تحفة العالم في شرح خطبة المعالم الجزء ٢

تحفة العالم في شرح خطبة المعالم7%

تحفة العالم في شرح خطبة المعالم مؤلف:
المحقق: أحمد علي مجيد الحلّي
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 513

الجزء ١ الجزء ٢
  • البداية
  • السابق
  • 513 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 11683 / تحميل: 1518
الحجم الحجم الحجم
تحفة العالم في شرح خطبة المعالم

تحفة العالم في شرح خطبة المعالم الجزء ٢

مؤلف:
العربية

1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

فقال لهم : أنا في حاجة إلى قراءتها ، فقالوا له : إنها قراءة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على رواية أهل البيتعليهم‌السلام ، ثُمَّ أصرّوا عليه فحكى لهم القصة ، فزاد اعتقادهم في صحَّة القراءة)(١) .

قلت : وفي (مجمع البيان) ما نصّه : (في الشواذ رواية قتادة ، عن الحسن (يحشر المتقون) و (يساق المجرمون) ، قال : فقلت : إنها بالنون يا أبا سعيد ، قال : وهي للمتقين إذاً)(٢) .

وفي (فردوس التواریخ) نقلاً عن بعض التواريخ : (أنه كان للسلطان سنجر ـ أو أحد وزرائه ـ ولد اُصيب بالدق ، فحكم الأطباء عليه بالتفرّج والاشتغال بالصيد ، فكان من أمره أن خرج يوماً مع بعض غلمانه وحاشيته في طلب الصيد ، فبينما هو كذلك فإذا هو بغزال مارق من بين يديه ، فأرسل فرسه في طلبه ، وجدَّ في العدو ، فالتجأ الغزال إلى قبر الإمام علي بن موسى الرضاعليه‌السلام ، فوصل ابن الملك إلى ذلك المقام المنيع ، والمأمن الرفيع الَّذي من دخله كان آمنا ، وحاول صيد الغزال فلم تجسر خيله على الإقدام عليه ، فتحيّروا من ذلك ، فأمر ابن الملك غلمانه وحاشيته بالنزول من خيولهم ، ونزل هو معهم ومشي حافياً مع كمال الأدب نحو المرقد الشريف ، وألقى نفسه على المرقد ، فأخذ في الابتهال إلى حضرة ذي الجلال ، ويسأل شفاء علَّته من صاحب المرقد ، فعوفي ، فأخذوا جميعاً في الفرح والسرور وبشروا الملك بما لاقاه ولده من الصحَّة ببركة صاحب المرقد ، وقالوا له : إنه مقيم عليه ، ولا بتول منه حَتَّى يصل البنّاؤون إليه ، فيبني عليه قُبَّة ، ويستحدث هناك بلداً ويشيّده ؛

__________________

(١) عيون أخبار الرضاعليه‌السلام ١ : ٣١٤ ح ٦.

(٢) مجمع البيان ٦ : ٤٤٩.

١٠١

ليبقى بعده تذكاراً ، ولمّا بلغ السلطان ذلك ، سجد لله شكراً ، ومن حينه وجّه نحوه المعماريين ، وبنوا علی مشهده بقعة وقبَّة وسوراً يدور على البدر)(١) .

__________________

(١) فردوس التواريخ : في تواریخ خراسان وأحوال الإمام الرضاعليه‌السلام ، لم أقف عليه ، وهو للمولی نوروز علي بن محمّد باقر الواعظ البسطامي ، (ت ١٣٠٩ هـ) ، طبع في إيران في (١٣١٥ هـ) على الحجر في ٤٢٨ ص ، (ينظر : الذريعة ١٦ : ١٦٥ رقم ٤٦٦).

١٠٢

المقام التاسع

في الإمام محمّد بن عليعليه‌السلام

الملقَّب : بالتقي ، والجواد ، والمرتضى ، والمنتجب ، والقانع ، والمختار ، والعالم.

وكنيته : أبو جعفر الثاني ، وأبو الفضل ، وقد يُكنّى بأبي علي ولكنّه متروك.

ولادتهعليه‌السلام في شهر رجب

وُلد بالمدينة يوم الجمعة ، النصف ـ أو التاسع عشر ـ من شهر رمضان ، علی ما ذكره المفيد في (الإرشاد) و (التاريخ) ، والكليني ، والطوسي ، في (الكافي) و (التهذيب)(١) .

ونقل الشيخرحمه‌الله في المصباح ، عن ابن عيّاش : (أنه ذكر مولده في عاشر رجب)(٢) .

قال جدّي الأمجد : (وربّما دلّ عليه ظاهر ما خرج من الناحية المقدّسة على يد الشيخ الكبير أبي القاسم رحمه‌الله من الدعاء في أيام رجب ، وذلك ؛ لأن الظاهر تعلّق الجار في قوله عليه‌السلام في رجب : (بالمولودين). واحتمال تعلّقه بالسؤال بعيد ) ، انتهى(٣) .

قلت : والدعاء المذكور هو هذا : «اللهُمَّ إني أسألك بالمَولودَينِ في رجب ، محمّد بن علي الثاني ، وابنه علي بن محمّد المنتجب ...» إلى آخر الدعاء(٤) .

__________________

(١) الإرشاد ٢ : ٢٧٣ ، مسار الشيعة : ٢٤ ، الکافي ١ : ٤٩٢ ، تهذيب الأحكام ٦ : ٩٠.

(٢) مصباح المتهجد : ٨٠٥.

(٣) رسالة في تاريخ المعصومين : ١٩٠.

(٤) مصباح المتهجد : ٨٠٤ ح ٨٦٧ / ١٠.

١٠٣

وذكر الشيخ الطوسيرحمه‌الله في متهجّده عن ابن عيّاش : (أنّ اليوم الثاني من رجب كان مولد الهاديعليه‌السلام ، ورُوي أنه كان اليوم الخامس منه ، وأن في عاشره وُلد الجوادعليه‌السلام )(١) .

وقال الكفعمي : (وبعض أصحابنا كأنهم لم يقفوا على هذه الرواية ، فأوردوا هنا سؤالاً وأجابوا عنه ، وصفتها : أن [قلت](٢) : إنَّ الجواد والهاديعليهما‌السلام لم يولدا في شهر رجب ، فكيف يقول الإمام الحجّةعليه‌السلام : (اللهُمَّ إنّي أسألك بالمولودَينِ في رجب) ، قلت : إنه أراد التوسل بهما في هذا الشهر ، لا كونهما وُلدا فيه.

ثُمَّ قال : وما ذكروه غير صحيح من وجوه ، الأول : إنَّما يتأتّى قولهم على بطلان رواية ابن عيّاش ، وقد ذكرها الطوسيرحمه‌الله في متهجّده ، وغيره من أصحابنا في مصابيحهم.

قال ابن طاووسرحمه‌الله في كتاب (فتح الأبواب) : وکتاب متهجّد جدّي الشيخ الطوسيرحمه‌الله كتاب عمل ودراية(٣) ، وما هو على سبيل مجرد الرواية ؛ لأن من صنّف کتاب عمل ، فقد تقلّد العمل بما فيه ، ومتى كان فيه ما لا يعتقده ، فقد أبدع بالإسلام ، وحوشي الشيخ الطوسي من أن يصنّف بدعة(٤) .

الثاني : ظهوره في تخصيص التوسّل بهماعليهما‌السلام في رجب دون شعبان ورمضان وغيرهما ، وهو تخصیص من غير مخصّص لولا الولادة.

__________________

(١) مصباح المتهجد : ٨٠٥.

(٢) ما بين المعقوفين من المصدر.

(٣) في الأصل : (عمل بالدراية) وما أثبتناه من المصدر.

(٤) فتح الأبواب : ١٨٦ باختصار.

١٠٤

الثالث : إنه لو كان كما ذكروا ، لقال صاحب الأمرعليه‌السلام : اللهُمَّ إني أسألك الامامين. ولم يقل : (بالمولودين) ، ولأجل ولادة الحسينعليه‌السلام ثالث شعبان ، قيل في دعائه : (اللهُمَّ إني أسألك بالمولود في هذا اليوم)) ، انتهى(١) .

لعل التوسل بولادتهماعليهما‌السلام دون باقي الأئمّةعليهم‌السلام لمزيد إتمام الحجّة في توالي الأئمّة الاثني عشر ؛ لظهوره إلى الرضاعليه‌السلام ، فكأنهعليه‌السلام أراد إحياء أمرهما عند الشيعة كما هو دأبهم في سائر الأدعية والصلاة ، فافهم.

وكيف كان فهو بالاتفاق في سنة ١٩ ٥ هـ ، واُمُّه اُمّ ولد يُقال لها : سبيكة نوبية ، وقيل أيضاً : إن اسمها خيزران ، وكان له من العمر عند وفاة اُمِّه سبع سنين وأشهرُ على المشهور.

وفاته ومحل دفنهعليه‌السلام

ثُمَّ أشخصه المعتصم محمّد بن هارون ، بعد ما ملك الخلافة بعد أخيه المأمون من المدينة إلى بغداد ، فوردعليه‌السلام بغداد لليلتين بقيتا من المحرَّم سنة ٢٢٠ هـ ، فقتله بالسمّ على يد زوجته اُمّ الفضل بنت المأمون في آخر ذي القعدة من تلك السنة ، فكان لهعليه‌السلام يومئذ خمس وعشرون سنة وشهران وثمانية عشر يوماً ، ودُفن بمقابر قريش في ظهر جدّه موسی بن جعفرعليه‌السلام (٢) .

__________________

(١) البلد الأمين ، نقله عنه المجلسيرحمه‌الله في بحار الأنوار ٥٠ : ١٤ ، ولم أعثر عليه في النسخة المطبوعة سنة ١٤٢٥ هـ من منشورات مؤسسة الأعلمي ، وكذا في مصباحه ، فلعل نسخة العلّامة المجلسيرحمه‌الله فيها زيادات ، فلاحظ.

(٢) ينظر عن أحواله وما يتعلق بهعليه‌السلام : کشف الغُمَّة ٣ : ١٣٤ ـ ١٦٦ ، مناقب آل أبي طالبعليهم‌السلام ٣ : ٤٨٥ ـ ٥٠٤ ، الفصول المهمة ٢ : ١٠٣٣ ـ ١٠٦٦ ، بحار الأنوار ٥٠ : ١ ـ ١١٣ ، وغيرها في غيرها.

١٠٥

فصل

في ذكر أولادهعليه‌السلام

فهم ذكوراً وإناثاً ثلاثة عشر ، أمّا الذكور : فعليٌّعليه‌السلام الَّذي هو الإمام من بعده ، وأبو الحسن ، وأبو طالب ، وزيد ، وجعفر ، وموسى المبرقع(١) .

وأمّا الإناث : فحكيمة ـ بالكاف ـ وأمّا حليمة ـ باللام ـ غلط ، كما تقدم نظيره ، وسيأتي.

وفاطمة : تزوجها المأمون كما في مناقب ابن شهر آشوب(٢) .

وزينب ، وأم محمّد ، وميمونة : وهذه الثلاث دُفِنَّ في قم عند فاطمة بنت موسی بن جعفرعليه‌السلام (٣) .

وخديجة ، وأم كلثوم.

وأمّا أبو الحسن : فقد أعقب ، وكذلك أبو طالب ، وكذلك جعفر ، وكذلك موسی المبرقع.

أحوال موسى المبرقع

وذكر صاحب العمدة : (أنهعليه‌السلام أعقب من رجلين هما : علي الهاديعليه‌السلام ، وموسی المبرقع)(٤) .

وموسی : اُمُّه اُمّ ولد.

