تحفة العالم في شرح خطبة المعالم الجزء ١

تحفة العالم في شرح خطبة المعالم 5%

تحفة العالم في شرح خطبة المعالم مؤلف:
المحقق: أحمد علي مجيد الحلّي
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 683

الجزء ١ الجزء ٢
  • البداية
  • السابق
  • 683 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 12722 / تحميل: 1624
الحجم الحجم الحجم
تحفة العالم في شرح خطبة المعالم

تحفة العالم في شرح خطبة المعالم الجزء ١

مؤلف:
العربية

1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

فقرأ العلامة قوله تعالى : ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّـهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ(١) .

فقال الموصلي : ما الَّذي أصاب علياً وأولاده من المصيبة حَتَّى استوجبوا الصلاة عليهم؟

فعدد العلّامة بعض مصائبهم ، ثُمَّ قال : أيُّ مصيبة أعظم عليهم من أن يكون مثلك تدّعي أنّك من أولادهم ثُمَّ تسلك سبيل مخالفتهم! فاستحسنه الحاضرون وضحكوا.

فأنشد بعض من حضر :

إذا العلويُّ تابعَ ناصبياً

لمذهبهِ فما هُوَ من أبيه

وكان الكلبُ خيراً منهُ طبعاً

لأنَّ الكلبَ طبعُ أبيه فيه

وجعل السلطان بعد ذلك تاج الدین محمّد الآوي المتقدم ذكره نقيب الممالك(٢) .

أقول : ربما احتج المانع بقصر السلف عليهم مع أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : «اللهُمَّ صلّ على آل أبي أوفى» ، لما أتاه بصدقة ، رواه العامَّة في الصحيحين(٣) .

__________________

(١) سورة البقرة : آية ١٥٦ ـ ١٥٧.

(٢) خاتمة المستدرك ٢ : ٤٠٦.

(٣) صحيح البخاري ٢ : ١٣٦ ، ٥ : ٦٥ ، ٧ : ١٥٢ ، ١٥٧ ، صحیح مسلم ٣ : ١٢١.

٣٦١

والتأسِّي به واجب ، وقصر السلف لا حجّة فيه ؛ إذ العادة ليست حجّة على الشرع مع تسلیم عادتهم ، كيف ومن كبّار السلف : الباقر والصادقعليهما‌السلام وقد صلّوا على كثير من أصحابهم في النقل الصحيح.

وبلغ العلّامةرحمه‌الله من القرب والمنزلة عند السلطان ، بحيث كان لا يرضى بعد ذلك بمفارقته حضراً وسفراً ، بل نقل صاحب تاریخ حبیب السير في كتابه (مآثر الملوك) : أنه أمر له ولمائة من طلاب مجلسه ترتیب مدرسة سيَّارة ذات غرف من الخيام الكرباسية ، وما يحمل عليها من الدواب السيَّارة ، وكانت تحمل مع الموكب السلطاني ، وتضرب في كل منزل(١) .

ونقل : أنه وجد في أواخر بعض الكتب وقوع الفراغ منه في المدرسة السيّارة السلطانية في كرمانشاهان. وفي جملة من أواخر أجزاء (التذكرة) : أنه وقع الفراغ منه في السلطانية(٢) .

وكان لهرحمه‌الله قرى كثيرة قَدْ حفر أنهارها بنفسه ، وأحياها بماله ، لم یکن لأحد فيها من الناس تعلّقٌ. وقد أوقف كثيراً من قراه في حياته.

__________________

(١) ذكره التستري في مجالس المؤمنين ٢ : ٣٥٦ ـ ٣٦١ ، وأما مآثر الملوك : فهو (مخطوط) ، قال الشيخ أغا بزرك الطهراني في الذريعة ١٩ : ٧ رقم ٢٤ ، عنه ما نصّه : (مآثر الملوك ، فارسي في تاريخ ومآثر الملوك والسلاطين والخلفاء الراشدين والأئمّة الطاهرين والوزراء وبعض العلماء والحكماء وذکر مخترعائهم وآثارهم ، بدأ بملوك العجم مبتدأ منهم بكيومرث ومن بعده وختم بتواريخ سلطان حسین میرزا بایقرا المتوفی ٩١١ وكان ملکه ثلاثين سنة ، وذكر اثاره وآثار ابنه السلطان بديع الزَّمان والفه باسم الأمير علي شير وبأمره وهو تأليف صاحب (حبيب السير) غیاث الدین محمّد بن محمّد خواند میر البلخي ، ورأيت النسخة عند السيِّد جعفر آل بحر العلوم في النجف).

(٢) لؤلؤة البحرين : ٢٢٤ ـ ٢٢٦ ، مجالس المؤمنين ٢ : ٥٧١ ـ ٥٧٢.

٣٦٢

قال الشيخ إبراهيم القطيفي في كتاب (السراج الوهاج) : (إنه رأی خطه عليه ، وخط الفقهاء المعاصرين له من الشيعة والسنّة ، ومنه إلى الآن ما هو في يد مَن ينسب إليه بقبضه بسبب الوقف الصحيح ، وفي صدر سجل الوقف أنه أحياها وكانت مواتاً.

قالرحمه‌الله : والوقف الَّذي عليه خطّه وخط الفقهاء موجود إلى الآن) ، انتهى(١) .

وعن (ریاض العلماء) : (أنَّ وفاة العلّامة رحمه‌الله بمحروسة الحلَّة ، في يوم السبت ، الحادي والعشرين من شهر محرَّم الحرام ، المفتتح به سنة ٧٢٦ )(٢) .

كثرة مؤلفات العلامة

ووزّع تصنيفه على أيام عمره من ولادته إلى موته ، فکان قسط كل يوم کراساً مع ما كان عليه من الاشتغال بالإفادة ، والاستفادة ، والدرس ، والتدريس ، والأسفار ، والحضور عند الملوك ، والمباحثات مع الجمهور ، ونحو ذلك(٣) .

وفي نقد الرجال : (أن له رحمه‌الله أزيد من سبعين كتاباً. ولعلّه اقتصر على ما هو المعروف المشهور من كتبه بين العلماء ، وإلّا فقد ذكر الطريحي في (مجمع البحرين) في مادة العلم : أن بعض الفضلاء وجد بخطه رحمه‌الله خمسمائة مجلدٍ من مصنّفاته ، غير خط غيره )(٤) .

بل عن كتاب (روضة العارفین) نقلاً عن بعض شرّاح التجريد : (أنّ للعلّامة رحمه‌الله نحواً من ألف مصنَّف کتب تحقيق )(٥) .

__________________

(١) السراج الوهاج : ٢۰٤ ضمن موسوعته ج ٣.

(٢) ریاض العلماء ١ : ٣٦٦.

(٣) لؤلؤة البحرين : ٢٢٦.

(٤) مجمع البحرین ٣ : ٢٣۸.

(٥) روضة العارفین : ٥٦٦ ، روضات الجنات ٢ : ٢٧٦ وفيه اشتباها : (روضة العايدين).

٣٦٣

ولا ينبغي التعجُّب من ذلك بعدما كان العلم نوراً يقذفه الله في قلب من يشاء :

وإذا حلَّتِ الهدایةُ قلباً

نَشَطَتْ للعبادَةِ الأعضاءُ

وكم له نظير من علماء الفريقين ، فقد ذكر ياقوت الحموي في (معجم الأدباء) : (أن علي بن أحمد الفارسي المعروف بابن حزم المتوفّى سنة ٤٥٦ ، بلغت تأليفاته في الحديث والأُصول والنّحل والملل وغير ذلك من التاريخ والنسب وكتب الأدب والردّ على المعارض نحو أربعمائة مجلد.

قال : وهذا شيء ما علمناه لأحد ممَّن كان في دولة الإسلام قبله ، إلّا لأبي جعفر محمّد بن جرير الطبري ، فإنَّه أكثر أهل الإسلام تصنيفاً ، فذكر أنَّ أيام حياته حسبت [وحسبت](١) تصانيفه ، وكان لكل اليوم أربع عشرة ورقة).

وذكر أنَّ ابن حزم اجتمع يوماً مع الفقيه أبي الوليد سليمان بن خلف بن سعيد بن أيوب الباجي صاحب كتاب المنتقى والاستغناء وغيرهما من التآليف ، وجرت بينهما مناظرة فلمَّا انقضت قال الفقيه أبو الوليد : (تعذرني فإنَّ أكثر مطالعاتي كانت على سُرُجِ الحُرّاس.

قال ابن حزم : وتعذرني أيضاً فإنَّ أكثر مطالعاتي كانت على منابر الذهب والفضة ، أراد أنَّ الغَناء أمنع لطلب العلم من الفقر)(٢) .

__________________

(١) ما بين المعقوفين من المصدر.

(٢) معجم الأدباء ١٢ : ٢٣۸.

٣٦٤

ولأحمد بن أبان بن سيد اللُّغوي الأندلسي الملقّب بابن سيد ـ بلا ألف ولام المتوفى سنة ٣۸٢ ، کتاب العالم في اللُّغة) مائة مجلد ، مرتَّب على الأجناس ، يبدأ فيه بالفلك ، وختم بالذرَّة(١) .

ولمحمّد بن علي بن محمّد بن أبي بكر الأدفوي كتاب الاستغناء في تفسير القرآن مائة مجلد(٢) .

وللشيخ الحافظ الكبير ثقة الدين أبي القاسم علي بن عساكر الدمشقي تاریخ دمشق في ثمانين مجلداً.

ما في أول (كشف اللثام)

وذكر الفاضل الهندي رحنه الله في مقدِّمته ـ کشف اللِّثام ـ (أنه قال فخر الإسلام : لما اشتغلت على والدي ـ قدّس الله روحه ـ في المعقول والمنقول ، وقرأت كثيراً من كتب أصحابنا ، التمست منه أن يعمل كتاباً في الفقه ، جامعاً لأسراره وحقائقه ، پیتي مسائله على علميّ الأُصوليين والبرهان ، وأن يشير عند قاعدة إلى ما يليق من الحكم ، وإن كان قَدْ ذكر قبل ذلك معتقده وفتواه ، وما لزمه من نصّ على قاعدة اُخرى وفحواها ؛ لتنبيه المجتهد على اُصول الأحكام ، وقواعد مبادئ الحلال والحرام ، فقد يظن كثير من الجهَّال المقلّدين بتناقض الأحكام فيه ، ولم يعلموا أنَّهم الم يفهموا من كلامه حرفاً واحدا ، كما قيل : (ويل للشعر من رواية السوء )) ، انتهى(٣) .

__________________

(١) ينظر : سير أعلام النبلاء ١۸ : ١٤٦.

(٢) في هدية العارفين ٢ : ٥٦ ما نصّه : (الأُدفُوي ـ محمّد بن علي بن أحمد بن محمّد الأُدفوي (بضم الهمزة والفاء بلدة بالصعيد) أبو بكر المقرىء المصري ولد سنة ٣٠٤ وتوفي سنة ٣۸۸ ثمان وثمانين وثلاثمائة. من نصانيفه الاستغناء في تفسير القرآن في عشرين مجلدا).

(٣) أيضاح الفوائد ١ : ٩.

٣٦٥

ثم قال : (وقَدْ يستبعد اشتغاله قبل تصنيف هذا الكتاب في المعقول والمنقول ، والتماس تصنيف کتاب صفته كذا وكذا ؛ لأنَّه ولد سنة اثنتين وثمانين وستمائة ، وقد عد المصنف الكتاب في مصنفاته في الخلاصة ، وذكر تاريخ عدّه لها ، وأنه سنة ٦ ۹٣ وفي بعض النسخ سنة ٦ ۹٢ ، فكان له من العمر عند إتمام الكتاب إحدى عشرة ، أو عشرة ، أو عشراً ، أو أقل ، فضلاً عما قبله ، ولكنَّ الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.

