• البداية
  • السابق
  • 569 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 33 / تحميل: 9
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 1

مؤلف:
العربية

الباب العاشر في محل أم القرآن من القرآن ووجه محتوى القرآن على جميع الكتب والصحف المتضمنة لجميع الأديان.

اعلم أن الله سبحانه جمع نبأه العظيم كله عن شأنه العظيم جمعا في السبع المثاني أم القرآن وأم الكتاب وكنزها تحت عرشه ليظهرها في الختم عند تمام أمر الخلق وظهور بادىء الحمد بمحمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، لأنه تعالى يختم بما به بدأ ولم يظهرها قبل ذلك ، لأن ظهورها يذهب وهل الخلق ويمحو كفرهم ولا يتم بناء القرآن إلا مع قائم بمشهود بيان الفعل ليتم الأمر مسمعا ومرأى وذلك لمن يكون من خلقه كل خلق ليبين به ما من أمره كل أمر ، ثم فيما بين بدء الأمر المكنون وخاتم الخلق الكامل تدرج تنشّؤ الخلق وبدو الأمر على حسب ذلك الأمر صحفا فصحفا وكتابا فكتابا ، فالصحف لما يتبدل سريعا ، والكتاب لما يثبت ويدوم أمدا ، والألواح لما يقيم وقتا.

ففي التوراة أحكام الله على عباده في الدنيا بالحدود والمصائب والضراء والبأساء ، وفي القرآن منها ما شاء الله وما يظهره الفقه من الحدود ، ومعارف الصوفية من مؤاخذة المصائب ؛ وفي الإنجيل أصول تلك الأحكام والإعلام بأن المقصود بها ليست هي بل ما وراءها من أمر الملكوت ، وفي القرآن منها ما شاء الله مما يظهره العلم والحكمة الملكوتية ، وفي الزبور تطريب الخلق وجدا وهم عن أنفسهم إلى ربهم ، وفي القرآن منه ما شاء الله مما تظهره الموعظة الحسنة ، ثم أنهى الأمر والخلق من جميع وجوهه ، فصار قرآنا جامعا للكل متمما للنعمة مكملا للدين( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) [المائدة : ٣] الآية ، بعثت لأتمم مكارم الأخلاق. وإن إلى ربك المنتهى.

ووجه فوت أم القرآن للقرآن أن القرآن مقصود تنزيله التفصيل والجوامع ، فيه نجوم مبثوثة غير منتظمة ، واحدة إثر واحدة ، والجوامع في أم القرآن منتظمة واحدة بعد واحدة إلى تمام السبع على وفاء لا مزيد فيه ولا نقص عنه ؛ أظهر تعالى بما له سورة صورة تجليه من بدء الملك إلى ختم الحمد ، وبما لعبده سور مصورة تأديه من براءته من الضلال إلى هدى الصراط المستقيم ،( وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى ) [الضحى : ٧] وبما بينه وبينه قيام ذات الأمر والخلق فكان ذلك هو القرآن العظيم الجامع لما حواه القرآن المطلق الذكر بما فيه من ذلك تفصيلا من مبينه وهو ما عوينت آية مسموعة ، ومن مجيده وهو ما جربت أحكامه من بين عاجل ما شهد وآجل ما علم ، يعلم ما شهد فكان معلوما بالتجربة المتيقنة بما تواتر من القصص الماضي وما شهد له من الأثر الحاضر وما يتجدد مع الأوقات من أمثاله وأشباهه ، ومن كريمه وهو ما ظهرت فيه أفانين إنعامه فيما دق

٢١

وجل وخفي وبدا ، ومن حكيمه وهو ما ظهر في الحكمة المشهورة تقاضيه وانتظام مكتوب خلقه على حسب تنزيل أمره ؛ وما كان منه بتدريج وتقريب للأفهام ففاءت من حال إلى حال وحكم إلى حكم كان تنزيلا ، وما أهوى به من علو إلى سفل كان إنزالا ، وهو إنزال حيث لا وسائط وتنزيل حيث الوسائط ؛ وبيانه حيث الإمام العامل به مظهره في أفعاله وأخلاقه كان خلقه القرآن ، وقرآنه تلفيق تلاوته على حسب ما تتقاضاه النوازل.

آخر آية أنزلت( وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ) [البقرة : ٢٨١] قالصلى‌الله‌عليه‌وسلم في مضمون قوله تعالى :( إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ) [القيامة : ١٧] : «اجعلوها بين آية الدين والآية التي قبلها»(١) لأنه ربما تقدم كيان الآية وتأخر في النظم قرآنها على ما تقدم عليها ، آية( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ ) [الأحزاب : ٥٠] الآية متأخرة الكيان متقدمة القرآن على آية( لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ ) [الأحزاب : ٥٢] فقد يتطابق قرآن الأمر وتطوير الخلق وقد لا يتطابق والله يتولى إقامتهما ؛ وأما الجمع ففي قلبه نسبة جوامعه السبع في أم القرآن إلى القرآن بمنزلة نسبة جمعه في قلبه لمحا واحدا إلى أم القرآن( وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ) [القمر : ٥٠] فهو جمع في قلبه ، وقرآن على لسانه ، وبيان في أخلاقه وأفعاله ، وجملة في صدره ، وتنزيل في تلاوته ،( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً ) [الفرقان : ٣٢] قال الله تعالى : كذلك. أي كذلك أنزلناه ، إلا ما هو منك بمنزلة سماء الدنيا من الكون( إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ ) [الدخان : ٣] أي إلى سماء الدنيا( وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً ) [الإسراء : ١٠٦] وعلى لسانه في أمد أيام النبوة ، وقال في تفسيره : القرآن باطن وظاهره محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قالت عائشة رضي الله عنها : كان خلقه القرآن ، فمحمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم صورة باطن سورة القرآن ، فالقرآن باطنه وهو ظاهره( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ* عَلى قَلْبِكَ ) [الشعراء : ١٩٤].

وقال في تفسير الفاتحة : وكانت سورة الفاتحة أمّا للقرآن ، لأن القرآن جميعه مفصل من مجملها ، فالآيات الثلاث الأول شاملة لكل معنى تضمنته الأسماء الحسنى والصفات العلى ، فكل ما في القرآن من ذلك فهو مفصل من جوامعها ، والآيات الثلاث الأخر من قوله :( اهْدِنَا ) شاملة لكل ما يحيط بأمر الخلق في الأصول إلى الله والتحيز إلى رحمة الله والانقطاع دون ذلك ، فكل ما في القرآن منه فمن تفصيل جوامع هذه ،

__________________

(١) لم يذكره السيوطي في الدر المنثور ، ولا الطبري ، ولا ابن كثير ولا غيرهم معنى يفسر بالأثر فالله أعلم.

٢٢

وكل ما يكون وصلة بين ذلك مما ظاهرهن هذه من الخلق ومبدؤه وقيامه من الحق فمفصل من آية( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) انتهى.

ومن أنفع الأمور في ذوق هذا المشرب استجلاء الحديث القدسي الذي رواه مسلم في صحيحه وأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «قال اللهعزوجل : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) قال الله تعالى : حمدني عبدي ، وإذا قال( الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) قال الله : أثنى عليّ عبدي ، وإذا قال :( مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) قال الله : مجدني عبدي. وقال مرة : فوض إليّ عبدي ، وإذا قال :( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) قال : هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل ، وإذا قال :( اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ) قال : «هذا لعبدي ولعبدي(١) ما سأل» والله أعلم.

__________________

(١) صحيح. أخرجه مسلم ٣٩٥ وغيره وقد تقدم قبل قليل.

