الصلوات الخمس وركعة الوتر اللاتي من أعظم العبادات الكبرى. ولما كانت البسملة نوعا من الحمد ناسب كل المناسبة تعقيبها باسم الحمد الكلي الجامع لجميع أفراده ، فكأنه قيل : احمدوه لأنه المستحق لجميع المحامد ، وخصوا هذا النوع من الحمد في افتتاح أموركم لما ذكر من استشعار الرغبة إليه والرهبة منه المؤدي إلى لزوم طريق الهدى ، والله الموفق.
ولما أثبت بقوله :(
الْحَمْدُ لِلَّهِ
)
أنه المستحق لجميع المحامد لا لشيء غير ذاته الحائز لجميع الكمالات أشار إلى أنه يستحقه أيضا من حيث كونه ربا مالكا منعما فقال :(
رَبِ
)
وأشار بقوله :(
الْعالَمِينَ
)
إلى ابتداء الخلق تنبيها على الاستدلالات بالمصنوع على الصانع وبالبداءة على الإعادة كما ابتدأ التوراة بذلك لذلك قال الحرالي : و(
الْحَمْدُ
)
المدح الكامل الذي يحيط بجميع الأفعال والأوصاف ، على أن جميعها إنما هو من الله سبحانه وتعالى وأنه كله مدح لا يتطرق إليه ذم ، فإذا اضمحل ازدواج المدح بالذم وعلم سريان المدح في الكل استحق عند ذلك ظهور اسم الحمد مكملا معرفا بكلمة «أل» وهي كلمة دالة فيما اتصلت به على انتهائه وكماله. انتهى.
ولما كانت مرتبة الربوبية لا تستجمع الصلاح إلا بالرحمة اتبع ذلك بصفتي(
الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
)
ترغيبا في لزوم حمده ، وهي تتضمن تثنية تفصيل ما شمله الحمد أصلا ؛ وسيأتي سر لتكرير هاتين الصفتين في الأنعام عند(
فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ
)
[الأنعام : ١١٨] عن الإمام حجة الإسلام الغزاليرحمهالله
تعالى أنه لا مكرر في القرآن.
ولما كان الرب المنعوت بالرحمة قد لا يكون مالكا وكانت الربوبية لا تتم إلا بالملك المفيد لتمام التصرف ، وكان المالك قد لا يكون ملكا ولا يتم ملكه إلا بالملك المفيد للعزة المقرون بالهيبة المثمرة للبطش والقهر المنتج لنفوذ الأمر اتبع ذلك بقوله :(
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
)
ترهيبا من سطوات مجده. قال الحرالّي : واليوم مقدار ما يتم فيه أمر ظاهر ، ثم قال : و(
يَوْمِ الدِّينِ
)
في الظاهر هو يوم ظهور انفراد الحق بإمضاء المجازاة حيث تسقط دعوى المدعين ، وهو من أول يوم الحشر إلى الخلود فالأبد ، وهو في الحقيقة من أول يوم نفوذ الجزاء عند مقارفة الذنب في باطن العامل أثر العمل إلى أشد انتهائه في ظاهره ، لأن الجزاء لا يتأخر عن الذنب وإنما يخفى لوقوعه في الباطن وتأخره عن معرفة ظهوره في الظاهر ، ولذلك يؤثر عنه عليه الصلاة والسّلام : «إن العبد إذا أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء»
وأيضا فكل عقاب يقع في الدنيا على أيدي الخلق فإنما هو
__________________