• البداية
  • السابق
  • 569 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 30 / تحميل: 9
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 1

مؤلف:
العربية

١
٢

بسم الله الرحمن الرّحيم

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

قال الشيخ الإمام العالم العلامة ذو الفنون العديدة ، والتصانيف المفيدة ، والأقاويل السديدة ، أبو الحسن إبراهيم بن عمر بن حسن الرّباط بن علي بن أبي بكر البقاعي الشافعيرحمه‌الله تعالى آمين :

الحمد لله الذي أنزل الكتاب متناسبا سوره وآياته ، متشابها فواصله وغاياته ، وأشهد أن لا إله إلا الله الذي تمت كلماته ، وعمت مكرماته ، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده الذي ختمت به نبواته ، وكملت برسالاته رسالاته ، توالت عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته وأحبابه صلواته ، وتواتر تسليمه وبركاته ما دامت حياته وبقيت ذاته وصفاته.

وبعد فهذا كتاب عجاب ، رفيع الجناب ، في فنّ ما رأيت من سبقني إليه ، ولا عول ثاقب فكره عليه ، أذكر فيه إن شاء الله مناسبات ترتيب السور والآيات ، أطلت فيه التدبر وأنعمت فيه التفكر لآيات الكتاب ، امتثالا لقوله تعالى( لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ ) [ص : ٢٩] واستنانا بما أشار إليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي عنه فيما خرجه البخاري في الجهاد وغيره عن أبي جحيفة قال : قلت لعلي رضي الله عنه : هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله؟ قال : لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة! ما أعلمه إلا فهم يعطيه الله رجلا في القرآن وما في هذه الصحيفة. الحديث(١) ؛ وتعرضا لنفحات ما أشار إليه ما أخرجه البخاري وغيره عن عبد الله بن

__________________

(١) صحيح. أخرجه البخاري ١١١ ، ٣٠٤٧ ، ٦٩١٥ والترمذي ١٤١٢ والنسائي ٨ / ٢٣ وابن ماجه ٢٦٥٨ والدارمي ٢ / ١٩٠ وابن الجارود ٧٩٤ والبيهقي ٨ / ٢٨ وأبو يعلى ٤٥١ والحميدي ٤٠ وأحمد ١ / ٧٩ كلهم عن أبي جحيفة «قال : قلت لعلي : هل عندكم كتاب؟ قال : لا إلّا كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مسلم ، أو ما في هذه الصحيفة قال : قلت : فما هذه الصحيفة؟ قال : العقل ، وفكاك الأسير ، ولا يقتل مسلم بكافر» واللفظ للبخاري. وورد بنحوه من طرق أخرى من حديث علي مطوّلا.

أخرجه البخاري ٣١٧٢ ، ٧٣٠٠ ، ٣١٧٩ ، ١٨٧٠ ، ٦٧٥٥ ، ومسلم ١٣٧٠ وأبو داود ٢٠٣٤ والترمذي ٢١٢٨ والنسائي ٨ / ٢٣ وابن حبان ٣٧١٦ وأبو يعلى ٢٦٣ وأحمد ١ / ٨١ ولفظ البخاري : «خطبنا عليّ فقال : ما عندنا كتاب نقرؤه إلّا كتاب الله وما في هذه الصحيفة فقال : فيها الجراحات ـ

٣

عمر رضي الله عنهما أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «بلغوا عني ولو آية (١) » ، والبخاري وغيره أيضا عن أبي بكرة وغيره رضي الله عنهم أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «ليبلغ الشاهد الغائب ، فرب مبلغ أوعى من سامع (٢) » ، ووقوفا على الباب الذي أطلع عليه حبر الأمة وبحر علومها الجمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فيما رواه الشيخان والطبراني وهذا لفظه : إنه رضي الله عنه كان في بيت خالته ميمونة رضي الله عنها فوضع للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم طهورا فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : من وضعه؟ قيل : ابن عباس. رضي الله عنهما! قال : فضرب على منكبي وقال : «اللهم! فقهه في الدين وعلّمه التأويل»(٣) . وروى عنه الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في مقدمة تفسيره والإمام أبو بكر بن الأنباري(٤) في مقدمة كتاب الوقف والابتداء أنه قال رضي الله عنه : تفسير القرآن على أربعة وجوه : تفسير يعلمه العلماء ، وتفسير يعرفه العرب ، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته ، وتفسير لا يعلمه إلا اللهعزوجل ، فمن ادّعى علما به فهو كاذب ، وقال شيخ الإسلام ولي الله محيي الدين النواوي في آخر

__________________

ـ وأسنان الإبل والمدينة حرم ما بين عير إلى كذا ، فمن أحدث فيها حدثا ، أو آوى فيها محدثا ، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل ، ومن تولى غير مواليه فعليه مثل ذلك ، وذمة المسلمين واحدة فمن أخفر مسلما فعليه مثل ذلك» وفي رواية أخرى «ما كتبنا على النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلّا القرآن ، وما في هذه الصحيفة قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : المدينة حرام ما بين عائر إلى كذا ، فمن أحدث حدثا ، أو آوى ...»

(١) صحيح. أخرجه البخاري ٣٤٦١ والترمذي ٢٦٦٩ وأحمد ٢ / ١٥٩ والدارمي ١ / ١٣٦ وابن حبان ٦٢٥٦ والديلمي في الفردوس ٢٠٨١ كلّهم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ولفظ البخاري :«بلّغوا عني ولو آية ، وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ، ولكن من كذب عليّ متعمدا ، فليتبوّأ مقعده من النار». وورد من حديث أبي هريرة بلفظ : «أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : حدّثوا عن بني إسرائيل ، ولا حرج ، وحدثوا عني ، ولا تكذبوا عليّ» أخرجه ابن حبان ٦٢٥٤ ومن حديث أبي سعيد الخدري أخرجه النسائي في الكبرى ٥٨٤٨.

(٢) صحيح. أخرجه البخاري ٦٧ ، ١٠٥ وأطرافه في ١٧٤١ و ٣١٩٧ ، ٤٤٠٦ ، ٤٦٦٢ ، ٥٥٥٠ ، ٧٤٤٧ ومسلم ١٦٧٩ وأبو داود ١٩٤٨ وابن ماجه ٢٣٣ وابن خزيمة ٢٩٥٢ والبيهقي ٣ / ٢٩٨ و ٥ / ١٤٠ ، ١٦٥ ، ١٦٦ وابن حبان ٥٩٧٣ وأحمد ٥ / ٣٧ ، ٣٩ ، ٤٩ كلهم من حديث أبي بكرة. واللفظ لرواية البخاري الأولى.

(٣) صحيح. أخرجه البخاري ١٤٣ ومسلم ٢٤٧٧ والنسائي في الكبرى ٨١٧٧ وابن حبان ٧٠٥٣ وأبو يعلى ٢٥٥٣ كلهم من حديث ابن عباس ولفظ البخاري «اللهم فقهه في الدين» فقط ورواية النسائي وغيره «اللهم فقهه» فقط أما لفظ «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» فقد أخرجه أحمد ١ / ٢٦٦ ، ٣١٤ ، ٣٢٨ ، ٣٣٥ والحاكم ٣ / ٥٣٤ وابن حبان ٧٠٥٥ والطبراني ١٠٥٨٧ ، ١٠٦١٤ وابن سعد في الطبقات ٢ / ١٢٠ كلهم من حديث ابن عباس صححه الحاكم ، ووافقه الذهبي وهو كما قالا.

