مرآة العقول الجزء ٢٥

مرآة العقول0%

مرآة العقول مؤلف:
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 377

مرآة العقول

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: الشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي ( العلامة المجلسي )
تصنيف: الصفحات: 377
المشاهدات: 11816
تحميل: 3676


توضيحات:

المقدمة الجزء 1 المقدمة الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8 الجزء 9 الجزء 10 الجزء 11 الجزء 12 الجزء 13 الجزء 14 الجزء 15 الجزء 16 الجزء 17 الجزء 18 الجزء 19 الجزء 20 الجزء 21 الجزء 22 الجزء 23 الجزء 24 الجزء 25 الجزء 26
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 377 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 11816 / تحميل: 3676
الحجم الحجم الحجم
مرآة العقول

مرآة العقول الجزء 25

مؤلف:
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

٥٣ - عنه ، عن أحمد ، عن ابن فضّال ، عن ابن بكير ، عن أبي أيوب ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال ما من داء إلّا وهو سارع إلى الجسد - ينتظر متى يؤمر به فيأخذه وفي رواية أخرى إلّا الحمى فإنها ترد ورودا.

٥٤ - عنه ، عن أحمد بن محمّد ، عن عبد العزيز بن المهتدي ، عن يونس بن عبد الرحمن ، عن داود بن زربي قال مرضت بالمدينة مرضا شديدا فبلغ ذلك أبا عبد اللهعليه‌السلام فكتب إلي قد بلغني علتك فاشتر صاعا من بر ثم استلق على قفاك وانثره على صدرك كيفما انتثر وقل اللهم إني أسألك باسمك الّذي إذا سألك به المضطر كشفت ما به من ضر ومكنت له في الأرض وجعلته خليفتك على خلقك أن تصلّي على محمّد وعلى أهل بيته

_________________________________________________________

الحديث الثالث والخمسون : موثق.

قولهعليه‌السلام : « إلّا وهو شارع(١) إلى الجسد » أي له طريق إليه من قولهم شرعت الباب إلى الطريق أي أنفذته إليه ، ولعلّ المراد أن غالب الأدواء لها مادة في الجسد تشتد ذلك حتّى ترد عليه بإذن الله بخلاف الحمى ، فإنها قد ترد بغير مادة بل بالأسباب الخارجة كورود هواء بارد أو حار عليه مثلا.

الحديث الرابع والخمسون : صحيح.

قولهعليه‌السلام : « فاشتر » لعلّ الأمر به لعلمهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنه ليس مالكاً له ، والأولى أن يشتري هذا المقدار عند إرادة ذلك ، وإن كان حاضرا عنده ، قوله : « وانثره على صدرك » يدلّ على أنه يلزم أن يتولّى ذلك بنفسه.

قولهعليه‌السلام : « إذا سألك به المضطر » إشارة إلى قوله تعالى : «أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ » (٢) بأن ورثهم سكناها والتصرف فيها ممّن قبلهم ، وإما جعلهم خلفاء على الخلق كما ورد في الدُّعاء ، فلعله من حيث أن لكلّ إنسان خلافة على أهله ، وما ملكه الله ، وعلى أعضائه وجوارحه وقواه ، وروى عليُّ بن إبراهيم(٣) عن أبيه عن الحسن بن عليُّ بن فضّال عن صالح بن

__________________

(١) في المتن [ سارع ]. (٢) سورة النمل : ٦٢. (٣) تفسير القمّيّ : ج ٢ ص ١٢٩.

٢٠١

وأن تعافيني من علتي ثم استو جالسا واجمع البر من حولك وقل مثل ذلك واقسمه مدا مدا لكلّ مسكين وقل مثل ذلك قال داود ففعلت مثل ذلك فكأنما نشطت من عقال وقد فعله غير واحد فانتفع به.

( حديث الحوت على أي شيء هو )

٥٥ - محمّد ، عن أحمد ، عن ابن محبوب ، عن جميل بن صالح ، عن أبان بن تغلب ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال سألته عن الأرض على أي شيء هي قال هي على حوت قلت فالحوت على أي شيء هو قال على الماء قلت فالماء على أي شيء هو قال على صخرة قلت فعلى أي شيء الصخرة قال على قرن ثور أملس قلت فعلى أي شيء الثور قال على الثرى قلت فعلى أي شيء الثرى فقال هيهات عند ذلك ضل علم العلماء.

_________________________________________________________

عقبة عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنه قال : « نزلت في القائمعليه‌السلام هو والله المضطر إذا صلى في المقام ركعتين ودعا الله فأجابه ويكشف السوء ، ويجعله خليفة في الأرض » وهذا التفسير أنسب بالدُّعاء كما لا يخفى ، قوله : « فكأنّمانشطت من عقال » قال الجزري(١) :

في حديث السحر « فكأنمّا أنشط من عقال » أي حل وقد تكرر في الحديث وكثيراً ما يجيء في الرواية « كأنما نشط من عقال » أي حل وقد تكرر في الحديث وكثيراً ما يجيء في الرواية « كأنما نشط من عقال » وليس بصحيح ، يقال : نشطت العقدة إذا عقدتها وأنشطتها إذا حللتها ، أقول : لـمّا كان هذا في كلام الراوي لا نحتاج إلى تصحيحه وتوجيهه.

الحديث الخامس والخمسون : صحيح.

قولهعليه‌السلام : « على ثور أملس » أي صحيح الظهر.

قولهعليه‌السلام : « على الثرى » هي التراب الندى.

قولهعليه‌السلام : « عند ذلك ضل علم العلماء» لعلّ المراد إنا لم نؤمر ببيانه للخلق.

__________________

(١) النهاية : ج ٥ ص ٥٧.

٢٠٢

٥٦ - عليُّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل بن دراج ، عن زرارة ، عن أحدهماعليهما‌السلام قال إن الله عزَّ وجل خلق الأرض ثم أرسل عليها الماء المالح أربعين صباحاً والماء العذب أربعين صباحاً حتّى إذا التقت واختلطت أخذ بيده قبضة فعركها عركاً شديداً جميعاً ثم فرقها فرقتين فخرج من كلّ واحدة منهما عنق مثل عنق الذر فأخذ عنق إلى الجنّة وعنق إلى النار.

( حديث الأحلام والحجة على أهل ذلك الزمان )

٥٧ - بعض أصحابنا ، عن عليُّ بن العباس ، عن الحسن بن عبد الرحمن ، عن

_________________________________________________________

الحديث السادس والخمسون : حسن.

قولهعليه‌السلام : « أخذ بيده » أي بيد من أمره من الملائكة أو بقدرته.

قولهعليه‌السلام : « جميعاً » أي الطينتين معاً من غير أن يفرقهما قبل العرك ، والعرك : الدلك.

