تحفة العالم في شرح خطبة المعالم الجزء ٢

تحفة العالم في شرح خطبة المعالم7%

تحفة العالم في شرح خطبة المعالم مؤلف:
المحقق: أحمد علي مجيد الحلّي
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 513

الجزء ١ الجزء ٢
  • البداية
  • السابق
  • 513 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 12108 / تحميل: 1519
الحجم الحجم الحجم
تحفة العالم في شرح خطبة المعالم

تحفة العالم في شرح خطبة المعالم الجزء ٢

مؤلف:
العربية

1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

قال ابن الأثير : (الحسدُ أن يرى الرجل لأخيه نعمة ، فيتمنَّى أن تزول عنه ، وتكون له دونه.

والغبط : أن يتمنَّى أن يكون له مثلها ، ولا يتمنَّى زوالها عنه) ، انتهى(١) .

قلت : أمّا الأول فحرام مطلقاً كما هو المنقول عن المشهور ، أو إظهاره كما يظهر من بعض الأخبار ، ففي مرفوعة النَّهدي عن أبي عبد اللهعليه‌السلام المروية في آخر أبواب الكفر والإيمان من اُصول الكافي ، قال : «قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : وُضع عن اُمَّتي تسع خصال : الخطأ ، والنسيان ، وما لا يعلمون ، وما لا يطيقون ، وما اضطُرّوا إليه ، وما استُكرِهوا عليه ، والطَيَرة ، والوسوسة في التفكُّر في الخلق ، ابوالحسن ما لم يظهر بلسان أو يد »(٢) .

وروي : «ثلاث لا يسلم منها أحد : الطَيَرة ، والحسد ، والظن. قيل : فما نصنع؟ قال : إذا تطيرت فامضِ ، وإذا حسدت فلا تبغِ ، وإذا ظننت فلا تحقّق »(٣) .

والبغي عبارة عن استعمال الحسد ؛ ولذا عَدَّ في الدروس من الكبائر ـ في باب الشهادات ـ بغضَ المؤمن وإظهار الحسد ، لا نفسَه(٤) .

وبالجملة : ففي كثير من أخبار الحسد إشارة إلى ذلك ولعله الأظهر ، فإنَّ العقاب على حالة الحسد التي هي من القهريات مناف لقواعد العدل ، وإن دلَّت حلى خبث سريرة الحاسد ، وعلى كل حال فيستثنى من ذلك نعمة أصابها فاجر أو کافر ، وهو يستعين بها على تهييج الفتنة ، وإفساد ذات البين ، وإيذاء الخلق ، فلا

__________________

(١) النهاية في تقريب الحديث ١ : ٣٨٣.

(٢) الكافي ٢ : ٤٦٣ ح ٢.

(٣) الفائق في غريب الحديت ٢ : ٣١٢.

(٤) الدروس ٢ : ١٢٦.

٣٤١

يضرّ کراهتك لها ، ومحبَّتك لزوالها ، فإنَّك لا تحبُّ زوالها من حيث إنَّها نعمة ، بل من حيث إنَّها آلة الفساد ، ولو أمنت فساده لم يغمَّك تنعُّمه(١) .

ثُمَّ إن الحسد من الأمراض العظيمة للقلوب ، ولا تداوي أمراض القلوب إلا بالعلم والعمل ، والعلم النافع لمرض الحسد هو أن تعرف تحقيقاً أنَّ الحسد ضرر عليك في الدنيا والدين ، وأنه لا ضرر به على المحسود في الدين والدنيا ، بل يستقع به في الدين والدنيا ، ومهما عرفت هذا عن بصيرة ، ولم تكن عدوَّ نفسك وصديق عدوَّك ، فارقت الحسد لا محالة.

أمّا كونه ضرراً عليك في الدين ، فهو أنَّك بالحسد سخطت قضاء الله تعالى ، وكرهت نعمته التي قسّمها لعباده ، وعدله الَّذي أقامه في ملکه بخفي حكمته ، واستنكرت ذلك واستبشعته ، وهذه جناية على حدقة التوحيد ، وقذى في عين الإيمان(٢) .

وأمّا كونه ضرراً عليك في الدنيا ، فهو أنه تتألم بحسدك وتتعذّب به ، ولا تزال في كدر وغمّ بما تراه في عدوك من نعمة أو بليَّة منصرفة عنه ، فتبقى محزوناً متشعِّب القلب ، ضیِّق النفس ، كما تشتهيه لعدوِّك ، كما قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : «لله در الحسد ، حيث بدأ بصاحبه فقتله ».

وأمّا أنه ينتفع المحسود في الدين والدنيا فواضح ، أمّا الأول فهو أنه مظلوم من جهتك ولا سيّما إذا أخرجك الحسد إلى القول والفعل بالغيبة ، والقدح فيه ، وهتك الستر ، وذكر المساوئ ، فتكون بذلك مهدياً إليه حسناتك حَتَّى تلقاه يوم

__________________

(١) بحار الأنوار ٧٠ : ٢٣٨ في معنى الحسد.

(٢) بحار الأنوار ٧٠ : ٢٤١ في معنى الحسد.

٣٤٢

القيامة وأنت مفلس مخروم من النعمة كما حُرّمت في الدنيا ، فأضفت له نعمة إلى نعمته ، ولنفسك شقاوة إلى شقاوتها(١) .

وإمّا الثاني : فهو أن أهم أغراض الخلق مساءة الأعداء ، وغمُّهم ، وشقاوتهم ، وکونهم معذَّبين مغمومين ، ولا عذاب أعظم ممَّا أنت فيه من ألم الحسد ، وغاية أماني أعدائك أن يكونوا في نعمة ، وأن تكون في غمٍّ وحسرة(٢) .

ومن نوابغ الحكم : (الحسد حسكٌ من تعلَّق به هلك )(٣) .

ولبعضهم ، شعر :

اصبر على حسد الحسود

فإنَّ صبرَكَ قاتِلُهْ

كالنارِ تأكلُ بعضَها

إنْ لمْ تَجِدْ ما تأكُلُهْ(٤)

وقال آخر :

أيا حاسداً لي على نعمتي

أتدري على مَنْ أسأتَ الأدَبْ

أسأتَ على اللهِ في حُكْمِهِ

لأنَّك لم تَرْضَ لي ما وَهَبْ

فجازاك ربِّي بأنْ زادني

وسدَّ عليكَ وُجوهَ الطَّلب(٥)

__________________

(١) بحار الأنوار ٧٠ : ٢٤١ وما بعدها في معنى الحسد.

(٢) بحار الأنوار ٧٠ : ٢٤٢ في معنى الحسد.

(٣) الدر المختار ١ : ٢٤ ، والحسك : جمع حسكة ، شوكة صلبة معروفة.

(٤) نسب الشعر لابن المعتز كما في تفسير الآلوسي ٣٠ : ٢٨٤ والكنى والألقاب ١ : ٤٠٩ ، ونسبه الباعوني في جواهر المطالب ٢ : ١٢٦ لأمير المؤمنينعليه‌السلام .

(٥) الشعر ورد باختلاف ونسب لمنصور الفقيه كما في تفسير الثعلبي ٣ : ٣٣٠ وتفسير القرطبي ٥ : ٢٥١ ، وللمعافى بن زكريا الجريري كما في تاريخ بغداد ١٣ : ٢٣١ ووفيات الأعيان ٥ : ٢٢٢.

٣٤٣

وحكى صاحب الطرائف : (أن رجلاً من العرب دخل على المعتصم ، فقرّبه وأدناه وجعله نديمه ، وصار يدخل على حريمه من غير استئذان ، وكان له وزير حاسد فغار من البدوي وحسده وقال في نفسه : إن لم أحتل على هذا البدوي في قتله أخذ بقلب أمير المؤمنين وأبعدني منه.

فصار يتلطّف بالبدوي حَتَّى أتى به إلى منزله ، فطبخ له طعاماً ، وأكثر فيه من الثوم ، فلمَّا أكل البدوي منه ، قال : احذر أن تقرب من أمير المؤمنين ، فيشمّ منك رائحة الثوم ، فيتأذى من ذلك ، فإنه يكره رائحته.

ثُمَّ ذهب الوزير إلى أمير المؤمنين ، فخلا به وقال : يا أمير المؤمنين ، إن البدوي يقول عنك للناس : إن أمير المؤمنين أبخر ، وهلكت من رائحة فمه.

فلمَّا دخل البدوي على أمير المؤمنين جعل كمّه على فمه ؛ مخافة أن يُشمَ منه رائحة الثوم ، فلمَّا رآه أمير المؤمنين وهو يستر فمه بكمه ، قال : إن الَّذي قاله الوزير عن هذا البدوي صحيح! فكتب أمير المؤمنين كتاباً إلى بعض عماله يقول له فيه : إذا وصل إليك كتابي هذا ، فاضرب رقبة حامله.

ثُمَّ دعا بالبدوي ودفع إليه الكتاب ، وقال له : امض به إلى فلان وايتني بالجواب ، فامتثل البدوي ما رسم به أمير المؤمنين وأخذ الكتاب وخرج به من عنده ، فبينما هو بالباب إذ لقيه الوزير فقال : أين تريد؟

فقال : أتوجَّه بكتاب أمير المؤمنين إلى عامله فلان. فقال الوزير في نفسه : إنَّ هذا البدوي يحصل له من هذا التقليد مالاً جزيلاً.

فقال له : يا بدوي ما تقول فیمن يريحك من هذا التعب الَّذي يلحقك في سفرك ويعطيك ألفي دينار؟

فقال : أنت الكبير وأنت الحاكم ، مهما رأيته من الرأي أقبل(١) .

__________________

(١) في المصدر : (أفعل).

