مرآة العقول الجزء ٢٥

مرآة العقول10%

مرآة العقول مؤلف:
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 385

المقدمة الجزء ١ المقدمة الجزء ٢ الجزء ٣ الجزء ٤ الجزء ٥ الجزء ٦ الجزء ٧ الجزء ٨ الجزء ٩ الجزء ١٠ الجزء ١١ الجزء ١٢ الجزء ١٣ الجزء ١٤ الجزء ١٥ الجزء ١٦ الجزء ١٧ الجزء ١٨ الجزء ١٩ الجزء ٢٠ الجزء ٢١ الجزء ٢٢ الجزء ٢٣ الجزء ٢٤ الجزء ٢٥ الجزء ٢٦
  • البداية
  • السابق
  • 385 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 4759 / تحميل: 2176
الحجم الحجم الحجم
مرآة العقول

مرآة العقول الجزء ٢٥

مؤلف:
العربية

1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

وأن تعافيني من علتي ثم استو جالسا واجمع البر من حولك وقل مثل ذلك واقسمه مدا مدا لكل مسكين وقل مثل ذلك قال داود ففعلت مثل ذلك فكأنما نشطت من عقال وقد فعله غير واحد فانتفع به.

( حديث الحوت على أي شيء هو )

٥٥ ـ محمد ، عن أحمد ، عن ابن محبوب ، عن جميل بن صالح ، عن أبان بن تغلب ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال سألته عن الأرض على أي شيء هي قال هي على حوت قلت فالحوت على أي شيء هو قال على الماء قلت فالماء على أي شيء هو قال على صخرة قلت فعلى أي شيء الصخرة قال على قرن ثور أملس قلت فعلى أي شيء الثور قال على الثرى قلت فعلى أي شيء الثرى فقال هيهات عند ذلك ضل علم العلماء.

عقبة عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنه قال : « نزلت في القائمعليه‌السلام هو والله المضطر إذا صلى في المقام ركعتين ودعا الله فأجابه ويكشف السوء ، ويجعله خليفة في الأرض » وهذا التفسير أنسب بالدعاء كما لا يخفى ،قوله : « فكأنما نشطت من عقال » قال الجزري(١) :

في حديث السحر « فكأنما أنشط من عقال » أي حل وقد تكرر في الحديث وكثيرا ما يجيء في الرواية « كأنما نشط من عقال » أي حل وقد تكرر في الحديث وكثيرا ما يجيء في الرواية « كأنما نشط من عقال » وليس بصحيح ، يقال : نشطت العقدة إذا عقدتها وأنشطتها إذا حللتها ، أقول : لما كان هذا في كلام الراوي لا نحتاج إلى تصحيحه وتوجيهه.

الحديث الخامس والخمسون : صحيح.

قوله عليه‌السلام : « على ثور أملس » أي صحيح الظهر.

قوله عليه‌السلام : « على الثرى » هي التراب الندى.

قوله عليه‌السلام : « عند ذلك ضل علم العلماء » لعل المراد إنا لم نؤمر ببيانه للخلق.

__________________

(١) النهاية : ج ٥ ص ٥٧.

٢٠١

٥٦ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل بن دراج ، عن زرارة ، عن أحدهماعليهما‌السلام قال إن الله عز وجل خلق الأرض ثم أرسل عليها الماء المالح أربعين صباحا والماء العذب أربعين صباحا حتى إذا التقت واختلطت أخذ بيده قبضة فعركها عركا شديدا جميعا ثم فرقها فرقتين فخرج من كل واحدة منهما عنق مثل عنق الذر فأخذ عنق إلى الجنة وعنق إلى النار.

( حديث الأحلام والحجة على أهل ذلك الزمان )

٥٧ ـ بعض أصحابنا ، عن علي بن العباس ، عن الحسن بن عبد الرحمن ، عن

الحديث السادس والخمسون : حسن.

قوله عليه‌السلام : « أخذ بيده » أي بيد من أمره من الملائكة أو بقدرته.

قوله عليه‌السلام : « جميعا » أي الطينتين معا من غير أن يفرقهما قبل العرك ، والعرك : الدلك.

قوله عليه‌السلام : « ثم فرقها فرقتين » قال الفاضل الأسترآبادي(١) : يعني أمر الله تعالى الحصة التي كانت مبلولة بالماء العذب أن تفارق الحصة التي كانت مبلولة بالماء المالح ، وأن يصير كل واحدة منهما قطعا صغارا في هيئة الذر ، ليكون كل قطعة بدنا لروح مخصوصة من الأرواح التي قالوا يوم الميثاق بلى في جواب قوله تعالى : «أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ » ويكون القطع الحاصلة من الحصة المبلولة بالماء العذب أبدانا لأرواح ثبتت طاعتهم في ذلك اليوم ، والقطع الحاصلة من الحصة المبلولة بالماء المالح أبدانا لأرواح ثبتت معصيتهم في ذلك اليوم ، ويفهم من أحاديثهمعليهم‌السلام أن جعله تعالى الأبدان في هيئة الذر وقع مرتين مرة قبل خلق آدمعليه‌السلام ، ومرة بعد خلقه انتهى.

أقول : أشبعنا الكلام في أمثال تلك الأخبار في كتاب الكفر والإيمان(٢) .

الحديث السابع والخمسون : مجهول.

__________________

(١) آيات الأحكام مخطوط ـ طبع الجزء الأوّل منه بطهران ـ للمولى محمّد بن عليّ بن إبراهيم الأسترآبادي المتوفّى ١٠٢٨ بمكّة المكرّمة. مصنّفاته من مصادر كتاب بحار الأنوار وهو من مشايخ الإجازة للمولى محمّد تقيّ المجلسيّ والد المصنّفقدس‌سرهما لاحظ بحار الأنوار ج ١ ص ٤١ وج ١١٠ ص ٣٦.

(٢) لاحظ : ج ٧ ص ١ ـ ٣١.

٢٠٢

أبي الحسنعليه‌السلام قال إن الأحلام لم تكن فيما مضى في أول الخلق وإنما حدثت فقلت وما العلة في ذلك فقال إن الله عز ذكره بعث رسولا إلى أهل زمانه فدعاهم إلى عبادة الله وطاعته فقالوا إن فعلنا ذلك فما لنا فو الله ما أنت بأكثرنا مالا ولا بأعزنا عشيرة فقال إن أطعتموني أدخلكم الله الجنة وإن عصيتموني أدخلكم الله النار فقالوا وما الجنة والنار فوصف لهم ذلك فقالوا متى نصير إلى ذلك فقال إذا متم فقالوا لقد رأينا أمواتنا صاروا عظاما ورفاتا فازدادوا له تكذيبا وبه استخفافا فأحدث الله عز وجل فيهم الأحلام فأتوه فأخبروه بما رأوا وما أنكروا من ذلك فقال إن الله عز وجل أراد أن يحتج عليكم بهذا هكذا تكون أرواحكم إذا متم وإن بليت أبدانكم تصير الأرواح إلى عقاب حتى تبعث الأبدان.

٥٨ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن سالم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال سمعته يقول رأي المؤمن ورؤياه في آخر الزمان على سبعين جزءا

قولهعليه‌السلام : « ورفاقا » قال الجزري(١) : الرفات : كلما دق وكسر.

قولهعليه‌السلام : « وما أنكروا من ذلك » أي استغرابهم ذلك أو ما أصابوا من المنكر والعذاب في النوم أو ما أنكروا أولا من عذاب البرزخ ، والأول أظهر.

قوله عليه‌السلام : « هكذا تكون أرواحكم » أي كما أن في النوم تتألم أرواحكم بما لم يظهر أثره على أجسادكم ولا يطلع من ينظر إليكم عليه ، فكذلك نعيم البرزخ وعذابه ، وقد تقدم الكلام فيه في كتاب الجنائز(٢) الحديث الثامن والخمسون : حسن.

قوله عليه‌السلام : « رأى المؤمن ورؤياه » لما غيب الله في آخر الزمان عن الناس حجتهم تفضل عليهم وأعطاهم رأيا قويا في استنباط الأحكام الشرعية مما وصل إليهم من أئمتهمعليهم‌السلام ، ولما حجب عنهم الوحي وخزانة أعطاهم الرؤيا الصادقة أزيد مما كان لغيرهم ، ليظهر عليهم بعض الحوادث قبل حدوثها ، وقيل إنما يكون هذا في زمان القائمعليه‌السلام .

قوله عليه‌السلام : « على سبعين جزء » لعل المراد أن للنبوة أجزاء كثيرة سبعون

__________________

(١) النهاية : ج ٢ ص ٢٤١.

(٢) لاحظ : ج ١٤ ص ٢٨١ ـ ٢٢٨.

٢٠٣

من أجزاء النبوة.

٥٩ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن معمر بن خلاد ، عن الرضاعليه‌السلام قال إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان إذا أصبح قال لأصحابه هل من مبشرات يعني به الرؤيا.

٦٠ ـ عنهم ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن فضال ، عن أبي جميلة ، عن جابر ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال قال رجل لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في قول الله عز وجل : «لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ

منها ، من قبل الرأي ، أي الاستنباط اليقيني لا الاجتهاد والتظني ، والرؤيا الصادقة فهذا المعنى الحاصل لأهل آخر الزمان على نحو تلك السبعين ومشابه لها ، وإن كان في النبي أقوى ، ويحتمل أن يكون المراد على نحو بعض أجزاء السبعين كما ورد أن الرؤيا الصادقة جزء من سبعين جزء من النبوة(١) ، وروى العامة(٢) بأسانيدهم عن أنس عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنه قال : الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة ، قال : محيي السنة أراد تحقيق أمر الرؤيا وتأكده ، وإنما كانت جزء من النبوة في حق الأنبياء دون غيرهم ، وقيل : إنما جزء من أجزاء علم النبوة وعلم النبوة باق ، والنبوة غير باقية ، أو أراد به أنها كالنبوة في الحكم بالصحة ، وهو معنى قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ذهبت النبوة وبقيت المبشرات الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو يرى له(٣) .

وقيل : معناه إن مدة الوحي على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان ثلاثا وعشرين سنة وكان ستة أشهر منها في أول الأمر يوحى إليه في النوم ، فكان مدة وحيه في النوم جزء من ستة وأربعين جزء من جملة أيام الوحي ، ورووا أيضا عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « أنه قال : في آخر الزمان لم يكد رؤيا المؤمن يكذب »(٤) .

الحديث التاسع والخمسون : صحيح.

وروى العامة بإسنادهم عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله يقول : لم يبق من النبوة إلا المبشرات ، قالوا : وما المبشرات؟ قال : الرؤيا الصالحة(٥) .

الحديث الستون : ضعيف.

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٦١ ص ٦١ ص ١٦٧ ح ١٩.

(٢ و ٤) سنن أبي داود : ج ٤ ص ٣٠٤ ح ٥٠١٨ ـ ٥٠١٩ وصحيح البخاريّ بشرح الكرمانيّ : ج ٢٤ ص ١٠٠ ح ٦٥٧٠ ـ ٦٥٧١.

(٣ و ٥) صحيح البخاريّ بشرح الكرمانى : ج ٢٤ ص ١٠٠ ح ٦٥٧٢.

٢٠٤

الدُّنْيا »(١) قال هي الرؤيا الحسنة يرى المؤمن فيبشر بها في دنياه.

٦١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن سعد بن أبي خلف ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال الرؤيا على ثلاثة وجوه بشارة من الله للمؤمن وتحذير من الشيطان وأضغاث أحلام.

٦٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن أبيه ، عن النضر بن سويد ، عن درست بن أبي منصور ، عن أبي بصير قال قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام جعلت فداك

قوله عليه‌السلام : « هي الرؤيا الحسنة » وظاهر رواية عقبة بن خالد عن أبي عبد الله « أنها هي البشارة عند الموت(٢) » ولا تنافي بينهما ، فإن كلا منهما بشارة في الدنيا وقيل : البشرى في الحياة الدنيا هي ما بشرهم الله تعالى به في القرآن على الأعمال الصالحة.

وروى محيي السنة(٣) بإسناده عن عبادة بن الصامت « قال : سألت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن قوله تعالى «لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا » قال : هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له ».

الحديث الحادي والستون : حسن.

قوله عليه‌السلام : « وتحذير من الشيطان » أي يحذر ويخوف من الأعمال الصالحة ويحتمل أن يكون المراد الرؤيا الهائلة المخوفة ، ويحتمل أن يكون « تحزين من الشيطان » بالنون ، فصحف لقوله تعالى «إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا »(٤) وروى محيي السنة وبإسناده عن أبي هريرة عن النبي أنه قال الرؤيا ثلاثة رؤيا بشرى من الله ، ورؤيا : مما يحدث به الرجل نفسه ، ورؤيا : من تحزين الشيطان(٥) .

