مرآة العقول الجزء ٢٥

مرآة العقول10%

مرآة العقول مؤلف:
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 385

المقدمة الجزء ١ المقدمة الجزء ٢ الجزء ٣ الجزء ٤ الجزء ٥ الجزء ٦ الجزء ٧ الجزء ٨ الجزء ٩ الجزء ١٠ الجزء ١١ الجزء ١٢ الجزء ١٣ الجزء ١٤ الجزء ١٥ الجزء ١٦ الجزء ١٧ الجزء ١٨ الجزء ١٩ الجزء ٢٠ الجزء ٢١ الجزء ٢٢ الجزء ٢٣ الجزء ٢٤ الجزء ٢٥ الجزء ٢٦
  • البداية
  • السابق
  • 385 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 4766 / تحميل: 2178
الحجم الحجم الحجم
مرآة العقول

مرآة العقول الجزء ٢٥

مؤلف:
العربية

1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

قد زرعت في قلبه شهوة ووردت به موارد حياض الهلكة.

يا عيسى كن رحيما مترحما وكن كما تشاء أن يكون العباد لك وأكثر ذكرك الموت ومفارقة الأهلين ولا تله فإن اللهو يفسد صاحبه ولا تغفل فإن الغافل مني بعيد واذكرني بالصالحات حتى أذكرك.

يا عيسى تب إلي بعد الذنب وذكر بي الأوابين وآمن بي وتقرب بي إلى المؤمنين ومرهم يدعوني معك وإياك ودعوة المظلوم فإني آليت على نفسي أن أفتح لها بابا من السماء بالقبول وأن أجيبه ولو بعد حين.

يا عيسى اعلم أن صاحب السوء يعدي وقرين السوء يردي واعلم من تقارن

قوله تعالى : « موارد حياض الهلكة » الإضافة إما بيانية إلى الموارد التي هي حياض الهلاك ، أو لامية بأن يكون المراد بالموارد أطراف تلك الحياض وفي الأمالي « موارد الهلكة ».

قوله تعالى : « كن رحيما مترحما » الرحم رقة القلب والترحم إعمالها وإظهارها ، وفي الأمالي « وكن للعباد كما تشاء ».

قوله تعالى : « ولا تله » أي لا ترتكب ما يلهى ويوجب الغفلة عن الله تعالى.

قوله تعالى : « واذكرني بالصالحات » أي بالأعمال الصالحة فإنها مسببة عن ذكره تعالى ، وذكره تعالى إثابته أو ذكره في الملإ الأعلى بخير.

قوله تعالى : « وذكر بي الأوابين » الأوبة : الرجوع أي الذين يرجعون إلى الله بالتوبة والأعمال الصالحة.

قوله تعالى : « إن صاحب السوء يعدى » من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة ، والسوء بالفتح ، وقيل يجوز الضم أي المصاحب الشرير السيء الخلق يعدى أي تؤثر أخلاقه فيمن صحبه ، يقال أعداه الداء يعديه إعداء ، وهو أن يصيبه مثل ما يصاحب الداء.

قوله تعالى : « وقرين السوء يردي » أي يهلك من يقارنه.

٣٢١

واختر لنفسك إخوانا من المؤمنين.

يا عيسى تب إلي فإني لا يتعاظمني ذنب أن أغفره وأنا أرحم الراحمين اعمل لنفسك في مهلة من أجلك قبل أن لا يعمل لها غيرك واعبدني ليوم «كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ » فيه أجزي بالحسنة أضعافها وإن السيئة توبق صاحبها فامهد لنفسك في مهلة ونافس في العمل الصالح فكم من مجلس قد نهض أهله وهم مجارون من النار.

يا عيسى ازهد في الفاني المنقطع وطأ رسوم منازل من كان قبلك فادعهم وناجهم «هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ » وخذ موعظتك منهم واعلم أنك ستلحقهم في اللاحقين.

يا عيسى قل لمن تمرد علي بالعصيان وعمل بالإدهان ليتوقع عقوبتي وينتظر إهلاكي إياه سيصطلم مع الهالكين طوبى لك يا ابن مريم ثم طوبى لك إن أخذت

قوله تعالى : « في مهلة من أجلك » أي في زمان عمرك الذي أمهل وأخر فيه أجلك ، وقد يطلق الأجل على العمر ، فكلمة من بيانية ، قبل أن لا تقدر على العمل بعد الوفاة ، وفي الأمالي « قبل أن لا يعمل لها غيرك ».

قوله تعالى : « وهم مجارون » قال الجوهري : أجاره الله من العذاب أنقذه(١) .

قوله تعالى : « وطأ رسوم » أي امش على آثار منازل من كان قبلك« وادعهم هل تحس منهم من أحد » أي هل تشعر بأحد منهم وتراه أو تسمع صوتهم ، كما قال تعالى : «وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً »(٢) والركز : الصوت الخفي.

قوله تعالى : « وعمل بالإدهان » قال الفيروزآبادي(٣) : المداهنة خلاف ما تغمر كالأدهان ، ولعل المراد هنا المداهنة في الدين ، وترك النهي عن المنكر.

قوله تعالى : « سيصطلم » قال الجوهري(٤) : الاصطلام الاستئصال.

__________________

(١) الصحاح : ج ٣ ص ٦١٨ :.

(٢) سورة مريم : ٩٨.

(٣) القاموس : ج ٤ ص ٢٢٤.

(٤) الصحاح : ج ٥ ص ١٩٧.

٣٢٢

بأدب إلهك الذي يتحنن عليك ترحما وبدأك بالنعم منه تكرما وكان لك في الشدائد لا تعصه يا عيسى فإنه لا يحل لك عصيانه قد عهدت إليك كما عهدت إلى من كان قبلك وأنا على ذلك من الشاهدين.

يا عيسى ما أكرمت خليقة بمثل ديني ولا أنعمت عليها بمثل رحمتي.

يا عيسى اغسل بالماء منك ما ظهر وداو بالحسنات منك ما بطن فإنك إلي راجع.

يا عيسى أعطيتك ما أنعمت به عليك فيضا من غير تكدير وطلبت منك قرضا لنفسك فبخلت به عليها لتكون من الهالكين.

يا عيسى تزين بالدين وحب المساكين وامش على الأرض هونا وصل على

قوله تعالى : « إن أخذت بأدب إلهك » أي بالآداب التي أمرك بها إلهك أو تتخلق بأخلاق ربك ، وقال الجوهري :تحنن عليه : ترحم(١) .

قوله تعالى : « ما أكرمت خليقة بمثل ديني » أي بشيء مثل ديني ، وضميرعليها راجع إلى الخليفة ، والظاهر أن المرادبالرحمة الجنة ، ويحتمل المغفرة.

قوله تعالى : « فيضا » أي كثيرا واسعا ، وفيه استعارة مكنية« والتكدير » ترشيح إذ الفيض يطلق على كثرة الماء وسيلانه ، والظاهر أن الغرض بهذا الخطاب أمة عيسىعليه‌السلام كما ورد في القرآن آيات كثيرة المخاطب بها الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والمراد بها أمته كقوله تعالى «لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ »(٢) وأضرابها.

قوله تعالى : « تزين بالدين » أي بآثاره وأعماله وأخلاقه فإنها زينة المتقين ومن أحسن زينتهم حب المساكين والمعاشرة معهم.

قوله تعالى : « هَوْناً » قال الجوهري(٣) : الهون : السكينة والوقار ، وفلان

__________________

(١) الصحاح : ج ٦ ص ٢٩٠٤.

(٢) سورة الزمر : ٦٥.

(٣) الصحاح : ج ٦ ص ٢٢١٨.

٣٢٣

البقاع فكلها طاهر.

يا عيسى شمر فكل ما هو آت قريب واقرأ كتابي وأنت طاهر وأسمعني منك صوتا حزينا.

يا عيسى لا خير في لذاذة لا تدوم وعيش من صاحبه يزول يا ابن مريم لو رأت عينك ما أعددت لأوليائي الصالحين ذاب قلبك وزهقت نفسك شوقا إليه فليس كدار الآخرة دار تجاور فيها الطيبون ويدخل عليهم فيها الملائكة المقربون وهم مما يأتي يوم القيامة من أهوالها آمنون دار لا يتغير فيها النعيم ولا يزول عن أهلها يا ابن مريم نافس فيها مع المتنافسين فإنها أمنية المتمنين حسنة المنظر طوبى لك يا ابن مريم إن كنت لها من العاملين مع آبائك آدم وإبراهيم في جنات ونعيم لا تبغي بها بدلا ولا تحويلا كذلك أفعل بالمتقين.

يا عيسى اهرب إلي مع من يهرب من نار ذات لهب ونار ذات أغلال وأنكال

يمشي على الأرض هونا.

قوله تعالى : « وصل على البقاع » هذا خلاف ما هو المشهور من أن جواز الصلاة في كل البقاع من خصائص نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بل كان يلزمهم الصلاة في بيعهم وكنا يسهم ، فيمكن أن يكون هذا الحكم فيهم مختصا بالفرائض أو بغيرهعليه‌السلام من أمته.

قوله تعالى : « شمر فكل ما هو آت قريب » قال الفيروزآبادي : شمر وشمر وانشمر وتشمر مر جادا أو مختالا ، وتشمر للأمر ، تهيأ(١) انتهى أي جد واجتهد في العبادة ، فإن الموت آت لا محالة ، وكل ما هو آت قريب.

قوله تعالى : « وزهقت نفسك » أي هلكت واضمحلت ،قوله تعالى : « مع آبائك » أي تكون أو طوبى لك مع آبائك.

قوله تعالى : « وأنكال » قال الفيروزآبادي(٢) : النكل بالكسر القيد الشديد

__________________

(١) القاموس : ج ٤ ص ٢١٧.

(٢) القاموس : ج ٤ ص ٦٠.

٣٢٤

لا يدخلها روح ولا يخرج منها غم أبدا قطع كقطع الليل المظلم من ينج منها يفز ولن ينجو منها من كان من الهالكين هي دار الجبارين والعتاة الظالمين وكل فظ غليظ وكل مختال فخور.

يا عيسى بئست الدار لمن ركن إليها وبئس القرار دار الظالمين إني أحذرك نفسك فكن بي خبيرا.

يا عيسى كن حيث ما كنت مراقبا لي(١) واشهد على أني خلقتك وأنت عبدي وأني صورتك وإلى الأرض أهبطتك.

يا عيسى لا يصلح لسانان في فم واحد ولا قلبان في صدر واحد وكذلك الأذهان.

والجمع أنكال أو قيد من نار.قوله تعالى : « قطع كقطع الليل المظلم » أي ليس لنارها نور.قوله تعالى : « والعتاة » قال الفيروزآبادي(٢) : عتا عتوا : استكبر وجاوز الحد فهو عات ، وقال :الفظ : الغليظ الجانب. السيء الخلق ، الخشن الكلام ، وقال : رجلمختال : متكبر.