٣٤٤

قال : أعطني الكتاب ، فدفعه إليه ، فأعطاء الوزير ألفي دينار ، وسار بالكتاب إلى المكان الَّذي هو قاصده ، فلمَّا قرأ العامل الكتاب أمر بضرب رقبة الوزير ، فبعد أيام تذكّر الخليفة في أمر البدوي وسأل عن الوزير ، واُخبر بأن له أياماً ما ظهر ، وأن البدوي بالمدينة مقيم ، فتعجَّب من ذلك وأمر بإحضار البدوي ، فحضر فسأله عن حاله ، فأخبره بالقصة التي اتفقت له مع الوزير من أولها إلى آخرها ، فقال له : أنت قلت عني للناس : إنّي أبخر.

فقال : معاذ الله يا أمير المؤمنين أن أتحدث بما ليس به علم ، وإنما كان ذلك مكرً منه وحسداً ، وأعلمه كيف دخل إلى بيته أطعمه الثوم وما جرى له معه.

فقال أمير المؤمنين : قاتل الله الحسد ما أعدله ؛ بدأ بصاحبه فقتله ، ثُمَّ خلع على البدوي واتّخذه وزيراً ، وراح الوزير بحسده)(١) .

وأمّا الثاني : أعني عنوان الغبطة ـ فلا بأس به ـ بل هو راجع ، وهو مثل من وجد درجة من الكمال يسأل الله تعالى ويطلب منه التوفيق لما فوقها.

[د] ـ «واُذنه الفهم » : فإن من خوطب بما لا يفهم كمن خوطب بما لا يسمع ، فالعلم بلا فهم كالإنسن بلا اُذن.

[هـ] ـ «ولسانه الصدق » : فإنَّ من أعظم فوائد اللّسان انتفاع الناس بمنطقه ، وإذا لم يكن صادق اللهجة فلا يُعتمد على قوله ، ولا يُعتمد بشيءٍ من منطقه ؛ فيكون كمن لا لسان له.

وفي الكافي بإسناده عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : «إنَّ الله عزَّ وجلَّ لم يبعث نبياً إلّا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة إلى البرّ والفاجر »(٢) .

__________________

(١) المستطرف في كل فن مستظرف : ٢٩٥.

(٢) الكافي ٢ : ١٠٤ ح ١.

٣٤٥

وبإسناده عنهعليه‌السلام أيضاً ، قال : «إنَّما سُمّي إسماعيل صادق الوعد ؛ لأنه وعد رجلاً في مكان ، فانتظره في ذلك المكان سنة ، فسمّاه الله عزَّ وجلَّ صادق الوعد »

ثُمَّ قال : «إن الرجل أثاه بعد ذلك فقال له إسماعيل : مازلت منتظراً لك »(١) .

وفيه أيضاً بإسناده عن زياد الصيقل ، قال : قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : «من صدق لسانه زکی عمله ، ومن حسنت نيَّته زيد في رزقه ، ومن حَسًن برّه بأهل بيته مُدَّ له في عمره »(٢) .

وفيه من الدلالة على رفعة درجة الصادقين عند الله عزَّ وجلَّ ما لا يخفی ، وقال الله تعالى : ﴿هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ(٣) ، وقال تعالى : ﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ(٤) فمدحهم وبيّن لهم المغفرة والأجر العظيم.

وعن طريق العامة ، عن عائشة قالت : سألت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بِمَ يعرف المؤمن؟ قال : «بوقاره ، ولين کلامه ، وصدق حديثه »(٥) .

قيل : (لكلّ شيء حلية ، وحلية النطق الصدق )(٦) .

قال ارسطو طاليس : (أحسن الكلام ما صدق فيه قائله ، وانتفع به سامعه )(٧) .

__________________

(١) الكافي ٢ : ١٠٥ ح ٧.

(٢) الكافي ٢ : ١٠٥ ح ١١.

(٣) سورة المائدة : من آية ١١٩.

(٤) سورة الأحزاب : من آية ٣٥.

(٥) الاستذکار ٨ : ٥٧٤.

(٦) لم أهتد إلى مصدر هذا القول.

(٧) لم أهتد إلى مصدر هذا القول.

٣٤٦

وقال عامر العدواني في وصيَّته : (إنّي وجدت صدق الحديث طرفاً من الغيب ، فاصدقوا )(١) .

يعني : من لزم الصدق وعوّده لسانه وُفّق فلا يكاد ينطق بشيء يظنه إلا جاء على ظنَّه ، وما أحسن ما قيل في ذلك :

عليكَ بالصدقِ ولو أنَّه

أحرقَكَ الصّدقُ بنار الوعيدْ

وابغِ رضا المولى فأغبى الورى

مَنْ أسخَطَ المولى وأرضى العَبيدْ(٢)

وقال فضيل : (ما من مضغة أحبّ إلى الله تعالى من اللّسان إذا كان صدوقاً ، ولا مضغة أبغض إلى الله تعالى من اللّسان إذا كان كذوباً )(٣) .

[و] ـ «وحفظه الفحص » : يعني البحث والتفتيش ؛ إذ بذلك يحفظ من الضِّياع والنسيان.

[ز] ـ «وقلبه حسن النيَّة » : فكما أنَّ الرجل إذا كان صحيح القلب تصحُّ معه حركاته وسائرُ جوارحه وأعضائه ، وتترتَّب عليها ما هو المطلوب منها ، كذلك إذا حسنت نيَّته يحسن عمله ، ويترتَّب عليه ما هو غرضه من العلم ـ أعني الحياة الأبدية ـ فالعلم العاري عن ذلك كالإنسان العاري عن القلب فلا حياة له.

[ح] ـ «وعقله معرفة الأشياء والأُمور » : فكما أن قوام الإنسان بعقله ، كذلك قوام العلم بمعرفة الأشياء والأُمور ، والمراد من الأُمور الدنيا وفناؤها ، وما يوجب الزهد فيها ، والإعراض عنها ، والتوجَّه إلى الحق.

__________________

(١) لم أهتد إلى مصدر هذا القول.

(٢) نسب للحريري كما في كشف الخفاء ١ : ٤٥.

(٣) لم أهتد إلى مصدر هذا القول.

٣٤٧

[ط] ـ «ويده الرحمة » : فكما أنَّ اليد الجارحة وسيلة إلى إيصال النعمة التي هي من الفواضل ، كذلك الرحمة من العالم على المحتاجين إليه في العلم ، فإنَّها وسيلة لإيصال النعمة التي هي من الفضائل بالنسبة إلى من يتعلَّم ، فإنَّ العلم مع عدم الرحمة بالمعنى المذكور كالَّذي لا يد له ، وقد قدَّمنا ما يناسب المقام في شرح الحديث الثالث عشر.

[ي] ـ «ورجله زيارة العلماء » : فكما أنَّ المرء يحصّلُ مآربه بسعي رجله ، فكذلك زيارة العلماء بعضهم بعضاً يوجب انتقال العلم من صدر إلى صدر.

[ك] ـ «وهمَّته السلامة » : والمراد بالسلامة إمّا سلامته من المعاصي ، أو سلامة الناس من شرّه وحكمته ـ بفتح الحاء والكاف ـ وهو المحيط من اللّجام المانعة من خروج الدابة عن لاحبِ الطريق(١) ، والتوجُّه إلى خلاف مقصده.

[ل] ـ «ومستقرُّه النجاة من الشكوك والشُّبهات » : فإنَّ العالم لا يستقر في منزله ولا يطمئنّ بعلمه إلّا إذا وصل إلى حد اليقين.

[م] ـ «وقائده العافية » : أي ما يجرُّه إلى نجاته العافية من مرض الجهل ، وسائر الأمراض النفسانية.

[ن] ـ «ومركبه الوفاء بعهد الله تعالی » : والإتيان بما أمر به ، والاجتناب عمّا نهى عنه ؛ فإنه بذلك يصل إلى مقصوده.

[س] ـ «وسلاحه لين الكلمة » : وإنَّما شبَّه لين الكلمة بالسلاح الَّذي هو آلة الدفاع ؛ لأنه يدفع بذلك عن صاحبه سَوْرَةَ المكارة.

__________________

(١) لأحب الطريق : أي واضح الطريق.

٣٤٨

[ع] ـ «وسيفه الرضا » : بالقضاء ، أو بما وقع من عدوِّه بالنسبة إليه عند ملاقاته ، فإن بذلك يندفع عنه المضرَّة العاجلة القريبة ، كما أنَّ بالسيف يُدفع العدو القريب ، رُوي في الكافي بإسناده عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : «رأس طاعة الله الصبر والرضا عن الله فيما أحبّ العبد أو كره ، ولا يرضى عبد عن الله فيما أحبّ أو كره ، إلا كان خيراً له فيما أحبَّ أو كره »(١) .

وفيه أيضاً بإسناده عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : «إنَّ أعلم الناس بالله أرضاهم بقضاء الله عزَّ وجلَّ »(٢) .

وفيه أيضاً بإسناده عن علي بن الحسينعليه‌السلام ، قال : «الصبر والرضا عن الله رأس طاعة الله ، ومن صبر ورضي عن الله فيما قضى عليه فيما أحبّ أو كره ، لم يقض الله عزَّ وجلَّ له فيما أحبّ أو كره إلا ما هو خير له »(٣) .

وفي قوله : «إنَّ أعلم الناس الخ » دلالة على أنَّ الرضا بالقضاء تابع للعلم والمعرفة ، وأنه قابل للشدَّة والضعف مثلهما ؛ وذلك لأنَّ الرضا مبني على العلم بأنه سبحانه قادر ، قاهر ، عدل ، حکيم ، لطيف بعباده لا يفعل بهم إلّا الأصلح ، وأنّه المدبِّر للعالم وبيده نظامه ، فكلّما كان العلم بتلك الأُمور أتمّ كان الرضا بقضائه أكمل وأعظم ، وأيضاً الرضا من ثمرات المحبَّة والمحبّة تابعة للمعرفة إذا كملت المحبّة ، فكلّما أتاه من محبوبه التذّ به ، وهذه أعلى مدارج الكمال.

__________________

(١) الكافي ٣ : ٦٠ ح ١.

(٢) الكافي ٢ : ٦٠ ح ٢.

(٣) الكافي ٢ : ٦٠ ح ٣.