قولهعليه‌السلام : « ثم فرقها فرقتين » قال الفاضل الأسترآبادي(١) : يعني أمر الله تعالى الحصة الّتي كانت مبلولة بالماء العذب أن تفارق الحصة الّتي كانت مبلولة بالماء المالح ، وأن يصير كلّ واحدة منهما قطعاً صغاراً في هيئة الذر ، ليكون كلّ قطعة بدنا لروح مخصوصة من الأرواح الّتي قالوا يوم الميثاق بلى في جواب قوله تعالى : «أَلَسْتُ بِربّكم » ويكون القطع الحاصلة من الحصة المبلولة بالماء العذب أبدانا لأرواح ثبتت طاعتهم في ذلك اليوم ، والقطع الحاصلة من الحصة المبلولة بالماء المالح أبدانا لأرواح ثبتت معصيتهم في ذلك اليوم ، ويفهم من أحاديثهمعليهم‌السلام أن جعله تعالى الأبدان في هيئة الذر وقع مرتين مرة قبل خلق آدمعليه‌السلام ، ومرة بعد خلقه انتهى.

أقول : أشبعنا الكلام في أمثال تلك الأخبار في كتاب الكفر والإيمان(٢) .

الحديث السابع والخمسون : مجهول.

__________________

(١) آيات الأحكام مخطوط - طبع الجزء الأوّل منه بطهران - للمولى محمّد بن عليُّ بن إبراهيم الأسترآبادي المتوفّى ١٠٢٨ بمكّة المكرّمة. مصنّفاته من مصادر كتاب بحار الأنوار وهو من مشايخ الإجازة للمولى محمّد تقيّ المجلسيّ والد المصنّفقدس‌سرهما لاحظ بحار الأنوار ج ١ ص ٤١ وج ١١٠ ص ٣٦.

(٢) لاحظ : ج ٧ ص ١ - ٣١.

٢٠٣

أبي الحسنعليه‌السلام قال إن الأحلام لم تكن فيما مضى في أول الخلق وإنما حدثت فقلت وما العلة في ذلك فقال إن الله عزَّ ذكره بعث رسولا إلى أهل زمانه فدعاهم إلى عبادة الله وطاعته فقالوا إن فعلنا ذلك فما لنا فو الله ما أنت بأكثرنا مإلّا ولا بأعزنا عشيرة فقال إن أطعتموني أدخلكم الله الجنّة وإن عصيتموني أدخلكم الله النّار فقالوا وما الجنّة والنّار فوصف لهم ذلك فقالوا متى نصير إلى ذلك فقال إذا متم فقالوا لقد رأينا أمواتنا صاروا عظاماً ورفاتاً فازدادوا له تكذيبا وبه استخفافاً فأحدث الله عزَّ وجل فيهم الأحلام فأتوه فأخبروه بما رأوا وما أنكروا من ذلك فقال إن الله عزَّ وجل أراد أن يحتج عليكم بهذا هكذا تكون أرواحكم إذا متم وإن بليت أبدانكم تصير الأرواح إلى عقاب حتّى تبعث الأبدان.

٥٨ - عليُّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن سالم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال سمعته يقول رأي المؤمن ورؤياه في آخر الزمان على سبعين جزءاً

_________________________________________________________

قولهعليه‌السلام : « ورفاقا » قال الجزري(١) : الرفات : كلـمّا دقّ وكسر.

قولهعليه‌السلام : « وما أنكروا من ذلك » أي استغرابهم ذلك أو ما أصابوا من المنكر والعذاب في النوم أو ما أنكروا أولا من عذاب البرزخ ، والأول أظهر.

قولهعليه‌السلام : « هكذا تكون أرواحكم » أي كما أن في النوم تتألم أرواحكم بما لم يظهر أثره على أجسادكم ولا يطلع من ينظر إليكم عليه ، فكذلك نعيم البرزخ وعذابه ، وقد تقدم الكلام فيه في كتاب الجنائز(٢)

الحديث الثامن والخمسون : حسن.

قولهعليه‌السلام : « رأى المؤمن ورؤياه » لـمّا غيب الله في آخر الزمان عن النّاس حجتهم تفضل عليهم وأعطاهم رأيا قوياً في استنباط الأحكام الشرعية ممّا وصل إليهم من أئمتهمعليهم‌السلام ، ولـمّا حجب عنهم الوحي وخزانة أعطاهم الرؤيا الصادقة أزيد ممّا كان لغيرهم ، ليظهر عليهم بعض الحوادث قبل حدوثها ، وقيل إنّما يكون هذا في زمان القائمعليه‌السلام .

قولهعليه‌السلام : « على سبعين جزء » لعلّ المراد أن للنبوة أجزاء كثيرة سبعون

__________________

(١) النهاية : ج ٢ ص ٢٤١. (٢) لاحظ : ج ١٤ ص ٢٨١ - ٢٢٨.

٢٠٤

من أجزاء النبوة.

٥٩ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن معمر بن خلاد ، عن الرضاعليه‌السلام قال إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان إذا أصبح قال لأصحابه هل من مبشرات يعني به الرؤيا.

٦٠ - عنهم ، عن أحمد بن محمّد ، عن ابن فضّال ، عن أبي جميلة ، عن جابر ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال قال رجل لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في قول الله عزَّ وجل : «لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ

_________________________________________________________

منها ، من قبل الرأي ، أي الاستنباط اليقيني لا الاجتهاد والتظني ، والرؤيا الصادقة فهذا المعنى الحاصل لأهل آخر الزمان على نحو تلك السبعين ومشابه لها ، وإن كان في النبيَّ أقوى ، ويحتمل أن يكون المراد على نحو بعض أجزاء السبعين كما ورد أن الرؤيا الصادقة جزء من سبعين جزء من النبوَّة(١) ، وروى العامة(٢) بأسانيدهم عن أنس عن النبيَّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنه قال : الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزء من النبوَّة ، قال : محييّ السنة أراد تحقيق أمر الرؤيا وتأكده ، وإنّما كانت جزء من النبوَّة في حق الأنبياء دون غيرهم ، وقيل : إنما جزء من أجزاء علم النبوَّة وعلم النبوَّة باق ، والنبوَّة غير باقية ، أو أراد به أنها كالنبوَّة في الحكم بالصحة ، وهو معنى قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ذهبت النبوَّة وبقيت المبشرات الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو يرى له(٣) .

وقيل : معناه إن مّدة الوحي على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان ثلاثاً وعشرين سنة وكان ستة أشهر منها في أول الأمر يوحى إليه في النوم ، فكان مّدة وحيه في النوم جزء من ستة وأربعين جزء من جملة أيام الوحي ، ورووا أيضاً عن النبيَّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « أنه قال : في آخر الزمان لم يكد رؤيا المؤمن يكذب »(٤) .

الحديث التاسع والخمسون : صحيح.

وروى العامة بإسنادهم عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله يقول : لم يبق من النبوَّة إلّا المبشرات ، قالوا : وما المبشرات؟ قال : الرؤيا الصالحة(٥) .