(٤) هو الشيخ عبد الرحمن بن محمد الأنباري النحوي المتوفي سنة : ٥٧٧ من تصانيفه «الإنصاف في مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين» وغيره من كتب اللغة.

٤

كتاب الغسل من شرح المهذب : ويحرم تفسيره بغير علم والكلام في معانيه لمن ليس من أهله ، وهذا مجمع عليه ، وأما تفسير العلماء فحسن بالإجماع ، فأمدني فيه والحمد الله تأييد سماوي فجعلته كالرديف لتفسير القاضي ناصر الدين البيضاوي(١) ، ولعل تسهيله كان ببركة مبشرة من آثار النبوة رأيتها في صباي وأنا في حدود العاشرة من سني في قريتنا من بلاد البقاع ، رأيت روح القدس جبريل المنزل لهذا الروح والمؤيد بروح القدس محمدا النبي المنزل عليه هذا الروحصلى‌الله‌عليه‌وسلم في صورتي شابين أمردين في أحسن صورة راكبين فرسين أخضرين في غاية الحسن متوجهين نحو المشرق ؛ فأيدني الله ببركتهما ، في تفسيره وتصنيفه بروح منه ، كما يشهده من طالعه وتدبره. والله ولي التوفيق! وسميته «نظم الدرر في تناسب الآيات والسور» ويناسب أن يسمى «فتح الرحمن في تناسب أجزاء القرآن» وأنسب الأسماء له «ترجمان القرآن ومبدى مناسبات الفرقان». وعلم المناسبات الأهم من مناسبات القرآن وغيره علم تعرف منه علل الترتيب. وموضوعه أجزاء الشيء المطلوب علم مناسبته من حيث الترتيب ، وثمرته الاطلاع على الرتبة التي يستحقها الجزء بسبب ما له بما وراءه وما أمامه من الارتباط والتعلق الذي هو كلحمة النسب ، فعلم مناسبات القرآن علم تعرف منه علل ترتيب أجزائه ، وهو سر البلاغة لأدائه إلى تحقيق مطابقة المعاني لما اقتضاه من الحال ، وتتوقف الإجادة فيه على معرفة مقصود السورة المطلوب ذلك فيها. ويفيد ذلك معرفة المقصود من جميع جملها ؛ فلذلك كان هذا العلم في غاية النفاسة وكانت نسبته من علم التفسير نسبة علم البيان من النحو. وطالعت على ذلك كتاب العلامة أبي جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي(٢) العاصمي الأندلسي «المعلم بالبرهان في ترتيب سور القرآن» وهو لبيان مناسبة تعقيب السورة بالسورة فقط ، لا يتعرض فيه للآيات ، وسأذكر في أول كل سورة ما قاله فيها بلفظه ، كما ستراه إن شاء الله تعالى ، ثم ظفرت بكتاب الإمام بدر الدين محمد بن عبد الله(٣) الزركشي المصري الشافعي سماه «البرهان في علوم القرآن» فرأيته ذكر فيه ما يعرف بمقدار كتابي هذا فقال في النوع الثاني منه : وهو في المناسبة قد قل اعتناء المفسرين بهذا النوع لدقته ، وممن أكثر منه الإمام فخر الدين وقال في تفسيره : أكثر

__________________

(١) هو الإمام أبو سعيد عبد الله بن عمر البيضاوي الشافعي له كتاب في التفسير المسمى ب «أنوار التنزيل وأسرار التأويل» وكان قاضيا توفي بتبريز سنة : ٥٨٥ وقيل سنة : ٦٩٢.

(٢) هو الشيخ أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الغرناطي المتوفي سنة ٧٠٨.

(٣) هو الشيخ محمد بن عبد الله الزركشي المتوفى سنة : ٧٩٤ له كتاب «البرهان في علوم القرآن» جمع فيه ما تكلم الناس في فنونه ، ورتبه على سبعة وأربعين نوعا.

٥

لطائف القرآن مودعة في الترتيبات والروابط ، وقال القاضي أبو بكر بن العربي(١) في «سراج المريدين» : ارتباط آي القرآن بعضها ببعض حتى يكوّن كالكلمة الواحدة متسعة المعاني منتظمة المباني علم عظيم لم يتعرض له إلا عالم واحد عمل فيه سورة البقرة ، ثم فتح اللهعزوجل لنا فيه ، فلمّا لم نجد له حملة ورأينا الخلق بأوصاف البطلة ختمنا عليه وجعلناه بيننا وبين الله ورددناه إليه. ونقل الزركشي عن سلطان العلماء الشيخ عز الدين بن عبد السّلام أنه قال ما حاصله : المناسبة علم حسن لكن يشترط في حسن ارتباط الكلام أن يقع في أمر متحد مرتبط أوله بآخره ، فإن وقع على أسباب مختلفة لم يقع فيه ارتباط ، ومن ربط ذلك فهو متكلف بما لا يقدر عليه إلا بربط ركيك يصان عن مثله حسن الحديث فضلا عن أحسنه ، فإن القرآن نزل في نيف وعشرين سنة في أحكام مختلفة شرعت لأسباب مختلفة ، وما كان كذلك لا يتأتى ربط بعضه ببعض ، قال الزركشي : وقال بعض مشايخنا المحققين : قد وهم من قال : لا يطلب للآي الكريمة مناسبة ، لأنها على حسب الوقائع المتفرقة ، وفصل الخطاب أنها على حسب الوقائع تنزيلا ، وعلى حسب الحكمة ترتيبا وتأصيلا ، مرتبة سوره كلها وآياته بالتوقيف كما أنزل جملة إلى بيت العزة ، ومن المعجز البين أسلوبه ونظمه الباهر ؛ والذي ينبغي في كل آية أن يبحث أول كل شيء عن كونها تكملة لما قبلها أو مستقلة ، ثم المستقلة ما وجه مناسبتها لما قبلها ، ففي ذلك علم جم. انتهى. قلت : والشيخ المشار إليه هو العارف ولي الله محمد بن أحمد الملوي المنفلوطي(٢) الشافعي ذكر ذلك في كلام مفرد على قوله تعالى( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ ) [الأنعام : ١٦٥]( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ ) [القصص : ٥] ونقل الإمام شمس الدين محمود الأصفهاني(٣) في تفسير قوله تعالى( آمَنَ الرَّسُولُ ) [البقرة : ٢٨٥] عن الإمام الرازي أنه قال : ومن تأمل في لطائف نظم هذه السورة وفي بدائع ترتيبها علم أن القرآن كما أنه معجز بحسب فصاحة الفاظه وشرف معانيه فهو أيضا بسبب ترتيبه ونظم آياته ، ولعل الذين قالوا : إنه معجز بسبب أسلوبه ، أرادوا ذلك ، إلا أني رأيت جمهور المفسرين معرضين عن هذه اللطائف غير متنبهين لهذه الأسرار وليس الأمر في هذا الباب إلا كما قيل :

__________________

(١) هو الإمام الحافظ القاضي أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد الإشبيلي ولد سنة : ٤٦٨ جمع وصنف ، وذاع صيته توفي سنة : ٥٤٣ بفاس بالمغرب.

(٢) هو الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الشافعي المعروف بابن المنفلوطي ولد سنة : ٧١٣ برع في التفسير ، والفقه ، والأصول ، والتصوف كثير العبادة توفي سنة ٧٧٤.