٣٤٩

[ف] ـ «وقوسه المداراة » : فإنَّ القوس آلةٌ يُدفع بها العدوُّ البعيد ، وكذلك حسنُ الخُلُق والمداراة ، فإنَّهما يَدفع بهما صاحبهما المضرَّة الآجلة والعاجلة ؛ إذ من المعلوم أن حُسنَ الخُلُق يمنع صاحبه عن المعاصي المتعلّقة بإيذاء الخلق ، کعقوق الوالدين ، وقطع الأرحام ، والإضرار بالمسلمين ، وإساءة الجار ، فلا يقع منهم إلّا المقابلة بالمثل ـ أعني دفع الضرر وكفّ الأذى عنه ـ.

ففي الكافي بإسناده عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : «ما يقدم المؤمن على الله عزَّ وجلَّ بعمل ـ بعد الفرائض ـ أحبّ إلى الله تعالى من أن يسع الناس بخُلُقه »(١) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «أكثر ما تلجُ به اُمَّتي الجنَّة ، تقوى الله وحُسنُ الخُلُق »(٢) .

وفي المروي بالإسناد عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : «البّر وحسن الخُلق يعمِّران الديار ، ويزيدان في الأعمار »(٣) .

وبالجملة : فحسن الخُلق حالة نفسانية يتوقف حصولها على اشتباك الأخلاق النفسانية بعضها ببعض ، ومن ثُمَّ قيل : هو حسن الصورة الباطنة التي هي صورة النفس الناطقة ، كما أنَّ حسن الخُلق هو حسن الصورة الظاهرة وتناسب الأجزاء ، إلّا أنَّ الأول قَدْ يكون مكسباً كما حقَّقناه سابقاً ، ويُعرف ذلك من الشخص بمخالطة الناس بالجهل ، والتودُّد ، والصلة ، والصدق ، واللُّطف ، والمبرّة ، وحسن الصحبة ، والعشرة ، والمراعاة ، والمساواة ، والرفق ، والحلم ، والصبر ، والاحتمال لهم ، والإشفاق عليهم

__________________

(١) الكافي ٢ : ١٠٠ ح ٤.

(٢) الکافي ٢ : ١٠٠ ح ٦.

(٣) الكافي ٢ : ١٠٠ ح ٨.

٣٥٠

[ص] ـ «وجيشه محاورة العلماء » : فإنَّها تقوِّي علمه وتعينه كمعاونة الجيش للسلطان ، فكما أن السلطان يحفظ ثغوره بالجيوش ، كذلك العالم يحفظ مسالك قلبه من هجمات جيش الجهل ، واستيلاء جنود الشيطان عليها بالمحاورة مع العلماء ، والمذاكرة مع الفضلاء ، فإنَّ لكلّ علم أسراراً لا يطّلع عليها من الكتب ، فيجب أخذها من العلماء ؛ ولهذا قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : «خذ العلم من أفواه الرجال » ونهی عن الأخذ ممَّن أخذ علمه من الدفاتر ، وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لا يغرّنَّكم الصّحفيون » ، وأمرعليه‌السلام بالمحادثة في العلم والمباحثة ، فإنَّها تفيد التفس استعداداً تامّاً لتحصيل المطالب واستخراج المجهولات.

قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «تذاكروا وتلاقَوا وتحدَّثوا ، فإنَّ الحديث جلاء القلوب ، فإن القلوب لَتَرِينُ كما يَرِينُ السيف ، وجلاؤه الحديث ».

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنَّ الله عزَّ وعلا يقول : تذاكُرُ العلم بين عبادي ممَّا تحيى عليه القلوب الميِّتة ، إن هم انتهوا فيه إلى أمري »(١) .

وفي آداب المتعلّمين : (لا بدّ لطالب العلم من المطارحة والمناظرة ، فينبغي أن يكون بالإنصاف ، والتأنّي ، والتأمُّل ، فيحترز عن الشغب والغضب ، فإنّ المناظرة والمذاكرة مشاورة ، إنما يكون لاستخراج الصواب ، وذلك إنَّما حصل بالتأمُّل والإنصاف ، ولا يحصل بالغضب والشغب.

وفائدة المطارحة والمناظرة أقوى من قائدة مجرد التكرار ؛ لأن فيه تكرار مع زيادة.

قيل : (مطارحة ساعة خير من تكرار شهر ) ، لكن إذا كان منصفاً سليم الطبع.

__________________

(١) أوردها العلّامة الحلي في تحرير الأحكام ١ : ٣٩ الفصل السابع.

٣٥١

وإيَّاك والمناظرة مع [متعنّت] غير مستقيم الطبع ، فإنَّ الطبيعة مسترقة ، والأخلاق متعدية ، والمجاورة مؤثّرة) ، انتهى(١) .

[ق] ـ «ومالُهُ الأدب » : لأن بالأدب يحصل له الألفة والمحبة مع معلّمه ومتعلّمه وسائر الناس ، فهو بمنزلة البضاعة له يتّجر به ، والمراد بالذخيرة ما يحرزه لوقت الحاجة ، فإن اجتناب الذنوب نافعة في يوم القيامة.

[ر] ـ «وزادُهُ المعروف » : شبَّهه بالزاد من حيث إنَّ الزاد ما يُتَّخذ للسفر الجسماني ، وبدونه يهلك المسافر ولا يصل إلى كعبة مقصوده ، فكذلك السفر إلى الله لا بدَّ له من زاد روحاني وهو المعروف ـ أعني الأعمال الموافقة لقانون الشرع ـ وضدُّه المنكر ـ أعني الأعمال الخارجة عن قانون الشريعة المحمّدية ـ ومن هنا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنکر واجبین عقلاً ونقلاً.

أمّا الأول ؛ فلأنَّهما لطفٌ ، وهو واجب على مقتضى قواعد العدل.

وأمّا الثاني : فكثير في الكتاب والسُّنة ؛ أمّا الكتاب كقوله تعالى : ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ(٢) .

وقوله تعالی : ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ(٣) .

وأمّا السُّنة فكقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لتأمُرُنَّ بالمعروف ولتنهُنَّ عن المنكر ، أو لَيُسَلِطَنَّ اللهُ شرارَكم على خيارِكم ، فيدعوا خيارُكم فلا يُستجاب لهم ».

__________________

(١) آداب المتعلمين : ٩٥.

(٢) سورة آل عمران : من آية ١٠٤.

(٣) سورة آل عمران : من آية ١١٠.

٣٥٢

ومن طرق أهل البيتعليهم‌السلام فيه ما يقصم الظهر ، فليقف عليه من أراده في فروع الكافي ، ووجوبهما على الكفاية في أجود القولين ؛ للآية السابقة ولأن الغرض شرعاً وقوع المعروف ، وارتفاع المنكر من غير اعتبار مباشر معيَّن ، فإذا حصلا ارتفع وهو معنى الكفائي(١) .

وذهب الشيخ في (المبسوط )(٢) ، وابن حمزة في (الوسيلة ) إلى كونهما من فروض الأعيان(٣) ، استدل عليه بالرواية السابقة ، حيث إنَّ الخطاب فيه للعموم وفيه نظر بیّن ، فإنَّ الواجب الكفائي يُخاطب به جميع المكلَّفين كالعيني ، وإنَّما يسقط عن الكل بقيام البعض ، فجاز خطاب الجميع به ، ولا شبهة على القولين في سقوط الوجوب بعد حصول المطلوب ؛ لفقد شرطه الَّذي منه إصرار العاصي ، وإنما تختلف فائدة القولين في وجوب قيام الكل به قبل حصول الغرض وإن قام به من فيه الكفاية وعدمه.

وما أبعد ما بين هذا القول وما ذهب إليه صاحب (المستند)رحمه‌الله من اختصاص ذلك بالمجتهد ، بتقريب : أنَّ أخبار الأمر بالمعروف وإنْ كانت عامَّة ، إلّا أنَّها مختصّة بمثل خبر مسعدة بن صدقة : «سئل عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أواجب هو على الأُمَّة جميعاً؟ فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : لا ، فقيل له : ولم؟ فقال : إنَّما هو على القويّ المطاع ، العالم بالمعروف من المنكر ، لا على الضعيف الَّذي لا يهتدي سبيلا إلى أن قالعليه‌السلام : والدليل على ذلك كتاب الله عزَّ وجلَّ :

__________________

(١) الروضة البهية ٢ : ٤١٣ باب الأمر بالمعروف.

(٢) كذا والصحيح أنه قاله في النهاية.

(٣) النهاية : ٢٩٩ ، الوسيلة : ٢٠٧.

٣٥٣

﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ(١) ، فهذا خاص غير عام الحديث»(٢) .

قلت : والأقوى جواز ما عدا الحبس حسب مراتبه الأهون فالأهون ، وتخصيص أخباره بخبر مسعدة لا يستلزم ما ذكره ؛ إذ الظاهر منه جوازه بمراتبه لكلّ قوي مطاع عالم وإن لم يكن مجتهداً ، بل يمكن أن يقال بجواز الحبس لغير المجتهد أيضاً ، لكن الأحوط اختصاصه به ، نعم يجوز له الإذن لغيره ، واللّازم على المأذون الاقتصار على مقدار الإذن في الكيفية ، وعلى كل حال فلا يجب ذلك إلّا بشروط أربعة : العلم بأن ما يأمر به معروفاً وما ينهى عنه منكراً ، وأن يجوز تأثير الإنكار ، وأن لا يظهر من الفاعل أمارة الإقلاع ، وأن لا يترتَّب على أحدهما مفسدة. ولو توقَّف على الضرب جاز قطعاً ، وسيأتي ما يدل عليه من کلام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، ولو افتقر إلى الجرح والقتل لم يجز قطعاً إلا بإذن الإمام أو نائبه الخاص أو العام.

[ش] ـ«ومأواهُ المُوادعة» : لهذه الدنيا الفانية وعدم الركون إليها.

