• البداية
  • السابق
  • 569 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 35 / تحميل: 9
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 1

مؤلف:
العربية

ولما بين سبحانه وتعالى هذه الواقعة على طولها هذا البيان الذي يعجز عنه الإنس والجان بين حكمة الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بل ما هو أعم من ذلك من تسليط بعض الناس على بعض بسبب أنه جبل البشر على خلائق موجبة للتجبر وطلب التفرد بالعلو المفضي إلى الاختلاف فقال ـ بانيا له على ما تقديره : فدفع الله بذلك عن بني إسرائيل ما كان ابتلاهم به ـ :( وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ ) المحيط بالحكمة والقدرة بقوته وقدرته( النَّاسَ ) وقرىء : دفاع. قال الحرالي : فعال من اثنين وما يقع من أحدهما دفع وهو رد الشيء بغلبة وقهر عن وجهته التي هو منبعث إليها بأشد منته ، وهو أبلغ من الأول إشارة إلى أنه سبحانه وتعالى يفعل في ذلك فعل المبالغ.

ولما أثبت سبحانه وتعالى أن الفعل له خلقا وإيجادا بيّن أنه لعباده كسبا ومباشرة فقال :( بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ) فتارة ينصر قويهم على ضعيفهم كما هو مقتضى القياس ، وتارة ينصر ضعيفهم ـ كما فعل في قصة طالوت ـ على قويهم حتى لا يزال ما أقام بينهم من سبب الحفظ بهيبة بعضهم لبعض قائما( لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ ) بأكل القوي الضعيف حتى لا يبقى أحد( وَلكِنَّ اللهَ ) تعالى بعظمته وجلاله وعزته وكماله يكف بعض الناس ببعض ويولي بعض الظالمين بعضا وقد يؤيد الدين بالرجل الفاجر على نظام دبّره وقانون أحكمه في الأزل يكون سببا لكف القوي عن الضعيف إبقاء لهذا الوجود على هذا النظام إلى الحد الذي حده ثم يزيل الشحناء على زمن عيسى عليه الصلاة والسّلام ليتم العلم بكمال قدرته واختياره وذلك من فضله على عباده وهو( ذُو فَضْلٍ ) عظيم جدا( عَلَى الْعالَمِينَ ) أي كلهم أولا بالإيجاد وثانيا بالدفاع فهو يكف من ظلم الظلمة إما بعضهم ببعض أو بالصالحين وقليل ما هم ويسبغ عليهم غير ذلك من أثواب نعمه ظاهرة وباطنة ، ومما يشتد اتصاله بهذه القصة ما أسنده الحافظ أبو القاسم بن عساكر في الكنى من تاريخ دمشق في ترجمة أبي عمرو بن العلاء عن الأصمعي قال : أنشدنا أبو عمرو بن العلاء قال : سمعت أعرابيا ينشد وقد كنت خرجت إلى ظاهر البصرة متفرجا مما نالني من طلب الحجاج واستخفائي منه :

صبر النفس عند كل ملمّ

إن في الصبر حيلة المحتال

لا تضيقن في الأمور فقد

يكشف لأواؤها بغير احتيال

ربما تجزع النفوس من

الأمر له فرجة كحل العقال

قد يصاب الجبان في آخر

الصفّ وينجو مقارع الأبطال

فقلت : ما وراءك يا أعرابي؟ فقال : مات الحجاج ، فلم أدر بأيهما أفرح بموت الحجاج أو بقوله : له فرجة! لأني كنت أطلب شاهدا لاختياري القراءة في سورة البقرة