__________________

(١) إجماع النسابة على أنه وُلد لهعليه‌السلام الإمام الهادي والمبرقع لا غيرهما من الذكور ، ولم أعثر على مصدر قوله.

(٢) کذا ، وفي المناقب ٣ : ٤٨٧ ما نصّه : (خلّف فاطمة وأمامة فقط ، وقد كان زوّجه المامون ابنته ، ولم يكن له منها ولد) ، فلعل المؤلفرحمه‌الله نقل من نسخة فيها من هو القلم ما لا يخفى.

(٣) کشکول البهائي ١ : ٢٠٧ ، بحار الأنوار ٥٧ : ٢٢٠.

(٤) عمدة الطالب : ١٩٩.

١٠٦

قال في عمدة الطالب : (مات بقم ، وقبره بها ، ويقال لولده الرضويين ، وهم بقم إلا من شذ منهم ) ، انتهى(١) .

وتُنسب إلى موسى المبرقع بيوت من الهند ، منها : أولاد مير أمان الله في سامانه.

ومنها : أولاد السيِّد مخدوم شاه زيد بور ، وغيرهما.

وفي (تاريخ قم) في باب أحوال الجوادعليه‌السلام ، قال : (ومن أولاده موسي الَّذي هو في قم)(٢) .

ونقل المجلسي عنه : (أن أول من جاء إلى قم من السادة الرضوية ، أبو جعفر موسی بن محمّد بن علي الرضا عليه‌السلام سنه ٢٥٦ هـ ، وكان يضع البرقع على وجهه ، وتوفي ليلة الأربعاء ثامن ربيع الآخر سنة ٢٩٦ هـ ، ودفنوه في الموضع المعروف الآن أنه مدفنه ، وهو معروف اليوم بالمحلة الموسوية )(٣) .

ونقل أيضاً المحدث النوري في رسالته المسمّاة بـ(البدر المشعشع في احوال موسی المبرقع ) ، عن التاريخ المذكور : (أنه دُفن في الخان المعروف من اقليم الأيام بمحمّد بن الحسن بن أبي خالد الأشعري الملقّب بشنبوله ، واُمّ موسی أول من دُفن في ذلك المكان ) ، انتهى(٤) .

__________________

(١) عمدة الطالب : ٢٠١.

(٢) نقل عنه المجلسي في بحار الأنوار في فضل قم ٥٧ : ٢١٩.

(٣) بحار الأنوار ٥٧ : ٢٢٠.

(٤) البدر المشعشع : ٢٩٢ مطبوع ضمن مجلة الموسم ، العددان ٢٦ ـ ٢٧ سنة ١٤١٦ هـ.

١٠٧

ومحمّد بن الحسن ـ هذا الَّذي هو ضجيع موسی ـ : هو أحد الرواة من القمّيين من أصحاب الرضاعليه‌السلام ، وكان وصياً لسعد بن عبد الله القمّي(١) .

ويظهر من بعض الروايات مذمّة موسی بما لا مزيد عليه ، ففي (الإرشاد) بإسناده عن يعقوب بن ياسر ، قال : (كان المتوكّل يقول : ويحكم قَدْ أعياني أمر ابن الرضا ، وجهدت أن يشرب معي وأن ينادمني ، فامتنع ، وجهدت أن أجد فرصة في هذا المعنى ، فلم أجدها. فقال له بعض من حضر : إن لم تجد من ابن الرضا ما تريده من هذه الحالة ، فهذا أخوه موسی ، قصّاف عزّاف ، يأكل ويشرب ، ويعشق ويتخالع ، فأحضره وأشهره ، فإن الخبر يشيع عن ابن الرضا بذلك ، فلا يفرّق الناس بينه وبين أخيه ، ومن عرفه اتّهم أخاه بمثل فعاله ، فقال : اكتبوا بإشخاصه مُكرَّماً ، فاُشخص مكرَّماً ، فتقدم المتوكّل أن يتلقاه جميع بني هاشم والقواد وسائر الناس ، وعمل على أنه إذا وافى أقطعه قطيعة ، وبنى له فيها ، وحوّل إليها الخمّارين والقيان ، وتقدم بصلته وبرّه ، وأفرد له منزلاً سرياً يصلح أن يزوره هو فيه.

فلمَّا وافی موسی تلقّاه أبو الحسنعليه‌السلام في قنطرة وصيف ـ وهو موضع يتلقی فيه القادمون ـ فسلّم عليه ووافاه حقّه ثُمَّ قال له : إن هذا الرجل قَدْ أحضرك ليهتكك ويضع منك ، فلا تقرّ له أنك شربت نبيذاً قطّ ، واتق الله يا أخي أن ترتكب محظوراً. فقال له موسی : وإنَّما دعاني لهذا فما حيلتي؟ قال : فلا تضع من قدرك ، ولا تعص ربِّك ، ولا تفعل ما يشينك ، فما غرضه إلا هتكك.

فأبى عليه موسی ، فکرّر عليه أبو الحسنعليه‌السلام القول والوعظ ، وهو مقيم على خلافه ، فلمَّا رأى أنه لا يجيب قال له : أما إن المجلس الَّذي تريد الاجتماع معه عليه ، لا تجتمع عليه أنت وهو أبداً.

__________________

(١) تعليقة على منهج المقال : ٣٠٥.

١٠٨

قال : فأقام موسی ثلاث سنين يُبكر كلّ يوم إلى باب المتوكّل ، فيقال له : قَدْ تشاغل اليوم ، فيروح ويُبكر ، فيقال له : قَدْ سكر ، فيُبكر ، فيقال له : قَدْ شرب دواء. فما زال على هذا ثلاث سنين حَتَّى قُتل المتوكّل ، ولم يجتمع معه على الشراب)(١) .

وأنت خبير بأن هذا الخبر دال على قدحه بما هو مخرج عن العدالة ، غير أنه معارض بما رواه في الكافي من الحديث المتضمّن لإشهاد الجوادعليه‌السلام ابنه موسى على نسخة وصيَّته ، وقد صرّحعليه‌السلام فيها بأنه مستقل في التولية على جملة موقوفات أبيهعليه‌السلام من غير مشاركة أحد ، ومن المعلوم أن تولية الأوقاف من قبل الإمام من أقوى شواهد العدالة في حق المتولّي(٢) .

وما رواه الشيخ الحسن بن علي بن شعبة في (تحف العقول) : عن موسی بن محمّد بن الرضاعليه‌السلام ، عن أخيه أبي الحسن الثالثعليه‌السلام حين سأله يحيى بن أكثُمَّ عن مسائل ، فسأل عنها أخاهعليه‌السلام ، وعبارة الحديث : «فجئت إلى علي بن محمّد ، فدار بيني وبينه من المواعظ ما حملني وبصّرني طاعته ، فقلت له : جُعلت فداك إن ابن أكثُمَّ كتب يسألني عن مسائل لأفتيه فيها ، فضحك عليه‌السلام ثُمَّ قال : وهل افتيته؟ قلت : لا ، قال : ولِمَ؟ قلت : لم أعرفها ، فقال عليه‌السلام : وما هي؟ قلت : کتب يسألني عن كيت وكيت إلى أخر الحديث بطوله »(٣) .

__________________

(١) الإرشاد ٢ : ٣٠٧.

(٢) ينظر الكافي ١ : ٢٣٥ ح ٣.

(٣) تحف العقول : ٤٧٦ مع إيراد تمام المسائل.

١٠٩

وفيه دلالة على كمال معرفته ، وتبصّره ، وتجنّبه عن القول بغير ما يعلم في الدين ، وإن أردت الاطلاع على الشواهد المبرئة لموسى ، فعليك بالرسالة المسماة بـ(البدر المشعشع) للعلّامة النوري ـ طاب ثراه ـ(١) .

ولموسی المبرقع ولدان : محمّد درج ، ولم يعقب.

وأحمد ، أعقب : أبا علي محمّد بن أحمد بن موسی المبرقع ، وتوفي سنة ٣١ ٥ هـ ، ودُفن في بقعة جدّه موسی المبرقع(٢) ، والبقية في ولده لابنه أبي عبد الله أحمد نقیب قم ، فيهم السيِّد العالم عبيد الله بن موسی بن أحمد بن محمّد بن أحمد بن موسی المبرقع ، ذكر الشيخ منتجب الدين في فهرسته : (أنه ثقة ، ورع فاضل ، محدّث ، له : كتاب (أنساب آل الرسول وأولاد البتول) ، (كتاب في الحلال والحرام) ، كتاب (الأديان والملل)) ، انتهى(٣) .

__________________

(١) قال الشيخ آقا بزرگ الطهراني في الذريعة ٣ : ٦٨ رقم ٢٠٣ عنه ما نصّه : (البدر المشعشع في أحوال ذرية موسى المبرقع ، لشيخنا العلّامة النوري الحاج ميرزا حسين ابن ميرزا محمّد تقي بن محمّد علي الطبرسي قدس سره ، المتوفى في ليلة الأربعاء (٢٧ ج ٢ ـ ١٣٢٠ هـ) ، ذكر فيه ترجمة السيِّد الشريف أبي جعفر موسی المبرقع ابن الإمام أبي جعفر محمّد الجواد التقيعليه‌السلام ، وشرح أحواله وهجرته من الكوفة ، ووروده إلى قم سنة ٢٥٦ هـ إلى أن توفي بها سنة ٢٩٦ هـ وذكر ذريته وأحفاده ، وأثبت صحَّة نسب جمع من المنتمين إليه ، وفرغ منه في (ع ١ ـ ١٣٠٨) كما في النسخة التي رأيتها ، وهي بخطه في خزانة كتب الشيخ ميرزا محمّد الطهراني ، وكتب عليها بخط أنه وهبها إياه ، وقد طُبع على الحجر في سنة تأليفه في بمبئ ، وعليه تقريض السيِّد المجدد الشيرازي) ، انتهى. وقد طُبعت الرسالة أخيراً ضمن محلة الموسم العددان ٢٦ ـ ٢٧ سنة ١٤١٦ هـ.

(٢) تاريخ قم : ٥٨٨ ، عنه بحار الأنوار ٥٧ : ٢٢٠.

(٣) فهرست منتجب الدين المنضم إلى بحار الأنوار ١٠٢ : ٢٤٤.

١١٠

المقام العاشر

الإمام علي بن محمّدعليه‌السلام

الملقّب بالهادي ، والنّقي ، والطيِّب ، والأمين ، والناصح ، والفتَّاح ، والمرتضی ، والفقيه ، والعالم ، والمتوكّل ـ وكان يُخفي على الناس هذا اللَّقب ، ويسعى في إخفائه ، ويوصي بعدم ذكره بهذا اللقب في مجمع العامّة ؛ من باب التقية من الخليفة العبَّاسي ـ ولكنَّ أشهر ألقابه الأول والثاني ، وربّما كان يلقّب بالعسكري ؛ لحضوره في معسكر الخليفة(١) .

ويکتنّی : بأبي الحسن الرابع ، أو بأبي الحسن الثالث(٢) .

ولادته ، وفاته ، مدفنهعليه‌السلام

وُلد قريباً من المدينة في النصف من ذي الحجّة على ما ذكره الشيخان في (الإرشاد) و (التهذيب) والكليني في (الكافي)(٣) .

