حياة الرسول (ص) و أهل بيته (ع)

حياة الرسول (ص) و أهل بيته (ع)0%

حياة الرسول (ص) و أهل بيته (ع) مؤلف:
تصنيف: مكتبة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام
الصفحات: 72

حياة الرسول (ص) و أهل بيته (ع)

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: المؤسسة الإسلامية للبحوث والمعلومات
تصنيف: الصفحات: 72
المشاهدات: 20731
تحميل: 2403

توضيحات:

حياة الرسول (ص) و أهل بيته (ع)
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 72 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 20731 / تحميل: 2403
الحجم الحجم الحجم
حياة الرسول (ص) و أهل بيته (ع)

حياة الرسول (ص) و أهل بيته (ع)

مؤلف:
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

حياة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله

وأهل بيته (عليهم‌السلام )

إصدار المؤسسة الإسلامية

للبحوث والمعلومات

١

نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنين (عليهما‌السلام ) للتراث والفكر الإسلامي

بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى قريبة إنشاء الله تعالى.

٢

بسم الله الرحمن الرحيم

الأوضاع قبل البعثة النبوية

لم يكن العرب يومئذ اهل كتاب ولا ديانة سماوية ترفع من مستواهم الفكري والاجتماعي والحضاري، فكانوا يعبدون الأصنام والأوثان والجن والنجوم والملائكة، وقليل منهم كانوا على دين ابراهيم وموسى والمسيحعليهم‌السلام . وكانت الأمم الأكثر حضارة وتقدما منهم، وهم اليهود والنصارى والمجوس، أيضا يعيشون حياة جاهلية وظلما سياسيا، وكان المجتمع المكي يتكون من ثلاث طبقات متميزة هي:

١ - طبقة الأثرياء.

٢ - طبقة الفقراء.

٣ - طبقة العبيد.

وكانت المرأة تعاني حياة البؤس والشقاء، فلا حقوق لها ولا كرامة، فهي في عرف ذلك المجتمع الجاهلي ملك للرجل، تورث كما تورث الحيوانات والممتلكات، وكان احدهم اذا ولدت أمراته بنتا، سيطر عليه الهم والحزن، وشعر بالخوف من العار وسوء السمعة، ولجأ الى قتلها أو دفنها حية أو تقبلها على مضض واحتقار وكراهية.

هكذا كانت الحياة الجاهلية بأبعادها ومرارتها وانحطاطها الاخلاقي والاقتصادي والعقائدي والسياسي والاجتماعي.

٣

ميلاد البشير محمد (صلى‌الله‌عليه‌وآله )

في ريبع الأول وبعد حادثة هلاك أصحاب الفيل، ولد المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله في مكة المكرمة. وشاء الله أن يولد يتيما، وعندما بلغ المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله الخامسة من عمره، وجد في جده عبد المطلب خير راع له على أن عبد المطلب توفي والمصطفى في السنة الثامنة. فتولى رعايته عمه أبو طالب، كان محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله يكبر في كنف عمه، وكانت تكبر معه أخلاقه السامية حتى تميز من بين مجتمعه بالصدق والأمانة، وعرف بـ(الصادق الأمين). وعندما

بلغ الخامسة والعشرين ذهب بتجارة الى الشام لخديجة بنت خويلد (رضي‌الله‌عنه ). وتزوج الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله بعد ذلك بخديجة، وحققا أروع تلاحم عاطفي معطر بالود والوفاء والرحمة، ورسما أجمل صورة للحياة الزوجية الناجحة. وفي تلك الفترة بدأت ارهاصات النبوة تتجلى في حياته، فكان ينقطع في غار حراء لفترات يقضيها بالعبادة والتأمل والانقطاع لرب العالمين، بعيدا عن أجواء الجاهلية حتى بلغ الأربعين من عمره الشريف وكانت البشائر التي ذكرتها الكتب السماوية السابقة تنبئ بقرب مبعث نبي جديد يملأ الدنيا نورا وهداية وبركة.