٤٨١

( إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً ) [البقرة : ٢٤٩] ـ انتهى. ولعل ختام قصص بني إسرائيل بهذه القصة لما فيها للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم من واضح الدلالة على صحة دعواه الرسالة لأنها مما لا يعلمه إلا القليل من حذاق علماء بني إسرائيل ثم عقبها بآية الكرسي التي هي العلم الأعظم من دلائل التوحيد فكان ذلك في غاية المناسبة لما في أوائل السورة في قوله تعالى( يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ) [البقرة : ٢١] إلى آخر تلك الآيات من دلائل التوحيد المتضمنة لدلائل النبوة المفتتح بها قصص بني إسرائيل فكانت دلائل التوحيد مكتنفة قصتهم أولها وآخرها مع ما في أثنائها جريا على الأسلوب الحكيم في مناضلة العلماء ومجادلة الفضلاء ، فكان خلاصة ذلك كأنه قيل :( أَلَمْ ) تنبيها للنفوس بما استأثر العليم سبحانه وتعالى بعلمه فلما ألقت الأسماع وأحضرت الأفهام قيل يا أيها الناس فلما عظم التشوف قال( اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ) [البقرة : ٢١] ثم عينه بعد وصفه بما بينه بقوله( اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) [البقرة : ٢٥٥] كما سيجمع ذلك من غير فاصل أول سورة التوحيد آل عمران المنزلة في مجادلة أهل الكتاب من النصارى وغيرهم ، وتختم قصصهم بقوله :( رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ ) [آل عمران : ١٩٣] يعني بالمنادي والله سبحانه وتعالى أعلم القائل( يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ) [البقرة : ٢١] ـ إلى آخرها ، ومما يجب التنبه له من قصتهم هذه ما فيها لأنها تدريب لمن كتب عليهم القتال وتأديب في ملاقاة الرجال من الإرشاد إلى أن أكثر حديث النفس وأمانيها الكذب لا سيما بالثبات في مزال الأقدام فتشجع الإنسان ، فإذا تورّط أقبلت به على الهلع حتى لا يتمنوا لقاء العدو كما أدبهم به نبيهمصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وذلك أن بني إسرائيل مع كونهم لا يحصون كثرة سألوا نبيهمصلى‌الله‌عليه‌وسلم بعث ملك للجهاد ، فلما بعث فخالف أغراضهم لم يفاجئوه إلا بالاعتراض ، ثم لما استقر الحال بعد نصب الأدلة وإظهار الآيات ندبهم ، فانتدب جيش لا يحصى كثرة ، فشرط عليهم الشاب الفارغ بناء دار وبناء بامرأة ، فلم يكن الموجود بالشرط إلا ثمانين ألفا ؛ ثم امتحنوا بالنهر فلم يثبت منهم إلا ثلاثمائة وثلاثة عشر وهم دون الثلث من ثمن العشر من المتصفين بالشرط من الذين هم دون الدون من المنتدبين الذين هم دون الدون من السائلين في بعث الملك ، فكان الخالصون معه ، كما قال بعض الأولياء المتأخرين لآخر قصده بالزيارة :

ألم تعلم بأني صيرفيّ

أحك الأصدقاء على محك

فمنهم بهرج لا خير فيه

ومنهم من أجوزه بشك

وأنت الخالص الذهب المصفى

بتزكيتي ومثلي من يزكي

وهذا سر قول الصادق عليه الصلاة والسّلام «أمتي كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها

٤٨٢

راحلة»(١) وقولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «لا تمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية ، فإذا لقيتموهم فاصبروا»(٢) فالحاصل أنه على العاقل المعتقد جهله بالعواقب وشمول قدرة ربه أن لا يثق بنفسه في شيء من الأشياء ، ولا يزال يصفها بالعجز وإن ادعت خلاف ذلك ، ويتبرأ من حوله وقوته إلى حول مولاه وقوته ولا ينفك يسأله العفو والعافية.