__________________

(١) وقصة ذلك ما نقله الراوندي في الخرائج والجرائح ١ : ٤١٤ ح ١٩ وعنه المجلسي في بحار الأنوار ٥٠ : ١٥٥ ح ٤٤ ونصّه : «رُوي أن المتوكّل أو الواثق أو غيرهما أمر العسكر ، وهم تسعون ألف فارس من الأتراك الساكنين بسر من رأى ، أن يملأ كل واحد مخلاة فرسه من الطين الأحمر ، ويجعلوا بعضه على بعض في وسط تربة واسعة هناك ، ففعلوا. فلمَّا صار مثل جبل عظيم واسمه تل المخالي ، صعد فوقه ، واستدعى أبا الحسن

واستصعده ، وقال : استحضرتك لنظارة خيولى ، وقد كان أمرهم أن يلبسوا التجانيف ويحملوا الأسلحة ، وقد عرضوا بأحسن زينة ، وأتمّ عدة ، وأعظم هيبة ، وكان غرضه أن يكسر قلب كل من يخرج عليه ، وكان خوفه من أبي الحسنعليه‌السلام أن يأمر أحداً من أهل بيته أن يخرج على الخليفة ، فقال له أبو الحسنعليه‌السلام : وهل أعرض عليك عسكري؟ قال : نعم ، فدعا الله سبحانه ، فإذا بين السماء والأرض من المشرق والمغرب ملائكة مدجّجون ، فغشي على الخليفة ، فلمَّا أفاق ، قال أبو الحسنعليه‌السلام : نحن لا نناقشكم في الدنيا ، نحن مشتغلون بأمر الآخرة ، فلا عليك شيء ممَّا تظن».

وقال الشيخ الصدوقرحمه‌الله في علل الشرائع ١ : ٢٤١ باب ١٧٦ ما نصه : (سمعت من مشايخنا رضي‌الله‌عنه م يقولون إن المحلة التي يسكنها الإمامان علي بن محمّد والحسن بن علي عليهما‌السلام بسر من رأى كانت تسمى عسكر ؛ فلذلك قيل لكل واحد منهما عسكري).

(٢) ينظر : بحار الأنوار ٥٠ : ١١٣ باب أسمائه وألقابهعليه‌السلام .

(٣) الإرشاد ٢ : ٢٩٧ ، تهذيب الأحکام ٦ : ٩٢ ح ٤١ ، الكافي ١ : ٤٩٨ ، بقرية يقال لها : بصرياً.

١١١

وروى الشيخ في المصباح : (أنه وُلدعليه‌السلام في السابع والعشرين من ذي الحجّة(١) ، واختاره المفيدرحمه‌الله في (التاريخ)(٢) ، وقيل : في ثاني رجب أو خامسه)(٣) .

ورُوي عن إبراهيم [بن هاشم القمِّي](٤) : (أنه كان في ثالث عشر من رجب)(٥) .

وربّما يُشعر بكونه في رجب ما ذكرنا من الدعاء(٦) ، وكان ذلك في سنة ٢١٢ ـ وقيل الرابعة عشرة ـ من الهجرة ، وكان له حين وفاة أبيه ستّ ـ أو ثماني ـ سنین.

واُمُّه : اُمّ ولد ، يقال لها : سمانة المغربية ، وقيل : إنّ اُمُّه اُمّ الفضل بنت المأمون(٧) .

ثُمَّ إن المتوكّل بعث یحیی بن هرثمة بن أعين مع جنود إلى المدينة ؛ ليشخصه إلى سُرَّ من رأى ، فأشخصه ، فأقام بها عشرين سنة وبضعة أشهر ، ثُمَّ سمّه المتوكّل ، فقتله على ما رواه الصدوق وجماعة(٨) .

قال جدّي الأمجد : (ويظهر من بعض الأخبار أن المتوكّل جهد كثيراً في إيقاع حيلة بهعليه‌السلام ، فلم يتمكّن ، بل مات ـ لعنه الله ـ بدعائه عليه قبل أن يُقبضعليه‌السلام ، فقُبض مسموماً من ابن المتوكّل أعني المعتمد) ، انتهى(٩) .

__________________

(١) مصباح المتهجد : ٧٦٧.

(٢) مسار الشيعة : ٤٢.

(٣) المصباح للكفعمي : ٥١٢.

(٤) ما بين المعقوفين منا لإتمام المعنى.

(٥) مصباح المتهجد : ٨١٩ ، وفي الأصل : (ابن إبراهيم) فصححناه ، فلاحظ.

(٦) قَدْ مرّ في تاريخ الإمام الجوادعليه‌السلام .

(٧) شرح اُصول الكافي ٧ : ٢٩٦ ، والصحيح أنها زوجة أبيهعليه‌السلام ولم يلد منها.

(٨) الاعتقادات : ٩٨ والأحاديث فيمن سمّهعليه‌السلام مختلفة ، وحديث إشخاصهعليه‌السلام ورد في الإرشاد ٢ : ٣٠٩ وكان سنة ٢٤٣ هـ.

(٩) رسالة في تاريخ المعصومین : ٢٠٥.

١١٢

وكان قبضه في يوم الاثنين الثالث من شهر رجب في سنة ٣ ٥٤ هـ على ما نقله جماعة ، وقيل : إنه اتّفاقي ، وكان عمره الشريف يومئذ إحدى وأربعين سنة وستة أشهر على المشهور في الميلاد ، فكانت مدَّة إمامته ثلاثاً وثلاثين سنة ، ودُفن في بيته الَّذي كان يعبدُ الله فيه بِسُرَّ من رأى مدّة عشر سنين وأشهر ، وهو البيت الَّذي عيّنه له المتوكّل العبَّاسي(١) .

من دُفن بجوارهعليه‌السلام

قال في (المعجم) : (وبسامراء قبر الإمام علي بن محمّد بن علي بن موسی بن جعفر وابنه الحسن بن علي العسكريين ، وبها غاب المنتظر في زعم الشيعة الإمامية ، وبها من قبور الخلفاء ، قبر الواثق ، وقبر المتوكّل ، وابنه المتصر ، وأخيه المعتز ، والمهتدي والمعتمد ابن المتوكّل)(٢) .

وممَّن فاز بحسن الجوار حيّاً وميتاً : إبراهيم بن العبَّاس بن محمّد بن صولتكين ، الشاعر المشهور المتوفّى في منتصف شعبان سنة ٢ ٤ ٣ هـ بِسُرَّ من رأى ، وكان متصلاً بذي الرئاستين الفضل بن سهل ، ثُمَّ تنقّل في أعمال السلطان ودواوينه إلى حين وفاته ، وكان من شعراء عصره ، وذكره ابن شهر آشوب من شعراء الشيعة ومادحي أهل البيتعليهم‌السلام (٣) .

__________________

(١) ينظر عن أحوالهعليه‌السلام وما يتعلق به بالتفصيل : بحار الأنوار ٥٠ : ١١٣ ـ ٢٣٥.

(٢) معجم البلدان ٣ : ١٧٨.

(٣) معالم العلماء : ١٨٧ ، وقال آقا بزرگ الطهراني في الذريعة ٩ ق ٢ : ٦٢٢ رقم ٤٤٤٠ عن ديوانه ما نصّه : (ديوان الصولي : أبو بكر إبراهيم بن عبَّاس بن محمّد بن صولتكين الدولي المتوفى بشعبان ٢٤٢ هـ ، في سامراء. ترجمه في معجم الأدباء ووفيات الأعيان وتاريخ بغداد ، وعدّه في معالم العلماء ص ١٤١ من شعراء الشيعة. وديوانه صغير مطبوع. وهو عمّ الصولي الشطرنجي).

١١٣

قصة شجرة كشمر(١)

ومدينة سامراء من إنشاء المعتصم العبَّاسي ، وبنى بها منارة كان يصعدها على حمار مريسي ، ودرج تلك المنارة من خارجها ، وأساسها على جریب من الأرض ، وطولها تسع وتسعون ذراعاً ، ومريس قرية بمصر(٢) .

ونقل المؤرِّخ الفارسي في (مرآة البلدان) ـ تاريخ السلطان ناصر الدین شاه ـ : (أن المتوكّل العبَّاسي كتب إلى عامله في خراسان ، وهو طاهر بن عبد الله ذو اليمينين أن يقطع الشجرة التي في قرية كشمر ـ من توابع خراسان ـ ، وذلك حينما أراد بناء جعفرية سامراء ، فقطعها وحملها على الإبل ، وقد غلّف أغصانها بالنماط الصوفية ، وأرسلها إلى بغداد ، وأن المجوس بذلوا له خمسين ألف دينار لئلّا يقطعها ؛ لاعتقادهم أنها غرس زردشت ، جاء بها من الجنّة ).

ويقول بعض المؤرِّخين : (إن عمر الشجرة إلى سنة ٢٣٢ هجرية ١٤٥٠ سنة ، وهي سنة تلبّس المتوكّل بالخلافة ، وحين وصول الشجرة إلى قريب سامراء قُتل المتوكّل ، وعليه ، فمدّة حملها تقرب من أربع عشرة سنة ، ومن عظمها أنه لمّا وقعت على الأرض تزلزت جملة من الأبنية حولها وتضررت ، وأن ساقها بحجم ٢٨ ذراعاً ، ويستظل تحتها أكثر من ألفي حيوان من البقر والغنم ، ومن قسم الطيور الموكّرة على أغصانها ما حجبت الشمس عن الناس حين ما هاجت عنها لدى انقلابها ، وقد حُملت أغصانها على ألف وثلاثمائة بعير ، واُجرة حمل مَن ساقها إلى بغداد ألف درهم )(٣) .

__________________

(١) کشمر : قرية من قرى نيسابور. (معجم البلدان ٤ : ٤٦٣).

(٢) ينظر في تاريخ سامراء : موسوعة العتبات المقدسة ـ قسم سامراء ، ومآثر الكبراء في تاريخ سامراء للمحلاتيرحمه‌الله .

(٣) لم أهتد إلى مصدر هذا القول ، ولم أجد من ذكره ، والقصة هي أقرب إلى الخيال.

١١٤

تنبيه

جواز دخول حرمهعليه‌السلام

قال الشهيدرحمه‌الله في مزار (الدروس) ناقلاً عن المفيدرحمه‌الله : (إنه لا يجوز الدخول في حرم الإمام أبي محمّد الحسن العسكريعليه‌السلام ، بل يُزار من ظاهر الشباك ، ومنع من دخول الدار ، ونقل عن الشيخ أبي جعفر : أنه الأحوط ، لأنها ملك الغير ولا يجوز التصرف فيها إلا بإذنه ، قال : ولو أن أحداً دخلها لم يكن مأثوماً وخاصة إذا تأول في ذلك ما رُوي عنهمعليهم‌السلام أنهم جعلوا شيعتهم في حلٍّ من مالهم) ، انتهى(١) .

أقول : تعليل الجواز بتحليل الخمس لشيعتهم عليل جداً ، فإنَّ تحليل الخمس للشيعة لا يستلزم تحلیل سائر أموالهم أينما كانت ، على أنه ليس في كلام المفيد المنع من دخول المشهد ، ولعل نظره في الوقوف بظاهر الشباك إلى رعاية الأدب ، بل على جواز الدخول ما هو المروي بطرق عديدة في آداب الزيارة من الوقوف عند القبر ، واللصوق به ، والانكباب عليه(٢) ، مضافاً إلى ما عليه كافة العلماء الأبرار والزائرين الأخيار ، نعم الأحوط والأرجح تأخر الزائر عند زيارة الهاديعليه‌السلام من الضريح المقدّس ؛ لما سننقله قريباً عن مزار الشيخ الجليل الشيخ خضر شلال(٣) .

__________________

(١) الدروس ٢ : ١٥ کتاب المزار ، المقنعة : ٤٨٦ ، تهذيب الأحكام ٦ : ٩٤ والكلام فيها عن حرم الإمامين العسكريينعليهما‌السلام .

(٢) ينظر إلى ما كتبه الشيخ الأمینيرحمه‌الله في آداب الزيارة في كتابه أدب الزائر لمن يمم الحائر ، وإلى ما ذكر من ذلك في كتب المزار المتعددة.

