّا أخبرني به الرَّسول في هذه الواقعة ، أو ممّا أمرت بأخباره مطلقاً ، ويمكن أن يقرأ على البناء للمجهول أي لم يكتم عني رسول الله شيئاً ، والأول أظهر.

قال الجزري(١) : وفي حديث عليُّ : والله ما كتمت وشمة أي كلمة انتهى وقد سبق هذا الجزء من الخبر في كتاب الحجة ، وفيه « وسمة » بالسين المهملة ، أي ما كتمت علامة تدل على سبيل الحقّ ، ولكن عميتم عنها ولا يخفى لطف ضم الكتم مع الوسمة ، إذ الكتم بالتحريك نبت يخلط بالوسمة يختضب به.

قولهعليه‌السلام : « ولقد نبئت بهذا المقام» أي أنبأني الرَّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بهذه البيعة وبنقض هؤلاء بيعتي.

قولهعليه‌السلام : « خيل شمس » هو بالضمّ جمع شموس ، وهي الدابة تمنع ظهرها ولا تطيع راكبها ، وهو مقابل الذلول فشبهعليه‌السلام الخطايا بخيل صعاب إذا ركبها

__________________

(١) النهاية : ج ٥ ص ١٨٩.

١٥٥

أزمتها فأوردتهم الجنّة وفتحت لهم أبوابها ووجدوا ريحها وطيبها وقيل لهم «ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ »(١) إلّا وقد سبقني إلى هذا الأمر من لم أشركه فيه ومن لم أهبه له ومن ليست له منه نوبة إلّا بنبيَّ يبعث إلّا ولا نبيَّ بعد محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله أشرف منه «عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ

_________________________________________________________

النّاس ، ولا يستطيعون منعها ، عن أن توردهم المهالك ، « والتقوى بمطاياه ذلل » مطيعة منقادة أزمتها بيد ركابها ، يوجهونها حيث ما يريدون.

قولهعليه‌السلام « : وأعطوا أزمتها » على البناء للمفعول أي أعطاهم من أركبهم أزمتها ، ويحتمل أن يقرأ على البناء للفاعل ، أي أعطي الركاب أزمة المطايا إليها فهن لكونهن ذللا لا يخرجن عن طريق الحقّ ، إلى أن يوصلن ، ركابهن إلى الجنّة والتقحّم : الدخول في الشيء مبادرة عن غير تأمل ، قوله تعالى : «بِسَلامٍ » أي سالمين من العذاب أو مسلـمّا عليكم «آمِنِينَ » من الآفة والزوال.

قولهعليه‌السلام : « لم أشركه فيه » أي في الخلافة ولم أهب كله له أو لم أهب جرم هذا الغصب له.

قولهعليه‌السلام : « ومن ليست له توبة إلّا بنبيَّ يبعث » أي لا يعلم قبول توبة من فعل مثل هذا الأمر القبيح وأضل هذه الجماعات الكثيرة ، إلّا بنبيَّ يبعث فيخبره بقبول توبته ، وفي بعض النسخ نوبة أي ليست له نوبة في الخلافة إلّا بنبيَّ يبعث فيخبر عن الله أن له حصة في الخلافة ، وفي أكثر النسخ إلّا نبيَّ بدون الباء ، فالمراد بالتوبة ما يوجب قبولها أي ليس له سبب قبول توبة إلّا بنبيَّ ولعله من تصحيف النساخ.

قولهعليه‌السلام : « أشرف منه » أي بسبب غصبه الخلافة.

قولهعليه‌السلام : « على شفا جرف » قال الجوهري(٢) : شفا كلّ شيء جرفه قال الله تعالى «وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ »(٣) وقال(٤) : والجرف والجرف مثل عسر وعسر : ما تجرفته السيول وأكلته من الأرض ومنه قوله تعالى «عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ »(٥) وقال(٦) : هار الجرف يهور هورا وهؤورا فهو هائر ، ويقال : أيضاً جرف هار خفضوه في موضع

__________________

(١) سورة الحجر : ٤٦. (٢) الصحاح : ج ٦ ص ٢٣٩٣.

(٣) آل عمران : ١٠٣. (٤) الصحاح : ج ٣ ص ١٣٣٦.

(٥) سورة التوبة : ١٠٩. (٦) الصحاح : ج ٢ ص ٨٥٦.

١٥٦

فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ » حق وباطل ولكلّ أهل فلئن أمر الباطل لقديما فعل ولئن قل الحقّ فلربما ولعلّ ولقلـمّا أدبر شيء فأقبل ولئن رد عليكم أمركم أنكم سعداء وما عليُّ إلّا الجهد وإني لأخشى أن تكونوا على فترة ملتم عني ميلة كنتم فيها عندي

_________________________________________________________

الرفع ، وأرادوا هائر ، وقال : هائر وهو مقلوب من الثلاثي إلى الرباعي كما قلبوا شائك السلاح شاكي السلاح ، وهورته فتهور وأنهار أي الهدم.