قوله عليه‌السلام : « وأضغاث أحلام » الحلم : ما يراه النائم في نومه ، والضغث فما جمع من أخلاط النبات ، وأضغاث الأحلام : الرؤيا المختلطة التي تركبها المتخيلة ، ولا أصل لها ، وليس من الله ولا من الشيطان.

الحديث الثاني والستون : ضعيف.

__________________

(١) سورة يونس : ٦٤.

(٢) تفسير القمّيّ : ج ١ ص ٣١٤.

(٣) معالم التنزيل : المطبوع بهامش تفسير ابن كثير ج ٤ ص ٣١٥ « ط مصر ١٣٤٦ ».

(٤) سورة المجادلة : ١٠.

(٥) لاحظ بحار الأنوار : ج ٦١ ص ١٩١.

٢٠٥

الرؤيا الصادقة والكاذبة مخرجهما من موضع واحد قال صدقت أما الكاذبة المختلفة فإن الرجل يراها في أول ليلة في سلطان المردة الفسقة وإنما هي شيء يخيل إلى الرجل وهي كاذبة مخالفة لا خير فيها وأما الصادقة إذا رآها بعد الثلثين من الليل مع حلول

قوله عليه‌السلام : « مخرجهما من موضع واحد » لعل المراد ارتسامهما في محل واحد ، وأن علتهما معا الارتسام ، لكن علة الارتسام فيهما مختلفة ، وقيل : يعني إن كليهما صور علمية يخلقهما الله تعالى في قلب عباده بأسباب روحانية ، أو شيطانية أو طبيعية.

قوله عليه‌السلام : « في سلطان المردة والفسقة » أي في أول الليل يستولي على الإنسان شهوات ما رآه في النهار ، وكثرت في ذهنه الصور الخيالية ، واختلطت بعضها ببعض وبسبب كثرة مزاولة الأمور الدنيوية بعد عن ربه ، وغلبت عليه القوي النفسانية والطبيعية ، فبسبب هذه الأمور تبعد عنه ملائكة الرحمن ، وتستولي عليه جنود الشيطان فإذا كان وقت السحر سكنت قواه ونزلت عنه ما اعتراه من الخيالات الشهوانية ، فأقبل عليه مولاه بالفضل والإحسان ، وأرسل عليه ملائكته ليدفعوا عنه أحزاب الشيطان. فلذا أمر الله تعالى في ذلك الوقت بعبادته ومناجاته وقال : «إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً »(١) فما يراه في الحالة الأولى فهو من التسويلات والتخييلات الشيطانية ، ومن الوساوس النفسانية ، وما يراه في الحالة الثانية فهو من الإفاضات الرحمانية بتوسط الملائكة الروحانية.

ثم ذكرعليه‌السلام علة تخلف بعض الرؤيا مع كونها في السحر ، فقال : إنه إما بسبب جنابة أو حدث أو غفلة عن ذكر الله تعالى فإنها توجب البعد عن الله واستيلاء الشيطان.

ولما كان أمر الرؤيا وصدقها وكذبها مما اختلفت فيه أقاويل الناس فلا بأس

__________________

(١) سورة المزّمّل : ٦.

٢٠٦

الملائكة وذلك قبل السحر فهي صادقة لا تخلف إن شاء الله إلا أن يكون جنبا أو ينام

أن نذكر هيهنا بعض أقوال المتكلمين والحكماء ، ثم نبين ما ظهر لنا فيه من أخبار أئمة الأنام. فأما الحكماء : فقد بنوا ذلك على ما أسسوه من انطباع صور الجزئيات في النفوس المنطبعة الفلكية ، وصور الكليات في العقول المجردة ، وقالوا : إن النفس في حالة النوم قد تتصل بتلك المبادئ العالية ، فتحصل لها بعض العلوم الحقة الواقعة ، فهذه هي الرؤيا الصادقة ، وقد يركب المتخيلة بعض الصور المخزونة في الخيال ببعض ، فهذه هي الرؤيا الكاذبة.

وقال بعضهم : إن للنفوس الإنسانية اطلاعا على الغيب في حال المنام ، وليس لأحد من الناس إلا وقد جرب ذلك من نفسه تجارب أوجبته التصديق ، وليس ذلك بسبب الفكر ، وإن الفكر في حال اليقظة التي هو فيها أمكن ، يقصر عن تحصيل مثل ذلك ، فكيف كان في حال النوم ، بل بسبب أن النفوس الإنسانية لها مناسبة الجنسية إلى المبادئ العالية المنتقشة بجميع ما كان وما سيكون وما هو كائن في الحال ولها أن تتصل بها اتصالا روحانيا ، وأن تنتقش بما هو مرتسم فيها لأن اشتغال النفس ببعض أفاعيلها يمنعها عن الاشتغال بغير تلك الأفاعيل ، وليس لنا سبيل إلى إزالة عوائق النفس بالكلية عن الانتقاش بما في المبادئ العالية ، لأن أحد العائقين هو اشتغال النفس بالبدن ، ولا يمكن لنا إزالة هذا العائق بالكلية ما دام البدن صالحا لتدبيرها ، إلا أنه قد يسكن أحد الشاغلين في حالة النوم فإن الروح ينتشر إلى ظاهر البدن بواسطة الشرائين وينصب إلى الحواس الظاهرة حالة الانتشار ويحصل الإدراك بها وهذه الحالة هي اليقظة ، فتشتغل النفس بتلك الإدراكات ، فإذا انحبس الروح إلى الباطن تعطلت هذه الحواس ، وهذه الحالة هي النوم وبتعطلها يخف أحد شواغل النفس عن الاتصال بالمبادئ العالية والانتقاش ببعض ما فيها فيتصل حينئذ بتلك المبادئ اتصالا روحانيا ويرتسم في النفس بعض ما انتقش في تلك المبادئ مما استعدت هي لأن تكون منتقشة به كالمرايا إذا حوذي بعضها ببعض ما يتسع له مما انتقش في البعض

٢٠٧

على غير طهور ولم يذكر الله عز وجل حقيقة ذكره فإنها تختلف وتبطئ على صاحبها

الآخر والقوة المتخيلة جبلت محاكية لما يرد عليها ، فتحاكى تلك المعاني المنتقشة في النفس بصور جزئية ، مناسبة لها ثم تصير تلك الصور الجزئية في الحس المشترك فتصير مشاهدة وهذه هي الرؤيا الصادقة.

ثم إن الصور التي تركبها القوة المتخيلة إن كانت شديدة المناسبة لتلك المعاني المنطبعة في النفس ، حتى لا يكون بين المعاني التي أدركتها النفس وبين الصور التي ركبتها القوة المتخيلة تفاوت إلا في الكلية والجزئية كانت الرؤيا غنية عن التعبير ، وإن لم تكن شديدة المناسبة إلا أنه مع ذلك تكون بينهما مناسبة بوجه ما كانت الرؤيا محتاجة إلى التعبير ، وهو أن يرجع من الصورة التي في الخيال إلى المعنى الذي صورته المتخيلة بتلك الصورة ، وأما إذا لم تكن بين المعنى الذي أدركته النفس وبين الصورة التي ركبتها القوة المتخيلة مناسبة أصلا لكثرة انتقالات المتخيلة من صورة إلى صورة لا تناسب المعنى الذي أدركته النفس أصلا ، فهذه الرؤيا من قبيل أضغاث الأحلام ، ولهذا قالوا : لا اعتماد على رؤيا الشاعر والكاذب ، لأن قوتهما المتخيلة قد تعودت الانتقالات الكاذبة الباطلة انتهى. ولا يخفى أن هذا رجم بالغيب ، وتقول بالظن والريب ولم يستند إلى دليل وبرهان ، ولا إلى مشاهدة وعيان ، ولا إلى وحي إلهي مع ابتنائه على العقول والنفوس الفلكية اللتين نفتهما الشريعة المقدسة.

وقال المازري في شرح قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « الرؤيا من الله ، والحلم من الشيطان » : مذهب أهل السنة في حقيقة الرؤيا أن الله تعالى يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان ، وهو سبحانه تعالى يفعل ما يشاء لا يمنعه النوم واليقظة ، فإذا خلق هذه الاعتقادات فكأنه جعلها علما على أمور آخر يخلقها في ثاني الحال أو كان قد خلقها ، فإذا خلق في قلب النائم الطيران وليس بطائر

٢٠٨

فأكثر ما فيه أنه اعتقد أمرا على خلاف ما هو ، فيكون ذلك الاعتقاد علما على غيره كما يكون خلق الله تعالى الغيم علما على المطر ، والجميع خلق الله تعالى ، ولكن يخلق الرؤيا والاعتقادات التي جعلها علما على ما يسر بغير حضرة الشيطان وخلق ما هو علم على ما يضر بحضرة الشيطان فنسب إلى الشيطان مجازا لحضوره عندها ، وإن كان لا فعل له حقيقة.

وقال محيي السنة : ليس كلما يراه الإنسان صحيحا ويجوز تعبيره ، بل الصحيح ما كان من الله يأتيك به ملك الرؤيا من نسخة أم الكتاب ، وما سوى ذلك أضغاث أحلام لا تأويل لها ، وهي على أنواع : قد تكون من فعل الشيطان ، يلعب بالإنسان أو يريه ما يحزنه ، وله مكائد يحزن بها بني آدم كما قال تعالى : «إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا »(١) ومن لعب الشيطان به الاحتلام الذي يوجب الغسل ، فلا يكون له تأويل ، وقد يكون من حديث النفس كما يكون في أمر أو حرفة يرى نفسه في ذلك الأمر ، والعاشق يرى معشوقه ونحوه ، وقد تكون من مزاج الطبيعة كمن غلب عليه الدم يرى الفصد والحجامة والحمرة والرعاف والرياحين والمزامير والنشاط ونحوه ، ومن غلب عليه الصفراء يرى النار والشمع والسراج والأشياء الصفر ، والطيران في الهواء ونحوه ، ومن غلب عليه السوداء يرى الظلمة والسواد والأشياء السود وصيد الوحش ، والأهوال والأموات والقبور والمواضع الخربة ، وكونه في مضيق لا منفذ له ، أو تحت ثقل ونحوه ، ومن غلب عليه البلغم يرى البياض والمياه والأنداء(٢) والثلج والوحل ، فلا تأويل لشيء منها.

وقال السيد المرتضى « ره » في كتاب الغرر والدرر(٣) في جواب سائل سأله ما القول في المنامات أصحيحة هي أم باطلة؟ ومن فعل من هي؟ وما وجه صحتها في الأكثر؟ وما وجه الإنزال عند رؤية المباشرة في المنام ، وإن كان فيها صحيح وباطل

__________________

(١) سورة المجادلة : ١٠.

(٢) الأنداء جمع الندى : البَلَل والمطر.

(٣) أمالي المرتضى « غرر الفوائد ودرر القلائد » ج ٢ ص ٣٩٢.

٢٠٩

فما السبيل إلى تمييز أحدهما من الآخر؟

الجواب : أعلم أن النائم غير كامل العقل ، لأن النوم ضرب من السهو ، والسهو ينفى العلوم ، ولهذا يعتقد النائم الاعتقادات الباطلة ، لنقصان عقله وفقد علومه ، وجميع المنامات إنما هي اعتقادات يبتدئ بها النائم في نفسه ، ولا يجوز أن تكون من فعل غيره فيه ، لأن من عداه من المحدثين سواء كانوا بشرا أو ملائكة أو جنى أجسام ، والجسم لا يقدر أن يفعل في غيره اعتقادا ابتداء ، بل ولا شيئا من الأجناس على هذا الوجه ، وإنما يفعل ذلك في نفسه على سبيل الابتداء ، وإنما قلنا أنه لا يفعل في غيره جنس الاعتقادات متولدا ، لأن الذي يعدي الفعل من محل القدرة إلى غيرها من الأسباب إنما هو الاعتمادات ، وليس في جنس الاعتمادات ما يولد الاعتقادات ، ولهذا لو اعتمد أحدنا على قلب غيره الدهر الطويل ما تولد فيه شيء من الاعتقادات وقد بين ذلك وشرح في مواضع كثيرة ، والقديم تعالى هو القادر أن يفعل في قلوبنا ابتداء من غير سبب أجناس الاعتقادات ، ولا يجوز أن يفعل في قلب النائم اعتقادا لأن أكثر اعتقادات النائم جهل ويتأول الشيء على خلاف ما هو به ، لأنه يعتقد أنه يرى ويمشي وأنه راكب وعلى صفات كثيرة ، وكل ذلك على خلاف ما هو به ، وهو تعالى لا يفعل الجهل ، فلم يبق إلا أن الاعتقادات كلها من جهة النائم.