الحديث الستون : ضعيف.

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٦١ ص ٦١ ص ١٦٧ ح ١٩. (٢ و ٤) سنن أبي داود : ج ٤ ص ٣٠٤ ح ٥٠١٨ - ٥٠١٩ وصحيح البخاريّ بشرح الكرماني : ج ٢٤ ص ١٠٠ ح ٦٥٧٠ - ٦٥٧١.

(٣ و ٥) صحيح البخاري بشرح الكرمانى : ج ٢٤ ص ١٠٠ ح ٦٥٧٢.

٢٠٥

الدُّنيا »(١) قال هي الرؤيا الحسنة يرى المؤمن فيبشر بها في دنياه.

٦١ - عليُّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن سعد بن أبي خلف ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال الرؤيا على ثلاثة وجوه بشارة من الله للمؤمن وتحذير من الشيطان وأضغاث أحلام.

٦٢ - عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد بن خالد ، عن أبيه ، عن النضر بن سويد ، عن درست بن أبي منصور ، عن أبي بصير قال قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام جعلت فداك

_________________________________________________________

قولهعليه‌السلام : « هي الرؤيا الحسنة » وظاهر رواية عقبة بن خالد عن أبي عبد الله « أنها هي البشارة عند الموت(٢) » ولا تنافي بينهما ، فإن كلا منهما بشارة في الدُّنيا وقيل : البشرى في الحياة الدُّنيا هي ما بشرهم الله تعالى به في القرآن على الأعمال الصالحة.

وروى محيي السنة(٣) بإسناده عن عبادة بن الصامت « قال : سألت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن قوله تعالى «لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنيا » قال : هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له ».

الحديث الحادي والستون : حسن.

قولهعليه‌السلام : « وتحذير من الشيطان » أي يحذر ويخوف من الأعمال الصالحة ويحتمل أن يكون المراد الرؤيا الهائلة المخوفة ، ويحتمل أن يكون « تحزين من الشيطان » بالنون ، فصحف لقوله تعالى «إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الّذين آمَنُوا »(٤) وروى محيي السنة وبإسناده عن أبي هريرة عن النبيَّ أنه قال الرؤيا ثلاثة رؤيا بشرى من الله ، ورؤيا : ممّا يحدث به الرجل نفسه ، ورؤيا : من تحزين الشيطان(٥) .

قولهعليه‌السلام : « وأضغاث أحلام » الحلم : ما يراه النائم في نومه ، والضغث فما جمع من أخلاط النبات ، وأضغاث الأحلام : الرؤيا المختلطة الّتي تركبها المتخيلة ، ولا أصل لها ، وليس من الله ولا من الشيطان.

الحديث الثاني والستون : ضعيف.

__________________

(١) سورة يونس : ٦٤. (٢) تفسير القمّيّ : ج ١ ص ٣١٤.

(٣) معالم التنزيل : المطبوع بهامش تفسير ابن كثير ج ٤ ص ٣١٥ ( ط مصر ١٣٤٦ ).

(٤) سورة المجادلة : ١٠. (٥) لاحظ بحار الأنوار : ج ٦١ ص ١٩١.

٢٠٦

الرؤيا الصادقة والكاذبة مخرجهما من موضع واحد قال صدقت أما الكاذبة المختلفة فإن الرجل يراها في أول ليلة في سلطان المردة الفسقة وإنما هي شيء يخيل إلى الرجل وهي كاذبة مخالفة لا خير فيها وأما الصادقة إذا رآها بعد الثلثين من الليل مع حلول

_________________________________________________________

قولهعليه‌السلام : « مخرجهما من موضع واحد » لعلّ المراد ارتسامهما في محلّ واحد ، وأن علتهما معاً الارتسام ، لكن علة الارتسام فيهما مختلفة ، وقيل : يعني إن كليهما صور علمية يخلقهما الله تعالى في قلب عباده بأسباب روحانية ، أو شيطانية أو طبيعية.

قولهعليه‌السلام : « في سلطان المردة والفسقة » أي في أول الليل يستولي على الإنسان شهوات ما رآه في النهار ، وكثرت في ذهنه الصور الخيالية ، واختلطت بعضها ببعض وبسبب كثرة مزاولة الأمور الدنيوية بعد عن ربه ، وغلبت عليه القوي النفسانية والطبيعية ، فبسبب هذه الأمور تبعد عنه ملائكة الرحمن ، وتستولي عليه جنود الشيطان فإذا كان وقت السحر سكنت قواه ونزلت عنه ما اعتراه من الخيالات الشهوانية ، فأقبل عليه مولاه بالفضل والإحسان ، وأرسل عليه ملائكته ليدفعوا عنه أحزاب الشيطان. فلذا أمر الله تعالى في ذلك الوقت بعبادته ومناجاته وقال : «إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أشدّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً »(١) فما يراه في الحالة الأولى فهو من التسويلات والتخييلات الشيطانية ، ومن الوساوس النفسانية ، وما يراه في الحالة الثانية فهو من الإفاضات الرحمانية بتوسط الملائكة الروحانية.

ثم ذكرعليه‌السلام علة تخلف بعض الرؤيا مع كونها في السحر ، فقال : إنه إما بسبب جنابة أو حدث أو غفلة عن ذكر الله تعالى فإنها توجب البعد عن الله واستيلاء الشيطان.

ولـمّا كان أمر الرؤيا وصدقها وكذبها ممّا اختلفت فيه أقاويل النّاس فلا بأس

__________________

(١) سورة المزّمّل : ٦.

٢٠٧

الملائكة وذلك قبل السحر فهي صادقة لا تخلف إن شاء الله إلّا أن يكون جنبا أو ينام

_________________________________________________________

أن نذكر هيهنا بعض أقوال المتكلمين والحكماء ، ثم نبين ما ظهر لنا فيه من أخبار أئمة الأنام. فأما الحكماء : فقد بنوا ذلك على ما أسسوه من انطباع صور الجزئيات في النفوس المنطبعة الفلكية ، وصور الكليات في العقول المجردة ، وقالوا : إن النفس في حالة النوم قد تتصل بتلك المبادئ العالية ، فتحصل لها بعض العلوم الحقة الواقعة ، فهذه هي الرؤيا الصادقة ، وقد يركب المتخيلة بعض الصور المخزونة في الخيال ببعض ، فهذه هي الرؤيا الكاذبة.