ولما علت هذه الآيات عن أقصى ما يعرفه البصراء البلغاء من الغايات ، وتجاوزت إلى حد تعجز العقول عن مناله ، وتضاءل نوافذ الأفهام عن الإتيان بشيء من مثاله ، نبه سبحانه وتعالى على ذلك بقوله :( تِلْكَ ) أي الآيات المعجزات لمن شمخت أنوفهم ، وتعالت في مراتب الكبر هممهم ونفوسهم ؛ والإشارة إلى ما ذكر في هذه السورة ولا سيما هذه القصة من أخبار بني إسرائيل والعبارة عن ذلك في هذه الأساليب الباهرة والأفانين المعجزة القاهرة( آياتُ اللهِ ) أي الذي علت عظمته وتمت قدرته وقوته ، ولما كانت الجلالة من حيث إنها اسم للذات جامعة لصفات الكمال والجمال ونعوت الجلال لفت القول إلى مظهر العظمة إشارة إلى إعجازهم عن هذا النظم بنعوت الكبر والتعالي فقال :( نَتْلُوها ) أي ننزلها شيئا في إثر شيء بما لنا من العظمة( عَلَيْكَ ) تثبيتا لدعائم الكتاب الذي هو الهدى ، وتشييدا لقواعده( بِالْحَقِ ) قال الإمام سعد الدين التفتازاني(٣) في شرح العقائد : الحق الحكم المطابق للواقع ، يطلق على الأقوال والعقائد والأديان والمذاهب باعتبار اشتمالها على ذلك ويقابله الباطل ، وأما الصدق فقد شاع في الأقوال خاصة ويقابله الكذب ، وقد يفرق بينهما بأن المطابقة تعتبر في الحق من جانب الواقع. وفي الصدق من جانب الحكم ؛ فمعنى صدق الحكم مطابقته الواقع. ومعنى حقيته مطابقة الواقع إياه ـ انتهى. فمعنى الآية على هذا : إنا عالمون بالواقع من هذه الآيات فأتينا بعبارة يطابقها ذلك الواقع لا يزيد عنها ولا ينقص ، فتلك العبارة ثابتة ثبات الواقع لا يتمكن منصف عالم من إنكارها ولا إنكار شيء منها ، كما لا يتمكن من إنكار الواقع المعلوم وقوعه ، ويكون الخبر عنها صدقا لأنه مطابق لذلك الواقع بغير زيادة ولا نقص ؛ والحاصل أن الحق يعتبر من جانب المخبر ، فإنه يأتى بعبارة يساويها الواقع فتكون حقا ، وأن الصدق يعتبر من جانب السامع ، فإنه ينظر إلى الخبر ، فإن وجده مطابقا للواقع

__________________

(١) صحيح. أخرجه البخاري ٦٤٩٨ ومسلم ٢٥٤٧ والديلمي ٦٨٨١ وأحمد ٢ / ١٠٩ كلهم من حديث ابن عمر. ولفظ البخاري : إنما الناس كالإبل ...». ولفظ مسلم : تجدون الناس كإبل ...».

(٢) تقدم قبل بضعة أحاديث. رواه البخاري وغيره.

(٣) هو الإمام العلامة المتكلم سعد الدين بن مسعود التفتازاني صاحب شرح العقائد النسفية مات سنة ٧٩١ ا ه. والله تعالى أعلم.