[ت] ـ«ودليله الهدی» : كما أنَّ للإنسان المسافر في عالم الجسم دليلاً يدلّه ولولاه لتاه في البيداء ، ونكب عن الطريق فضلّ عن مقصوده ، كذلك للعلم دليل يهدي صاحبة إلى كعبة مقصوده ، وهو هدى الله تعالى بسبب الأنبياء والأوصياء ، ولا بد للمسافر من رفيق حَتَّى قيل : الرفيق ثُمَّ الطريق ، ورفيق العلم محبَّة الأخيار.

__________________

(١) سورة آل عمران : آیة ١٠٤.

(٢) الكافي ٥ : ٥٩ ح ١٦ ، مستند الشيعة ١٧ : ١٧٩.

٣٥٤

الحديث السابع والعشرون

من تعلم العلم وعمل به

[٩٤] ـ قالرحمه‌الله : عنه ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن القاسم بن محمّد ، عن سليمان بن داود المنقري ، عن حفص بن غياث ، قال : قال أبو عبد اللهعليه‌السلام :«من تعلَّم العلم ، وعمل به ، وعلّم لله ، دُعي في ملكوت السموات عظيماً ، فقيل : تعلّمَ لله ، وعَمِلَ لله ، وعلَمَ لله» (١) .

أقول : مرجع الضمير كما تقدّم ، وقد تقدّم شرح كلّ واحد من رجال السند ، فالكلام في شرح المتن :

[أ] ـ الدعاء هنا بمعنى : التسمية ـ أي سُمِّي عظيماً ـ قال في (النهاية) : (دعوته زيداً إذا سمَّيته)(٢) .

[ب] ـ والمراد بملكوت السماء ملكها ، والفاء في (فقيل) للتفصيل والتفسير مثل قوله تعالى : ﴿وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ(٣) ، وبقية فقرات الحديث واضحة لا تحتاج إلى بيان.

[في فضيلة الفقه ومنزلته]

[٩٥] ـ قالرحمه‌الله : «فصل : ولمّا ثبت أنَّ كمال العلم إنَّما هو بالعمل ، تبيّن أنه ليس في العلوم ـ بعد المعرفة ـ أشرف من علم الفقه ؛ لأن مدخليته في العمل أقوى ممَّا سواه ؛ إذ به تعرف أوامر الله فتُمتثل، ونواهيه فتُجتنب ؛ ولأنَّ معلوماته ـ أعني :

__________________

(١) معالم الدين : ٢ ، الكافي ١ : ٣٥ ح ٦.

(٢) النهاية في غريب الحديث ٢ : ١٢١.

(٣) سورة هود : من آية ٤٥.

٣٥٥

أحكام الله تعالى ـ أشرف المعلومات بعد ما ذكر. ومع ذلك فهو الناظم لأُمور المعاش ، وبه يتمُّ كمال نوع الإنسان»(١) .

أقول : المستفاد من عبارة المصنِّفرحمه‌الله تفضيل علم الكلام على علم الفقه ، وهو كذلك عقلاً ونقلاً ، ولا ينافيه جعل العبادة غاية للخلق في قوله تعالى : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ(٢) ؛ إذ لو لم يفسّر بالمعرفة نصّاً أو جمعاً لقلنا : إنَّ العبادة حقّها امتثال المعبود على وجه يليق بما يطلب من الطرق ، لا ما يفعل كيف ما اتَّفق ، وهذا لا يحصل إلا بالمعرفة ، وأن الشرف الذاتي للعلم إنَّما هو بالنظر إلى ضدَّه ـ أعني : الجهل ـ وأمّا تقدم بعضه على بعض في الشرف ، إنَّما يعرض له بالنظر إلى الغير لا بالذات كتقدُّم موضوعه ؛ لأنَّ العلم بحال ما هو أشرف ، أشرف معنى من العلم بحال ما ليس كذلك ، وموضوع علم الكلام هو ذات الباري تعالی ، ولا شكَّ أنَّه أشرف الموجودات ؛ فلذلك كانت له المرتبة الأولى من الشرافة بالنسبة إلى علم الفقه ، وهو أشرف العلوم من بعده.

قال جدّي في الدرة :

وأنَّ علمَ الفقهِ في العلومِ

كالقَمَرِ البازغِ في النُّجوم

بِنورِهِ مِنْ بَعدِ شَمسِ المَعرِفَةْ

معالِمُ الدينِ عدَتْ مُنْكَشِفَةْ(٣)

__________________

(١) معالم الدين : ٢٢.

(٢) الذاريات : ٥٦.

(٣) الدرة النجفية : ٢.

٣٥٦

والمراد بقولهرحمه‌الله :«شمس المعرفة» : معرفة الله تعالی حسب ما ينبغي ، وسائر اُصول الدين والمذهب ممَّا هو مذكور في الكلام ، وحاصل ما استدل به المصنِّفرحمه‌الله على تقدم الفقه على بقية العلوم الإلهية وجوه :

الأول : إن كلّ علم يتبعه عمل ، فكمال ذلك العلم بترتب ذلك العمل عليه ، وحيث إن علم الفقه به تُعرف أوامر الله تعالی ونواهيه ، وبه يعرف أن مخالفتهما توجب العذاب الأليم والوصول إلى الجحيم ، فلا يرتكبه العاقل ، بخلاف سائر العلوم ؛ فإنَّ تخلُّفَ العمل عنها يوجب فوات ما هو الغاية لها من زوال الحياة في الطب مثلاً ، وحفظ اللّسان عن الخطأ في النحو ، وهكذا ، فعلمُ الفقه أقوى في ترتُّب ما هو من شرائط کماله عليه ، وما كان كذلك يكون أشرف ممَّا ليس كذلك.

الثاني : إنَّ معلومات هذا العلم أشرف من معلومات سائر العلوم بعد علم الكلام ، فإنَّها عبارة عن أحكام الحلال والحرام التي هي نوام ي س الشارع المقدّس.

الثالث : إنه الناظم لأُمور المعاش ؛ وذلك لأن كمال الإنسان إمّا بجلب نفعٍ أو بدفع ضرر ، والأول إمّا عاجل أو آجل ، فجلب النافع العاجل : المعاملات ، والأطعمة والأشربة ، والنكاح ، وجلب النافع الآجل : بالعبادات ، ودفع الضرر بالقصاص وما شابهه.

٣٥٧

الحديث الثامن والعشرون

تحديد العلم الحقيقي

[ ٩ ٦] ـ قالرحمه‌الله : وقد روينا بطرقنا ، عن محمّد بن یعقوب ، عن محمّد بن الحسن وعلي بن محمّد ، عن سهل بن زياد ، عن محمّد بن عيسى ، عن عبيد الله بن عباد الله الدِّهقان ، عن درست الواسطي ، عن إبراهيم بن عبد الحميد ، عن أبي الحسن موسیعليه‌السلام ، قال : «دخل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله المسجد فإذا جماعة قَدْ أطافوا برجل ، فقال : ما هذا؟ فقيل : علّامة.

فقال : وما العلّامة؟ فقالوا له : أعلم الناس بأنساب العرب ووقائعها ، وأيام الجاهلية ، والأشعار العربية.

قال : فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ذاك علم لا يضرّ من جهله ، ولا ينفع من علمه.

ثُمَّ قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنَّما العلم ثلاثة : آيةٌ مُحكمة ، أو فريضة عادلة ، أو سُنَّةٌ قائمة ، وما خلاهن فهو فضل»(١) .

أقول : واستيعاب المرام في موضعين :

الموضع الأول

في أحوال رجال السند :

[الترجمة إبراهيم الأنماطي]

إبراهيم : هو ابن عبد الحميد الأسدي الكوفي الأنماطي ، أخو محمّد بن عبد الله بن زرارة لأُمّه(٢) ، الثقة كما صرّح بذلك الشيخ في (الفهرست)(٣) ، ولرواية

__________________

(١) معالم الدين : ٢٢ ، الكافي ١ : ٣٢ ح ١.

(٢) رجال النجاشي : ٢٠ رقم ٢٧.

(٣) الفهرست للطوسي : ٤٠ رقم ١٢ / ١٢.

٣٥٨

الأجلّاء عنه ، وهو مرمي بالوقف ولا يضرّ بوثاقته(١) ؛ ولذا صرّح بوثاقته غير واحد من أهل الفن(٢) ، كابن شهر آشوب(٣) ، والعلّامة والمجلسي ، وصاحب (البُلغَة)(٤) .

الموضع الثاني

في ما يتعلق بشرح المتن :

[أ] ـ«فقال ما هذا» : (ما) للاستفهام وطلب التصوُّر ، وهو على قسمين :

الأول : أن يكون المطلوب بها شرح الاسم ، وهو مقابل التعريف الحقيقي الَّذي هو القسم الثاني المنقسم على أربعة أقسام كما سنذكره ، وحينئذ فالجواب بلفظ دلالته على المطلوب أظهر وأشهر كقولهم : (سعدانة نبت)(٥) ؛ إذ المقصود منه شرح الاسم وإيضاحه ، يعني : تفسیر مدلول اللفظ بما يعيّن مسمَّاه من بین المعاني المخزونة في الخاطر ، وليس فيه تحصیل مجهول من معلوم.

الثاني : أن يكون المطلوب بها بيان ماهيّة الشيء وحقيقته ، سواء أكان ذلك الشيء ذاتاً مثل : (ما الإنسان) ، أم وصفاً مثل : (ما العلم) ، أم مركَّباً منهما مثل : (ما الإنسان العالم) ، وحينئذ فالجواب إمّا بالفصل القريب والجنس القريب ، كقولك :

__________________

(١) خاتمة المستدرك ٤ : ١٩ وفيه تعداد الرواة عنه.

(٢) قال الشيخ الحر العاملي في وسائل الشيعة (ط ـ الإسلامية) ٢٠ : ١٢٠ عنه ما نصّه : (إبراهيم بن عبد الحميد ، ثقة ، له أصل يرويه ابن أبي عمير وصفوان ، وله كتاب النوادر قاله الشيخ وذكره في رجال الصادق والكاظم والرضاعليهم‌السلام وقال : إنه واقفي ، وقال النجاشي : له کتاب يرويه عنه ابن أبي عمير ، ونقل الكَشِّي الوقف عن نصر بن الصباح ، وعن الفضل بن شاذان : أنه صالح ، والعلّامة نقل الجميع ، ولا يخفى ضعف الوقف وعدم ثبوته ، وقد وثّقه ابن شهر آشوب ولم يذكر الوقف).