وقال بعضهم : إن للنفوس الإنسانية اطلاعا على الغيب في حال المنام ، وليس لأحد من النّاس إلّا وقد جربَّ ذلك من نفسه تجاربَّ أوجبته التصديق ، وليس ذلك بسبب الفكر ، وإن الفكر في حال اليقظة الّتي هو فيها أمكن ، يقصر عن تحصيل مثل ذلك ، فكيف كان في حال النوم ، بل بسبب أن النفوس الإنسانية لها مناسبة الجنسية إلى المبادئ العالية المنتقشة بجميع ما كان وما سيكون وما هو كائن في الحال ولها أن تتصل بها اتصإلّا روحانيا ، وأن تنتقش بما هو مرتسم فيها لأن اشتغال النفس ببعض أفاعيلها يمنعها عن الاشتغال بغير تلك الأفاعيل ، وليس لنا سبيل إلى إزالة عوائق النفس بالكلية عن الانتقاش بما في المبادئ العالية ، لأن أحد العائقين هو اشتغال النفس بالبدن ، ولا يمكن لنا إزالة هذا العائق بالكلية ما دام البدن صالحا لتدبيرها ، إلّا أنه قد يسكن أحد الشاغلين في حالة النوم فإن الروح ينتشر إلى ظاهر البدن بواسطة الشرائين وينصب إلى الحواس الظاهرة حالة الانتشار ويحصل الإدراك بها وهذه الحالة هي اليقظة ، فتشتغل النفس بتلك الإدراكات ، فإذا انحبس الروح إلى الباطن تعطلت هذه الحواس ، وهذه الحالة هي النوم وبتعطلها يخف أحد شواغل النفس عن الاتصال بالمبادئ العالية والانتقاش ببعض ما فيها فيتصل حينئذ بتلك المبادئ اتصإلّا روحانيا ويرتسم في النفس بعض ما انتقش في تلك المبادئ ممّا استعدت هي لأن تكون منتقشة به كالمرايا إذا حوذي بعضها ببعض ما يتسع له ممّا انتقش في البعض

٢٠٨

على غير طهور ولم يذكر الله عزَّ وجل حقيقة ذكره فإنها تختلف وتبطئ على صاحبها

_________________________________________________________

الآخر والقوّة المتخيلة جبلت محاكية لـمّا يرد عليها ، فتحاكى تلك المعاني المنتقشة في النفس بصور جزئية ، مناسبة لها ثم تصير تلك الصور الجزئية في الحس المشترك فتصير مشاهدة وهذه هي الرؤيا الصادقة.

ثم إن الصور الّتي تركبها القوّة المتخيلة إن كانت شديدة المناسبة لتلك المعاني المنطبعة في النفس ، حتّى لا يكون بين المعاني الّتي أدركتها النفس وبين الصور الّتي ركبتها القوّة المتخيلة تفاوت إلّا في الكلية والجزئية كانت الرؤيا غنية عن التعبير ، وإن لم تكن شديدة المناسبة إلّا أنه مع ذلك تكون بينهما مناسبة بوجه ما كانت الرؤيا محتاجة إلى التعبير ، وهو أن يرجع من الصورة الّتي في الخيال إلى المعنى الّذي صورته المتخيلة بتلك الصورة ، وأما إذا لم تكن بين المعنى الّذي أدركته النفس وبين الصورة الّتي ركبتها القوّة المتخيلة مناسبة أصلاً لكثرة انتقالات المتخيلة من صورة إلى صورة لا تناسب المعنى الّذي أدركته النفس أصلا ، فهذه الرؤيا من قبيل أضغاث الأحلام ، ولهذا قالوا : لا اعتماد على رؤيا الشاعر والكاذب ، لأن قوتهما المتخيلة قد تعودت الانتقالات الكاذبة الباطلة انتهى. ولا يخفى أن هذا رجم بالغيب ، وتقول بالظن والريب ولم يستند إلى دليل وبرهان ، ولا إلى مشاهدة وعيان ، ولا إلى وحي إلهي مع ابتنائه على العقول والنفوس الفلكية اللتين نفتهما الشريعة المقدسة.

وقال المازري في شرح قول النبيَّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « الرؤيا من الله ، والحلم من الشيطان » : مذهب أهل السنة في حقيقة الرؤيا أن الله تعالى يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان ، وهو سبحانه تعالى يفعل ما يشاء لا يمنعه النوم واليقظة ، فإذا خلق هذه الاعتقادات فكأنه جعلها علـمّا على أمور آخر يخلقها في ثاني الحال أو كان قد خلقها ، فإذا خلق في قلب النائم الطيران وليس بطائر

٢٠٩

_________________________________________________________

فأكثر ما فيه أنه اعتقد أمرا على خلاف ما هو ، فيكون ذلك الاعتقاد علـمّا على غيره كما يكون خلق الله تعالى الغيم علـمّا على المطر ، والجميع خلق الله تعالى ، ولكن يخلق الرؤيا والاعتقادات الّتي جعلها علـمّا على ما يسر بغير حضرة الشيطان وخلق ما هو علم على ما يضر بحضرة الشيطان فنسب إلى الشيطان مجازا لحضوره عندها ، وإن كان لا فعل له حقيقة.

وقال محييّ السنة : ليس كلـمّا يراه الإنسان صحيحا ويجوز تعبيره ، بل الصحيح ما كان من الله يأتيك به ملك الرؤيا من نسخة أم الكتاب ، وما سوى ذلك أضغاث أحلام لا تأويل لها ، وهي على أنواع : قد تكون من فعل الشيطان ، يلعب بالإنسان أو يريه ما يحزنه ، وله مكائد يحزن بها بني آدم كما قال تعالى : «إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الّذين آمَنُوا »(١) ومن لعب الشيطان به الاحتلام الّذي يوجب الغسل ، فلا يكون له تأويل ، وقد يكون من حديث النفس كما يكون في أمر أو حرفة يرى نفسه في ذلك الأمر ، والعاشق يرى معشوقه ونحوه ، وقد تكون من مزاج الطبيعة كمن غلب عليه الدم يرى الفصد والحجامة والحمرة والرعاف والرياحين والمزامير والنشاط ونحوه ، ومن غلب عليه الصفراء يرى النّار والشمع والسرَّاج والأشياء الصفر ، والطيران في الهواء ونحوه ، ومن غلب عليه السوداء يرى الظلمة والسواد والأشياء السود وصيد الوحش ، والأهوال والأموات والقبور والمواضع الخربة ، وكونه في مضيق لا منفذ له ، أو تحت ثقل ونحوه ، ومن غلب عليه البلغم يرى البياض والمياه والأنداء(٢) والثلج والوحل ، فلا تأويل لشيء منها.

وقال السيّد المرتضى « ره » في كتاب الغرر والدرر(٣) في جواب سائل سأله ما القول في المنامات أصحيحة هي أم باطلة؟ ومن فعل من هي؟ وما وجه صحتها في الأكثر؟ وما وجه الإنزال عند رؤية المباشرة في المنام ، وإن كان فيها صحيح وباطل

__________________

(١) سورة المجادلة : ١٠. (٢) الأنداء جمع الندى : البَلَل والمطر.

(٣) أمالي المرتضى ( غرر الفوائد ودرر القلائد ) ج ٢ ص ٣٩٢.