وقَدْ فرغت من تحصيل العلوم معقولها ومنقولها ولم أكمل ثلاث عشرة سنة ، وشرعت في التصنيف ولم أكمل إحدى عشرة سنة ، وصنَّفتُ : (منية الحريص على فهم شرح التلخیص) ، ولم أكمل خمس عشرة سنة. وقَدْ كنت عملت قبله من كتبي ما ينيف على عشرة من متون وشروح وحواش ، كالتلخيص في البلاغة وتوابعها ، والزبدة في اُصول الدين ، والخود البريعة في اُصول الشريعة وشروحها ، والكاشف ، وحواشي شرح عقائد النسفية ، وكنت اُلقي من الدروس وأنا ابن ثمان سنين شرحي التلخيص للتفتازاني ، مختصره ومطوله ). انتهى كلام الفاضل الشارحرحمه‌الله (١) .

قلت : لا ينبغي الاستعجاب من ذلك قَدْ ذكر الشهيد الثانيرحمه‌الله في شرح الدراية أن في زمن المأمون جاؤوا بطفل له من العمر أربع سنين ، وكانوا يحملونه على المنكب ، وإذا جاع يبكي ، وكان يناظر العلماء في القياس والاستدلال(٢) .

هذا وربّما يُنسب إلى العلّامةرحمه‌الله من الشعر قوله :

ليسَ في كلِّ ساعةٍ أنا محتاجٌ

ولا أنتَ قادِرٌ أن تُنيلا

فاغتَنِم عزَّتي ويُسرَكِ فاحرِزْ

فرصةً تسترقُّ فيها الخليلا(٣)

__________________

(١) کشف اللثام ١ : ١١١ مع اختلاف في سني مؤلفهرحمه‌الله .

(٢) الرعاية في علم الدراية : ٢٢٥ وفي الأصل : (الرشيد) بدل (المأمون) وما أثبتناه من المصدر.

(٣) روضات الجنات ٢ : ٢٧۹.

٣٦٦

قيل : وله أيضاً ، كتبه إلى المحقِّق الطوسيّ في صدر كتاب ، وأرسله إلى السلطان خدا بنده مسترخصاً للسفر إلى العراق من السلطانية :

مَحبَّتي تقتضي مُقامي

وحالتي تقتضي الرحيلا

هذانِ خصمانِ لستُ أقضي

بينَهُما خوفَ أنْ أميلا

ولا يزالانِ في اختصامٍ

حَتَّى نری رأيَكَ الجميلا(١)

وعن تذكرة الشيخ نور الدين علي بن عراق المصري : أنَّ الشيخ تقي الدين بن تيمية الَّذي كان من جملة علماء السنَّة ، معاصراً للعلّامة ، ومنكراً عليه في الخلفاء كثيراً. كتب إليه العلّامة بهذه الأبيات :

وكُنتَ تعلمُ كُلَّما علِمَ الوری

طُرّاً لَصِرتَ صديقَ كلِّ العالَمِ

لكِنِ جَهِلْتَ فقلتَ إنَّ جميع مَنْ

يهوی خلافَ هواكَ ليسَ بِعالِمِ(٢)

فكتب الشيخ شمس الدين محمّد بن محمّد بن عبد الكريم الموصلي في جوابه هذه القطعة وأرسلها إليه :

يا مَنْ يُمِّوهُ في السُّؤالِ مُسَفْسِطاً

إنَّ الَّذي ألزمْتَ لَيْسِ بِلازِمِ

هذا رسولُ اللهِ يعلَمُ كُلَّ ما

عَلِموا وَقَدْ عاداهُ جُلُّ العالَمِ(٣)

__________________

(١) روضات الجنات ٢ : ٢٧۹.

(٢) عنه مجالس المؤمنين ١ : ٥٧٣.

(٣) عنه مجالس المؤمنين ١ : ٥٧٣.

٣٦٧

والد العلامة

وأمَّا يوسف : فهو سدید الدين ، أبو يعقوب ، ويقال : أبو المظفر بن زين الدين عليّ بن المطهَّر الحلِّي ، الفقيه ، المتکلّم ، الأُصوليّ.

قال الشهيدرحمه‌الله في إجازته لابن الخازن في أثناء ذكره العلّامة : (ومنهم الحسن ابن الإمام الأعظم الحجّة أفضل المجتهدين ، السعيد الفقيه ، سديد الدين أبي المظفر ابن الإمام المرحوم زين الدين علي بن المطهَّر ، أفاض الله علی ضرايحهم المراحم الربانيّة ، وحيَّاهم بالتعم الهنيئة )(١) .

ومنه يظهر أن زين الدين عليّ جدّ العلّامة كان أيضاً من العلماء المبرّزين.

حضوره بين يدي هولاكو

والمنقول من العلَّامة في (كشف اليقين ) في باب أخبار مغيِّبات أمير المؤمنينعليه‌السلام ، ومن ذلك إخبارهعليه‌السلام بعمارة بغداد ، وملك بني العبَّاس وذکر أحوالهم وأخذ المغول الملك منهم.

رواه والديرحمه‌الله ، وكان ذلك سبب سلامة أهل الحلَّة والكوفة والمشهدین الشريفين من القتل ؛ لأنّه لمّا وصل السلطان هلاكو إلى بغداد وقبل أن يفتحها هرب أكثر أهل الحلَّة إلى البطائح إلّا القليل ، فكان من جملة القليل والديرحمه‌الله ، والسيِّد مجد الدين بن طاووس ، والفقيه ابن أبي العز ، فأجمع رأيهم على مكتبة السلطان بأنّهم مطيعون ، داخلون تحت إيالته(٢) ، وأنقذوا به شخصاً أعجمياً ، فأنفذ السلطان إليهم فرماناً مع شخصين : أحدهما يقال له : نكلة ، والآخر يقال له : علاء الدين ، وقال لهما : قولا لهم : إن كانت قلویک کما وردت به کتبکم تحضرون إلينا.

__________________

(١) بحار الأنوار ١٠٤ : ١٨٨ ضمن إجازته لابن الخازن.

(٢) إيالته : ولايته وسياسته. (لسان العرب ١١ : ٣٤).

٣٦٨

فجاء الأميران فخافوا ؛ لعدم معرفتهم بما ينتهي الحال إليه ، فقال له والديرحمه‌الله : إن جئت وحدي كفى؟ فقالا : نعم ، فاُصعد معهما ، فلمَّا حضر بين يديه ـ وكان ذلك قبل فتح بغداد ، وقبل قتل الخليفة ـ قال له : كيف أقدمتم علی مکاتبتي والحضور قبل أن تعلموا بما ينتهي إليه أمري وأمر صاحبكم؟ وكيف تأمنون أن یصالحني ورحلت عنه؟

فقال له والديرحمه‌الله : إنّما أقدمنا على ذلك ؛ لأنّا روينا عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام أنّه قال في بعض خطبه : الزوراءُ وما أدراك ما الزوراء ، أرض ذات أثل ، يشيد فيها البنيان ، ويكثر فيها السكَّان ، ويكون فيها محاذم وخزّان ، يتخذها ولد العبَّاس موطناً ، ولزخرفهم مسكناً ، تكون لهم دار لهو ولعب ، يكون بها الجور الجائر ، والخوف المخيف ، والأئمّة الفجرة ، والأُمراء الفسقة ، والوزراء الخونة ، يخدمهم أبناء فارس والروم ، لا يأتمرون بمعروف إذا عرفوه ، ولا يتناهون عن منكر إذا أنكروه ، يكتفي الرجال منهم بالرجال ، والنساء منهم بالنساء ، فعند ذلك الغمُّ العميم ، والبكاء الطويل ، والويل والعويل لأهل الزوراء من سطوات الترك ، وماهم الترك؟ قوم صغار الحدق ، وجوههم كالمجان المطوَّقة ، لباسهم الحديد ، جرد مرد ، يقدمهم ملك يأتي من حيث بدأ ملكهم ، جهوري الصوت ، قوي الصولة ، عالي الهمة ، لا يمرُّ بمدينة إلّا فتحها ، ولا ترفع عليه راية إلّا نكَّسها ، الويل الويل لمن ناوأه ، فلا يزال كذلك حَتَّى يظفر.

فلمَّا وصف لنا ذلك ووجدنا الصفات فيكم ، رجوناك فقصدناك. فطيَّب قلوبهم ، وكتب لهم فرماناً باسم والديرحمه‌الله يطيِّبُ فيه قلوب أهل الحلَّة وأعمالها ، انتهى(١) .

__________________

(١) كشف اليقين : ٨١.

٣٦٩

قلت : ومجد الدين هذا الَّذي ذكره العلَّامة من الجمع القليل مع والده ، هو : محمّد بن عزّ الدين الحسن بن موسی بن جعفر ، من آل طاووس.

قال في (عمدة الطالب) : (خرج إلى السلطان هلاکو خان وصنَّف له کتاب (البشارة) ، وسلَّمَ الحلَّة والنيل والمشهدين الشريفين من القتل والنَّهب ، وردَّ إليه النقابة بالبلاد العراقية)(١) .

ويظهر من جواب العلَّامة لسؤال السيِّد مهنا ، غاية فضل والده وتقدمه في كثير من العلوم ، وهذه صورة المسألة ، سؤالاً وجواباً :

(ما يقول سیِّدنا في الأمَّة إذا كانت مشتركة بين جماعة فأحلَّوا وطأها لواحد منهم ، فهل تحلُّ أم لا؟ وإن حلَّت له ، هل تحلُّ له بأمرين من ملك وتحليل ، أم بأمر واحد؟

الجواب : اختلف علماؤنا في حلّ هذه الأمة ، والأقوى إباحتها ، وكنت قَدْ رأيت والديرحمه‌الله في النوم بعد وفاته وأنا قاعد بين يديه وهو يبحث لنا على نهج ما كان في حياته ، فبحث عن هذه المسألة ونقل الخلاف ، وذكر أنَّ السيِّد المرتضیرحمه‌الله منع من إباحتها ، والشيخ الطوسيرحمه‌الله أجاز وطأها.

فقلت : الحق قول المرتضی ، فقال : لِمَ؟ فقلت : لأنَّ سبب البضع لا يتبعَّض. فلا يقال : زوَّجتك ، أو أنكحتك(٢) بعض هذه الجارية ويكون الباقی مباحاً بالملك.

فقالرحمه‌الله : هذا غلط ، نحن لا نقول(١) : إذا ملك بعضها يحرم [عليه] بعضها ويحل بعضها ، بل لو كان فيها لغيره أقل جزء منها كانت بأسرها حراماً ، فيكون التحليل مبيحاً للجميع لا للبعض)(٢) .

__________________

(١) عمدة الطالب : ١۹۰.

(٢) في المصدر : (أبحتك).

٣٧٠

أقول : مع كونه رؤيا فيه نظر ؛ لأنه مسلَّم أنَّ الجميع حرام قبل التحليل ، ولكن عند التحليل لم يُستفد الحلُّ من التحليل خاصّة ، وإلّا لم تحلّ له ضرورة. إنَّ التحليل يختصّ بالشقص(٣) المملوك ، فلا بدَّ من القول : يحل الشقص الآخر ، سبب آخر وهو الملك. ومع ذلك فالحق الجواز. والتحقيق يقتضي رسم اُمور :

مسألة إحلال الأمة المشتركة

الأمر الأول : لا ريب في جواز تزويج الأمَة المشتركة بين اثنين أو أكثر الأجنبي باتفاقهم ؛ لانحصار الحقّ فيهم ، واتحاد سبب الحلِّ. فإنّ اتَّحد العقد منهم بأن وكَّلوا واحداً منهم أو أجنبياً أو عقد الفضولي ، وأجاز الجميع : فلا إشكال في الصحَّة. وإن أوقع كل منهم عقداً على ملکه لم يصح ؛ إذ العقد لا يستباح به بعض الفرج.