قوله تعالى : « بئست الدار » أي النار« لمن ركن » أي مال إليها بارتكاب الفسوق.

قوله تعالى : « فكن بي » أي بمعونتي خبيرا بعيوب نفسك ، أو كن عالما بي وبرحمتي ونعمتي ، وعقوبتي حتى لا تغلبك نفسك ولا تخدعك.

قوله تعالى : « من إقبالي » أي تنتظر فضلي وإحساني ، وتخاف عقوبتي وتعلم أني مطلع على سرائر أمرك.

قوله تعالى : « لا يصلح لسانان في فم واحد » أي بأن تقول في حضور القوم كلاما ، وفي غيبتهم كلاما آخر ، أو تمزج القول الحق بالباطل ، والطاعة من

__________________

(١) في بعض النسخ المتن « كن حديث ما كنت من إقبالي » والظاهر أنّ هذه النسخة كانت عند المجلسيّ طاب ثراه.

(٢) القاموس : ج ٣ ص ٣٤.

٣٢٥

يا عيسى لا تستيقظن عاصيا ولا تستنبهن لاهيا وافطم نفسك عن الشهوات

القول بالمعصية.

قوله تعالى : « ولا قلبان » في صدور واحد أي لا تجتمع محبة الله ومحبة غيره من المال والجاه ، وزخارف الدنيا وشهواتها في قلب واحد ، فلا يتصور الجمع بينهما إلا بأن يكون لك قلبان وهو محال كما قال تعالى : «ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ »(١) .

قوله تعالى : « وكذلك الأذهان » أي لا يجتمع شيئان متضادان في ذهن واحد ، كالتوجه إلى الدنيا ، والتوجه إلى الله ، والتوكل عليه والتوكل على الخلق ونحو ذلك ، ويحتمل أن يكون ذكر اللسان والقلب تمهيدا لبيان الأخير ، أي كما لا يمكن أن يكون في فم لسانان ، وفي صدر قلبان ، فكذا لا يجوز أن يكون في ذهن واحد ، خيالان متضادان يصيران منشأين لأمور مختلفة متباينة.

قوله تعالى : « لا تستيقظن عاصيا » أي لا تتوجه إلى تيقظ الغير ، والحال أنك عاص ، بل ابدأ بإصلاح نفسك قبل إصلاح غيرك ، وكذا الفقرة الثانية ، هذا إذا ورد الفعلان متعديين ، لكن أكثر اللغويين ذكروا البناء الأول لازما ، ولم يذكروا البناء الثاني فيحتمل أن يكون المراد لا تستيقظ استيقاظا لا يردعك عن المعاصي ، ولا استنباها مخلوطا باللهو والغفلة ، أو لا يكن استيقاظك وتنبهك عند الموت بعد العصيان واللهو ، ويحتمل أن يكون الأول لازما والثاني متعديا ، فيكون المعنى أتم وأكمل فتأمل.

قوله تعالى : « وافطم » أي اقطع« نفسك عن الشهوات الموبقات » أي المهلكات.

__________________

(١) سورة الأحزاب : ٤.

٣٢٦

الموبقات وكل شهوة تباعدك مني فاهجرها واعلم أنك مني بمكان الرسول الأمين فكن مني على حذر واعلم أن دنياك مؤديتك إلي وأني آخذك بعلمي فكن ذليل النفس عند ذكري خاشع القلب حين تذكرني يقظان عند نوم الغافلين.

يا عيسى هذه نصيحتي إياك وموعظتي لك فخذها مني وإني رب العالمين.

يا عيسى إذا صبر عبدي في جنبي كان ثواب عمله علي وكنت عنده حين يدعوني وكفى بي منتقما ممن عصاني أين يهرب مني الظالمون.

يا عيسى أطب الكلام وكن حيثما كنت عالما متعلما.

يا عيسى أفض بالحسنات إلي حتى يكون لك ذكرها عندي وتمسك بوصيتي.

قوله تعالى : « مؤديتك إلى » أي تردك الدنيا إلى بالموت وأعاقبك بما عملت من معاصيك.

قوله تعالى : « في جنبي » أي في قربي أو طاعتي ، قال الشيخ الطبرسي في قوله تعالى : «يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ »(١) : الجنب القرب ، أي يا حسرتا على ما فرطت في قرب الله وجواره ، وفلان يعيش في جنب فلان أي في قربه وجواره ومنه. قوله تعالى : «الصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ »(٢) وقال البيضاوي(٣) : أي في جانبه ، أي في حقه وهو طاعته ، قال سابق البريري :

أما تتقين الله في جنب وامق

له كبد حري عليك تقطع

وقيل في ذاته على تقدير مضاف كالطاعة ، وقيل : في قربه من قوله تعالى : «وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ ».

قوله تعالى : « وأفض » من الإفضاء بمعنى الإيصال ، أو من الإفاضة بمعنى

__________________

(١) سورة الزمر : ٥٦.

(٢) مجمع البيان : ج ٨ ص ٥٠٥.

(٣) أنوار التنزيل : ج ٢ ص ٣٢٦.

٣٢٧

فإن فيها شفاء للقلوب.

يا عيسى لا تأمن إذا مكرت مكري ولا تنس عند خلوات الدنيا ذكري.

يا عيسى حاسب نفسك بالرجوع إلي حتى تتنجز ثواب ما عمله العاملون أولئك يؤتون أجرهم وأنا خير المؤتين.

يا عيسى كنت خلقا بكلامي ولدتك مريم بأمري المرسل إليها روحي جبرئيل الأمين من ملائكتي حتى قمت على الأرض حيا تمشي كل ذلك في سابق علمي.

يا عيسى زكريا بمنزلة أبيك وكفيل أمك إذ يدخل عليها المحراب فيجد عندها رزقا ونظيرك يحيى من خلقي وهبته لأمه بعد الكبر من غير قوة بها أردت بذلك أن يظهر لها سلطاني ويظهر فيك قدرتي أحبكم إلي أطوعكم لي وأشدكم

الاندفاع والإسراع في السير أي أقبل إلى بسبب حسناتك أو معها.

قوله تعالى : « بالرجوع إلى » أي بسبب أن مرجعك إلى.

قوله تعالى : « ثواب ما عمله العاملون » أي مثله.

قوله تعالى : « خلقتك بكلامي » أي بلفظ كن من غير والد.

قوله تعالى : « كل ذلك في سابق علمي » أي كان جميع ذلك في علمي السابق وتقديري ، وفعلتها للحكم التي علمته فيها.

قوله تعالى : « ونظيرك يحيى » أي في الزهد والعبادة وسائر الكمالات أو في تولده من شيخ كبير يئس من الولد ، فكأنه أيضا خلق من غير والد.

قوله تعالى : « من غير قوة بها » أي من غير قوة كانت بها تقوى بتلك القوة على تحصيل الولد ، أي كانت كبيرة يائسة لا تستعد بحسب القوي البشرية عادة لتولده منها.

قوله تعالى : « أردت بذلك أن يظهر لها سلطاني » أي عظمتي وقدرتي على

٣٢٨

خوفا مني.

يا عيسى تيقظ ولا تيأس من روحي وسبحني مع من يسبحني وبطيب الكلام فقدسني.

يا عيسى كيف يكفر العباد بي ونواصيهم في قبضتي وتقلبهم في أرضي يجهلون نعمتي ويتولون عدوي وكذلك يهلك الكافرون.

يا عيسى إن الدنيا سجن منتن الريح وحسن فيها ما قد ترى مما قد تذابح عليه الجبارون وإياك والدنيا فكل نعيمها يزول وما نعيمها إلا قليل.

يا عيسى ابغني عند وسادك تجدني وادعني وأنت لي محب فإني أسمع

قوله تعالى : « نواصيهم في قبضتي » الأخذ بالناصية بين العرب كناية عن القهر والقدرة ، لأن من أخذ بناصية غيره فقد قهره وأذله ، ولا يستطيع الامتناع مما يريده منه ، كما قال تعالى : «ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها »(١) قوله تعالى : « وتقلبهم » أي تصرفهم في الأمور وتحولهم من حال إلى حال.

قوله تعالى : « وحسن فيها » أي زين للناس فيها ما قد ترى من زخارفها التي اقتتل عليها الجبارون ، وذبح بعضهم بعضا لأجلها ، قال الفيروزآبادي(٢) :تذابحوا : ذبح بعضهم بعضا ، وفي الأمالي(٣) « منتن الريح وخشن وفيها ما قد ترى ».

قوله تعالى : « ابغني عند وسادك » أي أطلبني وتقرب إلى عند ما تتكى على وسادك للنوم بذكري ،« تجدني » لك حافظا في نومك أو قريبا منك مجيبا

__________________

(١) سورة هود : ٦.

(٢) القاموس : ج ١ ص ٢٢٠.

(٣) الأمالي : ص ٤١٩ « ط بيروت ».

٣٢٩

السامعين أستجيب للداعين إذا دعوني.

يا عيسى خفني وخوف بي عبادي لعل المذنبين أن يمسكوا عما هم عاملون به فلا يهلكوا إلا وهم يعلمون.

يا عيسى ارهبني رهبتك من السبع والموت الذي أنت لاقيه فكل هذا أنا خلقته «فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ».

يا عيسى إن الملك لي وبيدي وأنا الملك فإن تطعني أدخلتك جنتي في جوار الصالحين.

يا عيسى إني إذا غضبت عليك لم ينفعك رضا من رضي عنك وإن رضيت عنك لم يضرك غضب المغضبين.

يا عيسى اذكرني في نفسك أذكرك في نفسي واذكرني في ملئك أذكرك في ملإ خير من ملإ الآدميين.

قوله تعالى : « فإني أسمع السامعين » فينبغي أن تحب من كان كذلك ، أو إن لم استجب لأحد فإنما هو لعدم المحبة ، وإلا فأنا أسمع السامعين ، والأول أظهرقوله تعالى : « فلا يهلكوا » أي إن هلكوا وضلوا وأصروا على المعاصي يكون بعد إتمام الحجة عليهم.

قوله تعالى : « أذكرك في نفسي » أي أفيض عليك من رحماتي الخاصة من غير أن يطلع عليها غيري.

قوله تعالى : « أذكرك في ملأ خير من ملأ الآدميين » الملأ : الإشراف والعلية

٣٣٠

يا عيسى ادعني دعاء الغريق الحزين الذي ليس له مغيث.

يا عيسى لا تحلف بي كاذبا فيهتز عرشي غضبا الدنيا قصيرة العمر طويلة الأمل وعندي دار خير مما تجمعون.

يا عيسى كيف أنتم صانعون إذا أخرجت لكم كتابا ينطق بالحق وأنتم تشهدون بسرائر قد كتمتموها وأعمال كنتم بها عاملين.

