مرآة العقول الجزء ٢٦

مرآة العقول0%

مرآة العقول مؤلف:
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 610

مرآة العقول

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: الشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي ( العلامة المجلسي )
تصنيف: الصفحات: 610
المشاهدات: 6729
تحميل: 2638


توضيحات:

المقدمة الجزء 1 المقدمة الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8 الجزء 9 الجزء 10 الجزء 11 الجزء 12 الجزء 13 الجزء 14 الجزء 15 الجزء 16 الجزء 17 الجزء 18 الجزء 19 الجزء 20 الجزء 21 الجزء 22 الجزء 23 الجزء 24 الجزء 25 الجزء 26
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 610 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 6729 / تحميل: 2638
الحجم الحجم الحجم
مرآة العقول

مرآة العقول الجزء 26

مؤلف:
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

الحديث والورع والاجتهاد واعلم أنه لا ينفع اجتهاد لا ورع معه وإياك أن تطمح نفسك إلى من فوقك وكفى بما قال الله عزَّ وجلَّ لرسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ »(١) وقال الله عزَّ وجلَّ لرسوله : «وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا »(٢) فإن خفّت شيئاً من ذلك فاذكر عيش رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فإنّما كان قوته الشعير وحلواه التمر ووقوده السعف إذا وجده وإذا أصبت

_________________________________________________________

قولهعليه‌السلام : « والورع » الكف عن المحرمات أو عن الشبهات أيضاً ، « والاجتهاد » السعي وبذلٌّ الجهد في الطاعة.

قولهعليه‌السلام : « وأن تطمح نفسك » أي ترفعها إلى حال من هو فوقك ، وتتّمنى حاله.

قال الفيروزآبادي : طمح بصره إليه كمنع ارتفع ، وكلِّ مرتفع طامح ، واطمح بصره رفعه(٣) قوله تعالى : «فَلا تُعْجِبْكَ » أي لا تأخذ بقلبك ما تراه من كثرة أموال هؤلاء المنافقين وكثرة أولادهم ، ولا تنظر إليهم بعين الإعجاب ، قوله تعالى «وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ » أي نظر عينيك «إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ » استحسانا له وتمنيا أن يكون لك مثله «أَزْواجاً مِنْهُمْ » أصنافا من الكفرة ، ويجوز أن يكون حإلّا من الضمير والمفعول منهم أي إلى الّذي متعنا به ، وهو أصناف بعضهم أو ناسا منهم «زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا » منصوب بمحذوف دل عليه - متعنا - أو - به - أو على تضمينه معنى أعطينا أو بالبدل من محل به أو من أزواجاً بتقدير مضاف ، ودونه أو بالذم وهي الزينة والبهجة. كذا ذكره البيضاوي(٤) وتتمّة الآية «لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ » أي لنبلوهم ونختبرهم فيه ، أو لنعذبهم في الآخرة بسببه «وَرِزْقُ رَبِّكَ » وما ادخره لك في الآخرة ، أو ما رزقك من الهدى والنبوة «خَيْرٌ » مما منحهم في الدنيا «وَأَبْقى » فإنه لا ينقطع.

قوله (ع) : « شيئاً من ذلك » أي من عزَّ الدنيا وفخرها وطلب زوائدها.

__________________

(١) سورة التوبة : ٥٥. (٢) سورة طه : ١٣١.

(٣) القاموس : ج ١ ص ٢٤٧. (٤) أنوار التنزيل : ج ٢ ص ٦٥.

٤١

بمصيبة فاذكر مصابك برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فإنَّ الخلق لم يصابوا بمثلهعليه‌السلام قطّ.

١٩٠ - عدَّةٌ من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن ابن محبوب ، عن الحسن بن السريّ ، عن أبي مريم ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال سمعت جابر بن عبد الله يقول إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مرَّ بنا ذات يوم ونحن في نادينا وهو على ناقته وذلك حين رجع من حجة الوداع فوقف علينا فسلّم فرددناعليه‌السلام ثمَّ قال ما لي أرى حبَّ الدُّنيا قد غلب على كثير من النّاس حتّى كأنّ الموت في هذه الدُّنيا على غيرهم كتب وكأن الحقّ في هذه الدُّنيا على غيرهم وجب وحتّى كأنّ لم يسمعوا ويروا من خبر الأموات قبلهم سبيلهم سبيل قوم سفر عمّا قليل إليهم راجعون بيوتهم أجداثهم ويأكلون تراثهم فيظّنون أنّهم

_________________________________________________________

قولهعليه‌السلام : « فاذكر مصابك برسول الله » فإن تذكر المصائب العظام يوجب الرضا بما دونها. أو إذا أصبت بموت حميم مثلا فاذكر أن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يبق في الدُّنيا فلا يمكن الطمع في بقاء أحد ، والأول أظهر بل هو المتعين كما لا يخفّى.

الحديث التسعون والمائة : ضعيف.

وقد ذكر السيّد في نهج البلاغة بعض فقرات هذا الخبر ، ونسبها إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام أنه قالها حين تبع جنازة فسمع رجلا يضحك ثمَّ قال : ومن النّاس من ينسب هذا الكلام إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (١) ورواها عليُّ بن إبراهيم أيضاً عن أمير المؤمنينعليه‌السلام .(٢) قوله : « ونحن في نادينا » النادي مجتمع القوم.

قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « وكان الحقّ » أي أوامر الله ونواهيه ، ويحتمل أن يكون المراد الموت أيضا.

قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « سبيلهم سبيل قوم سفر » السفر جمع سافر ، فيحتمل إرجاع الضمير في قوله « سبيلهم » إلى الإحياء وفي قوله « إليهم » إلى الأموات ، أي هؤلاء

__________________

(١) نهج البلاغة تحقيق صبحي الصالح ص ٤٩٠ ( المختار من الحكم ١٢٢ ).