وقد ذكر في المقالات : أن المعروف ـ بصالح قبة كان يذهب إلى أن ما يراه النائم في منامه على الحقيقة ، وهذا جهل منه(١) ، يضاهي جهل السوفسطائية ، لأن النائم يرى أن رأسه مقطوع ، وأنه قد مات وأنه قد صعد إلى السماء ونحن نعلم ضرورة خلاف ذلك كله ، وإذا جاز عند صالح هذا أن يعتقد اليقظان في السراب أنه ماء. وفي المردي(٢) إذا كان في الماء أنه مكسور ، وهو على الحقيقة صحيح ، لضرب من الشبهة واللبس ، فإلا جاز ذلك في النائم ، وهو من الكمال أبعد ، ومن النقص أقرب.

__________________

(١) في المصدر : وهذا جهل منه أيضا ، هو جهل السوفسطائية.

(٢) المُرديّ : بضمّ الميم ، خشبة يدفع بها الملاّح السفينة « المجداف ».

٢١٠

وينبغي أن يقسم ما يتخيل النائم أنه يراه إلى أقسام ثلاثة منها : ما يكون من غير سبب يقتضيه ، ولا داع يدعو إليه اعتقادا مبتدأ ومنها : ما يكون من وسواس الشيطان يفعل في داخل سمعه كلاما خفيا يتضمن أشياء مخصوصة فيعتقد النائم إذا سمع ذلك الكلام أنه يراه ، فقد نجد كثيرا من النيام يسمعون حديث من يتحدث بالقرب منهم ، فيعتقدون أنهم يرون ذلك الحديث في منامهم ، ومنها : ما يكون سببه والداعي إليه خاطرا يفعله الله تعالى أو يأمر بعض الملائكة بفعله ، ومعنى هذا الخاطر أن يكون كلاما يفعل في داخل السمع فيعتقد النائم أيضا أنه ما يتضمن ذلك الكلام والمنامات الداعية إلى الخير والصلاح في الدين ، يجب أن تكون إلى هذا الوجه مصروفة ، كما أن ما يقتضي الشر منها الأولى أن تكون إلى وسواس الشيطان مصروفة ، وقد يجوز على هذا فيما يراه النائم في منامه ثم يصح ذلك حتى يراه في يقظته على حد ما يراه في منامه ، وفي كل منام يصح تأويله أن يكون سبب صحته أن الله تعالى يفعل كلاما في سمعه لضرب من المصلحة بأن شيئا يكون أو قد كان على بعض الصفات ، فيعتقد النائم أن الذي يسمعه هو يراه ، فإذا صح تأويله على ما يراه. فما ذكرناه إن لم يكن مما يجوز أن تتفق فيه الصحة اتفاقا فإن في المنامات ما يجوز أن يصح بالاتفاق ، وما يضيق فيه مجال نسبته إلى الاتفاق ، فهذا الذي ذكرناه يمكن أن يكون وجها فيه.

فإن قيل : أليس قد قال أبو علي الجبائي في بعض كلامه في المنامات : إن الطبائع لا يجوز أن تكون مؤثرة فيها ، لأن الطبائع لا يجوز على المذاهب الصحيحة أن تؤثر في شيء ، وأنه غير ممتنع مع ذلك أن يكون بعض المأكل يكثر عندها المنامات بالعادة ، كما أن فيها ما يكثر عنده بالعادة تخييل الإنسان ـ وهو مستيقظ ـ ما لا أصل له. قلنا : قد قال ذلك أبو علي وهو خطأ ، لأن تأثيرات المأكل بمجرى العادة على المذاهب الصحيحة إذا لم تكن مضافة إلى الطبائع ، فهو من فعل

٢١١

الله تعالى ، فكيف نضيف التخيل الباطل والاعتقادات الفاسدة إلى فعل الله تعالى ، فأما المستيقظ الذي استشهد به فالكلام فيه والكلام في النائم واحد ، ولا يجوز أن نضيف التخيل الباطل إلى فعل الله تعالى في نائم ولا يقظان ، فأما ما يتخيل من الفاسد وهو غير نائم فلا بد من أن يكون ناقص العقل في الحال ، وفاقد التميز بسهو وما يجري مجراه فيبتدئ اعتقادا لا أصل له ، كما قلناه في النائم.

فإن قيل : فما قولكم في منامات الأنبياء وما السبب في صحتها حتى عد ما يرونه في المنام ، مضاهيا لما يسمعونه من الوحي ، قلنا : الأخبار الواردة بهذا الجنس غير مقطوع على صحتها ولا هي مما توجب العلم ، وقد يمكن أن يكون الله تعالى أعلم النبي بوحي يسمعه من الملك على الوجه الموجب للعلم ، إني سأريك في منامك في وقت كذا ما يجب أن تعمل عليه فيقطع على صحته من هذا الوجه ، لا بمجرد رؤيته له في المنام ، وعلى هذا الوجه يحمل منام إبراهيمعليه‌السلام في ذبح ابنه ، ولو لا ما أشرنا إليه كيف كان يقطع إبراهيمعليه‌السلام بأنه متعبد بذبح ولده.

فإن قيل : فما تأويل ما يروى عنهعليه‌السلام من قوله : « من رآني فقد رآني فإن الشيطان لا يتخيل بي » وقد علمنا أن المحق والمبطل والمؤمن والكافر قد يرون النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في النوم ، ويخبر كل واحد منهم عنه بضد ما يخبر به الآخر ، فكيف يكون رائيا له في الحقيقة ، مع هذا.

قلنا : هذا خبر واحد ضعيف من أضعف أخبار الآحاد ، ولا معمول على مثل ذلك ، على أنه يمكن مع تسليم صحته أن يكون المراد به : من رآني في اليقظة فقد رآني على الحقيقة ، لأن الشيطان لا يتمثل بي لليقظان ، فقد قيل : إن الشيطان ربما تمثلت بصورة البشر ، وهذا التشبيه أشبه بظاهر ألفاظ الخبر ، لأنه قال : « من رآني فقد رآني » فأثبت غيره رائيا له ونفسه مرئية ، وفي النوم لا رأيي له في الحقيقة ولا مرئي : وإنما ذلك في اليقظة ، ولو حملناه على النوم لكان تقدير الكلام

٢١٢

من اعتقد أنه يراني في منامه ، وإن كان غير راء له على الحقيقة فهو في الحكم كأنه قد رآني ، وهذا عدول عن ظاهر لفظ الخبر ، وتبديل لصيغته ، وهذا الذي رتبناه في المنامات وقسمناه أسد تحقيقا من كل شيء قيل في أسباب المنامات.

وما سطر في ذلك معروف غير محصل ولا محقق ، فأما ما يهذي به الفلاسفة في هذا الباب فهو مما يضحك الثكلى ، لأنهم ينسبون ما صح من المنامات لما أعيتهم الحيل في ذكر سببه إلى أن النفس اطلعت إلى عالمها فأشرفت على ما يكون ، وهذا الذي يذهبون إليه في حقيقة النفس غير مفهوم ، ولا مضبوط ، فكيف إذا أضيف إليه الاطلاع على عالمها ، وما هذا الاطلاع وإلى أي شيء يشيرون بعالم النفس ، ولم يجب أن تعرف الكائنات عند هذا الاطلاع ، فكل هذا زخرفة ومخرقة وتهاويل ، لا يتحصل منها شيء ، وقول صالح قبة ـ مع أنه تجاهل محض أقرب إلى أن يكون مفهوما من قول الفلاسفة انتهى كلامه قدس الله روحه.

ولنكتف بذكر هذه الأقوال ولا نشتغل إلى نقدها وتفصيلها ، ولا إلى ردها وتحصيلها ، لأن ذلك مما يؤدي إلى التطويل الخارج عن المقصود في الكتاب.

ولنذكر ما ظهر لنا في هذا الباب من الأخبار المنتهية إلى الأئمة الأخيارعليهم‌السلام ، فهو أن الرؤيا تستند إلى أمور شتى فمنها : أن للروح في حالة النوم حركة إلى السماء إما بنفسها بناء على تجسمها كما هو الظاهر من الأخبار ، أو بتعلقها بجسد مثالي إن قلنا به في حال الحياة أيضا بأن يكون للروح جسدان أصلي ومثالي يشتد تعلقها في حال اليقظة بهذا الجسد الأصلي ، ويضعف تعلقها بالآخر ، وينعكس الأمر في حال النوم أو بتوجهها وإقبالها إلى عالم الأرواح بعد ضعف نعلقها بالجسد بنفسها من غير جسد مثالي.

وعلى تقدير التجسم أيضا يحتمل ذلك كما يومئ إليه بعض الأخبار بأن يكون حركتها كناية عن إعراضها عن هذا الجسد وإقبالها إلى عالم آخر ، وتوجهها إلى

٢١٣

نشأة أخرى.

وبعد حركتها بأي معنى كانت ترى أشياء في الملكوت الأعلى وتطالع بعض الألواح التي أثبتت فيها التقديرات ، فإن كان لها صفاء ولعينها ضياء يرى الأشياء كما أثبتت فلا يحتاج رؤياه إلى تعبير ، وإن استدلت على عين قلبه أغطية أرماد التعلقات الجسمانية والشهوات النفسانية فيرى الأشياء بصور شبيهة لها ، كما أن ضعيف البصر ومؤف العين يرى الأشياء على غير ما هي عليه.

والعارف بعلته يعرف أن هذه الصورة المشبهة التي اشتبهت عليه صورة لأي شيء فهذا شأن المعبر العارف بداء كل شخص وعلته ، ويمكن أيضا أن يظهر الله علة الأشياء في تلك الحالة بصور يناسبها لمصالح كثيرة ، كما أن الإنسان قد يرى المال في نومه بصورة حية ، وقد يرى الدراهم بصورة عذرة ليعرف أنهما يضران ، وهما مستقذران واقعا ، فينبغي أن يتحرز عنهما ويتجنبهما ، وقد ترى في الهواء أشياء فهي الرؤيا الكاذبة التي لا حقيقة لها.

ويحتمل أن يكون المراد بما يراه في الهواء ما أنس به من الأمور المألوفة والشهوات ، والخيالات الباطلة.

ويدل على هذين النوعين ما رواه الصدوق في أماليه(١) عن أبيه عن سعد عن أحمد وعبد الله ابني محمد بن عيسى ومحمد بن الحسين عن الحسن بن محبوب عن محمد بن القاسم النوفلي قال : « قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام المؤمن قد يرى الرؤيا فتكون كما رآها ، وربما رأى الرؤيا فلا يكون شيئا؟ فقال : إن المؤمن إذا نام خرجت من روحه حركة ممدودة صاعدة إلى السماء ، فكلما رآه روح المؤمن في ملكوت السماء في موضع التقدير والتدبير فهو الحق ، وكلما رآه في الأرض فهو أضغاث أحلام فقلت له : وتصعد روح المؤمن إلى السماء قال : نعم قلت : حتى لا يبقى منها شيء في بدنه. فقال : لا لو خرجت كلها حتى لا تبقى منها شيء إذا لمات ، فقلت : فكيف تخرج؟

__________________

(١) أمالي الصدوق : ص ١٢٨ « المجلس ٢٩ ».

٢١٤

فقال : أما ترى الشمس في السماء في موضعها وضوءها وشعاعها في الأرض فكذلك الروح أصلها في البدن ، وحركتها ممدودة » وروي(١) أيضا عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن يعقوب بن يزيد عن بعض أصحابه عن زكريا بن يحيى عن معاوية بن عمار عن أبي جعفرعليه‌السلام « قال : إن العباد إذا ناموا خرجت أرواحهم إلى السماء ، فما رأت الروح في السماء فهو الحق ، فما رأت في الهواء فهو الأضغاث ألا وإن الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف ، فإذا كانت الروح في السماء تعارفت وتباغضت ، فإذا تعارفت في السماء تعارفت في الأرض ، وإذا تباغضت في السماء تباغضت في الأرض ».

وروي(٢) أيضا عن أبيه عن سعد عن محمد بن الحسين عن عيسى بن عبد الله عن أبي عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده عن عليعليه‌السلام « قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الرجل ينام فيرى الرؤيا فربما كانت حقا ، وربما كانت باطلا؟ فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا علي ما من عبد ينام إلا عرج بروحه إلى رب العالمين ، فما رأى عند رب العالمين فهو حق ، ثم إذا أمر الله العزيز الجبار برد روحه إلى جسده فصارت الروح بين السماء والأرض فما رأته فهو أضغاث أحلام ».

ومنها : ما هو بسبب إفاضة الله تعالى عليه في منامه ، إما بتوسط الملائكة أو بدونه كما يومئ إليه خبر أبي بصير(٣) وخبر سعد بن أبي خلف(٤) .