يا عيسى قل لظلمة بني إسرائيل غسلتم وجوهكم ودنستم قلوبكم أبي تغترون أم علي تجترءون تطيبون بالطيب لأهل الدنيا وأجوافكم عندي بمنزلة الجيف المنتنة كأنكم أقوام ميتون.

يا عيسى قل لهم قلموا أظفاركم من كسب الحرام وأصموا أسماعكم عن ذكر

أو الجماعة ، والمراد ملأ الملائكة المقربين ، والذكر في ذلك الملأ بالثناء عليه والمباهاة به أو إثابته بمشهد منهم ، وخيرية ذلك الملأ وفضله على ملإ الآدميين لكون جميعهم معصومين مطهرين ، لا ينافي كون نادر من الآدميين أشرف منهم مع أنه يحتمل أن يكون المراد بملإ الآدميين الملأ الذي لم يدخل فيه الأنبياء والصديقون.

قوله تعالى : « فيهتز » أي يتحرك غضبا.

قوله تعالى : « بسرائر » بدل من قوله بالحق.

قوله تعالى : « قلموا أظفاركم » كناية عن قبض اليد عن الحرام.

قوله تعالى : « عن ذكر الخنى » (١) أي الفحش في القول.

قوله تعالى : « فإني لست أريد ضرركم » وفي بعض النسخ « صرركم » بالصاد المهملة من قولهم صر صريرا أي صوت وصاح شديدا قاله في القاموس(٢) ، وفي بعضها « صوركم » كما روي إن الله لا ينظر إلى صوركم ، ولا إلى أجسادكم ولكنه ينظر إلى قلوبكم ونياتكم.

__________________

(١) النهاية : ج ٢ ص ٨٦.

(٢) القاموس : ج ٢ ص ٦٩.

٣٣١

الخنا وأقبلوا علي بقلوبكم فإني لست أريد صوركم.

يا عيسى افرح بالحسنة فإنها لي رضا وابك على السيئة فإنها شين وما لا تحب أن يصنع بك فلا تصنعه بغيرك وإن لطم خدك الأيمن فأعطه الأيسر وتقرب إلي بالمودة جهدك وأعرض عن الجاهلين.

يا عيسى ذل لأهل الحسنة وشاركهم فيها وكن عليهم شهيدا وقل لظلمة بني إسرائيل يا أخدان السوء والجلساء عليه إن لم تنتهوا أمسخكم قردة وخنازير.

يا عيسى قل لظلمة بني إسرائيل الحكمة تبكي فرقا مني وأنتم بالضحك تهجرون أتتكم براءتي أم لديكم أمان من عذابي أم تعرضون لعقوبتي فبي حلفت لأتركنكم مثلا للغابرين

قوله تعالى : « فإنها شين » أي عيب قبيح.

قوله تعالى : « وإن لطم » أي ذلك الغير.

قوله تعالى : « يا أخدان السوء » قال الفيروزآبادي(١) : الخدن بالكسر وكأمير الصاحب ، ومن يخادنك في كل أمر ظاهر وباطن ، فيحتمل أن يكون من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة ، كما هو الشائع في مثله ، وأن يكون المراد أنهم محبون للسوء مخادنون له ، ولعل قوله والجلساء بهذا أوفق وأنسب ، فإن الضمير راجع إلى السوء فيكون السوء بضم السين.

قوله تعالى : « الحكمة تبكي » استناد البكاء إلى الحكمة مجازي ، لأنها سببه ويمكن أن يكون بتقدير مضاف أي أهل الحكمة ، ويمكن أيضا أن تقرأ تبكي من باب الأفعال.

قوله تعالى : « تهجرون » من الهجر وهو الهزء وقبيح الكلام.

قوله تعالى : « مثلا للغابرين » الغابر : الماضي والباقي ، والمراد به هنا الثاني

__________________

(١) القاموس : ج ٤ ص ٢١٨.

٣٣٢

ثم أوصيك يا ابن مريم البكر البتول بسيد المرسلين وحبيبي فهو أحمد صاحب الجمل الأحمر والوجه الأقمر المشرق بالنور الطاهر القلب الشديد البأس الحيي المتكرم فإنه رحمة للعالمين وسيد ولد آدم يوم يلقاني أكرم السابقين علي وأقرب المرسلين مني العربي الأمين الديان بديني الصابر في ذاتي المجاهد المشركين بيده عن ديني أن تخبر به بني إسرائيل وتأمرهم أن يصدقوا به وأن يؤمنوا به وأن يتبعوه وأن ينصروه.

قال عيسىعليه‌السلام إلهي من هو حتى أرضيه فلك الرضا قال هو محمد رسول الله إلى الناس كافة أقربهم مني منزلة وأحضرهم شفاعة طوبى له من نبي وطوبى لأمته إن هم لقوني على سبيله يحمده أهل الأرض ويستغفر له أهل السماء أمين ميمون

أي أهلككم وأجعل هلاككم مثلا يمثل به ، ويذكر ويعتبر به من يأتي بعدكمقوله تعالى : « يوم يلقاني » أي يظهر سيادته في ذلك اليوم ، ويحتمل تعلقه بما بعده.

قوله تعالى : « الديان بديني » الديان : القهار والحاكم والقاضي يقال : ديّنتهم فدانوا أي قهرتهم فأطاعوا ، أي يقهرهم على الدخول في دين الله ، أو يحكم بينهم بحكم الله ، أو يتعبد الله بدين الحق من دان بمعنى عبد.

قوله تعالى : « أن تخبر » بدل اشتمال من قوله : « سيد المرسلين » وفي الأمالي(١) « يا عيسى آمرك أن تخبر به » وفيه « قال عيسى : الهي من هو؟ قال : يا عيسى أرضه فلك الرضا ، قال : اللهم رضيت ، فمن هو؟ قال : محمد رسول الله» قوله تعالى : « وأحضرهم شفاعة » أي شفاعته حاضرة مهيأة لكل من يستحقها. وفي الأمالي « وأوجبهم عندي شفاعة » وهو أظهر.

قوله تعالى : « إذ هم لقوني » وفي الأمالي « إن هم لقوني » وهو أظهر.

__________________

(١) الأمالي : ص ٤٢٠.

٣٣٣

طيب مطيب خير الباقين عندي يكون في آخر الزمان إذا خرج أرخت السماء عزاليها وأخرجت الأرض زهرتها حتى يروا البركة وأبارك لهم فيما وضع يده عليه كثير الأزواج قليل الأولاد يسكن بكة موضع أساس إبراهيم.

يا عيسى دينه الحنيفية وقبلته يمانية وهو من حزبي وأنا معه فطوبى له ثم طوبى

قوله تعالى : « طيب » أي خلق من طينة طيبة مقدسة ،« مطيب » أي من النقائص والرذائل.

قوله تعالى : « وأبارك لهم » هذه المعجزة من متواترات معجزاته حيث وضع يده على طعام قليل وأشبع به خلقا كثيرا في مواطن كثيرة ، وعلى ماء قليل ، وأروى به جماعة جمة في مواضع عديدة.

قوله تعالى : « يسكن بكة » قال الفيروزآبادي(١) : بكة : خرقه ومزقه وفسخه وفلانا زاحمه أو زحمه ضد ورد نخوته ووضعه وعنقه دقها ، ومنه بكة لمكة أو لما بين جبليها ، أو للمطاف لدقها أعناق الجبابرة ، أو لازدحام الناس بها.

قوله تعالى : « دينه الحنيفية » قال الجزري(٢) : الحنيف هو المائل إلى الإسلام الثابت عليه ، والحنيف عند العرب من كان على دين إبراهيمعليه‌السلام وأصل الحنف الميل ، ومنه الحديث « بعثت بالحنيفية السمحة » انتهى وقيل : المراد الملة المائلة عن الشدة إلى السهولة.

قوله تعالى : « وقبلته يمانية » قال الجزري(٣) : فيه « الإيمان يمان ، والحكمة

__________________

(١) القاموس : ج ٣ ص ٢٩٥.

(٢) النهاية : ج ١ ص ٤٥١.

(٣) النهاية : ج ٥ ص ٣٠٠.

٣٣٤

له له الكوثر والمقام الأكبر في جنات عدن يعيش أكرم من عاش ويقبض شهيدا له حوض أكبر من بكة إلى مطلع الشمس «مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ » فيه آنية مثل نجوم السماء

يمانية » إنما قال ذلك لأن الإيمان بدأ من مكة ، وهي من تهامة ، وتهامة من أرض اليمن ، ولهذا يقال الكعبة اليمانية.

قوله تعالى : « ويقبض شهيدا » يدل على أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مات شهيدا كما رواه الصفار في كتاب بصائر الدرجات عن إبراهيم بن هاشم عن جعفر بن محمد عن عبد الله بن ميمون القداح عن أبي عبد اللهعليه‌السلام : قال سمت اليهودية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في ذراع ، قال : وكان رسول الله يحب الذراع والكتف ، ويكره الورك لقربها من المبال ، قال : لما أتى بالشواء أكل من الذراع ، وكان يحبها فأكل ما شاء الله ثم قال الذراع : يا رسول الله إني مسموم فتركه ، وما زال ينتقض به سمه حتى ماتصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (١) .

وقال ابن شهرآشوب في كتاب المناقب : روي أنه أكل من الشاة المسمومة مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بشر بن البراء بن معرور ومات من ساعته ، ودخلت أمه على النبي عند وفاته ، فقال : يا أم بشر ما زالت أكلة خيبر التي أكلت مع ابنك تعاودني والآن قطعت أبهري(٢) .

قوله تعالى : « له حوض أكبر من بكة إلى مطلع الشمس » أي عرضه أكثر من هذه المسافة البعيدة ، ويحتمل أن يكون المفضل عليه مقدرا ، ويكون المذكور تحديدا له أي له حوض أكبر الحياض عرضه من مكة إلى منتهى الأرض من جانب المشرق وفي الأمالي(٣) « أبعد من مكة إلى مطلع الشمس » وهو يؤيد المعنى الأول.

قوله تعالى : « مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ » أي من جنسه ، قال الجزري(٤) : الرحيق

__________________

(١) بصائر الدرجات : ص ١٤٦. والبحار : ج ٨٧ ص ٤٠٦.

(٢) المناقب : ج ١ ص ٨٠ و ٨١. والبحار : ج ١٧ ص ٣٩٦.

(٣) الأمالي ص ٤٢٠ « ط النجف الأشرف ».

(٤) النهاية : ج ٢ ص ٢٠٨.