(٢) تفسير القمي : ج ٢ ص ٧٠.

٤٢

مخلّدون بعدهم هيهات هيهات [ أ ] ما يتّعظ آخرهم بأوَّلهم لقد جهلوا ونسوا كلِّ واعظ في كتاب الله وآمنوا شرَّ كلِّ عاقبّة سوء ولم يخافوا نزول فادحة وبوائق حادثة.

طوبى لمن شغله خوف الله عزَّ وجلَّ عن خوف النّاس.

طوبى لمن منعه عيبه عن عيوب المؤمنين من إخوانه.

طوبى لمن تواضع لله عزَّ ذكره وزهد فيما أحل الله له من غير رغبة عن سيرتي

_________________________________________________________

الأحياء مسافرون يقطّعون منازل أعمّارهم من السنين والشهور ، حتّى يلحقوا بهؤلاء الأموات ، ويحتمل العكس في إرجاع الضميرين ، فالمراد أن سبيل هؤلاء الأموات عند هؤلاء الإحياء لعدم اتّعاظهم بموتهم ، وعدم مبالاتهم كانوا ذهبوا إلى سفر وعن قريب يرجعون إليهم ، ويؤيدّه ما في النهج والتفسير « وكان الّذي نرى من الأموات سفر عمّا قليل إلينا راجعون ».

قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « بيوتهم أجداثهم » الأجداث جمع الجدث ، وهو القبر أي يرون أن بيوت هؤلاء الأموات أجداثهم ، ومع ذلك يأكلون تراثهم ، أو يرون أن تراث هؤلاء قد زالت عنهم وبقيّ في أيديهم ، ومع ذلك لا يتعظون ويظنون أنّهم مخلّدون بعدهم ، والتراث ما يخلفه الرَّجل لورثته ، والظاهر أنّه وقع في نسخ الكتاب تصحيف والأظهر ما في النهج « نبوئهم أجداثهم » ، ونأكلِّ تراثهم ، وفي التفسير(١) « تنزلهم أجداثهم ».

قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « نزول فادحة » أي بلية يثقل حملها ، يقال : فدحه الدين أي أثقله ، وأمر فادح : إذا غاله وبهظه ذكره الجوهري(٢) وفي النهج « ثمَّ قد نسينا كلِّ واعظ ، وواعظة ، ورمينا بكلِّ فادح وجائحة »(٣) .

قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « وبوائق حادثة » البوائق : الدواهي.

قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « من غير رغبة عن سيرتي » أي من غير أن يترك ما كان يتمتع

__________________

(١) تفسير القمي ج ٢ ص ٧٠. (٢) الصحاح ج ١ ص ٣٩٠.

(٣) نهج البلاغة بتحقيق صبحي الصالح ص ٤٩٠ ( المختار من الحكم ١٢٢ ).

٤٣

ورفض زهرة الدُّنيا من غير تحوُّل عن سنّتي واتّبع الأخيار من عترتي من بعدي وجانب أهل الخيلاء والتفاخر والرَّغبة في الدُّنيا المبتدعين خلاف سنّتي العاملين بغير سيرتي طوبى لمن اكتسب من المؤمنين مإلّا من غير معصية فأنفقه في غير معصية وعاد به على أهل المسكنة طوبى لمن حسن مع النّاس خلقه وبذلٌّ لهم معونته وعدل عنهم شرَّه طوبى لمن أنفق القصد وبذلٌّ الفضل وأمسك قوله عن الفضول وقبيح الفعل.

١٩١ - الحسين بن محمّد الأشعري ، عن معلى بن محمّد رفعه ، عن بعض الحكماء قال إن أحقّ النّاس أن يتمنّى الغنى للناس أهل البخل لأنّ النّاس إذا استغنوا كفوا عن أموالهم وإن أحقّ النّاس أن يتمنى صلاح النّاس أهل العيوب لأنّ النّاس إذا صلحوا كفوا عن تتبع عيوبهم وإن أحقّ النّاس أن يتمنّى حلم النّاس أهل السفه الذين يحتاجون أن يعفى عن سفههم فأصبح أهل البخل يتمنون فقر النّاس وأصبح أهل العيوب

_________________________________________________________

به النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله من النساء والطيب والنوم وغيرها ، بل يزهد في الشبهات ، وزوائد المحلّلات الّتي تمنع الطاعات.

قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « من غير تحوُّل عن سنّتي » بأن يحرم على نفسه المباحات ، ويترك السنن ، ويبتدع في الدين كما هو الشائع بين أهل البدعة من الصوفية.

قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « وعاد به » من العائدة بمعنى الفضل والإحسان.

قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « لمن أنفق القصد » أي الوسط من غير إسراف وتقتير.

الحديث الحادي والتسعون والمائة : ضعيف.

قوله : « عن بعض الحكماء » أي الأئمّةعليهم‌السلام إذ قد روى الصدوق في الأمالي(١) بإسناده عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، مع أنّه ليس من دأبهم الرواية عن غير

__________________

(١) الأمالي : ص ٣٤٦ ط النجف الأشرف.

٤٤

يتّمنون فسقهم وأصبح أهل الذُّنوب يتمنّون سفههم وفي الفقر الحاجة إلى البخيل وفي الفساد طلب عورة أهل العيوب وفي السفه المكافأة بالذُّنوب.

١٩٢ - عدَّةٌ من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد بن خالد ، عن القاسم بن يحيى ، عن جده الحسن بن راشد قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام يا حسن إذا نزلت بك نازلة فلا تشكها إلى أحد من أهل الخلاف ولكن اذكرها لبعض إخوانك فإنّك لن تعدم خصلة من أربع خصال إمّا كفاية بمال وأمّا معونة بجاه أو دعوة فتستجاب أو مشورة برأي.