٢٣

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة البقرة

مقصودها إقامة الدليل على أن الكتاب [هدى] ليتبع في كل ما قال ، وأعظم ما يهدى إليه الإيمان بالغيب ، ومجمعه الإيمان بالآخرة ، فمداره الإيمان بالبعث الذي أعربت عنه قصة البقرة التي مدارها الإيمان بالغيب فلذلك سميت بها السورة وكانت بذلك أحق من قصة إبراهيم عليه الصلاة والسّلام لأنها في نوع البشر ومما تقدمها في قصة بني إسرائيل من الإحياء بعد الإماتة بالصعق وكذلك ما شاكلها ، لأن الإحياء في قصة البقرة عن سبب ضعيف في الظاهر بمباشرة من كان من آحاد الناس فهي أدل على القدرة ولا سيما وقد اتبعت بوصف القلوب والحجارة بما عم المهتدين بالكتاب والضالين فوصفها بالقسوة الموجبة للشقوة ووصفت الحجارة بالخشية الناشئة في الجملة عن التقوى المانحة للمدد المتعدي نفعه إلى عباد الله ، وفيها إشارة إلى أن هذا الكتاب فينا كما لو كان فينا خليفة من أولي العزم من الرسل يرشدنا في كل أمر إلى صواب المخرج منه فمن أعرض خاب ، ومن تردد كاد ، ومن أجاب اتقى وأجاد.

وسميت بالزهراء لإنارتها طريق الهداية والكفاية في الدنيا والآخرة ، ولإيجابها إسفار الوجوه في يوم الجزاء لمن آمن بالغيب ولم يكن في شك مريب فيحال بينه وبين ما يشتهي ، بالسنام لأنه ليس في الإيمان بالغيب بعد التوحيد الذي هو الأساس الذي ينبني عليه كل خير والمنتهى الذي هو غاية السير والعالي على كل غير بأعلى ولا أجمع من الإيمان بالآخرة ، ولأن السنام أعلى ما في بطن المطية الحاملة والكتاب الذي هي سورته هو أعلى ما في الحامل للأمر وهو الشرع الذي أتاهم به رسولهمصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

( بِسْمِ اللهِ ) الذي نصب مع كونه باطنا دلائل الهدى حتى كان ظاهرا ،( الرَّحْمنِ ) الذي أفاض رحمته على سائر خلقه بعد الإيجاد ببيان الطريق ،( الرَّحِيمِ ) الذي خص أهل وده بالتوفيق. قال العلامة أبو الحسن الحرالي في كتاب العروة لمفتاح الباب المقفل في معنى ما رواه عن ابن وهب من حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف : زاجر وآمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال فأحلوا حلاله

٢٤

وحرموا حرامه وافعلوا ما أمرتم به وانتهوا عما نهيتم عنه واعتبروا بأمثاله واعملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه وقولوا : آمنا به ، كل من عند ربنا »(١) وهذا الحديث رواه أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده وأبو يعلى الموصلي ومن طريقة ابن حبان في صحيحه ، كلهم من طريق ابن وهب عن حيوة عن عقيل بن خالد عن سلمة بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن ابن مسعود رضي الله عنه. فذكره من غير ذكر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ؛ وقال العلامة الحافظ أبو شامة(٢) عبد الرحمن بن إسماعيل الدمشقي الشافعي في كتابه «المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز» بعد أن ساق هذا الحديث من رواية سلمة بن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه عن ابن مسعود رضي الله عنه : قال أبو عمر بن عبد البر(٣) : هذا حديث عند أهل الحديث لم يثبت ، وأبو سلمة لم يلق ابن مسعود ، وابنه سلمة ليس ممن يحتج به ، وهذا الحديث مجمع على ضعفه من جهة إسناده وقد رده قوم من أهل النظر منهم أحمد بن أبي عمران(٤) فيما سمعه الطحاوي(٥) منه ، ويرويه

__________________

(١) ضعيف. ذكره ابن حجر في المطالب العالية ٣٤٨٨ وابن حبان ٧٤٥ والطبري في التفسير ٦٧ والطبراني في الكبير ٨٢٩٦ والطحاوي في المشكل ٤ / ١٨٤ والحاكم ١ / ٥٥٣ كلّهم من حديث ابن مسعود لكن عند الطبراني عن عمر بن أبي سلمة أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال لابن مسعود : إنّ الكتبفذكره.

قال الحافظ في الفتح ٩ / ٢٩ : قال ابن عبد البر : هذا حديث لا يثبت لأنه من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن عن ابن مسعود ولم يلق ابن مسعود ثم قال : وصححه ابن حبان والحاكم ، وفي تصحيحه نظر لانقطاعه بين أبي سلمة ، وابن مسعود ، وقد أخرجه البيهقي من وجه آخر عن الزهري عن أبي سلمة مرسلا ، وقال : هذا مرسل جيد ١ ه‍.

وفي إسناد الطبراني : عمار بن مطر قال الذهبي في الميزان ٣ / ١٦٩ : كان يسرق الحديث ، وقال العقيلي : يحدث عن الثقات بمناكير ، ووصفه الهيثمي في المجمع ٧ / ١٥٣ بقوله : ضعيف جدا.

وفي إسناد أحمد : عثمان بن حسان قال الهيثمي في المجمع ٧ / ١٥٢ : ذكره ابن أبي حاتم ، فلم يجرحه ولم يوثقه وبقية رجاله ثقات.

وأخرجه النسائي في الكبرى ٧٩٨٤ مختصرا موقوفا على ابن مسعود من طريق جابر الجعفي ، وهو ضعيف كما في التقريب. وكذا أخرجه أحمد ١ / ٤٤٥ وابن أبي داود في المصاحف ص / ١٨ من طريقين عن ابن مسعود موقوفا.

(٢) هو الإمام عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم الشافعي المعروف بابن شامة ولد سنة : ٩٥٦ من تصانيفه الباعث على إنكار البدع. والمرشد الوجيز توفي سنة : ٦٦٥ وهو شيخ النووي.

(٣) هو الإمام الحافظ يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر صاحب التصانيف الملقب بابن عبد البر توفي سنة : ٤٦٣.

(٤) هو الإمام أحمد بن أبي عمران أبو الفضل الهروي الزاهد القدوة روى عن محمد بن أحمد بن محبوب المروزي ، وروى عنه خلق كثير توفي سنة ٣٩٩.

(٥) هو الإمام الحافظ أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي الحنفي صاحب التصانيف ولد سنة :٢٢٩ وتوفي سنة : ٣٢١.

٢٥

الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن أم سلمة عن أبي سلمة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم مرسلا ، قال أبو شامة : وهكذا رواه البيهقي في كتاب المدخل وقال : هذا مرسل جيد ، أبو سلمة لم يدرك ابن مسعود ، ثم رواه موصولا وقال : فإن صح فمعنى قوله : سبعة أحرف ، أي سبعة أوجه ، وليس المراد به اللغات التي أبيحت القراءة عليها وهذا المراد به الأنواع التي نزل القرآن عليها والله أعلم.

قلت : عزاه شيخنا العلامة مقرىء زمانه شمس الدين محمد بن محمد بن محمد ابن الجزري الدمشقي(١) الشافعي في أوائل كتابه «النشر في القراءات العشر» إلى الطبراني من حديث عمر بن أبي سلمة(٢) المخزومي رضي الله عنهما أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال لابن مسعود رضي الله عنه : «إن الكتب كانت تنزل من السماء من باب واحد وإن القرآن أنزل من سبعة أبواب على سبعة أحرف : حلال وحرام ومحكم ومتشابه وضرب أمثال و [آمر و] زاجر ، فأحل حلاله وحرم حرامه واعمل بمحكمه وقف عند متشابهه واعتبر أمثاله ، فإن كلّا من عند الله وما يذكر إلا أولو الألباب»(٣) ورواه الحافظ أبو بكر بن أبي داود(٤) في «كتاب المصاحف» من وجه آخر عن عبد الله قال : «إن القرآن أنزل على نبيكمصلى‌الله‌عليه‌وسلم من سبعة أبواب على سبعة أحرف. أو : حروف. وإن الكتاب قبلكم كان ينزل. أو : نزل. من باب واحد على حرف واحد»(٥) ورواه البيهقي في فضل القرآن من الشعب عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ : «نزل القرآن على خمسة أوجه : حلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال»(٦) .