الأمر الثاني : لو عقد أحدهما وحلَّل الآخر لم يصح ؛ لتبعُّض البضع ـ بمعنی حصول النكاح بالعقد والتحليل ، وهو باطل كما ستسمعه ـ نعم ، يحتمل الجواز بناء على جعل التحليل عقداً دائماً أو منقطعاً ، كما هو المنقول عن المرتضیرحمه‌الله (٤) ، فلا يكون من التبعيض في شيء ولكنَّ القول به نادر ، بل لا قائل به ممَّن تأخَّر عنه. على أنه قَدْ عرفت في الأمر الأول عدم الصحَّة في صورة

__________________

(١) في المصدر : (نحن نقول).

(٢) تعليقات على أجوبة المسائل المهنائية ٢ : ٢۸١ مسألة (٢٦).

(٣) الشقص : القطعة من الأرض ، والطائفة من الشيء. (الصحاح ٣ : ١۰٤٣).

(٤) قال المحقِّق الحلّي في المختصر النافع : ١۸١ ، ما نصّه : (القسم الثاني : في النكاح المتقطع والنظر في أركانه وأحکامه : وأركانه أربعة : (الأول) الصيغة. وهو ينعقد بأحد الألفاظ الثلاثة خاصة. وقال (علم الهدی) : ينعقد في الإماء بلفظ الإباحة والتحليل).

٣٧١

تعدُّد العقد ، ولذا احتملنا الجواز ولم نجزم بالصحَّة حَتَّى لو قلنا بمقالة المرتضیرحمه‌الله في مسألة التحليل.

الأمر الثالث : لا يجوز تزويج الأمَة المشتركة لأحد الشريكين ؛ لاستلزامه تبعیض البضع من حيث استباحته بالملك والعقد ؛ ولأنَّ الحلِّ ينحصر في الأزواج وملك اليمين في قوله تعالى :( وإلا على أزواجهم أو ما ملكت ايمانهم ) (١) ، فالمستباح بهما خارج عن القسمة ؛ لأنَّ التفصيل ـ في الآية بين القسمين بالعطف بأو ـ يقطع الاشتراك(٢) ، لا يقال : إنَّ الآية كما يحتمل إرادة منع الجمع ، يحتمل إرادة منع الخلوّ ، فلا يدل على منع الجمع ، فإذا استباح بهما صح ، لأنّا نقول : إنَّ الشرطية المنفصلة تحتمل منع الجمع والخلوّ ، ومنع كل واحد منهما ـ أعني : المنفصلة الحقيقية التي يكون الحكم فيها يتنافي الجزأين صدقاً وکذباً ـ ومع قيام الاحتمال يتحقق الاستباحة مع وجود أحدهما ـ أي : الزوجية أو ملك اليمين ـ ويحصل الشك في تحققها مع اجتماعها ، فيستصحب حكم المنع الثابت قبل ذلك.

وبعبارة اُخرى : القرآن دلَّ على تحريم غير المستثنی ، فيجب التوقُّف في الإباحة على ما علم دخوله في المستثنی ؛ إذ مع إجمال المخصّص يكون المرجع عموم العام كقولك : أكرم العلماء إلا بعضهم.

الأمر الرابع : قال المحقِّق في الشرائع : (إذا تزوَّج أمة بين شريكين ، ثُمَّ اشترى حصة أحدهما بطل العقد ، وحرم عليه وطؤها ، ولو أمضى الشريك الآخر العقد بعد

__________________

(١) سورة المؤمنون : ٦.

(٢) هذا القول يوافق ما ذكره الشهيد الثاني في الروضة البهية ٥ : ٣٢١.

٣٧٢

الابتاع ، لم يصح ، وقيل : يجوز وطؤها بذلك ، وهو ضعيف. ولو حلَّلها له ، قيل : تحل وهو مروي ، وقيل : لا ؛ لأنَّ سبب الاستباحة لا يتبعّض ) ، انتهی(١) .

أقول : لا خلاف ، ولا إشكال في بطلان العقد في الصورة المزبورة. بشراء حصة أحد الشريكين ، أو بعضها ، أو بعضاً من حصة كل منهما. وکذا لو كانت لواحد واشترى بعضها ؛ لأن ملك الجزء يبطل عقده ؛ لامتناع أن يعقد الإنسان لنفسه على أمته ابتداء ، وهو يستلزم بطلان الاستدامة ، ولا يمكن الحكم ببقاء العقد في الجزء الآخر ؛ لأن العقد لا يتبعّض ليبطل في بعض ويصح في بعض ؛ والانتفاء الكل بانتفاء الجزء ، فتعيَّن بطلانه في الجميع(٢) .

وأمّا تحريم وطئها فلاستلزام التصرف في مال الغير بغير إذنه ؛ ولرواية (زرعة) ، عن سماعة ، قال :سألته عن رجلين بينهما أمة فزوَّجاها من رجل ، ثُمَّ إنَّ الرجل اشترى بعض السهمين؟ قال : «حرمت عليه باشترائه إياها ، وذلك أن بيعها طلاقها إلا أن يشتريها جميعاً »(٣) .

وروى في (الكافي) في الموثَّق عن سماعة أيضاً : «إلا أن يشتريها من جميعهم »(٤) .

هذا مع عدم رضاء الشريك الآخر ، وأمّا مع رضائه وإمضائه بعد الابتياع ، فقد ذهب الشيخ الطوسيرحمه‌الله في محكی (النهاية) ، والقاضي ابن البرّاج ، وابن

__________________

(١) شرائع الإسلام ٢ : ٥٣٤.

(٢) وهذا القول يوافق قول الشهيد الثاني في مسالك الأفهام ۸ : ٢٨.

(٣) من لا يحضره الفقيه٣ : ٤٤٩ ح ٤٥٥٤.

(٤) الكافي ٥ : ٤٨٤ ح٦.

٣٧٣

فهد في محكيّ (المهذّب) إلى جواز وطئها بذلك الإمضاء(١) ، وهو كما ترى ضعيف جدا ؛ إذ مع بطلان عقد النكاح بالشراء ـ كما هو الظاهر ـ كيف يصير صحيحاً بمجرد الرضا؟! ومع عدم بطلانه لا حاجة لاعتبار رضاه بعد العقد ، مع فرض وقوعه أولاً برضاه ، ولم يتجدّد له ملك ، فلا يقف على إجازته(٢) ، مضافاً إلى ما سمعته من الرواية المتقدِّمة الدالّة على البطلان.

ومن هنا حمل المحقِّقرحمه‌الله ـ في نكته على النهاية ـ كلام الشيخ على الرضا يعقد البيع للنصف الآخر ، قالرحمه‌الله : (وكأنه يقول : إلا أن يشتري النصف الآخر من بايع النصف الأوّل فضولاً ، ويرضي مالِكُ ذلك النصف بالعقد )(٣) .

قال في (الجواهر) : (وهو وإن كان بعيداً إلّا أنه أقرب من حمله على ظاهره الَّذي لا ينبغي نسبته إلى من له أدنى معرفة بالتفقُّه ، فضلاً عن شيخ الطائفة )(٤) .

قلت : وعليه فلا يكون مثله مخالفاً في المسألة. ولعلَّه لذلك جزم غير واحد من المتأخّرين بعدم الصحَّة فيه من غير نقل خلاف لأحد ، لا من الشيخ ولا من غيره. بل أرسله إرسالاً. وقولهرحمه‌الله : ولو حللها إلخ(٥) .

هذا من جملة الأسباب المقتضية لإباحة الأمَّة المذكورة حينئذ للمشتري ، وهو تحلیل أحد الشريكين للآخر وطأها ، فقد عرفت في جواب العلَّامة لسؤال السيِّد مهنّا أن المسألة خلافية(١) ، والأكثر على العدم.

__________________

(١) النهاية : ٤۸۰ ط ، المهذب البارع ٢ : ٢١۹ ، ٣ : ٣٣٥.

(٢) مسالك الأفهام ۸ : ٢۸.

(٣) نكت النهاية للمحقق الحلي ، عنه إيضاح الفوائد ٣ : ١٤٩ ، والحدائق الناضرة ٢٤ : ٢٤٣.

(٤) جواهر الكلام ٣۰ : ٢٤۰.

(٥) أي المحقِّق الحلّي كما مر آنفا.

٣٧٤

وذهب ابن إدريس ، والعلَّامة والشهیدان ، وصاحب الحدائق ، والجواهر ، والمنهاج ، إلى حِلَّه بذلك(٢) .

وقال السيِّد الأُستاذرحمه‌الله في (العروة) :للنصّ (٣) .

وقال في (الرياض) : (والمنع مطلقاً متَّجه لولا ورود (رواية) مروية في الكتب الثلاثة صحيحة صريحة في الإباحة بالتحليل ، قال : سألته عن جارية بين رجلين ، دبَّراها جميعاً ، ثُمَّ أحل أحدهما فرجعها لشريكه؟ قال : «هو له حلال» )(٤) .

قالرحمه‌الله : (وهي وإن اختص موردها بغير المقام ، إلا أنَّ في ذيلها تعليل الحكم بما ظاهره العموم له ، مع أنَّ الظاهر عدم القائل بالفرق ) ، انتهی(٥) .

قلت : والرواية طويلة الَّذي أوردها في (الجواهر) ، وقال : (وهو صريح في المدَّعى أولاً وآخِرا )(٦) .

فلا وجه لما قَدْ يتوهم من كون المقام من قبيل ما تعدّد فيه سيب الإباحة ؛ لأنّ المراد بالمِلك ـ الَّذي هو أحد السيبين المذكورين في الآية ـ هو أعمّ من ملك الرقبة والمنفعة. والسبب الموجب للتحليل هنا هو الملك وإن كان مركّباً من

__________________

(١) تعليقات على أجوبة المسائل المهنائية ٢ : ٢٨١ (مسألة (٢٦).

(٢) السرائر ٢ : ٦٠٢ ، مختلف الشيعة ٧ : ٢٦١ ، اللمعة الدمشقية : ١٦٩ مسالك الأفهام ۸ : ٢٩ ، الحدائق الناضرة ٢٤ : ٢٤٣ ، جواهر الكلام ٣۰ : ٢٣٩.

(٣) العروة الوثقی ٣ : ٨٤٨ مسألة ٢١.

(٤) الكافي ٥ : ٤۸٢ ح ٣ ، من لایحضره الفقيه ٣ : ٤٥٧ ح ٤٥٧٩ ، تهذيب الأحكام ٧ : ٢٤٥ ح ١٠٦٧ / ١٩.

(٥) ریاض المسائل ١۰ : ٣٢۸.

(٦) جواهر الكلام ٣۰ : ٢٤۰.

٣٧٥

الَّذي لا يقصر عن تقييد ما يقتضي عدم الجواز من الأصل وقاعدة تبعیض البضع ، والله العالم.

الأمر الخامس : لا يجوز وطء من بعضه حرّ إذا اشتری نصیب الرِّقِّية لا بالعقد ولا بالتحليل بأن تحلّل سهم حريتها. نعم ، لو هابها جاز له التمتُّع بها في الزَّمان الَّذي وقع في نوبتها عملاً بالنصّ الصحيح ، ولكن الأحوط خلافه(١) ؛ إذ ليست المهاباة إلا تقسيماً للمنفعة لا توقيتاً للحرِّية ، ولا يترتَّب عليها سوى ملك المنفعة شيءٌ من آثار الحرِّية.

الأمر السادس : اعلم أنَّ التحليل من خواص فرقة الشيعة كالمتعة ، والأحوط تعيين الأجل في صيغة التحليل ، وإن كان الأقوى عدم الاشتراط ، كما أنَّ الأقوى أيضاً عدم اشتراط التقييد بالمهر ، وإن كان أحوط أيضاً ، ثُمَّ أن التحليل المتَّفق على كفايته منحصر في صيغتين ، إحداهما : أن يقول مولى الجارية بعد تعيين الأجل : أحللت لك وطء جاريتي المعهودة في المدَّة المعلومة. فيقول القابل بلا فصل : قبلت التحليل ـ هكذا ـ أو قبلتُ. وإن كان الموجب وكيلاً فيقول : عوض جاريتي جارية موكّلي ، وإن كان القابل قَدْ عيَّن وكيلاً أيضاً فيقول : عوض لك ، لموكِّلك.