( خطبة لأمير المؤمنينعليه‌السلام )

١٩٣ - عليُّ بن الحسين المؤدّب وغيره ، عن أحمد بن محمّد بن خالد ، عن إسماعيل بن مهران ، عن عبد الله بن أبي الحارث الهمدانيّ ، عن جابر ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال خطب أمير المؤمنينعليه‌السلام فقال الحمد لله الخافض الرافع.

_________________________________________________________

المعصوم.

الحديث الثاني والتسعون والمائة : ضعيف.

ويدلّ على جواز ذكر الحاجة والنازلة للإخوان في الله بل رجحانه.

خطبة لأمير المؤمنينعليه‌السلام

الحديث الثالث والتسعون والمائة : مجهول.

قولهعليه‌السلام : « الخافض الرافع » الخفّض : ضدّ الرفع ، أي يخفّض الجبارين والفراعنة ، ويضعهم ويهينهم ، ويخفض كلِّ شيء يريد خفّضه ، وهو الرافع يرفع أنبياءه وحججه على درجات القرب والكمال ، وكذا المؤمنين في مراتب الدين ويلحقّهم بالمقرّبين ، ويرفع من أراد رفعته في الدُّنيا بالعزَّ والتمكين ، ورفع

٤٥

الضّار النافع ، الجواد الواسع

_________________________________________________________

السّماء بغير عمد ، فكلِّ رفعة وعزّة وغلبة منه تعالى.

قولهعليه‌السلام : « الضّار النافع » أي يضر من يشاء بتعذيبه إذا استحقّ العقاب ، وبالبلايا والمحن في الدُّنيا ، إما لغضبه عليهم أو لتكفير سيئاتهم أو لرفع درجاتهم ، وهذان الأخيران وإن كانا عائدين إلى النفع ، لكن يمكن إطلاق الضرر عليهما بحسب ظاهر الحال ، ونفعه تعالى لا يحتاج إلى البيان ، إذ هو منشأ كلِّ جود ورحمة ونعمة وإحسان.

قولهعليه‌السلام : « الجواد » روى الصدوق (ره) عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن إبراهيم بن هاشم ، عن أحمد بن سليمان قال : سأل رجلَّ أبا الحسنعليه‌السلام وهو في الطواف ، فقال له : أخبرني عن الجواد؟ فقال : إن لكلامك وجهين ، فإن كنت تسأل عن المخلوق فإن الجواد الّذي يؤدي ما افترض الله تعالى عليه ، والبخيل من بخل بما افترض الله عليه ، وإن كنت تعني الخالق فهو الجواد إن أعطى ، وهو الجواد إن منع ، لأنه إن أعطى عبداً أعطاه ما ليس له ، وإن منع منع ما ليس له(١) .

قولهعليه‌السلام : « الواسع » هو مشتق من السعة ، وهي تستعمل حقيقة باعتبار المكان ، وهي لا يمكن إطلاقها على الله تعالى بهذا المعنى ، ومجازاً في العلم والإنعام والمكنة والغنى ، قال تعالى : «وَسِعْتَ كلِّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلـمّا »(٢) وقال : «لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ »(٣) ولذا فسر الواسع بالعالم المحيط بجميع المعلومات كليها وجزئيها موجودها ومعدومها ، وبالجواد الّذي عمت نعمته ، وشملت رحمته كلِّ بر وفاجر ، ومؤمن وكافر ، وبالغني التامّ الغني المتمكّن فيما يشاء ، وقيل : الواسع الّذي لا نهاية لبرهانه ولا غاية لسلطانه ولا حدّ لإحسانه.

__________________

(١) معاني الأخبار : ص ٢٥٦ باختلاف في السند والمتن.

(٢) سورة غافر : ٧.

(٣) سورة الطلاق : ٧. وفي الآية «لِيُنْفِقْ ».

٤٦

الجليل ثناؤه ، الصادقة أسماؤه المحيط بالغيوب وما يخطر على القلوب الّذي جعل الموت بين خلقه عدلاً وأنعم بالحياة عليهم فضلاً فأحيا وأمات وقدَّر الأقوات أحكمها بعلمه تقديراً وأتقنها بحكمته تدبيراً إنه كان خبيراً بصيراً هو الدائم بلا فناء والباقيّ إلى غير منتهى يعلم ما في الأرض وما في السّماء «وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى ».

أحمده بخالص حمده المخزون بما حمده به الملائكة والنبيّون حمداً لا يحصى له عددٌ ولا يتقدَّمه أمد(١) ولا يأتي بمثله أحدٌ ، أومن به وأتوكلِّ عليه وأستهديه وأستكفيه وأستقضيه بخير وأسترضيه

_________________________________________________________

قولهعليه‌السلام : « الجليل ثناؤه » أي ثناؤه ومدحه أجلَّ من أن يحيط به الواصفون.

قولهعليه‌السلام : « أحكمها بعلمه تقديراً » أي كانت الأقوات مقدرة مجددة في علمه ، أو قدر الأقوات قبل خلق الخلائق وأحكمها لعلمه بمصالحهم قبل إيجادهم وقولهعليه‌السلام : « تقديراً » تميز.

قولهعليه‌السلام : « وأتقنها بحكمته تدبيراً » أي أتقن تدبير الأقوات بعد خلق الأشياء المحتاجة إليها على وفق حكمته ، أو لعلمه بالحكم والمصالح.

قولهعليه‌السلام : « إنه كان خبيراً بصيراً » الخبير : العليم ببواطن الأشياء ، من الخبرة وهي العلم بالخفّايا الباطنة ، والبصير : فيه تعالى معناه العالم بالمبصرات.

قولهعليه‌السلام : « بخالص حمده » أي بحمده الخالص عن النقص والشوائب الّذي هو مخزون عن أكثر الخلق ، لا يأتي به إلّا المقربون.

قولهعليه‌السلام : « ولا يتقدَّمه أحد » أي بالتقدم المعنوي بأن يحمد أفضل منه أو بالتقدم الزماني بأن يكون حمده أحد قبل ذلك.