قال الحرالي : وفي حديث آخر من طريق ابن عمر رضي الله عنهما : إن الكتب كانت تنزل من باب واحد وإن هذا القرآن أنزل من سبعة أبواب على سبعة أحرف وقال في معنى ذلك : اعلم أن القرآن منزل عند انتهاء الخلق وكمال كل الأمر بدءا فكان

__________________

(١) هو الإمام محمد بن محمد أبو الخير الجزري المتوفي سنة : ٨٣٣ من تصانيفه «النشر في القراءات العشر».

(٢) هو عمر بن أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي ربيب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم صحابي صغير أمه أم سلمة زوج النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأمّره عليّ على البحرين توفي سنة : ٨٣.

(٣) أخرجه الطبراني في الكبير ٨٢٩٦ وقد تقدم الكلام عليه في الحديث الذي قبله.

(٤) هو الإمام الحافظ أبو بكر عبد الله ابن الحافظ الكبير أبي داود صاحب التصانيف توفي سنة : ١١٣.

(٥) أخرجه ابن أبي داود في المصاحف ص / ١٨ وقد تقدم الكلام عليه قبل حديثين.

(٦) ضعيف : أخرجه البيهقي في الشعب ٢٢٩٣ في فضائل القرآن من حديث أبي هريرة بأتم منه ، وفيه عبد الله بن سعيد المقبري ضعيف.

٢٦

المتخلق به جامعا لانتهاء كل خلق وكمال كل أمر ، فلذلك هوصلى‌الله‌عليه‌وسلم قثم(١) الكون. وهو الجامع الكامل. ولذلك كان خاتما ، وكان كتابه ختما ، وبدأ المعاد من حد ظهوره ، إنه هو يبدىء ويعيد ، فاستوفى صلاح هذه الجوامع الثلاث التي قد خلت في الأولين بداياتها وتمت عنده نهاياتها ؛ «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»(٢) رواه أحمد عن معاذ رضي الله عنه رفعه ، وهي صلاح الدنيا والدين والمعاد التي جمعها في قولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فيما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه : «اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري ، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي ، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي»(٣) وفي كل صلاح إقدام وإحجام فتصير الثلاثة الجوامع ستة مفصلات هي حروف القرآن الستة التي لم يبرح يستزيدها من ربه حرفا حرفا ، فلما استوفى الستة وهبه ربه حرفا جامعا سابعا فردا لا زوج له ، فتم إنزاله على سبعة أحرف.

فأدنى تلك الحروف هو حرف إصلاح الدنيا ، فلها حرفان : أحدهما حرف الحرام الذي لا تصلح النفس والبدن إلا بالتطهير منه لبعده عن تقويمها ؛ والثاني حرف الحلال الذي تصلح النفس والبدن عليه لموافقته لتقويمها ؛ وأصل هذين الحرفين في التوراة ، وتمامهما في القرآن.

ثم يلي هذين حرفا صلاح المعاد : أحدهما حرف الزجر والنهي التي لا تصلح الآخرة إلا بالتطهير منه لبعده عن حسناها ، والثاني حرف الأمر الذي تصلح الآخرة عليه لتقاضيه بحسناها ، وقد يتضرر على ذلك حال الدنيا ، لأنه يأتي على كثير من حلالها لوجوب إيثار الآخرة لبقائها وكليتها على الدنيا لفنائها وجزئيتها ، لكون خير الدنيا جزءا

__________________

(١) القثم : بالضم الكثير العطاء والجموع للخير القثوم : الجموع للخير واقتثمه استأصله ومالا كثيرا أخذه واجترفه وجمعه اه محيط.

وقثم له في المال إذا أعطاه قطعة جيده ، واسم الفاعل قثم اه مصباح.

(٢) حسن. أخرجه أحمد ٢ / ٣٨١ والحاكم ٢ / ٦١٣ والديلمي في الفردوس ٢٠٩٨ كلّهم من حديث أبي هريرة ولفظ أحمد «إنّما بعثت لأتمم صالح الأخلاق».

وأخرجه مالك في الموطأ ٢ / ٩٠٤ بلاغا بلفظ «بعثت لأتمم حسن الأخلاق».

وقال ابن عبد البر : هو حديث مدني صحيح متصل من وجوه صحاح عن أبي هريرة وغيره ا ه المقاصد ص ١٠٥ وصححه الحاكم ووافقه الذهبي ، والصواب أنه حسن. وقال السخاوي في المقاصد الحسنة ح ٢٠٤ : معناه صحيح ، وقد عزاه الديلمي لأحمد عن معاذ ، وما رأيته فيه ، والذي رأيته عن أبي هريرة ا ه المقاصد الحسنة ص ١٠٥.

(٣) صحيح. أخرجه مسلم ٢٧٢٠ والديلمي في الفردوس ١٩٣٤ كلاهما من حديث أبي هريرة. بزيادة :«واجعل لي الحياة زيادة لي في كل خير ، واجعل لي الموت راحة لي من كل شر.»

وورد من طريق آخر عن كعب أن صهيبا حدثه أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ...» أخرجه النسائي ٣ / ٧٣ وفي الكبرى ١٢٦٩ وابن خزيمة ٧٤٥ وابن حبان ٢٠٢٧.

٢٧

من مائة وشر الدنيا جزءا من سبعين جزءا ولا يؤثر هذا الجزء الأدنى لحضوره على ذلك الكل الأنهى لغيابه إلا من سفه نفسه وضعف إيمانه ، فتخلص المرء من حرف الحرام طهره وتخلصه من النهي طيبه ؛ وأصل هذين الحرفين في الإنجيل وتمامهما في القرآن.

ثم يلي هذين حرفا صلاح الدين : أحدهما حرف المحكم الذي بان للعبد فيه خطاب ربه من جهة أحوال قلبه وأخلاق نفسه وأعمال بدنه فيما بينه وبين ربه من غير التفات لغرض النفس في عاجل الدنيا ولا آجلها ، والثاني حرف المتشابه الذي لا يتبين للعبد فيه خطاب ربه من جهة قصور عقله من إدراكه ووجوب تسبيح ربه عن تمثل عبده إلى أن يؤيده الله بتأييده. والحروف الخمسة للاستعمال وهذا الحرف السادس للوقوف ليكون العبد قد وقف لله بقلبه عن حرف كما قد كان أقدم لله على تلك الحروف ، ولينسخ بعجزه وإيمانه عند هذا الحرف السادس انتهاء ما تقدم من طوقه وعلمه في تلك الحروف ابتداء ؛ وأصل هذين الحرفين في الكتب المتقدمة كلها وتمامها في القرآن.

فهذه الحروف الستة يشترك فيها القرآن مع سائر الكتب ويزيد عليها تمامها وبركة جمعها ، ويختص القرآن بالحرف السابع الجامع مبين المثل الأعلى ومظهر الممثول الأعظم حرف الحمد الخاص بمحمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو حرف المثل. وعن جمعه وكمال جمعه لمحمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم في قلبه وقراءته على لسانه وبيانه في ذاته ظهرت عليه خواص خلقه الكريم وخلقه العظيم ، ولا ينال إلا موهبة من الله تعالى لعبده بلا واسطة ، والستة تتنزل بتوسطات من استواء الطبع وصفاء العقل بمثابة وحي النبي وإلهام الولي.

ولما كان حرف الحمد هو سابعها الجامع افتتح الله به سبحانه وتعالى الفاتحة أم القرآن وأم الكتاب وجمع فيها جوامع الحروف السبعة التي بثها في القرآن كما جمع في القرآن ما بث في جميع الكتب المتقدمة ، كفضة ثقلت على مريد السفر فابتاع بها ذهبا فذلك مثل القرآن ثم ثقل عليه الذهب فابتاع به جواهرا ، فذلك مثل أم القرآن فاذن كمال الحروف التي أنزل عليها القرآن موجودة في جوامع أم القرآن ، فالآية الأولى تشتمل على حرف الحمد السابع ، والثانية تشتمل على حرفي الحلال والحرام اللذين أقامت الرحمانية بهما الدنيا ، يريد ـ والله سبحانه وتعالى أعلم ـ أن الرحمانية وسعت على العباد الاستمتاع بالمخلوق من النعم والخيرات الموافقة لطباعهم وأمزجتهم وقبول نفوسهم في جميع جهات الاستمتاع ، فكان في ذلك رحمتان : رحمة بالإباحة وهي إزالة حرج الحظر ، ورحمة يمنع لحاق حرج الإثم أو يجعل المباح شهيا للطبع ، وأما الرحيمية فطهرتهم من مضار أبدانهم ورجاسة نفوسهم ومجهلة قلوبهم ، ففي ذلك رحمة واحدة وهي حمية المحبوب عن المضار من المحبوب. أو يريد ـ وهو والله تعالى أعلم أقرب ـ أن الرحمانية

٢٨

أقامت بعمومها كل ما شملته الربوبية من إفاضة النعم وإزاحة النقم على وجه مسعد أو مشق ، والرحيمية أقامت بخصوصها كما تقدم بما ترضاه الإلهية إدرار النعم ودفع النقم على الوجه المسعد خاصة. انتهى.