الثانية : أن يقول الموجب ـ يعني المولی ـ : جعلتك في حِلِّ من وطء جاريتي المعلومة في المدة المعلومة. فيقول القابل : قبلت لنفسي.

__________________

(١) العروة الوثقی ٢ : ۸٤۸ مسألة ٢١.

٣٧٦

هكذا ، وفي صورة الوكالة كما فيما تقدَّم ، ولو أراد أن يحلِّل شيئاً من مقدمات الوطء كالنظر ، واللمس ، والتقبيل ، والتفخيد وأمثاله ، فيقول : أحللت لك النظر إلى بدن جاريتي المعلومة ، أو لمسها ، أو تقبيلها ـ مثلاً ـ فيقول القايل : قبلت.

ولو توافق الشريكان على تحليل الأمَّة المشتركة فيوكِّلان من يجري الصيغة من جانبهما ، فيقول الوكيل ، عن مُوَكِّليّ أحللت لك وطء جاريتهما المعلومة في المدَّة المعلومة. قيقبل القابل كما تقدَّم.

اولو أراد كل من الشريكين إجراء صيغة جاز له ذلك. ولكن يجب على كل منهما أن يقول : أحللت لك وطأها ، ولا يصح أن يقول : أحللت لك وطء حصَّتي. ويعتبر في القبول حينئذ تعدُّده لكل إحلال قبول ، وتحلیل مقدمات الوطء لا يستلزم تحليل الوطء بخلاف العكس فإنه يحلل سائر المقدمات ، ولا استبعاد في تحليل المقدمات مع تحریم الوطء كالحائض.

الأمر السابع : المولود من المملوكين مشترك بين المالكين. وإذا كان الأب حرّاً ولم يشترط مالك الأمَّة مملوكية المولود كان حرّاً أيضاً ، وإن اشترطهما ففي كونه حرّاً أورِقّاً خلاف المشهور أنه رِقٌّ بسبب الشرط. والأظهر عدمه ، لأنَّ شرط الرقِّية فاسد في مثل الفرض ؛ لأنَّ المولود تابع لأشرف الأبوين. وعليه فالأحوط عدم الاشتراط لاحتمال فساد العقد به ، وإن كان الأقوى أنه غير مفسد. وعلى فرض الاشتراط فالأحوط المبادرة إلى إعتاقهم.

الأمر الثامن : يشترط في المحلَّل له أن لا يحرم عليه وطء المحلَّلة ، وإلّا فلا أثر للتحليل ، كتحليل الأمَّة المسلمة للكافر ، أو الشيعيّة للمخالف. فإن ذلك غير جائز.

٣٧٧

الأمر التاسع : لا مانع من تحليل المولى أمته لعبده ، وإن قلنا بما عن المشهور من كون التحليل تمليك منفعة ، وإن العبد لا يملك شيئاً من عين أو منفعة كما هو الأظهر الأشهر ، ولو كان بإذن مولاه ، وذلك لانصراف المنفعة عن مثل ما نحن فيه ، فلا وجه لمنع بعض المتأخّرين عن صحَّته. وكذا لا مانع من أن يُنكِحَ المولى عبدَه من أمته ، ويكفي أن يقول : أنكحتك فلانة ، ولا يحتاج إلى القبول منه ، أو من العبد ؛ لإطلاق الأخبار ، ولأنَّ الأمر بيده فإيجابه مغن عن القبول. وإذا أراد المولى التفريق بينهما لا حاجة إلى الطلاق ، بل يكفي أمره إياهما بالمفارقة ، ولو أمره بالطلاق فلا يخلو عن إشكال.

الأمر العاشر : المعلوم من مذاق الشرع عدم جواز تحلیل غير الوطء المتعدِّدين في زمان واحد ، وخصوصاً مع اختلاف المحلل صنفاً أو عضواً ، كما لو أحلّ النظر للشخص والّلمس لآخر ، أو أحلّ النظر لجماعة ، بل صرَّح في (الجواهر) : بإمكان دعوی معلومية ذلك من الشريعة ، كمعلومية عدم البعلين اللامرأة الواحدة ، وأنّه لا فرق في عدم جواز الاشتراك بين الوطء وبين غيره من باقي الاستمتاعات.

قال : (وربما كان في تصريح بعضهم بصیرورة المحلَّلة ولو نظرا أجنبية بالبسبة إلى السيِّد شهادة على ما ذكرنا ، ضرورة أولوية الأجنبي بالمنع منه ، لعدم الاستصحاب فيه )(١) .

__________________

(١) جواهر الكلام ٣٠ : ٣١٠.

٣٧٨

المحقِّق الحلي

وأمَّا جعفر : فهو ابن الحسن بن أبي زکریا یحیی بن الحسن بن سعيد الحلِّي ، الهذلى شيخنا نجم الدين أبو القاسم المحقِّق المنوّه باسمه وعلمه في قصة الجزيرة الخضراء(١) ، وناهيك بفضله وعظيم قدره ونبله : أنَّ المحقِّق الطوسي نصير الملة والدين حضر مجلس درسه ، فقطع الدرس تعظيماً له وإجلالاً لمنزلته فأمرهم بإكمال الدرس ، فجرى البحث في مسألة استحباب التياسر فقال المحقِّق الطوسي : (لا وجه لهذا الاستحباب ، لأنَّ التياسر إن كان من القبلة إلى غيرها فهو حرام ، وإن كان من غيرها إليها فهو واجب.

فقال المحقِّقرحمه‌الله : بل منها إليها ، فسكت المحقِّق الطوسي رحمه‌الله ).

ثم ألَّف المحقِّق في ذلك رسالة لطيفة ـ أوردها الشيخ أحمد بن فهد في (المهذَّب) بتمامها ـ وأرسلها إلى المحقِّق الطوسي فاستحسنها(٢) .

وكان أبوه الحسن من الفضلاء المذكورين ، وجدّه يحيي من العلماء الأجلاء المشهورين.

توفيرحمه‌الله في شهر ربيع الأوّل سنة ٦٧٦ ، وفي (لؤلؤة البحرين) نقلاً عن بعض الأجلاء الأعلام من متأخِّري المتأخّرين : (رأيت بخط بعض الأفاضل ما صورة عبارته : في صبح يوم الخميس ثالث عشر ربيع الآخر سنة ٦٧٦ سقط الشيخ الفقيه أبو القاسم جعفر بن الحسن بن سعيد الحلِّيرحمه‌الله من أعلى درجة في داره فخر

__________________

(١) بحار الأنوار ٥٢ : ١٧٤ ضمن قصة الجزيرة الخضراء.

(٢) المهذب البارع ١ : ٣١٢.

٣٧٩

میِّتاً لوقته من غير نطق ولا حركة ، فتفجع الناس لوفاته واجتمع لجنازته خلق کثير ، وحمل إلى مشهد أمير المؤمنينعليه‌السلام . وسئل عن مولده فقال : سنة ٦ ۰٢) ، انتهى(١) .

وله تصانیف محقِّقة ، محررة عذبة منها : كتاب (المسائل العزية) عشر مسائل ، (المسائل المصرية) ، کتاب (أُصول الدين) (کتاب معارج الأُصول) ، كتاب (الكهنة في المنطق) ، کتاب (نکت النهاية) ، رسالة (التياسر في القبلة) جيدة ، كتاب (نهج الوصول إلى علم الأُصول) ذكره في (أمل الآمل)(٢) ، کتاب (شرائع الإسلام) ووجدت في بعض المجاميع أنه مشتمل على أثني عشر ألف مسألة. وكتاب (مختصر النافع) ستّة آلاف مسألة ، وكتاب (المعتبر) وکتاب اختصار مراسم سلّار الديلمي في الفقه)(٣) .

[أشهر تلامذته]

ومن كبار تلامذته ابن داود الحِلّي صاحب (الرجال) المعروف ، المتولد سنة ٦٤٧ ، والشيخ الإمام جلال الدين محمّد ابن الشيخ الإمام ملك الأدباء شمس الدين محمّد بن الكوفي الهاشمي الحائري شيخ الشهيد ، والشيخ صفي الدين عبد العزيز بن سرايا الحلِّي ، الفاضل الشاعر الأديب ، الماهر المشهور ، المتولد

__________________

(١) لؤلؤة البحرين : ٢٣١ ، وقال الشيخ عبَّاس القمي في الكنى والألقاب ٣ : ١٥٦ ، ما نصّه : (وما نقلهرحمه‌الله [الشيخ يوسف البحراني] من حمله إلى مشهد أمير المؤمنینعليه‌السلام عجيب ، فإن الشائع عند الخاص العام أنَّ قبره طاب ثراء بالحلّة ، وهو مزار معروف وعليه قُبَّه وله خدام بخدمون قبره ، يتوارثون ذلك أباً عن جد ، وقد خربت عمارته فأمر الأُستاذ العلامة [الشيخ النوري] دام علاه بعض أهل الحلّة فعمروها ، وقد تشرفت بزيارته قبل ذلك وبعده ، والله العالم).

(٢) أمل الآمل ٢ : ٤۸ رقم ١٢٧.

(٣) ينظر لما كتبه المحقِّق رضا الاستادي في مقدمة كتاب الرسائل التسع للمحقِّق الحلِّيرحمه‌الله ص ٢۰ ـ ٢٣ ط مكتبة المرعشي حول تآليفه ومخطوطاتها ومطبوعاتها وعدَّ له هنالك عشرون تأليفاً ، فراجع.

٣٨٠

سنة ٦ ٧٧ ، والمتوفّی ٧ ٥ ۰ صاحب القصيدة البديعية المشتملة على مائة وخمسين نوعاً من أنواع البديع وشرحها(١) ، وديوان شعر کبیر.

قال صاحب (القاموس) : (اجتمعت سنة ٧ ٤ ٧ بالأديب الشاعر صفي الدين بن سرايا الحلِّيرحمه‌الله بمدينة بغداد فرأيته شيخاً كبيراً له قدرة تامَّة على النظم والنثر ، وخبرة بعلوم العربية والشعر ، فغزله أرق من سحر النسيم ، وأدق من المحيا الوسيم ، وكان شيعياً قُحّاً ، إلّا أنه كان ذا حالة رثّة ، وهيئة قبيحة ، وعمامة وسخة ، ووجه أقبح من الكل. ومن رأى صورته لا يظن أنه ينظم ذلك الشعر الَّذي هو كالدر في الأصداف) ، انتهى.

نقلاً عن تراجم أرباب البديعيات الملحقة بشرح بديعية سيد علي خان التي ألحقها به ، قَدْ عثرت عليها في بعض نسخ (أنوار الربيع)(٢) .

والشيخ الكامل الفقيه : عز الدين حسن بن أبي طالب اليوسفي ، المعروف بالآبي صاحب كتاب (کشف الرموز) في شرح النافع(٣) .

__________________

(١) قال السيِّد إعجاز حسين في كشف الحجب والأستار ص ٤١٤ رقم ٢٢٧٦ ، ما نصّه : (القصيدة البديعية وشرحها كلاهما للشيخ صفي الدين عبد العزيز بن سرايا الحلّي المتوفّى سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة وتاریخ وفاته بحساب الجمل الجنّة مأوى الصفي ونيل انه توفي سنة خمسين وسبعمائة كان من تلامذة المحقِّق نجم الدین جعفر بن الحسن الحلّي والقصيدة مائة وخمسة وأربعون بيتاً تشتمل على مائة وخمسين نوعاً من أنواع البديع ذكر في شرحه أنه استمد من مائة وسبعين كتاباً ومطلع بدیعیته ، بیت :

ان جئت سلعاً فسل عن جيرة العلم

واقرّ السلام على عرب بذي سلم

(٢) نقلها التستري في مجالس المؤمنين ٢ : ٥٧۹ عن بعض تآليف صاحب القاموس مجد الدين الفيروز آبادي الشافعي.