قولهعليه‌السلام : « أستقصيه » بالصاد المهملة من قولهم : استقصى في المسألة وتقصى

__________________

(١) في بعض النسخ [ أحد ] كما جاء في الشرح.

٤٧

وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له وأشهد أنَّ محمّداً عبده ورسوله أرسله بِالْهُدى وَدِينِ الْحقّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ صلى‌الله‌عليه‌وآله

أيّها النّاس إن الدُّنيا ليست لكم بدار ولا قرار إنما أنتم فيها كركب عرسوا فأناخوا ثمَّ استقلوا فغدوا وراحوا دخلوا خفّافا وراحوا خفّافا لم يجدوا عن مضي نزوعا ولا إلى ما تركوا رجوعا جد بهم فجدوا وركنوا إلى الدُّنيا فما استعدوا

_________________________________________________________

إذا بلغ الغاية(١) أو بالضاد المعجمة كما في بعض النسخ من قولهم : استقضى فلان أي طلب إليه أن يقضيه.

قولهعليه‌السلام : « بخير » أي بسبب طلب الخير.

قولهعليه‌السلام : « ولا قرار » أي محلّ قرار.

قولهعليه‌السلام : « كركب عرسوا » الركب جمع راكب والتعريس : نزول القوم في السفر من آخر الليل نزلة للنوم والاستراحة.(٢) قولهعليه‌السلام : « ثمَّ استقلوا » قال الجوهري : استقل القوم : مضوا وارتحلوا.(٣) قولهعليه‌السلام : « دخلوا خفافاً » هو جمع خفّيف أي دخلوا في الدُّنيا عند ولادتهم خفّاقا ، بلا زاد ولا مال ، وراحوا عند الموت كذلك ، ويحتمل أن يكون كناية عن الإسراع.

قولهعليه‌السلام : « نزوعاً » قال الفيروزآبادي : نزع عن الشيء نزوعاً : كف وأقلع

__________________

(١) القاموس ج ٤ ص ٣٨١.

(٢) النهايةج ٣ ص ٢٠٦.

(٣) الصحاح ج ٥ ص ١٨٠٤.

٤٨

حتّى إذا أخذ بكظمهم وخلصوا إلى دار قوم جفّت أقلامهم لم يبق من أكثرهم خبرٌ ولا أثرٌ قلّ في الدُّنيا لبثهم وعجلَّ إلى الآخرة بعثهم فأصبحتم حلولاً في ديارهم ، ظاعنين على آثارهم والمطايا بكم تسير سيراً ، ما فيه أين ولا تفتير نهاركم بأنفسكم دءوب

_________________________________________________________

عنه(١) أي لم يقدروا على الكفّ عن المضي ، والظرفان متعلقان بالنزوع والرجوع.

قولهعليه‌السلام : « جد بهم فجدوا » أي حثوهم على الإسراع في السير ، فأسرعوا وفيه استعارة تمثيلية شبه سرعة زوال القوي وتسبب أسباب الموت ، وكثرة ورود ما يوجب الزوال من الأسباب الخارجة والداخلة برجال يحثّون المراكب والأجساد بتلك المراكب ، والعمر بالمسافة الّتي يقطّعها المسافر ، والأجلَّ بالمنزل الّذي يحل فيه.

قولهعليه‌السلام : « بكظمهم » قال الفيروزآبادي : الكظم محركة : الحلق أو الفم ، أو مخرج النفس من الحلق(٢) .

قولهعليه‌السلام : « وخلصوا إلى دار قوم جفت أقلامهم » يقال : خلص فلان إلى فلان ، أي وصل إليه ، وقولهعليه‌السلام : « جفت أقلامهم » أي سكنت قواهم عن الحركات كالكتابة حتّى جفت أقلامهم الّتي كانوا يكتبون بها ، أو جفت أقلام النّاس عن كتابة آثارهم ، لبعد عهدهم ، ومحو ذكّرهم ، أو جفت أقلام أهل السماوات عن تقدير أمورهم المتعلقة بحياتهم والأوسط أظهر.

قولهعليه‌السلام : « فأصبحتم حلولاً » جمع حال.

قولهعليه‌السلام : « ظاعنين » أي سائرين.

قولهعليه‌السلام : « ما فيه أين » قال الجوهري : الأين : الإعياء(٣) .

قولهعليه‌السلام : « ولا تفتير » أي ليست تلك الحركة موجبة لفتور تلك المطايا فتسكن

__________________

(١) القاموس ج ٣ ص ٩١.

(٢) القاموس ج ٤ ص ١٧٣.

(٣) الصحاح ج ٥ ص ٢٠٧٦.

٤٩

وليلكم بأرواحكم ذهوبٌ فأصبحتم تحكون من حالهم حإلّا وتحتذون من مسلكهم مثالاً فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنيا فإنّما أنتم فيها سفر حلول الموت بكم نزول تنتضل فيكم مناياه وتمضي بأخباركم مطاياه إلى دار الثواب والعقاب والجزاء و

_________________________________________________________

عن السير زماناً. قال الفيروزآبادي : فتر يفتر ويفتر فتوراً أو فتاراً : سكن بعد حدّة ولأن بعد شدّة وفترة تفتيراً(١) .

قولهعليه‌السلام : « نهاركم بأنفسكم دؤوب » قال الفيروزآبادي : يقال فلان دؤب في العمل إذا جد وتعب(٢) ، أي نهاركم يسرع ويجد ويتعب بسبب أنفسكم ليذهبها ، ويحتمل أن يكون الباء للتعدية أي نهاركم يتعبكم في أعمالكم وحركاتكم وذلك سبب لفناء أجسادكم.

قولهعليه‌السلام : « تحكون من حالهم حالاً » أي أحوالكم تحكي وتخبر عن أحوالهم لموافقتها لها.