(٣) هو الإمام المفسر محمود بن عبد الرحمن الشافعي ، من تصانيفه تفسير الأصفهاني المشهور في مجلدات ، توفي سنة : ٧٤٩.

٦

والنجم تستصغر الأبصار صورته

فالذنب للطرف لا للنجم في الصغر.

وانتفعت في هذا الكتاب كثيرا بتفسير على وجه كلي للإمام الرباني أبي الحسن علي بن أحمد بن الحسن التجيبي(١) الحرالّيّ. بمهملتين مفتوحتين ومد وتشديد اللام. المغربي نزيل حماة من بلاد الشام سماه «مفتاح الباب المقفل لفهم القرآن المنزل» وكتاب العروة لهذا المفتاح يذكر فيه وجه إنزال الأحرف السبعة وما تحصل به قراءتها وكتاب التوشية والتوفية في فصول تتعلق بذلك ، وقد ذكرت أكثر هذا الكتاب في تضاعيف كتابي [هذا] معزوا إليه في مواضع تليق [به] ثم بعد وصولي إلى سورة الأنفال ملكت جزءا من تفسيره فيه من أوله إلى( إِنَّ اللهَ اصْطَفى ) [آل عمران : ٣٣] في آل عمران فرأيته عديم النظير وقد ذكرت فيه المناسبات وقد ذكرت ما أعجبني منها وعزوته إليه ، يسّر الله الاطلاع على بقيته بحوله وقوته ، وبعد أن وصلت إلى سورة الكهف ذكر لي أن تفسير ابن النقيب(٢) الحنفي وهو في نحو ستين مجلدا يذكر فيه المناسبات وفي خزانة جامع الحاكم كثير منه ، فطلبت منه جزءا فرأيت الأمر كذلك بالنسبة إلى الآيات لا جملها وإلى القصص لا جميع آياتها ؛ ومن نظر كتابي هذا مع غيره علم النسبة بينهما ، والله الموفق. وبهذا العلم يرسخ الإيمان في القلب ويتمكن من اللب وذلك أنه يكشف أن للإعجاز طريقين : أحدهما نظم كل جملة على حيالها بحسب التركيب ، والثاني نظمها مع أختها بالنظر إلى الترتيب ، والأول أقرب تناولا وأسهل ذوقا ، فإن كل من سمع القرآن من ذكي وغبي يهتزّ لمعانيه وتحصل له عند سماعه روعة بنشاط ورهبة مع انبساط لا تحصل عند سماع غيره ، وكلما دقق النظر في المعنى عظم عنده موقع الإعجاز ، ثم إذا عبر الفطن من ذلك إلى تأمل ربط كل جملة بما تلته وما تلاها خفي عليه وجه ذلك ورأى أن الجمل متباعدة الأغراض متنائية المقاصد فظن أنها متنافرة ، فحصل له من القبض والكرب أضعاف ما كان حصل له بالسماع من الهز والبسط ربما شككه ذلك بكثير وزلزل إيمانه وزحزح إيقانه ، وربما وقف مكيس من أذكياء المخالفين عن الدخول في هذا الدين بعد ما وضحت لديه دلائله وبرزت له من حجالها دقائقه

__________________

(١) هو الإمام المفسر أبو الحسن علي بن أحمد بن الحسن التجيبي المالكي الحرالي كان عارفا متقنا للنحو والكلام والمنطق سكن حماة وله تفسير عجيب «مفتاح الباب المقفل على فهم القرآن المنزل» توفي سنة : ٦٣٧ أكثر البقاعي من النقل عنه.

(٢) ابن النقيب هو الإمام أبو عبد الله محمد بن سليمان المفسر الكبير المعروف بابن النقيب المقدسي الحنفي ، المتوفى سنة : ٦٩٨ وله التفسير المسمى ب «التحرير والتحبير لأقوال أئمة التفسير في معاني كلام السميع البصير» وهو كبير في نيف وخمسين مجلدا.

٧

وجلائله لحكمة أرادها منزله وأحكمها مجمله ومفصله ؛ فإذا استعان بالله وأدام الطرق لباب الفرج بإنعام التأمل وإظهار العجز والوثوق بأنه في الذروة من أحكام الربط كما كان في الأوج من حسن المعنى واللفظ لكونه كلام من جل عن شوائب النقص وحاز صفات الكمال إيمانا بالغيب وتصديقا للرب قائلا ما قال الراسخون في العلم :( رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ) [آل عمران : ٨] فانفتح له ذلك الباب ولاحت له من ورائه بوارق أنوار تلك الأسرار رقص الفكر منه طربا وشكروا لله استغرابا وعجبا وشاط لعظمة ذلك جنانه فرسخ من غير مرية إيمانه ورأى أن المقصود بالترتيب معان جليلة الوصف بديعة الرصف عالية الأمر عظيمة القدر مباعدة لمعاني الكلام على أنها منها أخذت ، فسبحان من أنزله وأحكمه وفصله وغطاه وجلاه ، وبينه غاية البيان وأخفاه ؛ وبذلك أيضا يوقف على الحق من معاني آيات حار فيها المفسرون لتضييع هذا الباب من غير ارتياب ، منها قوله تعالى في سورة البقرة( أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ ) [البقرة : ١٣٣] الآيتين ، ومنها قوله تعالى في سورة النساء( فَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً ) [النساء : ٩٥] مع قوله عقيبه( وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً* دَرَجاتٍ ) [النساء : ٩٥ ، ٩٦] وقوله تعالى في آخر هود( فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ) [هود : ١٠٩] الآية. إلى غير ذلك ، وقوله تعالى في سبحان( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ) [الاسراء : ٨٥] الآية ، وقوله تعالى في السجدة( قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ ) [السجدة : ١١] وقوله تعالى في يس [يس : ٣١]( أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ ) مما تراه وينكشف لك غامض معناه ، وبه يتبين لك أسرار القصص المكررات ، وأن كل سورة أعيدت فيها قصة فلمعنى ادعي في تلك السورة استدل عليه بتلك القصة غير المعنى الذي سيقت له في السورة السابقة ، ومن هنا اختلفت الألفاظ بحسب تلك الأغراض وتغيرت النظوم بالتأخير والتقديم والإيجاز والتطويل مع أنها لا يخالف شيء من ذلك أصل المعنى الذي تكونت به القصة ، وعلى قدر غموض تلك المناسبات يكون وضوحها بعد انكشافها. ولقد شفاني بعض فضلاء العجم وقد سألته عن شيء من ذلك فرآه مشكلا ، ثم قررت إليه وجه مناسبته وسألته هل وضح له؟ فقال : يا سيدي! كلامك هذا يتسابق إلى الذهن. فلا تظنن أيها الناظر لكتابي هذا أن المناسبات كانت كذلك قبل الكشف لقناعها والرفع لستورها ، فرب آية أقمت في تأملها شهورا ، منها( وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ ) [آل عمران : ١٢١] في آل عمران. ومنها( وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَ ) و( يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ ) [النساء : ١٢٧] ومن أراد