(٣) ياتي الكلام في تاريخ ولده الإمام العسكريعليه‌السلام .

١١٥

[دفع شبهة حول مكان القبر الشريف]

وقال صاحب (الملل والنحل) : (إن مشهدهعليه‌السلام في قم) ( ١).

وأنت خبير بأنه ناشئ من عدم التثبُّت ، وعدم التعُّمق في أحوال الأئمّة صلوات الله عليهم ، وأعظم من ذلك ما في الجزء الرابع من (تاريخ ابن خلدون) عند ذكره الدولة الإسماعيلية ، حيث ذكر أن الشيعة تزعم أن الإمام بعد محمّد التقي ابنه علي ويلقّبونه الهادي ، ويقال الجواد ، ومات سنة ٢ ٥٤ هـ وقبره بقم.

وقال : (ويزعمون أن الإمام بعده ابنه العسكري ؛ لأنه وُلد بِسُرِّ من رأى ، وكانت تُسمّى العسكر ، وحُبس بها بعد أبيه إلى أن هلك سنة ٢ ٦ ٠ هـ ، ودُفن جنب أبيه في المشهد)(٢) .

وفيه ، أولاً : أنَّ الجواد من ألقاب الإمام التاسع محمّد بن عليعليه‌السلام .

وثانيا : ما عرفت من موضوع قبر الإمام الهاديعليه‌السلام وأنه في سُرَّ من رأى ، لا في قم ، والعجب أنه صرّح بأن العسكريعليه‌السلام توفّي في سُرَّ من رأى ، ودُفن بجنب أبيه في المشهد ، ومع ذلك كيف يكون مدفن أبيه في قم ، وهل هو إلا تناقض في عبارة واحدة.

فصل

في أولادهعليه‌السلام

وُلد له : الحسنعليه‌السلام ، والحسين ، ومحمّد ، وأبو عبد الله جعفر المعروف بالكذّاب ، وابنة مسمّاة بعائشة.

__________________

(١) الملل والنحل ١ : ١٦٩.

(٢) تاريخ ابن خلدون ٤ : ٢٩.

١١٦

أمّا الحسنعليه‌السلام : فهو الإمام من بعده.

وأمّا الحسين : فقد كان ممتازاً في الديانة من سائر أقرانه وأمثاله ، تابعاً لأخيه الحسن معتقداً بإمامته ، ودُفن في حرم العسكريين تحت قدميهما(١) .

وعن بعض كتب الأنساب : أن هارون بن علي الواقع في الميدان العتيق بأصبهان هو من أولاد أبي الحسن الهاديعليه‌السلام (٢) .

محمّد المعروف بسبع الدجيل

وأمّا محمّد : جلالته وعظمة شأنه أكثر من أن يذكر ، وكفى في ذلك قابليته للإمامة ، وهو أكبر أولاد الهاديعليه‌السلام ، وكانت الشيعة تظن فيه أنه الإمام بعد أبيه ، ولمّا توفّي في حياة الهاديعليه‌السلام ، قال لولده الحسن : «يا بني أحدث الله شكراً ، فقد أحدث في أمراً»(٣) .

وفي رواية اُخرى أنه قال : «بدا لله في أبي محمّد بعد أبي جعفر ـ يعني محمّد ـ مالم يكن يعرف له ، كما بدا له في موسی بعد مضي إسماعيل ما کشف به عن حاله»(٤) .

وفي الإرشاد : بسنده عن النوفلي قال : «كنت مع أبي الحسنعليه‌السلام في صحن داره ، فمرّ بنا محمّد ابنه ، فقلت له : جُعلت فداك، هذا صاحبنا بعدك؟ فقال : لا ، صاحبكم من بعدي الحسن»(٥) .

__________________

(١) وقد كتب محقق هذا الكتاب مقالة وافية عنه رضي‌الله‌عنه نشرت في مجلة الانتظار عدد / ٥ سنة ١٤٢٧ هـ بعنوان عمّ الإمام الحجة غجل الله تعالى فرجه الشريف الحسين بن علي ، فلتراجع.

(٢) لم أهتد إلى مصدر قوله ، وكان ينبغي أن يجعل هذا القول في آخر الفصل.

(٣) الكافي ١ : ٣٢٦ ح ٤.

(٤) الكافي ١ : ٣٢٧ ح ١٠.

(٥) الإرشاد ٢ : ٣١٤.

١١٧

وبسنده : عن محمّد الأصبهاني قال : «قال لي أبو الحسنعليه‌السلام : صاحبكم من بعدي الَّذي يصلّي عليّ ، قال : ولم نكن نعرف أبا محمّد قبل ذلك ، قال : فخرج أبو محمّد بعد وفاته ، فصلّی عليه»(١) .

وبسنده ، إلى جماعة من بني هاشم ، منهم الحسن بن الحسين الأفطس : «أنهم حضروا يوم توفّي محمّد بن علي بن محمّد دار أبي الحسنعليه‌السلام ، وقد بُسط له في صحن داره ، والناس جلوس حوله ، من آل أبي طالب وبني العبَّاس وقريش مائة وخمسون رجلاً سوى مواليه وسائر الناس ؛ إذ نظر إلى الحسن بن عليعليهما‌السلام وقد جاء مشقوق الجيب حَتَّى قام عن يمينه ونحن لا نعرفه ، فنظر إليه أبو الحسنعليه‌السلام بعد ساعة من قيامه ، ثُمَّ قال له : يا بني أحدث لله شكراً ، فقد أحدث فيك أمراً ، فبكى الحسن واسترجع ، فقال : الحمد لله ربِّ العالمين ، وإيَّاه أسأل تمام نعمه علينا ، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

فسألنا عنه ، فقيل لنا : هذا الحسن بن علي ابنه ، وقدرنا له في ذلك الوقت عشرين سنة ونحوها ، فيومئذ عرفنا وعلمنا أنه قَدْ أشار إليه بالإمامة وأقامه مقامه»(٢) .

والأخبار في هذا كثيرة قَدْ أوردها المفيدرحمه‌الله في الإرشاد(٣) ، ومع ذلك فالعجب من صاحب (جنّات الخلود) حيث قال فيها : (إنه لم يُعرف حاله)(٤) . مع أن قبره مزار معروف في قرية بلد من نواحي الدجيل.

__________________

(١) الإرشاد ٢ : ٣١٥.

(٢) الإرشاد ٢ : ٣١٧.

(٣) الإرشاد ٢ : ٣١٤ ـ ٣٢٠.

(٤) جنّات الخلود : ٣٧.

١١٨

وفي معجم البلدان : (نقل عن السيِّد عبد الكريم ابن طاووسرحمه‌الله أن قبر أبي جعفر محمّد ابن الهاديعليه‌السلام في بلد ـ التي هي مدينة قديمة على دجلة فوق الموصل ـ وادّعى الإتفاق على ذلك)(١) .

وهو غريب منه ، وسواد أطراف سامراء من العامّة والخاصّة يعظّمون هذا المشهد ، ويقطعون الخصومات التي تقع بينهم بالحلف به ، والحضور في مشهده ، ولا يعرفونه إلا قبر السيِّد محمّد بن علي الهاديعليه‌السلام ، ويعبّرون عنه بسبع الدجيل(٢) .

توبة ولده جعفر

وأمّا جعفر : فهو الملقّب بالكذّاب ، وكان معروفاً بحبّ الجاه وطلب الدنيا ، وصرف أكثر عمره مع الأوباش والأجامرة ولعب الطنبور وسائر ما هو غير مشروع ، ولكن كان متظاهراً بإمامة الحسن العسكري ، ومن بعد وفاته ادّعی

__________________

(١) معجم البلدان ١ : ٤٨١ ، قال العلّامة السيِّد عبد الستار الحسني دام توفيقه في تعليقة له على نسخة كتابنا هذا تتعلق بما ذُكر : (وفاة ياقوت الحموي صاحب (معجم البلدان) سنة ٦٢٦ هـ قبل ولادة السيِّد عبد الكريم ابن طاووس سنة ٦٤٧ ـ ٦٩٣ هـ) ، وإنما كان السيِّد عبد الكريم المذكور يملك نسخة من (معجم البلدان) ، فعلّق عليها ، فادخل الناسخ كلامه في الأصل).

(٢) قال السيِّد محسن الأمين في أعيان الشيعة ١٠ : ٥ في ترجمته ما نصّه : (السيِّد أبو جفر محمّد ابن الإمام علي أبي الحسن الهادي. توفي في حدود سنة ٢٥٢ هـ جليل القدر ، عظيم الشأن ، كانت الشيعة تظن أنه الإمام بعد أبيهعليه‌السلام ، فلمَّا توفي نصّ أبوه على أخيه أبي محمّد الحسن الزكيعليه‌السلام ، وكان أبوه خلّفه بالمدينة طفلاً لمّا اُتي به إلى العراق ، ثُمَّ قدم عليه في سامراء ، ثُمَّ أراد الرجوع إلى الحجاز ، فلمَّا بلغ القرية التي يقال لها بلد على تسعة فراسخ من سامراء ، مرض وتوفي ودُفن قريباً منها ، ومشهده هناك مفروف مزور. ولمّا توفي شقّ أخوه أبو محمّد ثوبه وقال في جواب من لامه على ذلك : قَدْ شقّ موسى على أخيه هارون. وسعى المحدِّث العلّامة الشيخ ميرزا حسين النوري في تشييد مشهده وتعميره ، وكان له فيه اعتقاد عظيم) ، انتهى.

وقد ألّف الشيخ محمّد علي الاوردبادي رحمه‌الله كتاباً عنه اسمه (حياة سبع الدجيل) ، وطبع في النجف الأشرف ، وكذا السيِّد موسى الموسوي الهندي باسم (سبع الدجيل محمّد ابن الإمام الهادي عليه‌السلام ) ، فلاحظ.

١١٩

الإمامة ، وكان يجبر الناس على إطاعته والقول بإمامته(١) ، وأراد أن يصلّي على جنازة أخيه ، فمنعه ذلك الحجّة صاحب الأمرعليه‌السلام ، وقصته معروفة(٢) .

ويقال : إنه تاب في أخر عمره ، فلُقّب بجعفر التوّاب ، بل ورد في الأخبار تشبیه جعفر بأخوة يوسف علييه السلام ؛ حيث غفر الله لهم ذنوبهم ، وعفا عنهم يوسف(٣) ، وقال : ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ(٤) .

__________________

(١) ينظر : كمال الدين : ٤١ ، ٣١٩ ، ٣٢٠ ، ٤٤٢ ، ٤٧٦ ، ٤٧٩.

(٢) رواها الصدوقرحمه‌الله في كمال الدين : ٤٧٥ ، والخبر معروف بخبر أبي الأديان.

(٣) ينظر : كمال الدين : ٤٨٣ ح ٤ ، الغيبة للطوسي : ٢٩٠ ح ٢٤٧ ، کشف الغُمَّة ٣ : ٣٣٩.

(٤) سورة يوسف : من آية ٩٢.

١٢٠

المقام الحادي عشر

في الإمام الحسن بن علي العسكريعليه‌السلام

ولادته ووفاتهعليه‌السلام

ويُلقّب بصاحب الناحية أيضاً كما في كتب الرجال(١) ، وبهذا يصحّ سند زيارة الناحية المرويّة في الإقبال ، قال : (خرج من الناحية سنة اثنتين وخمسين ومائتين إلخ)(٢) .

وخروجها بهذا التاريخ يكون مقدّماً على ولادة الحجّة بأربع سنين ، فالمراد منه العسكري(٣) .