قولهعليه‌السلام : « وتحتذون من سلكهم مثالاً» يقال : احتذى مثاله أي اقتدى به ، والسلك بالفتح مصدر بمعنى السلوك ، أي تقتدون بهم في سلوكهم ، وفي بعض النسخ [ مسلكهم ].

قولهعليه‌السلام : « سفر حلول » هما جمعان أي مسافرون ، حللتم بالدنيا.

قولهعليه‌السلام : « نزول » بفتح النون أي نازل.

قولهعليه‌السلام : « تنتضل فيكم مناياه » الانتضال. رمي السهام للسبق ،(٣) والمنايا جمع المنيّة وهو الموت ، ولعلّ الضمير راجع إلى الدُّنيا بتأويل الدهر أو بتشبيهها بالرَّجل الرامي ، أي ترمي إليكم المنايا في الدُّنيا سهامها ، فتهلككم ، والسهام الأمراض

__________________

(١) القاموس ج ٢ ص ١١٠.

(٢) القاموس ج ١ ص ٦٦.

(٣) النهاية ج ٥ ص ٨٢.

٥٠

الحساب.

فرحم الله امرأ راقب ربه وتنكب ذنبه.

_________________________________________________________

والبلايا الموجبة للموت ، ويحتمل أن يكون فاعل تنتضل الضمير الراجع إلى الدُّنيا ، ويكون المرمي المنايا ، والأوّل أظهر ، ويمكن إرجاع ضمير مناياه إلى الموت ، بأن يكون المراد بالمنايا البلايا الّتي هي أسباب الموت ، أطلق عليها مجازاً تسمية للسبب باسم المسبب وفي نهج البلاغة(١) في كلام لهعليه‌السلام : « إنما أنتم في هذه الدُّنيا غرض تنتضل فيه المنايا ».

قولهعليه‌السلام : « وتمضي بأخباركم مطاياه » والأخبار الأعمال يمكن توجيهه بوجوه.

الأول : أن يكون المراد بالمطايا : الأشخاص الّتي ماتوا قبلهم ، ومضيهم بأخبار هؤلاء ، لأنّهم إن أحسنوا إليهم أو أساءوا إليهم يذكرون عند محاسبة هؤلاء الموتى ومجازاتهم ، إما بالخير أو بالشر.

والثاني : أن يكون المراد بالمطايا : عين تلك الأشخاص ، أي أنتم مطايا الدُّنيا قد حملت عليكم أعمالكم وتسيركم إلى دار الثواب.

والثالث : أن يكون المراد بالمطايا حفظة الأعمال ، ونسبتهم إلى الدُّنيا لكون أعمالهم فيها وحفظهم لإعمال أهلها.

الرابع : أن يكون المراد بالمطايا : الأعمّار ، أي تمضي بكم مطاياه مع أعمالكم ، قولهعليه‌السلام : « راقب ربه » مراقبّة الشيء محافظته وانتظاره وحراسته ، أي يكون دائما في ذكره منتظراً لرحمته ، محترزاً عن عذابه ، متذكراً لأنه يطلع عليه دائماً.

قولهعليه‌السلام : « وتنكب ذنبه » أي تجنبه.

__________________

(١) نهج البلاغة تحقيق صبحي الصالح ص ٢٠٢ ( المختار من الخطب ١٤٥ ).

٥١

وكابر هواه وكذب مناه امرأ زم نفسه من التقوى بزمام وألجمها من خشية ربها بلجام فقادها إلى الطاعة بزمامها وقدعها عن المعصية بلجامها رافعاً إلى المعاد طرفه متوقعاً في كلِّ أوان حتفه دائم الفكر طويل السهر عزوفاً عن الدُّنيا سأما كدوحاً لآخرته متحافظاً

_________________________________________________________

قولهعليه‌السلام « وكابر هواه » أي غالبها وخالفها ، وفي بعض النسخ [ كابد ] بالدال المهملة ، يقال : كابدت الأمر إذا قاسيت شدته ، أي يقاسي الشدائد في ترك هواه.

قولهعليه‌السلام : « وكذب مناه » أي لم يعتمد على ما يمنيّة نفسه ، والشيطان من طول الأمل ودرك الآمال البعيدة ورجاء الأمور الدنيويّة الباطلة ومنافعها.

قولهعليه‌السلام : « امرءاً » بدل من قوله : امرءا أولاً.

قولهعليه‌السلام : « وقدعها » قال الجوهري : قدعت فرسي أقدعه قدعا : كبحته وكففته(١) .

قولهعليه‌السلام : « طرفه » أي عينه.

قولهعليه‌السلام : « حتفه » أي موته.

قولهعليه‌السلام « عزوفاً عن الدُّنيا » قال الجزري : عزفت نفسي عنه : زهدت فيه ، وانصرفت عنه(٢) .

قولهعليه‌السلام : « ساما » أي عن الدُّنيا ، وهو من تتمّة الفقرة السابقة.

قولهعليه‌السلام : « كدوحاً » الكدح : السعي والاهتمام في العمل.

قولهعليه‌السلام : « متحافظاً » أي عن المحارم.

__________________

(١) الصحاح ج ٣ ص ١٢٧٠.

(٢) النهاية ج ٣ ص ٢٣٠.

٥٢

امرءاً جعل الصبر مطيّة نجاته والتقوى عدَّة وفاته ودواء أجوائه فاعتبر وقاس وترك الدُّنيا والنّاس يتعلّم للّتفقه والسداد وقد وقر قلبه ذكر المعاد وطوى مهاده وهجر وساده منتصباً على أطرافه داخلاً في أعطافه خاشعاً لله عزَّ وجلَّ يراوح بين الوجه والكفّين خشوع في السرِّ لربّه لدمعه صبيب ولقلبه وجيب شديدة أسباله

_________________________________________________________

قولهعليه‌السلام : « ودواء أجوائه » قال الجوهري : الجوى : الحرقة من شدّة الوجد من عشق أو حزن(١) .