قولهعليه‌السلام : « حق وباطل » أي في الدُّنيا أو هنا أو بين النّاس حق وباطل.

قولهعليه‌السلام : « فلئن أمر الباطل » أي كثر قال الفيروزآبادي(١) : أمر كفرح أمراً وأمرة : كثر.

قولهعليه‌السلام : « فلقديما فعل » أي فو الله لقد فعل الباطل ذلك في قديم الأيام أي ليس كثرة الباطل ببديع ، حتّى تستغربَّ أو يستدل بها على حقية أهله.

قولهعليه‌السلام : « ولئن قل الحقّ فلربمّا » أي فو الله كثيراً يكون الحقّ كذلك « ولعلّ » أي لا ينبغي أن يؤيس من الحقّ لقلته ، فلعله يعود كثيراً ، بعد قلته وعزيزا بعد ذلته.

قولهعليه‌السلام : « ولقلـمّا أدبر شيء فأقبل » لعلّ المراد أنه إذا أقبل الحقّ وأدبر الباطل فهو لا يرجع ، إذ رجوع الباطل بعد إدباره قليل. أو المراد بيان أن رجوع الحقّ إلينا بعد الأدبار أمر غريب ، يفعله الله بفضله ولطفه وحكمته ، أو المراد بيان أنه لا يرجع عن قريب ، بل إنما يكون في زمان القائمعليه‌السلام .

قولهعليه‌السلام : « ولئن رد إليكم أمركم » أي في هذا الزمان.

قولهعليه‌السلام : « وما عليُّ إلّا الجهد » أي بذل الطاقة ، قال الجوهري(٢) : الجهد والجهد : الطاقة ، وقرئ «وَالّذين لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهُمْ »(٣) و « جهدهم » قال الفراء : الجهد بالضمّ الطاقة ، والجهد بالفتح من قولك أجهد جهدك في هذا الأمر أي أبلغ غايتك ، ولا يقال أجهد جهدك والجهد : المشقة.

قولهعليه‌السلام : « أن تكونوا على فترة » قال في النهاية(٤) : في حديث ابن مسعود

__________________

(١) القاموس المحيط : ج ١ ص ٣٦٥.(٢) الصحاح ج ١ ص ٤٥٧.

(٣) سورة التوبة : ٧٩.(٤) النهاية ج ٣ ص ٤٠٨.

١٥٧

غير محمودي الرأي ولو أشاء لقلت «عَفَا اللهُ عمّا سَلَفَ » سبق فيه الرجلان وقام الثالث كالغراب همه بطنه ويله لو قص جناحاه وقطع رأسه كان خيراً له شغل عن الجنّة والنّار أمأمّه ثلاثة واثنان خمسة ليس لهم سادس ملك يطير بجناحيه ونبيَّ أخذ الله

_________________________________________________________

« إنه مرض فبكى ، فقال : إنما أبكي لأنه أصابني على حال فترة ، ولم يصبني في حال اجتهاد » أي في حال سكون وتقليل من العبادات والمجاهدات ، والفترة في غير هذا ما بين الرسولين من رسل الله تعالى من الزمان ، الّذي انقطعت فيه الرِّسالة انتهى ، فالمعنى أخشى أن تكونوا على فترة وسكون وفتور عن نصرة الحقّ ، وأن تكونوا كأناس كانوا بين النبيين ، لا يظهر فيهم الحقّ ، ويشتبه عليهم الأمور.

قولهعليه‌السلام : « ملتم عني ميلة » أي في أول الأمر بعد الرَّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قولهعليه‌السلام : « ولو أشاء لقلت » أي بينت بطلان الرجلين الّذين اتبعتموهما وكفرهما ، لكن لا يقتضيه مصلحة الحال.

قولهعليه‌السلام : « عَفَا اللهُ عمّا سَلَفَ » أي لمن تاب في هذا الزمان.

قولهعليه‌السلام : « كان خيراً له قص الجناحين » كناية عن منعه ورفع استيلائه وقبض يده عن أموال المسلمين ودمائهم وفروجهم ، « وقطع رأسه » كناية عن قطع ما هو بمنزلة رأسه من الخلافة ، أو المراد قتله ابتداء قبل ارتكاب هذه الأمور.

قوله عليه‌السلام : « شغل » أي بالدُّنيا عن تحصيل الجنّة ، والحال أن النّار كانت أمأمّه ، فكان ينبغي أن لا يشتغل مع هذا بشيء آخر سوى تحصيل الجنّة ، والتخلّص من النار.

قولهعليه‌السلام : « ثلاثة واثنان » الحاصل أن أحوال المخلوقين المكلفين تدور على خمسة ، وإنّما فصل الثلاثة عن الاثنين لأنهم من المقربين المعصومين الناجين من غير شك ، فلم يخلطهم بمن سواهم ، الأوّل : ملك أعطاه الله جناحين يطير بهما في درجات الكمال صورة ومعنى.