وكنيته : أبو محمّد ، وُلد بالمدينة على المشهور ـ وقيل بسُرَّ من رأى(٤) ، ولعله خطأ كما صرّح به جدّي الأمجد(٥) ـ في يوم الجمعة ، الثامن من شهر ربيع الآخر ـ وقيل غير ذلك ، والأول أشهر ـ في سنة ٢٣٢ من الهجرة(٦) ـ وقيل في سنة الثلاثين فوق (ثلاثين بعد ـ ظ) المائتين ، ونقل عن المفيدرحمه‌الله قال جدّي الأمجد : (لعله سهو في النقل ؛ إذ ليس فيما رأينا من كتبه ذلك)(٧) ـ(٨) .

__________________

(١) قاموس الرجال ٩ : ٥٠٤.

(٢) إقبال الأعمال ٢ : ٧٣.

(٣) ينظر عن سند هذه الزيارة : أنصار الحسينعليه‌السلام : ١٥٤ ـ ١٥٦.

(٤) ذكر المفيد في الإرشاد ٢ : ٣١٠ ، والإربلي في كشف الغُمَّة ٣ : ١٧٦ أن سنة ورود والده الإمام الهاديعليه‌السلام بأمر المتوكل إلى سر من رأى هي ٢٤٣ هـ ، فيكون عمر الإمام العسكريعليه‌السلام حينها ١١ سنة ، فلاحظ.

(٥) رسالة في تاريخ المعصومين : ٢١١.

(٦) الإرشاد ٢ : ٣١٢.

(٧) ذكر الشيخ المفيدرحمه‌الله في الإرشاد ولادته سنة ٢٣٢ هـ كما ورد أعلاه ، فلاحظ.

(٨) رسالة في تاريخ المعصومين : ٢١٣.

١٢١

وكانت اُمُّه اُمّ ولد ، يقال لها حديث ، وكانت في غاية الورع والتقوى ، فأقامعليه‌السلام بسُرَّ من رأى بعد أبيهعليه‌السلام قريباً من ستّ سنين ، ثُمَّ سمّه المعتمد أبو عيسی ابن المتوكّل على ما ذكره الصدوقرحمه‌الله (١) .

وقال الطبرسي : (ذهب كثير من أصحابنا إلى أنه مضى مسموماً ، وكذلك أبوه وجدّه وجميع الأئمّةعليهم‌السلام )(٢) .

فقُبض يوم الجمعة ـ وقيل يوم الأحد ، وقيل يوم الأربعاء والأول أشهر ـ الثامن من شهر ربيع الأول ـ وقيل في غيره ، والأول هو المعتمد ـ وكان ذلك في عام الستّين فوق (ستين بعد ـ ط) المائتين ، وكانعليه‌السلام يومئذ ابن ثماني وعشرين سنة ، ومدّة إمامته ستّ سنين ، ودُفن بسامراء في داره في البيت الَّذي دُفن فيه أبوهعليه‌السلام ، ومرقده خلف ظهر أبيه ، وعلى قولٍ : إنّ ذرِّيتهعليه‌السلام منحصرة في ابنه الإمام صاحب الأمر محمّد بن الحسن ، وبنت واحدة غير موسومة ولا مذكورة في الكتب ، والأصح انحصار ولده في الإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف(٣) .

تنبيهان

[حكيمة بنت الإمام الجوادعليه‌السلام ]

الأول : قال المجلسيرحمه‌الله في مزار البحار : (إن في القُبَّة الشريفة ـ يعني قُبَّة الإمامين العسكريينعليهما‌السلام ـ قبراً منسوباً إلى النجيبة الكريمة العالمة الفاضلة التقية الرضية حكيمة بنت أبي جعفر الجوادعليه‌السلام ، ولا أدري لِمَ لَمْ يتعرضوا لزيارتها مع ظهور فضلها

__________________

(١) الاعتقادات : ٩٩.

(٢) إعلام الوری ٢ : ١٣١.

(٣) ينظر عن أحواله وما يتعلق بهعليه‌السلام : الإرشاد ٢ : ٣١٣ ـ ٣٣٩ ، مناقب آل أبي طالبعليهم‌السلام ٣ : ٥٢٢ ـ ٥٤١ ، بحار الأنوار ٥٠ : ٢٣٥ ـ ٣٣٨ ، وغيرها في غيرها.

١٢٢

وجلالتها؟! وأنها كانت مخصوصة بالأئمّةعليهم‌السلام ومودعة أسرارهم ، وكانت اُمُّ القائم عله السلام عندها ، وكانت حاضرة عند ولادتهعليه‌السلام ، وكانت تراه حيناً بعد حين في حياة أبي محمّد العسكريعليه‌السلام ، وكانت من السفراء والأبواب بعد وفاته ، فينبغي زيارتها بما أجرى الله على اللَّسان ممَّا يناسب فضلها وشأنها والله الموفق) ، انتهى كلامه(١) .

قال جدّي بحر العلومرحمه‌الله بعد نقل هذه العبارة : (قلت : عدم التعرُّض لزيارتها ـرضي‌الله‌عنه ا ـ كما أشار إليه الخال المفضال عجيب ، وأعجب منه عدم تعرض الأكثر لها ـ کالمفيد في الإرشاد ، وغيره في كتب التواريخ والسِّيَر والنسب ـ في أولاد الجوادعليه‌السلام ، بل حصر بعضهم بناتهعليه‌السلام في غيرها :

قال المفيدرحمه‌الله : وخلّف أبو جعفر الجوادعليه‌السلام من الولد عليّاً ـ ابنه الإمام من بعده ـ وموسی ، وفاطمة ، وأمامة ، ولم يخلّف ذكراً غير من سمَّيناه.

وقال الطبرسي في إعلام الوری : وخلّف من الولد عليّاً ـ الإمام ـ وموسی ، (ومن البنات حكيمة وخديجة وأم كلثوم)(٢) .

ويقال : خلّف فاطمة وأمامة ابنتيه ، ولم يخلف غيرهم.

وقال السروي في المناقب : وأولاده : علي الإمام ، وموسى وحكيمة ، وخديجة ، واُمّ كلثوم. قال : وقال ـ (أيوب الأنصاري)(٣) ـ أبو عبد الله الحارثي : خلّف فاطمة وأمامة فقط) ، انتهى(١) .

__________________

(١) بحار الأنوار ٩٩ : ٧٩.

(٢) ما بين القوسين غیر موجود في نسخة إعلام الوری المطبوعة التي اعتمدناها ، ويؤيده قول التستري في قاموس الرجال ١٢ : ٢٣٨ رقم ٨١ بعد إيراده هذا الكلام ما نصّه : (أقول : نقل المصنّف كلام الطبرسي كالمفيد لعدم ذكر حكيمة) في أولاد الجوادعليه‌السلام مع أنها مذكورة في ما نقل ، ولعله حُرّف عليه).

(٣) ما بين الشارتین زيادة من المؤلفرحمه‌الله لا أعرف مناسبتها ، ولعلها من سهو القلم ، وأبو عبد الله الحارثي هو الشيخ أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان الحارثي المعروف بالمفيدرحمه‌الله ، وهو إشارة إلى ما ذكره في كتابه الارشاد ، ولعلّ المؤلفرحمه‌الله ظن بالحارثي بشر النخاس المعاصر للإمامين الهادي والعسكريعليهما‌السلام ، من ولد أبي أيوب الأنصاري ، فسقطت (ابن أبي) في الطباعة ، فلاحظ.

١٢٣

أقول : فهذه الجليلة بنت الإمام أبي جعفر الجوادعليه‌السلام ، واُخت الإمام علي الهاديعليه‌السلام ، وعمّة الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام ، وقد أدركت أئمّة أربعة بزيادة إمام العصرعليه‌السلام إلى من تقدّم ، وأن الهاديعليه‌السلام أمر نرجس خاتون أن تتعلم منها معالم الدين وأحكام الشرع والتأدُّب بالآداب الإلهية(٢) ، وكان لها منصب السفارة بعد العسكريعليه‌السلام من قبل إمام العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف ، وكانت توصل عرائض الناس إليه ، والتوقيعات الصادرة منهعليه‌السلام إلى الناس(٣) ، ومرقدها الشريف ممَّا يلي قدمي العسكريينعليهما‌السلام ، ولها صندوق على حِدَة.

وبجنب ضريح العسكريعليه‌السلام أيضاً ، ضریح نرجس خاتون اُمّ الإمام صاحب الزَّمانعليه‌السلام ، واقع خلفه.

عدم اللصوق بضريحهعليه‌السلام

الثاني : قال الشيخ الجليل والفقيه النبيل الشيخ خضر شلّال النَّجفي المتوفى ١٢ ٥٥ هـ ، ـ وقبره في محلّة العمارة من النَّجف ، معروف تقصده الناس ؛ لقراءة الفاتحة وإسعاف الحوائج(٤) ـ في مزاره في باب زيارة العسكريين : (أنه لا شكّ أنَّ

__________________

(١) الفوائد الرجالية ٢ : ٣١٧ ، الإرشاد ٢ : ٢٩٥ ، إعلام الوری ٢ : ١٠٦ ، مناقب آل أبي طالبعليهم‌السلام ٣ : ٤٨٧.

(٢) إشارة إلى قول الإمام الهاديعليه‌السلام المروي في الإكمال ، ونصّه : قال أبو الحسنعليه‌السلام : «يا کافور ادعُ لي أختي حکيمة ، فلمَّا دخلت عليه ، قالعليه‌السلام لها : هاهيه ، فاعتنقتها طويلاً ، وسُرّت بها كثيراً ، فقال لها مولانا : يا بنت رسول الله أخرجيها إلى منزلك ، وعلميها الفرائض والسنن ، فإنها زوجة أبي محمّد ، وأم القائمعليه‌السلام ». (ينظر كمال الدين : ٤٢٣).

(٣) ينظر : كمال الدين : ٤٢٦ ح ٢.

(٤) هُدِّم قبره في أوائل القرن الحالي ، وهو الخامس عشر الهجري من قبل النظام البعثي البائد ، ونقله بعض الصلحاء إلى وادي السلام ، وقبره معروف هناك يُزار.

١٢٤

الأرجح عند زيارة الإمام علي الهاديعليه‌السلام ، تأخُّر الزائر عن الضريح المبارك بمقدار ذراع أو أزيد ، ولا يلصق نفسه بالشبَّاك كما هو المتعارف في آداب زيارة الأئمَّةعليهم‌السلام .

قالرحمه‌الله : إذ من المحقَّق الواصل إلينا أنَّ الشبَّاك الواقع على الضريح المقدِّس في زماننا هو متأخّر عن موضع القبر ، وأنَّ القبر الشريف قُدَّام الشبَّاك.

قالرحمه‌الله : ويؤيد هذه المقالة أنّي وجماعة من العلماء والصلحاء تشرفنا إلى زيارته وكان معنا أحد العلويين الحاملين للعلم ، فأخبرني بشيء كان أوجب تشويشهم واضطرابهم ، وهو أنه كان واقفاً بقرب الضريح مستدبر القبلة ، فسمع صوتاً من الضريح يقول له : تنحّ عن موقفك إلى ورائك. قال : وليس سبب ذلك إلّا ما ذكرناه من أنَّ الضريح خارج عن الشبَّاك) ، انتهى(١) .

ولا يخفى أنَّ الضريح هو الضريح الفولاذي الَّذي هو من آثار الشاه سلطان حسين الصفوي خاتمة السلاطين الصفوية ، كما أن تذهيب القُبَّة الموجودة الآن من آثار السلطان ناصر الدین شاه القاجاري المقتول سنة ١٣١٣ هـ ، بنظارة الفقيه الجامع الشيخ عبد الحسين الطهراني المتوفّى سنة ١٢٨ ٦ هـ ، وعدد أحجارها الذهبية هكذا ٢٧٧ ٤ ٨ ، کتیبة ١٦٠ ، حاشية ٣٢٠.