(٣) المذكور في معالم العلماء : ٤١ رقم ٥ وفي خلاصة الأقوال : ٣١٤ رقم ٦ هو إبراهيم بن صالح الأنماطي الأسدي ، فالخلط في الاشتراك واضح لأولي الألباب.

(٤) الوجيزة في الرجال : ١٤ رقم ٣٠ ، بلغة المحدثین : ٣٢٣.

(٥) سعدانة : نبات ذو شوك يُضرب به المثل في طيبه ، وجمعه السعدان.

٣٥٩

(حيوان ناطق) في جواب (ما الإنسان) ، وإمّا بالفصل القريب والجنس البعيد ، كقولك : (جسم ناطق) في جواب (ما الإنسان) ويُسمَّى الأول : حدّاً تاماً ، والثاني : حدّاً ناقصاً , وإمّا بالخاصة مع الجنس القريب ، كقولك : (حیوان کاتب) أو (ضاحك) في جواب (ما الإنسان) وإمّا بالخاصة مع الجنس البعيد ، كقولك : (جسمٌ نامٍ کاتب) أو (ضاحك) في جواب (ما الإنسان) ، ويسمى الأول : رسماً تامّاً ، والثاني : ناقصاً ، وهذه الأقسام الأربعة مقابل القسم الأول ، فاغتنم.

والظاهر أن المراد هنا هو القسم الثاني الَّذي هو من قسم التعريف الحقيقي ، لأنَّ المقصود هو السؤال عن حقيقة ذلك المتَّصف بالوصف ، الباعث لاجتماع الخلق عليه

[ج] ـ«فقيل : علّامة» : أي هو رجل موصوف بكثرة العلم ، والتاء فيه للمبالغة في وصف العلم ، بناءً على أنَّ كثرة الشيء فرع تحقُّق أصله ، كما أنَّ التأنيث فرع التذكير.

[د] ـ«بأنساب العرب» : هو علم تُعرف به أنساب الناس ، وقواعده الكلّية والجزئية وفائدته الاحتراز عن الخطأ في نسب الإنسان ، وهو علم مشهور طويل الَّذيل ، وقد صنّفوا فيه كتباً كثيرة ، وأحسن من كتب في هذا الفن هو الاهم النسابة هشام بن محمّد بن السائب الكلبي المتوفى سنة ٢٠٤ هـ ، بل هو الَّذي فتح هذا الباب ، وضبط علم الأنساب.

[م] ـ«ذاك علم لا يضرّ من جهله» : أرادصلى‌الله‌عليه‌وآله التنبيه على أن العلم الحقيقي هو الَّذي يضرّ جهله في الآخرة ، وينفع اقتناؤه في يوم المعاد ، ويُعد الجهل به نقصاً في نظر العلماء ، لا الَّذي يستحسنه العوام ويكون مصيدة للحطام.

٣٦٠

[و] ـ ثُمَّ أخذ في بيان ذلك وحصره في ثلاث :«آية محكمة ، أو فريضة عادلة ، أو سنَّة قائمة» ، وقد اختلفت أراء الأكابر في تفسير هذه الفقرات ، فقال بعضهم : (إنَّ (الآية المحكمة) إشارة إلى اُصول العقائد ، فإنّ براهينها الآيات المحكمات عن العالم ومن القرآن ، وفي القرآن وفي غير موضع : ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ ﴾ أو ﴿لَآيَة(١) ، حيث يذكر دلائل المبدأ والمعاد.

و (الفريضة العادلة) إشارة إلى علوم الأخلاق التي محاسنها من جنود العقل ، ومساوئها من جنود الجهل ، فإنَّ التحلّي بالأول والتخلّي عن الثاني فريضة ، وعدالتها كناية عن توسُّطها بين طرفي الإفراط والتفريط.

و (السنَّة القائمة) إشارة إلى شرائع الأحكام ، ومسائل الحلال والحرام ، وانحصار العلوم الدينية في هذه الثلاثة معلوم)(٢) .

وعن السيِّد الدامادرحمه‌الله : (أنَّ المراد بالفريضة العادلة هو العلم بالشرائع ، والسنن ، والقواعد ، والأحكام في الحلال والحرام ، والمراد من السنَّة القائمة ، هو علم تهذيب الأخلاق ، وتكميل الآداب ، والسفر الى الله تعالی والسير إليه )(٣) .

وقال جدّي الصالح في شرحه : (والأول إشارة إلى التعلم بالمحكمات القرآنية المتعلقة باُصول الدين وفروعه ، وبالمواعظ والنصائح ، والعبرة بأحوال الماضين.

والثاني : إشارة إلى العلم بكيفية العمل ، وجميع الأُمور المعتبرة فيه شرعاً من غير إفراط وتفريط.

__________________

(١) وردت هذه الفقرات في القرآن الكريم في أكثر من موضع يطول سردها.

(٢) ذكر هذا الشرح الفيض الكاشاني في الوافي ١ : ١٣٤ ح ٥٠ / ١ باب صفة العلم ، وهو المراد به بالبعض.

(٣) الوافي ١ : ١٣٣ ح ٥٠ / ١ بالهامش.

٣٦١

والثالث : إلى العلم بالأحاديث التي بعضها في التوحيد وما يليق به ، وبعضها في المعاد وما يناسبه ، وبعضها في الأخلاق وما يتعلَّق بها ، وبعضها في الأحكام وما يُعتبر فيها ، وبعضها في عادات الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمةعليهم‌السلام ) ، انتهى ملخّصاً(١) .

ووجه الحصر في الثلاثة ظاهر ، فإنَّ العلوم النافعة إمّا متعلقة باُصول الدين أو بفروعه ، والثانية إمّا متعلّقة بأعمال الجوارح أو بأفعال القلب عن محاسن الأخلاق ومقابحها.

[ز] ـ«وما خلاهُنَّ فهو فضل» : أي زيادة لا خير فيه في الآخرة ، وإن كان بعضه ممدوحاً في حدِّ ذاته كعلم الرياضي والهندسة(٢) .

__________________

(١) شرح اُصول الكافي ٢ : ٢٣.

(٢) المصدر نفسه.

٣٦٢

الحديث التاسع والعشرون

الفقه في الدين

[ ٩٧] ـ قالرحمه‌الله : عنه ، عن الحسين بن محمّد ، عن معلّی بن محمّد ، عن الحسن بن علي الوشّاء ، عن حمّاد بن عثمان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : «إذا أراد الله بعبدٍ خيراً فَقَّهُه في الدين »(١) .

أقول : مرجع الضمير كما تقدّم ، ورجال السند مذكورون فيما تقدّم ، وأمّا ما يتعلق بشرح المتن ، فقد قال شيخنا البهائيرحمه‌الله :

(ليس المراد بالفقه الفهم ، ولا العلم بالأحكام الشرعية العملية عن أدلتها التفصيلية ، فإنَّه معنی مستحدث ، بل المراد به البصيرة في أمر الدين ، والفقه أكثر ما يأتي في الحديث بهذا المعنى ، والفقيه هو صاحب هذه البصيرة ، وإليها أشار النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بقوله : «لا يفقه العبد كلّ الفقه حَتَّى يمقت الناس في ذات الله ، ويری للقرآن وجوهاً كثيرة » ، ثُمَّ يُقبل على نفسه ، فيكون لها أشدَّ مقتاً) ، انتهى(٢) .

وهو المراد بقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله لأمير المؤمنينعليه‌السلام حين أرسله إلى اليمن :«اللهُمَّ فقّهه في الدين» (٣) ، وقول أمير المؤمنينعليه‌السلام لولده الحسنعليه‌السلام :«وتفقَّه يا بني في الدين» (٤) ، وقوله تعالى : ﴿لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ(٥) حيث جعل العلَّة الغائية من الفقه الإنذار والتخويف ، ومعلوم

__________________

(١) معالم الدين : ٢٢ ، الكافي ١ : ٣٢ ح ٣.

(٢) ذكره عنه المازندرانی فی شرح اُصول الكافي ٢ : ٢٩.

(٣) ذكره المؤرخون في حوادث سنة ١٠ هـ.

(٤) نهج البلاغة ٣ : ٣٩.

(٥) سورة التوبة : ١٢٢.

٣٦٣

أن ذلك لا يترتَّب إلا على معرفة دقائق آفات النفوس ، ومفسدات الأعمال ، والتطلُّع إلى نعيم الآخرة ، ومراتب الخذلان ، والبعد عن رحمة الملك المنَّان(١) .

__________________

(١) ينظر : شرح اُصول الكافي ٢ : ٢٩ وما بعده في شرح الحديث.

٣٦٤

الحديث الثلاثون

الصبر على النائبة

[٩٨] ـ قالرحمه‌الله : عنه ، عن محمّد بن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان ، عن حماد بن عيسى ، عن ربعي بن عبد الله ، عن رجل ، عن أبي جعفرعليه‌السلام ، قال :«الكمالُ كلّ الكمال : التفقُّه في الدين ، والصبر على النائبة ، وتقدير المعيشة» (١) .

أقول : أمّا رجال السند فقد تقدّم ذكرهم جميعاً ، ومرجع الضمير كما تقدّم ، وأمّا شرح المتن :

[أ] ـ«الكمال كلّ الكمال» : أي البالغ حدّ كماله ، وقد عرفت معنى التفقُّه في أمثال هذه الأخبار.