٣٣٥

وأكواب مثل مدر الأرض عذب فيه من كل شراب وطعم كل ثمار في الجنة من شرب منه شربة لم يظمأ أبدا وذلك من قسمي له وتفضيلي إياه على فترة بينك وبينه يوافق سره علانيته وقوله فعله لا يأمر الناس إلا بما يبدأهم به دينه الجهاد في عسر ويسر تنقاد له البلاد ويخضع له صاحب الروم على دين إبراهيم يسمي عند الطعام ويفشي السلام ويصلي والناس نيام له كل يوم خمس صلوات متواليات ينادي إلى الصلاة كنداء الجيش بالشعار ويفتتح بالتكبير ويختتم بالتسليم ويصف قدميه في الصلاة كما تصف الملائكة أقدامها ويخشع لي قلبه ورأسه النور في صدره والحق على لسانه وهو على الحق حيثما كان أصله يتيم ضال برهة من زمانه عما يراد به تنام عيناه

من أسماء الخمر. يريد خمر الجنة ، والمختوم المصون الذي لم يبتذل لأجل ختامه.

قوله تعالى : « وأكواب » قال الفيروزآبادي(١) : الكوب بالضم كوز لا عروة له أو(٢) لا خرطوم له ، والجمع أكواب.

قوله تعالى : « على دين إبراهيم عليه‌السلام » أي هو على دين إبراهيم أو يخضع له أو(٢) لأنه على دين إبراهيمعليه‌السلام .

قوله تعالى : « بالشعار » قال الجزري(٣) : في الحديث ، أن شعار أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الغزو يا منصور أمت أي علامتهم التي كانوا يتعارفون بها في الحرب انتهى إنما شبه الأذان بالشعار ، لأنه أيضا شعار لمحاربة النفس والشيطان ، وهي الجهاد الأكبر.

قوله تعالى : « أصله يتيم » أي بلا أب أو بلا نظير أو متفرد عن الخلق« ضال برهة » أي طائفة من زمانه عما يراد به أي الوحي والبعثة ، أو ضال من بين قومه

__________________

(١) القاموس : ج ١ ص ١٢٦.

(٢) كذا في النسخ والظاهر زيادة كلمة « أو » من النسّاخ.

(٣) النهاية : ج ٢ ص ٤٧٩.

٣٣٦

ولا ينام قلبه له الشفاعة وعلى أمته تقوم الساعة ويدي «فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ » عليه أوفيت له بالجنة فمر ظلمة بني إسرائيل ألا يدرسوا كتبه ولا يحرفوا سنته وأن يقرءوه السلام فإن له في المقام شأنا من الشأن

لا يعرفونه بالنبوة ، فكأنه ضل عنهم ثم وجدوه ، كما روى الصدوق(١) بإسناده عن الحسن بن الجهم عن الرضاعليه‌السلام قال : قال الله تعالى لنبيه محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى »(٢) يقول ألم يجدك وحيدا فآوى إليك الناس «وَوَجَدَكَ ضَالًّا » يعني عند قومك «فَهَدى » أي هداهم إلى معرفتك «وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى » يقول أغناك بأن جعل دعاءك مستجابا » وروي في العلل(٣) بإسناده عن ابن عباس قال : سئل عن قول الله «أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى » قال : إنما سمي يتيما لأنه لم يكن له نظير على وجه الأرض من الأولين والآخرين ، فقال تعالى ممتنا عليه : «أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً » أي وحيدا لا نظير لك «فَآوى » إليك الناس وعرفهم فضلك حتى عرفوك «وَوَجَدَكَ ضَالًّا » يقول منسوبا عند قومك إلى الضلالة فهداهم بمعرفتك «وَوَجَدَكَ عائِلاً » يقول : فقيرا عند قومك يقولون لا مال لك ، فأغناك الله بمال خديجة ثم زادك من فضله ، فجعل دعاءك مستجابا حتى لو دعوت على حجر أن يجعله الله لك ذهبا لنقل عينه إلى مرادك ، وأتاك بالطعام حيث لا طعام ، وأتاك بالماء حيث لا ماء ، وأعانك بالملائكة حيث لا مغيث ، فأظفرك بهم على أعدائك.

قد روى علي بن إبراهيم في تفسيره(٤) عن علي بن الحسين عن أحمد بن أبي

__________________

(١) عيون أخبار الرضاعليه‌السلام : ج ١ ص ١٩٩ ـ ٢٠٠.

(٢) سورة الضحى : ٦.

(٣) العلل : ص ٥٥ « ط قم ».

(٤) تفسير القمّيّ : ج ٢ ص ٤٢٧.

٣٣٧

يا عيسى كل ما يقربك مني فقد دللتك عليه وكل ما يباعدك مني فقد نهيتك عنه فارتد لنفسك.

يا عيسى إن الدنيا حلوة وإنما استعملتك فيها فجانب منها ما حذرتك وخذ منها ما أعطيتك عفوا.

يا عيسى انظر في عملك نظر العبد المذنب الخاطئ ولا تنظر في عمل غيرك بمنزلة الرب كن فيها زاهدا ولا ترغب فيها فتعطب.

يا عيسى اعقل وتفكر وانظر في نواحي الأرض «كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ».

يا عيسى كل وصفي لك نصيحة وكل قولي لك حق وأنا الحق المبين فحقا

عبد الله عن أبيه عن خالد بن يزيد عن أبي الهيثم عن زرارة عن الإمامينعليهم‌السلام في قول الله تعالى «أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى » أي فآوى إليك الناس «وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى » أي هدى إليك قوما لا يعرفونك حتى عرفوك «وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى » أي وجدك تعول أقواما فأغناهم بعلمك ، قال علي بن إبراهيم : اليتيم الذي لا مثل له ولذلك سميت الدرة اليتيمة لأنه لا مثل لها ، ووجدك عائلا فأغناك بالوحي ، لا تسأل عن شيء أحدا «وَوَجَدَكَ ضَالًّا » في يوم لا يعرفون فضل نبوتك فهداهم الله بك.

قوله تعالى : « فارتد لنفسك » الارتياد : الطلب أي اطلب لنفسك ما هو خير لك.

قوله تعالى : « عفوا » أي فضلا وإحسانا أو حلالا طيبا ، قال الفيروزآبادي(١) العفو : أحل المال وأطيبه وخيار الشيء وأجوده ، والفضل والمعروف.

قوله تعالى : « بمنزلة الرب » أي النظر في أعمال الغير ومحاسبتها شأن الرب لا شأن العبد.

قوله تعالى : « كن فيها » أي في النظرة في عمل الغير أو في أعمال الغير أو في

__________________

(١) القاموس : ج ٤ ص ٣٦٦.

٣٣٨

أقول لئن أنت عصيتني بعد أن أنبأتك ما لك من دوني ولي ولا نصير.

يا عيسى أذل قلبك بالخشية وانظر إلى من هو أسفل منك ولا تنظر إلى من هو فوقك واعلم أن رأس كل خطيئة وذنب هو حب الدنيا فلا تحبها فإني لا أحبها.

يا عيسى أطب لي قلبك وأكثر ذكري في الخلوات واعلم أن سروري أن تبصبص إلي كن في ذلك حيا ولا تكن ميتا.

يا عيسى «لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً » وكن مني على حذر ولا تغتر بالصحة وتغبط نفسك

الدنيا لظهورها بقرينة المقام.

قوله تعالى : « أو ذنب » لعل الترديد من الراوي أو منه تعالى بأن يكون المراد بالخطيئة الكبيرة ، وبالذنب الصغيرة.

قوله تعالى : « أطب لي قلبك » أي اجعل قلبك طيبة عن الأخلاق الذميمة ، والنيات الفاسدة. وحب الدنيا وزخارفها ، لمحبتي ومعرفتي ، أو خالصا لوجهي وفي الأمالي(١) : « أطب بي قلبك » أي كن محبا لي راضيا عني ، أو أجعل قلبك راضيا عني ، يقال : طابت نفسه بكذا أي رضيها وأحبها.

قوله تعالى : « ولا تغتر بالنصيحة » أي لا تنخدع عن النفس والشيطان بترك النصيحة أو لو لا تغفل بنصح غيرك عن نصح نفسك ، أو لا تعرض نفسك للهلكة بترك النصيحة وفي الأمالي : « لا تغتر بالصحة » وهو أظهر.

قوله تعالى : « ولا تغبط نفسك » الظاهر أنه بالباء المشددة يقال غبطهم أي حملهم على الغبطة(٢) أي لا تجعل نفسك في أمور الدنيا بحيث يغبطها الناس أو لا تجعل نفسك بحيث تغبط الناس على ما في أيديهم ، والأول أظهر ، ويمكن أن يقرأ

__________________

(١) الأمالي : ص ٤٢١.

(٢) الغبط : حسد خاصّ ، يقال : غبطت الرجل اغبطه غبطا إذا اشتهيت أن يكون لك مثل ما له « النهاية ج ٣ ص ٣٣٩ ».

٣٣٩

فإن الدنيا كفيء زائل وما أقبل منها كما أدبر فنافس في الصالحات جهدك وكن مع الحق حيثما كان وإن قطعت وأحرقت بالنار فلا تكفر بي بعد المعرفة «فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ » فإن الشيء يكون مع الشيء.

يا عيسى صب لي الدموع من عينيك واخشع لي بقلبك.

يا عيسى استغث بي في حالات الشدة فإني أغيث المكروبين وأجيب المضطرين وأنا أرحم الراحمين.

١٠٤ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن الحكم ، عن منصور بن يونس ، عن عنبسة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إذا استقر أهل النار في النار يفقدونكم فلا يرون منكم أحدا فيقول بعضهم لبعض «ما لَنا لا نَرى رِجالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ »(١) قال وذلك قول الله عز وجل : «إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ »(٢) يتخاصمون فيكم فيما كانوا يقولون في الدنيا.

( حديث إبليس )

١٠٥ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن صفوان ، عن يعقوب بن شعيب قال قال لي أبو عبد اللهعليه‌السلام من أشد الناس عليكم قال قلت جعلت فداك كل قال أتدري مم ذاك يا يعقوب قال قلت لا أدري جعلت فداك قال إن

بالتخفيف ونفسك بالرفع.

قوله تعالى : « فإن الشيء يكون مع الشيء » أي لكل عمل جزاء ، وكل شيء يكون مع ما يجانسه ، فلا تجلس مع الجاهلين ، تكن منهم ، وليست هذه الفقرة في الأمالي.

الحديث الرابع والمائة : ضعيف وقد سبق مثله.

الحديث الخامس والمائة : صحيح ، ومضمونه معلوم.

__________________

(١) ص : ٦١ ـ ٦٢ ـ ٦٣.

(٢) ص : ٦١ ـ ٦٢ ـ ٦٣.

٣٤٠

إبليس دعاهم فأجابوه وأمرهم فأطاعوه ودعاكم فلم تجيبوه وأمركم فلم تطيعوه فأغرى بكم الناس.

١٠٦ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن معاوية بن عمار ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إذا رأى الرجل ما يكره في منامه فليتحول عن شقه الذي كان عليه نائما وليقل «إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ »(١) ثم ليقل عذت بما عاذت به ملائكة الله المقربون وأنبياؤه المرسلون وعباده الصالحون من شر ما رأيت ومن شر الشيطان الرجيم.