والمراد من العلوي هو السيِّد جدّنا بحر العلوم (طاب ثراه) كما صرّح به العلّامة النوريرحمه‌الله في تحية الزائر ، وكان اضطرابه ؛ لتأخُّره عن موقفه دفعة(٢) .

__________________

(١) أبواب الجنان : ٥٠٤ بتصرف ، عنه تحية الزائر : ٢٢٥.

(٢) تحية الزائر : ٢٢٤.

١٢٥

[داهية عظمى]

ونقل المجلسي في آخر المجلّد الثاني عشر من البحار : (أنه وقعت داهية عظمی ، وفتنة كبرى ، في سنة ستّ ومائة بعد الألف من الهجرة في الروضة المنورة بِسُرَّ من رأى ، وذلك أنه لغلبة الأروام(١) وأجلاف العرب على سُرَّ من رأى ، وقلَّة اعتنائهم بإكرام الروضة المقدّسة ، وجلاء السادات والأشراف الظلم الأروام عليهم منها ، وضعوا ليلة من الليالي سراجاً داخل الروضة المطهَّرة في غير المحل المناسب له ، فوقعت من الفتيلة نار على بعض الفروش أو الأخشاب ، ولم يكن أحد في حوالي الروضة فيطفيها. فاحترقت الفروش والصناديق المقدَّسة والأخشاب والأبواب ، وصار ذلك فتنة لضعفاء العقول من الشيعة والنُصَّاب من المخالفين ؛ جهلاً منهم بأن أمثال ذلك لا يضرّ بحال هؤلاء الأجلَّة الكرام ، ولا يقدح في رفعة شأنهم عند الملك العلّام ، وإنَّما ذلك غضب على الناس ، ولا يلزم ظهور المعجز في كل وقت ، وإنَّما هو تابع للمصالح الكلّية والأسرار في ذلك خفية ، وفيه شدَّة تكليف ، وافتتان وامتحان للمكلَّفين ، وقد وقع مثل ذلك في الروضة المقدّسة النبوية بالمدينة أيضاً صلوات الله على مشرِّفها وآله.

قال الشيخ الفاضل الكامل السديد يحيى بن سعيد (قدس الله روحه) في كتاب (جامع الشرائع) في باب اللّعان : إنه إذا وقع بالمدينة يستحب أن يكون بمسجدها عند منبرهعليه‌السلام .

ثُمَّ قال : وفي هذه السنة وهي سنة أربع وخمسين وست مائة في شهر رمضان احترق المنبر وسقوف المسجد ، ثُمَّ عُمل بدل المنبر)(٢) .

__________________

(١) الأروام : يراد بهم رجال دولة الروم.

(٢) بحار الأنوار ٥٠ : ٣٣٧ ، والمؤلفرحمه‌الله أوردها باختلاف يسير وما أثبتناه من المصدر ، جامع الشرائع : ٤٨١.

١٢٦

المقام الثاني عشر

في الغوث الأعظم ، والملاذ الأفخم ، ناموس الدهر ، وصاحب العصر ، الإمام محمّد بن الحسن ، الملقَّب بالحجّة ، والصاحب ، وصاحب العسكر ، وصاحب الأمر ، وصاحب الناحية ، وصاحب الدار ، وصاحب الزَّمان ، والغريم ، والمهدي ، والقائم ، والمنتظر ، والهادي ، والخلف الصالح ، والبلد الأمين ، والخاتم ، المکنَّی بأبي عبد الله ، وأبي القاسم(١) .

ولادته وغيبته عجل الله تعالى فرجه الشريف

وُلد في سُرَّ من رأى ، في دار أبيه العسكري ، يوم الجمعة ـ وعلى الأصح ليلة الجمعة ـ في ليلة النصف من شعبان سنة ٢ ٥٦ هـ ، بعد انقضاء أحد وأربعين يوماً من خلافة المعتمد على الله العبَّاسي.

واُمُّه نرجس خاتون بنت قيصر الروم ، وعلى قولٍ بنت یشوعا بن قیصر من نسل شمعون من حواري عيسیعليه‌السلام ، وذكر بعض المؤرِّخين أن قيصر كان عازماً على تزويجها من ابن أخيه ، واحتفل بمأدبة عظيمة ، فلم يتم الأمر في تلك الحفلة ، فلمَّا أن جاء الليل رأت نرجس خاتون في منامها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مع فاطمة الزهراءعليها‌السلام ، فأسلمت على يديهما ، وعقداها للحسن العسكريعليه‌السلام ، ورأته في المنام ، ومن شدَّة شوقها إليه ألقت نفسها بين اُسارى المسلمين ، فجاء المسلمون بها إلى بغداد وجعلوها في البيع ، فأرسل الإمام علي بن محمّد الهاديعليه‌السلام مع

__________________

(١) ينظر: النجم الثاقب في احوال الحجّة الغائب عجل الله تعالى فرجه الشريف ، الباب الثاني من المجلد الأول منه ، فقد ذكر مؤلّفهرحمه‌الله فيه (١٨٢) ما بين اسم ولقب له عجل الله تعالى فرجه الشريف.

١٢٧

بشر بن سليمان مائتين وعشرين ديناراً ذهباً إلى بغداد ، فشراها ، ثُمَّ أعطاها إلى ابنه العسكريعليه‌السلام ، وفي عرض الطريق سمّت نفسها نرجس خاتون(١) .

ومدّة عمرهعليه‌السلام من حين ولادته إلى التحرير يوم الخامس عشر من شهر شعبان سنة ١٣ ٤ ٣ هـ ألف وثماني وأربعون سنة ، وغيبته يوم الأحد ـ وقيل : يوم الجمعة ـ من خوف الأعداء عاشر شهر شوال سنة ٢ ٦ ٢ هـ ، وعلى قول سنة ٢ ٦٥ هـ(٢) .

شمائله وعلامات ظهوره عجل الله تعالى فرجه الشريف

وشمائله على ما نقله السيِّد الشبلنجي : (شاب أكحل العينين ، أزجّ الحاجبين ، أقنى الأنف ، كثُّ اللّحية ، على خدِّه الأيمن خالٌ.

قال : وأخرج الروياني والطبراني وغيرهما : المهدي من ولدي ، وجهه كالكوكب الدرِّي ، اللّون لون عربي ، والجسم جسم إسرائيلي ـ أي طويل ـ يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً) ، انتهى(٣) .

وقال صاحب (الفتوحات) : (واعلم أنَّ المهديعليه‌السلام إذا خرج يفرح به جميع المسلمين ، خاصَّتهم وعامَّتهم ، وله رجال إلهيّون يقيمون دعوته وينصرونه ، ثُمَّ الوزراء له يتحملون أثقال المملكة عنه ، ويعينونه على ما قلّده الله ، ينزل عليه عيسی بن مریم عليه الصلاة والسلام بالمنارة البيضاء شرقي دمشق ، متَّكئاً على ملكين ، ملك عن

__________________

(١) ينظر : كمال الدين ٤١٧ ، ح ١ ، دلائل الإمامة : ٤٨٩ ح ٤٨٨ / ٩٢ ، الغيبة للطوسي : ٢٠٨ ح ١٧٧ ، روضة الواعظين : ٢٥٢.

(٢) ينظر ما يتعلق به صلوات الله عليه وعلى آبائه الكتب التي ألّفت حوله ، والتي تُعرف بكتب الغيبة ك : کمال الدين للصدوق ، وغيبة النعماني ، وغيبة الطوسي ، وغيبة المجلسي من بحار الأنوار ، والنجم الثاقب للنوري ، وغيرها في غيرها.

(٣) نور الأبصار : ١٧٠ ، الصواعق المحرقة : ١٦٤.

١٢٨

يمينه ، ملك عن يساره ، والناس في صلاة العصر ، فيتنحى له الإمام عن مكانه ، فيتقدَّم فيصلي بالناس ، يؤمّ الناس بسُنَّة سيدنا محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، يكسر الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويقبض الله إليه المهدي طاهراً مطهِّراً ، وفي زمانه يُقتل السفياني عند شجرة بغوطة دمشق ، ويُخسف بجيشه البيداء ، فمن كان مجبوراً من ذلك الجيش مكرهاً يُحشر على نيَّته) ، انتهى(١) .

وفي سنن أبي داود ، عن علي بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه ، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : «لو لم يبقَ من الدنيا إلا يوم لبعث الله تعالی رجلاً من أهل بيتي ، يملؤها عدلاً كما ملئت جورا »(٢) .

وأخرج أبو داود والترمذي ، عن أبي سعيد الخدري ـرضي‌الله‌عنه ـ ، عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : «المهدي منّي ، أجلى الجبهةِ ، أقنى الأنف ، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً».

وزاد أبو داود : «يملك سبع سنين »(٣) .

وأخرج ابن شیرویه ـ وهو من أكابر العامَّة ـ في كتابه (فردوس الأخبار) في باب الألف واللام ، عن ابن عبَّاس ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «المهدي طاووس أهلِ الجنَّة »(٤) .

__________________

(١) الفتوحات المكية ٣ : ٣٢٧ باختلاف يسير ، وبلفظه ورد في نور الأبصار : ١٧٠.

(٢) سنن أبي داود ٢ : ٣١٠ ح ٤٢٨٣ وفيه : (الدهر) بدل (الدنيا) ، عنه بلفظه نور الأبصار : ١٧٠.

(٣) سنن أبي داود ٢ : ٣١٠ ح ٤٢٨٥ ، ولم نجده في سنن الترمذي ونقل عنه في مطالب السؤول : ٤٨٣ ، ونور الأبصار : ١٧٠.

(٤) فردوس الأخبار ٢ : ٣٥٩ ح ٦٩٤١ ، عنه نور الأبصار : ١٧٠.

١٢٩

وعنه أيضاً بإسناده ، عن حذيفة بن اليمان ، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : «المهديّ [رجلٌ من] (١) ولدي ، وجهه كالقمر الدرّي ، اللَّون لون عربي ، والجسم جسم إسرائيلي ، يملأ الأرض عدلاً ، كما مُلئت جوراً ، يرضى بخلافته أهلُ السموات والأرض ، والطير في الجو ، يملك عشرين سنة »(٢) .

وأخرج الحافظ أبو نعيم ، عن ثوبان ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إذا رأيتم الرايات السود قَدْ أقبلت من خراسان ، فأتوها ولو حَبْواً على الثلج ، فإنَّ فيها خليفة الله المهدي »(٣) .

وأخرج أيضاً ، عن عبد الله بن عمر ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «يخرج المهدي من قرية يقال لها كريمة »(٤) .

وأخرج الحافظ أبو عبد الله محمّد بن ماجة القزويني في حديث طويل في نزول عيسی بن مریمعليه‌السلام ، عن أبي أمامة الباهلي ، قال : خطبنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ وذكر الدجَّال ـ فقال : «إنَّ المدينة تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد ويدعى ذلك اليوم (يوم الخلاص) » ، قالت اُمّ شريك بنت أبي العسكر : فأين العرب يومئذ؟ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «هم يومئذ قليل ، وجلّهم بيت المقدس ، وإمامهم المهدي ، وقد تقدّم ليصلّي بهم الصبح إذ نزل عيسی بن مريم ، فرجع ذلك

__________________

(١) ما بين المعقوفين من المصدر.

(٢) فردوس الأخبار ٢ : ٣٥٩ ح ٦٩٤٠ ، وفي الأصل : (عشر سنين) ، عنه نور الأبصار : ١٧٠.

(٣) الأربعون حديث المندرج في كشف الغُمَّة ٣ : ٢٧٢ ح ٢٦ ، عنه الصواعق المحرقة : ١٦٤ ، نور الأبصار : ١٧٠.