٢١٠

_________________________________________________________

فما السبيل إلى تمييز أحدهما من الآخر؟

الجواب : أعلم أن النائم غير كامل العقل ، لأن النوم ضربَّ من السهو ، والسهو ينفى العلوم ، ولهذا يعتقد النائم الاعتقادات الباطلة ، لنقصان عقله وفقد علومه ، وجميع المنامات إنما هي اعتقادات يبتدئ بها النائم في نفسه ، ولا يجوز أن تكون من فعل غيره فيه ، لأن من عداه من المحدثين سواء كانوا بشرا أو ملائكة أو جنى أجسام ، والجسم لا يقدر أن يفعل في غيره اعتقادا ابتداء ، بل ولا شيئاً من الأجناس على هذا الوجه ، وإنما يفعل ذلك في نفسه على سبيل الابتداء ، وإنمّا قلنا أنه لا يفعل في غيره جنس الاعتقادات متولدا ، لأن الّذي يعدي الفعل من محلّ القدرة إلى غيرها من الأسباب إنما هو الاعتمادات ، وليس في جنس الاعتمادات ما يولد الاعتقادات ، ولهذا لو اعتمد أحدنا على قلب غيره الدهر الطويل ما تولد فيه شيء من الاعتقادات وقد بين ذلك وشرح في مواضع كثيرة ، والقديم تعالى هو القادر أن يفعل في قلوبنا ابتداء من غير سبب أجناس الاعتقادات ، ولا يجوز أن يفعل في قلب النائم اعتقادا لأن أكثر اعتقادات النائم جهل ويتأول الشيء على خلاف ما هو به ، لأنه يعتقد أنه يرى ويمشي وأنه راكب وعلى صفات كثيرة ، وكلّ ذلك على خلاف ما هو به ، وهو تعالى لا يفعل الجهل ، فلم يبق إلّا أن الاعتقادات كلها من جهة النائم.

وقد ذكر في المقالات : أن المعروف - بصالح قبة كان يذهب إلى أن ما يراه النائم في منأمّه على الحقيقة ، وهذا جهل منه(١) ، يضاهي جهل السوفسطائية ، لأن النائم يرى أن رأسه مقطوع ، وأنه قد مات وأنه قد صعد إلى السماء ونحن نعلم ضرورة خلاف ذلك كله ، وإذا جاز عند صالح هذا أن يعتقد اليقظان في السراب أنه ماء. وفي المردي(٢) إذا كان في الماء أنه مكسور ، وهو على الحقيقة صحيح ، لضربَّ من الشبهة واللبس ، فإلّا جاز ذلك في النائم ، وهو من الكمال أبعد ، ومن النقص أقرب.

__________________

(١) في المصدر : وهذا جهل منه أيضاً ، هو جهل السوفسطائية.

(٢) الـمُرديّ : بضمّ الميم ، خشبة يدفع بها الملاّح السفينة ( المجداف ).

٢١١

_________________________________________________________

وينبغي أن يقسم ما يتخيل النائم أنه يراه إلى أقسام ثلاثة منها : ما يكون من غير سبب يقتضيه ، ولا داع يدعو إليه اعتقادا مبتدأ ومنها : ما يكون من وسواس الشيطان يفعل في داخل سمعه كلاما خفيا يتضمن أشياء مخصوصة فيعتقد النائم إذا سمع ذلك الكلام أنه يراه ، فقد نجد كثيراً من النيام يسمعون حديث من يتحدث بالقربَّ منهم ، فيعتقدون أنهم يرون ذلك الحديث في منامهم ، ومنها : ما يكون سببه والداعي إليه خاطرا يفعله الله تعالى أو يأمر بعض الملائكة بفعله ، ومعنى هذا الخاطر أن يكون كلاماً يفعل في داخل السمع فيعتقد النائم أيضاً أنه ما يتضمن ذلك الكلام والمنامات الداعية إلى الخير والصلاح في الدين ، يجب أن تكون إلى هذا الوجه مصروفة ، كما أن ما يقتضي الشر منها الأولى أن تكون إلى وسواس الشيطان مصروفة ، وقد يجوز على هذا فيما يراه النائم في منأمّه ثم يصح ذلك حتّى يراه في يقظته على حد ما يراه في منامه ، وفي كلّ منام يصح تأويله أن يكون سبب صحته أن الله تعالى يفعل كلاماً في سمعه لضربَّ من المصلحة بأن شيئاً يكون أو قد كان على بعض الصفات ، فيعتقد النائم أن الّذي يسمعه هو يراه ، فإذا صح تأويله على ما يراه. فما ذكرناه إن لم يكن ممّا يجوز أن تتفق فيه الصحة اتفاقاً فإن في المنامات ما يجوز أن يصح بالاتفاق ، وما يضيق فيه مجال نسبته إلى الاتفاق ، فهذا الّذي ذكرناه يمكن أن يكون وجها فيه.

فإن قيل : أليس قد قال أبو عليُّ الجبائي في بعض كلأمّه في المنامات : إن الطبائع لا يجوز أن تكون مؤثرة فيها ، لأنّ الطبائع لا يجوز على المذاهب الصحيحة أن تؤثر في شيء ، وأنه غير ممتنع مع ذلك أن يكون بعض المأكلّ يكثر عندها المنامات بالعادة ، كما أن فيها ما يكثر عنده بالعادة تخييل الإنسان - وهو مستيقظ - ما لا أصل له. قلنا : قد قال ذلك أبو عليُّ وهو خطأ ، لأن تأثيرات المأكلّ بمجرى العادة على المذاهب الصحيحة إذا لم تكن مضافة إلى الطبائع ، فهو من فعل

٢١٢

_________________________________________________________

الله تعالى ، فكيف نضيف التخيل الباطل والاعتقادات الفاسدة إلى فعل الله تعالى ، فأما المستيقظ الّذي استشهد به فالكلام فيه والكلام في النائم واحد ، ولا يجوز أن نضيف التخيل الباطل إلى فعل الله تعالى في نائم ولا يقظان ، فأمّا ما يتخيل من الفاسد وهو غير نائم فلا بد من أن يكون ناقص العقل في الحال ، وفاقد التميز بسهو وما يجري مجراه فيبتدئ اعتقاداً لا أصل له ، كما قلناه في النائم.

فإنّ قيل : فما قولكم في منامات الأنبياء وما السبب في صحتها حتّى عد ما يرونه في المنام ، مضاهيا لـمّا يسمعونه من الوحي ، قلنا : الأخبار الواردة بهذا الجنس غير مقطوع على صحتها ولا هي ممّا توجب العلم ، وقد يمكن أن يكون الله تعالى أعلم النبيَّ بوحي يسمعه من الملك على الوجه الموجب للعلم ، إني سأريك في منامك في وقت كذا ما يجب أن تعمل عليه فيقطع على صحته من هذا الوجه ، لا بمجرد رؤيته له في المنام ، وعلى هذا الوجه يحمل منام إبراهيمعليه‌السلام في ذبح ابنه ، ولو لا ما أشرنا إليه كيف كان يقطع إبراهيمعليه‌السلام بأنه متعبد بذبح ولده.