والآية الثالثة تشتمل على أمر الملك القيم على حرفي الأمر والنهي اللذين يبدو أمرهما في الدين ، والرابعة تشتمل على حرفي المحكم في قوله( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) [الفاتحة : ٥] والمتشابه في قوله( وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) [الفاتحة : ٥] ، ولما كانت بناء خطاب محاضرة لم تردد مسألتها في السورة فانفرد هذان الحرفان عن الدعاء فيهما ، وعادت مسألة الآية الخامسة على حرف الحمد ومسألة الآية السادسة على آية النعمة من حرفي الحلال والحرام ومسألة الآية السابعة على آية الملك من حرفي الأمر والنهي فجمعت الفاتحة جوامع الحروف السبعة.

ولما ابتدئت الفاتحة أم القرآن بالسابع الجامع الموهوب ابتدىء القرآن بالحرف السادس المعجوز عنه وهو حرف المتشابه ، لأنه عن إظهار العجز ومحض الإيمان كانت الهبة والتأييد ، وليكون العبد يفتتح القرآن بالإيمان بغيب متشابه في قوله( الم ) فيكون أتم انقيادا لما دونه وبريئا من الدعوى في مستطاعه في سائر الحروف ، ثم ولى السادس المفتتح به القرآن الخامس المحكم من وجه في قوله سبحانه وتعالى( وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ) لأن من عمل بها من قلبه شعبة إيمان وعلم كانت له من المحكم ، ومن عمل بها ائتمارا وإلجاء ولم يدخل الإيمان في قلبه كانت له حرف أمر( وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً ) [الحجرات : ١٤]

وهذا إنما وقع ترتيبه هكذا في القرآن المتلو ، وأما تنزيله في ترتيب البيان فإن أول ما نزل على النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم هو حرف المحكم وهو قوله سبحانه وتعالى( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ) [العلق : ١ ـ ٥] الآيات الخمس ، وأول ما أنزل إلى الأمة في ترتيب البيان هو من حرف الزجر والنهي وهو قوله سبحانه وتعالى( يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنْذِرْ ) [المدثر : ١ ـ ٢] أي( نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ ) [سبأ : ٤٦] أعلمهم بما تخاف عاقبته في الآخرة وإن كانوا قد اتخذوا في الدنيا مودة بأوثانهم وقال تعالى( إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ ) [العنكبوت : ٢٥] الآية ، فابتدأ سبحانه وتعالى ترتيل الأمة بإصلاح المعاد الأهم لأن عليه يصلح أمر الدنيا ، من استقل بآخرته كفاه الله أمر دنياه ، وبدأ منها بحرف الزجر والنهي وهو المبدوء به في الحديث وردد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لفظ الزجر بلفظ النهي لأن المقصود بهما واحد وهو الردع عما يضر في

٢٩

المعاد ، إلا أن الردع على وجهين : خطاب لمعرض ويسمى زجرا كما يسمى في حق البهائم ، وخطاب لمقبل على التفهم ويسمى نهيا ؛ فكأن الزجر يزيغ الطبع والنهي يزيغ العقل. انتهى. وقد بان من هذا سر افتتاح البقرة بالحروف المقطعة.

ولما كان الذي ابتدئت به السور من ذلك شطر حروف المعجم كان كأنه قيل من زعم أن القرآن ليس كلام الله فليأخذ الشطر الآخر ويركب عليه كلاما يعارضه به ، نقل ذلك الزركشي(١) في البرهان عن القاضي أبي بكر قال : وقد علم ذلك بعض أرباب الحقائق ، وجمعها الزركشي في قوله : نص حكيم قاطع له سر. وعن أبي بكر رضي الله عنه : في كل كتاب سر وسر الله في القرآن أوائل السور(٢) . وعن علي رضي الله تعالى عنه وكرم وجهه : أن لكل كتاب صفوة ، وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي(٣) .

ولما كانت حروف المعجم تسعة وعشرين حرفا بالهمزة وكان أحد شطرها على

__________________

(١) هو الإمام محمد بن عبد الله الزركشي المفسر من تصانيفه «البرهان في علوم القرآن» رتب على سبعة ، وأربعين نوعا توفي سنة ٧٩٤.

(٢) قال السيوطي في الدر المنثور ١ / ٢٣ : أخرجه ابن المنذر وأبو الشيخ بن حبان في التفسير عن داود بن أبي هند قال : «كنت أسأل الشعبي عن فواتح السور. قال : يا داود إن لكل كتاب سر ، وإن سر هذا القرآن فواتح السور ، فدعها وسل عما بدا لك».

(٣) ورد في تفسير ابن كثير ما ملخصه ١ / ٣٨ : قد اختلف المفسرون في الحروف المقطعة التي في أوائل السور فمنهم من قال : هي مما استأثر الله بعلمه فردّوا علمها إلى الله ولم يفسرها حكاه القرطبي في تفسيره عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين وقاله عامر الشعبي ، وسفيان الثوري ، والربيع بن خثيم ، واختاره أبو حاتم بن حبان ، ومنهم من فسرها ، واختلف هؤلاء في معناها فقال عبد الرحمن بن يزيد بن أسلم : إنما هو أسماء السور وقال العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري في تفسيره : وعليه إطباق الأكثر ، ونقل عن سيبويه أنه نص عليه ، ويعتضد لهذا بما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة «أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة الم السجدة وهَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ وقال سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال : الم ، وحم ، المص ، وص فواتح افتتح الله بها القرآن ، وكذا غيره عن مجاهد وقيل : هي اسم من أسماء الله تعالى فقال عنها في فواتح السور من أسماء الله تعالى ، وكذلك قال سالم بن عبد الله ، وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير ، وقال شعبة عن السدي : بلغني أن ابن عباس قال : الم اسم من أسماء الله الأعظم هكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث شعبة ، ورواه ابن جرير عن بندار عن أبي مهدي عن شعبة قال : سألت السدي عن حم وطس والم فقال : قال ابن عباس : هي اسم الله الأعظم ، وقال ابن جرير عن مرة الهمذاني قال : قال عبد الله فذكر نحوه. وحكى مثله علي ، وابن عباس وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : هو قسم أقسم الله به ، وهو من أسماء الله تعالى ، وروى ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث ابن علية عن خالد الحذاء عن عكرمة أنه قال : الم قسم. وروينا أيضا من حديث شريك بن عبد الله بن عطاء بن السائب عن أبي الضحى عن ابن عباس : الم قال : أنا الله أعلم ، وكذا قال سعيد ابن جبير ، وقال السدي عن أبي مالك. ثم قال ابن كثير : وأما من زعم أنها دالة عن معرفة

٣٠

التحرير متعذرا فقسمت خمسة عشر وأربعة عشر ، وأخذ الأقل من باب الأنصاف وفرق في تسع وعشرين سورة على عدد الحروف ، وتحدّى به على هذا الوجه. وأبدى الإمام شمس الدين ابن قيم الجوزية الدمشقي الحنبلي في كتاب به كالتذكرة سماه «بدائع الفرائد» سرا غريبا في ابتداء القرآن بقوله( الم ) حاصله أن حروفه الثلاثة جمعت المخارج الثلاثية : الحلق واللسان والشفتان. على ترتيبها ، وذلك إشارة إلى البداية التي هي بدء الخلق والنهاية التي هي المعاد والوسط الذي هو المعاش من التشريع بالأوامر والنواهي ؛ وفي ذلك تنبيه على أن هذا الكتاب الذي ركب من هذه الحروف التي لا تعدو المخارج الثلاثة التي بها يخاطب جميع الأمم جامع لما يصلحكم من أحوال بدء الخلق وإعادته وما بين ذلك ، وكل سورة افتتحت بهذه الحروف ذكرت فيها الأحوال الثلاثة.