١٠٧ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد وعلي بن إبراهيم ، عن أبيه جميعا ، عن ابن محبوب ، عن هارون بن منصور العبدي ، عن أبي الورد ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لفاطمةعليها‌السلام في رؤياها التي رأتها قولي أعوذ بما عاذت به

الحديث السادس والمائة : حسن.

قوله تعالى : « إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ » النجوى السر ، ويظهر من ذكر هذه الآية في هذا المقام وما سننقله عن علي بن إبراهيم أن المراد بالنجوى الرؤيا الهائلة الموحشة ، ولعله إنما أطلق عليها لأنها نجوى ، ومسارة من الشيطان.

الحديث السابع والمائة : مجهول.

قوله عليه‌السلام : « في رؤياها التي رأتها » إشارة إلى ما رواه علي بن إبراهيم في تفسيره(٢) عن أبيه عن ابن أبي عمير عن أبي بصير عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « كان سبب نزول هذه الآية أن فاطمة سلام الله عليها رأت في منامها أن رسول الله هم أن يخرج هو وفاطمة وعلي والحسن والحسين صلوات الله عليهم من المدينة ، فخرجوا

__________________

(١) سورة المجادلة : ١٠.

(٢) تفسير القمّيّ : ج ٢ ص ٣٥٥.

٣٤١

ملائكة الله المقربون وأنبياؤه المرسلون وعباده الصالحون من شر ما رأيت في ليلتي هذه

حتى جاوزوا من حيطان المدينة ، فعرض لهم طريقان فأخذ رسول الله ذات اليمين حتى انتهى إلى موضع فيه نخل وماء فاشترى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شاة كبراء وهي التي في أحد أذنيها نقط بيض فأمر بذبحها فلما أكلوا ماتوا في مكانهم فانتبهت فاطمة باكية ذعرة فلم تخبر رسول الله بذلك فلما أصبحت جاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بحمار فأركب عليه فاطمة وأمر أن يخرج أمير المؤمنين والحسن والحسينعليهم‌السلام من المدينة كما رأت فاطمةعليها‌السلام في نومها فلما خرجوا من حيطان المدينة عرض لهم طريقان ، فأخذ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذات اليمين كما رأت فاطمةعليها‌السلام حتى انتهوا إلى موضع فيه نخل وماء فاشترى به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شاة كما رأت فاطمةعليها‌السلام فأمر بذبحها فذبحت وشويت فلما أرادوا أكلها قامت فاطمةعليها‌السلام وتنحت ناحية منهم تبكي مخافة أن يموتوا فطلبها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى وقف عليها وهي تبكي فقال : ما شأنك يا بنية؟ قالت : يا رسول الله رأيت كذا وكذا في نومي ، وقد فعلت أنت كما رأيته فتنحيت عنكم فلا أراكم تموتون ، فقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فصلى ركعتين ثم ناجى ربه ، فنزل عليه جبرئيل فقال : يا محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هذا شيطان يقال له : « الدهان »(١) وهو الذي أرى فاطمة هذه الرؤيا ويؤذي المؤمنين في نومهم ما يغتمون به ، فأمر جبرئيلعليه‌السلام فجاء به إلى رسول الله فقال له : أنت أريت فاطمة هذه الرؤيا؟ فقال : نعم يا محمد فبزق عليه ثلاث بزقات فشجه في ثلاث مواضع ، ثم قال جبرئيل لمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : قل يا محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا رأيت في منامك شيئا تكرهه أو رأى أحد من المؤمنين فليقل : « أعوذ بما عاذت به ملائكة الله المقربون وأنبياء الله المرسلون وعباده الصالحون من شر ما رأيت من رؤياي ويقرأ الحمد والمعوذتين ، وقل هو الله أحد ، ويتفل عن يساره ثلاث تفلات ، فإنه لا يضره ما

__________________

(١) في المصدر : [ الرهاط ].

٣٤٢

أن يصيبني منه سوء أو شيء أكرهه ثم انقلبي عن يسارك ثلاث مرات.

( حديث محاسبة النفس )

١٠٨ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه وعلي بن محمد جميعا ، عن القاسم بن محمد ، عن سليمان بن داود المنقري ، عن حفص بن غياث قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام إذا أراد أحدكم أن لا يسأل ربه شيئا إلا أعطاه فلييأس من الناس كلهم ولا يكون له رجاء إلا من عند الله عز ذكره فإذا علم الله عز وجل ذلك من قلبه لم يسأله شيئا إلا أعطاه ـ فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا عليها فإن للقيامة خمسين موقفا كل موقف مقداره ألف سنة ثم تلا «فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ »(١) .

١٠٩ ـ وبهذا الإسناد ، عن حفص ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال من كان مسافرا فليسافر يوم السبت فلو أن حجرا زال عن جبل يوم السبت لرده الله عز ذكره إلى موضعه ومن تعذرت عليه الحوائج فليلتمس طلبها يوم الثلاثاء فإنه اليوم الذي ألان الله فيه الحديد لداودعليه‌السلام .

رأى وأنزل الله على رسوله «إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ » الآية.

قوله عليه‌السلام « انقلبي عن يسارك » الظاهر أنه كان « ثم اتفلي عن يسارك » ثلاث مرات كما يدل عليه ما نقلنا آنفا ، وعليه لعل المراد الانقلاب عن اليمين إلى اليسار ثلاث مرات ، بأن ينقلب أولا إلى اليسار ، ثم إلى اليمين ، ثم إلى اليسار ، وهكذا ويحتمل أن يكون متعلقا بالقول فقط أي يقوله ثلاث مرات ثم ينقلب ، وقيل : المراد أنه ينقلب شيئا فشيئا ، وقليلا قليلا عن اليمين إلى اليسار في ثلاث دفعات.

الحديث الثامن والمائة : ضعيف.

الحديث التاسع والمائة : ضعيف.

__________________

(١) سورة السجدة : ٥.

٣٤٣

١١٠ ـ وبهذا الإسناد ، عن حفص ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال مثل الناس يوم القيامة إذا قاموا لرب العالمين مثل السهم في القرب ليس له من الأرض إلا موضع قدمه كالسهم في الكنانة لا يقدر أن يزول هاهنا ولا هاهنا.

١١١ ـ وبهذا الإسناد ، عن حفص قال رأيت أبا عبد اللهعليه‌السلام يتخلل بساتين الكوفة فانتهى إلى نخلة فتوضأ عندها ثم ركع وسجد فأحصيت في سجوده خمسمائة تسبيحة ثم استند إلى النخلة فدعا بدعوات ثم قال يا أبا حفص إنها والله النخلة التي قال الله جل وعز لمريمعليها‌السلام «وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا »(١) .

١١٢ ـ حفص ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال عيسىعليه‌السلام اشتدت مئونة الدنيا ومئونة الآخرة أما مئونة الدنيا فإنك لا تمد يدك إلى شيء منها إلا وجدت فاجرا قد سبقك إليها وأما مئونة الآخرة فإنك لا تجد أعوانا يعينونك عليها.

الحديث العاشر والمائة : ضعيف.

قوله عليه‌السلام : « في القرب » أي في قرب كل منهم بالآخر ، وفي بعض النسخ « في القرن » قال في النهاية : القرن بالتحريك : جعبة من جلود تشق ، ويجعل فيها النشاب ، ومنه الحديث « الناس يوم القيامة كالنبل في القرن » أي مجتمعون مثلها(٢) .

الحديث الحادي عشر والمائة : صحيح.

قوله عليه‌السلام « في سجوده » أي في كل سجدة أو في جميعها ، والأول أظهر ، وهذا الخبر مؤيد لما ورد من الأخبار من أن عيسىعليه‌السلام ولد بشاطئ الفرات ، وما اشتهر بين المؤرخين من كون سكناها في بيت المقدس ، لا ينافي ذلك لجواز أن يكون الله أجاءها عند المخاض إلى هذا المكان بطي الأرض ثم أرجعها إلى بيت المقدس.

الحديث الثاني عشر والمائة : ضعيف.

__________________

(١) سورة مريم : ٢٥.

(٢) النهاية : ج ٤ ص ٥٥.

٣٤٤

١١٣ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن محبوب ، عن يونس بن عمار قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول أيما مؤمن شكا حاجته وضره إلى كافر أو إلى من يخالفه على دينه فكأنما شكا الله عز وجل إلى عدو من أعداء الله وأيما رجل مؤمن شكا حاجته وضره إلى مؤمن مثله كانت شكواه إلى الله عز وجل.

١١٤ ـ ابن محبوب ، عن جميل بن صالح ، عن الوليد بن صبيح ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن الله عز وجل أوحى إلى سليمان بن داود ع أن آية موتك أن شجرة تخرج من بيت المقدس يقال لها الخرنوبة قال فنظر سليمان يوما فإذا الشجرة الخرنوبة قد طلعت من بيت المقدس فقال لها ما اسمك قالت الخرنوبة قال فولى سليمان مدبرا إلى محرابه فقام فيه متكئا على عصاه فقبض روحه من ساعته قال فجعلت الجن والإنس يخدمونه ويسعون في أمره كما كانوا وهم يظنون أنه حي لم يمت يغدون ويروحون وهو قائم ثابت حتى دبت الأرضة من عصاه فأكلت منسأته فانكسرت وخر سليمان إلى الأرض أفلا تسمع لقوله عز وجل : «فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا

الحديث الثالث عشر والمائة : مجهول.

ويدل على جواز الشكاية إلى المؤمن وإن كان الأولى تركها.

الحديث الرابع عشر والمائة : صحيح.

قوله عليه‌السلام « فأكلت منسأته » أي عصاه.

قوله تعالى : « تَبَيَّنَتِ الْجِنُ » روى علي بن إبراهيم وغيره أن الآية إنما نزلت هكذا « تبينت الإنس أن لو كان الجن يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين » وذلك أن الإنس كانوا يقولون إن الجن يعلمون الغيب ، فلما سقط سليمان على وجهه علم الإنس أن لو كان الجن يعلمون الغيب لم يعملوا سنة لسليمان ، وهو ميت ، ويتوهمونه حيا(١) .

وقال الزمخشري : في قراءة أبي تبينت الإنس ، وفي قراءة ابن مسعود « تبينت

__________________

(١) تفسير القمّيّ : ج ٢ ص ٢٠٠ باختلاف يسير.