٨

تصديق ذلك فليتأمل شيئا من الآيات قبل أن ينظر ما قلته ثم لينظره يظهر له مقدار ما تعبت وما حصل لي من قبل الله ومن العون سواء كان ظهر له وجه لذلك عند تأمله أو لا ، وكذا إذا رأى ما ذكر غيري من مناسبات بعض الآيات. وبه أيضا يتضح أنه لا وقف تام في كتاب الله ولا على آخر سورة( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ) [الناس : ١] بل هي متصلة مع كونها آخر القرآن بالفاتحة التي هي أوله كاتصالها بما قبلها بل أشد ، إلا أن يحمل نفيهم لتعلقه على اللفظ مطلقا ولو خفيا ، وفي الكافي على اللفظ بقيد الجلاء ، ولا تنكشف هذه الأغراض أتم انكشاف إلا لمن خاض غمرة هذا الكتاب وصار من أوله وآخره وأثنائه على ثقة وصواب ،( وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ ) [البقرة : ٢٦٩]

وقد ذكر الزركشي نحو أربع ورقات من مناسبات بعض الآيات ، وإذا تأملها عظم عندك ما في هذا البحر الزاخر من نفائس الجواهر وبدائع السرائر ، وقد أدرجت فيه مما ليس من بابه اليسير من غرائب التفسير مما لم أظفر به في كتاب مع أنه كالمثل يسير ، والله أسأل أن يجعله موجبا لرضوانه والفوز الدائم في أعلى جنانه.

٩
١٠

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة الفاتحة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (٧)

بسم الله القيوم الشهيد الذي لا يعزب شيء عن علمه ، ولا يكون شيء إلا بإذنه ؛ الرحمن الذي عمّت رحمته الموجودات ، وطبع في مرائي القلوب عظمته فتعالت تلك السبحات ، وأجري على الألسنة ذكره في العبادات والعادات ؛ الرحيم الذي تمّت نعمته بتخصيص أهل ولايته بأرضى العبادات.

قال شيخنا الإمام المحقق أبو الفضل(١) محمد بن العلامة القدوة أبي عبد الله محمد ابن العلامة القدوة أبي القاسم محمد المشدالي المغربي البجائي المالكي علامة الزمان سقى الله عهده سحائب الرضوان ، وأسكنه أعلى الجنان : الأمر الكلي المفيد لعرفان مناسبات الآيات في جميع القرآن هو أنك تنظر الغرض الذي سيقت له السورة ، وتنظر ما يحتاج إليه ذلك الغرض من المقدمات وتنظر إلى مراتب تلك المقدمات في القرب والبعد من المطلوب ، وتنظر عند انجرار الكلام في المقدمات إلى ما يستتبعه من استشراف نفس السامع إلى الأحكام واللوازم التابعة له التي تقتضي البلاغة شفاء العليل يدفع عناء الاستشراف إلى الوقوف عليها ؛ فهذا هو الأمر الكلي المهيمن على حكم الربط بين جميع أجزاء القرآن ، وإذا فعلته تبين لك إن شاء الله وجه النظم مفصلا بين كل آية وآية في كل سورة سورة والله الهادي. انتهى. وقد ظهر لي باستعمالي لهذه القاعدة

__________________

(١) هو أبو الفضل محمد بن محمد المغربي البجائي المالكي من آثاره «شرح جمل الخونجي في المنطق» توفي سنة : ٨٦٥ ه‍.

١١

بعد وصولي إلى سورة سبأ في السنة العاشرة من ابتدائي في عمل هذا الكتاب أن اسم كل سورة مترجم عن مقصودها لأن اسم كل شيء تظهر المناسبة بينه وبين مسماه عنوانه الدال إجمالا على تفصيل ما فيه ، وذلك هو الذي أنبأ به آدم عليه الصلاة والسّلام عند العرض على الملائكة عليهم الصلاة والسّلام ، ومقصود كل سورة هاد إلى تناسبها ؛ فأذكر المقصود من كل سورة ، وأطبق بينه وبين اسمها ، وأفسر كل بسملة بما يوافق مقصود السورة ، ولا أخرج عن معاني كلماتها ؛ فالفاتحة اسمها «أم الكتاب» و «الأساس» و «المثاني» و «الكنز» و «الشافية» و «الكافية» و «الوافية» و «الواقية» و «الرقية» و «الحمد» و «الشكر» و «الدعاء» و «الصلاة» ؛ فمدار هذه الأسماء كما ترى على أمر خفي كاف لكل مراد وهو المراقبة التي سأقول إنها مقصودها فكل شيء لا يفتتح بها لا اعتداد به ، وهي أم كل خير ، وأساس كل معروف ، ولا يعتد بها إلا إذا ثنيت فكانت دائمة التكرار ، وهي كنز لكل شيء ، شافية لكل داء ، كافية لكل هم ، وافية بكل مرام ، واقية من كل سوء ، رقية لكل ملم ، وهي إثبات للحمد الذي هو الإحاطة بصفات الكمال ، وللشكر الذي هو تعظيم المنعم ، وهي عين الدعاء فإنه التوجه إلى المدعو ، وأعظم مجامعها الصلاة.

إذا تقرر ذلك فالغرض الذي سيقت له الفاتحة وهو إثبات استحقاق الله تعالى لجميع المحامد وصفات الكمال ، واختصاصه بملك الدنيا والآخرة ، وباستحقاق العبادة والاستعانة ، بالسؤال في المنّ بإلزام صراط الفائزين والإنقاذ من طريق الهالكين مختصا بذلك كله ، ومدار ذلك كله مراقبة العباد لربهم ، لإفراده بالعبادة ، فهو مقصود الفاتحة بالذات وغيره وسائل إليه ، فإنه لا بد في ذلك من إثبات إحاطته تعالى بكل شيء ولن يثبت حتى يعلم أنه المختص بأنه الخالق الملك المالك ، لأن المقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب نصب الشرائع ، والمقصود من نصب الشرائع جمع الخلق على الحق ، والمقصود من جمعهم تعريفهم الملك وبما يرضيه ، وهو مقصود القرآن الذي انتظمته الفاتحة بالقصد الأول ، ولن يكون ذلك إلا بما ذكر علما وعملا ؛ ولما كان المقصود من جمعهم على الله تعالى معرفته لأجل عباداته وكان التزام اسمه تعالى في كل حركة وسكون قائدا إلى مراقبته وداعيا إلى مخافته واعتقاد أن مصادر الأمور ومواردها منه وإليه شرعت التسمية أول كل شيء فصدّرت بها الفاتحة. وقدّم التعوذ الذي هو من درء المفاسد تعظيما للقرآن بالإشارة إلى أن يتعين لتاليه أن يجتهد في تصفية سره وجمع متفرق أمره ، لينال سؤله ومراده مما أودعه من خزائن السعادة بإعراضه عن العدو الحسود وإقباله على الولي الودود ؛ ومن هنا تعرف مناسبة المعوذتين بالفاتحة. ولما افتتح التعوذ بالهمزة إشارة إلى ابتداء الخلق وختم بالميم إيماء إلى المعاد جعلت البسملة كلها للمعاد لابتدائها بحرف شفوي ، وختام أول كلماتها وآخرها بآخر إشارة إلى أن