[ب] ـ«والصبر على النائبة» : أي ترك الجزع والشكاية منها إذا نزلت به ، وفيه إشارة إلى أنَّ شدَّة الجزع موجب لنقص الدين ؛ لاستلزامه كراهية قضاء الله ، وسخطه ، وعدم الالتفات إلى ما وعد به من ثواب الصابرين ، حيث قال تعالى : ﴿وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا(٢) ، وهو لمحو الحسنات وسقوط ما يلزمها من ثواب الآخرة ، كما قال أمير المؤمنينعليه‌السلام :«ومن ضرب بيده على فخذه عند المصيبة حبط أجره» (٣) ، وقالعليه‌السلام :«الصبر صبران : صبر على ما تكره ، وصبر عما تحب» (٤) .

ولا ريب أن الأول أشق من الثاني ؛ لأن الأول صبر على مضرَّة نازلة ، والثاني مير علی محبوب متوقَّع لم يحصل.

__________________

(١) معالم الدين : ٢٣ ، الكافي ١ : ٣٢ ح ٤.

(٢) سورة الإنسان : ١٢.

(٣) تحف العقول /٢٣١.

(٤) نهج البلاغة ٤ : ١٤.

٣٦٥

وسئل بزرجمهر في بليَّته عن حاله ، فقال : (هون عليّ ما أنا فيه فکري في أربعة أشياء : أولها أنَّي قلت : القضاء والقدر لابدَّ من جريانهما ، والثاني أنّي قلت : إن لم أصير فما أصنع ، والثالث أنّي قلت : قَدْ كان يجوز أن تكون المحنة أشد من هذه ، والرابع أني قلت : لعلَّ الفرج قريب )(١) .

قال أنوشروان : (جميع أمر الدنيا منقسم إلى ضربين لا ثالث لهما : أمّا ما في دفعه حيلة فالاضطراب دواؤه ، وأمّا ما لا حيلة فيه فالصبر شفاؤه )(٢) .

وكان يقال : (الصبر مر ، لا يتجرعه إلا حر )(٣) .

وكان يقال : (إنَّ للأزمان المحمودة والمذمومة أعماراً وآجالاً كأعمار الناس وآجالهم ، فاصبروا لزمان السوء حَتَّى يفنى عمره ، ويأتي أجله )(٤) .

وكان يقال : (إذا تضيفتك نازلة فأقرِها الصبرَ عليها ، وأكرم مثواها لديك بالتوكُّل والاحتساب لترحل عنك وقد أبقت عليك أكثر ممَّا سلبت منك ، ولا تنسها عند رخائك ، فإن تذكُّرك لها أوقات الرخاء يبعد السوء عن فعلك ، وينفي القساوة عن قلبك ، ويوزعك حمد الله وتقواه )(٢) .

وقال الله : ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّـهِ(٦) .

__________________

(١) شرح نهج البلاغه ١٨ : ١٩٢.

(٢) شرح نهج البلاغة ١٨ : ١٩٢.

(٣) شرح نهج البلاغة ١ : ٣٢٠.

(٤) شرح نهج البلاغة ١٨ : ٩٠.

(٥) شرح نهج البلاغة ١٨ : ٩٠.

(٦) سورة النحل : من آية ١٢٧.

٣٦٦

وقال عليعليه‌السلام :«الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد» (١) ، فإنَّ الإنسان ما دام في تلك النشأة هو مورد للمصائب والآفات ، ومحل للحوادث والنوائب والعاهات ، ومبتلى بتحمُّل الأذى من بني نوع الإنسان في المعاملات ، ومكلّف بفعل الطاعات وترك المنهيات والمشتهيات ، وكل ذلك ثقيل على النفس غير ملائم لطبعها ، فلابد من أن يكون فيه قوة ثابتة وملكة راسخة بها يقدر على حبس النفس على (عن ـ ظ) هذه الأُمور الشاقة ، ورعاية ما يوافق الشرع والعقل فيها ، وترك الجزع والانتقام وسائر ما ينافي الآداب المستحسنة المرضية عقلاً وشرعاً وهي المسمَّاة بالصبر ، ومن البيّن أنَّ الإيمان الكامل ، بل نفس التصديق أيضاً يبقى ببقائه ويفنی بفنائه ؛ فلذلك هو من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد.

وسئل الفضيل عن الصبر؟ قال : (تجرع المرارة من غير تعبيس ).

وقال رويم : (الصبر ترك الشكوى ).

وقال عليعليه‌السلام :«الصبر مطية لا تكبو» .

وقف رجل على الشبلي فقال : (أيّ صبر أشدُّ على الصابرين؟ الصبر في الله تعالی؟

فقال : لا ، قال : فالصبر لله تعالی.

فقال : لا ، قال : الصبر مع الله تعالی.

فقال : لا ، قال فأي شيء؟ فقال : الصبر عن الله ، فصرخ الشبلي صرخة عظيمة ووقع).

__________________

(١) نهج البلاغة ١١ : ٢٠٢.

٣٦٧

ويقال : (إن الشبلي حُبس في المارستان ، فدخل عليه قوم فقال : من أنتم؟ قالوا : محبُّوك جئناك زائرين ، فرماهم بالحجارة فهربوا ، فقال : لو كنتم أحبائي لصبرتم على بلائي ).

وعن طريق العامة عن الله عزَّ وجلَّ :«بعيني ما يتحمَّلُ المتحمَّلون من أجلي» (١) .

وفي الكافي بإسناده عن حمزة بن عمران ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال :«الجنّة محفوفة بالمكاره والصبر ، فمن صبر على المكاره في الدنيا دخل الجنَّة ، وجهنم محفوفة باللَّذات والشهوات ، فمن أعطى نفسه لذَّتها وشهوتها دخل النار» (٢) .

وهذا المضمون متفق عليه بين الخاصّة والعامَّة ، فقد روى مسلم عن أنس ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :«حُفَّت الجنَّةُ بالمكاره وحُفَّت النار بالشهوات» (٣) .

وهذا من بديع الكلام ، والمراد من المكاره الطاعات ، ومن الشهوات المعاصي ، ورُوي :«أن الله تعالى لمّا خلق الجنَّة قال لجبرائيل : انظر إليها ، فلمَّا نظر إليها قال : يا ربّ لا يتركها أحد إلا دخلها ، فلمَّا حفّها بالمكاره ، قال : انظر إليها ، قال : يا ربّ ، أخشى أن لا يدخلها أحد ، ولمّا خلق النار قال له : انظر إليها ، فلمَّا نظر إليها قال : يا ربّ ، لا يدخلها أحد ، فلمَّا حفّها بالشهوات قال : انظر إليها ، قال : يا ربّ أخشى أن يدخلها كلّ أحد» (٤) .

__________________

(١) وردت هذه الأقوال الستة تباعاً في شرح نهج البلاغة ١١ : ٢٠٢.

(٢) الكافي ٢ : ٨٩ ح ٧.

(٣) صحيح مسلم ٨ : ١٤٢.

(٤) سنن أبي داود ٢ : ٤٢٢ ح ٤٧٤٤ ، مسند أحمد ٢ : ٣٣٢ وغيرها والحديث اختصره المؤلفرحمه‌الله .

٣٦٨

وفي الكافي بإسناده عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال :«إنّا صُبَّر وشيعتنا أصبر منّا» ، قلت : جعلت فداك ، كيف صار شيعتكم أصبر منكم؟ قال :«لأنّا نصبر على ما نعلم ، وشيعتنا يصبرون على ما لا يعلمون» (١) .

و «الصُبَّر» : ـ بضمِّ الصاد وتشديد الياء المفتوحة. جمع الصابر.

«أصبر منا» : أي الصبر عليهم أشقّ وأشدّ ؛ لأنّا نصبر على ما نعلم ، وأظهر احتمالات الخبر : إنّا نصبر على ما تعلم نزوله قبل وقوعه وهذا ممَّا يهوَّن المصيبة ويسهِّلها ، وشيعتنا تنزل عليهم المصائب فجأة مع عدم علمهم بها قبل وقوعها ، فهي عليهم أشد ، ويحتمل أن يكون المراد : إنا تصبر على ما تعلم كته ثوابه ، والحكمة في وقوعه ، ورفعة الدرجات بسببه ، وشيعتنا ليس علمهم بجميع ذلك كعلمنا ، وهذه كلُّها ممَّا يسكّن التنفس عند المصيبة ويعزّيها ، ويحتمل أن يكون المراد : إنا تصبر على ما تعلم عواقبه وكيفية زواله ، وتبدُّل الأحوال بعده ، كعلم يوسفعليه‌السلام في الجبّ بعاقبة أمره ، واحتياج الإخوة إليه ، وكذا علم الأئمةعليهم‌السلام برجوع الدولة إليهم ، والانتقام من أعدائهم ، وابتلاء أعدائهم بأنواع العقوبات في الدنيا والآخرة(٢) .

قيل : (ولأجل أنَّ الصوم من الصبر قال تعالى : كلّ عمل ابن آدم له إلا الصوم ، فإنَّه لي وأنا أجزي به )(٣) .

وقال بعضهم :

__________________

(١) الكافي ٢ : ٩٣ ح ٢٥.

(٢) هذا البيان ذكره العلّامة المجلسيرحمه‌الله في شرحه للحديث في بحار الأنوار ٦٨ : ٨٠.

(٣) ورد معناه في مسند أحمد ٣ : ٤٤٣ ، سنن أبي داود ٣ : ١٥٨ وغيرها.

٣٦٩

أما والَّذي لا يعلمُ الغيبَ غيرُه

ومَنْ ليسَ في كُلِّ الأُمورِ لَهُ كُفْوُ

لَئِنْ كانَ بدءُ الصبرِ مرٌّ مذاقُهُ

فَقَدْ يُجتنى مِن بَعدِهِ الثَّمرُ الحُلْوُ

ورُوي : «أن عيسیعليه‌السلام مرّ برجل أعمى أبرص مقعد مضروب الجنين بالفالج ، وقد تناثر لحمه من الجذام ، وهو يقول : الحمد لله الَّذي عافاني ممَّا ابتلی به كثيراً من خلقه.