فإن قيل : فما تأويل ما يروى عنهعليه‌السلام من قوله : « من رآني فقد رآني فإن الشيطان لا يتخيل بي » وقد علمنا أن المحق والمبطل والمؤمن والكافر قد يرون النبيَّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في النوم ، ويخبر كلّ واحد منهم عنه بضد ما يخبر به الآخر ، فكيف يكون رائيا له في الحقيقة ، مع هذا.

قلنا : هذا خبر واحد ضعيف من أضعف أخبار الآحاد ، ولا معمول على مثل ذلك ، على أنه يمكن مع تسليم صحته أن يكون المراد به : من رآني في اليقظة فقد رآني على الحقيقة ، لأن الشيطان لا يتمثل بي لليقظان ، فقد قيل : إن الشيطان ربمّا تمثلت بصورة البشر ، وهذا التشبيه أشبه بظاهر ألفاظ الخبر ، لأنّه قال : « من رآني فقد رآني » فأثبت غيره رائياً له ونفسه مرئية ، وفي النوم لا رأيي له في الحقيقة ولا مرئي : وإنما ذلك في اليقظة ، ولو حملناه على النوم لكان تقدير الكلام

٢١٣

_________________________________________________________

من اعتقد أنه يراني في منامه ، وإن كان غير راء له على الحقيقة فهو في الحكم كأنه قد رآني ، وهذا عدول عن ظاهر لفظ الخبر ، وتبديل لصيغته ، وهذا الّذي رتبناه في المنامات وقسمناه أسد تحقيقا من كلّ شيء قيل في أسباب المنامات.

وما سطر في ذلك معروف غير محصلّ ولا محقق ، فأما ما يهذي به الفلاسفة في هذا الباب فهو ممّا يضحك الثكلى ، لأنّهم ينسبون ما صح من المنامات لـمّا أعيتهم الحيل في ذكر سببه إلى أن النفس اطلعت إلى عالمها فأشرفت على ما يكون ، وهذا الّذي يذهبون إليه في حقيقة النفس غير مفهوم ، ولا مضبوط ، فكيف إذا أضيف إليه الاطلاع على عالمها ، وما هذا الاطلاع وإلى أي شيء يشيرون بعالم النفس ، ولم يجب أن تعرف الكائنات عند هذا الاطلاع ، فكلّ هذا زخرفة ومخرقة وتهاويل ، لا يتحصل منها شيء ، وقول صالح قبة - مع أنه تجاهل محض أقربَّ إلى أن يكون مفهوما من قول الفلاسفة انتهى كلأمّه قدس الله روحه.

ولنكتف بذكر هذه الأقوال ولا نشتغل إلى نقدها وتفصيلها ، ولا إلى ردها وتحصيلها ، لأن ذلك ممّا يؤدِّي إلى التطويل الخارج عن المقصود في الكتاب.

ولنذكر ما ظهر لنا في هذا الباب من الأخبار المنتهية إلى الأئمة الأخيارعليهم‌السلام ، فهو أن الرؤيا تستند إلى أمور شتى فمنها : أن للروح في حالة النوم حركة إلى السماء إما بنفسها بناء على تجسمها كما هو الظاهر من الأخبار ، أو بتعلقها بجسد مثالي إن قلنا به في حال الحياة أيضاً بأن يكون للروح جسدان أصلي ومثالي يشتد تعلقها في حال اليقظة بهذا الجسد الأصلي ، ويضعف تعلقها بالآخر ، وينعكس الأمر في حال النوم أو بتوجهها وإقبالها إلى عالم الأرواح بعد ضعف نعلقها بالجسد بنفسها من غير جسد مثالي.

وعلى تقدير التجسم أيضاً يحتمل ذلك كما يومئ إليه بعض الأخبار بأن يكون حركتها كناية عن إعراضها عن هذا الجسد وإقبالها إلى عالم آخر ، وتوجهها إلى

٢١٤

_________________________________________________________

نشأة أخرى.

وبعد حركتها بأي معنى كانت ترى أشياء في الملكوت الأعلى وتطالع بعض الألواح الّتي أثبتت فيها التقديرات ، فإن كان لها صفاء ولعينها ضياء يرى الأشياء كما أثبتت فلا يحتاج رؤياه إلى تعبير ، وإن استدلت على عين قلبه أغطية أرماد التعلقات الجسمانية والشهوات النفسانية فيرى الأشياء بصور شبيهة لها ، كما أن ضعيف البصر ومؤف العين يرى الأشياء على غير ما هي عليه.

والعارف بعلته يعرف أن هذه الصورة المشبهة الّتي اشتبهت عليه صورة لأي شيء فهذا شأن المعبر العارف بداء كلّ شخص وعلته ، ويمكن أيضاً أن يظهر الله علة الأشياء في تلك الحالة بصور يناسبها لمصالح كثيرة ، كما أن الإنسان قد يرى المال في نومه بصورة حية ، وقد يرى الدراهم بصورة عذرة ليعرف أنهما يضران ، وهما مستقذران واقعا ، فينبغي أن يتحرز عنهما ويتجنبهما ، وقد ترى في الهواء أشياء فهي الرؤيا الكاذبة الّتي لا حقيقة لها.

ويحتمل أن يكون المراد بما يراه في الهواء ما أنس به من الأمور المألوفة والشهوات ، والخيالات الباطلة.

ويدلّ على هذين النوعين ما رواه الصدوق في أماليه(١) عن أبيه عن سعد عن أحمد وعبد الله ابني محمّد بن عيسى ومحمّد بن الحسين عن الحسن بن محبوب عن محمّد بن القاسم النوفلي قال : « قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام المؤمن قد يرى الرؤيا فتكون كما رآها ، وربما رأى الرؤيا فلا يكون شيئاً ؟ فقال : إن المؤمن إذا نام خرجت من روحه حركة ممدودة صاعدة إلى السماء ، فكلـمّا رآه روح المؤمن في ملكوت السماء في موضع التقدير والتدبير فهو الحقّ ، وكلـمّا رآه في الأرض فهو أضغاث أحلام فقلت له : وتصعد روح المؤمن إلى السماء قال : نعم قلت : حتّى لا يبقى منها شيء في بدنه. فقال : لا لو خرجت كلها حتّى لا تبقى منها شيء إذا لمات ، فقلت : فكيف تخرج؟

__________________

(١) أمالي الصدوق : ص ١٢٨ ( المجلس ٢٩ ).

٢١٥

_________________________________________________________

فقال : أما ترى الشمس في السماء في موضعها وضوءها وشعاعها في الأرض فكذلك الروح أصلها في البدن ، وحركتها ممدودة » وروي(١) أيضاً عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن يعقوب بن يزيد عن بعض أصحابه عن زكريا بن يحيى عن معاوية بن عمار عن أبي جعفرعليه‌السلام « قال : إن العباد إذا ناموا خرجت أرواحهم إلى السماء ، فما رأت الروح في السماء فهو الحقّ ، فما رأت في الهواء فهو الأضغاث إلّا وإن الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف ، فإذا كانت الروح في السماء تعارفت وتباغضت ، فإذا تعارفت في السماء تعارفت في الأرض ، وإذا تباغضت في السماء تباغضت في الأرض ».