١٢

الرجوع إليه في الدنيا معنى بتدبير الأمور وإن كان أكثر الخلق غافلا عنه ، وفي البرزخ حسا بالموت ، وفي الآخرة كذلك بالبعث ؛ كما أشار إلى ذلك تكرير الميم المختتم بها في اسمها بذكرها فيه مرتين إشارة إلى المعادين الحسّيين والله أعلم ؛ والمراد بالاسم الصفات العليا. وقال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في تفسيره في غريب ألفاظ البسملة : الباء معناها أظهره الله سبحانه من حكمة التسبيب ؛ «الاسم» ظهور ما غاب أو غمض للقلوب بواسطة الآذان على صورة الأفراد ؛( اللهِ ) اسم ما تعنو إليه القلوب عند موقف العقول فتأله فيه أي تتحير فتتألّهه وتلهو به أي تغني به عن كل شيء ؛( الرَّحْمنِ ) شامل الرحمة لكافة ما تناولته الربوبية ؛( الرَّحِيمِ ) خاص الرحمة بما ترضاه الإلهية. وقال في غريب معناها : لما أظهر الله سبحانه حكمة التسبيب وأرى الخلق استفادة بعض الأشياء من أشياء أخر متقدمة عليها كأنها أسبابها ، وقف بعض الناس عند أول سبب فلم ير ما قبله ، ومنهم من وقف عند سبب السبب إلى ما عساه ينتهي إليه عقله ؛ فطوى الحق تعالى تلك الأسباب وأظهر بالبسملة أي بتقديم الجار أن كل شيء باسمه لا بسبب سواه. وقال : أستفتح أم القرآن بالبسملة لما كانت نسبتها من متلو الصحف والكتب الماضية نسبة أم القرآن من القرآن الكتاب الجامع للصحف والكتب لموضع طيها الأسباب ، كما تضمنت أم القرآن سر ظهور الأفعال بالعناية من الحميد المجيد في آية( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) هذا في ظاهر الخطاب إلى ما وراء ذلك من باطنه فإن لكل آية ظهرا وبطنا وليلتزمها الخلق في ابتداء أقوالهم وأفعالهم ، هكذا قال. وأشد منه أنه لما كانت نسبة البسملة من الفاتحة نسبة الفاتحة من القرآن صدّرت بها الفاتحة كما صدّر القرآن بالفاتحة ، لأنها لما أفادت نسبة الأمور كلها إليه سبحانه وحده أفادت أنه الإله وحده وذلك هو إجمال تفصيل الفاتحة كما أن الفاتحة إجمال تفصيل القرآن من الأصول والفروع والمعارف واللطائف. ولما كان اسم الجلالة علما وكان جامعا لجميع معاني الأسماء الحسنى أولية «الرحمن» من حيث أنه كالعلم في أنه لا يوصف به غيره ، ومن حيث إنه أبلغ من «الرحيم» فأولى الأبلغ الأبلغ ، وذلك موافق لترتيب الوجود. الإيجاد ثم النعم العامة ثم الخاصة بالعبادة ، وذكر الوصفان ترغيبا ، وطويت النقمة في إفهام اختصاص الثاني لتمام الترغيب بالإشارة إلى الترهيب. والمراد بهما هنا أنه سبحانه يستحق الاتصاف بهما لذاته ، وكررهما بعد تنبيها على وجوب ذلك للربوبية والملك ، وللدلالة على أن الرحمة غلبت الغضب ، وفيهما إلى ما ذكر من الترغيب الدلالة على سائر الصفات الحسنى ، لأن من عمت رحمته امتنع أن يكون فيه شوب نقص ، وفي آخر سبحان لهذا المكان مزيد بيان ؛ وكونها تسعة عشر حرفا خطّية وثمانية عشر لفظية إشارة إلى أنها دوافع النقمة من النار التي أصحابها تسعة عشر ، وجوالب للرحمة بركعات

١٣

الصلوات الخمس وركعة الوتر اللاتي من أعظم العبادات الكبرى. ولما كانت البسملة نوعا من الحمد ناسب كل المناسبة تعقيبها باسم الحمد الكلي الجامع لجميع أفراده ، فكأنه قيل : احمدوه لأنه المستحق لجميع المحامد ، وخصوا هذا النوع من الحمد في افتتاح أموركم لما ذكر من استشعار الرغبة إليه والرهبة منه المؤدي إلى لزوم طريق الهدى ، والله الموفق.

ولما أثبت بقوله :( الْحَمْدُ لِلَّهِ ) أنه المستحق لجميع المحامد لا لشيء غير ذاته الحائز لجميع الكمالات أشار إلى أنه يستحقه أيضا من حيث كونه ربا مالكا منعما فقال :( رَبِ ) وأشار بقوله :( الْعالَمِينَ ) إلى ابتداء الخلق تنبيها على الاستدلالات بالمصنوع على الصانع وبالبداءة على الإعادة كما ابتدأ التوراة بذلك لذلك قال الحرالي : و( الْحَمْدُ ) المدح الكامل الذي يحيط بجميع الأفعال والأوصاف ، على أن جميعها إنما هو من الله سبحانه وتعالى وأنه كله مدح لا يتطرق إليه ذم ، فإذا اضمحل ازدواج المدح بالذم وعلم سريان المدح في الكل استحق عند ذلك ظهور اسم الحمد مكملا معرفا بكلمة «أل» وهي كلمة دالة فيما اتصلت به على انتهائه وكماله. انتهى.

ولما كانت مرتبة الربوبية لا تستجمع الصلاح إلا بالرحمة اتبع ذلك بصفتي( الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) ترغيبا في لزوم حمده ، وهي تتضمن تثنية تفصيل ما شمله الحمد أصلا ؛ وسيأتي سر لتكرير هاتين الصفتين في الأنعام عند( فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ ) [الأنعام : ١١٨] عن الإمام حجة الإسلام الغزاليرحمه‌الله تعالى أنه لا مكرر في القرآن.

ولما كان الرب المنعوت بالرحمة قد لا يكون مالكا وكانت الربوبية لا تتم إلا بالملك المفيد لتمام التصرف ، وكان المالك قد لا يكون ملكا ولا يتم ملكه إلا بالملك المفيد للعزة المقرون بالهيبة المثمرة للبطش والقهر المنتج لنفوذ الأمر اتبع ذلك بقوله :( مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) ترهيبا من سطوات مجده. قال الحرالّي : واليوم مقدار ما يتم فيه أمر ظاهر ، ثم قال : و( يَوْمِ الدِّينِ ) في الظاهر هو يوم ظهور انفراد الحق بإمضاء المجازاة حيث تسقط دعوى المدعين ، وهو من أول يوم الحشر إلى الخلود فالأبد ، وهو في الحقيقة من أول يوم نفوذ الجزاء عند مقارفة الذنب في باطن العامل أثر العمل إلى أشد انتهائه في ظاهره ، لأن الجزاء لا يتأخر عن الذنب وإنما يخفى لوقوعه في الباطن وتأخره عن معرفة ظهوره في الظاهر ، ولذلك يؤثر عنه عليه الصلاة والسّلام : «إن العبد إذا أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء»(١) وأيضا فكل عقاب يقع في الدنيا على أيدي الخلق فإنما هو

__________________

(١) جيد. أخرجه الترمذي ٣٣٣٤ والنسائي في الكبرى ١٠٢٥١ ، ١١٦٥٨ وفي عمل اليوم والليلة ٤١٨ وابن ماجه ٤٢٤٤ والطبري ٣٠ / ٩٨ وابن حبان ٩٣٠ والحاكم ٢ / ٥١٧ كلّهم من حديث أبي هريرة بإسناد جيد. وذكره السيوطي في الدر المنثور ٦ / ٣٢٥ ونسبه إلى عبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن ـ