وقال الحرالي في تفسيره : «الف» اسم للقائم الأعلى المحيط ثم لكل مستخلف في القيام كآدم والكعبة ، «ميم» اسم للظاهر الأعلى الذي من أظهره ملك يوم الدين ، واسم للظاهر الكامل المؤتى جوامع الكلم محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ثم لكل ظاهر دون ذلك كالسماء والفلك والأرض ، «لام» اسم لما بين باطن الإلهية التي هي محار العقول وظاهر الملك الذي هو متجلى يوم الجزاء من مقتضى الأسماء الحسنى والصفات العلى التي هي وصل تنزل ما بينهما كاللطيف ونحوه ، ثم للوصل الذي كالملائكة وما تتولّاه من أمر الملكوت. وهذه الألفاظ عند انعجام(١) . معناها تسمى حروفا ، والحرف طرف الشيء الذي لا يؤخذ منفردا وطرف القول الذي لا يفهم وحده ، وأحق ما تسمى حروفا إذا نظر إلى صورها ووقوعها أجزاء من الكلم ولم تفهم لها دلالة فتضاف إلى مثلها جزء من كلمة مفهومة تسمى عند ذلك حروفا وعند النطق بها هكذا ألف لام ميم فينبغي أن يقال فيها أسماء وإن كانت غير معلومة الدلالة كحروف ألف باء تاء فإنها كلها أسماء على ما فهمه الخليل وإنها إنما تسمى حروفا عند ما تكون أجزاء كلمة محركة للابتداء أو مسكنة للوقف والانتهاء.

وأما حقيقتها فهي جوامع أصلها في ذكر أول من كلام الله تعالى فنزلت إلى الكلم العربية وترجمت بها ونظم منها هذا القرآن العربي المبين ، فهي في الكتب العلوية الملكوتية المترتبة في الجمع والتفصيل آية وكلم وذات كتاب ، فلما نزلت إلى غاية

__________________

ـ المدد وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث ، والفتن ، والملاحم فقد ادعى ما ليس له ، وطار في غير مطاره ا ه.

(١) استعجم الكلام علينا مثل استبهم أي أصبح غامضا.

٣١

مفصل القرآن أبقيت في افتتاحه لتكون علما على نقله للتفصيل من ذلك الكتاب ، ولأنها أتم وأوجز في الدلالة على الجمع من المفصل منها ودلالتها جامعة للوجود كله من أبطن قيمه إلى أظهره وأظهر مقامه وما بينهما من الوصلة والواصلة وهي جامعة الدلالة على الكون المرئي للعين بالعين والوحي المسموع ؛ ولأجل ما اقتضته من الجمع لم تنزل في كتاب متقدم لأن كتاب كل وقت مطابق بحال الكون فيه والكون كان بعد لم يكمل فكانت كتبه وصحفه بحسبه ، ولما كمل الكون في وقت سيدنا محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان كتابه كاملا جامعا فوجب ظهور هذه الجوامع فيه ليطابق الختم البدء ، لأنهما طرفا كمال وما بينهما تدرج إليه ، وقد كان وعد بإنزالها في بعض تلك الكتب فكان نزولها نجازا لذلك. انتهى.

وأما مناسبة ما بعد ذلك للفاتحة فهو أنه لما أخبر سبحانه وتعالى أن عباده المخلصين سألوا في الفاتحة هداية الصراط المستقيم الذي هو غير طريق الهالكين أرشدهم في أول التي تليها إلى أن الهدى المسؤول إنما هو في هذا الكتاب ، وبين لهم صفات الفريقين الممنوحين بالهداية حثا على التخلق بها والممنوعين منها زجرا عن قربها. فكان ذلك من أعظم المناسبات لتعقيب الفاتحة بالبقرة ، لأنها سيقت لنفي الريب عن هذا الكتاب ولأنه هدى للمتقين ، ولوصف المتقين وما يجازون به بما في الآيات الثلاث ولوصف الكافرين الذين لا يؤمنون لما وقع من الختم على حواسهم والحتم لعقابهم ليعلم أن ما اتصف به المتقون هو الصراط المستقيم فيلزم وما اتصف به من عداهم هو طريق الهالكين فيترك ، وفي الوصف بالتقوى بعد ذكر المغضوب عليهم والضالين إشارة إلى أن المقام مقام الخوف.

وإن شئت قلت : مقصود هذه السورة وصف الكتاب فقط وما عدا ذلك فتوابع ولوازم ولن يثبت أنه هدى إلا بإثبات أنه حق معنى ونظما ، ولما كان المعنى أهم قدم الاستدلال عليه فأخبر من تماديهم على الكفر بما يكون تكذيبهم به تصديقا له ، واتبع ذلك بذكر المنافقين إعلاما بأن المنفي الإيمان بالقلب وأنه لا عبرة باللسان إذا تجرد عنه ، وساق ذلك على وجه يعلمون به أنه الحق بما هتك من سرائرهم وكشف من ضمائرهم ، فلما تم ذلك وكان المقصود منه الدعاء إلى الله انتهزت تلك الفرصة بقوله تعالى( يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ) [البقرة : ٢١] لما أسس لها من الترغيب بالترهيب ، ثم أقيم الدليل على حقية نظمه بتقصيرهم عن مدى سهمه ، فرجع حاصل ذلك إلى إثباته بعجزهم عن معارضته في معناه بإيجاد ما أخبر بنفيه وفي نظمه بالإتيان بمثله ، فلما ثبت ذلك ثبت أنه من عند الله فثبت تأهله لتعليم الشرائع فجعلها ضمن مجادلة أهل الكتاب

٣٢

بما يعلمون حقيته بلا ارتياب من الدعاء إلى ما أخفوه من الدعائم الخمس التي بني عليها الإسلام.

( الم (١) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٧) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (١٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ (١٢) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (١٣) وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (١٤) اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٦) )

ولما كان معنى( الم ) هذا كتاب من جنس حروفكم التي قد فقتم في التكلم بها سائر الخلق فما عجزتم عن الإتيان بسورة من مثله إلا لأنه كلام الله أنتج ذلك كماله ، فأشير إليه بأداة البعد ولام الكمال في قوله( ذلِكَ الْكِتابُ ) لعلو مقدار بجلالة آثاره وبعد رتبته عن نيل المطرودين. ولما علم كماله أشار إلى تعظيمه بالتصريح بما ينتجه ويستلزمه ذلك التعظيم فقال( لا رَيْبَ فِيهِ ) أي في شيء من معناه ولا نظمه في نفس الأمر عند من تحقق بالنظر فالمنفي كونه متعلقا للريب ومظنة له ، ولم يقدم الظرف لأنه كان يفيد الاختصاص فيفهم أن غيره من الكتب محل الريب.

قال الحرالي : «ذا» اسم مدلوله المشار إليه ، واللام مدلوله معها بعد مّا( الْكِتابُ ) من الكتب وهو وصل الشيء المنفصل بوصلة خفية من أصله كالخرز في الجلد بقد منه والخياطة في الثوب بشيء من جنسه ليكون أقرب لصورة اتصاله الأول ، فسمي به ما ألزمه الناس من الأحكام وما أثبت بالرقوم من الكلام( لا ) لنفي ما هو ممتنع مطلقا أو

٣٣

في وقت ، «الريب» التردد بين موقعي تهمة بحيث يمتنع من الطمأنينة على كل واحد منهما. انتهى. وأصله قلق النفس واضطرابه ، ومنه ريب الزمان لنوائبه المقلقة ، ولما كان ذلك يستلزم الهدى قال :( هُدىً ) وخص المنتفعين لأن الألد(١) لا دواء له والمتعنت(٢) لا يرده شيء فقال :( لِلْمُتَّقِينَ ) أي الذين جبلوا في أصل الخلقة على التقوى ؛ فافهم ذلك أن غيرهم لا يهتدى به بل يرتاب وإن كان ليس موضعا للريب أصلا.