وروي(٢) أيضاً عن أبيه عن سعد عن محمّد بن الحسين عن عيسى بن عبد الله عن أبي عبد الله بن محمّد بن عمر بن عليُّ بن أبي طالب عن أبيه عن جده عن عليُّعليه‌السلام « قال : سألت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن الرجل ينام فيرى الرؤيا فربما كانت حقّا ، وربما كانت باطلا؟ فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا عليُّ ما من عبد ينام إلّا عرج بروحه إلى ربَّ العالمين ، فما رأى عند ربَّ العالمين فهو حق ، ثم إذا أمر الله العزيز الجبار برد روحه إلى جسده فصارت الروح بين السماء والأرض فما رأته فهو أضغاث أحلام ».

ومنها : ما هو بسبب إفاضة الله تعالى عليه في منأمّه ، إما بتوسط الملائكة أو بدونه كما يومئ إليه خبر أبي بصير(٣) وخبر سعد بن أبي خلف(٤) .

ومنها : ما هو بسبب وساوس الشياطين واستيلائهم عليه بسبب المعاصي الّتي عملها في اليقظة ، أو الطاعات الّتي تركها أو الكثافات والنجاسات الظاهرية والباطنية الّتي لوث نفسه.

كما رواه الصدوق في أماليه(٥) عن أبيه بإسناده عن عليُّ بن الحكم عن أبان ابن عثمان عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب عن محسن بن أحمد عن أبان بن عثمان عن أبي بصير عن أبي جعفر قال : سمعته يقول : إن لإبليس شيطاناً يقال له هزع ،

__________________

(١ و ٢ و ٥) أمالي الصدوق : ص ١٢٩ ( المجلس ٢٩ ).

(٣ و ٤) لاحظ : ص ٢٠٥ ح ٦١ و ٦٢.

٢١٦

( حديث الرياح )

٦٣ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن الحسن بن محبوب ، عن عليُّ بن رئاب وهشام بن سالم ، عن أبي بصير قال سألت أبا جعفرعليه‌السلام عن الرياح الأربع الشمال والجنوب والصبا والدبور وقلت إن النّاس يذكرون أن الشمال من الجنّة والجنوب من النّار فقال إن لله عزَّ وجل جنودا من رياح يعذب بها من يشاء ممّن عصاه ولكلّ ريح منها ملك موكلّ بها فإذا أراد الله عزَّ وجل أن يعذب قوماً بنوع من العذاب أوحى إلى الملك الموكلّ بذلك النوع من الريح الّتي يريد أن يعذبهم بها

_________________________________________________________

يملأ المشرق والمغربَّ في كلّ ليلة يأتي النّاس في المنام.

وروى البرقي في كتاب المحاسن(١) عن أبيه عن صفوان عن داود عن أخيه عن عبد الله « قال : بعثني إنسان إلى أبي عبد الله زعم أنه يفزع في منأمّه من امرأة تأتيه قال : فصحت حتّى سمع الجيران ، فقال أبو عبد الله : اذهب فقل : إنك لا تؤدي الزكاة قال : بلى والله إني لأؤديها ، فقال : قل له إن كنت تؤديها لا تؤديها إلى أهلها ».

ويدلّ عليه أيضاً خبر أبي بصير(٢) وخبر سعد(٣) بن أبي خلف.

ومنها : ما هو بسبب ما بقي في ذهنه من الخيالات الواهية والأمور الباطلة ويومئ إليه خبر سعد(٤) وغيره ، وتفصيل الكلام في ذلك يقتضي مقاماً آخر وقد أوردنا الكلام فيه مفصلاً في كتاب بحار الأنوار(٥) .

الحديث الثالث والستون : صحيح.

قوله : « الشمال » قال الفيروزآبادي(٦) : الشمال بالفتح ويكسر : الريح الّتي تهب من قبل الحجر أو ما استقبلك عن يمينك ، وأنت مستقبل ، والصحيح أنّه ما مهبه بين مطلع الشمس وبنات نعش أو من مطلع النعش إلى مسقط النسر الطائر ، ويكون اسما وصفة ، وقال : الجنوب : ريح تخالف الشمال مهبه من مطلع

__________________

(١) المحاسن : ص ٨٧. (٢و٣) لاحظ ، ص ٢٠٥ ح ٦١ و ٦٢.

(٤) لاحظ : ص ٢١٥. (٥) بحار الأنوار : ج ٦١ ص ١٩٥ - ٢٣٣.

(٦) القاموس المحيط : ج ٣ ص ٤٠٢ ( ط مصر ).

٢١٧

قال فيأمرها الملك فيهيج كما يهيج الأسد المغضب قال ولكلّ ريح منهن اسم أما تسمع قوله تعالى : «كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ »(١) وقال «الرِّيحَ الْعَقِيمَ »(٢) وقال «رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ »(٣) وقال «فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ »(٤) وما ذكر من الرياح الّتي يعذب الله بها

_________________________________________________________

سهيل إلى مطلع الثريا ، وقال : الصبا ريح مهبها من مطلع الثريا إلى بنات نعش ، وقال : الدبور : ريح تقابل الصبا.

وقال الشهيد « ره » في الذكرى : الجنوب : محلّها ما بين مطلع سهيل إلى مطلع الشمس في الاعتداليين ، والصبا : محلّها ما بين مطلع الشمس إلى الجدي ، والشمال :

محلّها من الجدي إلى مغربَّ الشمس في الاعتدال ، والدبور : محلها من مغربَّ الشمس إلى سهيل(٥) ، قوله تعالى : «وَنُذُرِ » أي إنذار أتى لهم بالعذاب قبل نزولها أو لمن بعدهم في تعذيبهم «إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً » أي باردا أو شديد الهبوب «فِي يَوْمِ نَحْسٍ » أي شؤم «مُسْتَمِرٍّ » استمر شؤمه ، أو استمر عليهم حتّى أهلكتهم ، أو على جميعهم كبيرهم وصغيرهم ، فلم يبق منهم أحداً ، أو اشتد مرارته ، أو استمرت نحوسته بعدهم ، وفسر في بعض الأخبار(٦) بيوم الأربعاء ، وفي بعضها بأربعاء لا يدور(٧) .

قولهعليه‌السلام : « وقال : الريح العقيم » إشارة إلى قوله تعالى : «وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ » وإنّما سمّاها عقيماً ، لأنّها أهلكتهم وقطعت دابرهم ، أو لأنّها لا تتضمن منفعة ، وهي الدبور أو الجنوب أو النكباء ، كما قيل : قوله تعالى : «فَأَصابَها إِعْصارٌ » قال الجوهري(٨) : الأعصار : ريح تهب تثير الغبار إلى السماء كأنّه عمود ، قال تعالى : «فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ » ويقال : هي ريح تثير سحاباً ذات رعد وبرق.