قولهعليه‌السلام : « فاعتبر » أي بمن مضى « وقاس » أحواله بأحوالهم.

قولهعليه‌السلام : « وقد وقر قلبه ذكر المعاد » أي حمل على قلبه ذكر المعاد فأكثر ، من قولهم : أوقر على الدابة ، أي حمل عليه حملاً ثقيلاً ، ويحتمل بعيدا أن يكون من الوقار ، ويكون ذكر المعاد فاعلاً للتوقير أي جعل ذكر المعاد قلبه ذا وقار لا يتبع الشهوات والأهواء.

قولهعليه‌السلام : « على أطرافه » أي أقدامه.

قولهعليه‌السلام : « وطوى مهاده » المهاد : الفراش ، وطيه كناية عن مجانبة النوم وكذا هجر الوساد.

قولهعليه‌السلام : « في أعطافه » جمع عطاف وهو الرداء.

قولهعليه‌السلام : « يراوح بين الوجه والكفّين » أي يضع جبهته تارة للسجود ، ويرفع يديه تارة في الدعاء ، ففي إعمال كلِّ منهما راحة للأخرى.

قولهعليه‌السلام : « لدمعه صبيب » أي هو صاب كثير الصب لدمعه ، ويحتمل المصدر فيكون أوفق بما بعدّه إن ورد بهذا الوزن في هذا الباب.

قولهعليه‌السلام : « ولقلبه وجيب » أي اضطراب.

قولهعليه‌السلام : « شديدة أسباله » قال الجوهري : السبل بالتحريك : المطر

__________________

(١) الصحاح ج ٦ ص ٢٣٠٦.

٥٣

ترتعد من خوف الله عزَّ وجلَّ أوصاله قد عظمت فيما عند الله رغبته واشتدت منه رهبته راضيا بالكفاف من أمره يظهر دون ما يكتم ويكتفي بأقل مما يعلم أولئك ودائع الله في بلاده المدفوع بهم عن عباده لو أقسّم أحدهم على الله جلَّ ذكره لأبره أو دعا على أحد نصره الله يسمع إذا ناجاه ويستجيب له إذا دعاه جعل الله العاقبّة للتقوى والجنّة لأهلها مأوى دعاؤهم فيها أحسن الدعاء سبحانك اللهم دعاهم المولى على ما

_________________________________________________________

وأسبل المطر والدمع إذا هطل(١) انتهى ، فيحتمل فتح الهمزة ليكون جمعاً ، وكسرها ليكون مصدرا ، وتأنيث الخبر يؤيّد الأول.

قولهعليه‌السلام : « أوصاله » أي مفاصله.

قولهعليه‌السلام : « من أمره » أي أمر معاشه.

قولهعليه‌السلام : « يظهر دون ما يكتم » أي يظهر للناس من كمالاته وعباداته ونياته أقل ممّا يكتم ، ويحتمل أن يكون المراد ما يطلع عليه من عيوب النّاس.

قولهعليه‌السلام : « ويكتفي بأقل مما يعلم » أي يكتفي من إظهار أعماله وأحواله بأقل مما يعلم ، أو يكتفي في النيّة بأمور المبدأ والمعاد وما يحثه على العمل بأقل مما يعلم منها ، والغرض أنه يتّعظ بكلِّ واعظ ، وينزجر بكلِّ زاجر أو يكتفي من أمور الدُّنيا بأقل شيء لـمّا يعلم من مفاسدها ، وفوت نعيم الآخرة بها.

قولهعليه‌السلام : « ودائع الله » أي أودعهم الله خلقه ليحفظوهم ، ويكرموهم ولا يضيعوهم.

قولهعليه‌السلام : « لأهلها » أي لأهل التقوى.

قولهعليه‌السلام : « دعاؤهم فيها أحسن الدعاء » أي إذا أرادوا طلب شيء طلبوه بأحسن طلب بأن يقولوا « سبحانك اللّهم ».

__________________

(١) الصحاح : ج ٥ ص ١٨٣٣.

٥٤

آتاهم «وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ».

خطبة لأمير المؤمنينعليه‌السلام

١٩٤ - عليُّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن الحسن بن محبوب ، عن محمّد بن النعمان أو غيره ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنه ذكر هذه الخطبة - لأمير المؤمنينعليه‌السلام يوم الجمعة الحمد لله أهل الحمد ووليه ومنتهى الحمد ومحلّه البديء البديع الأجل

_________________________________________________________

قولهعليه‌السلام : « دعاهم مولاهم »(١) قطّع عن سابقه على الاستئناف ، كأنه يسأل سائل لم يطلبون هكذا؟ فأجاب بأنه لـمّا دعاهم مولاهم إلى نعم الجنّة فلا يكلفهم طلبهم أزيد من أن ينزهوه ويسبحوه ، أو هذا النداء جواب لدعوة ربهم ، وإجابة لها ، وقد مر تفسير جزئي الآية في خبر وصف الجنة.

خطبة لأمير المؤمنينعليه‌السلام

الحديث الرابع والتسعون والمائة : مجهول.

قولهعليه‌السلام : « ووليه » أي الأولى به من كلِّ أحد ، إذ هو تعالى مولى جميع النعم ، والموصوف بجميع الكمالات الحقيقية ، وكلِّ نعمة وإحسان وكمال لغيره فهو راجع إليه ومأخوذ منه تعالى : أو المتوالي للحمّد ، أي هو الموفق لحمد كلِّ من يحمده.

قولهعليه‌السلام : « ومنتهى الحمد » أي الحامدية أو المحمودية تنتهي إليه كما أشرنا إليهما.

قولهعليه‌السلام : « البديء » أي الأوّل كما ذكره الجوهري. ويحتمل أن يكون فعيلا بمعنى مفعل كالبديع أي مبدع الأشياء ومنشؤها.