فقال له عيسىعليه‌السلام : يا هذا ، وأيّ شيء من البلاء أراه مصروفاً عنك؟

قال : يا روح الله ، أنا خير ممَّن لم يجعل الله في قلبه ما جعل في قلبي من معرفته.

فقال له : صدقت ، هات يدك ، فتناوله يده ، فإذا هو أحسن الناس وجهاً ، وأفضلهم همينة ، قَدْ أذهب الله عنه ما كان به ، فصحب عيسیعليه‌السلام ، وتعبّد معه»(١) .

وقال بعضهم : (قصدت عبادان في بدايتي ، وإذا أنا برجل أعمى مجذوم مجنون قَدْ صُرع ، والنمل تأكل لحمه ، فرفعت رأسه ، ووضعته في حجري ، وأنا اُردّد الكلام ، فلمَّا أفاق قال : من هذا الفضولي الَّذي يدخل بینی وبین ربي؟ فوحقه لو قطَّعني إرباً إربآً ما ازددت له إلا حبّاً )(٢) .

ورُوي : «أن يونسعليه‌السلام قال لجبرئيل : دُلَّني على أعبد أهل الأرض ، فدلَّهُ على رجل قَدْ قطع الجذام يديه ورجليه ، وذهب ببصره وسمعه ، وهو يقول :

__________________

(١) مسکن الفؤاد : ٨٧.

(٢) مسكن الفؤاد : ٨٧.

٣٧٠

إلهي متّعتني بهما ما شئت ، وسلبتني ما شئت ، وأبقيت لي فيك الأمل ، يا بَرُّ يا وَصول»(١) .

ورُوي : «أنَّمؤذّناً كان لمولانا أمير المؤمنين عليه‌السلام يدخل منزله ، فرأى فيه خادمة فهواها ، وكلَّما التقى معها ، قال : اصبر حَتَّى يحكم الله وهو خير الحاکمين ، ثُمَّ إنَّ الخادمة أتت علياً عليه‌السلام وأخبرته بهوي المؤذّن إياها ، فقال : ما قال لك؟ قالت : كلَّما رآني قال : اصبر حَتَّى يحكم الله ، فطلبه عليّ فقال : يا فلان الآن حكم الله ، فزوَّجها إياه ، فاستمتع منها حلالاً »(٢) .

شعر :

فلمَّا رأيتُ النفسَ أوفَتْ على الرَّدى

فٌزِعْتُ إلى صبري فأسلَمَني صبري

وقال آخر :

على قَدْرِ فَضلِ المرءِ تأتي خُطوبُهُ

ويُحمَدُ منهُ الصبرُ مِمَّا يُسيبُهُ

فمَنْ قَلَّ فيما يبتغيهِ اصطيارُهُ

لقد قَلَّ مِمَّا يَرتجيهِ نصيبُهُ(٣)

فعليك يا أخي بتحمل تلك الأعمال المفضية إلى الجنَّة ، والتجنُّب عن الأعمال الموصلة إلى النار ، وفَّقنا الله وجميع إخواننا المؤمنين لما فيه الفوز بدار جنَّات النعيم والخلاص من درکات الجحيم ، وقد مدح الله تعالى الصبر في كتابه العزيز في مواضع كثيرة ، وأمر به وجعل أكثر الخيرات مضافاً إلى الصبر ، وأثنی على فاعله ، وأخبر أنه سبحانه وتعالى معه ، وحثّ على التثبُّت في الأشياء ومجانية

__________________

(١) مسكن الفؤاد : ٨٧.

(٢) الأنوار النعمانية ١ : ٣١.

(٣) الشعر لابن المظفر ، وفيات الأعيان ٤ : ٣٩٧.

٣٧١

الاستعجال فيها ، فمن ذلك قوله تعالى : ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا(١) .

وبالجملة : فقد ذكر الله سبحانه وتعالى الصبر في كتابه العزيز في نيِّف وسبعين موضعاً ، وأمر نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله به فقال : ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ(٢) ، وإنهصلى‌الله‌عليه‌وآله لمّا صبر كما اُمر ، أسفَرَ وجهُ صبرِهِ عن ظفره ونصره ، وكذلك الرسل ـ الَّذين هم اُولو العزم ـ لمّا صبروا ظفروا وانتصروا.

حُکي : (أنَّ امرأة من بني إسرائيل لم يكن لها إلا دجاجة ، فسرقها سارق فصبرت وردَّت أمرها إلى الله تعالى ، ولم تدعُ عليه ، ولمّا ذبحها السارق ونتف ريشها نبت جميعه في وجهه ، فسعى في إزالته فلم يقدر على ذلك إلى أن أتي حبراً من أحبار بني إسرائيل ، فشکی له ، فقال : لا أجد لك دواء إلا أن تدعو عليك هذه المرأة ، فأرسل إليها من قال لها : أين دجاجتك؟ فقالت : سُرقت ، فقال : لقد آذاك من سرقها؟ قالت : قَدْ فعل ، ولم تدعُ عليه ، قال : وقد فجعك في بيضها؟ قالت : هو كذلك ، فما زال بها حَتَّى أثار الغضب منها ، فدعت عليه ، فتساقط الريش عن وجهه ، فقيل لذلك الحبر : من أين علمت ذلك؟ قال : لأنها لمّا صبرت ولم تدعُ عليه انتصر الله لها ، فلمَّا انتصرت لنفسها ودعت عليه سقط الريش عن وجهه )(٣) .

فالواجب على العبد أن يصبر على ما يصيبه من الشدَّة ، ويحمد الله تعالی ، ويعلم أن النصر مع الصبر ، وأن مع العسر يسرا.

__________________

(١) سورة الأعراف : من آية ١٣٧.

(٢) سورة الأحقاف : من آية ٣٥.

(٣) مغني المحتاج ٤ : ١٥٧.

٣٧٢

[ج] ـ«وتقدير المعيشة» : بجعلها مقدرةً بقدر يليق بحاله من غير إفراط وتفريط ، ويمكن عطفها على النائبة فتكون مجرورةً ، أي الكمال كلّ الكمال الصبر على النائبة وعلى تقدير المعيشة ، وهو ضيقها.

٣٧٣

الحديث الواحد والثلاثون

إبليس يحبُّ موت الفقيه

[٩٩] ـ قالرحمه‌الله : عنه ، عن محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن ابن محبوب ، عن أبي أيوب الخراز ، عن سليمان بن خالد ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال :«ما من أحد يموت من المؤمنين أحبّ إلى إبليس من موت فقيه» (١) .

أقول : واستيعاب المرام في موضعين :

الموضع الأول

في رجال السند : مرجع الضمير كما تقدّم.

[ترجمة إبراهيم الخراز]

والخراز ـ بالخاء المعجمة والراء المهملة ـ وقيل : المعجمة ـ والزاي المعجمة بعد الألف ـ : اسمه إبراهيم بن عيسى(٢) ، وقيل : ابن زياد ، وقيل : ابن عثمان(٣) .

وفي (الخلاصة) : (ثقة)(٤) .

[ترجمة سليمان بن خالد]

وسليمان بن خالد بن دهقان : ثقة ، صاحب القرآن(٥) . وقد رواه بحذف لفظ :«من المؤمنين» بهذا السند في (الفقيه)(٦) .

__________________

(١) معالم الدين : ٢٣ ، الكافي ١ : ٣٨ ح ٤.

(٢) اختيار معرفة الرجال ٢ : ٦٦١ ح ٦٧٩.

(٣) ينظر : معجم رجال الحديث ١ : ٢٠٣.

(٤) خلاصة الأقوال : ٥٠ رقم ١٣.

(٥) رجال النجاشي : ١٨٣ رقم ٤٨٤.

(٦) من لا یحضره الفقيه ١ : ١٨٦ ح ٥٥٩.

٣٧٤

ورواه في (الكافي) أيضاً ، هكذا : (عدّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد بن خالد ، عن عثمان بن عيسى ، عن أبي أيوب الخراز ، عن سليمان بن خالد ، عنهعليه‌السلام )(١) .

الموضع الثاني

في شرح المتن :

وإنَّما قيّد الأحد بالمؤمنين ؛ لأن إبليس لا يحب موت الكافرين ، بل يغتمّ ؛ لأنَّهم من أعوانه وأنصاره ، وإنَّما كان موت الفقيه أحبّ إليه من موت سائر المؤمنين مع أنه لا شيء أشد عليه من خروج أحد من الدنيا وهو مؤمن ؛ لأن شأن الفقيه : إفادة العلم ، وتعليم الحقّ ، وإرشاد السبيل ، والحثّ على الطاعة ، والزجر عن المعصية ، وشأن إبليس : إلقاء الشك والوسوسة في النفوس ، وإراءة الباطل بصورة الحق ، والإضلال ، والحث على المعاصي ، فإذا كان منه على طرف الضدّ ، فلا محالة أحبّ فقده ، وليس موت سائر المؤمنين عنده بهذه المنزلة.

__________________

(١) الكافي ١ : ٣٨ ح ١.

٣٧٥

الحديث الثاني والثلاثون

موت الفقيه ثلمة

[ ١٠ ٠] ـ قالرحمه‌الله : عنه ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن بعض أصحابه ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال :«إذا مات المؤمن الفقيه ، ثُلم في الإسلام ثلمة لا يسدُّها شيء» (١) .

أقول : عمدة ما يتعلق بشرح الحديث هو التكلُّم في رجاله ، فنقول : مرجع الضمير كما تقدّم ، وذهب جماعة من علمائنا الأُصوليين إلى أنَّ ابن أبي عمير ، وصفوان بن يحيى ، وأحمد بن محمّد بن أبي نصر البيزنطي ، لا يرسلون إلا عن ثقة ، وردّه المحقِّق(٢) ، وشيخنا الماتن بناءً على أن في رجالهم من طعنه الأصحاب ، فإذا أرسل واحد منهم احتمل أن يكون المطعون أحدهم(٣) ، وأجاب عنه شيخنا البهائي بأن هذا لا يقدح ؛ إذ المنقول عدم إرسالهم عن غير الثقة لا عدم روايتهم عنه ، فيحصل بسبب هذا النقل الظن بعدم إرساله عن غير الثقة ، وفيه نظر ؛ لأن العلم بعدم إرساله عن غير الثقة إن كان مستنداً إلى إخبار الراوي بانه لا يرسل إلا عن ثقة ، فيردّ ذلك أنه غير كاف ؛ لجواز أن يكون له جارح لا يعلمه وإن كان مستنداً إلى استقراء مراسيله ، والاطلاع من الخارج على أن المحذوف فيها لا يكون إلا ثقة ، فهذا في معنى الإسناد.