(٣) أي كتاب المختصر النافع للمحقِّق الحلّيرحمه‌الله .

٣٨١

وذكره جدِّي بحر العلوم طاب ثراه في (رجاله) وقال : (إنه أوّل من شرح النافع ، وقال : إنه محقِّق فقیه ، قوي الفقاهة ، وقد يعبَّر عنه بابن الربيب )(١) .

والوزير شرف الدين أبو القاسم علي بن الوزير مؤيِّد الدين أبي طالب محمّد بن أحمد العلقمي ، وكان عالماً فاضلاً ، جلیل القدر ، شاعراً أديباً.

ومؤيد الدين أبوه كان وزير المستعصم العبَّاسي ، شيعياً سُلّمت إليه بغداد من بعد فتحها على يد هولاكو ، فمكث الوزير شهوراً ثُمَّ مرض ، وماترحمه‌الله سنة ٦٥٦(٢) .

قال شرف الدين أبو القاسم علي : (اشتملت خزانة والدي على عشرة آلاف مجلد من نفائس الكتب ، وصنَّفَ الناس له الكتب ، فممّن صنَّفَ له الصاغاني اللُّغوي ، صنَّف له (العُباب) وهو كتاب عظيم كبير في لغة العرب ، وصنَّفَ له عز الدين عبد الحميد بن أبي الحديد کتاب (شرح نهج البلاغة) ، يشتمل على عشرين مجلداً ، فأثابهما وأحسن جائزتهما ، وكان ممدّحاً مدحه الشعراء ، وانتجعه الفضلاء.

فممَّن مدحه كمال الدين بن البوقي بقصيدة من جملتها :

مؤيّدُ الدين أبو طالٍب

محمّدُ بنُ العلقميِّ الوزيرْ

وهذا بيت حسن جمع فيه لقبه وكنيته واسمه واسم أبيه وصنعته. وكان مؤيد الدين عفيفاً عن أموال الديوان وأموال الرعية ، متنزهاً مترفعاً.

قيل : إنَّ بدر الدين صاحب الموصل أهدى إليه هدية تشتمل على كتب وثياب ولطائف قيمتها عشرة آلاف دينار ، فلمَّا وصلت إلى الوزير حملها إلى خدمة الخليفة ،

__________________

(١) الفوائد الرجالية ٢ : ١٧۹ ، باختلاف يسير.

(٢) ينظر ترجمته في : الكنى والألقاب ١ : ٣٦٢ ، ٣ : ٢٨٤.

٣٨٢

وقال : إن صاحب الموصل قَدْ أهدى لي هذا واستحييت منه أن أردَّه إليه ، وقد حملته إليك وأنا اسأل قبوله ، فقبل.

ثُمَّ أنه أهدى إلى بدر الدين عوض هديته شيئاً من لطائف بغداد قيمته اثنا عشر الف دينار ، والتمس منه أن لا يهدي إليه شيئاً بعد ذلك)(١) .

اشتهار النهر العلقمي باسمه

والعلقمي اسم نهر اقتطع من الفرات إلى كربلاء ومنه إلى الكوفة ، وكان هو الباعث علی عمران الكوفة ورُقيِّها ، وأثره إلى الآن ظاهر قرب مرقد أبي الفضل العبَّاس سلام الله عليه.

وقد بلغ ابن العلقمي المزبور : أن الصادقعليه‌السلام لما زار جدَّه الحسينعليه‌السلام خاطب النهر : «بأنَّك مُنِعتَ عن جدّي الحسين عليه‌السلام في يوم عاشوراء وإلى الآن أنت جار » ، فسعی ابن العلقمي في تخریب سدّ هذا النهر ، فانقطع الماء وأوجب ذلك خراب الكوفة. وهو السبب في اشتهاره بنهر العلقمي. هكذا وجدته في كتاب (التحفة الرضوية)(٢) .

ومن تلامذته المحقِّق الشيخ شمس الملّة والدين محفوظ بن وشاح بن محمّد ، وكان من أعيان علمائنا في عصره ، وكان شاعراً أديباً ، وله رثاء في حقّ أُستاذه ، ورثاه الحسن بن داود من بعد موته(٣) ، ومن جملة ما كتب به إلى أُستاذه ، ما ذكره الشيخ حسن ـ أعني : شيخنا الماتنرحمه‌الله ـ وهي :

__________________

(١) تاريخ الفخري : ٣٣٨.

(٢) ذكر ذلك أيضا المازندراني في معالي السبطين ١ : ٣٢٥.

(٣) ذكر بعضها العاملي في أمله عند ترجمته ، فلاحظ.

٣٨٣

أغيبُ عنكَ وأشواقي تجاذبُني

إلى لقائِكَ جذبَ المُغرَمِ العاني

إلى لقاءِ حبيبٍ مثلِ بدرِ دُجیً

وقد رماهُ باعراضٍ وهجرانِ

قلبي وشخصُك مقرونانِ في قَرَنٍ

عند انتباهي وبعدَ النومِ يغشاني

حَلَلْتَ منّي مَحَلّ الروح في جسدي

فأنتَ ذكرايَ في سرِّي وإعلاني

لو لا المخافةُ مِن كُروهٍ ومن مللٍ

لطالَ نحوَكَ تَردادي وإتياني

يا جعفرُ بنَ سعيدٍ يا إمامَ هدى

يا أوحدَ الدهرِ يا مَنْ مالَهُ ثاني

إنَّي بِحُبِّكَ مُغرىً غيرَ مُكتَرِثٍ

بِمَنْ يلومُ وفي حُبِّيكَ يلحاني

فأنتَ سيِّدُ أهلِ الفضلِ كلَّهِمُ

لم يَختلِفْ أبداً في فضلِكَ اثنانِ

في قلبِكَ العلُم مخزونٌ بأجمَعِهِ

تَهدي بهِ مِن ضَلالٍ كلِّ حَيرْانِ

وفوكَ فيه لسانٌ حَشْوُهُ حِكَمٌ

تروي بهِ مِنْ زلالٍ كلَّ ظمآنِ

وفخرُكَ الشامخُ الراسي وَزَنْتَ به

رَضوی فزادَ علی رَضوی وَثهْلانِ

وحسنُ أخلاقِكَ اللاتي فَضَلْتَ بها

كلِّ البريَّةِ مِنْ قاصٍ ومِنْ دانِ

تُغني عن المأثُراتِ الباقياتِ ومَنْ

يُحصي جواهرَ أجبالٍ وكُئْبانِ

يا مَنْ على دُرُجِ العلياءِ مرتقياً

أنتَ العظيمُ الكبيرُ القدرِ والشانِ

فأجابَهُ المحقِّقرحمه‌الله :

لقد وافَتْ قصائِدُكَ العوالي

تهزُّ معاطِفَ اللَّفظِ الرَّشيقِ

فَضَضْتُ خِتامَهُنَّ فَخِلْتُ أنَّي

فَضَضْتُ بِهِنَّ عن مِسْكٍ فَتيقِ

وحالَ الطَّرفُ منها في رياضٍ

كُسِينَ بناظرِ الزهرِ الأنيقِ

فَكَمْ أبصرتُ من لفظٍ بدیعٍ

يُدَلُّ بناظرِ الزهرِ الأنيقِ

وكَمْ شاهَدْتُ من عِلْمٍ خَفِيٍّ

يُقرِّبُ مَطلبَ الفضلِ السّحيقِ

٣٨٤

شَرِبتُ بها كؤوساً من معانٍ

غَنيتُ بِشُربِهِنَّ عن الرحيقِ

ولكنِّي حلتُ بها حقوقاً

أخافُ لِثِقلِهِنَّ مِنَ العُقوقِ

فسِرْأ أبا الفضائل بي رويداً

فَلَسْتُ أُطيقُ كفرانَ الحُقوقِ

وتحمَّل ما أُطيقُ بهِ نُهوضاً

فإنَّ الرِّفقَ أنسَبُ بِالصديقِ

فَقَدْ صيَّرتَنِي لِعُلاكَ رِقّاً

بِبِرِّكَ بَلْ أرَقُّ مِنَ الرَّقيقِ

وكتب من بعدها نثراً من جملته :

(ولست أدري كيف سوّغ لنفسه الكريمة ـ مع حنوه على إخوانه ، وشفقته على أوليائه وخلانه ـ إثقال كاهلي بما لا يطيق الرجال حمله ، بل تضعف الجبال أن تقلَّه؟ حَتَّى صيّرني بالعجز عن مجازاته أسيراً ، وأوقفني في ميدان محاوراته حسيراً ، فما اُقابل ذلك البرِّ الوافر ، ولا اُجازي ذلك الفضل الغامر ، وإني لأظن کرم عنصره ، وشرف جوهره ، بعثه على إفاضة فضله وإن أصاب غير أهله ، أو كأنَّه مع هذه السجيّة الغراء ، والطويَّة الزهراء ، استملي بصحيح فكرته ، وسلیم فطرته الولاء من صفحات اوجهي ، وفلتات لساني ، وقرأ المحبّة من لحظات طرفي ، ولمحات شأني ، فلم ترض همَّته العلِيَّة من ذلك الإيراد بدون البيان ، ولم يقنع لنفسه الزكية عن ذلك الخبر إلا بالعيان ، فحرّك ذلك منه بحراً لا يسمح إلا بالدرر ، وحجراً لا يترشّح بغير الفقر ، وإنَّما أُستمدُّ من إنعامه الاقتصاد على ما تطوَّع به من البرّ ، حَتَّى أقوم بما وجب عليَّ من الشكر إن شاء الله )(١) .

ومن شعر المحقِّقرحمه‌الله أيضاً وكتب إلى أبيه :

__________________

(١) بحار الأنوار ١۰٦ : ١٥ ـ ١٧ ضمن إجازة الشيخ حسن للسيِّد نجم الدين الحسيني المعروفة بالإجازة الكبيرة ، أمل الآمل ٣ : ٢٢۹ ترجمة ابن وشاح رقم ٦٨۸.

٣٨٥

لِيَهنِكَ أنِّي كلَّ يوم إلى العُلى

أقدِّمُ رجلاً لن تزلِّ بها النَّعلُ

وغيرُ بعيدٍ أن تراني مقدِّماً

على الناس حَتَّى قيلَ لیسَ لَهُ مِثْلُ

تطاوعني بكرُ المعاني وعونُها

وتنقادُ لي حَتَّى کأنِّي لها بَعْلُ

ويشهدُ لي بالفضلِ کلُّ مبرِّز

ولا فاضلٌ إلّا ولي فوقَهُ فَضْلُ

قال المحقِّقرحمه‌الله : فكتب إليَّ فوق هذه الأبيات : لئِنْ أحسِنْتَ في شعرِكَ لقد أسأتَ في حقِّ نفسِكَ ، أما علمت أنَّ الشعر صناعة من خلع العفَّة ، ولبس الحرفة ، والشاعر ملعون وإن أصاب ، ومنقوص وإن أتي بالشيء العجاب ، وكأنِّي بكَ قَدْ ارمَمَكَ الشيطانُ بفضيلةِ الشّعر ، فجعلتَ تنفق ما تلفّق بين جماعة ولا يرون لك فضلاً غيره ، فسمَّوك به ، وقد كان ذلك وصمة عليك إلى آخر الدهر ، أما تسمعُ :

ولستُ أرضى أن يقال شاعِرٌ

تبّاً لها مِنْ عُدَدِ الفضائِلِ

قالرحمه‌الله : فوقف عند ذلك خاطري حَتَّى كأني لم أقرع له باباً ، ولم أرفع له حجاباً ، وأكَّد ذلك عندي ما رويته بإسناد متَّصل : أنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله دخل المسجد وبه رجل قَدْ أطاف به جماعة ، فقال : «ما هذا؟» قالوا : علّامة. فقال : «ما العلّامة؟» قالوا : عالم بوقائع العرب ، وأنسابها ، وأشعارها.

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «ذلك علم لا يضرُّ من جهله ، ولا ينفع من عَلِمَه».