(٤) الأربعون حديث المندرج في كشف الغُمَّة ٣ : ٢٦٩ ح ٧ ، وفيه اسم القرية : (كرعة) ، عنه نور الأبصار : ١٧٠.

١٣٠

الامام ينكص عن عيسى القهقرى ؛ ليتقدم عيسى يصلّي بالناس ، فيضع عيسی يده على كتفيه ثُمَّ يقول له : تقدّم»(١) .

وروى البخاري ومسلم في صحيحهما ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «كيف أنتم إذا نزل ابن مریم فیکم وإمامكم منكم »(٢) .

وههنا فوائد ذكرها صاحب (الصواعق المحرقة) يناسب لنا نقلها :

(الأولى ـ قال : الأظهر أنَّ خروج المهدي قبل نزول عيسی ، وقيل بعده.

الثانية ـ قال : تواترت الأخبار عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنه من أهل بيته ، وأنه يملأ الأرض عدلا.

الثالثة ـ تواترت الأخبار على أنه يعاون عيسى على قتل الدجَّال بباب (لُد) بأرض يقال لها فلسطين بالشام.

الرابعة ـ قال جاء في بعض الآثار أنه يخرج في وتر السنين ، سنة إحدى أو ثلاث أو خمس أو سبع أو تسع.

الخامسة ـ بعد أن تعقد له البيعة بمكَّة يسير منها إلى الكوفة ، ثُمَّ يفرّق الجند إلى الأمصار.

السادسة ـ أنَّ السَّنة من سِنِيِّه مقدارُ عشر سنين.

السابعة ـ أنَّ سلطانه يبلغ المشرق والمغرب ، تظهر له الكنوز ، لا يبقى في الأرض خراب إلا عمّره)(٣) .

__________________

(١) سنن ابن ماجة ٢ : ١٣٥٩ بتفصيل ، عنه بلفظه نور الأبصار : ١٧٠.

(٢) صحيح البخاري البخاري ٤ : ١٤٣ ، صحیح مسلم ١ : ٩٤ ، عنهما نور الأبصار : ١٧٠.

(٣) الصواعق المحرقة : ١٦٥ ، نور الأبصار : ١٧١.

١٣١

وهذه علامات قيام القائم ، مروية عن أبي جعفررضي‌الله‌عنه ، قال : «إذا تشبّه الرجال بالنساء ، والنساء بالرجال ، وركبت ذوات الفروج السروج ، وأمات الناس الصلوات ، واتَّبعوا الشهوات ، واستخفُّوا بالدماء ، وتعاملوا بالربا ، وتظاهروا بالزنا ، وشيّدوا البناء ، واستحلوا الكذب ، وأخذوا الرشا ، واتبعوا الهوى ، وباعوا الدين بالدنيا ، وقطعوا الأرحام ، وظنوا بالطعام ، وكان الحلم ضعفاً ، والظلم فخراً ، والأمراء فجرة ، والوزراء كذبة ، والأمناء خونة ، والأعوان ظلمة ، والقرّاء فسقة ، وظهر الجور ، وكثر الطلاق ، وبدأ الفجور ، وقُبلت شهادة الزور ، وشُربت الخمور ، وركبت الذكور الذكور ، واستغنت النساء بالنساء ، واتَّخِذ الفيء مغنماً ، والصدقة مغرماً ، واتُّقي الأشرار مخالفة ألسنتهم ، وخروج السفياني من الشام ، واليماني من اليمن ، وخسف بالبيداء بين مكَّة والمدينة ، وقتل غلام من آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله بين الركن والمقام ، وصاح صائح من السماء بأنَّ الحقَّ معه ومع أتباعه.

قال : فإذا خرج أسند ظهره إلى الكعبة ، واجتمع إليه ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلاً من أتباعه ، فأول ما ينطق به هذه الآية : ﴿بَقِيَّةُ اللَّـهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(١) ، ثُمَّ يقول : أنا [بقية الله وخليفته وحجَّته عليكم ، فلا يسلّم عليه أحد إلا قال : السلام عليك يا](٢) بقية الله في الأرض ، فإذا اجتمع عنده العقد ـ عشرة آلاف رجل ـ فلا يبقى يهودي ولا نصراني ولا أحد ممَّن يعبد غير الله تعالى إلا آمن به وصدّقه ، وتكون الملَّةُ واحدة ، ملّة الإسلام وكل ما كان في الأرض من معبود سوى الله تعالى تتزل

__________________

(١) سورة هود : ٨٦.

(٢) ما بين المعقوفين من المصدر.

١٣٢

عليه نار من السماء فتحرقه ، والله أعلم(١) . انتهى ما في الصواعق ؛ وإنَّما آثرت نقله بطوله ؛ لكونه أدخل في إثبات الحجَّة وإيضاح المحجّة»(٢) .

قال ابن أبي الحديد في شرحه ، عند قولهعليه‌السلام في آخر الخطبة التي خطبها في المدينة «بنا فتح الله لا بكم ، وبنا يختم لا بكم » : إنه إشارة إلى المهديعليه‌السلام الَّذي يظهر في آخر الزَّمان(٣) .

وما أحسن قوله في إحدى معلقاته :

ولقد عَلِمْتُ بأنه لا بدَّ مِنْ

مَهدِيِّكُمْ ولِيَومِهِ أتوقَّعُ

تحميهِ مِنْ جُندِ الإلهِ کتائِبٌ

کاليمِّ أقبلَ زاخِراً يَتَدَفَّعُ

فيها لآلِ أبي الحديد صوارِمٌ

مشهورَةٌ ورِماحُ خَطٍّ شُرَّعُ

ورجالُ موتٍ مُقدِمون كأنَّهم

أُسُدُ العرينِ الرُّبْدُ لا تَتَكَعْكَعُ

تِلكَ المُنى إمّا أغِبْ عنها فَلِي

نفسٌ تُنازِعُني وشوقٌ يَنزَعُ(٤)

وألطف منه قول الحافظ الشيرازي :

مژده ايدل كه مسيحا نفسي مي آيد

كه انفاس خوشش بوى كسى مي آيد

از غم هجر مكن ناله وفرياد كه من

زده ام فالي وفرياد رسى مي آيد

كس ندانست كه منزل گه معشوق كجاست

اين قدر هست كه بانك جرسي مي آيد

__________________

(١) نور الأبصار : ١٧١ ، ومن طرقنا ورد بالتفصيل في كمال الدین : ٣٣٠ ح ١٦ ، إعلام الوری ٢ : ٢٩١ ، کشف الغُمَّة ٣ : ٣٤٢.

(٢) لم يرد هذا الحديث في صواعق ابن حجر ، وإنما نقل الشبلنجي کلاماً له ـ أعني السابق ـ وتبعه بحديث أبي جعفر الباقرعليه‌السلام ، فظنّ المؤلِّفرحمه‌الله أنه من كتاب الصواعق المحرقة ، فلاحظ.

(٣) وردت في مقدمة التحقيق لشرح نهج البلاغة ١ : ١٤.

١٣٣

ولعلَّ الحكمة في نزول عيسىعليه‌السلام واقتدائه به في صلاته ، أنَّ ملوك الأرض من الكفَّار كلّهم اُمّة عيسىعليه‌السلام كما هو المشاهد الآن ، فإذا نزلعليه‌السلام وكان من أعوانهعليه‌السلام ورأوه يصلّي خلفه وهم يعرفونه أنه عيسی ، فتحصل لهم الرغبة في الإيمان به وقبول أوامره ، وفيه من المصالح مالا يخفی ، فتدبّر.

هداية ، فيها مطلبان

المطلب الأول

[في سبب غيبتهعليه‌السلام ]

إن قيل : ما السبب في غيبتهعليه‌السلام ، وما الوجه فيها؟

فالجواب : السبب من الأعداء والخصوم ، فإنَّ الواجب عليه تعالی إعلامهم به ، وقد فعل ما وجب عليه من تتميم اللُّطف.

وقد يقال : إنَّ السبب فيها استخلاص النطف التي يحصل منها أهل الإيمان من أصلاب أهل النفاق ، فإنّ بسط اليد يقتضي القيام بالسيف الموجب لقتل أهل الخلاف ، فيفوت بقتلهم وجود تلك الذراري الصالحة من أصلابهم ، هذا مع ضبط القواعد الكلّية الشرعية في غيبته ، فمتى تعذّر الانتفاع به في الجزئيات بقي الانتفاع به في الكلّيات المهمة ـ التي هي الأُصول بحالها ـ فإنه الحافظ للشريعة ، والعالم بقوانينها ، والعارف بأحكامها ، فبقاؤه مستلزم لبقائها وحفظها عن التغيّر والزوال ؛ وذلك هو الأصل في وجوب نصبه في الحكمة الإلهية.

وأمّا تصرفه في الأحكام الجزئية ، وإنفاذ السياسات ، وإصلاح أفراد النوع ، فربّما منع منه تغلّب الظلمة ، ورُوي عن الحسينعليه‌السلام أنه كان يوم الطف إذا حمل

١٣٤

على عسكر ابن زياد يقتل بعضاً ويترك بعضاً [مع تمكُّنه من قتلهم](١) ، فقيل له في ذلك ، فقالعليه‌السلام : «كُشف عن بصري ، فأبصرت النطف التي في أصلابهم فعرفت من يخرج من أهل الإيمان ، فتركته عن القتل لاستخلاص تلك الذرِّية»(٢) .

وهذا شأن أهل الولاية في تدبير أمور الخلق.

المطلب الثاني

(تفسير مراتب الأئمّةعليهم‌السلام )

في ذكر مراتب الأئمّة صلوات الله عليهم أجمعين وتفضيل بعضهم على بعض في المرتبة ، فنقول : لا ريب أنَّ مولانا أمير المؤمنينعليه‌السلام أفضل من الحسن والحسينعليهما‌السلام ، والأخبار في ذلك مشحونة ، وأنه بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خير خلق الله ، وسيد من دخل في عالم الوجود.

ومختصر الدليل على ذلك أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خير خلق الله بالكتاب والسنَّة وإجماع المسلمين ، وعليعليه‌السلام نفس النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بنصّ القرآن في قوله تعالى: ﴿وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ(٣) ، ولا ريب أنه ليس المراد أن نفسهعليه‌السلام نفسهصلى‌الله‌عليه‌وآله حقيقة ، فالمراد المساواة معه في جميع الخصوصيات سوى النبوة ، بقاعدة أنه إذا تعذَّرت الحقيقة فالمراد أقرب المجازات ، وتذكّر هنا البيت من القصيدة المتقدِّمة لجدّي بحر العلومرحمه‌الله في ردّ مروان بن أبي حفص حيث يقول :

__________________

(١) ما بين المعقوفين منا لإتمام المعنى.

(٢) أسرار الشهادة ٣ : ١٥.

(٣) سورة آل عمران : من آية ٦١.

١٣٥

عليٌّ أبونا کانَ کالطُّهرِ جدّنا

لَهُ ما لَهُ إلَّا النُّبوَّة مِنْ فَضْلِ

ويدل على ذلك أيضاً قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله في الحسنين حين حملهما : «نعم الراكبان وأبوهما خير منهما »(١) .

وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «يا علي ، ما عرف الله إلا أنا وأنت ، ولا عرفني إلا الله وأنت ، ولا عرفك إلا الله وأنا »(٢) ، صريح بأنهعليه‌السلام لا يعرفه إلا الله ورسوله ، فيكون الحسنانعليهما‌السلام قاصرين عن رتبة ذات عليعليه‌السلام .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «أنت نفسيَ التي بين جنبيّ »(٣) تبعاً للآية الشريفة(٤) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «أنت منّي بمنزلة الروح من الجسد »(٥) .