٣٤٥

يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ »(١)

١١٥ ـ ابن محبوب ، عن جميل بن صالح ، عن سدير ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال أخبرني جابر بن عبد الله أن المشركين كانوا إذا مروا برسول الله حول البيت طأطأ أحدهم ظهره ورأسه هكذا وغطى رأسه بثوبه لا يراه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فأنزل الله عز وجل : «أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما

الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب «(٢) وأما على القراءة المشهورة فقيل معناه علمت الجن بعد ما التبس عليهم أنهم لا يعلمون الغيب ، وقيل : أي علمت عامة الجن وضعفاؤهم أن رؤساءهم لا يعلمون الغيب ، وقيل المعنى : ظهرت الجن ، وأن بما في خبره بدل منه » أي ظهر أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا ما لبثوا في العذاب المهين.

الحديث الخامس عشر والمائة : حسن.

قوله تعالى : « أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ » لا يخفى أن تفسيره أشد انطباقا على اللفظ ، مما ذكره أكثر المفسرين.

قال البيضاوي : أي يثنونها عن الحق وينحرفون عنه ، أو يعطفونها على الكفر وعداوة النبي أو يؤلون ظهورهم «لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ » أي من الله بسرهم فلا يطلع رسوله والمؤمنين عليه ، قيل إنها نزلت في طائفة من المشركين ، قالوا : إذا أرخينا ستورنا واستغشينا ثيابها وطوينا صدورنا على عداوة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله كيف يعلم؟ وقيل : نزلت في المنافقين ، وفيه نظر إذ الآية مكية ، والنفاق حدث بالمدينة «أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ » أي إلا حين يأوون إلى فراشهم ويتغطون بثيابهم «يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ » في

__________________

(١) سورة سبأ : ١٤.

(٢) الكشّاف : ج ٣ ص ٥٧٤.

٣٤٦

يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ »(١) .

( إن الله خلق الجنة قبل أن يخلق النار )

١١٦ ـ ابن محبوب ، عن أبي جعفر الأحول ، عن سلام بن المستنير ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال إن الله عز وجل خلق الجنة قبل أن يخلق النار وخلق الطاعة قبل أن يخلق المعصية وخلق الرحمة قبل الغضب وخلق الخير قبل الشر وخلق الأرض قبل السماء وخلق الحياة قبل الموت وخلق الشمس قبل القمر وخلق النور قبل الظلمة.

١١٧ ـ عنه ، عن عبد الله بن سنان قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول إن الله خلق الخير يوم الأحد وما كان ليخلق الشر قبل الخير وفي يوم الأحد والإثنين خلق الأرضين وخلق أقواتها في يوم الثلاثاء وخلق السماوات يوم الأربعاء ويوم الخميس وخلق أقواتها

قلوبهم «وَما يُعْلِنُونَ » بأفواههم يستوي في علمه سرهم وعلنهم ، فكيف يخفى عليه ما عسى يظهرونه(٢) .

الحديث السادس عشر والمائة : مجهول.

قوله عليه‌السلام : « وخلق الطاعة » أي قدرها قبل المعصية وتقديرها ، وكذا في الفقرتين بعدها ، والخلق بمعنى التقدير شائع ، ولعل المراد بخلق الشر خلق ما يترتب عليه شر ، وإن كان إيجاده خيرا وصلاحا.

الحديث السابع عشر والمائة : صحيح.

قوله عليه‌السلام : « وما كان ليخلق الشر قبل الخير » الغرض أن ابتداء خلق الجميع يوم الأحد : إذ خيريته تعالى تقتضي أن لا يقدم خلق الشر على خلق الخير ، وابتداء خلق الخير كان يوم الأحد ، فلم يخلق قبله شيء.

أقول : في هذا الخبر فوائد الأولى : تفصيل ما ذكره تعالى مجملا في عدة مواضع من خلق السماوات والأرض في ستة أيام.

وروى العامة أيضا عن مجاهد أن الله ابتدأ بخلق الأرض والسماوات يوم

__________________

(١) سورة هود : ٥.

(٢) أنوار التنزيل : ج ١ ص ٤٦١.

٣٤٧

يوم الجمعة وذلك قوله عز وجل : «خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ »(١) .

الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة ، فاجتمع له الخلق ، وتم يوم الجمعة ، فلذلك سمي جمعة(٢) ، ولا شك في أنه تعالى كان قادرا على خلقها لحظة وإنما خلقها هكذا تدريجا لمصالح كثيرة لا نعلمها على حقيقتها.

وقيل : لأن ترتيب الحوادث على إنشاء شيء بعد شيء يدل على كون فاعله عالما مدبرا يصرفه على اختياره : ويجريه على مشيته.

ويؤيده ما رواه الصدوق في العيون(٣) والعلل بإسناده عن أبي الصلت الهروي عن الرضاعليه‌السلام أنه قال : « ثم خلق السماوات والأرض في ستة أيام ، وهو مستول على عرشه وكان قادرا على أن يخلقها في طرفة عين ، ولكنه عز وجل خلقها في ستة أيام ، ليظهر للملائكة ما يخلقه منها شيئا بعد شيء فتستدل بحدوث ما يحدث ، على الله تعالى ذكره » وقيل : إنه سبحانه علم خلقه الثبت والرفق في الأمور ، روي ذلك عن سعيد بن جبير.

الثانية إن الزمان ليس بمقدار حركه الفلك كما زعمت الفلاسفة وإلا فلا معنى للتقدير بالأيام قبل وجود الفلك ، والقول بأنه يحتمل أن يكون تقديره بحركة العرش أو الكرسي مثلا ـ ويكون خلق السماوات السبع والأرضين في ستة أيام يخالف أصولهم بوجوه شتى.

منها لزوم الخلاء ، ويخالف هذا الخبر وغيره من الأخبار الدالة على أول الموجودات كما مر ، مع أن الظاهر من الأخبار والآيات كون السماوات الدائرات سبعة ، والعرش والكرسي مربعان ثابتان غير متحركان.

__________________

(١) سورة السجدة : ٤.

(٢) مجمع البيان : ج ٤ ص ٤٢٨.

(٣) عيون أخبار الرضا : ج ١ ص ١٣٤ ب ١١ ح ٣٣.

٣٤٨

الثالثة : أنهم اختلفوا في أنه تعالى أي شيء أراد باليوم مع أن اليوم المصطلح لا يتحقق إلا بطلوع الشمس وغروبها ، ولم تكن في ابتداء الخلق شمس ولا قمر ، فقيل : المراد في ستة أوقات ، كذا ذكره علي بن إبراهيم في تفسيره(١) حيث قال في تفسيرقوله تعالى : « فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ* » أي في ستة أوقات ، وقال في قوله تعالى : «فِي يَوْمَيْنِ » أي في وقتين ، ابتداء الخلق وانقضاؤه ، وقيل : المراد في مقدار ستة أيام ، وهذا الوجه أنسب بلفظ الآية وأوفق بهذا الخبر ، كما لا يخفى.

الرابعة : فيه تفسير قوله تعالى : «قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ » أي في وقتين ابتداء الخلق وانقضاؤه ، فعلى تفسيرهعليه‌السلام أن مقدار يومين وافق بعد خلق الشمس والقمر. وتسمية الأيام يوم الأحد والاثنين.

قال البيضاوي(٢) : أي في مقدار يومين أو بنوبتين ، وخلق في كل نوبة ما خلق في أسرع ما يكون ، ولعل المراد بالأرض ما في جهة السفل من الأجرام البسيطة ومن خلقها في يومين أنه خلق لها أصلا مشتركا ثم خلق لها صورا بها صارت أنواعا ، وكفرهم به إلحادهم في ذاته وصفاته «وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً » ولا يصح أن يكون له ند [ ذلك ] الذي خلق الأرض في يومين « رب العالمين » خالق جميع ما يوجد من الممكنات ، ومربيها «وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ » استئناف غير معطوف على خلق للفصل بما هو خارج عن الصلة «مِنْ فَوْقِها » مرتفعة عليها ، ليظهر للنظار ما فيها من وجوه الاستبصار ، وتكون منافعها معرضة للطلاب «وَبارَكَ فِيها » وأكثر خيرها بأن خلق فيها أنواع النباتات والحيوانات «وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها » أقوات أهلها بأن

__________________

(١) تفسير القمّيّ : ج ١ ص ٣٢٢.

(٢) أنوار التنزيل : ج ٢ ص ٣٤٤.

٣٤٩

عين لكل نوع ما يصلحه ويعيش به ، أو أقواتا تنشأ منها بأن خص حدوث كل قوت بقطر من أقطارها ، وقرئ « وقسم فيها أقواتها في أربعة أيام » في تتمة أربعة أيام كقولك سرت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام وإلى الكوفة في خمسة عشر يوما ، ولعلة قال ذلك ، ولم يقل في يومين للإشعار باتصالهما باليومين الأولين والتصريح على الفذلكة.

أقول : الأظهر من هذا الخبر أن المراد بتقدير الأقوات خلق النباتات والثمار والحبوب التي هي أقوات الحيوانات ، ويحتمل أن يكون الخلق في الخبر بمعنى التقدير أي جعلها مهيأة لأن ينبت منها أرزاق العباد «سَواءً » أي استوت سواء بمعنى استواء ، والجملة صفة أيام وتدل عليه قراءة يعقوب بالجر وقيل : حال من الضمير في أقواتها أو فيها ، وقرئ بالرفع على هي سواء «لِلسَّائِلِينَ » متعلق بمحذوف تقديره هذا الحصر للسائلين عن مدة خلق الأرض ، وما فيها أو بقدر ، أي قدر فيها الأقوات للطالبين لها «ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ » قصد نحوها من قولهم استوى إلى مكان كذا إذا توجه إليه توجها لا يلوي على غيره ، والظاهر أن ثم لتفاوت ما بين الخلقين ، لا للتراخي في المدة لقوله «وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها » ودحوها متقدم على خلق الجبال من فوقها «وَهِيَ دُخانٌ » أمر ظلماني ، ولعله أراد به مادتها والأجزاء المصغرة التي ركبت منها «فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ » فخلقهن خلقا إبداعيا وأتقن أمرهن ، والضمير للسماء على المعنى أو مبهم ، وسبع سماوات حال على الأول وتميز على الثاني «فِي يَوْمَيْنِ » قيل : خلق السماوات يوم الخميس والشمس والقمر والنجوم يوم الجمعة هذا بعض كلام البيضاوي في تفسير هذه الآية(١) أوردناه ليتضح به معنى الخبر وقد سبق منا بعض الكلام فيها وبقي هيهنا إشكال وهو أن مدلول الخبر ينافي ظاهر الآية من

__________________

(١) أنوار التنزيل : ج ٢ ص ٣٤٥.

٣٥٠

جهتين.

الأولى : إن ظاهر الآية أن خلق أقوات الأرض وتقديرها كان في يومين ، والخبر يدل على أنه خلق أقوات الأرض في يوم وأقوات السماء في يوم.