٤٨٣

قال : هذا صدق ، وليس ببعيد أن يكون من الشواهد على ذلك هذه الآية وقوله سبحانه وتعالى( وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ) [الزمر : ٣٣] وقوله( قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ ) [ص : ٨٤]( بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ ) [الصافات : ٣٧] و( هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ) [فاطر : ٣١] ، وكذا( وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِ ) [الحجر : ٨٥] أي أن هذا الفعل وهو خلقنا لها لسنا متعدين فيه ، وهذا الواقع يطابق خلقها لا يزيد عليه بمعنى أنه كان علينا أن نزيد فيها شيئا وليس لنا الاقتصار على ما وجد ولا ننقص عنه بمعنى أنه كان علينا أن نجعلها ناقصة عما هي عليه ولم يكن لنا إتمامها هكذا ؛ أو بالحق الذي هو قدرتنا واختيارنا لا كما يدعيه الفلاسفة من الفعل بالذات من غير اختيار : أو بسبب الحق أي إقامته وإثباته وإبطال الباطل ونفيه ، وقوله( وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصادِقُونَ ) [الحجر : ٦٤] أي أتيناك بالخبر بعذابهم وهو ثابت ، لأن مضمونه إذا وقع فنسبته إلى الخبر علمت مطابقته له أي مطابقة الواقع إياه وإخبارنا عنه على ما هو به فنحن صادقون فيه ، أي نسبنا وقوع العذاب إليهم نسبة تطابق الواقع فإذا وقع نظرت إلى إخبارنا فرأيته مطابقا له فعلمت صدقنا فيه ؛ والذي لا يدع في ذلك لبسا قوله سبحانه وتعالى حكاية عن يوسف عليه الصلاة والسّلام( قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا ) [يوسف : ١٠٠] أتى بمطابقة الواقع لتأويلها ، وأما صدقهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فهو بنسبة الخبر إلى الواقع وهو أنه رأى ما أخبر به وذلك موجود من حين إخبارهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فإن خبره كان حين إخباره به مطابقا للواقع ، وأما صدق الرؤيا فباعتبار أنه كان لها واقع طابقه تأويلها ؛ فإن قيل : تأسيس المفاعلة أن تكون بين اثنين فصاعدا يفعل أحدهما بالآخر ما يفعل الآخر به ، فهب أنّا اعتبرنا المطابقة من جانب واحد فذلك لا ينفي اعتبارها من الجانب الآخر فماذا يغني ما ادعيته ، قيل إنها وإن كان لا بد فيها من مراعاة الجانبين لكنها تفهم أن الذي أسند إليه الفعل هو الطالب ، بخلاف باب التفاعل فإنه لا دلالة لفعله على ذلك ، وجملة الأمر أن الواقع أحق باسم الحق لأنه الثابت والخبر أحق باسم الصدق ، والواقع طالب لخبر يطابقه ليعرف على ما هو عليه والخبر طالب لمطابقة الواقع له فيكتسب الشرف بتسميته صدقا. وأول ثابت في نفس الأمر هو الواقع فإنه قبل الخبر عنه بأنه وقع ، فإذا كان مبدأ الطلب من الواقع سمي الخبر باسمه ، إذا كان مبدأ الطلب من الخبر سمي باسمه الحقيق به ، ولعلك إذا اعتبرت آيات الكتاب الناطق بالصواب وجدتها كلها على هذا الأسلوب ـ والله سبحانه وتعالى الموفق. ولما ثبت أن التلاوة عليهصلى‌الله‌عليه‌وسلم حق قال تعالى :( وَإِنَّكَ ) أي والحال أنك( لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ) بما دلت هذه الآيات عليه من علمك بها من غير معلم من البشر ثم بإعجازها الباقي على مدى الدهر.

٤٨٤

( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (٢٥٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤) )

ولما تقدم في هذه السورة ذكر رسل كثيرة وختم هذه الآيات بأنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم منهم تشوفت النفس إلى معرفة أحوالهم في الفضل هل هم فيه سواء أو هم متفاضلون ، فأشار إلى علو مقادير الكل في قوله :( تِلْكَ الرُّسُلُ ) بأداة البعد إعلاما ببعد مراتبهم وعلو منازلهم وأنها بالمحل الذي لا ينال والمقام الذي لا يرام ، وجعل الحرالي التعبير بتلك التي هي أداة التأنيث دون أولئك التي هي إشارة المذكر توطئة وإشارة لما يذكر بعد من اختلاف الأمم بعد أنبيائها وقال : يقول فيه النحاة إشارة لجماعة المؤنث وإنما هو في العربية لجماعة ثانية في الرتبة ، لأن التأنيث أخذ الثواني عن أولية تناسبه في المعنى وتقابله في التطرق ، قال : ومن لسن العرب وإشارة تأسيس كلمها أن المعنى متى أريد إرفاعه أطلق عن علامة الثاني في الرتبة وإشارته ، ومتى أريد إنزاله قيد بعلامة الثاني وإشارته ، ثم قال : ففي ضمن هذه الإشارة لأولي التنبه إشعار بما تتضمنه الآية من الإخبار النازل عن رتبة الثبات والدوام إلى رتبة الاختلاف والانقطاع كما أنه لما كان الذكر واقعا في محل إعلاء في آية الانعام قيل :( أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ ) [الأنعام : ٩٠] ولما كان شأن الاختلاف والانقطاع غير مستغرب في محل النقص والإشكال وطأ لهذا الواقع بعد الرسل بأنه ليس من ذلك وأنه من الواقع بعد إظهار التفضيل وإبلاغ البينات لما يشاؤه من أمره ـ انتهى. ثم أتبع هذه الإشارة حالا منها أو استئنافا قوله :( فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ ) أي بالتخصيص بمآثر لم تجتمع لغيره بعد أن فضلنا الجميع بالرسالة.