ومنها : ما هو بسبب وساوس الشياطين واستيلائهم عليه بسبب المعاصي التي عملها في اليقظة ، أو الطاعات التي تركها أو الكثافات والنجاسات الظاهرية والباطنية التي لوث نفسه.

كما رواه الصدوق في أماليه(٥) عن أبيه بإسناده عن علي بن الحكم عن أبان ابن عثمان عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن محسن بن أحمد عن أبان بن عثمان عن أبي بصير عن أبي جعفر قال : سمعته يقول : إن لإبليس شيطانا يقال له هزع ،

__________________

(١ و ٢ و ٥) أمالي الصدوق : ص ١٢٩ « المجلس ٢٩ ».

(٣ و ٤) لاحظ : ص ٢٠٥ ح ٦١ و ٦٢.

٢١٥

( حديث الرياح )

٦٣ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسن بن محبوب ، عن علي بن رئاب وهشام بن سالم ، عن أبي بصير قال سألت أبا جعفرعليه‌السلام عن الرياح الأربع الشمال والجنوب والصبا والدبور وقلت إن الناس يذكرون أن الشمال من الجنة والجنوب من النار فقال إن لله عز وجل جنودا من رياح يعذب بها من يشاء ممن عصاه ولكل ريح منها ملك موكل بها فإذا أراد الله عز وجل أن يعذب قوما بنوع من العذاب أوحى إلى الملك الموكل بذلك النوع من الريح التي يريد أن يعذبهم بها

يملأ المشرق والمغرب في كل ليلة يأتي الناس في المنام.

وروى البرقي في كتاب المحاسن(١) عن أبيه عن صفوان عن داود عن أخيه عن عبد الله « قال : بعثني إنسان إلى أبي عبد الله زعم أنه يفزع في منامه من امرأة تأتيه قال : فصحت حتى سمع الجيران ، فقال أبو عبد الله : اذهب فقل : إنك لا تؤدي الزكاة قال : بلى والله إني لأؤديها ، فقال : قل له إن كنت تؤديها لا تؤديها إلى أهلها ».

ويدل عليه أيضا خبر أبي بصير(٢) وخبر سعد(٣) بن أبي خلف.

ومنها : ما هو بسبب ما بقي في ذهنه من الخيالات الواهية والأمور الباطلة ويومئ إليه خبر سعد(٤) وغيره ، وتفصيل الكلام في ذلك يقتضي مقاما آخر وقد أوردنا الكلام فيه مفصلا في كتاب بحار الأنوار(٥) .

الحديث الثالث والستون : صحيح.

قوله : « الشمال » قال الفيروزآبادي(٦) : الشمال بالفتح ويكسر : الريح التي تهب من قبل الحجر أو ما استقبلك عن يمينك ، وأنت مستقبل ، والصحيح أنه ما مهبه بين مطلع الشمس وبنات نعش أو من مطلع النعش إلى مسقط النسر الطائر ، ويكون اسما وصفة ، وقال :الجنوب : ريح تخالف الشمال مهبه من مطلع

__________________

(١) المحاسن : ص ٨٧.

(٢) لاحظ ، ص ٢٠٥ ح ٦١ و ٦٢.

(٣) لاحظ ، ص ٢٠٥ ح ٦١ و ٦٢.

(٤) لاحظ : ص ٢١٥.

(٥) بحار الأنوار : ج ٦١ ص ١٩٥ ـ ٢٣٣.

(٦) القاموس المحيط : ج ٣ ص ٤٠٢ « ط مصر ».

٢١٦

قال فيأمرها الملك فيهيج كما يهيج الأسد المغضب قال ولكل ريح منهن اسم أما تسمع قوله تعالى : «كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ »(١) وقال «الرِّيحَ الْعَقِيمَ »(٢) وقال «رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ »(٣) وقال «فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ »(٤) وما ذكر من الرياح التي يعذب الله بها

سهيل إلى مطلع الثريا ، وقال :الصبا ريح مهبها من مطلع الثريا إلى بنات نعش ، وقال :الدبور : ريح تقابل الصبا.

وقال الشهيد « ره » في الذكرى : الجنوب : محلها ما بين مطلع سهيل إلى مطلع الشمس في الاعتداليين ، والصبا : محلها ما بين مطلع الشمس إلى الجدي ، والشمال :

محلها من الجدي إلى مغرب الشمس في الاعتدال ، والدبور : محلها من مغرب الشمس إلى سهيل(٥) ،قوله تعالى : « وَنُذُرِ » أي إنذار أتى لهم بالعذاب قبل نزولها أو لمن بعدهم في تعذيبهم «إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً » أي باردا أو شديد الهبوب «فِي يَوْمِ نَحْسٍ » أي شؤم «مُسْتَمِرٍّ » استمر شؤمه ، أو استمر عليهم حتى أهلكتهم ، أو على جميعهم كبيرهم وصغيرهم ، فلم يبق منهم أحدا ، أو اشتد مرارته ، أو استمرت نحوسته بعدهم ، وفسر في بعض الأخبار(٦) بيوم الأربعاء ، وفي بعضها بأربعاء لا يدور(٧) .

قوله عليه‌السلام : « وقال : الريح العقيم » إشارة إلى قوله تعالى : «وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ » وإنما سماها عقيما ، لأنها أهلكتهم وقطعت دابرهم ، أو لأنها لا تتضمن منفعة ، وهي الدبور أو الجنوب أو النكباء ، كما قيل :قوله تعالى : « فَأَصابَها إِعْصارٌ » قال الجوهري(٨) : الأعصار : ريح تهب تثير الغبار إلى السماء كأنه عمود ، قال تعالى : «فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ » ويقال : هي ريح تثير سحابا ذات رعد وبرق.

__________________

(١) القمر : ١٨ و ١٩.

(٢) الذاريات : ٤١.

(٣) سورة الأحقاف : ٢٤.

(٤) سورة البقرة : ٢٢٦.

(٥) الذكرى : ص ١٦٢ « الطبعة الحجريّة ».

(٦) الوسائل : ج ٨ ص ٢٥٧ ح ٣ و ٤ ب ٥ من أبواب آداب السفر إلى الحجّ.

(٧) أي آخر أربعاء في الشهر. لاحظ نفس المصدر : ح ٢.

(٨) الصحاح : ج ٢ ص ٧٥٠.

٢١٧

من عصاه قال ولله عز ذكره رياح رحمة لواقح وغير ذلك ينشرها بين يدي رحمته منها ما يهيج السحاب للمطر ومنها رياح تحبس السحاب بين السماء والأرض ورياح تعصر السحاب فتمطره بإذن الله ومنها رياح مما عدد الله في الكتاب فأما الرياح الأربع الشمال والجنوب والصبا والدبور فإنما هي أسماء الملائكة الموكلين بها فإذا أراد الله أن يهب شمالا أمر الملك الذي اسمه الشمال فيهبط على البيت الحرام فقام على الركن الشامي فضرب بجناحه فتفرقت ريح الشمال حيث يريد الله من البر والبحر وإذا أراد الله أن يبعث جنوبا أمر الملك الذي اسمه الجنوب فهبط على البيت الحرام فقام على الركن الشامي فضرب بجناحه فتفرقت ريح الجنوب في البر والبحر حيث يريد الله وإذا أراد الله أن يبعث ريح الصبا أمر الملك الذي اسمه الصبا فهبط على البيت الحرام فقام على الركن الشامي فضرب بجناحه فتفرقت ريح الصبا حيث يريد الله جل وعز في البر والبحر وإذا أراد الله أن يبعث دبورا أمر الملك الذي اسمه الدبور فهبط على البيت الحرام فقام على الركن الشامي فضرب بجناحه فتفرقت ريح الدبور حيث يريد الله من البر والبحر ثم قال أبو جعفرعليه‌السلام أما تسمع لقوله ريح الشمال

قوله عليه‌السلام : « لواقح » إشارة إلى قوله تعالى : «وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ »(١) قال البيضاوي : أي حوامل ، شبه الريح التي جاءت بخير من إنشاء سحاب ماطر بالحامل كما شبه ما لا يكون كذلك بالعقيم أو ملقحات للشجر أو السحاب ، ونظيره الطوائح بمعنى المطيحات في قوله : ومختبط مما تطيح الطوائح ،(٢) قوله : « بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ » أي المطر.

قوله عليه‌السلام : « فتفرقت ريح الشمال » لا يتوهم أنه يلزم من ذلك أن يكون مهب جميع الرياح جهة القبلة ، لأنه لعظمة الملك وجناحه يمكن أن يحرك رأس جناحه بأي موضع أراد ويرسلها بأي جهة أمر بالإرسال إليها ، وإنما أمر بالقيام على الكعبة لشرافتها وكونها محل رحماته تعالى ومصدرها.

قوله عليه‌السلام : « أما تسمع لقوله » أي لقول القائل ، وكأنهعليه‌السلام استدل بهذه العبارة الشائعة على ما ذكره من أنها أسماء الملائكة ، إذ الظاهر من الإضافة كونها

__________________

(١) الحجر : ٢٢.

(٢) أنوار التنزيل : ج ١ ص ٥٤٠.

٢١٨

وريح الجنوب وريح الدبور وريح الصبا إنما تضاف إلى الملائكة الموكلين بها.

٦٤ ـ عنه ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن محبوب ، عن عبد الله بن سنان ، عن معروف بن خربوذ ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال إن لله عز وجل رياح رحمة ورياح عذاب فإن شاء الله أن يجعل العذاب من الرياح رحمة فعل قال ولن يجعل الرحمة من الريح عذابا قال وذلك أنه لم يرحم قوما قط أطاعوه وكانت طاعتهم إياه وبالا عليهم إلا من بعد تحولهم عن طاعته قال كذلك فعل بقوم يونس لما آمنوارحمهم‌الله بعد ما كان قدر عليهم العذاب وقضاه ثم تداركهم برحمته فجعل العذاب المقدر عليهم رحمة فصرفه عنهم وقد أنزله عليهم وغشيهم وذلك لما آمنوا ـ به وتضرعوا إليه قال وأما الريح العقيم

لامية ، والبيانية نادرة ، وإن كان القائلون لا يعرفون هذا المعنى ، لكنهم سمعوا ممن تقدمهم ، وهكذا إلى أن ينتهي إلى من أطلق ذلك على وجه المعرفة.

الحديث الرابع والستون : صحيح.

قوله عليه‌السلام : « إلا من بعد تحولهم » لعل المراد أن الله تعالى لما أمر بإرسال رياح غضب ثم تحولوا إلى طاعته ، يحول عذابه عليهم رحمة ، كما فعل بقوم يونس ، وإذا قدر وقضاء وأمر بهبوب رياح رحمة ، ثم تحولوا عن طاعته إلى معصيته ، فإنه لا يرجع في هبته ، ولا يقلب تلك الرياح عليهم عذابا ، إلا أن يأمر بإنشاء أمر آخر بعد تحولهم وإرسال ريح أخرى بعد طغيانهم.

وأما قصة قوم يونس فروى علي بن إبراهيم(١) في تفسيره عن أبيه عن ابن أبي عمير عن جميل قال : قال لي أبو عبد اللهعليه‌السلام : « ما رد الله العذاب إلا عن قوم يونس ، وكان يونس يدعوهم إلى الإسلام فأبوا ذلك ، فهم أن يدعو عليهم ، وكان فيهم رجلان عابد وعالم ، وكان اسم أحدهما مليخا والآخر اسمه روبيل فكان العابد يشير على يونس بالدعاء عليهم ، وكان العالم ينهاه ، ويقول : لا تدع عليهم ، فإن الله يستجيب لك ولا يحب هلاك عباده ، فقبل قول العابد ، ولم يقبل من العالم فدعا عليهم فأوحى الله إليه يأتيهم العذاب في سنة كذا وكذا في شهر كذا وكذا في يوم كذا وكذا ، فلما

__________________

(١) تفسير القمّيّ : ج ١ ص ٣١٧ ـ ٣١٨.

٢١٩

فإنها ريح عذاب لا تلقح شيئا من الأرحام ولا شيئا من النبات وهي ريح تخرج من تحت الأرضين السبع وما خرجت منها ريح قط إلا على قوم عاد حين غضب الله عليهم فأمر الخزان أن يخرجوا منها على مقدار سعة الخاتم قال فعتت على الخزان فخرج منها على مقدار منخر الثور تغيظا منها على قوم عاد قال فضج الخزان إلى الله عز وجل من ذلك فقالوا ربنا إنها قد عتت عن أمرنا إنا نخاف أن تهلك من لم يعصك من خلقك وعمار بلادك قال فبعث الله عز وجل إليها جبرئيلعليه‌السلام فاستقبلها بجناحيه فردها إلى موضعها وقال لها اخرجي على ما أمرت به قال فخرجت على ما أمرت به وأهلكت قوم عاد ومن كان بحضرتهم.