ومن البيِّن أن الإجادة فيه يفتقر إلى تمرين الطبع ، وصرف الهمة إلى الفكر في تناسب معناه ، ورشاقة ألفاظه ، وجودة سبکه ، وحسن حشوه تمريناً متكرراً حَتَّى يصير خلقاً وشيماً إن ذلك سبب الاستكمال فيه ، والإهمال سبب القصور عنه.

وإلى هذا المعنى أثرت فيَّ جملة أبيات ، وهي :

هجرتُ صوغَ قوافي الشِّعرَ مُذ زَمَنٍ

هَيهاتَ يرضى وقد أغضبتُهُ زَمَنا

وُعُدْتُ اوقِظُ أفكاري وقَدْ هَجَعَتْ

عُنقاً وأُزعِجُ عزمي بَعْدَ ما سَکَنا

٣٨٦

إنَّ خواطرَ كالآبارِ إن نُزِحَتْ

طابَتْ وإنْ تُبقِ فيها ماءها أجِنا

فاصبحْ شَكوراً أياديكَ التي سَلَفَتْ

ما كُنْتُ أُظهِرُ عیبي بَعْدَ ما كَمَنا

ولمكان إضرابي عنه وإعراضي حَتَّى عفى ذكر اسمه ، لم يبق إلا ما هو حقيق أن يرفض ولا يعرض ، ويضمر ولا يظهر ، ولكن مع ذلك أورد ما أدخل في حيز الامتثال ، وإن كان سرُّه أنسب بالحال ، فمنه :

وما الإسرافُ مِنْ خُلُقي

وإنِّي لَأُجزّأُ بالقليلِ عَنِ الكثيرِ

وما أُعطي المطامِعَ لي قياداً

ولو خُودِعتُ بالمالِ الخطيرِ

وأُغمِضُ عن عُيوبِ الناس حَتّى

أخالَ وإن تناجيني ضميري

وأحتملُ الأذى في كلِّ حالٍ

على مَضَضٍ وأعفو عن كثيرِ

ومَنْ كانَ الإلهُ له حسيباً

أراهُ النُّجحَ في كُلِّ الأُمورِ

ومنه قولهرحمه‌الله :

يا راقداً والمنايا غيرُ راقدةٍ

وغافلاً وسهامُ الدهر ترمیهِ

فيمَ أرتكَ الليالي قُبحَ دُخْلَتِها

وغَدرَها بالَّذي كانَتْ تصافيهِ

أما أرتك الليالي قبح دخلتها

وغدرها بالذي كانت تصافيه

رفقاً بنفسِكَ يا مغرورُ إنَّ لها

يوماً تشيبُ النواصي من دواهيهِ(١)

ولمَّا توفّي رثاه الشيخ محفوظ بن وشاح بقصيدة يقول فيها :

أقلقني الدهرُ وفرطُ الأسى

وزادَ في قلبي لهيفُ الضَّرامْ

__________________

(١) خاتمة المستدرك ٢ : ٤٦٨ ، أمل الآمل ٢ : ٥۰.

٣٨٧

لِفَقْدِ بَحرِ العلمِ والمُرتضى

في القولِ والعقلِ وفَصْلِ الخِصامُ

أعني أبا القاسِم شَمسَ العُلى

الماجِدَ المِقدامَ ليتَ الزَّحامْ

أزمّة الدينِ بتدبيرهِ

مَنظومَةٌ ، أحسِنْ بِذاكَ النِّظامْ!

شَبِّهْ بهِ البازِيَّ في بَحثِهِ

وعِندَهُ الفاضِلُ فَرْخُ الحَمامْ

قد أوضحَ الدينَ بتصنيفهِ

من بعدِ ما كانَ شديدَ الظَّلامْ

بعدك أضحَى الناسُ في حَيْرَةِ

عالِمُهُم مشبَّه بالعَوامْ

لولا الَّذي بيَّنَ في كُتْبِهِ

لأشرَفَ الدينُ على الإصْطِلامْ

قَدْ قلتُ للقَبرِ الَّذي ضمَّهُ

کيفَ حَوَيْتَ البحرَ والبَحرُ طامْ؟

عَلَيكَ منِّي ما حدا سائِقٌ

أو غرَّدَ القُمرِيُّ الفا سَلامْ(١)

ولقد رثاه الشيخ محمود بن يحيى بقصيدة منها :

عزَّ العزاءُ فلاتَ حينَ عَزاءِ

مِنْ بَعدِ فُرقَةِ سيِّد الشُّعَراءِ

العالمُ الحَبرُ الإمامُ المُرتضی

عَلَمُ الشَّريعةِ قدوَةُ العُلماءِ

أكذا المنونُ تحطّ أطوادَ الحِجى

ويفيضُ منها بَحرُ كلِّ عَطاءِ

ما للفتاوی لا یُرَدُّ جوابُها

ما للدعاوی غُطِّيتْ بِغِطاءِ

ما ذاكَ إلّا حينَ ماتَ فقيدُنا

شمسُ المعالي أوحَدُ الفُضَلاءِ

ذهبَ الَّذي كنَّا نصولُ بعزِّه

ولسانِهِ الماضي على الأعداءِ

مَنْ الفتاوى المُشكِلاتِ يَحُلُّها

ويُبنُها بالكشفِ والإمضاءِ

مَنْ للكلامِ يَبينُ من أسرارِهِ

معنی حقیقةِ خالِقِ الأشياءِ

مَنْ ذا لِعلْمِ النحو واللُّغةِ التي

جاءت غرائِبُها عَنِ الفصَحاءِ

__________________

(١) أمل الآمل ٢ : ٥١.

٣٨٨

مَنْ للعَروض يَبينُ من أسراره

الخافي ومن للشعرِ والشُّعراءِ

ما خِلْتُ قَبلَ يُحَطُّ في قَعْرِ الثرى

إنَّ البدورَ تغيبُ في الغبراءِ

الموتُ مَحفوظٌ وأبقى بَعدَه

غدرٌ لَعَمرُكَ موتُهُ وبقائي

مولايَ شمسَ الدّينِ يا فخرَ الوَرى

مالي أُنادي لا تُجيبُ ندائي(١)

السيِّد فخار بن معد

وأمّا شمس الدين فهو : السيِّد فخار بن شمس الدین ، شیخ الشرف معدّ بن فخار بن أحمد بن أبي القاسم محمّد بن الحسين بن محمّد بن إبراهيم المجاب ، الموسوي ، الحائري ، الموصوف في التراجم والإجازات بكل جميل ، وهو مؤلّف کتاب (الحجّة على الذاهب إلى تكفير أبي طالبعليه‌السلام ) ، قال في (اللؤلؤة) : (إنَّ هذا الكتاب كان عندي وقد نقلت أكثره في كتاب (سلاسل الحديد في تقييد ابن أبي الحديد) حيث إنه ذكر في (شرح نهج البلاغة) توقُّفه في إسلام أبي طالب ، قال : وقد أشبعنا معه الكلام في الكتاب المزبور ، وبيَّنا ما في كلامه من القصور) ، انتهى(٢) .

وعن رجال النيسابوري : أنه توفّي سنة ٦ ٣۰.

وممّا ينسب إليه من الشعر هذه الأبيات :

سأغسلُ أشعاري الحسانَ وأهجُر

القوافي وأقلى ما حَيِيتُ القوافيا

وألوي عن الآداب عُنْقي وأعتَذِرْ

لَها بَعدَ حُبّي ما أرى القومَ قاليا

فإنِّي أرى الآداب يا أُمَّ مالِكِ

تزيدُ الفتی ممَّا یَرومُ تنائيا

__________________

(١) أمل الآمل ٢ : ٣١٧ ، الغدير ٥ : ٤٤١.

(٢) لؤلؤة البحرين : ٢۸٢.

٣٨٩

انتهى(١) .

وقال ابن أبي الحديد في شرحه : وصنَّفَ بعض الطالبيين في هذا العصر کتاباً في إسلام أبي طالب ، وبعثه إليَّ وسألني أن أكتب عليه بخطّي نثراً أو نظماً ، أشهد فيه بصحَّة ذلك ، وبوثاقة الأدلة عليه ، فتحرَّجتُ أن أحكم بذلك حكماً قاطعاً ؛ لما عند من التوقُّف فيه ، ولم أستجز أن أقعد عن تعظيم أبي طالب ، فإنِّي أعلم أنَّه لولاه لما قامت للإسلام دعامة. وأعلم أن حقّه واجب على كل مسلم في الدنيا إلى أن تقوم الساعة ، فكتبتُ على ظهر المجلَّد :

ولولا أبو طالب وابنُه

لما مَثُلَ الدینُ شَخصْاً فقاما

فذاكَ بمَكَّةَ آوي وحامی

وهذا بِيثربَ جَسَّ الحِماما

تكفَّلَ عبدُ مَنافٍ بأمرٍ

وأودي فكانَ عليٌّ تَماماً

فقُل في ثبيرٍ مضى بَعْدَ ما

قضى ما قضاهُ وأبقى شِماما

فلِلّهِ ذا فاتِحاً للهُدى

وللهِ ذا للمعالي خِتاما

وما ضرَّ مجدَ أبي طالب

جَهولٌ لَغا أو بَصيرٌ تعامى

کما لا یضرُّ بآيِّ الصَّباحِ

من ظنَّ ضوءَ النَّهارِ الظَّلاما(٢)

من كتب في إيمان أبي طالب

وفي فهرست النجاشي : (أنَّ أحمد بن محمّد بن عمّار أبو علي الكوفي ، ثقة جلیل من أصحابنا ، له كتب ، وعدَّ منها كتاب (إيمان أبي طالب) )(٣) .

__________________

(١) بحار الأنوار ١٠٤ : ١٩ نقله من خط الشهيد الأولقدس‌سره .

(٢) شرح نهج البلاغة ١٤ : ۸٣

(٣) رجال النجاشي : ٩٥ رقم ٢٦.

٣٩٠

وفيه أيضاً : (أنَّ أحمد بن محمّد بن أحمد بن طرخان الكندي أبو الحسين الجرجرائي الكاتب ، ثقة ، صحيح السُّماع ، وكان صديقنا ، قتله إنسان يعرف بابن أبی العبَّاس ، يزعم أنّه علوي ؛ لأنّه أنكر عليه نكرة ، وله كتاب (إيمان أبي طالب )(١) .

ولسهل بن أحمد بن عبد الله بن سهل الديباجي كتاب (إيمان أبي طالب)(٢) .

ولعلي بن حمزة البصري من علماء العامّة معاصر الكليني کتاب (إيمان أبي طالب)(٣) .

وللشيخ إمام الشيعة معین الدین مسعود بن علي البيهقي کتاب (سلوة الشيعة)(٤) ، وفيه الأدلة على تحقيق إيمان أبي طالب تفصيلاً.

__________________

(١) رجال النجاشي : ۸٧ رقم ٢١۰.

(٢) رجال النجاشي : ١۸٦ رقم ٤۹٣ ، وفي الأصل : (ولسهل بن اليسع بن عبد الله القمي كتاب إيمان أبي طالب) ، وهو اشتباه ، إذ لم ينص الرجاليون أن لسهل بن اليسع كتاباً بهذا الاسم وما أثبتناه من المصدر ، فتأمَّل.

(٣) إيمان أبي طالب : لأبي نعيم علي بن حمزة البصري اللغوي ، المتوفّى سنة ٣٧٥ هـ ، أحد أعيان أهل اللُّغة الفضلاء المتحققين العارفين بصحيحها من سقيمها. ذكر كتابه هذا الشيخ الطهراني في الذريعة ٢ : ٥١٣ هـ وقال : (نقل من بعض فصوله الحافظ العسقلاني في ترجمة أبي طالب في الإصابة ، وصرح بكونه رافضياً). (مقدمة كتاب إيمان أبي طالب للشيخ المفيد : ۸).