والثانية : إن ظاهر الآية تقدم يومئ خلق الأقوات على يومي خلق السماوات والخبر يدل على تأخر أحد يومي خلق الأقوات عنهما ، ويمكن أن يجاب عن الأولى بأن المراد بخلق أقوات السماء خلق أسباب أقوات أهل الأرض الكائنة في السماء من المطر والثلج والألواح التي يقدر فيها الأقوات ، والملائكة الموكلين بها ويؤيده أن ليس لأهل السماء قوت وطعام وشراب ، ففي يوم واحد قدر الأسباب الأرضية لأقوات أهل الأرض وفي يوم آخر قدر الأسباب السماوية لها ، وفي الآية نسبهما إلى الأرض لكونهما لأهلها وفي الخبر فصل ذلك لبيان اختلاف موضع التقديرين ، وعلى الثانية بنحو مما ذكره البيضاوي ، بأن لا تكون لفظة « ثم » للترتيب والتراخي في المدة.

ومن غرائب ما سنح لي أني لما كتبت شرح هذا الخبر اضطجعت فرأيت فيما يرى النائم أني أتفكر في هذه الآية فخطر ببالي في تلك الحالة أنه يحتمل أن يكون المراد بأربعة أيام تمامها لا تتمتها ، ويكون خلق السماوات أيضا من جملة تقدير أرزاق أهل الأرض فإنها من جملة الأسباب ومحال بعض الأسباب كالملائكة العاملة والألواح المنقوشة. والشمس والقمر والنجوم المؤثرة بكيفياتها كالحرارة والبرودة في الثمار والنباتات ، ويكون لفظة « ثم » في قوله تعالى «ثُمَّ اسْتَوى » للترتيب في الأخبار لتفصيل ذلك الإجمال ، بأن يومين من تلك الأربعة كانا مصروفين في خلق السماوات ، والآخرين في خلق سائر الأسباب ، ولو لا أنه سنح لي في هذه الحال لم أجسر على إثبات هذا الاحتمال وإن لم يقصر عما ذكره المفسرون وبه يندفع الإشكال والله تعالى يعلم حقائق كلامه وحججهعليهم‌السلام .

٣٥١

١١٨ ـ ابن محبوب ، عن حنان وعلي بن رئاب ، عن زرارة قال قلت له قوله عز وجل : «لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ

الحديث الثامن عشر والمائة : صحيح.

قوله تعالى «لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ » قال البيضاوي أي أترصد بهم كما يقعد القطاع للسابلة «صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ » طريق الإسلام ونصبه على الظرف. كقوله :

لدن بهز الكف يعسل متنه

فيه ، كما عسل الطريق الثعلب(١)

وقيل : تقديره « على صراطك » كقولك ضرب زيد الظهر والبطن «ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ » أي من جميع الجهات الأربع مثل قصده إياهم بالتسويل والإضلال من أي وجه يمكنه بإتيان العدو من الجهات الأربع ، ولذلك لم يقل من فوقهم ومن تحت أرجلهم وقيل : لم يقل من فوقهم ، لأن الرحمة تنزل منه ولم يقل من تحتهم ، لأن الإتيان منه يوحش.

وعن ابن عباس «مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ » من قبل الآخرة ، و «مِنْ خَلْفِهِمْ » من قبل الدنيا «وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ » من جهة حسناتهم وسيئاتهم ، ويحتمل أن يقال : من بين أيديهم من حيث يعلمون ويقدرون على التحرز عنه ، ومن خلفهم من حيث لا يعلمون ولا يقدرون ، وعن أيمانهم وعن شمائلهم من جهة أن يتيسر لهم أن يعلموا ويتحرزوا ، ولكن لم يفعلوا لعدم تيقظهم واحتياطهم ، وإنما عدي الفعل إلى الأولين بحرف الابتداء ، لأنه منهما متوجه إليهم ، وإلى الآخرين بحرف المجاوزة فإن الآتي منهما كالمنحرف عنهم المار على عرضهم ونظيره قولهم

__________________

(١) لا يوجد في المصدر سوى الشطر الثاني من البيت. واللدن : بفتح اللام وسكون الدال ، اللين من كلّ شيء. وعَسَلَ الرمحُ : اشتدّ اهتزازه « القاموس : ج ٤ ص ٢٦٨ و ١٦ » وفي هذا البيت يصف الشاعر رمحه باللين وشدّة الإهزاز.

٣٥٢

وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ »(١) قال فقال أبو جعفرعليه‌السلام يا زرارة إنه إنما صمد لك ولأصحابك فأما الآخرون فقد فرغ منهم.

١١٩ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن خالد والحسين بن سعيد جميعا ، عن النضر بن سويد ، عن يحيى بن عمران الحلبي ، عن عبد الله بن مسكان ، عن بدر بن الوليد الخثعمي قال دخل يحيى بن سابور على أبي عبد اللهعليه‌السلام ليودعه فقال له أبو عبد اللهعليه‌السلام أما والله إنكم لعلى الحق وإن من خالفكم لعلى غير الحق والله ما أشك لكم في الجنة وإني لأرجو أن يقر الله لأعينكم عن قريب.

جلست عن يمينه «وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ » مطيعين وإنما قاله ظنا لقوله : [ تعالى ] «وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ » لما رأى فيهم مبدأ الشر متعددا ، ومبدأ الخير واحدا ، وقيل : سمعه من الملائكة(٢) .

قوله عليه‌السلام : « إنما صمد لك ولأصحابك » أي معظم ترصده إنما هو لمن تبع دين الحق ، لعلمه بأنهم ينتفعون بأعمالهم وأديانهم فيريد أن يضلهم إما عن دينهم ، وإما عن أعمالهم. فأما الآخرون أي المخالفون ، فلا يترصد لهم ، لأنه أضلهم عن دينهم ، فقد فرغ من أمرهم لأنهم لضلالتهم لا ينتفعون بما يعملون من الطاعات ، بل هي موجبة لشدة نصبهم وتعبهم في الدنيا ووفور عذابهم في الآخرة.

الحديث التاسع عشر والمائة : مجهول.

قوله عليه‌السلام : « أن يقر الله بأعينكم » (٣) قال الفيروزآبادي : يقال أقر الله عينه وبعينه(٤) .

قوله عليه‌السلام : « إلى قريب » أي عند الموت أو عند قيام القائم.

__________________

(١) سورة الأعراف : ١٧.

(٢) أنوار التنزيل : ج ١ ص ٣٤٣ ـ ٣٤٤.

(٣) في الأصل « لأعينكم عن قريب » وفي بعض النسخ [ بأعينكم الى قريب ].

(٤) القاموس : ج ٢ ص ١٢٠.

٣٥٣

١٢٠ ـ يحيى الحلبي ، عن عبد الله بن مسكان ، عن أبي بصير قال قلت جعلت فداك أرأيت الراد علي هذا الأمر فهو كالراد عليكم فقال يا أبا محمد من رد عليك هذا الأمر فهو كالراد على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعلى الله تبارك وتعالى يا أبا محمد إن الميت منكم على هذا الأمر شهيد قال قلت وإن مات على فراشه قال إي والله وإن مات على فراشه حي عند ربه يرزق.

١٢١ ـ يحيى الحلبي ، عن عبد الله بن مسكان ، عن حبيب قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول أما والله ما أحد من الناس أحب إلي منكم وإن الناس سلكوا سبلا شتى فمنهم من أخذ برأيه ومنهم من اتبع هواه ومنهم من اتبع الرواية وإنكم أخذتم بأمر له أصل فعليكم بالورع والاجتهاد واشهدوا الجنائز وعودوا المرضى واحضروا مع قومكم في مساجدهم للصلاة أما يستحيي الرجل منكم أن يعرف جاره حقه ولا يعرف حق جاره.

١٢٢ ـ عنه ، عن ابن مسكان ، عن مالك الجهني قال قال لي أبو عبد اللهعليه‌السلام يا مالك أما ترضون أن تقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة وتكفوا وتدخلوا الجنة

الحديث العشرون والمائة : صحيح.

قوله عليه‌السلام : « حي عند ربه يرزق » أي له من الثواب ما أعده الله للشهداء حيث قال ( تعالى ) : «وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ » الآية(١) .

الحديث الحادي والعشرون والمائة : مجهول.

قوله عليه‌السلام : « أن يعرف جاره حقه » أي من العامة أو الأعم.

الحديث الثاني والعشرون والمائة : حسن.

قوله عليه‌السلام : « وتكفوا » أي عن المعاصي أو عن الناس بالتقية.

__________________

(١) سورة آل عمران : ١٦٩.

٣٥٤

يا مالك إنه ليس من قوم ائتموا بإمام في الدنيا إلا جاء يوم القيامة يلعنهم ويلعنونه إلا أنتم ومن كان على مثل حالكم يا مالك إن الميت والله منكم على هذا الأمر لشهيد بمنزلة الضارب بسيفه في سبيل الله.

١٢٣ ـ يحيى الحلبي ، عن بشير الكناسي قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول وصلتم وقطع الناس وأحببتم وأبغض الناس وعرفتم وأنكر الناس وهو الحق إن الله اتخذ محمداصلى‌الله‌عليه‌وآله عبدا قبل أن يتخذه نبيا وإن علياعليه‌السلام كان عبدا ناصحا لله عز وجل فنصحه وأحب الله عز وجل فأحبه إن حقنا في كتاب الله بين لنا صفو الأموال ولنا الأنفال وإنا قوم فرض الله عز وجل طاعتنا وإنكم تأتمون بمن لا يعذر الناس بجهالته وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية عليكم بالطاعة فقد رأيتم أصحاب عليعليه‌السلام ثم قال إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال في مرضه الذي توفي فيه ادعوا لي خليلي فأرسلتا إلى أبويهما فلما جاءا أعرض بوجهه ثم قال

الحديث الثالث والعشرون والمائة : مجهول.

ويمكن أن يعد حسنا لأن هذا الخبر يدل على مدح بشير.

قوله عليه‌السلام : « إن الله اتخذ محمدا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عبدا » أي عبدا كاملا في العبودية مطيعا لله في جميع أموره ، ولذا لم ينسب الله تعالى بالعبودية أحدا إلى نفسه إلا مقربي جنابه من الأنبياء والأوصياء كما قال : «سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ »(١) وقال : «عَبْداً مِنْ عِبادِنا »(٢) وقال : إلى «عَبْدَنا داوُدَ »(٣) ومثله كثير ، والغرض أن هذا الكمال الذي كان حاصلا لنبينا قبل بعثته ونبوته ، قد كان لعليعليه‌السلام وكان في جميع الكمالات مشاركا مع الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سوى النبوة فقد أخذتم بولاية من هو هكذا.

قوله عليه‌السلام : « لنا صفو المال » أي صفايا الغنيمة.

قوله عليه‌السلام : « فقد رأيتم أصحاب علي عليه‌السلام » أي المطيعين له أو المخالفين له

__________________

(١) سورة الإسراء : ١.

(٢) سورة الكهف : ٦٥.