١٤

جزاء من الله وإن كان أصحاب الغفلة ينسبونه للعوائد ، كما قالوا :( مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ ) [الأعراف : ٩٥] ويضيفونه للمعتدين عليهم بزعمهم ، وإنما هو كما قال تعالى :( وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) [الشورى : ٣٠] وكما ورد عنه عليه الصلاة والسّلام : «الحمى من فيح جهنم ، وإن شدة الحر والقر من نفسها»(١) وهي سوط الجزاء الذي أهل الدنيا بأجمعهم مضروبون به ، ومنهل التجهّم الذي أجمعهم واردوه من حيث لا يشعر به أكثرهم ، قال عليه الصلاة والسّلام : «المرض سوط الله في الأرض يؤدب الله به عباده»(٢) وكذلك ما يصيبهم من عذاب النفس بنوع الغم والهم والقلق والحرص وغير ذلك ، وهو تعالى ملك ذلك كله ومالكه ، سواء ادعى فيه مدع أو لم يدع ، فهو تعالى بمقتضى ذلك كله ملك يوم الدين ومالكه مطلقا في الدنيا والآخرة وإلى الملك أنهى الحق تعالى تنزل أمره العلي لأن به رجع الأمر عودا على بدء بالجزاء العائد على آثار ما جبلوا عليه من الأوصاف تظهر عليهم من الأفعال كما قال تعالى : و( سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ ) [الأنعام : ١٣٩] و( جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ) [السجدة : ١٧. الأحقاف : ١٤ ، الواقعة : ٢٤] وبه تم انتهاء الشرف العلي وهو المجد الذي عبر عنه قوله تعالى : «مجدني عبدي»(٣) انتهى ، ولما لم يكن فرق هنا في الدلالة على الملك

__________________

ـ مردويه ، والبيهقي في شعب الإيمان ولفظ الترمذي : «إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء ، فإذا هو نزع واستغفر ، وتاب سقل قلبه ، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه ، وهو الران الذي ذكر الله كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ» صححه الحاكم ، ووافقه الذهبي ، وقال الترمذي : حسن صحيح ١ ه‍. والنكتة في الشيء كالنقطة.

والران : الغطاء ويقال ران على قلبه الذنب يرين رينا : إذا غشّى على قلبه.

والران : شيء يعلو على القلب كالغشاء الرقيق حتى يسود ويظلم.

(١) صحيح. أخرجه البخاري ٥٧٢٥ ، ٣٢٦٣ ومسلم ٢٢١٠ والترمذي ٢٠٧٥ وابن ماجه ٣٤٧١ وأبو يعلى ٤٦٣٦ وأحمد ٦ / ٥٠ ، ٩٠ ، ٩١ كلهم من حديث عائشة ولفظ البخاري : «الحمّى من فيح جهنّم فأبردوها بالماء». وورد من حديث ابن عمر أخرجه ٣٢٦٤ ، ٥٧٢٣ ومسلم ٢٢٠٩ وابن ماجه ٣٤٧٢ والطبراني ١٣٣٤٢ والبيهقي ١ / ٢٢٥ وابن حبان ٦٠٦٦ ، ٦٠٦٧ وأحمد ٢ / ٨٥ ، ٢١ وابن أبي شيبة ٨ / ٨١ وورد من حديث ابن عباس أخرجه البخاري ٣٢٦١ والنسائي في الكبرى ٧٦١٤ وأبو يعلى ٣٧٣٢ وابن حبان ٦٠٦٨ وابن أبي شيبة ٨ / ٨١ والطبراني ١٢٩٦٧ وأحمد ١ / ٢٩١. وورد من حديث أبي هريرة أخرجه مسلم ٦١٧ وآخره «فما وجدتم من برد ، أو زمهرير فمن نفس جهنم ، وما وجدتم من حر أو حرور ، فمن نفس جهنم» وهو أقرب شيء للفظ المصنف : «وإن شدة الحر ، والقر من نفسها».

(٢) لم أجده. وقد ورد في هذا أحاديث واهية : السلطان سوط الله في الأرض بدل المرض. راجع كشف الخفاء.

(٣) صحيح. هو بعض حديث أخرجه مسلم ٣٩٥ وأبو داود ٨٢١ والترمذي ٢٩٥٣ والنسائي ٢ / ١٣٥ ، ـ

١٥

بين قراءة «مَلِك» وقراءة( مالِكِ ) جاءت الرواية بهما ، وذلك لأن المالك إذا أضيف إلى اليوم أفاد اختصاصه بجميع ما فيه من جوهر وعرض ، فلا يكون لأحد معه أمر ولا معنى للملك سوى هذا ، ولما لم تفد إضافته إلى الناس هذا المعنى لم يكن خلاف في( مَلِكِ النَّاسِ ) [الناس : ٢]. فلما استجمع الأمر استحقاقا وتحبيبا وترغيبا وترهيبا كان من شأن كل ذي لب الإقبال إليه وقصر الهمم عليه فقال عادلا عن أسلوب الغيبة إلى الخطاب لهذا مقدما للوسيلة على طلب الحاجة لأنه أجدر بالإجابة :( إِيَّاكَ ) أي يا من هذه الصفات صفاته!( نَعْبُدُ ) إرشادا لهم إلى ذلك ؛ ومعنى( نَعْبُدُ ) كما قال الحرالي : تبلغ الغاية في أنحاء التذلل ، وأعقبه بقوله مكررا للضمير حثا على المبالغة في طلب العون( وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) إشارة إلى أن عبادته لا تتهيأ إلا بمعونته وإلى أن ملاك الهداية بيده : فانظر كيف ابتدأ سبحانه بالذات ، ثم دل عليه بالأفعال ، ثم رقي إلى الصفات ، ثم رجع إلى الذات إيماء إلى أنه الأول والآخر المحيط ، فلما حصل الوصول إلى شعبة من علم الأفعال والصفات علم الاستحقاق للأفراد بالعبادة فعلم العجز عن الوفاء بالحق فطلب الإعانة ، فهو كقولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فيما رواه مسلم وأبو داود في الصلاة والترمذي وابن ماجه في الدعاء والنسائي وهذا لفظه في التعوذ عن عائشة رضي الله عنها : «أعوذ بعفوك من عقوبتك ، وبرضاك من سخطك ، وبك منك»(١) ثم أتبعه فيما زاد عن النسائي الاعتراف بالعجز في قوله : «لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك»(٢) وفي آخر سورة اقرأ(٣) شرح بديع لهذا الحديث.

__________________

ـ ١٣٦ وابن ماجه ٨٣٨ ، ٣٧٨٤ وعبد الرزاق ٢٧٦٧ و ٢٧٦٨ وابن خزيمة ٤٩٠ ، ٥٠٢ ومالك ١ / ٨٤ وابن حبان ٧٧٦ وأحمد ٢ / ٢٤١ ، ٤٥٧ ، ٤٧٨ كلّهم من حديث أبي هريرة.

ولفظ مسلم : «قال الله تعالى : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين. ولعبدي ما سأل ، فإذا قال العبد الحمد لله ربّ العالمين قال الله تعالى : حمدني عبدي وإذا قال : الرحمن الرحيم. قال الله تعالى : أثنى عليّ عبدي. وإذا قال ؛ مالك يوم الدين. قال : مجّدني عبدي. وقال مرّة : فوّض إليّ عبدي. فإذا قال : إيّاك نعبد ، وإيّاك نستعين. قال : هذا بيني ، وبين عبدي ، ولعبدي ما سأل. فإذا قال : اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ، ولا الضالّين قال : هذا لعبدي ، ولعبدي ما سأل».