(٤) کتاب (سلوة الشيعة) هو لعلي بن أحمد الفنجكردي الأديب النيسابوري ، فلاحظ. [ينظر : معالم العلماء : ١۰٦ رقم ٤۸١ ، أمل الآمل ٢ : ١٧٥ رقم ٥٢٦ ، الذريعة ١٢ : ٢٢٣ رقم ١٤٧١] وأما مؤلفات فخر الزَّمان أبي المحاسن مسعود بن علي بن أحمد الصواني البيهقي المتوفّى سنة ٥٤٤ هـ، فهي : أعلاق الملوین وأخلاق الأخوين في طبقات النحاة (مجلدين) ، بغية المصادر ، التذكرة بمعرفة رجال الكتب العشرة (أربع مجلدات) ، تفسير القرآن ، التلقيح في الأُصول ، التوابع واللوامع في الأُصول ديوان شعر ، شرح الحماسة ، صيقل الألباب في الأُصول ، بصب المصدر [ينظر : هدية العارفين ٢ : ٤٢۸ ، معجم المؤلفين ١٢ : ٢٢٧].

٣٩١

وکتاب (منى الطالب في إيمان أبي طالب) للشيخ المفيد أبي سعيد محمّد بن أحمد بن الحسين النيسابوري ، ذكره الشيخ منتجب الدين(١) .

وکتاب (إيمان أبي طالب) للشيخ المفيدرحمه‌الله مذكور في قائمة البحار(٢) .

وروى أبو الفداء في تاريخه المعروف عن ابن عبَّاس : (أنَّ أبا طالب أسلم عند موته)(٣) .

إثبات إيمانه من كتب العامّة

ونقل المحقِّق الفريد شهاب الدين أحمد بن محمّد الخفاجي المتوفّى سنة ١٠٦٩ في كتاب (طراز المجالس)(٤) عن خط أبي العبَّاس أحمد بن أبي طالب بن الشّحنة ـ بالكسر ـ المحدِّث المشهور ، وابن حجّة الحموي الحنفي في (ثمرات الأوراق) نقلاً عن هشام بن السائب : (أنه لما حضرت الوفاة أبا طالب عمَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله جمع إليه وجوه قريش فأوصاهم ، وقال :

يا معشر قريش ، أنتم صفوة الله من خلقه ، وقلب العرب ، وفيكم السيِّد المطاع ، وفيكم المقدِّم الشجاع ، والواسع البال ، واعلموا أنكم لم تتركوا للعرب في المآثر نصيباً إلا أحرزتموه ، ولا شرفاً إلا أدركتموه ، فلكم بذلك على الناس الفضيلة ، ولهم إليكم الوسيلة ، والناس لكم حرب وعلى حربكم ألْبٌ ، وإني اُوصيكم بتعظيم هذه البَنيَّة ، فإن فيها مرضاةً للربّ وقواماً للمعاش ، ونبأةً(٥) للوطأة ، صِلوا أرحامكم ولا

__________________

(١) فهرست منتجب الدين : ١۰٢ رقم ٣٦١.

(٢) بحار الأنوار ١ : ٧ ، وكتابه هذا مطبوع معروف.

(٣) المختصر في أخبار البشر ١ : ١٢۰.

(٤) راجع : ص ٢۰۹.

(٥) في الأصل : (وثبات) ، وما أثبتناه من المصدر.

٣٩٢

تقطعوها ، فإنَّ في صلة الرحم منسأةً للأجل وزيادةً للعلم ، واتركوا البغي والعقوق فبهِما هَلَكَتِ القرونُ قبلَكُم ، وأجيبوا السائل وأعطوا الداعي فإنّ فيهما شرفَ الحياة والممات ، وعليكم بالصدق في الحديث ، وأدُّوا الأمانة ، فإنَّ فيهما محبّةً للخاص ومَكْرُمَةً للعام. وإنِّي اُوصيكم بمحمّد خيرا ، فإنَّه الأمين في قريش ، والصدِّيق في العرب ، وهو الجامع لكل ما أوصيتكم به ، وقد جاء بأمر قَبِلَهُ الجَنانُ ، وأنكره اللّسان مخافة الشنآن.

وأيمُ اللهِ : كأنَّي أنظر إلى صعاليك العرب وأهل الوبر في الأطراف والمستضعفين من الناس قَدْ أجابوا دعوته ، وصدَّقوا كلمته ، وعظّموا أمره ، فخاض بهم غمرات الموت ، فصارت رؤساء قريش وصنادیدها أذناباً ، ودورها خراباً ، وضعضاؤها أرباباً ، وأعظمهم عليه أحوجهم إليه ، وأنفرهم منه أحظاهم عنده ، قَدْ مَحَضَتْهُ العربُ ودادَها ، وأصفت له فؤادها ، وأعطت له قيادها دونكم.

يا معشر قريش ، وكونوا له ولاة ، ولحزبه حماة ، والله لا يسلك أحدكم سبيله إلّا رَشُدَ ، ولا يأخذ أحد بهديه إلا سَعِدَ ، ولو كان لنفسي مَدَّةٌ أو لأجلي تأخيرٌ لكففتُ عنه الهزاهز ، ولدفعت عنه الدواهي ، ثُمَّ هلك)(١) .

قال الخفاجي : (ومن الغريب هنا ما قاله القرطبي : سمعت أنَّ الله أحيا للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله عمَّه أبا طالب فآمن به. كذا في شرح البخاري للعيني في التفسير من سورة (التوبة) ) ، انتهى(٢) .

وأما عند الشيعة فإيمانه من المسلَّمات ، بل ضروري.

__________________

(١) طراز المجالس : ٢۰۹ ، ثمرات الأوراق ١ : ٢۹٧ ، روضة الواعظين : ١٣۹ عن الإمام الصادقعليه‌السلام مرسلاً نحوه ، السيرة الحلبية ٢ : ٤٩ ، تاریخ الخميس ١ : ٣۰۰ ، الدرجات الرفيعة : ٦٠ عن الكلبي.

(٢) طراز المجالس : ٢۰۹ ، عمدة القاري ١۸ : ٢٧٧.

٣٩٣

شاذان بن جبرئیل

وأمّا الإمام أبو الفضل : فهو سديد الدين شاذان بن جبرئيل بن إسماعيل أبي طالب القمّي ، نزيل مهبط وحي الله ، ودار هجرة رسول الله ، صاحب المؤلَّفات البديعة التي منها رسالة (إزاحة العلّة في معرفة القبلة) ، وقد أدرجها العلَّامة المجلسيرحمه‌الله في البحار(١) ، وكتاب (الفضائل) المعروف ومختصره المسمّى بـ(الروضة)(٢) .

وله كتاب (تحفة المؤلف الناظم ، وعمدة المكلّف الصائم) وکان معاصراً لابن إدريس الحِلّي صاحب (السرائر)(٣) ولم أعثر على من ذكر تاریخ وفاته(٤) .

عماد الدين الطبري

وأمّا الشيخ العماد فهو : أبو جعفر محمّد بن أبي القاسم علي بن محمّد بن علي الطبري الآملي ، كان مجاور النَّجف الأشرف في عشر سنين وخمس مائة ، قرأ على الشيخ أبي علي ابن الشيخ أبي جعفر الطوسيرحمه‌الله ، وله تصانیف منها : كتاب (الفرج في الأوقات ، والمخرج بالبيِّنات) و (شرح مسائل الشيعة)(٥) وله

__________________

(١) بحار الأنوار ٨١ : ٧٤ ـ ٨٦.

(٢) هناك كلام في شبهة نسبة الكتاب إليه استقصاء الشيخ آغا بزرك الطهرانيرحمه‌الله ، في كتابه الذريعة ج ١١ ص ٢۸٢ رقم ١٧٢١ ، فراجع.

(٣) بحار الأنوار ١۰٦ : ٢٣ ـ ٢٤ ، ذكره الشيخ حسن في إجازته الكبيرة المندرجة في بحار الأنوار.

(٤) في نسخة الفضائل المطبوعة في النجف الأشرف أنَّه توفي حدود سنة ٦٦٠ هـ ، الفضائل : ١ ط.

(٥) كذا في الأصل وبعض المصادر ، وفي العديد من الكتب الرجالية : (شرح مسائل الذريعة).

٣٩٤

أيضاً كتاب (بشارة المصطفى لشيعة المرتضی) سبعة عشر جزءاً ، وكتاب (الزهد والتقوى)(١) .

الشيخ حسن بن محمّد الطوسي

وأمّا أبو علي : فهو الشيخ المؤتمن مفيد الدين الحسن بن محمّد الطوسي ، له كتب منها :

(الأمالي) المعروف ، الَّذي هو غير أمالي والده الشيخ الطوسي ، وإن كانت أخباره عن والده أيضاً ، ومنها (شرح نهاية والده) ، و (المرشد إلى سبيل المتعبِّد) ، وكان من أعاظم تلامذة والده والدَّيلمي وغيرهما.

وعن جدِّي المجلسي : (أنه كان ثقة فقيهاً ، عارفاً بالأخبار والرجال )(٢) .

وقَدْ يلقَّب : بالمفيد الثاني ، واُمُّه بنت الشيخ المسعود ورَّام ، وكانت فيها الفضل والصلاح ، ولها ولأُختها اُمّ السيِّد ابن طاووس إجازة على جميع مصنَّفاته ورواياته ، ويثني عليهما ، ودفن في النَّجف بجنب أبيه ، ولم أعثر على تاريخ وفاته(٣) .

__________________

(١) فهرست منتجب الدين : ١۰٧ رقم ٣۸۸ ط مكتبة المرعشي ، وریاض العلماء ٥ : ١٧ ، هدية العارفین ٢ : ۸٦ وكتابه البشارة طبع عدة طبعات. (٢) ذكره عن المجلسي الأول السيِّد الأمين في أعيان الشيعة ٥ : ٢٤٤.

(٣) ينظر ترجمته في : خاتمة المستدرك ٣ : ١٢٣.

٣٩٥

والده الشيخ الطوسي

وأمَّا أبو جعفر والده فهو : محمّد بن الحسن بن علي الطوسيرحمه‌الله وفي ریاض العلماء : (أنَّ المسعودي صاحب التاريخ هو جدّ الشيخ الطوسي رحمه‌الله من طرف أُمه ، كما يقال )(١) .

وكيف كان فهو شيخ الطائفة المحقّة ، ورافع أعلام الشريعة الحقَّة ، إمام الفرقة بعد الأئمَّة المعصومين ، وعماد الشيعة الإمامية في كلّ ما يتعلَّق بالمذهب والدین ، محقِّق الأُصول والفروع ، ومهذِّب فنون المعقول والمسموع(٢) .

ثقة ، صدوق ، عین ، عارف بالأخبار والرجال والفقه والأُصول والكلام والأدب ، جميع الفضائل تنسب إليه ، صئَّف في كل فنون الإسلام ، وهو المهذِّب للعقائد في الأُصول والفروع ، والجامع لكمالات النفس في العلم والعمل ، وكان تلميذ الشيخ المفيد محمّد بن النعمان.

ولد قدس الله روحه في رمضان سنة ٣۸ ٥ ، وقدم العراق في شهور سنة ٤٠٨ ، وتوفيرحمه‌الله ليلة الاثنين في الثاني والعشرين من المحرَّم سنة ٤٦٠ ، بالمشهد المقدَّس الغروي ، ودفن بداره.

__________________

(١) قال محقق کتاب التبيان في مقدمة تحقيقه ، ما نصّه : (حكي عن صاحب (الرياض) : (ان المؤرخ المسعودي صاحب (مروج الذهب) جدّ الشيخ الطوسي من طرف اُمِّه). وهذا مستبعد أيضاً ، وعلى فرض وجود علاقة فليست بهذا القرب ، يعني : ليس جدّه بلا واسطة فلعل اُمَّه من بناته فقد طاف المسعودي فارس وکرمان سنة ٣۰۹ هـ فلعله تزوج في إيران وأعقب بها ، أما وفاته فهي بمصر عام ٣٤٦ هـ ولزيادة الاطلاع على أحواله راجع (فوات الوفيات) لابن شاکر ج ٢ ص ٥٧ طبع عام ١٢۸٣ هـ و (الفهرست) لابن الندیم ص ٢١۹ طبع مصر و (تاریخ آداب اللُّغة العربية) لجرجي زيدان ج ٢ ص ٣١٣ وغير ذلك). (التبيان ١ : ١٤ المقدمة).