__________________

(١) في المتن « دعاؤهم المولى على ما آتاهم » وفي بعض النسخ [ دعاهم المولى على ما آتاهم ].

٥٥

الأعظم الأعزَّ الأكرم المتوحد بالكبرياء والمتفرد بالآلاء القاهر بعزه والمسلط بقهره الممتنع بقوته المهيمن بقدرته والمتعالي فوق كلِّ شيء بجبروته المحمود

_________________________________________________________

قولهعليه‌السلام : « البديع » قال الجزري : هو الخالق المخترع لا عن مثال سابق فعيل بمعنى مفعل يقال : أبدع فهو مبدع(١) انتهى. وقيل : هو الّذي لم يعهد مثله ولا نظير له.

قولهعليه‌السلام : « الأجلَّ » أي من أن يبلغ إلى كنه ذاته « الأعظم » من أن يدرك أحد كنه صفاته « الأعزَّ » من أن يغلبه شيء « الأكرم » من أن تحصى نعمة وآلاؤه ويحتمل أن يكون مشتقا من الكرم بمعنى الشرف والمنزلة ، أي أكرم من كلِّ ذي كرامة.

قولهعليه‌السلام : « المتوحد بالكبرياء » أي لا يشركه أحد في الكبرياء والعظمة.

قولهعليه‌السلام : « والمتفرد بالآلاء » أي لم يشركه أحد في النعم ، هو المنعم حقيقة.

قولهعليه‌السلام : « القاهر بعزّة » أي لا موجود إلّا وهو مقهور تحت قدرته ، مسخر لقضائه ، عاجز في قبضته ، أو أذلٌّ الجبابرة وقصم ظهورهم بالإهلاك والتعذيب ، أو قهر العدم فأوجد الأشياء ، وقهر الوجود فأخرجها إلى العدم ، والأول أولى لعمومه وشموله.

قولهعليه‌السلام : « الممتنع » أي يمتنع من أن يصل إليه سوء أو يغلب عليه أحد.

قولهعليه‌السلام : « المهيمن » قال الجزري : قيل : هو الرقيب ، وقيل : الشاهد ، وقيل المؤتمن ، وقيل : القائم بأمور الخلق ، وقيل : أصله مؤيمن فأبدلت الهاء من الهمزة وهو مفيعل من الأمانة(٢) .

قولهعليه‌السلام : « المتعالي » مبالغة في العلو.

__________________

(١) النهاية ج ١ ص ١٠٦.

(٢) النهاية ج ٥ ص ٢٧٥.

٥٦

بامتنانه وبإحسانه المتفضل بعطائه وجزيل فوائده الموسع برزقه المسبغ بنعمه - نحمده على آلائه وتظاهر نعمائه حمداً يزن عظمة جلاله ويملأ قدر آلائه وكبريائه وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له الّذي كان في أوليته متقادما وفي ديموميته متسيطرا - خضع الخلائق لوحدانيته وربوبيته وقديم أزليته ودانوا لدوام أبديته وأشهد أن محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله عبده ورسوله وخيرته من خلقه اختاره بعلمه واصطفاه لوحيه

_________________________________________________________

قولهعليه‌السلام : « المسبغ بنعمته » الإسباغ الإكمال ، ولعلّ الباء زائدة ، أو المراد المسبغ حجته بنعمته.

قولهعليه‌السلام : « وتظاهر نعمائه » أي تتابعها.

قولهعليه‌السلام : « متقادماً » أي على جميع الأشياء ، وليست أوليته بأولية إضافية.

قولهعليه‌السلام : « متسيطراً » قال الفيروزآبادي : المسيطر الرقيب الحافظ ، والمتسلط كالمسطر.(١) أي هو في دوامه مسلط على جميع خلقه ، أو حافظ رقيب كان عالـمّا بهم وبأفعالهم قبل خلقهم ، وهو مطلع عليهم بعده.

قولهعليه‌السلام « ودانوا » أي أقروا وأذعنوا بدوام أبديته ، أو أطاعوا وخضعوا وذلوا له لكونه دائم الأبدية ولا مناص لهم عن حكمه ، يقال : دان أي ذلٌّ ، وخضع ، وعبد وأطاع ، وأقر واعتقد ، والكلِّ مناسب كما عرفت.

قولهعليه‌السلام : « اختاره بعلمه » أي بأن أعطاه علمه أو بسبب كونه عالـمّا بأنه يستحقّ ذلك.

__________________

(١) القاموس ج ٢ ص ٤٩.

٥٧

وائتمنه على سره وارتضاه لخلقه وانتدبه لعظيم أمره ولضياء معالم دينه ومناهج سبيله ومفتاح وحيه وسبباً لباب رحمته ابتعثه على حين «فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ » وهدأة من العلم واختلاف من الملل وضلال عن الحقّ وجهالة بالرب وكفر بالبعث والوعد أرسله إلى النّاس أجمعين «رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ » بكتاب كريم قد فضله وفصله وبينه وأوضحه وأعزه وحفظه من أن يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه «تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ » ضرب للناس فيه الأمثال وصرف فيه الآيات لعلهم يعقلون أحل فيه الحلال وحرم فيه الحرام وشرع فيه الدين لعباده عذراً ونذراً «لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ » ويكون بلاغا «لِقَوْمٍ عابِدِينَ »

_________________________________________________________

قولهعليه‌السلام : « وانتدبه » أي دعاه لأمره العظيم وهو الرسالة ، ولأن يضيء به معالم دينه ، أي أحكامه الّتي بها يعلم شرائع الدين.

قولهعليه‌السلام : « ومناهج سبيله » المنهج : السبيل الواضح أي سبله الواضحة.

قولهعليه‌السلام : « ومفتاح وحيه » يمكن تقدير فعل أي جعله مثلاً ، ويحتمل عطفه على قوله لخلقه ، ولعلّه سقطّ منه شيء.