قرب الوقت خرج يونس من بينهم مع العابد ، وبقي العالم فيها ، فلما كان في ذلك اليوم نزل العذاب فقال العالم لهم : يا قوم افزعوا إلى الله فلعله يرحمكم ويرد العذاب عنكم ، فقالوا : كيف نصنع قال : أخرجوا إلى المفازة وفرقوا بين النساء والأولاد وبين الإبل وأولادها وبين البقر وأولادها ، وبين الغنم وأولادها ، ثم ابكوا وادعوا فذهبوا وفعلوا ذلك وضجوا وبكوا فرحمهم الله وصرف عنهم العذاب ، وفرق العذاب على الجبال ، وقد كان نزل وقرب منهم ، فأقبل يونس لينظر كيف أهلكهم الله ، فرأى الزارعين يزرعون في أرضهم ، قال لهم : ما فعل قوم يونس؟ فقالوا له ولم يعرفوه : إن يونس دعا عليهم ، فاستجاب الله له ونزل العذاب عليهم ، فاجتمعوا وبكوا فدعوا فرحمهم الله وصرف ذلك عنهم ، وفرق العذاب على الجبال. فهم إذا يطلبون يونس ليؤمنوا به ، فغضب يونسعليه‌السلام ، ومر على وجهه مغاضبا به كما حكى الله ، حتى انتهى إلى ساحل البحر فإذا سفينة قد شحنت وأرادوا أن يدفعوها فسألهم يونس أن يحملوه ، فحملوه ، فلما توسطوا البحر بعث الله حوتا عظيما فجنس عليهم السفينة ، فنظر إليه يونس ففزع ، فصار إلى مؤخر السفينة فدار إليه الحوت وفتح فاه فجزع أهل السفينة فقالوا : فينا عاص فتساهموا فخرج سهم يونس ، وهو قول الله عز وجل «فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ »(١) فأخرجوه والقوة في البحر فالتقمه الحوت

__________________

(١) الصافّات : ١٤١.

٢٢٠

٦٥ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من ظهرت عليه النعمة فليكثر ذكر الحمد لله ومن كثرت همومه فعليه بالاستغفار ومن ألح عليه الفقر فليكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ينفي عنه الفقر وقال فقد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله رجلا من الأنصار فقال ما غيبك عنا فقال الفقر يا رسول الله وطول السقم فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ألا أعلمك كلاما إذا قلته ذهب عنك الفقر والسقم فقال بلى يا رسول الله فقال إذا أصبحت وأمسيت فقل : لا حول ولا قوة إلا بالله [ العلي العظيم ] توكلت «عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ » و «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً » فقال الرجل فو الله ما قلته إلا ثلاثة أيام حتى ذهب عني الفقر والسقم.

٦٦ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن إسماعيل بن عبد الخالق قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول لأبي جعفر الأحول وأنا أسمع أتيت

ومر به في الماء » وقد أوردنا القصة بتمامها بروايات مختلفة في كتاب بحار الأنوار(١) .

الحديث الخامس والستون : ضعيف على المشهور.

قوله تعالى : « وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِ » أي ولي يواليه من أجل مذلة ليدفعها بموالاتهقوله تعالى : « وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً » في الآية معطوفا على القول ، والمخاطب به النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويشكل نظمه هيهنا مع الجمل السابقة فيحتمل أن يكون معطوفا على الجمل السابقة ، بأن يكون خبر مبتدإ محذوف بتأويل مقول في حقه ، أو يكون خطابا عاما لكل من يستحق الخطاب ، لبيان أنه يستحق من كل أحد أن يصفه بالكبرياء ، ويمكن أن يقرأ على صيغة الماضي أي كبره كل شيء تكبيرا ، ولا يبعد أن يكون في الأصل وأكبره تكبيرا على صيغة المتكلم ، فصحفه النساخ ليكون موافقا للقرآن.

الحديث السادس الستون : صحيح.

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ١٤ ص ٣٨٠ ـ ٤٠٦.

٢٢١

البصرة فقال نعم قال كيف رأيت مسارعة الناس إلى هذا الأمر ودخولهم فيه قال والله إنهم لقليل ولقد فعلوا وإن ذلك لقليل فقال عليك بالأحداث فإنهم أسرع إلى كل خير ، ثم قال ما يقول أهل البصرة في هذه الآية : «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى »(١) قلت جعلت فداك إنهم يقولون إنها لأقارب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال كذبوا إنما نزلت فينا خاصة في أهل البيت في علي وفاطمة والحسن والحسين أصحاب الكساءعليهم‌السلام .

( حديث أهل الشام )

٦٧ ـ عنه ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسين بن سعيد ، عن محمد بن داود ، عن محمد بن عطية قال جاء رجل إلى أبي جعفرعليه‌السلام من أهل الشام من علمائهم فقال يا أبا جعفر جئت أسألك عن مسألة قد أعيت علي أن أجد أحدا يفسرها وقد سألت عنها ثلاثة أصناف من الناس فقال كل صنف منهم شيئا غير الذي قال الصنف الآخر فقال له أبو جعفرعليه‌السلام ما ذاك قال فإني أسألك عن أول ما خلق الله من خلقه فإن بعض من سألته قال القدر وقال بعضهم القلم

قوله عليه‌السلام : « في أهل البيت » أقول : قد وردت الأخبار المستفيضة في نزول هذه الآية فيهمعليه‌السلام ، وقد روتها العامة أيضا في كتبهم بأسانيد وقد مرت(٢) في شرح كتاب الحجة ، وقال البيضاوي(٣) ، روي أنها لما نزلت قيل : يا رسول الله من قرابتك من هؤلاء قال : علي وفاطمة وابناهما.

الحديث السابع والستون : مجهول.

قوله عليه‌السلام : « عن أول ما خلق الله من خلقه » اعلم أن الأخبار اختلفت في تعيين أول المخلوقات فأكثر الأخبار يدل على أنه الماء كهذا الخبر ، والخبر الذي بعده ، لكن لا يدل الخبر الآتي على تقدمه على العرش ، ونقل عن ناليس الملطي الإسكندراني وهو من مشاهير الحكماء القدماء ، أنه قال بعد أن وحد الصانع ونزهة : لكنه أبدع العنصر الذي فيه صور الموجودات والمعلومات كلها ، وهو المبدع الأول ، وهو

__________________

(١) الشورى : ٢٣.

(٢) لاحظ : ج ٣ ص ٢٧٩ ـ ٢٨١.

(٣) أنوار التنزيل : ج ٢ ص ٣٥٧. وفي المصدر « من قرابتك هؤلاء الذين وجبت مودّتهم علينا؟ ».

٢٢٢

وقال بعضهم الروح فقال أبو جعفرعليه‌السلام ما قالوا شيئا ، أخبرك أن الله تبارك وتعالى كان ولا شيء غيره وكان عزيزا ولا أحد كان قبل عزه وذلك قوله «سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ »(١) وكان الخالق قبل المخلوق ولو كان أول ما خلق من خلقه الشيء من الشيء إذا لم يكن له انقطاع أبدا ولم يزل الله إذا ومعه شيء ليس هو يتقدمه ولكنه كان إذ لا شيء غيره وخلق الشيء الذي جميع الأشياء منه وهو الماء الذي خلق الأشياء منه فجعل نسب كل شيء إلى الماء ولم يجعل للماء نسبا يضاف إليه وخلق الريح من الماء

الماء ، ومنه أنواع الجواهر كلها من السماء والأرض وما بينهما ، وذكر أن من جمود الماء تكونت الأرض ، ومن انحلاله تكون الهواء ، ومن صفوته تكونت النار ومن الدخان والأبخرة تكونت السماء ، وقيل : جوهر تكون منه الماء كما نقل أنه جاء في السفر الأول من التوراة أن مبدأ الخلق جوهر خلقه الله تعالى ، ثم نظر إليه نظر الهيبة فذابت أجزاؤه فصارت ماء فثار من الماء بخار كالدخان ، فخلق منه السماوات ، وظهر على وجه الماء مثل زبد البحر ، فخلق منه الأرض ، ثم أرساها بالجبال.

وذكر علي بن إبراهيم في تفسيره(٢) قوله تعالى : «وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ »(٣) قال : وذلك في مبدء الخلق إن الرب تعالى خلق الهواء ، ثم خلق القلم ، فأمره أن يجري فقال : يا رب بما أجري فقال : بما هو كائن ثم خلق الظلمة من الهواء ، وخلق النور من الهواء ، وخلق الماء من الهواء ، وخلق العرش من الهواء ، وخلق العقيم من الهواء وهو الريح الشديد ، وخلق النار من الهواء ، وخلق الخلق كلهم من هذه الستة التي خلقت من الهواء. والظاهر أنه أخذه من خبر ، لكن لا يعارض الأخبار المسندة ، وعلى تقدير صحته يمكن الجمع بحمل أولية الماء على التقدم الإضافي بالنسبة إلى الأجسام المشاهدة المحسوسة التي يدركها جميع الخلق ، فإن الهواء ليس منها ، ولذلك أنكر طائفة وجوده.

__________________

(١) سورة الصافّات : ١٨٠.

(٢) تفسير القمّيّ : ج ١ ص ٣٢١ ـ ٣٢٢.

(٣) سورة هود : ٧.

٢٢٣

ثم سلط الريح على الماء فشققت الريح متن الماء حتى ثار من الماء زبد على قدر ما شاء أن يثور فخلق من ذلك الزبد أرضا بيضاء نقية ليس فيها صدع ولا ثقب ولا صعود ولا هبوط ولا شجرة ثم طواها فوضعها فوق الماء ثم خلق الله النار من الماء فشققت النار متن الماء حتى ثار من الماء دخان على قدر ما شاء الله أن يثور فخلق من ذلك الدخان سماء صافية نقية ليس فيها صدع ولا ثقب وذلك قوله : «السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها »(١) قال ولا شمس ولا قمر ولا نجوم ولا سحاب ثم طواها

ويدل على تقدم خلق الماء على الهواء وعلى المخلوقات طرا سوى العرش ، والملائكة ما رواه الصدوق(٢) بإسناده عن أبي الصلت الهروي « قال : سأل المأمون أبا الحسن الرضاعليه‌السلام عن قول الله عز وجل : «وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً »(٣) فقال : إن الله تبارك وتعالى خلق العرش والماء والملائكة قبل خلق السماوات والأرض ، وكانت الملائكة تستدل بأنفسها ، وبالعرش والماء على الله عز وجل ثم جعل عرشه على الماء ، ليظهر بذلك قدرته للملائكة ، فتعلم أنه على كل شيء قدير ، ثم رفع العرش بقدرته ونقله فجعله فوق السماوات السبع ، ثم خلق السماوات والأرض في ستة أيام ، وهو مستولي على عرشه ، وكان قادرا على أن يخلقها في طرفة عين ، ولكنه عز وجل خلقها في ستة أيام ليظهر للملائكة ما يخلقه منها شيئا بعد شيء ، فتستدل بحدوث ما يحدث على الله تعالى ذكره ». وروى الصدوق(٤) في كتاب عيون أخبار الرضاعليه‌السلام بإسناده عن الحسين بن علي قال : كان علي بن أبي طالبعليه‌السلام بالكوفة في الجامع إذ قام إليه رجل من أهل الشام فقال يا أمير المؤمنين : إني أسألك عن أشياء فقال : أخبرني عن أول ما خلق الله؟ فقال : النور ، وروي في بعض الأخبار(٥) عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال : أول ما خلق الله نوري ، وفي بعضها : أول ما خلق الله روحي ، وروى الكليني وغيره بأسانيدهم عن أبي عبد الله أنه قال : إن الله خلق العقل ، وهو أول خلق من

__________________

(١) سورة النازعات : ٢٧ ـ ٢٩. (٢) التوحيد للصدوق « ره » : ص ٢٣٦.

(٣) سورة هود : ٧.

(٤) عيون أخبار الرضا : ج ١ ص ٢٤١.

(٥) بحار الأنوار : ج ٥٧ ص ١٩٨ ح ١٤٥ و ١٧٥ ح ١٣٣. والحديث مرويّ عن عليّعليه‌السلام .

٢٢٤

الروحانيين عن يمين العرش من نوره(١) ، فالخبر الأخير لا يدل على تقدم العقل على جميع الموجودات ، بل على خلق الروحانيين ، ويمكن أن يكون خلقها متأخرا عن خلق الماء والهواء ، وأما الخبران الآخران فيمكن حملهما على الأولية الإضافية والجمع بينهما ظاهر ، لجواز اتحادهما ويمكن حمل أخبار الماء على الأولية الإضافية أيضا بأن يكون خلق الروحانيين مقدما على خلق الماء ، والأول أظهر ويؤيده ما سننقله من خبر الأبرش وقد فصلنا الكلام في هذا المراد في كتاب بحار الأنوار في كتاب العقل وكتاب السماء والعالم(٢) .قوله : « فإن بعض من سألته قال القدر » لعل هذا القائل زعم أن تقديره تعالى جوهر ، ويحتمل أن يكون مراده بالقدر اللوح المثبت فيه تقديرات الأمور ، وفي توحيد الصدوق(٣) « القدرة » وهو مبني على قول من قال بزيادة صفاته تعالى وأنها مخلوقة له.