والحسنعليه‌السلام أفضل من الحسينعليه‌السلام ، ومن الأدلة على ذلك ما رواه الصدوقرحمه‌الله في كتاب (إكمال الدين) بإسناده إلى هشام بن سالم ، قال : «قلت للصادقعليه‌السلام : الحسنعليه‌السلام أفضل أم الحسينعليه‌السلام ؟ فقال : الحسنعليه‌السلام أفضل من الحسين. قلت : فكيف صارت الإمامة من بعد الحسينعليه‌السلام في عقبه دون ولد الحسنعليه‌السلام ؟ فقال : إنَّ الله تبارك وتعالى لم يرد ذلك إلا أن يجعل سنّة موسی وهارون جارية في الحسن والحسينعليهما‌السلام ، ألا ترى أنهما كانا شريكين في

__________________

(١) علل الشرائع ١ : ١٧٤ ، ذخائر العقبی : ١٣٠.

(٢) ورد في مختصر بصائر الدرجات : ١٢٥ ، المحتضر : ٧٨ ، تأويل الآيات ١ : ١٣٩ ، مدينة المعاجز ٢ : ٤٣٩ ، والمؤلفرحمه‌الله أورده بتقديم وتأخير في النص ، وما أثبتناه من المصادر.

(٣) ورد في المصادر الحديثية في كل من : الشهب الثواقب لرجم شياطين النواصب : ١٠٦ ، الخصائص الفاطمية للكجوري ١ : ٥٢٢ ، اللمعة البيضاء : ٥٩.

(٤) أي : آية المباهلة.

(٥) مشارق أنوار اليقين : ٢٥٦.

١٣٦

النبوة ، كما كان الحسن والحسينعليهما‌السلام شريكين في الإمامة ، وأنَّ الله عزَّ وجلَّ جعل النبوة في ولد هارون ولم يجعلها في ولد موسى وإن كان موسى أفضل من هارون»(١) .

وأمّا فضل الحسن والحسينعليهما‌السلام على الأئمّة التسعةعليهم‌السلام فيحديث «سيدا شباب أهل الجنة»(٢) ، خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعليعليه‌السلام بالنص ، وبقي كلٌّ من سواهما وهو ممَّا عليه الإجماع.

وأمّا فاطمةعليها‌السلام ، فاختلف العلماء في شأنها ، فقال قوم : إنها بعد عليعليه‌السلام أفضل من بنيها الأحد عشرعليهم‌السلام .

وقال قوم : إنها بعد الحسن والحسينعليهما‌السلام أفضل من التسعةعليهم‌السلام .

وقال آخرون : إن الأئمّة الاثني عشر كلّهم أفضل منها. وسبب الاختلاف اختلاف الروايات ، والَّذي يترجَّح عندنا أن فضلها بعد الأئمّة الاثني عشر ، ويدلّ عليه قوله تعالى : ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ(٣) ، وهو عام لا يلزم منه ترجيح كل ذکر عليها ؛ ولما ورد عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وبعض الأئمّةعليهم‌السلام أنها أفضل نساء العالمين(٤) ، ولم يرد أنها أفضل الرجال من العالمين.

ولما رواه الصدوقرحمه‌الله في (الفقيه) ، في ما أوصى محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله علياًعليه‌السلام : «يا علي ، إنَّ الله عزَّ وجلَّ أشرفَ على الدنيا ، فاختارني منها على رجال العالمين ،

__________________

(١) کمال الدين : ٤١٦ ح ٩.

(٢) ورد الحديث في : قرب الإسناد : ١١١ ح ٣٨٦ ، الأمالي : ١١٢ ، الخصال : ٣٢٠ ح ١ وغيرها في غير ها.

(٣) سورة آل عمران : من آية ٣٦.

(٤) ينظر : شرح الأخبار ١ : ١١٩ ، ٣ : ٦٤.

١٣٧

ثُمَّ أطَّلع ثانية ، فاختارك على رجال العالمين ، ثُمَّ اطَّلع الثالثة ، فاختار الأئمّةعليهم‌السلام من ولدك على رجال العالمين ، ثُمَّ اطَّلع الرابعة ، فاختار فاطمةعليها‌السلام على نساء العالمين»(١) ، وهو مشعر بتفضيلهم عليها.

وأمّا أفضلية القائمعليه‌السلام ، فمن تتبع الأخبار والأدعية ، مثل دعاء الندبة المرويّ عن الصادقعليه‌السلام (٢) لم يُشك أنه أفضل التسعة من ذرِّية الحسينعليه‌السلام ، قالعليه‌السلام في جملة ما قال في الدعاء المزبور : «اللهُمَّ ونحن عبيدك التائقون إلى وليّك ، المذكّر بك وبنبيِّك ، خلقته لنا عصمة وملاذاً ، وأقمته لنا قواماً ومعاذاً ، وجعلته للمؤمنين منَّا إماماً ، فبلغه منَّا تحية وسلاماً ، وزدنا بذلك يا ربّ إكراماً ، واجعل مستقره لنا مستقراً ومقاماً ، وأتمم نعمته بتقديمك إيَّاه أمامنا حَتَّى توردنا جنانك ، ومرافقة الشهداء من خلصائك »(٣) .

وممَّا صُرّح به من الأحاديث ما رواه الفاضل المقداد في شرح باب الحادي

عشر : «تسعة من ذرِّية الحسين عليه‌السلام تاسعهم قائمهم ، أعلمهم »(٤) .

وفي رواية اُخرى : «تاسعهم قائمهم ، أعلمهم ، [أحكمهم] (٥) ، أفضلهم »(٦) .

__________________

(١) من لا يحضره الفقيه ٤ : ٣٧٤.

(٢) نصّ على ذلك العلّامة المجلسيرحمه‌الله في زاد المعاد : ٣١٠ باب زيارة صاحب الزَّمانعليه‌السلام ، وتبعه الإصفهاني في مکيال المکارم ٢ : ٨٦ ، ولم ينصّ على ذلك غيره ، وإلا فالدعاء ورد في مزار المشهدي عن كتاب محمّد بن أبي قرّة نقلاً من كتاب أبي جعفر محمّد بن الحسين بن سفيان البزوفري دون تصريح بأنه للإمام الصادقعليه‌السلام ، فلاحظ.

(٣) مزار المشهدي : ٥٧٣ / ٢ ، إقبال الأعمال ١ : ٥٠٤.

(٤) كذا والوارد في النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر : ١١٥ ، نصّه : (النص من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فمن ذلك قوله للحسينعليه‌السلام : «هذا ولدي الحسين ، إمام ابن إمام ، أخو إمام ، أبو أئمة تسعة ، تاسعهم قائمهم ، أفضلهم»).

(٥) ما بين المعقوفين من المصدر.

(٦) مقتضب الأثر : ٨ ، تقريب المعارف : ١٨٢.

١٣٨

وفي حديث الوصية في قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لعليعليه‌السلام في أمر الوصية : «وأنا دنيا اليك يا علي ، وأنت تدفعها إلى وصيّك ، ويدفعها وصيّك إلى أوصيائك من ولدك واحداً بعد واحد ، حَتَّی تُدفع إلى خير أهل الأرض بعدَك » الحديث(١) .

خرج من عموم قوله بعدك تفضيل الحسنينعليهما‌السلام بما عرفت من حديث السيادة وبقي من سواهما.

لا يقال : إنّا إذا سلَّمنا واعتقدنا أن بعضهمعليهم‌السلام أفضل من بعض ، فما وجه ما ورد في بعض الأخبار أنهم قالوا : «إنّا كلَّنا خلقنا من نور واحد وطينة واحدة ». وورد : «إنّا كلّنا سواء ، أولنا محمّد وأوسطنا محمّد وآخرنا محمّد ، وكلّنا محمّد ، فلا تفرَّقوا بيننا »(٢) . وأمثال ذلك.

لأنا نقول : إن المراد التساوي في الفضيلة على الغير ، وهو لا يستلزم المساواة بينهم ، أو أنهمعليهم‌السلام أرادوا أنهم متساوون فيما يحتاج إليه جميع الخلق ، فكلّهم فيهم الكفاية في مرحلة الهداية ، وإراءة الطرق(٣) وتبلیغ أحكام سيّد الأنام ، وإن تفاضلوا في درجات أنفسهم ، وفيما يختصون به من معرفة الله سبحانه كما سمعت من قول النبي : «ولا يعرف الله إلا أنا وأنت ».

__________________

(١) الأمالي للصدوق : ٤٨٨.

(٢) الغيبة للنعماني : ٨٧ ح ١٦ ، المحتضر : ٢٧٧ ، بحار الأنوار ٢٦ : ١٦.

(٣) كذا ، والظاهر مراد المؤلفرحمه‌الله طرق الهداية أو طرق الأحكام.

١٣٩

وروى الحسن بن سليمان الحِلّي في مختصر کتاب سعد بن عبد الله الأشعري بإسناده عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : «قلنا له : الأئمة بعضهم أعلم من بعض؟ فقال : «نعم ، وعلمهم بالحلال والحرام وتفسير القرآن واحد »»(١) .

هذا ، وأنت خبير بأن مقتضى آية المباهلة وحسب ما أشرنا إليه أفضلية عليعليه‌السلام على سائر الأنبياء حَتَّى اُولي العزم منهم ، عدا نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ إذ لا مانع من مشارکتهعليه‌السلام معهصلى‌الله‌عليه‌وآله في هذه الخصوصية.

ويدل عليه ما هو المتفق عليه بين الفريقين من أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : «من أراد أن ينظر إلى نوح في عزمه ، وإلى آدم في علمه ، وإلى إبراهيم في حلمه ، وإلى موسى في فطنته ، وإلى عيسى في زهده ، فلينظر إلى علي بن أبي طالب ». رواه ابن أبي الحديد في شرحه ، عن أحمد بن حنبل في المسند ، وعن أحمد البيهقي في صحيحه(٢) ، والدلالة على المطلوب واضحة ، فإن كل واحد منهمصلى‌الله‌عليه‌وآله امتاز عن سائرهم بخصلة واحدة من هذه الخصال فمن اجتمعت فيه جميعها يكون أفضل من جميعهم.

وما في (تفسير النيشابوري) من أنه : (كما انعقد الإجماع بين المسلمين على أن محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله أفضل من سائر الأنبياء ، فكذلك انعقد الإجماع بينهم على أن النبي أفضل ممَّن ليس بنبي)(٣) .

فهو جواب عار من الصواب ؛ لأنَّ ترجيحه على خصوص من عدا النبي يلزم مساواته مع سائر الأنبياء في الرتبة وهو خلاف ضروري للمسلمين.

__________________

(١) مختصر البصائر : ٧٣ ح ٢١.

(٢) شرح نهج البلاغة ٩ : ١٦٨ ، كنز العمال ١١ : ٦٣٤ نحوه.

(٣) تفسير النيسابوري ٢ : ١٧٩.

١٤٠

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

381

382

383

384

385

386

387

388

389

390

391

392

393

394

395

396

397

398

399

400

401

402

403

404

405

406

407

408

409

410

411

412

413

414

415

416

417

418

419

420

421

422

423

424

425

426

427

428

429

430

431

432

433

434

435

436

437

438

439

440

441

442

443

444

445

446

447

448

449

450

451

452

453

454

455

456

457

458

459

460

461

462

463

464

465

466

467

468

469

470

471

472

473

474

475

476

477

478

479

480

481

482

483

484

485

486

487

488

489

490

491

492

493

494

495

496

497

498

499

500

501

502

503

504

505

506

507

508

509

510

511

512

513