قال الحرالي : جمع المتقي وهو المتوقف عن الإقدام على كل أمر لشعوره بتقصيره عن الاستبداد وعلمه بأنه غير مستغن بنفسه فهو متق لوصفه وحسن فطرته والمتقي كذا متوقف لأجل ذلك ، والتقوى أصل يتقدم الهدى وكل عبادة ، لأنها فطرة توقف تستحق الهدى وكل خير وهي وصية الله لأهل الكتاب. انتهى.

ثم وصفهم بمجامع الأعمال تعريفا لهم فقال :( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) أي الأمر الغائب الذي لا نافع في الإيمان غيره ، وعبر بالمصدر للمبالغة.( وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ ) أي التي هي حضرة المراقبة وأفضل أعمال البدن بالمحافظة عليها وبحفظها في ذاتها وجميع أحوالها. ولما ذكر وصلة الخلق بالخالق وكانت النفقة مع أنها من أعظم دعائم الدين صلة بين الخلائق أتبعها بها فقال مقدما للجار ناهيا عن الإسراف ومنبها بالتبعيض على طيب النفقة لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وآمرا بالورع وزاجرا عما فيه شبهة [لأن الرزق يشمل الحلال والحرام والمشتبه]( وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ ) أي مكناهم من الانتفاع به على عظمة خزائننا وهو لنا دونهم.( يُنْفِقُونَ ) أي في مرضاتنا مما يلزمهم من الزكاة والحج والغزو وغيرها ومما يتطوعون به من الصدقات وغيرها ، والمراد بهذه الأفعال هنا إيجاد حقائقها على الدوام.

قال أبو حيان(٣) وغيره في قوله تعالى في سورة الحج( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ ) [الحج : ٢٥] المضارع قد لا يلحظ فيه زمان معين من حال أو استقبال فيدل إذ ذاك على الاستمرار. انتهى. وهذا مما لا محيد عنه وإلا لم يشمل هذا في هذه السورة المدنية من تخلق به قبل الهجرة وقوله تعالى( فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ ) [البقرة : ٩١] قاطع في ذلك.

وقال الحرالي :( يُؤْمِنُونَ ، ) من الإيمان وهو مصدر آمنه يؤمنه إيمانا إذا آمن من

__________________

(١) يلدّ لددا من باب تعب. اشتدت خصومته ، فهو ألد.

(٢) العنت : الفساد والإثم والهلاك وعنّته تعنيتا شدد عليه وألزمه ما يصعب عليه أداؤه.

(٣) هو الإمام أبو حيان محمد بن يوسف الأندلسي المتوفى سنة : ٧٤٥ من تصانيفه «البحر المحيط في التفسير».

٣٤

ينبهه على أمر ليس عنده أن يكذبه أو يرتاب فيه ، و «الغيب» ما غاب عن الحس ولم يكن عليه علم يهتدي به العقل فيحصل به العلم ؛ وصيغة( يُؤْمِنُونَ ) و( يُقِيمُونَ ) تقتضي الدوام إلى الختم ، وإدامة العمل إلى الختم تقتضي ظهوره عن فطرة أو جبلة وأنه ليس عن تعمل ومراءاة ، وعند ذلك يكون علما على الجزاء ؛ و( الصَّلاةَ ) الإقبال بالكلية على أمر ، فتكون من الأعلى عطفا شاملا ، ومن الأدنى وفاء بأنحاء التذلل والإقبال بالكلية على التلقي ، وإيمانهم بالغيب قبولهم من النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ما تلقاه بالوحي من أمر غائب الدنيا الذي هو الآخرة وما فيها وأمر غائب الملكوت وما فيه إلى غيب الجبروت وما به بحيث يكون عملهم على الغائب الذي تلقته قلوبهم على سبيل آذانهم كعملهم على ما تلقته أنفسهم على سبيل أعينهم وسائر حواسهم وداموا على عملهم ذلك على حكم إيمانهم إلى الخاتمة.

ولما كانت الصلاة التزام عهد العبادة مبنيا على تقدم الشهادة متممة بجماع الذكر وأنواع التحيات لله من القيام له تعالى والركوع له والسجود الذي هو أعلاها والسّلام بالقول الذي هو أدنى التحيات كانت لذلك تعهدا للإيمان وتكرارا ، ولذلك من لم يدم الصلاة ضعف إيمانه وران عليه كفر فلا إيمان لمن لا صلاة له ، والتقوى وحده أصل والإيمان فالصلاة ثمرته ، والإنفاق خلافة ولذلك البخل عزل عن خلافة الله( وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ) [الحديد : ٧] وهذا الأمر بتمامه هو الذي جعلت الخلافة لآدم به إلى ما وراء ذلك من كمال أمر الله الذي أكمله بمحمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فالتقوى قلب باطن ، والإنفاق وجه ظاهر ، والإيمان فالصلاة وصلة بينهما. ووجه ترتب الإيمان بالغيب على التقوى أن المتقي لما كان متوقفا غير متمسك بأمر كان إذا أرشد إلى غيب لا يعلمه لم يدفعه بمقتضى ما تقدم له علمه ؛ ووجه ترتب الإنفاق على الإيمان بالغيب أن المدد غيب ، لأن الإنسان لما كان لا يطلع على جميع رزقه كان رزقه غيبا ، فاذا أيقن بالخلف جاد بالعطية ، فمتى أمد بالأرزاق تمت خلافته وعظم فيها سلطانه وانفتح له باب إمداد برزق أعلى وأكمل من الأول. فاذا أحسن الخلافة فيه بالإنفاق منه أيضا انفتح له باب إلى أعلى إلى أن ينتهي إلى حيث ليس وراءه مرأى وذلك هو الكمال المحمدي ، وإن بخل فلم ينفق واستغنى بما عنده فلم يتق فكذب تضاءل أمر خلافته وانقطع عنه المدد من الأعلى ؛ فبحقّ سمي الإنفاق زكاة ؛ وفي أول الشورى كلام في الإيمان عن علي رضي الله عنه نفيس. انتهى.

ولما وصفهم بالإيمان جملة أشار إلى بعض تفصيله على وجه يدخل فيه أهل الكتاب دخولا أوليا فقال :( وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ ) أي يوجدون هذا الوصف بعد سماعهم

٣٥

للدعوة إيجادا مستمرا( بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ) أي من القرآن والسنة سواء كان قد وجد أو سيوجد ؛( وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ) أي على الأنبياء الماضين ، ولما كان الإيمان بالبعث من الدين بمكان عظيم جدا بينه بالتقديم إظهارا لمزيد الاهتمام فقال :( وَبِالْآخِرَةِ ) أي التي هي دار الجزاء ومحل التجلي وكشف الغطاء ونتيجة الأمر. قال الحرالي : الآخرة معاد تمامه على أوليته. انتهى. ولما تقدم من الاهتمام عبر بالإيقان وأتى بضمير الفصل فقال :( هُمْ يُوقِنُونَ ) لأن ذلك قائد إلى كل خير وذائد عن كل ضير ، والإيقان كما قال الحرالي صفاء العلم وسلامته من شوائب الريب ونحوه ، من يقن الماء وهو ما نزل من السماء فانحدر إلى كهف جبل فلم يتغير من قرار ولا وارد. انتهى. فهو يكون بعد شك ولذا لا يوصف به الله. والوصف بهذه الأوصاف كما ترى إشارة إلى أمهات الأعمال البدنية والمالية من الأفعال والتروك ، فالإيمان أساس الأمر والصلاة مشار بها إلى التحلي بكل خير والتخلي عن كل شر( إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ ) [العنكبوت : ٤٥] وكلاهما من أعمال البدن ، والنفقة عمل مالي ، فحصل بذلك حصر الفعل والترك الضابطين لجميع الأعمال كيف ما تشعبت ، وصرح بالفعل وأومى إلى الترك إيماء لا يفهمه إلا البصراء تسهيلا على السالكين ، لأن الفعل من حيث هو ولو كان صعبا أيسر على النفس من الكف عما تشتهي. وفي وصفهم أيضا بالإيمان بما أنزل إليه وإلى من قبله من التقريع والتبكيت لمن سواهم ما ستراه في الآيات الآتية.