قوله : وقال بعضهم : « القلم » أقول : وقد ورد ذلك في بعض أخبارنا أيضا رواه علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « أول ما خلق الله القلم ، فقال له اكتب فكتب ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة » ولعل المراد الأولية بالإضافة إلى جنسه من الملائكة ، أو بعض المخلوقات وغيرهم ، ويؤيده ما رواه علي بن إبراهيم(٤) أيضا عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عبد الرحيم القصير عن أبي عبد اللهعليه‌السلام : قال : سألته عن ن والقلم؟ قال : إن الله خلق القلم من شجرة في الجنة يقال لها الخلد ، ثم قال : لنهر في الجنة كن مدادا فجمد النهر وكان أشد بياضا من الثلج وأحلى من الشهد ، ثم قال للقلم : اكتب ، قال : يا رب وما اكتب؟ قال : اكتب ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة ، فكتب القلم في ورق أشد بياضا من الفضة وأصفى من الياقوت ، ثم طواه فجعله في ركن العرش ، ثم ختم على فم القلم ، فلم ينطق بعد ولا ينطق أبدا فهو الكتاب المكنون الذي منه النسخ كلها أو لستم عربا ، فكيف لا تعرفون معنى الكلام ، وأحدكم يقول لصاحبه

__________________

(١) أصول الكافي : ج ١ ص ٢١ ح ١٤.

(٢) بحار الأنوار : ج ١ ص ٩٦ ـ ١٠٥.

(٣) نفس المصدر : ج ٥٧ ص ٧٣ ـ ٧٤ ب ١ ج ٤٩ وص ٣٥٧ ـ ٣٧٦ أحادث.

(٤) تفسير القمي : ج ٢ ص ٣٧٩.

٢٢٥

انسخ ذلك الكتاب أو ليس ينسخ من كتاب آخر من الأصل وهو قوله «إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ »(١) .

وروى الصدوق في كتبه(٢) مثل هذا الخبر بأسانيد أخر ، وروى العياشي أيضا بإسناد آخر مثله ، فظهر أن أوليته وإضافيته لتقدم الجنة وغيرها عليه ، وفي التوحيد(٣) « وقال بعضهم العلم » وهو أيضا مبني على ما مر.

قوله عليه‌السلام : « ولا أحد كان قبل عزه » أي لم تكن قبل عزه أحد يكون عزه به واستدل عليهبقوله : « رب العزة » إذ هو يدل على أنه تعالى سبب كل عزة ، فلو كان عزه بغيره كان ذلك الغير رب العزة ، وفي التوحيد « وكان عزيزا ولا عز » لأنه كان قبل عزه وذلك.

قولهعليه‌السلام :(٤) إلخ ولعل المراد أنه كان غالبا وعزيزا قبل أن يظهر عزه وغلبته على الأشياء بخلقها ، ولذا قال : « رب العزة » إذ فعلية العزة وظهورها مسبب عنه ،قوله : « ولو كان أول ما خلق من خلقه الشيء من الشيء » أي لو كان كما تقوله الحكماء كل حادث مسبوق بمادة ، فلا يتحقق شيء يكون أول الأشياء من الحوادث فيلزم وجود قديم سوى الله تعالى ، وهو محال ، وفي التوحيد « وكان خالقا ولا مخلوق »(٥) فأول شيء خلقه من خلقه الشيء الذي جميع الأشياء منه ، وهو الماء ، فقال السائل فالشيء خلقه من شيء أو من لا شيء ، فقال : خلق الشيء لا من شيء كان قبله ولو خلق الشيء من شيء إذا لم يكن له انقطاع ، ولعل هذه الزوائد سقطت من نساخ الكتاب ، ولا يخفى صراحة هذا الخبر في حدوث العالم بالمعنى الذي اتفق عليه المليون ، لا بالحدوث الذاتي الذي تأوله الملحدون.

قوله : « فجعل نسب كل شيء إلى الماء » بأن خلق جميعها منه لآيات قال : «وَجَعَلْنا

__________________

(١) الجاثية : ٢٩.

(٢ و ٣ و ٥) التوحيد : ص ٣٢.

(٤) هكذا في النسخ وفي المصدر : وذلك قوله : «سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ».

٢٢٦

مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍ »(١) لأنه ظاهرا مختص بذوي الحياة ، ولا يشمل كل شيء.

قوله عليه‌السلام : « فخلق من ذلك الزبد أرضا بيضاء » يدل على أن الأرض مخلوق من زبد البحر ، وقد دلت عليه أخبار كثيرة(٢) ، منها ما رواه الصدوق في خبر الشامي « أنه سأل أمير المؤمنين مم خلقت الأرض؟ قال : من زبد الماء »(٣) وروى علي بن إبراهيم(٤) في تفسيره أنه قال أبو عبد اللهعليه‌السلام لأبرش الكلبي : « يا أبرش هو كما وصف نفسه كان عرشه على الماء ، والماء على الهواء ، والهواء لا يحد ، ولم يكن يومئذ خلق غيرهما ، والماء يومئذ عذب فرات ، فلما أراد أن يخلق الأرض أمر الرياح فضربت الماء حتى صار موجا ثم أزبد فصار زبدا واحدا فجمعه في موضع البيت ، ثم جعله جبلا من زبد ، ثم دحى الأرض من تحته ، فقال الله تبارك وتعالى : «أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً »(٥) وفي تفسير علي بن إبراهيم فسلط العقيم على الماء فضربته فأكثرت الموج والزبد ، وجعل يثور دخانه في الهواء ، فلما بلغ الوقت الذي أراد : قال للزبد : اجمد فجمد ، وقال للموج : اجمد فجمد ، فجعل الزبد أرضا وجعل الموج جبالا رواسي للأرض(٦) .قوله عليه‌السلام : « حتى ثار من الماء دخان » يدل على أن السماوات خلقت من الدخان كما هو ظاهر قوله تعالى : «ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ »(٧) ويدل عليه خبر الأبرش(٨) حيث قال له أبو عبد اللهعليه‌السلام : ثم مكث الرب تبارك وتعالى ما شاء ، فلما أراد أن يخلق السماء أمر الرياح فضربت البحور حتى أزبدتها فخرج من ذلك الموج والزبد من وسطه دخان ساطع من غير نار فخلق منه السماء ، وجعل فيها البروج والنجوم ومنازل الشمس والقمر ، فأجراهما في الفلك وكانت السماء خضراء

__________________

(١) سورة الأنبياء : ٣٠.

(٢) بحار الأنوار : ج ٧٥ ص ٨٦ ـ ٨٧ ح ٧١ ـ ٧٣.

(٣) عيون أخبار الرضا : ج ١ ص ٢٤١.

(٤ و ٨) تفسير القمّيّ : ج ٢ ص ٦٩.

(٥) آل عمران : ٦٩.

(٦) تفسير القمّيّ : ج ١ ص ٣٢٢.

(٧) فصّلت : ١١.

٢٢٧

فوضعها فوق الأرض ثم نسب الخليقتين فرفع السماء قبل الأرض فذلك قوله عز ذكره

على لون الماء الأخضر ، وكانت الأرض غبراء على لون الماء العذب وكانتا مرتوقتين ليس لهما أبواب ، ولم تكن للأرض أبواب وهو النبت ولم تقطر السماء عليها فتنبت ففتق السماء بالمطر ، والأرض بالنبات وذلك قوله عز وجل «أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما ».

فقال الأبرش : والله ما حدثني بمثل هذا الحديث أحد قط أعد علي فأعاد عليه وكان الأبرش ملحدا فقال : وأنا أشهد أنك ابن نبي الله ثلاث مرات(١) ، ولعل مرادهعليه‌السلام بقوله : « من غير نار » كون ارتفاع الدخان بعد خمود النار أو المراد أنه لم يرتفع مع الدخان أجزاء نارية ،قوله تعالى : «السَّماءُ بَناها »(٢) .

قال البيضاوي : ثم بين البناء فقال : «رَفَعَ سَمْكَها » أي جعل مقدار ارتفاعها من الأرض أو ثخنها الذاهب في العلو رفيعا «فَسَوَّاها » فعدلها أو فجعلها مستوية أو فتممها بما يتم به كمالها من الكواكب والتداوير وغيرها ، من قولهم سوى فلان أمره إذا أصلحه «وَأَغْطَشَ لَيْلَها » أظلمه منقول من غطش الليل إذا أظلم ، وإنما أضافه إليها لأنه يحدث بحركتها «وَأَخْرَجَ ضُحاها » وأبرز ضوء شمسها كقوله تعالى «وَالشَّمْسِ وَضُحاها » يريد النهار «وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها » بسطها ومهدها.

للسكنى(٣) .

قوله عليه‌السلام : « ولا شمس ولا قمر » أي لم يكن لها في أول خلقها شمس ولا قمر ولا نجوم ، ولذا «رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها » فكان حصول هذه الأمور لها بعد خلقها ، وكانت في بدو خلقها قبل رفعها ووضعها وترتيبها خالية عن جميع ذلك.

قوله عليه‌السلام : « ثم نسب الخليقتين » أي رتبهما في الوضع ، وجعل إحداهما

__________________

(١) بحار الأنوار : ح ٥٧ ص ٧٢ ح ٤٧.

(٢) سورة النازعات : ٢٧.

(٣) أنوار التنزيل : ج ٢ ص ٥٣٨. « ط مصر ».

٢٢٨

«وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها » يقول بسطها فقال له الشامي يا أبا جعفر قول الله تعالى :

فوق الأخرى ، أو بين نسبة خلقهما في كتابه بقوله «وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها » فبين أن دحو الأرض بعد رفع السماء ، ولنذكر هنا وجه الجمع بين الآيات التي وردت في تقدم خلق الأرض على السماء وتأخره ، إذ زعم بعض الملاحدة أن فيها تناقضا.

فأما الآيات الواردة في ذلك فالأولى منها قوله تعالى : «قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ ، ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ »(١) والثانية قوله تعال ى «هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ »(٢) فهاتان الآيتان تدلان على أن خلق الأرض قبل السماء ، والثالثة قوله تعالى : «أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها وَالْجِبالَ أَرْساها »(٣) وظاهرها تأخر خلق الأرض عن السماء.

وأجيب عن هذا الإشكال بوجهين : أحدهما : إن خلق الأرض قبل السماء ، إلا أن دحوها متأخر عن خلق السماء واستشكل بوجهين :

الأول : إن الأرض جسم عظيم فامتنع انفكاك خلقها عن التدحية ، فإذا كانت التدحية متأخرة عن خلق السماء كان خلقها لا محالة أيضا متأخرا عن خلق السماء.

والثاني : إن الآية الثانية تدل على أن خلق الأرض وخلق كل ما فيها مقدم خلق السماء ، وخلق الأشياء في الأرض لا يكون إلا بعد ما كانت مدحوة.

__________________

(١) سورة فصّلت : ١ ـ ٩.

(٢) سورة البقرة : ٢٩.

(٣) سورة النازعات : ٢٧ ـ ٢٩.

٢٢٩

وأجيب عن الأول : بأنا لا نسلم امتناع انفكاك خلق الأرض عن دحوها والمناقشة في إطلاق خلق الأرض على إيجادها غير مدحوة ، مناقشة لفظية وعن الثاني بأن قوله تعالى : «وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها » يقتضي تقدم خلق السماء على دحو الأرض ، ولا يقتضي تقدم تسوية السماء على دحو الأرض فجاز أن تكون تسوية السماء متأخرة عن دحو الأرض ، فيكون خلق الأرض قبل خلق السماء ، وخلق السماء قبل دحو الأرض ، ودحو الأرض قبل تسوية السماء فارتفع التنافي.

ويرد عليه : أن الآية الثالثة تقتضي تقدم تسوية السماء على دحو الأرض ، والثانية تقتضي تقدم خلق الأرض بما فيها عن تسويتها سبع سماوات وخلق ما في الأرض قبل دحوها مستبعد.

ويمكن أن يجاب : بأن المراد بالخلق في الثانية التقدير ، وهو شائع في العرف واللغة أو بأن المراد بخلق ما في الأرض خلق موادها كما أن خلق الأرض قبل دحوها عبارة عن مثل ذلك ، فتكون تسوية السماء متقدمة على دحو الأرض كما هو ظاهر الآية الثالثة ، وهذا الخبر ، أو بأن يفرق بين تسويتها المذكورة في الثالثة وبين تسويتها سبع سماوات كما في الثانية ، وحينئذ فتسويتها مطلقا متقدمة على دحو الأرض وتسويتها سبعا متأخرة عنه ، ولعل هذا أوفق في الجمع.