(١) صحيح. أخرجه مسلم ٤٨٦ وأبو داود ٨٧٩ والترمذي ٣٤٩٣ والنسائي ٢ / ٢١٠ ، ٢٢٢ و ١ / ١٠٢ ، ١٠٣ ومالك ١ / ٢١٤ وعبد الرزاق ٢٨٨٣ و ٢٨٨١ والطحاوي ١ / ٢٣٤ والبيهقي ١ / ١٢٧ وابن خزيمة ٦٥٥ ، ٦٧١ وابن حبان ١٩٣٢ وأحمد ٦ / ٥٨ ، ٢٠١ كلّهم من حديث عائشة وله قصة ولفظ مسلم :اللهم أعوذ برضاك من سخطك ، وبمعافاتك من عقوبتك ، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك».

(٢) هو المتقدم.

(٣) أي سورة العلق.

١٦

قال الحرالي : وهذه الآيات أي هذه وما بعدها مما جاء كلام الله فيه جاريا على لسان خلقه فإن القرآن كله كلام الله لكن منه ما هو كلام الله عن نفسه ومنه ما هو كلام الله عما كان يجب أن ينطق به الخلق على اختلاف ألسنتهم وأحوالهم وترقي درجاتهم ورتب تفاضلهم مما لا يمكنهم البلوغ إلى كنهه لقصورهم وعجزهم فتولى الله الوكيل على كل شيء الإنباء عنهم بما كان يجب عليهم مما لا يبلغ إليه وسع خلقه وجعل تلاوتهم لما أنبأ به على ألسنتهم نازلا لهم منزلة أن لو كان ذلك النطق ظاهرا منهم لطفا بهم وإتماما للنعمة عليهم ، لأنه تعالى لو وكلهم في ذلك إلى أنفسهم لم يأتوا بشيء تصلح به أحوالهم في دينهم ودنياهم ، ولذلك لا يستطيعون شكر هذه النعمة إلا أن يتولى هو تعالى بما يلقنهم من كلامه مما يكون أداء لحق فضله عليهم بذلك ، وإذا كانوا لا يستطيعون الإنباء عن أنفسهم بما يجب عليهم من حق ربهم فكيف بما يكون نبأ عن تحميد الله وتمجيده ، فإذا ليس لهم وصلة إلا تلاوة كلامه العلي بفهم كان ذلك أو بغير فهم ، وتلك هي صلاتهم المقسمة التي عبر عنها فيما صح عنه عليه الصلاة والسّلام من قوله تعالى : «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين»(١) ثم تلا هذه السورة ؛ فجاءت الآيات الثلاث الأول بحمد الله تعالى نفسه ، فإذا تلاها العبد قبل الله منه تلاوة عبده كلامه وجعلها منه حمدا وثناء وتمجيدا ، وجاءت هذه الآيات على لسان خلقه فكان ظاهرها التزام عهد العبادة وهو ما يرجع إلى العبد وعمادها طلب المعونة من الله سبحانه وهو ما يرجع إلى الحق ، فكانت بينه وبين عبده وتقدمت بينيّته تعالى ، لأن المعونة متقدمة على العبادة وواقعة بها وهو مجاب فيما طلب من المعونة ، فمن كانت عليه مؤنة شيء فاستعان الله فيها على مقتضى هذه الآية جاءته المعونة على قدر مؤنته ، فلا يقع لمن اعتمد مقتضى هذه الآية عجز عن مرام أبدا وإنما يقع العجز ببخس الحظ من الله تعالى والجهل بمقتضى ما أحكمته هذه الآية والغفلة عن النعمة بها ، وفي قوله :( نَعْبُدُ ) بنون الاستتباع إشعار بأن الصلاة بنيت على الاجتماع. انتهى. وفي الآية ندب إلى اعتقاد العجز واستشعار الافتقار والاعتصام بحوله وقوته ، فاقتضى ذلك توجيه الرغبات إليه بالسؤال فقال :( اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ) تلقينا لأهل لطفه وتنبيها على محل السلوك الذي لا وصول بدونه ، والهدى قال الحرالي : مرجع الضال إلى ما ضل عنه ، والصراط الطريق الخطر السلوك ، والآية من كلام الله تعالى على لسان العلّية(٢) من خلقه ، وجاء مكملا بكلمة «أل» لأنه الصراط الذي لا يضل بمهتديه لإحاطته ولشمول سريانه وفقا لشمول معنى الحمد في الوجود كله وهو

__________________

(١) صحيح. تقدم قبل حديث.

(٢) العليّة والعليّة : وهو من عليّة قومه أي من أهل الشرف والعلاء والرفعة.

١٧

الذي تشتت الآراء وتفرقت الفرق بالميل إلى واحد من جانبيه وهو الذي ينصب مثاله. وعلى حذو معناه بين ظهراني جهنم يوم الجزاء للعيان وتحفه مثل تلك الآراء خطاطيف وكلاليب ، تجري أحوال الناس معها في المعاد على حسب مجراهم مع حقائقها التي ابتداء في يوم العمل ، وهذا الصراط الأكمل وهو المحيط المترتب على الضلال الذي يعبر به عن حال من لا وجهة له ، وهو ضلال ممدوح لأنه يكون عن سلامة الفطرة لأن من لا علم له بوجهة فحقه الوقوف عن كل وجهة وهو ضلال يستلزم هدى محيطا منه( وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى ) [الضحى : ٦] وأما من هدى وجهة ما فضلّ عن مرجعها فهو ضلال مذموم لأنه ضلال بعد هدى وهو يكون عن اعوجاج في الجبلةانتهى. ثم أكد سبحانه وتعالى الإخبار بأن ذلك لن يكون إلا بإنعامه منبها بهذا التأكيد الذي أفاده الإبدال على عظمة هذا الطريق فقال :( صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) فأشار إلى أن الاعتصام به في اتباع رسله ، ولما كان سبحانه عام النعمة لكل موجود عدوا كان أو وليا ، وكان حذف المنعم به لإرادة التعميم من باب تقليل اللفظ لتكثير المعنى فكان من المعلوم أن محط السؤال بعض أهل النعمة وهم أهل الخصوصية. يعني لو قيل : اتبع طريق أهل مصر مثلا لا أهل دمشق ، علم أن المنفي غير داخل في الأول لأن شرطه أن يتبعاه متعاطفاه كما صرحوا به ، بخلاف ما لو قيل : اتبع طريق أهل مصر غير الظلمة ، فإنه يعلم أن الظلمة منهم ، فأريد هنا التعريف بأن النعمة عامة ولو لم تكن إلا بالإيجاد ، ومن المعلوم أن السلوك لا بد وأن يصادف طريق بعضهم وهم منعم عليهم فلا يفيد السؤال حينئذ ، فعرف أن المسؤول إنما هو طريق أهل النعمة بصفة الرحيمية تشوقت النفوس إلى معرفتهم فميزهم ببيان أضدادهم تحذيرا منهم ، فعرف أنهم قسمان : قسم أريد للشقاوة فعاند في إخلاله بالعمل فاستوجب الغضب ، وقسم لم يرد للسعادة فضل من جهة إخلاله بالعلم فصار إلى العطب فقال مخوفا بعد الترجية ليكمل الإيمان بالرجاء والخوف معرفا بأن النعمة عامة والمراد منها ما يخص أهل الكرامة :( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ) أي الذين تعاملهم معاملة الغضبان لمن وقع عليه غضبه ، وتعرفت «غير» لتكون صفة للذين بإضافتها إلى الضد فكان مثل : الحركة غير السكون ، ولما كان المقصود من «غير» النفي لأن السياق له وإنما عبر بها دون أداة استثناء دلالة على بناء الكلام بادىء بدء على إخراج المتلبس بالصفة وصونا للكلام عن إفهام أن ما يعد أقل ودون لا( وَلَا الضَّالِّينَ ) فعلم مقدار النعمة على القسم الأول وأنه لا نجاة إلا باتباعهم وأن من حاد عن سبيلهم عامدا أو مخطئا شقي ليشمّر أولو الجد عن ساق العزم وساعد الجهد في اقتفاء آثارهم للفوز بحسن جوارهم في سيرهم وقرارهم.