ولما أخبر عن أفعالهم الظاهرة والباطنة أخبر بثمرتها فقال :( أُولئِكَ ) أي الموصوفون بتلك الصفات الظاهرات ، ولما تضمن ما مضى أن إيمانهم كان عن أعظم استدلال فأثمر لهم التمسك بأوثق العرى من الأعمال استحقوا الوصف بالاستعلاء الذي معناه التمكن فقال :( عَلى هُدىً ) أي عظيم ، وزاد في تعظيمه بقوله :( مِنْ رَبِّهِمْ ) أي المحسن إليهم بتمكينهم منه ولزومهم له تمكين من علا على الشيء ، ولما لم يلازم الهدى الفلاح عطف عليه قوله مشيرا بالعاطف إلى مزيد تمكنهم في كل من الوصفين( وَأُولئِكَ ) أي العالو الرتبة( رَبِّهِمْ ) أي خاصة( الْمُفْلِحُونَ ) أي الكاملون في هذا الوصف الذين انفتحت لهم وجوه الظفر ، والتركيب دال على معنى الشق والفتح وكذا أخواته من الفاء والعين نحو فلج بالجيم وفلق وفلذ وفلى.

قال الحرالي : وخرج الخطاب في هذه الآية مخرج المخاطبة للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ومخرج إحضار المؤمنين بموضع الإشارة وهي مكانة حضرة دون مكانة حضرة المخاطب. انتهى. وكونها للبعد إعلام بعلو مقامهم. والفلاح الفوز والظفر بكل مراد ونوال البقاء الدائم في الخير.

٣٦

ولما أردف البيان لأوصاف المؤمنين التعريف بأحوال الكافرين وكانوا قد انقسموا على مصارحين ومنافقين وكان المنافقون قسمين جهالا من مشركي العرب وعلماء من كفار بني إسرائيل كان الأنسب ليفرغ من قسم برأسه على عجل البداءة أولا بالمصارحين فذكر ما أراد من أمرهم في آيتين ، لأن أمرهم أهون وشأنهم أيسر لقصدهم بما يوهنهم بالكلام أو بالسيف على أن ذكرهم على وجه يعم جميع الأقسام فقال مخاطبا لأعظم المنعم عليهم على وجه التسلية والإعجاز في معرض الجواب لسؤال من كأنه قال : هذا حال الكتاب للمؤمنين فما حاله للكافرين؟( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي حكم ، بكفرهم دائما حكما نفذ ومضى فستروا ما أقيم من الأدلة على الوحدانية عن العقول التي هيئت لإدراكه والفطر الأولى التي خلصت عن مانع يعوقها عن الانقياد له وداموا على ذلك بما دل عليه السباق بالتعبير عن أضدادهم بما يدل على تجديد الإيمان على الدوام واللحاق بالختم والعذاب ، ولعله عبر بالماضي والموضع للوصف تنفيرا من مجرد إيقاع الكفر ولو للنعمة وليشمل المنافقين وغيرهم.

ولما دل هذا الحال على أنهم عملوا ضد ما عمله المؤمنون من الانقياد كان المعنى( سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ ) أي إنذارك في هذا الوقت بهذا الكتاب( أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ ) أي وعدم إنذارك فيه وبعده وقد انسلخ عن أم والهمزة معنى الاستفهام ، قال سيبويه : جرى هذا على حرف الاستفهام كما جرى على حرف النداء في قولك : اللهم اغفر لنا أيتها العصابة. انتهى. ولعله عبر بصورة الاستفهام وقد سلخت عن معناه إفهاما لأنهم توغلوا في الكفر توغل من وصل في الحمق إلى أنه لو شاهد الملك يستفهمك عنه ما آمن.

ولما كان كأنه قيل في أي شيء استوت حالتاهم قبل في أنهم( لا يُؤْمِنُونَ ) وهي دليل على خصوص كونه هدى للمتقين وعلى وقوع التكليف بالممتنع لغيره فإنه سبحانه كلفهم الإيمان وأراد منهم الكفران ، فصار ممتنعا لإرادته عدم وقوعه ، والتكليف به جار على سنن الحكمة فإن إرادة عدم إيمانهم لم تخرج إيمانهم عن حيز الممكن فيما يظهر ، لعدم العلم بما أراد الله من كل شخص بعينه ، فهو على سنن الابتلاء ليظهر في عالم الشهادة المطيع من غيره لإقامة الحجة ؛ ويأتي في الصّافّات عند( افْعَلْ ما تُؤْمَرُ ) [الصافات : ١٠٢] تتمة لهذا.

قال الحرالي : فحصل بمجموع قوله :( سَواءٌ عَلَيْهِمْ ) إلى آخره وبقوله :( لا يُؤْمِنُونَ ) خبر تام عن سابقة أمرهم ولا حقة كونهم ، فتم بالكلامين الخبر عنهم خبرا واحدا ملتئما كتبا سابقا وكونا لاحقا. انتهى. وكل موضع ذكر فيه الكفر فإنما عبر به

٣٧

إشارة إلى أن الأدلة الأصلية في الوضوح بحيث لا تخفى على أحد ولا يخالفها إلا من ستر مرآة عقله إما عنادا وإما بإهمال النظر السديد والركون إلى نوع تقليد.

ولما كان من أعجب العجب كون شيء واحد يكون هدى لناس دون ناس علل ذلك بقوله :( خَتَمَ اللهُ ) (١) أي بجلاله( عَلى قُلُوبِهِمْ ) أي ختما(٢) مستعليا عليها فهي لا تعي حق الوعي ، لأن الختم على الشيء يمنع الدخول إليه والخروج منه ، وأكد المعنى بإعادة الجار فقال :( وَعَلى سَمْعِهِمْ ) فهم لا يسمعون حق السمع ، وأفرده لأن التفاوت فيه نادر. قال الحرالي : وشرّكه في الختم مع القلب لأن أحدا لا يسمع إلا ما عقل. انتهى.( وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ ) فهم لا ينظرون بالتأمل.

ولما سوى هنا بين الإنذار وعدمه كانت البداءة بالقلوب أنسب تسوية لهم بالبهائم ، ولما كان الغبي قد يسمع أو يبصر فيهتدي وكان إلى السمع أضر لعمومه وخصوص البصر بأحوال الضياء نفى السمع ثم البصر تسفيلا لهم عن حال البهائم ، بخلاف ما في الجاثية فإنه لما أخبر فيها بالإضلال وكان الضال أحوج شيء إلى سماع الهادي نفاه ، ولما كان الأصم إذا كان ذا فهم أو بصر أمكنت هدايته وكان الفهم أشرف نفاهما على ذلك الترتيب.