قولهعليه‌السلام : « على حين فترة » الفترة ما بين الرسولين.

قولهعليه‌السلام : « وهدأة » هي بفتح الهاء وسكون الدال : السكون عن الحركات.

قولهعليه‌السلام : « مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ » أي لا يتطرق إليه الباطل من جهة من الجهات ، أو مما فيه من الأخبار الماضية ، والأمور الآتية «تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ » لا يفعل إلّا ما هو على وفق الحكم والمصالح ، «حَمِيدٍ » يحمده كلِّ مخلوق بما ظهر عليه من نعمه ، أو مستحقّ للحمد من كلِّ أحد.

قولهعليه‌السلام : « وصرف فيه الآيات » أي تنبيها.

قولهعليه‌السلام : « عذراً أَوْ نذراً » هما مصدران لعذر إذا محي الإساءة وأنذر إذا خوف أو جمعان لعذير بمعنى المعذرة ونذير بمعنى الإنذار أو بمعنى العاذر والمنذر ونصبهما على

٥٨

فبلغ رسالته وجاهد في سبيله وعبده حتّى أتاه اليقينصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تسليماً كثيراً.

أوصيّكم عباد الله وأوصيّ نفسي بتقوى الله الّذي ابتدأ الأمور بعلمه وإليه يصير غدا ميعادها وبيده فناؤها وفناؤكم وتصرم أيامكم وفناء آجالكم وانقطّاع مدتكم فكأن قد زالت عن قليل عنا وعنكم كما زالت عمّن كان قبلكم - فاجعلوا عباد الله اجتهادكم في هذه الدُّنيا التزود من يومها القصير ليوم الآخرة الطويل - فإنها دار عمل والآخرة دار القرار والجزاء فتجافوا عنها فإن المغتر من اغتر بها لن تعدو الدُّنيا إذا تناهت إليها أمنيّة أهل الرَّغبة فيها المحبين لها المطمئنين إليها المفتونين بها أن تكون كما قال الله عزَّ وجلَّ : «كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السّماء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا

_________________________________________________________

الأولين بالعلية أي عذراً للمحقين ، ونذراً للمبطلين ، وعلى الثالث بالحالية ، ويمكن قراءتهما بضمّ الذالين وسكونهما كما قرئ بهما في الآية.

قولهعليه‌السلام : « ويكون بلاغاً » أي كفاية أو سبب بلوغ إلى البغية ، وهو إشارة إلى قوله تعالى : «إِنَّ فِي هذا لَبلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ »(١) .

قولهعليه‌السلام : « حتّى أتاه اليقين » أي الموت فإنه متيقن لحوقه لكلِّ حي مخلوق.

قولهعليه‌السلام : « بدء الأمور » أي أولها.

قولهعليه‌السلام : « وتصرم أيّامها » قال الجوهري : التصرم : التقطّع.

قولهعليه‌السلام : « عن قليل » كلمة « عن » هنا بمعنى بعد ، أي بعد زمان قليل.

قولهعليه‌السلام : « فتجافوا عنها » أي اتركوها وأبعدوا عنها.

قولهعليه‌السلام : « لن تعدوا الدُّنيا » أي لا تتجاوز إذا انتهت إليها أو بلغت النهاية فيها أمنيّة أهلها عن تلك الحالة وهي « أن تكون كما قال الله تعالى » فقوله : « أن تكون » مفعول لقوله « لن تعدو » وقال الجوهري : عداه يعدوه : أي جاوزه ،

__________________

(١) سورة الأنبياء : ١٠٦.

٥٩

يَأْكلِّ النّاس وَالْأَنْعامُ »(١) الآية مع أنه لم يصب امرؤ منكم في هذه الدُّنيا حبرة إلّا أورثته عبرة ولا يصبح فيها في جناح آمن إلّا وهو يخاف فيها نزول جائحة أو تغير نعمة أو زوال عافية مع أن الموت من وراء ذلك وهول المطلع والوقوف بين يدي الحكم العدل تجزى كلِّ نفس بما عملت «لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى »(٢) فاتقوا الله عزَّ ذكره وسارعوا إلى رضوان الله والعمل بطاعته والتقرب إليه بكلِّ ما فيه الرضا فإنّه «قَرِيبٌ مُجِيبٌ » جعلنا الله وإياكم ممن يعمل بمحابه ويجتنب سخطه -

_________________________________________________________

وقد مر تفسير الآية بتمامها في الخبر التاسع والعشرين.

قولهعليه‌السلام : « حبرة » الحبرة بالفتح النعمة وسعة العيش(٣) ، والعبرة بالفتح :

الدمعة قبل أن تفيض ، أو الحزن بلا بكاء(٤) ، ذكرهما الفيروزآبادي.

قوله : « نزول جائحة » قال الجوهري : الجائحة : الشدّة الّتي تحتاج المال من سنة أو فتنة.

قولهعليه‌السلام : « وهول المطلع » قال الجزري : يريد به الموقف يوم القيامة أو ما يشرف عليه من أمر الآخرة عقيب الموت ، فشبهه بالمطلع الّذي يشرف عليه من موضع عال.(٥) قوله: « لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا » تعليل للوقوف أي يوقفهم للحساب ليجزي المسيئين بعقاب ما عملوا أو بمثله ، أو بسبب ما عملوا من السوء ، ويجزي المحسنين بالحسنى أي بالمثوبة الحسنى وهي الجنّة ، أو بأحسن من أعمالهم ، أو بسبب الأعمال الحسنى ، وأوسط التقادير أظهر ، لدلالته على جزاء السيئة بالمثل ،

__________________

(١) سورة يونس : ٢٤.

(٢) سورة النجم : ٣١.

(٣) القاموس : ج ٢ ص ٢.

(٤) نفس المصدر : ج ٢ ص ٨٦.

(٥) النهاية : ج ٣ ص ١٣٣.

٦٠