١٨

قال الحرالي :( الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ) الذين ظهر منهم المراغمة وتعمد المخالفة فيوجب ذلك الغضب من الأعلى والبغض من الأدنى. و( الضَّالِّينَ ) الذين وجهوا وجهة هدى فزاغوا عنها من غير تعمد لذلك. «أمين» كلمة عزم من الأمن ، مدلولها أن المدعو مأمون منه أن يرد من دعاه لأنه لا يعجزه شيء ولا يمنعه وهي لا تصلح إلا لله لأن ما دونه لا ينفك عن عجز أو منع انتهى وهو صوت سمي به الفعل الذي هو استجب وقد انعطف المنتهى على المبتدأ بمراقبة القسم الأول اسم الله فحازوا ثمرة الرحمة وخالف هذان القسمان فكانوا من حزب الشيطان فأخذتهم النقمة ، وعلم أن نظم القرآن على ما هو عليه معجز ، ومن ثم اشترط في الفاتحة في الصلاة لكونها واجبة فيها الترتيب ، فلو قدم فيها أو أخر لم تصح الصلاة وكذا لو أدرج فيها ما ليس منها للإخلال بالنظم.

قال الأصبهاني(١) : فإن القرآن معجز والركن الأبين الإعجاز يتعلق بالنظم والترتيب. انتهى. والحاصل أنه لما رفعت تلك الصفات العلية لمخاطبها الحجب وكشفت له بسمو مجدها وعلو جدها وشرف حمدها جلائل الستر وأشرقت به رياض الكرم ونشرت له لطائف عواطفها بسط البر والنعم ثم اخترقت به مهامه العظمة والكبرياء وطوت في تيسيرها له مفاوز(٢) الجبروت والعز وأومضت(٣) له بوارق النقم من ذلك الجناب الأشم وصل إلى مقام الفناء عن الفاني وتمكن في رتبة شهود البقاء للباقي فبادر الخضوع له معرضا عن السوى حاكما على الأغيار بما لها من ذواتها من العدم والتوى فقال :( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) وفي تلك الحال تحقق العجز عن توفية ذلك المقام ما له من الحق فقال :( وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) .

فكشف له الشهود في حضرات المعبود عن طرق عديدة ومنازل سامية بعيدة ورأى أحوالا جمة وأودية مدلهمة(٤) وبحارا مغرقة وأنوارا هادية وأخرى محرقة ، ورأى لكل أهلا قد أسلكوا فجاء تارة حزنا وأخرى سهلا ، وعلم أن لا نجاة إلا بهدايته ولا عصمة بغير عنايته ولا سعادة إلا برحمته ولا سلامة لغير أهل نعمته ؛ فلما أشرق واستنار وعرف مواقع الأسرار بالأقدار كأنه قيل له : ماذا تطلب وفي أي مذهب تذهب؟ فقال :( اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ) .

__________________

(١) هو الإمام المفسر محمود بن عبد الرحمن الشافعي الأصفهاني توفي سنة : ٧٤٩.

(٢) المفازة : الموضع المهلك ومفاوز : مهالك.

(٣) أومض البرق إيماضا لمع لمعانا خفيفا.

(٤) ادلهمّ الظلام : كثف واسود ومدلهم مبالغة والدهمة : السواد.

١٩

ولما طلب أشرف طريق سأل أحسن رفيق فقال :( صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) ولما كانت النعمة قد تخص الدنيوية عينها واستعاذ من أولئك الذين شاهدهم في التيه سائرين وعن القصد عائرين جائرين أو حائرين فقال :( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ) .

وقد أشير في أم الكتاب. كما قال العلامة سعد الدين مسعود ابن عمر التفتازاني(١) الشافعي. إلى جميع النعم فإنها ترجع إلى إيجاد وإبقاء أولا وإلى إيجاد وإبقاء ثانيا في دار الفناء والبقاء ، أما الإيجاد الأول فبقوله :( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) فإن الإخراج من العدم إلى الوجود أعظم تربية ، وأما الإبقاء الأول فبقوله :( الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) أي المنعم بجلائل النعم ودقائقها التي بها البقاء ، وأما الإيجاد الثاني فبقوله :( مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) وهو ظاهر ، وأما الإبقاء الثاني فبقوله :( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) إلى آخرها ، فإن منافع ذلك تعود إلى الآخرة.

ثم جاء التصدير بالحمد بعد الفاتحة في أربع سور أشير في كل سورة منها إلى نعمة من هذه النعم على ترتيبها. انتهى ، وسيأتي في أول كل سورة من الأربع ما يتعلق بها من بقية كلامه إن شاء الله تعالى ، وهذا يرجع إلى أصل مدلول الحمد فإن مادته بكل ترتيب تدور على بلوغ الغاية ويلزم منه الاتساع والإحاطة والاستدارة فيلزمها مطأطأة الرأس وقد يلزم الغاية الرضا فيلزمه الشكر وسيبين وينزل على الجزئيات في سورة النحل إن شاء الله تعالى ، ثم في أول سبأ تحقيق ما قاله الناس فيه وفي النسبة بينه وبين الشكر فقد بان سر الافتتاح بها من حيث تصديرها بالحمد جزئيا فكليا الذي كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه فهو أجذم ؛ وتعقبه بمدح المحمود بما ذكر من أسمائه الحسنى مع اشتمالها على جملة معاني القرآن من الحكم النظرية والأحكام العملية فهي أم القرآن لأنها له عنوان وهو كله لما تضمنته على قصرها بسط وتبيان.

قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في مفتاح الباب المقفل لفهم القرآن المنزل في آخر الباب التاسع منه : ولننه هذه الأبواب بذكر القرآن ومحتواه على الكتب وجمعه وقراءته وبيانه وتنزيله وإنزاله وحكيمه ومبينه ومجيده وكريمه وعظيمه ومرجعه إلى السبع المثاني والقرآن العظيم أم القرآن ومحتواها عليه ، فنذكر جميع ذلك في الباب العاشر ،

__________________

(١) هو الإمام مسعود بن عمر بن عبد الله الخراساني الفقيه الأديب الحنفي الشهير بالتفتازاني ولد سنة ٧٢٢ وتوفي بسمرقند سنة ٧٩٢ من تصانيفه «الأربعين في الحديث» و «إرشاد الهاوي في النحو» و «حاشية على الكشاف للزمخشري» وغيرها.

٢٠