٤

البعثة النبوية

وحين بلغ الأربعين من عمره نزل عليه جبريل بالرسالة الخاتمة، تاليا عليه أول بيان سماوي( اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الانسان من علق. اقرأ وربك. الأكرم الذي علم بالقلم. علم الانسان ما لم يعلم ) (العلق/١-٥)

وكان النداء الثاني:( يا أيها المدثر. ثم فانذر. وربك فكبر. وثيابك فطهر. والرجز فاهجر ) (المدثر/١ - ٥) انه نداء الانطلاق بالرسالة، والتبشير بالدين الجديد، فما كان من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الا ان صدع بالامر، فبادر الى اعلام علي بن ابي طالبعليه‌السلام فلبى دعوة الله وعرضه الرسول دعوته على زوجه خديجة، فلبت نداءه وآمنت برسالته. وبذلك تشكلت نواة المجتمع المؤمن في الأرضه. ثم راح يدعو سرا من يتوسم فيه الاستجابة، وأخذ عدد المؤمنين يزداد بالتدريج. مضت على هذا اللون من الدعوة الى الاسلام ثلاث سنوات، وبدأت قريش تتحسس حركة الدين الجديد وفي تلك الاثناء أمر الله تعالى رسوله الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله أن ينذر الأقربين من عشيرته.

٥

الهجرة الى الحبشة

وحين تحجّرت مكة في وجه الدعوة، رأى الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يأذن لعدد من أتباعه بالهجرة الى الحبشة، ليوفر لهم حماية ومنجى من الاضطهاد على الأقل.

فأمرهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالهجرة الى الحبشة، وقد خافت قريش أمر هذه الهجرة، فحاولت استرجاعهم الى مكة، غير أن النجاشي ملك الحبشة، الذي كان على دين المسيحعليه‌السلام رفض طلب مبعوثي قريش.

٦

المقاطعة

كان فشل خطة قريش في احباط هجرة الحبشة، قد صعّد من حقدها على الدعوة الاسلامية. فقررت مقاطعة بني هاشم في البيع والشراء والمخالطة والزواج، وحصرت بني هاشم في شعب أبي طالب. لقد مر المسلمون بظروف قاسية ودامت المحاصرة ثلاث سنين، لكن نهاية المحاصرة لم تكن نهاية المحن، اذ توفيت خديجة بنت خويلد زوجة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وأم المؤمنين الكبرى التي كانت أول من آمن به وصدقه وشاركته أعباء الرسالة، وبذلت مالها في سبيل الله. وبعد وفاة خديجة بثلاثة أيام توفي أبو طالب حامي الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وسند دعوته. ولشدة تأثير الحادثتين في سير الحركة التاريخية للاسلام، سمى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ذلك العام بعام الحزن.

٧

الهجرة الكبرى

لم تعد مكة مكانا مناسبا وآمنا للدعوة، بعد أن توفي أبو طالب، وفيما كانصلى‌الله‌عليه‌وآله يعرضه رسالته في موسم الحج، التقى سنة احدى عشرة من البعثة المباركة، بجماعة من أهل يثرب (التي سميت بالمدينة المنورة فيما بعد)، وعرضهعليهم‌السلام فاستجابوا له، وعادوا الى يثرب يدعون الى الاسلام. وفي العام التالي قدم من أهل يثرب اثنا عشر رجلا، فاجتمعوا بالرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله في العقبة وبايعوه. وفي موسم الحج التالي، أي في السنة الثالثة عشر من البعثة اجتمع بالرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله سرا بالعقبة وفد اسلامي كبير من يثرب ضم سبعين رجلا وامرأتين وبايعوه وبذلك توفرت الأرضه التي يمكن للدعوة أن تقف عليها لأداء رسالتها، فأمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله المؤمنين بالهجرة اليها. ثم أذن الله سبحانه لرسوله بالهجرة الى الأرضه المباركة (يثرب) وذلك اثر اجتماع قريش في دار الندوة، واتفاقها على قتل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله

٨

دولة الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله )

كانت أول لبنة وضعها الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله لارساء قواعد البناء الجديد هي اقامة المسجد النبوي الشريف الذي اتخذهصلى‌الله‌عليه‌وآله دارا للعبادة ومكانا للاجتماع والتشاور وادارة شؤون الأمة، والفصل في الخصومات، ووضع الخطط العسكرية وتعيين القيادات، والتعليم وسوى ذلك مما تقتضيه الدولة والمجتمع من شؤون. وقد واجه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله في المدينة مجتمعا تتوزعه القبلية والمصالح المادية والأفكار المتناقضة. وكانت أبرز الفئات التي عاصرها في

المدينة هي:

١ - المسلمون: وهم قسمان: أنصار ومهاجرون.

وقد وقف الاسلام موقفا بنّاء من أجل تكوين المجتمع الاسلامي وهو ما تمثل في المؤاخاة التي دعا اليها بين المهاجرين والأنصار. حيث أمر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله كل أنصاري أن يتخذ له أخا من المهاجرين، بما يترتب على الأخوة الحقيقية من آثار الحياة العملية:

في المعاملة والمال وسائر الشؤون. وهكذا أقام الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله صرح الجماعة المؤمنة على أسس رصينة ومتينة.

٢ - اليهود:

وكان اليهود يسيطرون على الجانب المالي ويمتلكون مجتمعا خاصا، يخالف مجتمع المدينة في الدين والمشاعر والأهداف، وقد عمل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله على مهادنتهم.

٣ - المنافقون:

وهم فئة من أهل المدينة، أظهروا الاسلام خوفا وطمعا، وأبطنوا الكفر وكانوا يشكلون قوة حليفة لليهود والمشركين، وعنصرا من عناصر التخريب في المجتمع الاسلامي.

٩

موقف قريش بعد الهجرة وسياسة الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) تجاهها

سبّب افلات الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله من قبضة قريش ووصوله المدينة سالما زيادة غيظ قريش واستمرار مؤامراتها، وكانت تلاحق المسلمين بالتنكيل والأذى، وقامت بمصادرة أموال المسلمين المهاجرين والاستيلاء على دورهم وممتلكاتهم، كما كانت تحرضي‌ الله‌ عنه بعض القبائل على الفتك برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لما دعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الى القيام بعدة خطوات بغية الحفاظ على الدعوة والدفاع عنها. فبعث السرايا وقاد الغزوات باتجاه القبائل المشركة المجاورة وأدى ذلك الى عقد اتفاقيات صلح وموادعة ومهادنات معها دون خوض أي قتال.

في نفس الوقت كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يهدئ الأوضاع داخل المدينة ويحبط مؤامرات كفار قريش لتحريض سكانها ضده. من جهة أخرى فان رسول الله، وفي مقابل ظلم قريش وتعديها ومؤامراتها المستمرة، لجأ الى الضغط عليهم اقتصاديا وعسكريا ليكفوا عن مواجهة الرسالة الاسلامية، فبدأت غزوات المسلمين ضد القوافل التجارية لطواغيت قريش ولم تكن تلك الغزوات تصر على قتالهم بقدر الضغط عليهم وتحجيم تحركهم المضاد، وكان ذلك واضحا في وصايا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لقادة المسلمين وأمراء الجيش، وقد حدثت معارك بين الكفار والمسلمين منها: معركة بدر الكبرى:

وقد حقق الله تعالى فيها النصر للاسلام واندحرت قوة قريش، وحصل المسملون على مكاسب مالية وعسكرية وعقائدية واعلامية ساهمت في خدمة الدعوة الاسلامية وتثبيت أركانها.