ولما وصفهم بذلك أخبر بمآلهم فقال :( وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) قال الحرالي : وفي قوله :( وَلَهُمْ ) إعلام بقوة تداعي حالهم لذلك العذاب واستحقاقهم له وتنشؤ ذواتهم إليه حتى يشهد عيان المعرفة به ـ أي العذاب ـ وبهم أنه لهم وكان عذابهم عظيما آخذا في عموم ذواتهم لكونهم لم تلتبس أبدانهم ولا نفوسهم ولا أرواحهم بما يصد عنهم شيئا من عذابها كما يكون للمعاقبين من مذنبي مؤمني الأمم حيث يتنكب العذاب عن

__________________

(١) قال البيضاوي في تفسيره ١ / ٩٦ : الختم الكتم سمي به الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه لأنه كتم له والبلوغ آخره نظرا إلى أنه آخر فعل يفعل في إحرازه ولا ختم ولا تفشية على الحقيقة ، وإنما المراد بهما أن يحدث في نفوسهم هيئة تمرنهم على استحباب الكفر ، والمعاصي ، واستقباح الإيمان ، والطاعات بسبب غيهم ، وانهماكهم في التقليد ، وإعراضهم عن النظر الصحيح

وقال النسفي في تفسيره ١ / ١٦ : قال الزجاج : الختم التغطية لأن في الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه تغطية له لئلا يطلع عليه ، وقال ابن عباس : (طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ ...) يعني أن الله طبع الله عليها فجعلها بحيث لا يخرج منها ما فيها من الكفر ولا يدخلها ما ليس فيها من الإيمان ، وحاصل الختم ، والطبع خلق الظلمة ، والضيق في صدر العبد عندنا ، فلا يؤمن ما دامت تلك الظلمة في قلبه ، وعند المعتزلة أعلام على مخص القلوب بما يظهر للملائكة أنهم كفار ، فيلعنونهم ، ولا يدعون لهم بخير ، وقال بعضهم : إن إسناد الختم إلى الله تعالى مجاز والخاتم في الحقيقة الكافر إلا أن الله تعالى لما كان هو الذي أقدره ، ومكنه أسند إليه الختم.

٣٨

وجوههم ومواضع وضوئهم ونحو ذلك. انتهى. وسيأتي عند قوله تعالى :( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْداداً ) [البقرة : ١٦٥] ما يلتفت إلى هنا.

قال الحرالي : «الكفر» تغطية ما حقه الإظهار ، و «الإنذار» الإعلام بما يحذر ، و «الختم» إخفاء خبر الشيء بجمع أطرافه عليه على وجه يتحفظ به و «القلب» مبدأ كيان الشيء من غيب قوامه ، فيكون تغير كونه بحسب تقلب قلبه في الانتهاء ويكون تطوره وتكامله بحسب مدده في الابتداء والنماء ، والقلب من الإنسان بمنزلة السكان من السفينة بحسب تقلبه يتصرف سائره ، وبوضعه للتقلب والتقليب سمي قلبا ، وللطيف معناه في ذلك كان أكثر قسمهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بمقلب القلوب(١) ، «والغشاوة» غطاء مجلل لا يبدو معه من المغطى شيء ، و «العذاب» إيلام لا إجهاز فيه ، و «العظيم» الآخذ في الجهات كلها.

انتهى. وفي تعقيب ذكر المؤمنين بذكر المختوم على مداركهم المختوم بمهالكهم تعظيم للنعمة على من استجاب له. إذ قال «اهدنا» فهداه ، وإعلام بأن الهدى ليس إلا بيده ليلحّوا في الطلب ويبرؤوا من ادعاء حول أو قوة.

ولما افتتح سبحانه بالذين واطأت قلوبهم ألسنتهم في الإيمان وثنى بالمجاهرين من الكافرين الذين طابق إعلانهم إسرارهم في الكفران اتبعه ذكر المساترين الذين خالفت ألسنتهم قلوبهم في الإذعان وهم المنافقون ، وأمرهم أشد لإشكال أحوالهم والتباس أقوالهم وأفعالهم ، فأضر الأعداء من يريك الصداقة فيأخذك من المأمن ؛ وما أحسن ما ينسب إلى الإمام أبي سليمان(٢) الخطابي في المعنى :

تحرّز من الجهال جهدك أنهم

وإن أظهروا فيك المودة أعداء

وإن كان فيهم من يسرك فعله

فكل لذيذ الطعم أوجله داء

لا جرم ثنى سبحانه بإظهار أسرارهم وهتك أستارهم في سياق شامل لقسميهم ، فقبح أمورهم ووهّى مقاصدهم وضرب لهم الأمثال وبسط لهم بعض البسط في المقال فقال تعالى :( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ ) أي لما أرسلنا رسولنا انقسم الناس قسمين : مؤمن وكافر ، وانقسم الكافر قسمين : فمنهم من جاهر وقال : لا نؤمن أبدا ، ومنهم من يقول ، ولعله أظهر ولم يضمر لانفرادهم عن المجاهرين ببعض الأحكام ، أو لأنه سبحانه لما

__________________

(١) صحيح. أخرجه البخاري ٦٦٢٨ و ٧٣٩١ والترمذي ١٥٤٠ والنسائي ٧ / ٢ ـ ٣ وابن ماجه ٢٠٩٣ وأحمد ٢ / ٢٥ وابن حبان ٤٣٣٢ كلهم عن ابن عمر قال : «كانت يمين النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : لا ، ومقلب القلوب» ا ه. وأما كونه أكثر قسمه. فالصواب أن الأكثر بلفظ : «والذي نفسي بيده».

(٢) هو الإمام الحافط حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب صاحب التصانيف من ولد زيد بن الخطاب توفي سنة : ٣٨٨.

٣٩

ذكر طرفي الإيمان والكفر وأحوال المؤمنين وأحوال الذين كفروا ذكر المنافقين المترددين بين الاتصاف بالطرفين بلفظ الناس لظهور معنى النوس فيهم لاضطرابهم بين الحالين ، لأن النوس هو حركة الشيء اللطيف المعلق في الهواء كالخيط المعلق الذي ليس في طرفه الأسفل ما يثقله فلا يزال مضطربا بين جهتين ، ولم يظهر هذا المعنى في الفريقين لتحيزهم إلى جهة واحدة. قاله الحرالي ، وعرف للجنس أو للعهد في الذين كفروا لأنهم نوع منهم ، وسر الإظهار موضع الإضمار على هذا ما تقدم ،( آمَنَّا بِاللهِ ) أي وحده بما له من الجلال والجمال مستحضرين لذلك ، ولما كانوا متهمين أكدوا بإعادة الجار فقالوا :( وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ ) الذي جحده المجاهرون ،( وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ) أي بعريقين في الإيمان كما ادعوه بذكر الاسم الأعظم وإعادة الجار ، ولعله نفى العراقة فقط لأن منهم من كان مزلزلا حين هذا القول غير جازم بالكفر وآمن بعد ذلك ، وحذف متعلق الإيمان تعميما في السلب عنهم لما ذكروا وغيره ، وجمع هنا وأفرد في( يَقُولُ ) تنبيها على عموم الكفر لهم كالأولين وقلة من يسمح منهم بهذا القول إشارة إلى غلظتهم وشدة عثاوتهم في الكفر وقوتهم.

وفي ذكر قصتهم وتقبيح أحوالهم تنبيه على وجوب الإخلاص وحث على الاجتهاد في الطهارة من الأدناس في سؤال الهداية إلى الصراط المستقيم.

وتصنيف الناس آخر الفاتحة ثلاثة أصناف : مهتدين ومعاندين وضالين ، مثل تصنيفهم أول البقرة ثلاثة : متقين وكافرين مصارحين وهم المعاندون وضالين وهم المنافقون ، وإجمالهم في الفاتحة وتفصيلهم هنا من بديع الأساليب وهو دأب القرآن العظيم الإجمال ثم التفصيل.

وقد سمى ابن إسحاق كثيرا من المنافقين في السيرة الشريفة في أوائل أخبار ما بعد الهجرة ، قال ابن هشام في تلخيص ذلك : وكان ممن انضاف إلى يهود ممن سمي لنا من المنافقين من الأوس والخزرج ، من الأوس زوي بن الحارث وبجاد بن عثمان ابن عامر ونبتل بن الحارث وهو الذي قال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من أحب أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل! وكان يأتي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يتحدث إليه ثم ينقل حديثه إلى المنافقين ، وهو الذي قال : إنما محمد أذن»(١) وعباد بن حنيف أخو سهل وعمرو بن خذام وعبد الله بن نبتل وبحزج وهو ممن كان بنى مسجد الضرار وكذا جارية بن عامر

__________________

(١) أخرجه ابن المنذر ، وابن اسحاق ، وابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ٣ / ٢٥٣ عن ابن عباس.

وذكره ابن هشام في السيرة ٢ / ١٠٥ باب المنافقون بالمدينة.

٤٠