ولما كان أكثر السورة في بني إسرائيل وأكثر ذلك في أتباع موسى عليه الصلاة والسّلام بدأ بوصفه وثنى بعيسى عليه الصلاة والسّلام لأنه الناسخ لشريعته وهو آخر أنبيائهم فقال مبينا لما أجمل من ذلك التفضيل بادئا بدرجة الكلام لأنها من أعظم الدرجات لافتا القول إلى مظهر الذات بما لها من جميع الصفات لأنه أوفق للكلام المستجمع للتمام( مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ ) أي بلا واسطة بما له من الجلال كموسى ومحمد وآدم عليهم الصلاة والسّلام( وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ ) وهو محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم على غيره ، ومن فوائد الإبهام الاستنباط بالدليل ليكون مع أنه أجلى أجدر بالحفظ وذلك الاستنباط أن يقال إنه

٤٨٥

سبحانه وتعالى قد عمهم بالتفضيل بالرسالة أولا ، ثم بين أنه فضل بعضهم على غيره ، وذلك كله رفعة فلو كانت هذه مجرد رفعة لكان تكريرا فوجب أن يفهم أنها رفعة على أعلاهم ، وأسقط الفوقية هنا إكراما للرسل بخلاف ما في الزخرف فقال معينا بعض ما اقتضاه التفضيل :( دَرَجاتٍ ) أي عظيمة بالدعوة العامة والمعجزات الباقية ؛ والأتباع الكثيرة في الأزمان الطويلة ، من غير تبديل ولا تحريف ، وبنسخ شرعه لجميع الشرائع ، وبكونه رحمة العالمين ، وأمته خير أمة أخرجت للناس ، وكونه خاتما للنبيين الذين أرسلهم سبحانه وتعالى عند الاختلاف مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب ، فلا نبي بعده ينسخ شريعته ، وإنما يأتي النبي الناسخ لشريعة موسى عليه الصلاة والسّلام مقررا لشريعته مجددا لما درس منها كما كان من أنبياء بني إسرائيل الذين بينه وبين موسى عليهم الصلاة والسّلام ، ولما كان الشخص لا يبين فضله إلا بآثاره وكانت آيات موسى وعيسى عليهما الصلاة والسّلام أكثر من آيات من سبقهما خصهما بالذكر إشارة إلى ذلك ، فكان فيه إظهار الفضل لنبيناصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، لأنه لا نسبة لما أوتي أحد من الأنبياء إلى ما أوتي ، وإبهامه يدل على ذلك من حيث إنه إشارة إلى أن إبهامه في الظهور والجلاء كذكره ، لأن ما وصف به لا ينصرف إلا إليه.

ولما كان الناس واقفين مع الحس إلا الفرد النادر وكان لعيسىصلى‌الله‌عليه‌وسلم من تكرر الآيات المحسوسات كالإحياء والإبراء ما ليس لغيره ومع ذلك ارتد أكثرهم بعد رفعه عليه الصلاة والسّلام قال صارفا القول إلى مظهر العظمة تهديدا لمن كفر بعد ما رأى أو سمع من تلك الآيات الكبر :( وَآتَيْنا ) بما لنا من العظمة بالقدرة على كل شيء من الخلق والتصوير كيف نشاء وعلى غير ذلك( عِيسَى ) ونسبه إلى أمه إشارة إلى أنه لا أب له فقال :( ابْنَ مَرْيَمَ ) أي الذي خلقناه منها بغير واسطة ذكر أصلا( الْبَيِّناتِ ) من إحياء الموتى وغيره. قال الحرالي : والبينة ما ظهر برهانه في الطبع والعلم والعقل بحيث لا مندوحة عن شهود وجوده ، وذلك فيما أظهر الله سبحانه وتعالى على يديه من الإحياء والإماتة الذي هو من أعلى آيات الله ، فإن كل باد في الخلق ومتنزل في الأمر فهو من آيات الله ، فما كان أقرب إلى ما اختص الله تعالى به كان أعلى وأبهر ، وما كان مما يجري نحوه على أيدي خلقه كان أخفى وألبس إلا على من نبه الله قلبه لاستبصاره فيه( وَأَيَّدْناهُ ) أي بعظمتنا البالغة( بِرُوحِ الْقُدُسِ ) في إعلامه ذكر ما جعل تعالى بينه وبين عيسى عليه الصلاة والسّلام في كيانه فجرى نحوه في عمله من واسطة الروح كما قال سبحانه وتعالى :( فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا ) [مريم : ١٧] كذلك كان فعله مع تأييده ؛ وفي ذلك بينه وبين موسى عليهما الصلاة والسّلام موازنة ابتدائية ، حيث كان أمر موسى من

٤٨٦

ابتداء أمر التكليم الذي هو غاية سقوط الواسطة ، وكان أمر عيسى عليه الصلاة والسّلام من ابتداء أمر الإحياء الذي هو غاية تصرف المتصرفين ـ انتهى.