فإن قلت : إخبار الراوي بذلك تزكية للمحذوف ، فيحصل لنا ظن بعدالته إن كان الراوي عدلاً ، فوجب القبول ، واحتمال وجود الجارح لا يقدح في ذلك كما لا يقدح مع العلم بعين الذات ، على أن كون ذلك في معنى الإسناد إنّما هو بالنظر

__________________

(١) معالم الدين : ٢٣ ، الكافي ١ : ٣٨ ح ٢.

(٢) المعتبر ١ : ٤٦.

(٣) استوفى تمام البحث في ذلك مع سرد المصادر شيخنا النوريرحمه‌الله في خاتمة المستدرك ٥ : ١٢٠ ، فليراجع.

٣٧٦

إلى المتفحِّص لا بالنظر إلينا ؛ لأنّا لا نعلم عدالته بالاستقراء ، بل حصل لنا الظن بها يقول المتفحِّص ؛ لكونه عدلاً.

قلت : قول المتفحِّص وإخبار الراوي بذلك تزكية ، ولا يجوز العمل بها إلا بعد حصول الظن بعدم الجارح بالفحص عنه اتفاقاً ، ولا يمكن ذلك مع عدم تعيين الذات ، ولا يندفع احتمال وجود الجارح احتمالاً قوياً بدونه ، فلا يتوجَّه القبول.

وأمّا ما يتعلق بمتن الحديث : فالثلمة ـ بالضم ـ : فرجة المكسور والمهدوم ، شبّه الإسلام بالمدينة ، والعلماء بمنزلة الحصن لها ، وموت كلّ واحد منهم بمنزلة انعدام حصن من حصونها ، وانتظر لتمام البيان في شرح ما يأتي.

٣٧٧

الحديث الثالث والثلاثون

بكاء الملائكة على الفقيه

[ ١٠١] ـ قالرحمه‌الله : عنه ، عن محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن ابن محبوب ، عن علي بن أبي حمزة ، قال : سمعت أبا الحسن موسی بن جعفرعليه‌السلام يقول : «إذا مات المؤمن ـ الفقيه(١) ـ بكت عليه الملائكة ، وبقاع الأرض التي كان يعبد الله عليها ، وأبواب السماء التي كان يصعد فيها بأعماله ، وثُلم في الإسلام ثُلمة لا يسدُّها شيء ؛ لأن المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام ، كحصون سور المدينة لها»(٢) .

أقول : واستيعاب المرام في موضعين :

الموضع الأول

في رجال السند : مرجع الضمير كما تقدّم.

[ترجمة علي بن أبي حمزة]

علي بن أبي حمزة : وردت فيه أخبار فيها ذمُّه ، ووقفُه ، واللَّعنُ عليه ، ومنها اشتهر ضعفه ، وضعف الخبر الَّذي هو فيه ، ولا حاجة إلى نقل كلماتهم بعد تكرُّرها في الكتب(٣) ، ومع ذلك فقد ادّعى المحقِّق في (المعتبر) إجماع الأصحاب على العمل بروايته ، قال في بحث الأسآر ـ بعد أن استدلّ على طهارة سؤر الطيور بروايتي علي بن أبي حمزة وعمّار ـ : (لا يقال : علي بن أبي حمزة

__________________

(١) ليس في المصدر والكافي كلمة : (الفقيه) وإنما هي زيادة من المؤلِّفرحمه‌الله للبيان ، وقال المازندراني في شرحه بعد كلمة (المؤمن) ما نصّه : (لا يبعد تقييده بالفقيه ، كما يرشد إليه آخر الحديث). (شرح اُصول الكافي ٢ : ٨٩).

(٢) الكافي ١ : ٣٨ ح ٣.

(٣) ينظر : اختيار معرفة الرجال ٢ : ٧٠٥ ، التحرير الطاووسي : ٣٥٤ رقم ٢٤٥ وغيرها.

٣٧٨

واقفي ، وعمَّار فطحي ، فلا يُعمل بروايتهما ؛ لأنّا نقول : الوجه الَّذي لأجله عُمل برواية الثقة قبول الأصحاب ، وانضمام القرينة ، لأنَّه لولا ذلك ؛ لمنع العقل من العمل بخبر الثقة ؛ إذ لا وثوق(١) بقوله ، وهذا المعنى موجود هنا ، فإنَّ الأصحاب عملوا برواية هؤلاء كما عملوا هناك ، ولو قيل : فقد ردّوا رواية كلّ واحد منهما في بعض المواضع ، قلنا : كما ردوا رواية الثّقة في بعض المواضع متعلّلين بأنه خبر واحد ، وإلا فاعتبر کتب الأصحاب ، فإنَّك تراها مملوءة من رواية علي المذكور) ، انتهى(٢) .

أقول : فالظاهر من الأصحاب أنهم لا يرون ما نُسب إليه قدحاً في رواياته ، وضعفاً في أخباره ؛ لعدم منافاة ما ورد في ذمّه ممَّا يتعلق بمذهبه ، كونه ثقة عندهم في غير ما يتعلق بالمذهب الباطل.

نعم ، ينافيه ما في رجال الكَشِّي قال : (قال ابن مسعود ، حدّثني أبو الحسن علي بن الحسن بن فضّال ، قال : ابن أبي حمزة كذّاب متَّهم)(٣) .

وقال في موضع آخر : (قال ابن مسعود : سمعت علي بن الحسن يقول : ابن أبي حمزة كذّاب ملعون ، قَدْ رويت عنه أحاديث كثيرة ، وكتبت عنه تفسير القرآن كلُّه من أوله إلى آخره ، إلا أنّي لا أستحلُّ أن أروي عنه حديثاً واحداً)(٤) .

والجواب ، أولاً : إن قول ابن فضال واعتقاده في علي بن أبي حمزة لا يعارض عمل الأعاظم بخبره حسب ما نقل المحقِّقرحمه‌الله الإجماع عليه.

__________________

(١) في الأصل : (لا قطع) وما أثبتناه من المصدر.

(٢) المعتبر ١ : ٩٤.

(٣) اختيار معرفة الرجال ٢ : ٧٠٥ ح ٧٥٥.

(٤) اختيار معرفة الرجال ٢ : ٧٠٦ ح ٧٥٦.

٣٧٩

وثانياً : إن ما قاله فيه داخل في جملة ما رآه ، وقد قالوا في بني فضّال : (ذروا ما رأوا ، وخُذُوا ما رووا )(١) .

وثالثاً : إن التأمُّل الصادق يشهد أنه سقط من كلام الكَشِّي هذا شيء ، أن ما قاله ابن فضّال إنَّما هو في حقّ الحسن بن علي بن أبي حمزة لا في حق أبيه علي ، والاشتباه إنَّما هو في نسخة الكَشِّي التي كانت عند ابن طاووس ، وما ذكره في (الخلاصة) إنَّما هو تبعاً لابن طاووس(٢) ، والنجاشي ذكره ولم يذكر له ما يوجب طعناً في غير مذهبه بأنه واقفي ، بل وهو أحد عمد الواقفة.

نعم ، قال في ترجمة الحسن ابنه : (قال أبو عمرو الكَشِّي فيما أخبرنا به محمّد بن محمّد بن جعفر بن محمّد عنه ، قال : قال محمّد بن مسعود : سألت علي بن الحسن بن فضّال عن الحسن بن علي بن أبي حمزة البطائني ، فطعن عليه ) ، انتهى(٣) .

ولعلَّه نظراً إلى ما ذكرنا تردَّد المجلسيرحمه‌الله في (الوجيزة) في حال علي بن أبي حمزة المذكور ، حيث قال : (إنَّه ضعيف ، وقيل : مُوثَّق : لأنَّ الشيخ قال في العدّة : عمل الطائفة بأخباره ، ولقوله في الرجال : له أصل ، ولقول ابن الغضائري في ابنه الحسن : أبوه أوثق منه ) ، انتهى(٤) .

فتراه لا يمكنه الجزم بطرف من الضعف والوثوق ، والحقّ ما عرفته ، والعجب من الشيخ أبي علي في رجاله ، حيث لم يرض من المجلسي بالتردُّد

__________________

(١) الغيبة للطوسي : ٣٨٩ ح ٣٥٥ وفيه : (خذوا بما رووا وذروا ما رأوا).

(٢) التحرير الطاووسي : ١٢٩ رقم ٩٦ ، خلاصة الأقوال : ٣٣٤ رقم ٧.

(٣) رجال النجاشي : ٨٩ رقم ٧٣.

(٤) الوجيزة في الرجال : ١١٨ رقم ١٢١٤ ، عدّة الأُصول ١ : ١٥٠ ، الفهرست للطوسي : ١٦١ رقم ٤١٨ / ٤٥ ، رجال ابن الغضائري : ٥١ رقم ٣٣ / ٦.

٣٨٠

381

382

383

384

385

386

387

388

389

390

391

392

393

394

395

396

397

398

399

400

401

402

403

404

405

406

407

408

409

410

411

412

413

414

415

416

417

418

419

420

421

422

423

424

425

426

427

428

429

430

431

432

433

434

435

436

437

438

439

440

441

442

443

444

445

446

447

448

449

450

451

452

453

454

455

456

457

458

459

460

461

462

463

464

465

466

467

468

469

470

471

472

473

474

475

476

477

478

479

480

481

482

483

484

485

486

487

488

489

490

491

492

493

494

495

496

497

498

499

500

501

502

503

504

505

506

507

508

509

510

511

512

513