أو بأن يقال : الفاء في قوله تعالى : «فَسَوَّاها » بمعنى ثم ، والمشار إليه بذلك في قوله تعالى : «وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها » هو بناء السماء وخلقها ، لا مجموع ما ذكر قبله ، أو بأن يقال : كلمة ثم في الثانية للترتيب الذكري ، وتقديم خلق ما في الأرض في معرض الامتنان لمزيد الاختصاص ، فيكون خلق ما في الأرض بعد دحوها كما هو الظاهر ، وتسوية السماء متقدمة عليه وعلى دحو الأرض كما هو ظاهر الآية الثالثة ، لكن هذا لا يخلو عن نوع منافرة لظاهر الآية الأولى ، وقد أوردنا بعض التوجيهات لها في شرح الحديث السابع عشر بعد المائة.

٢٣٠

«أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما »(١) فقال له أبو جعفرعليه‌السلام فلعلك تزعم أنهما كانتا رتقا ملتزقتين ملتصقتين ففتقت إحداهما من الأخرى فقال نعم فقال أبو جعفرعليه‌السلام استغفر ربك فإن قول الله جل وعز «كانَتا رَتْقاً » يقول كانت السماء رتقا لا تنزل المطر وكانت الأرض رتقا لا تنبت الحب فلما خلق الله تبارك

وقال البيضاوي : كلمة ثم في آيتي البقرة والسجدة أي الأولى والثانية لتفاوت ما بين الخلقين ، وفضل خلق السماء على خلق الأرض كقوله تعالى : «ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا » لا للتراخي في المدة ، فإنه يخالف ظاهر قوله تعالى : «وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها » فإنه يدل على تأخر دحو الأرض المتقدم على خلق ما فيها عن خلق السماء وتسويتها ، إلا أن يستأنف بدحاها مقدرا لنصب الأرض فعلا آخر دل عليه «أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً » مثل تعرف الأرض وتدبر أمرها بعد ذلك ، لكنه خلاف الظاهر(٢) انتهى.

والوجه الثاني : مما قد أجيب به عن أصل الإشكال أن يقال كلمة بعد في الآية الثالثة ليست لتأخر الزمان ، إنما هو على جهة تعداد النعم والأذكار لها ، كما يقول القائل أليس قد أعطيتك وفعلت بك كذا وكذا ، وبعد ذلك خلطتك ، وربما يكون بعض ما تقدم في اللفظ متأخرا بحسب الزمان ، لأنه لم يكن الغرض الإخبار عن الأوقات والأزمنة ، بل المراد ذكر النعم والتنبيه عليها وربما اقتضت الحال إيراد الكلام على هذا الوجه.

قوله تعالى : « أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا » قال البيضاوي : أي أو لم يعلموا وقرأ ابن كثير بغير واو «أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً » ذات رتق أو مرتوقتين ، وهو الضم والالتحام أي كانتا شيئا واحدا ، وحقيقة متحدة ففتقنا هما بالتنويع والتميز أو كانت السماوات واحدة ففتقت بالتحريكات المختلفة ، حتى صارت أفلاكا وكانت الأرضون واحدة ، فجعلت باختلاف كيفيتها وأحوالها طبقات أو أقاليم.

__________________

(١) سورة الأنبياء : ٣٠.

(٢) أنوار التنزيل : ج ٢ ص ٣٤٥ باختلاف وزيادة.

٢٣١

وتعالى الخلق «وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ » فتق السماء بالمطر والأرض بنبات الحب فقال الشامي أشهد أنك من ولد الأنبياء وأن علمك علمهم.

٦٨ ـ محمد ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن محبوب ، عن العلاء بن رزين ، عن محمد بن مسلم والحجال ، عن العلاء ، عن محمد بن مسلم قال قال لي أبو جعفرعليه‌السلام كان كل شيء ماء «وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ » فأمر الله عز ذكره الماء فاضطرم نارا ثم أمر النار فخمدت فارتفع من خمودها دخان فخلق الله السماوات من ذلك الدخان وخلق الأرض من الرماد ثم اختصم الماء والنار والريح فقال الماء أنا جند الله الأكبر وقالت الريح أنا جند الله الأكبر وقالت النار أنا جند الله الأكبر فأوحى الله عز وجل إلى الريح أنت

وقيل : كانتا بحيث لا فرجة بينهما ففرج ، وقيل : كانتا رتقا لا تمطر ، ولا تنبت ففتقناهما بالمطر والنبات ، فيكون المراد بالسماوات سماء الدنيا وجمعها باعتبار الآفاق أو السماوات بأسرها ، على أن لها مدخلا في الأمطار ، والكفرة وإن لم يعلموا ذلك فهم متمكنون من العلم به نظرا ، فإن الفتق عارض يفتقر إلى مؤثر واجب ابتداء أو بواسطة أو استفسارا من العلماء ومطالعة الكتب ، وإنما قال : كانتا ولم يقل كن لأن المراد جماعة السماوات ، وجماعة الأرض(١) انتهى.

أقول : يظهر من بعض خطب أمير المؤمنين أن المراد بالفتق جعل الفرج بين كل منهما ، حيث قال : « ثم فتق ما بين السماوات العلى فملأهن هن أطوارا من ملائكته(٢) » لكنه ليس بصريح في كونه تفسيرا لهذه الآية.

الحديث الثامن والستون : صحيح.

قوله عليه‌السلام : وخلق الأرض من الرماد ، لعل المراد أن بقية الأرض التي حصلت بعد الدحو كانت مادتها الدخان ، ويحتمل أيضا أن يكون الزبد المذكور في الأخبار الأخر مادة بعيدة للأرض بأن يكون الرماد حصل من الزبد ، ومن الرماد تكونت الأرض ، أو يكون الرماد أحد أجزاء الأرض مزج بالزبد ، فجمد الزبد بذلك المزج وتصلب.

__________________

(١) أنوار التنزيل : ج ٢ ص ٧١ « ط مصر » وبهامشه تفسير الجلالين.

(٢) نهج البلاغة تحقيق صبحي الصالح ص ٤١ « الخطبة ١ ».

٢٣٢

جندي الأكبر.

( حديث الجنان والنوق )

٦٩ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن محبوب ، عن محمد بن إسحاق المدني ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سئل عن قول الله عز وجل : «يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً »(١) فقال يا علي إن الوفد لا يكونون إلا ركبانا أولئك رجال اتقوا الله فأحبهم الله واختصهم ورضي أعمالهم فسماهم المتقين ثم قال له يا علي أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنهم ليخرجون من قبورهم وإن الملائكة لتستقبلهم بنوق من نوق العز عليها رحائل الذهب مكللة بالدر والياقوت وجلائلها الإستبرق والسندس

الحديث التاسع والستون : حديث الجنان والنوق : مجهول.

قوله تعالى : « وَفْداً » أي وافدين ، عليه ، كما تفد الوفاد على الملوك ، منتظرين لكرامتهم ، وإنعامهمقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « من نوق العز » النوق بالضم : جمع ناقة أي النوق التي يعز من يركب عليها ، أي نسبت إلى عزه تعالى لرفعتها ، وظهور قدرة الله فيها ، أو هي عزيزة في نفسها.

قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « رحائل الذهب » كأنه جمع رحالة ككتابة ، وهي السرج أو من جلود لا خشب فيه ، يتخذ للركض الشديد ،قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : « مكللة » أي محفوفة مزينة.

قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « وجلائلها » كأنه كان جلالها بالكسر جمع جل بالضم ، كما هو في تفسير علي بن إبراهيم(٢) « وجلائل » إنما هو جمع جليلة بمعنى الثمام(٣) : ويمكن أن يكون جليلة بمعنى الجل أيضا ، أو يكون جمع جمع ، والإستبرق : الديباج الغليظ فارسي معرب. والسندس : الديباج الرقيق.

__________________

(١) سورة مريم : ٨٥.

(٢) تفسير القمّيّ : ج ٢ ص ٥٣.

(٣) الجليل : الثمام ، واحده جليلة « النهاية : ج ١ ص ٢٨٩ » والثمام : نبت ضعيف قصير لا يطول « النهاية ج ١ ص ٢٢٣ ».

٢٣٣

وخطمها جدل الأرجوان تطير بهم إلى المحشر مع كل رجل منهم ألف ملك من قدامه وعن يمينه وعن شماله يزفونهم زفا حتى ينتهوا بهم إلى باب الجنة الأعظم وعلى باب الجنة شجرة إن الورقة منها ليستظل تحتها ألف رجل من الناس وعن يمين الشجرة عين مطهرة مزكية قال فيسقون منها شربة فيطهر الله بها قلوبهم من الحسد ويسقط من أبشارهم الشعر وذلك قول الله عز وجل : «وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً » من تلك العين المطهرة قال ثم ينصرفون إلى عين أخرى عن يسار الشجرة فيغتسلون فيها وهي عين الحياة فلا يموتون أبدا قال ثم يوقف بهم قدام العرش وقد سلموا من الآفات والأسقام والحر والبرد أبدا قال فيقول الجبار جل ذكره للملائكة الذين معهم احشروا أوليائي إلى الجنة ولا توقفوهم مع الخلائق فقد سبق رضاي عنهم ووجبت رحمتي لهم وكيف أريد أن أوقفهم مع أصحاب الحسنات والسيئات قال فتسوقهم الملائكة إلى الجنة فإذا انتهوا بهم إلى باب الجنة الأعظم ضرب الملائكة الحلقة ضربة

قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « جدل الأرجوان » قال الجوهري : يقال جدلت الحبل أجد له جدلا : أي فتلته فتلا محكما(١) ، وقال : الأرجوان صبغ أحمر شديد الحمرة. قال :

أبو عبيد وهو الذي يقال له النشاستج ، قال : والبهرمان دونه ، ويقال : أيضا الأرجوان معرب ، وهو بالفارسية أرغوان ، وكل لون يشبهه فهو أرجوان(٢) ، والخطم بضمتين جمع خطام بالكسر : وهو الزمام ، أي أزمتها من حبل مفتول أرغواني.

قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « يزفونهم زفا » أي يذهبون بهم على غاية الكرامة كما يزف العروس إلى زوجها ، أو يسرعون بهم.

قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « ثم يوقف بهم » ظاهره أنهم يردون أولا باب الجنة ثم إلى الموقف ثم يرجعون إلى الجنة.

__________________

(١) الصحاح : ج ٤ ص ١٦٥٣.

(٢) لسان العرب : ج ١٤ ص ٣١٢.

٢٣٤

فتصر صريرا يبلغ صوت صريرها كل حوراء أعدها الله عز وجل لأوليائه في الجنان فيتباشرن بهم إذا سمعن صرير الحلقة فيقول بعضهن لبعض قد جاءنا أولياء الله فيفتح لهم الباب فيدخلون الجنة وتشرف عليهم أزواجهم من الحور العين والآدميين فيقلن مرحبا بكم فما كان أشد شوقنا إليكم ويقول لهن أولياء الله مثل ذلك ـ فقال عليعليه‌السلام يا رسول الله أخبرنا عن قول الله جل وعز «غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ » بما ذا بنيت يا رسول الله فقال يا علي تلك غرف بناها الله عز وجل لأوليائه بالدر والياقوت والزبرجد سقوفها الذهب محبوكة بالفضة لكل غرفة منها ألف باب من ذهب على كل باب منها ملك موكل به فيها فرش مرفوعة بعضها فوق بعض من الحرير والديباج بألوان مختلفة وحشوها المسك والكافور والعنبر وذلك قول الله عز وجل : «وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ »(١) إذا أدخل المؤمن إلى منازله في الجنة ووضع على رأسه تاج الملك والكرامة ألبس حلل الذهب والفضة والياقوت والدر المنظوم في الإكليل

قوله : « والآدميين » يظهر منه سبق دخول النساء على دخول الرجال ، ولعله أيضا لكرامة الرجال ، ليتهيأن لهمقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « غرف مبنية » في القراءات المشهورة «غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ »(٢) ولعلها كانت في قراءة أهل البيتعليهم‌السلام ، هكذاقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

« محبوكة » قال الفيروزآبادي : الحبك : الشد والأحكام. وتحسين أثر الصنعة في الثوب ، يحبكه وحبكه كأحبكه فهو حبيك ومحبوك ، والتحبيك : التوثيق والتخطيط(٣) .