١٠

معركة أحد

استمرّت أحداث بدر ومعركتها التاريخية الرائدة حقدا في نفوس المشركين في مكة. اذ حقق المسلمون في هذه المعركة نصرا عسكريا وعقيديا واعلاميا واسعا، أغرق قريشا وقادة الشرك فيها بالذل والمهانة. فدق المشركون طبول الحرب، وخططوا للعدوان والهجوم على المدينة، واستنفر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الناس، ولم يكن جيش المسلمين متكافئا لما حشد المشركون من عدد وعدة، والتقى الفريقان عند جبل أحد، وبدأت المعركة، وكان النصر حليف المسلمين، وحازوا مغانم كثيرة. فاستهوت الغنائم النفوس، فترك الرماة مواقعهم الأمر الذي احدث ثغرة في صفوف المجاهدين فاستغلها المشركون، فالتفوا على قوات المجاهدين من خلفهم، فتسبب هذا الهجوم بانكسار الجيش الاسلامي وبعثرته وانهزامه. وكانت الخسارة فادحة، والهزيمة كبيرة، فقد خسر المسلمون حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير. كانت معركة أحد التجربة العسكرية القاسية والاختبار الصعب الذي مر به المسلمون. ثم أمر الله سبحانه نبيه الكريم أن يدعو أصحابه في اليوم الثاني من الهزيمة والانكسار الى التهيؤ لشن الحرب على قريش، مع ما بهم من جراحات وآلام، لاستعادة المعنوية، فاستجاب المسلمون لأمر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله

١١

معركة الخندق

كان اليهود قد شعروا بخطر تعاظم قوة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فاندفعوا للتآمر على الدعوة ونبيها وراحوا يؤلبون اعداء الاسلام ويخططون لتكوين تجمع عسكري هائل لمهاجمة المدينة والقضاء على الاسلام. واتصل اليهود بقريش غطفان واتفقوا معهم على مهاجمة المدينة واستئصال الدعوة، الا أن الأنباء تسربت الى الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فاستنفر أصحابه للقتال فكان عددهم ثلاثة آلاف مقاتل وكتب الله النصر للمسلمين في هذه المعركة.

١٢

صلح الحديبية

بعد معركة الأحزاب، بلغ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله أن محاولة تجري في الخفاء بين قريش ويهود خيبر لغزو المسلمين. فقرر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يهادن قريشا ليفصلها عن اليهود أولا، وليتمكن بعد الهدنة أن ينشر دعوته بين العرب من غير قريش ثانيا، فوقع مع قريش معاهدة، كان لها أعظم الأثر في مسيرة الاسلام التاريخية، حيث أعطت فرصة للمسلمين لتبليغ دعوتهم الى غير قريش من سكان الجزيرة والتفرغ لبناء دولتهم وتقويتها. ومن ثمرات المعاهدة، تفرغ المسلمين لمواجهة اليهود، وتجلى ذلك بغزوة خيبر التي تمت بعد عودة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله من الحديبية.

١٣

معركة خيبر

وخيبر قريبة من قرى اليهود، تقف على قمة جبل، يحيطها حصن حجري، كان فيه عشرة آلاف مقاتل، وقد فتح المسلمون ذلك الحصن، فانهارت مقاومة يهود خيبر ونصر الله نبيه ودمرت تلك القوة العسكرية المنيعة.

١٤

فتح مكة

اضطربت العلاقات بين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقريش، بعد أن خرقت قريش معاهدتها مع الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ونقضت تعهداتها. وقد جهز الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله جيشا من عشرة آلاف مقاتل، وسار به سرا لمباغتة قريش وتمكن جيش المسلمين من بلوغ مكة ومحاصرتها دون علم قريش. واستخدم الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله الحرب النفسية في هذه الغزوة، حيث أشعل النيران في الصحراء على مقربة من مكة، ليشعر قريشا بقوة الجيش ويثير الرعب في نفوسها، ويحملها على الاستسلام والخضوع من غير قتال. وقد تحقق النصر الكبير، ودخل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مكة فاتحا منتصرا من غير قتال، ولا سفك دماء، غير بعض الحوادث التي وقعت بغير علم الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وهكذا انهار أعظم حصون الشرك والجاهلية بعد صراع عنيف، وتحقق الفتح المبين.

١٥

غزوة تبوك

وبعد عودة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله الى المدينة، تواردت الأنباء من أن الروم يعتزمون غزو الأجزاء الشمالية من الجزيرة العربية. فقرر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يصدهم بنفسه، وسار جيش المسلمين وكان تعداده ثلاثين ألفا، حتى بلغ تبوك على الحدود الفاصلة بين بلاد العرب والدولة الرومانية. فخاف الروم من جيش المسلمين، وهربت قواتهم الى داخل حدودهم قبل وصول الجيش بأيام.