(٢) الفوائد الرجالية ٣ : ٢٢٧.

٣٩٦

قال الحسن بن مهدي السليقي : (تولَّيت أنا والشيخ أبو محمّد بن عبد الواحد العين زربي ، والشيخ أبو الحسن اللؤلؤي غسله في تلك الليلة ودفنه. وكان يقول أولاً بالوعيد ، ثُمَّ رجع وهاجر إلى مشهد أمير المؤمنين عليه‌السلام خوفاً من الفتن التي تجددت ببغداد وأحرقت كتبه ، وکرسياً كان يجلس عليه للكلام )(١) .

ويعلم من هذا التاريخ أنهرحمه‌الله ولد بعد وفاة الصدوقرحمه‌الله بأربع سنين(٢) ، وأنه عمَّر خمساً وسبعين سنة ، وأنه يوم وروده العراق كان في سن ثلاث وعشرین ، وإن مقامه فيها مع المفيد كان نحواً من خمس سنين ، فإنهرحمه‌الله توفي سنة ٤١٣(٣) ، ومع السيِّد المرتضی نحواً من ثمان وعشرين سنة ، فإنهرحمه‌الله توفّي سنة ٤٣٦(٤) وبقي بعد السيِّد أربعاً وعشرين سنة : اثنتي عشرة سنة منها في بغداد ، لأنَّ الفتنة التي كانت بين الشيعة وأهل السنَّة ، وصارت سبباً لمهاجرته من بغداد ، كانت سنة ٤٤٨ كما ستعرف ، فكان بقاؤه في المشهد الغروي اثنتي عشرة سنة ، ودفن في داره ، وقبره مزار يتبرَّكُ به ، وصارت داره مسجداً باقياً إلى الآن(٥) .

__________________

(١) خلاصة الأقوال : ٢٤۹ رقم ٤٧.

(٢) کانت وفاة الشيخ الصدوقرحمه‌الله سنة ٣۸١ هـ.

(٣) أي : الشيخ المفيدرحمه‌الله .

(٤) أي : السيِّد المرتضىرحمه‌الله .

(٥) خاتمة المستدرك ٣ : ١٦٧.

٣٩٧

قال جدِّي بحر العلوم في رجاله :(وقد جدَّد مسجده في حدود سنة ١١۹۸ ، فصار من أعظم المساجد في الغري المشرَّف ، وكان ذلك بترغيبنا بعض الصلحاء أهل السعادة ) ، انتهى(١) .

وقال القاضي نور اللهرحمه‌الله في مجالسه : (ذكر ابن كثير الشامي في تاريخه في ترجمة الشيخ : أنه كان فقيه الشيعة ، مشتغلاً بالإفادة في بغداد ، إلى أن وقعت الفتنة بين الشيعة والسنة سنة ٤٤٨ ، واحترقت كتبه وداره في باب الكرخ ، فانتقل إلى النَّجف ، وبقي هناك إلى أن توفّي في شهر محرم الحرام سنة ٤٦٠ ) ، انتهى(٢) .

__________________

(١) الفوائد الرجالية ٣ : ٢٣۹ ، وقال محققا الكتاب بهامش هذه العبارة ما نصّه : (وموقع المسجد العظيم ـ هذا ـ قريب من باب الصحن العلوي المطهر حيث الجهة الشمالية ، وبهذه المناسبة سمي باب الصحن باسم (باب الطوسي) وهكذا سمي الشارع المفتوح ـ أخيراً ـ باسم (شارع الطوسي). أما تأسيس هذا المسجد ، فلا يستطيع التأريخ أن يقف منه على دقة ، سوى أنه أتخذ مسجداً بعد وفاة الشيخ ودفنه فيه. ومعنى ذلك : يكون تأريخ مسجديته بعد سنة ٤٦٠ هجرية بلا فصل. والعمارة التي يشير إليها سيدنا ـ في المتن ـ هي العمارة الثانية لهذا المسجد ـ أو الثالثة ـ فقد كان قائماً ، وأمر السيِّد بتجديده ـ كما تشير إليه عبارته ـ والعمارة التي تليها ، كانت بأمر جدنا الحجة الورع الحسين بن الرضا بن السيِّد بحر العلوم المتوفى سنة ١٣۰٦ هـ وذلك سنة ١٣۰٥ هـ. فكانت عمارة آية في الابداع والفن وفي سنة ١٣٦۹ هـ تفتح الحكومة العراقية شارعاً يبدأ من باب الصحن ـ باب الطوسي (وينتهي إلى أول وادي السلام ، فيطل المسجد على الشارع العام ـ بعد أن عملت الأثرة يومئذ ـ فأخذت من عرضه غير المستحق. وظل المسجد ـ هكذا ـ مبعثر الجوانب ، منخفض الساحة ، منتفض الجدران حَتَّى قيض الله له الساعة المباركة ، فكان أن شيد بأحسن تشيد بتوجيه وترغيب سماحة آية الله الحجّة التقي من آل بحر العلوم ـ إمام الجامع ـ وتبرع لفيف من المؤمنين في النجف الأشرف وخارجه ، وصرف عليه قرابة (٠٠٠/١٤ ألف دينار) فجاء تشييداً فخماً نادر النظير ، فأصبح اليوم ـ من (جوامع البلد) المهمة حاشداً بالمصلين وبالتدارس والتدريس ـ كل يوم ـ ) , (انتهى).

واليوم في سنتنا هذه سنة ١٤٣١ هـ جدد بناء المسجد وبحلة قشيبة برعاية دائرة الوقف الشيعي ، وإمامة الجماعة فيه هي لسماحة العلامة السيِّد محمّد علي ابن السيِّد محمّد آل بحر العلوم حفظه الله وهو الَّذي تفضل علينا بمراجعة كتابنا هذا الَّذي بين يديك فجزاه الله عن المؤلف رحمه‌الله وعنا خير جزاء المحسنين.

(٢) مجالس المؤمنين ١ : ٤۸۰ ، عنه خاتمة المستدرك ٣ : ١٦٨.

٣٩٨

وعن ابن الجوزي في تاريخه فيمن توفّي سنة ٤٦٠ من الأكابر : (أبو جعفر الطوسي : فقيه الشيعة ، توفّي في مشهد أمير المؤمنين عليه‌السلام )(١) .

وفي (تاريخ الكامل) في حوادث سنة ٤٦٠ في المحرم أيضاً : (توفّي أبو جعفر الطوسي فقيه الإمامية بمشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام )(٢) .

وقال تاج الدین بن تقي الدين السبكي الشافعي المتوفّى سنة ٧٧١ في (طبقات الشافعية) : (محمّد بن الحسن بن علي أبو جعفر الطوسي ، فقيه الشيعة ومصنفهم كان ينتمي إلى مذهب الشافعي ، له تفسير القرآن ، وأملي أحاديث وحکایات تشتمل على مجلدين ، قدم بغداد وتفقه على مذهب الشافعي ، وقرأ الأُصول والكلام على أبي عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان المعروف بالمفيد ، فقیه الإمامية ، وحدث عن هلال الحفار ، روى عنه أبنه أبو علي الحسن ، وقد أحرقت كتبه عدة نوب بمحضر من الناس ، توفّي بالكوفة سنة ٤٦٠) ، انتهى(٣) .

ولم أعرف إلى الآن من ذكر في ترجمة الشيخ ، انتماءه إلى الشافعية غير السُّبكي ، ولقَدْ أورده من غير إسناد ولا إضافة إلى كتاب ، ولا موافق له في كتب التواريخ والسِّير المُعدّة لذكر مثل ذلك ، فهو من الأكاذيب الباطلة. وما أبعد ما بين هذا ، وما صرَّح به بعض الأشاعرة في تاريخ مصر) : (من كونه رافضياً ، قويَّ التشيُّع)(٤) .

__________________

(١) المنتظم لابن الجوزي ۸ : ٢٥٢ ، طبع حیدر آباد دکن سنة ١٣٥۹ هـ.

(٢) الكامل في التاريخ ١۰ : ٥۸.

(٣) طبقات الشافعية ٢ : ٤٢٣ ، رقم ٣١٦.

(٤) روضات الجنات ٦ : ٢١٠.

٣٩٩

ولنعم ما قيل في تاريخ وفاته :

يا مرقَد الطوسيَّ فيكَ قَدْ انطوى

تُحيي العلومِ فَعُدْتَ أطيبَ مَرْقَدِ

بِكَ شيخُ طائفةِ الدُّعاةِ إلى الهدى

ومُجَمِّعُ الأحكامِ بَعْدَ تَبَدُّدِ

أودي بِشَهْرِ مُحرَّمٍ فأضافَهُ

حُزناً بفاجِع رُزئِهِ المُتَجَدِّدِ

وبكى لهُ الشرعُ الشريفُ مؤرِّخا

(أبكى الهُدى والدينَ فَقْدُ مُحَمَّدِ)(١)

(سنة ٤٦٠).

مرقد بحر العلوم بجنب مرقده

ومن محاسن الاتفاق : أن وقع مرقد جدِّنا بحرُ العلوم ـ طاب ثراه ـ بجنب مرقد صاحب العنوان ، فإنّه واقع فيما يلي جهة مغرب ذلك المسجد على يسار الداخل إليه من الباب ، قیل : وكان ذلك بموجب وصية منه بذلك لبعض أصحابه وأحبابه ، وولده العلَّامة السيِّد رضارحمه‌الله .

وكانت وفاة السيِّد الجدرحمه‌الله سنة ١٢١٢ ، وذكر غير واحد من الأجلَّاء : أنّه لمّا دفن واُهيل عليه التراب سمع الحاضرون قائلاً لا يرون شخصه ، ينشد هذين البيتين ، ولم يعرف قائلهما إلى الآن :

للهِ قبرُكَ من قبرٍ تضَّمَنَهُ

عِلمُ النبيينَ مِنْ نوحٍ إلى الخَلَفِ

كانَتْ حَياتُكَ إحياءً لِمَا شَرَعوا

وفي مماتِكَ مَوتُ العِلمِ والشَرَفِ(٢)

__________________

(١) ديوان السيِّد رضا الهندي : ١٤٧.

(٢) الفوائد الرجالية ١ : ١١٦ المقدمة.

٤٠٠

401

402

403

404

405

406

407

408

409

410

411

412

413

414

415

416

417

418

419

420

421

422

423

424

425

426

427

428

429

430

431

432

433

434

435

436

437

438

439

440

441

442

443

444

445

446

447

448

449

450

451

452

453

454

455

456

457

458

459

460

461

462

463

464

465

466

467

468

469

470

471

472

473

474

475

476

477

478

479

480

481

482

483

484

485

486

487

488

489

490

491

492

493

494

495

496

497

498

499

500

501

502

503

504

505

506

507

508

509

510

511

512

513

514

515

516

517

518

519

520

521

522

523

524

525

526

527

528

529

530

531

532

533

534

535

536

537

538

539

540

541

542

543

544

545

546

547

548

549

550

551

552

553

554

555

556

557

558

559

560

561

562

563

564

565

566

567

568

569

570

571

572

573

574

575

576

577

578

579

580

581

582

583

584

585

586

587

588

589

590

591

592

593

594

595

596

597

598

599

600

601

602

603

604

605

606

607

608

609

610

611

612

613

614

615

616

617

618

619

620

621

622

623

624

625

626

627

628

629

630

631

632

633

634

635

636

637

638

639

640

641

642

643

644

645

646

647

648

649

650

651

652

653

654

655

656

657

658

659

660

661

662

663

664

665

666

667

668

669

670

671

672

673

674

675

676

677

678

679

680

681

682

683