ذكر شيء مما في الإنجيل من بيناته وحكمه وآياته

قال متى : أنتم ملح الأرض ، فإذا فسد الملح فبماذا يملح! لا يصلح لشيء لكن يطرح خارجا وتدوسه الناس. وقال لوقا : جيد هو الملح فإن فسد بماذا يملح! لا يصلح للأرض ولا المزبلة لكن خارجا ، من كان له أذنان سامعتان فليسمع. وقال متى : أنتم نور العالم ، لا تستطيع مدينة تخفي وهي موضوعة على رأس جبل ، ولا يوقد سراج فيوضع تحت مكيال لكن يوضع على منارة ويضيء لكل من في البيت ، هكذا فليضىء نوركم قدام الناس ليروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السماوات ، لا تظنوا أني جئت لأخل الناموس أو الأنبياء ، لم آت لأخل بل لأكمل الحق ، أقول لكم إن السماء والأرض تزولان ، وخطة واحدة لا تزول من الناموس حتى يكون هذا كله ؛ فمن أخل إحدى هذه الوصايا الصغار وعلم الناس هكذا يدعى في ملكوت السماوات صغيرا ، والذي يعمل ويعلم هذا يدعى عظيما في ملكوت السماء ؛ ثم قال : وإذا صليتم فلا تكونوا كالمرائين ، لأنهم يحبون القيام في المجامع وزوايا الأزقة يصلون ليظهروا للناس الحق ، أقول لكم : لقد أخذوا أجرهم ، وإذا صليت فادخل إلى مخدعك وأغلق بابك عليك ، وصل لأبيك سرا وأبوك يرى السر فيعطيك علانية ، وإذا صليتم فلا تكثروا الكلام مثل الوثنيين ، لأنهم يظنون أنهم سيسمع لهم لكثرة كلامهم ، فلا تتشبهوا بهم ، لأن أباكم عالم ما تحتاجون إليه قبل أن تسألوه ، وهكذا تصلون أنتم : أبانا الذي في السماوات! قدوس اسمك ، يأتي ملكوتك ، تكون مشيئتك كما في السماء على الأرض ، خبزنا كفافنا أعطنا في اليوم ، واغفر لنا ما يجب علينا كما غفرنا لمن أخطأ إلينا ، ولا تدخلنا التجارب لكن نجنا من الشرير ، لأن لك المجد والقوة إلى الأبد ـ آمين. وقال مرقس : وإذا قمتم تصلون اغفروا لكل من لكم عليه لكيما أبوكم الذي في السماوات يترك لكم هفواتكم. وقال متى : فإن غفرتم للناس خطاياهم غفر لكم أبوكم السمائي خطاياكم ، وإن لم تغفروا للناس سيئاتهم لم يغفر لكم خطاياكم. وقال لوقا وكان يصلي في قفر فلما فرغ قال واحد من تلاميذه : يا رب! علمنا نصلي كما علم يوحنا تلاميذه ، فقال لهم : إذا صليتم فقولوا : أبانا الذي في السماوات! يتقدس اسمك ، يأتي ملكوتك ، تكون إرادتك كما في السماء كذلك على الأرض ، خبزنا كفافنا أعطنا كل يوم ، اغفر لنا خطايانا لأنا نغفر لمن لنا عليه ، ولا تدخلنا التجارب لكن نجنا من الشرير ؛ ثم قال لهم : من منكم له صديق يمضي إليه نصف الليل فيقول له : يا صديقي! هبني ثلاث خبزات