١٦

حجة الوداع

في السنة العاشرة من الهجرة دعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الناس الى الحج، وأعلمهم أنه عازم على اداء الفريضة، فاجتمع اليه الناس من أنحاء الجزيرة كلها حتى تكاملوا مائة ألف أو يزيدون. سار الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله بتلك الجموع الكثيرة قاصدا حج بيت الله تعالى، فدخلوا مكة وأدوا مناسكهم، حتى اذا توجهوا الى عرفة، وقف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على راحلته وألقى خطبته الشهيرة التي جاء فيها:

(أيها الناس، اسمعوا مني، ما أبين لكم، فاني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا، في موقفي هذا. أيها الناس (انما المؤمنون إخوة) ولايحل لمؤمن مال أخيه الا عن طيب نفس، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد. فلا ترجعن كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض. فاني قد تركت فيكم ما ان أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي الا هل بلغت؟ اللهم اشهد. أيها الناس، ان ربّكم واحد وان أباكم

واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، (ان أكرمكم عند الله أتقاكم) وليس لعربي على أعجمي فضل الا بالتقوى، ألا هل بلغت؟).

ولما اتم الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله حجه قفل راجعا الى المدينة، وفي غدير خم - منطقة قرب الجحفة شمال مكة - ينزل عليه وحي الله تعالى يدعوه لتعيين علي بن أبي طالب أميرا للمؤمنين بعده. فأمر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله المسلمين ببيعة عليعليه‌السلام . وهكذا مارس الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ما من شأنه ان يحفظ مستقبل الرسالة والدعوة.

١٧

الامام علي بن أبي طالبعليه‌السلام

ولد الامام عليعليه‌السلام يوم الجمعة الثالث عشر من رجب، وقبل البعثة النبوية باثنتي عشرة سنة، وعاش منذ نعومة أظفاره في كنف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، نشأ في رعايته، وشرب من ينابيع مودته وحنانه، ورباه وفقا لما علمه ربه تعالى. يقولعليه‌السلام :

(وقد علمتم موضعي من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا ولد، يضمّني الى صدره، ويكنفني في فراشه، ويمسّني جسده، ويشمّني عرفه - رائحته الزكية - وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول، ولا خطلة - خطأ - في فعل). (ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء، فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الاسلام غير رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة، وأشمّ ريح النبوة).

كان أخلص الناس للرسول ولرسالته، وأسرعهم استجابة، وأكثرهم دفاعا. فعندما أذن الله تعالى لرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله أن ينذر عشيرته الأقربين، وجمع الرسول عشيرته، وبلغهم رسالته، ثم سألهم من يجيبه ويؤازره، وقف علي بن أبي طالب قائلا: (أنا يا رسول الله أؤازرك على هذا الأمر).

وحيث لم يجب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أحد غيره التفتصلى‌الله‌عليه‌وآله الى مجيبه الوحيد قائلا:

(اجلس فأنت أخي ووصيي ووزيري ووارثي وخليفتي من بعدي).

ثم دخلت الدعوة الى الله مرحلة المواجهة - بعد انذار العشيرة - حيث أعلن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله دعوته العامة في البيت الحرام. واخذ عدد المؤمينن برسالة الله تعالى يتزايد، وبدأت قريش تصعّد من مواجهتها ضد المسلمين، فكانت الهجرة الى الحبشة، والحصار في شعب أبي طالب. وخلال ذلك كله كان عليعليه‌السلام الى جانب الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله يشاركه الهم والألم والحرص على رسالة الله تعالى.

ونام عليعليه‌السلام في فراش رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لدى هجرته الى يثرب، مفديه بنفسه.