(٣) سورة ص : ١٧. والآية «وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ » ولعلّ كلمة « إلى » هنا زيدت من النسّاح.

٣٥٥

ادعوا لي خليلي فقالا قد رآنا لو أرادنا لكلمنا فأرسلتا إلى عليعليه‌السلام فلما جاء أكب عليه يحدثه ويحدثه حتى إذا فرغ لقياه فقالا ما حدثك فقال حدثني بألف باب من العلم يفتح كل باب إلى ألف باب.

١٢٤ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن الهيثم بن أبي مسروق النهدي ، عن موسى بن عمر بن بزيع قال قلت للرضاعليه‌السلام إن الناس رووا أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان إذا أخذ في طريق رجع في غيره فهكذا كان يفعل قال فقال نعم فأنا أفعله كثيرا فافعله ثم قال لي أما إنه أرزق لك.

١٢٥ ـ سهل بن زياد ، عن يحيى بن المبارك ، عن عبد الله بن جبلة ، عن محمد بن الفضيل ، عن أبي الحسن الأولعليه‌السلام قال قلت له جعلت فداك الرجل من إخواني يبلغني عنه الشيء الذي أكرهه فأسأله عن ذلك فينكر ذلك وقد أخبرني عنه قوم ثقات فقال لي يا محمد كذب سمعك وبصرك عن أخيك فإن شهد عندك خمسون قسامة

أو الأعم.

قوله عليه‌السلام : « أكب عليه » قال الفيروزآبادي : أكب عليه : أقبل ولزم(١) .

قوله عليه‌السلام : « ألف باب » أي ألف نوع أو ألف قاعدة من القواعد الكلية التي تستنبط من كل قاعدة منها ألف قاعدة أخرى ، والأول أظهر.

الحديث الرابع والعشرون والمائة : ضعيف.

ويدل على استحباب الرجوع في غير الطريق الذي أخذ فيه ، وأنه موجب لمزيد الرزق.

الحديث الخامس والعشرون والمائة : ضعيف.

قوله عليه‌السلام : « خمسون قسامة » أي خمسون رجلا يشهدون ويقسمون عليه ،

__________________

(١) القاموس : ج ١ ص ١٢٤.

٣٥٦

وقال لك قولا فصدقه وكذبهم لا تذيعن عليه شيئا تشينه به وتهدم به مروءته فتكون من الذين قال الله في كتابه : «إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ »(١) .

( حديث من ولد في الإسلام )

١٢٦ ـ سهل بن زياد ، عن يعقوب بن يزيد ، عن عبد ربه بن رافع ، عن الحباب بن موسى ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال من ولد في الإسلام حرا فهو عربي ومن كان له عهد فخفر في عهده فهو مولى لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومن دخل في الإسلام طوعا فهو

ولعل هذا مختص بما إذا كان فيما يتعلق بنفسه من غيبته أو الإزراء به ، ونحو ذلك فإذا أنكرها واعتذر إليه يلزمه أن يقبل عذره ، ولا يؤاخذه بما بلغه عنه ، ويحتمل التعميم أيضا فإن الثبوت عند الحاكم بعدلين أو أربعة وإجراء الحد عليه لا ينافي أن يكون غير الحاكم مكلفا باستتار ما ثبت عنده من أخيه ، من الفسوق التي كان مستترا بها ، والإذاعة الإفشاء ، والشين : العيب ، والفاحشة : الذنب أو ما يشتد قبحه من الذنوب.

حديث من ولد في الإسلام

الحديث السادس والعشرون والمائة : ضعيف.

قوله عليه‌السلام : « من ولد في الإسلام حرا فهو عربي » أي الأخبار الواردة في مدح العرب تشتمل كل من ولد في الإسلام حرا وكان على دين الحق ولو كان من العجم ،(٢) لورود كثير من الأخبار أنهم يحشرون بلسان العرب ، وإن كان على غير دين الحق يحشر بلسان العجم وإن كان من العرب.

قوله عليه‌السلام : « ومن كان له عهد فخفر » يقال : خفر به خفرا وخفورا أي نقض

__________________

(١) النور : ١٨.

(٢) معاني الأخبار : ص ٤٠٣ ـ ٤٠٥ ب نوادر المعاني ح ٧١ ـ ٧٢ ـ ٧٤ ـ ٧٧ ـ ٧٨.

٣٥٧

مهاجر.

١٢٧ ـ علي بن إبراهيم ، عن هارون بن مسلم ، عن مسعدة بن صدقة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من أصبح وأمسى وعنده ثلاث فقد تمت عليه النعمة في الدنيا من أصبح وأمسى معافى في بدنه آمنا في سربه عنده قوت يومه فإن كانت عنده الرابعة فقد تمت عليه النعمة في الدنيا والآخرة وهو الإسلام.

١٢٨ ـ عنه ، عن هارون بن مسلم ، عن مسعدة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام [ ، عن أبيهعليه‌السلام ]

عهده والخفر أيضا الإجارة والمنع وحفظ الأمان ، وعلى التقديرين أقيم علة الجزاء هنا مقامه ، أي من كان له عهد وأمان وذمة من قبل أحد من المسلمين فروعي أمانه فقد روعي أمان حليف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو معتقه أو من آمنه ، لأنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حكم بحفظ أمانه وأعتقه(١) من القتل فهو مولاهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإن نقض عهده فقد نقض عهد مولى الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأنه مولاه.

قوله عليه‌السلام : « ومن دخل في الإسلام طوعا فهو مهاجر » أي في هذا الزمان الذي ارتفع حكم الهجرة ، أو أنه مطلقا في حكم المهاجر في وفور ثوابه ، ولزوم احترامه.

الحديث السابع والعشرون والمائة : ضعيف.

قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « من أصبح وأمسى معافى » بيان للجملة السابقة وبدل عنها ومفسر لها ، قال الجزري : فيه « من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه » يقال :فلان آمن في سربه بالكسر : أي في نفسه ، وفلان واسع السرب : أي رخي البال ، ويروى بالفتح ، وهو المسلك والطريق ، يقال : خل له سربه أي طريقه(٢) .

الحديث الثامن والعشرون والمائة : ضعيف.

__________________

(١) هكذا في النسخ لكن ظاهرا سقط كلمة « من » والصحيح « ومن أعتقه ».

(٢) النهاية : ج ٢ ص ٣٥٦.

٣٥٨

أنه قال لرجل وقد كلمه بكلام كثير فقال أيها الرجل تحتقر الكلام وتستصغره اعلم أن الله عز وجل لم يبعث رسله حيث بعثها ومعها ذهب ولا فضة ولكن بعثها بالكلام وإنما عرف الله جل وعز نفسه إلى خلقه بالكلام والدلالات عليه والأعلام.

١٢٩ ـ وبهذا الإسناد قال قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ما خلق الله جل وعز خلقا إلا وقد أمر عليه آخر يغلبه فيه وذلك أن الله تبارك وتعالى لما خلق البحار السفلى فخرت وزخرت وقالت أي شيء يغلبني فخلق الأرض فسطحها على ظهرها فذلت ثم قال إن الأرض فخرت وقالت أي شيء يغلبني فخلق الجبال فأثبتها على ظهرها أوتادا من أن تميد بما عليها فذلت الأرض واستقرت ثم إن الجبال فخرت على الأرض فشمخت واستطالت وقالت أي شيء يغلبني فخلق الحديد فقطعها فقرت الجبال

قوله عليه‌السلام : « تحتقر الكلام » لعل السائل لم يعرف قدر نعمة الكلام ، وما إفاضةعليه‌السلام عليه من الحكم والمعارف فنبههعليه‌السلام بفضيلة الكلام ورفعة شأنه ، وأن عمدة معجزات الأنبياء بيان المعارف الإلهية والعلوم الدينية ، وبه يعرف الله تعالى ويستدل عليه.

الحديث التاسع والعشرون والمائة : ضعيف.

قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « فخرت وزخرت » قال الفيروزآبادي : زخر البحر كمنع زخرا وزخورا وتزخر : طمى وتملأ ، والوادي مد جدا وارتفع ، والنبات طال ، والرجل بما عنده فخر(١) .

أقول : يحتمل أن تكون هذه الجمل جرت على سبيل الاستعارة التمثيلية لبيان أن ما سوى الحق تعالى مغلوب مقهور عن غيره ، والله تعالى هو الغالب القاهر لجميع من سواه.

قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « أوتادا من أن تميد بما عليها » إشارة إلى ما ذكره الله تعالى

__________________

(١) القاموس : ج ٢ ص ٣٩.

٣٥٩

وذلت ثم إن الحديد فخرت على الجبال وقال أي شيء يغلبني فخلق النار

في مواضع من القرآن الكريم منها قوله تعالى : «وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ »(١) قال المبرد : أي منع الأرض أن تميد ، وقيل : أي كراهة أن تميد ، ومنها قوله تعالى «وَالْجِبالَ أَوْتاداً »(٢) وقال بعض المفسرين : الميد الاضطراب في الجهات الثلاث ، وقيل : إن الأرض كانت تميد وترجف رجوف السقف بالوطء ، فثقلها الله بالجبال الرواسي ، ليمنع من رجوفها ، ورووا عن ابن عباس أنه قال : إن الأرض بسطت على الماء فكانت تكفأ بأهلها كما تكفأ السفينة ، فأرساها الله تعالى بالجبال ، تم إنهم اختلفوا في أنه لم صارت الجبال سببا لسكون الأرض؟ على أقوال ، وذكروا لذلك وجوها ولنذكر بعضها.

الأول : ما ذكره الفخر الرازي في تفسيره(٣) : أن السفينة إذا ألقيت على وجه الماء فإنها تميد من جانب إلى جانب وتضطرب ، فإذا وضعت الأجرام الثقيلة فيها استقرت على وجه الماء ، فكذلك لما خلق الله تعالى الأرض على وجه الماء اضطربت ومادت ، فخلق الله تعالى عليها هذه الجبال ووتدها بها ، فاستقرت على وجه الماء بسبب ثقل الجبال ، ثم قال : لقائل أن يقول : هذا يشكل من وجوه.

الأول : إن هذا المعلل إما أن يقول : بأن حركات الأجسام بطباعها أو يقول : ليست بطباعها ، بل واقعة بإيجاد الفاعل المختار إياها ، فعلى التقدير الأول نقول : لا شك أن الأرض أثقل من الماء والأثقل يغوص في الماء ولا يبقى طافيا عليه ، فامتنع أن يقال إنها كانت تميد وتضطرب بخلاف السفينة ، فإنها متخذة من الخشب وفي داخل الخشب تجويفات غير مملوءة فلذلك تميد وتضطرب

__________________

(١) سورة النحل : ١٥.

(٢) سورة النبأ : ٧.

(٣) تفسير الرازيّ : ج ٢ ص ٨ « ط إستانبول سنة ١٢٩٤ ».

٣٦٠

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

381

382

383

384

385