٤٨٧

فإن صديقا لي جاء إلي من طريق وليس لي ما أقدم إليه ، فيجيبه ذلك من داخل ويقول : لا تتعبني قد أغلقت بابي ، وأولادي معي على مرقدي ولا أقدر أقوم فأعطيك ، أقول لكم : إن لم يقم ويعطيه من أجل الصداقة فيقوم ويعطيه من أجل الحاجة ما يحتاج إليه ، وأنا أيضا أقول لكم : سلوا تعطوا ، اطلبوا تجدوا ، اقرعوا يفتح لكم ، كل من سأل أعطي ، ومن طلب وجد ، ومن يقرع يفتح له. وقال متى : وإذا صمتم فلا تكونوا كالمرائين لأنهم يعبسون وجوههم ويغيرونها ليظهروا للناس صيامهم ، الحق أقول لكم ، لقد أخذوا أجرهم ، وأنت إذا صمت ادهن رأسك واغسل وجهك لئلا يظهر للناس صيامك. وقال لوقا : من منكم له عبد يحرث أو يرعى فإذا جاء من الحقل يقول له للوقت : اصعد واجلس ، أو ليس يقول له : أعد لي ما آكله وشد حقويك ، واخدمني حتى آكل وأشرب ، ومن بعد ذلك تأكل وتشرب أنت ، هل لذلك العبد فضل عند ما فعل ما أمر به! كذلك أنتم إذا فعلتم كل شيء أمرتم به قولوا : إنا عبيد بطالون ، إنما عملنا ما يجب علينا ؛ وقال أيضا : فقال له واحد من الجمع : يا معلم! قل لأخي : يقاسمني الميراث ، فقال له : يا إنسان! من أقامني عليكم حاكما أو مقسما! وقال لهم : انظروا وتحفظوا من كل الشره لأن الحياة ليست للإنسان بكثرة ماله ، وقال لهم مثلا : إنسان غني أخصبت له كورة ففكر وقال : ماذا أصنع إذ ليس لي حيث أضع غلاتي ، أهدم أهرائي وأبنيها وأوسعها وأخزن هناك وأقول لنفسي : يا نفس! لك خيرات كثيرة موضوعة لسنين كثيرة ، استريحي وكلي واشربي وافرحي ، فقال له الله سبحانه وتعالى : يا جاهل! في هذه الليلة تنزع نفسك وهذا الذي أعددته لمن يكون هكذا ، من يدخر ذخائر وليس هو غنيا بالله. وقال متى : لا تكنزوا لكم كنوزا في الأرض حيث الآكلة والسوس يفسد ولا ينقب السارقون يتحيلون فيسرقون ، اكنزوا لكم كنوزا في السماء حيث لا آكلة ولا سوس يفسد ولا ينقب السارقون فيسرقون. وقال لوقا : بيعوا أمتعتكم وأعطوا رحمة فاجعلوا لكم أكياسا لا تبلى وكنوزا في السماوات لا تفنى حيث لا يصل إليه سارق ولا يفسده سوس. وقال متى : لأنه حيث تكون كنوزكم هناك تكون قلوبكم ، سراج الجسد العين ، فإن كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون نيرا ، وإن كانت عينك شريرة فجسدك كله يكون مظلما ، فإذا كان النور الذي فيك ظلاما فالظلام ما هو! ليس يستطيع إنسان يعبد ربين إلا أن يبغض الواحد ويحب الآخر أو يجل الواحد ويحتقر الآخر ، لا تقدرون أن تعبدوا الله والمال ، فلهذا أقول لكم : لا تهتموا لنفوسكم بما تأكلون أو بما تشربون ولا لأجسادكم بما تلبسون ، ألبس النفس ؛ وقال لوقا : لأن النفس أفضل من المآكل ، والجسد من اللباس ، انظروا إلى طيور السماء التي لا تزرع ولا تحصد ولا تخزن في