١٨

مهمّات ما بعد الهجرة

واذا تتبعنا تلك المرحلة الدقيقة من عمر الرسالة الخاتمة لوجدنا أن دور علي بن أبي طالبعليه‌السلام فيها لم يرق اليه دور قط، فهو في جميع حروب الاسلام مع أعدائه، في معركة بدر، وفي معركة أحد، وفي غزوة الأحزاب، وفي غزوة خيبر، وفي غزوة حنين، ...، لقد شارك عليعليه‌السلام في حروب الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله جميعا غير تبوك، ولم يحظ رجل في الاسلام بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ما حظي به علي بن أبي طالبعليه‌السلام من ثناء واجلال من لدن الرسالة الاسلامية،

وحثها المتزايد لأتباعها لا على تقديره فحسب، وانما على التزامه، وانتهاج سبيله.

وبعد وفاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وفي عهد الخلفاء، كان الامام عليعليه‌السلام ينهض بمسؤوليات عظيمة وكان دافعه في ذلك الاخلاص للرسالة، وحفظ الوحدة الاسلامية، وحماية المسيرة الاسلامية من الانحراف. وقد تنبه الخليفة الثاني الى أهمية ما يقوم به عليعليه‌السلام في هذا المضمار، فصرح مرارا مشيدا بذلك الفضل، ومنوها بأهميته في مسيرة الخلافة كقوله:

(أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا الحسن).

١٩

وغير ذلك من التصريحات.

بعد مقتل الخليفة عثمان أجمعت الأمة على بيعة الامام عليعليه‌السلام خليفة لها. وقد اجتاحت النفوس موجة من العاطفة نحوه، على ان عليا ليس ممن تغريه المناصب وتستهويه الكراسي حتى يستجيب فور اقبال الناس عليه، فبالرغم من ذلك، فانهعليه‌السلام بقي عند موقفه المتريث. بيد أن اصرار الأمة على بيعته جعله يطرح عليها شروطه لقبول الخلافة، فقد أذاع بيانه المتضمن لشروطه: (واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، ولم أصغ الى قول القائل وعتب العاتب). وسارعت الأمة مذعنة لشروطه، ومدت يد البيعة على الطاعة اليه، ولبى هو مطلبها ليواجه مسؤولياته القيادية في الأمة الاسلامية على الصعيد الفكري والعملي. وقد كانت من أولى مهامهعليه‌السلام أن يزيل صور الانحراف التي طرأت على الحياة الاسلامية، وأن يعود بالأمة الى أصالة المنهج الالهي.

كان الامام عليعليه‌السلام يعلم ان العدالة الاسلامية التي أراد تطبيقها في حكومته ستكون ثقيلة على نفوس المنتفعين والانتهازيين، وقد صح ما توقعه الامام وقد جابه الامام عليعليه‌السلام أكبر مشكلة في تاريخ خلافته وهي الولاة الذين كانوا يحكمون الأقاليم الاسلامية الذين عينوا على عهد عثمان، وكان أغلبهم ظالما جائرا غير أمين على أموال المسلمين وأرواحهم وأعراضهم، وهم يعلمون عدالة علي وشدة تمسكه بالاسلام، لذا حاولوا التفاوض معه لأجل ابقائهم في مناصبهم وامتيازاتهم، فرفض ذلك بمبدئيته المعهودة. والسبب في رفض الامام للتعامل مع أولئك الولاة واقرارهم في أعمالهم يعود الى ان أغلبهم كان ظالما وأن برامجه كان يقتضي الاعتماد على عناصر متدينة مؤمنة وان اقراره أولئك الولاة في أعمالهم ولو الى حين، سوف لا يسمح له بعزلهم فيما بعد وانه اذا أقر أولئك الولاة في مناصبهم فان أي ظلم واعتداء أو ارتكاب محرم يصدر منهم سيتحمل مسؤوليته هو، لاسيما وهو يعلم حالهم كما ان اقرار الامام عليعليه‌السلام لأي من هؤلاء الولاة

الفاسقين سيعطي سابقة تاريخية وشرعية تسوغ وتجوز تعيين الولاة الفسقة أو اقرارهم في مناصبهم بحجة المصلحة الشرعية أو السياسية أو غير ذلك.

٢٠