__________________

(١) القمر : ١٨ و ١٩. (٢) الذاريات : ٤١. (٣) سورة الأحقاف : ٢٤.

(٤) سورة البقرة : ٢٢٦. (٥) الذكرى : ص ١٦٢ ( الطبعة الحجريّة ).

(٦) الوسائل : ج ٨ ص ٢٥٧ ح ٣ و ٤ ب ٥ من أبواب آداب السفر إلى الحجّ.

(٧) أي آخر أربعاء في الشهر. لاحظ نفس المصدر : ح ٢. (٨) الصحاح : ج ٢ ص ٧٥٠.

٢١٨

من عصاه قال ولله عزَّ ذكره رياح رحمة لواقح وغير ذلك ينشرها بين يدي رحمته منها ما يهيج السحاب للمطر ومنها رياح تحبس السحاب بين السماء والأرض ورياح تعصر السحاب فتمطره بإذن الله ومنها رياح ممّا عدد الله في الكتاب فأمّا الرياح الأربع الشمال والجنوب والصبا والدبور فإنما هي أسماء الملائكة الموكلين بها فإذا أراد الله أن يهب شمإلّا أمر الملك الّذي اسمه الشمال فيهبط على البيت الحرام فقام على الركن الشامي فضربَّ بجناحه فتفرقت ريح الشمال حيث يريد الله من البر والبحر وإذا أراد الله أن يبعث جنوبا أمر الملك الّذي اسمه الجنوب فهبط على البيت الحرام فقام على الركن الشامي فضربَّ بجناحه فتفرقت ريح الجنوب في البر والبحر حيث يريد الله وإذا أراد الله أن يبعث ريح الصبا أمر الملك الّذي اسمه الصبا فهبط على البيت الحرام فقام على الركن الشامي فضربَّ بجناحه فتفرقت ريح الصبا حيث يريد الله جل وعزَّ في البر والبحر وإذا أراد الله أن يبعث دبوراً أمر الملك الّذي اسمه الدبور فهبط على البيت الحرام فقام على الركن الشامي فضربَّ بجناحه فتفرقت ريح الدبور حيث يريد الله من البر والبحر ثم قال أبو جعفرعليه‌السلام أما تسمع لقوله ريح الشمال

_________________________________________________________

قولهعليه‌السلام : « لواقح » إشارة إلى قوله تعالى : «وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ »(١) قال البيضاوي : أي حوامل ، شبه الريح الّتي جاءت بخير من إنشاء سحاب ماطر بالحامل كما شبه ما لا يكون كذلك بالعقيم أو ملقحات للشجر أو السحاب ، ونظيره الطوائح بمعنى المطيحات في قوله : ومختبط ممّا تطيح الطوائح ،(٢) قوله : «بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ » أي المطر.

قولهعليه‌السلام : « فتفرقت ريح الشمال » لا يتوهم أنه يلزم من ذلك أن يكون مهب جميع الرياح جهة القبلة ، لأنّه لعظمة الملك وجناحه يمكن أن يحرّك رأس جناحه بأي موضع أراد ويرسلها بأي جهة أمر بالإرسال إليها ، وإنّما أمر بالقيام على الكعبة لشرافتها وكونها محلّ رحماته تعالى ومصدرها.

قولهعليه‌السلام : « أما تسمع لقوله » أي لقول القائل ، وكأنّهعليه‌السلام استدل بهذه العبارة الشائعة على ما ذكره من أنها أسماء الملائكة ، إذ الظاهر من الإضافة كونها

__________________

(١) الحجر : ٢٢. (٢) أنوار التنزيل : ج ١ ص ٥٤٠.

٢١٩

وريح الجنوب وريح الدبور وريح الصبا إنما تضاف إلى الملائكة الموكلين بها.

٦٤ - عنه ، عن أحمد بن محمّد ، عن ابن محبوب ، عن عبد الله بن سنان ، عن معروف بن خربوذ ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال إن لله عزَّ وجل رياح رحمة ورياح عذاب فإن شاء الله أن يجعل العذاب من الرياح رحمة فعل قال ولن يجعل الرحمة من الريح عذاباً قال وذلك أنه لم يرحم قوماً قط أطاعوه وكانت طاعتهم إياه وبإلّا عليهم إلّا من بعد تحولهم عن طاعته قال كذلك فعل بقوم يونس لـمّا آمنوارحمهم‌الله بعد ما كان قدر عليهم العذاب وقضاه ثم تداركهم برحمته فجعل العذاب المقدر عليهم رحمة فصرفه عنهم وقد أنزله عليهم وغشيهم وذلك لـمّا آمنوا - به وتضرعوا إليه قال وأما الريح العقيم

_________________________________________________________

لامية ، والبيانية نادرة ، وإن كان القائلون لا يعرفون هذا المعنى ، لكنهم سمعوا ممّن تقدمهم ، وهكذا إلى أن ينتهي إلى من أطلق ذلك على وجه المعرفة.

الحديث الرابع والستون : صحيح.

قولهعليه‌السلام : « إلّا من بعد تحولهم » لعلّ المراد أن الله تعالى لـمّا أمر بإرسال رياح غضب ثم تحولوا إلى طاعته ، يحول عذابه عليهم رحمة ، كما فعل بقوم يونس ، وإذا قدر وقضاء وأمر بهبوب رياح رحمة ، ثم تحولوا عن طاعته إلى معصيته ، فإنه لا يرجع في هبته ، ولا يقلب تلك الرياح عليهم عذاباً ، إلّا أن يأمر بإنشاء أمر آخر بعد تحولهم وإرسال ريح أخرى بعد طغيانهم.

وأما قصة قوم يونس فروى عليُّ بن إبراهيم(١) في تفسيره عن أبيه عن ابن أبي عمير عن جميل قال : قال لي أبو عبد اللهعليه‌السلام : « ما رد الله العذاب إلّا عن قوم يونس ، وكان يونس يدعوهم إلى الإسلام فأبوا ذلك ، فهم أن يدعو عليهم ، وكان فيهم رجلان عابد وعالم ، وكان اسم أحدهما مليخا والآخر اسمه روبيل فكان العابد يشير على يونس بالدُّعاء عليهم ، وكان العالم ينهاه ، ويقول : لا تدع عليهم ، فإن الله يستجيب لك ولا يحبُّ هلاك عباده ، فقبل قول العابد ، ولم يقبل من العالم فدعا عليهم فأوحى الله إليه يأتيهم العذاب في سنة كذا وكذا في شهر كذا وكذا في يوم كذا وكذا ، فلمّا

__________________

(١) تفسير القمّيّ : ج ١ ص ٣١٧ - ٣١٨.

٢٢٠