قوله تعالى : « وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ » فسرهاعليه‌السلام بنضد بعضها فوق بعض ، كما ذكره أكثر المفسرين ، وقيل : المراد رفيعة القدر ، وقيل : هي كناية عن النساء وارتفاعها هو كونها على الأرائك.

__________________

(١) الواقعة : ٣٤.

(٢) سورة الزمر : ٢٠.

(٣) القاموس : ج ٣ ص ٢٩٢.

٢٣٥

تحت التاج قال وألبس سبعين حلة حرير بألوان مختلفة وضروب مختلفة منسوجة بالذهب والفضة واللؤلؤ والياقوت الأحمر فذلك قوله عز وجل «يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ »(١) فإذا جلس المؤمن على سريره اهتز سريره فرحا فإذا استقر لولي الله جل وعز منازله في الجنان استأذن عليه الملك الموكل بجنانه ليهنئه بكرامة الله عز وجل إياه فيقول له خدام المؤمن من الوصفاء والوصائف مكانك فإن ولي الله قد اتكأ على أريكته وزوجته الحوراء تهيأ له فاصبر لولي الله قال فتخرج عليه زوجته الحوراء من خيمة لها تمشي مقبلة وحولها وصائفها وعليها سبعون حلة

قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « بألوان مختلفة » قيل : كأنه إشارة إلى أن التحتاني يسع كل الغرفة والذي فوقه لا يسع كلها ، بل يظهر من جوانبها لون التحتاني ، وعلى هذا القياس.

قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « والياقوت » مبتدأ والإكليل بالكسر : شبه عصابة تزين بالجواهر.

قوله : « اهتز » أي تحرك واستبشر.

قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « من الوصفاء » قال الفيروزآبادي : الوصيف كأمير : الخادم والخادمة ، والجمع وصفاء كالوصيفة ، والجمع وصائف(٢) .

قوله : « مكانك » أي ألزم مكانك.

قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « على أريكته » قال الفيروزآبادي : الأريكة كسفينة : سرير في حجلة أو كل ما يتكأ عليه من سرير ، ومنصة وفراش ، أو سرير منجد مزين في قبة أو بيت ، فإذا لم يكن فيه سرير فهو حجلة(٣) .

قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : « تهيأ له » على صيغة المضارع بحذف إحدى التائين.

__________________

(١) سورة الحجّ : ٢٣.

(٢) القاموس : ج ٣ ص ٢٠٤.

(٣) نفس المصدر : ج ٣ ص ٢٩٢.

٢٣٦

منسوجة بالياقوت واللؤلؤ والزبرجد وهي من مسك وعنبر وعلى رأسها تاج الكرامة وعليها نعلان من ذهب مكللتان بالياقوت واللؤلؤ شراكهما ياقوت أحمر فإذا دنت من ولي الله فهم أن يقوم إليها شوقا فتقول له يا ولي الله ليس هذا يوم تعب ولا نصب فلا تقم أنا لك وأنت لي قال فيعتنقان مقدار خمسمائة عام من أعوام الدنيا لا يملها ولا تمله قال فإذا فتر بعض الفتور من غير ملالة نظر إلى عنقها فإذا عليها قلائد من قصب من ياقوت أحمر وسطها لوح صفحته درة مكتوب فيها أنت يا ولي الله حبيبي وأنا الحوراء حبيبتك إليك تناهت نفسي وإلي تناهت نفسك ثم يبعث الله إليه ألف ملك يهنئونه بالجنة ويزوجونه بالحوراء قال فينتهون إلى أول باب من جنانه فيقولون للملك الموكل بأبواب جنانه استأذن لنا على ولي الله فإن الله بعثنا إليه نهنئه فيقول لهم الملك حتى أقول للحاجب فيعلمه بمكانكم قال فيدخل الملك إلى الحاجب وبينه وبين الحاجب ثلاث جنان حتى ينتهي إلى أول باب فيقول للحاجب إن على باب العرصة ألف ملك أرسلهم رب العالمين تبارك وتعالى ليهنئوا ولي الله وقد سألوني أن آذن لهم عليه فيقول الحاجب إنه ليعظم علي أن أستأذن لأحد على ولي الله وهو

قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « هي من مسك وعنبر » لعل المراد أن أصل تلك الثياب من نوع من المسك والعنبر ، يمكن نسجها ولبسها أو من شيء عطرة كالمسك والعنبر لكنها نظمت ونسجت بالياقوت واللؤلؤ ، وفي تفسير علي بن إبراهيم صبغن بمسك وعنبر.

قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « وشراكهما » هو ككتاب سير النعل.

قوله : « تناهت نفسي » التناهي : بلوغ النهاية أي بلغت محبتي وشوقي إليك إلى النهاية ، وفي بعض النسخ تاقت في الموضعين أي اشتاقت ، وهو أظهرقوله :

عز وجل «وَدانِيَةً » قال البيضاوي : حال أو صفة أخرى معطوفة على ما قبلها ،

٢٣٧

مع زوجته الحوراء قال وبين الحاجب وبين ولي الله جنتان قال فيدخل الحاجب إلى القيم فيقول له إن على باب العرصة ألف ملك أرسلهم رب العزة يهنئون ولي الله فاستأذن لهم فيتقدم القيم إلى الخدام فيقول لهم إن رسل الجبار على باب العرصة وهم ألف ملك أرسلهم الله يهنئون ولي الله فأعلموه بمكانهم قال فيعلمونه فيؤذن للملائكة فيدخلون على ولي الله وهو في الغرفة ولها ألف باب وعلى كل باب من أبوابها ملك موكل به ـ فإذا أذن للملائكة بالدخول على ولي الله فتح كل ملك بابه الموكل به قال فيدخل القيم كل ملك من باب من أبواب الغرفة قال فيبلغونه رسالة الجبار جل وعز وذلك قول الله تعالى : «وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ » من أبواب الغرفة «سَلامٌ عَلَيْكُمْ » إلى آخر الآية(١) قال وذلك قوله جل وعز : «وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً »(٢) يعني بذلك ولي الله وما هو فيه من الكرامة والنعيم والملك العظيم الكبير إن الملائكة من رسل الله عز ذكره يستأذنون [ في الدخول ] عليه فلا يدخلون عليه إلا بإذنه فلذلك الملك العظيم الكبير قال والأنهار تجري من تحت مساكنهم وذلك قول الله عز وجل «تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ »(٣) والثمار دانية منهم وهو قوله عز وجل : «وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً »(٤) من قربها منهم يتناول المؤمن من النوع

أو عطف على جنة ، أي وجنة أخرى دانية ، عنى أنهم وعدوا جنتين كقوله تعالى : «وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ » وقرأت بالرفع على أنها خبر ظلالها ، والجملة حال أو صفة ، «وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً » معطوف على ما قبله أو حال من دانية ، وتذليل القطوف أن تجعل سهلة التناول ، ولا تمتنع على قطافها كيف شاءوا(٥) .

وقال الطبرسي (ره) : «وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها » يعني أن أفياء أشجار تلك الجنة قريبة منهم ، وقيل : إن ظلال الجنة لا تنسخها الشمس كما تنسخ ظلال الدنيا «وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً » أي وسخرت وسهل أخذ ثمارها تسخيرا ، إن قام ارتفعت

__________________

(١) سورة الرعد : ٢٣.

(٢) سورة الإنسان : ٢٠.

(٣) سورة يونس : ٩.

(٤) سورة الإنسان : ١٤.

(٥) أنوار التنزيل : ج ٢ ص ٥٢٦ « ط مصر ».

٢٣٨

الذي يشتهيه من الثمار بفيه وهو متكئ وإن الأنواع من الفاكهة ليقلن لولي الله يا ولي الله كلني قبل أن تأكل هذا قبلي قال وليس من مؤمن في الجنة إلا وله جنان كثيرة معروشات وغير معروشات «وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ » وأنهار من ماء و «أَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ » و «أَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ » فإذا دعا ولي الله بغذائه أتي بما تشتهي نفسه عند طلبه الغذاء من غير أن يسمي شهوته قال ثم يتخلى مع إخوانه ويزور بعضهم بعضا ويتنعمون في جناتهم في «ظِلٍّ مَمْدُودٍ » في مثل ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس وأطيب من ذلك لكل مؤمن سبعون زوجة حوراء وأربع نسوة من الآدميين والمؤمن ساعة مع الحوراء وساعة مع الآدمية وساعة يخلو بنفسه على الأرائك متكئا ينظر بعضهم إلى بعض وإن المؤمن ليغشاه شعاع نور وهو على أريكته ويقول لخدامه ما هذا الشعاع اللامع لعل الجبار لحظني فيقول له خدامه قدوس قدوس جل جلال الله بل هذه حوراء من نسائك ممن لم تدخل بها بعد قد أشرفت عليك من خيمتها شوقا إليك وقد تعرضت لك وأحبت لقاءك فلما أن رأتك متكئا على سريرك تبسمت نحوك شوقا إليك فالشعاع الذي رأيت والنور الذي غشيك هو من بياض ثغرها وصفائه ونقائه ورقته قال فيقول ولي الله ائذنوا لها فتنزل إلي فيبتدر إليها ألف وصيف وألف وصيفة يبشرونها بذلك فتنزل إليه من خيمتها وعليها سبعون حلة منسوجة بالذهب والفضة مكللة بالدر والياقوت والزبرجد صبغهن المسك والعنبر بألوان مختلفة يرى مخ ساقها من وراء سبعين حلة طولها سبعون

بقدره وإن قعد نزلت عليه حتى ينالها ، وإن اضطجع تدلت حتى تنالها يده(١) .

قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « ومعروشات » أي مرفوعات على ما يحملها ، وغير معروشات أي ملقيات على وجه الأرضقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « لعل الجبار لحظني » لعل مراده أنه أفاض علي من أنواره فتقديس الخدام ، إما لما يوهمه ظاهر كلامه ، أو أنه أراد نوعا من اللحظ المعنوي ، لا يناسب رفعة شأنه تعالى.

قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « يرى مخ ساقها » روي في كتاب الاحتجاج عن هشام بن الحكم

__________________

(١) مجمع البيان : ج ١٠ ص ٤١٠.

٢٣٩

ذراعا وعرض ما بين منكبيها عشرة أذرع فإذا دنت من ولي الله أقبل الخدام بصحائف الذهب والفضة فيها الدر والياقوت والزبرجد فينثرونها عليها ثم يعانقها وتعانقه فلا يمل ولا تمل.

قال ثم قال أبو جعفرعليه‌السلام أما الجنان المذكورة في الكتاب فإنهن جنة عدن وجنة الفردوس وجنة نعيم وجنة المأوى قال وإن لله عز وجل جنانا محفوفة بهذه الجنان وإن المؤمن ليكون له من الجنان ما أحب واشتهى يتنعم فيهن كيف يشاء وإذا أراد المؤمن شيئا أو اشتهى إنما دعواه فيها إذا أراد أن يقول سبحانك اللهم فإذا قالها تبادرت إليه الخدم بما اشتهى من غير أن يكون طلبه منهم أو أمر به وذلك قول الله عز وجل : «دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ »(١) يعني الخدام قال «وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ »(٢) يعني بذلك عند ما يقضون من لذاتهم

أنه سأل زنديق أبا عبد الله عن مسائل وكان فيما سأل أخبرني عن الحوراء كيف تلبس سبعين حلة ، ويرى زوجها مخ ساقها من وراء حللها وبدنها ، فقالعليه‌السلام : نعم كما يرى أحدكم الدراهم إذا ألقيت في ماء صاف قدره قيد رمح(٣) .

قوله تعالى : « سُبْحانَكَ اللهُمَ » قال أمين الدين الطبرسي : يقولون ذلك لا على وجه العبادة ، لأنه ليس هناك تكليف بل يلتذون بالتسبيح ، وقيل : إنهم إذا مر بهم الطير في الهواء يشتهونه قالوا «سُبْحانَكَ اللهُمَ » فيأتيهم الطير فيقع مشويا بين أيديهم ، وإذا قضوا منه الشهوة قالوا الحمد لله رب العالمين ، فيطير الطير حيا ، كما كان ، فيكون مفتتح كلامهم في كل شيء التسبيح ، ومختتم كلامهم التحميد ، ويكون التسبيح في الجنة بدل التسمية في الدنيا عن ابن جريح «وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ » أي تحيتهم من الله سبحانه في الجنة سلام ، وقيل : معناه تحية بعضهم لبعض فيها سلام ، أو تحية الملائكة لهم فيها سلام يقولون : سلام عليكم ، أي سلمتم من الآفات والمكاره التي ابتلي بها أهل النار «وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ».

__________________

(١) يونس : ١٠.

(٢) يونس : ١٠.

(٣) الاحتجاح : ج ٢ ص ٣٥١. بحار الأنوار : ج ١٠ ص ١٨٧.

٢٤٠

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

381

382

383

384

385