والثاني : « نبيَّ أخذ الله بضبعيه » الضبع بسكون الباء : وسط العضد ، وقيل : هو

١٥٨

بضبعيه وساع مجتهد وطالب يرجو ومقصر في النّار اليمين والشمال مضلة والطريق الوسطى هي الجادة عليها يأتي الكتاب وآثار النبوَّة هلك من ادعى و «خابَ مَنِ افْتَرى » إن الله أدب هذه الأمة بالسيف والسوط وليس لأحد عند الإمام فيهما هوادة

_________________________________________________________

ما تحت الإبط ، أي رفعه الله بقدرته وعصمته من بين الخلق واختاره وقربه ، كأنه أخذ بعضده وقربه إليه ، ويحتمل أن يكون كناية عن رفع يده وأخذها عن المعاصي بعصمته ، وأن يكون كناية عن تقويته ، والأول أظهر.

والثالث : ساع مجتهد في الطاعات غاية جهده ، والمراد إما الأوصياءعليهم‌السلام أو أتباعهم الخلص ، فالأوصياء داخلون في الثاني على سبيل التغليب ، أو المراد بالثالث أعم منها.

والرابع : عابد طالب للآخرة بشيء من السعي مع صحة إيمانه ، وبذلك يرجو فضل ربه.

والخامس : مقصر ضال عن الحقّ كافر فهو في النار.

قولهعليه‌السلام : « اليمين والشمال مضلة » أي كلـمّا خرج عن الحقّ فهو ضلال أو المراد باليمين ما يكون بسبب الطاعات والبدع فيها ، وباليسار ما يكون بسبب المعاصي.

قولهعليه‌السلام : « عليها يأتي الكتاب » أي على هذه الجادة أتى كتاب الله وحث على سلوكها ، وفي بعض النسخ [ ما في الكتاب ] وفي نسخ نهج البلاغة(١) « باقي الكتاب » ولعلّ المراد ما بقي من الكتاب في أيدي الناس.

قوله : « هلك » أي من ادعى مرتبة ليس بأهل لها كالإمامة.

قوله : « وليس لأحد عند الإمام فيها هوادة » قال الجزري(٢) : فيه : « لا تأخذه في الله هوادة » أي لا يسكن عند وجوب حدود الله ، ولا يحابي فيها أحداً ، والهوادة : السكون والرخصة والمحاباة انتهى.

__________________

(١) نهج البلاغة : تحقيق صبحي الصالح ص ٥٨ ( الخطبة ١٦ ).

(٢) النهاية : ج ٥ ص ٢٨١.

١٥٩

فاستتروا في بيوتكم «وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ » والتوبة من ورائكم من أبدى صفحته للحق هلك.

( حديث عليُّ بن الحسينعليه‌السلام )

٢٤ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن الحسن بن محبوب ، عن هلال بن عطيّة ، عن أبي حمزة ، عن عليُّ بن الحسينعليه‌السلام قال كان يقول إن أحبكم

_________________________________________________________

قولهعليه‌السلام : « والتوبة من ورائكم » قال ابن ميثم(١) : تنبيه للعصاة على الرجوع إلى التوبة عن الجري في ميدان المعصية ، واقتفاء أثر الشيطان ، وكونها وراء ، لأن الجواذب الإلهية إذا أخذت بقلب العبد فجذبته عن المعصية حتّى أعرض عنها ، والتفت بوجه نفسه إلى ما كان معرضاً عنه من الندم على المعصية ، والتوجه إلى القبلة الحقيقية ، فإنه يصدق عليه أن التوبة وراؤه ، أي وراء عقليا ، وهو أولى من قول من قال من المفسرين إن « ورائكم » بمعنى « أمامكم ».

قولهعليه‌السلام : « من أبدي صفحته للحق هلك » قال في النهاية(٢) : صفحة كلّ شيء : وجهه وناحيته ، أقول : المراد مواجهة الحقّ ومقابلته ومعارضته ، فالمراد بالهلاك الهلاك في الدُّنيا والآخرة. أو المراد إبداء الوجه للخصوم ومعارضتهم لإظهار الحقّ في كلّ مكان وموطن من غير تقية ورعاية مصلحة ، فيكون مذموماً ، والهلاك بالمعنى الّذي سبق ، ويؤيد هذا.

قولهعليه‌السلام : « واستتروا في بيوتكم » أو المراد معارضة أهل الباطل على الوجه المأمور به ، والمراد بالهلاك مقاساة المشاق والمفاسد والمضار من جهال النّاس ، ويؤيده ما في نسخ نهج البلاغة(٣) « هلك عند جهلة النّاس ».

الحديث الرابع والعشرون : حديث عليُّ بن الحسينعليه‌السلام : مجهول. وفي الفقيه مالك بن عطيّة ، وهو الظاهر فيكون صحيحاً.

__________________

(١) شرح نهج البلاغة لابن ميثم : ج ١ ص ٣٠٨ - ٣٠٩.

(٢) النهاية : ج ٣ ص ٣٤.

(٣) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج ١ ص ٢٧٣ ( الخطبة ١٦ ).

١٦٠