٤٨٨

الأهراء وأبوكم السمائي يقوتها ، أليس أنتم بالحريين أن تكونوا أفضل منها ؛ وقال لوقا فيكم : أنتم أفضل من الطيور ، من منكم يهتم فيقدر أن يزيد على قامته ذراعا واحدا! فلماذا تهتمون باللباس! اعتبروا بزهر الحقل كيف يتربى ولا يتعب ؛ وقال لوقا : تأملوا الزهر كيف ينمو بغير تعب ولا عمل ـ انتهى. أقول لكم إن سليمان في كل مجده لم يلبس كواحدة منها ، فإذا كان زهر الحقل يكون اليوم وفي غد يطرح في التنور يلبسه الله هكذا فيكم أنتم أحرى يا قليلي الإيمان فلا تهتموا وتقولوا : ماذا نأكل ونشرب وماذا نلبس؟ هذا كله يطلبه الأمم البرانية وأبوكم يعلم أنكم تحتاجون إلى هذا جميعه ، اطلبوا أولا ملكوت الله وبره وهذا كله تزادونه ، لا تهتموا بالغد ، فالغد يهتم بشأنه ، ويكفي كل يوم شره ؛ وقال لوقا : تكون أوساطكم مشدودة وسرجكم موقودة ، كونوا متشبهين بأناس ينتظرون سيدهم متى يأتيهم من العرش لكي إذا جاء وقرع يفتحون له ، طوبى لأولئك العبيد الذين يأتي سيدهم فيجدهم مستيقظين! الحق أقول لكم إنه يشد وسطه ويتكئون هم ويقف يخدمهم لذلك ، فطوبى لأولئك العبيد! ثم قال : فقال له بطرس : يا رب! من أجلنا تقول هذا المثل أم للجميع؟ فقال : من ترى الوكيل الأمين الحكيم الذي يقيمه سيده على حشمه يعطيهم طعامهم في حينه؟ فطوبى لذلك العبد الذي يأتي سيده فيجده فعل هكذا! الحق أقول لكم إنه يقيمه على جميع ماله ، فإن قال ذلك العبد الشرير في قلبه : إن سيدي يبطىء قدومه ويأخذ في ضرب عبيد سيده وإمائه ويأكل ويشرب ويسكر فيأتي سيده في يوم لا يظن وساعة لا يعلم فيشقه من وسطه ويجعل نصيبه مع الغير مؤمنين ، فأما العبد الذي يعلم إرادة سيده ولا يستعد ويعمل إرادة سيده فيضرب كثيرا ، والذي لا يعلم ويعمل ما يستوجب به الضرب يضرب يسيرا ، لأن من أعطى كثيرا يطلب كثيرا والذي استودع كثيرا يطلب بكثير ؛ وقال في موضع آخر : الأمين في القليل يكون أمينا في الكثير ، والظالم في القليل ظالم في الكثير ، فإن كنتم غير أمناء في مال الظلم فمن يأتمنكم في الحق! وإن كنتم غير أمناء فيما ليس لكم فمن يعطيكم مالكم! جئت لألقي نارا في الأرض وما أريد إلا اضطرامها ، ولي صبغة أصطبغها ، وأنا مجدّ لتكمل ، هل تظنون أني جئت لألقي سلامة في الأرض! أقول لكم : يكون افتراق من الآن ، يكون خمسة في بيت ، واحد يخالف اثنين واثنان ثلاثة ، يخالف الأب ابنه ، والابن أباه ، والأم ابنتها ، والابنة أمها ، والحمأة كنتها ، والكنة حمأتها. وقال متى : لا تدينوا لئلا تدانوا ، وبالكيل الذي تكيلون يكال لكم. وقال لوقا : لا تحبوا الحكم على أحد لئلا يحكم عليكم ، اغفروا يغفر لكم ، أعطوا تعطوا بمكيال صالح مملوء فائض ملقى في حضونكم ، لأنه بالكيل الذي تكيلون يكال لكم ، هل يستطيع أعمى أن يقود أعمى!

٤٨٩

أليس يقعان كلاهما في حفرة! وقال متى : لماذا تنظر القذى الذي في عين أخيك ولا تفطن بالخشبة التي في عينك ، وكيف تقول لأخيك : دعني أخرج القذى من عينك. وفي عينك خشبة يا مرائي! أخرج أولا الخشبة من عينك وحينئذ تنظر أن تخرج القذى من عين أخيك ، لا تعطوا القدس للكلاب ، ولا تلقوا جواهركم أمام الخنازير لئلا تدوسها بأرجلها وترجع فتزمنكم ، سلوا تعطوا ، اطلبوا تجدوا ، اقرعوا يفتح لكم. لأن كل من يطلب يجد ، ومن سأل يعط ومن يقرع يفتح له ، أيّ إنسان منكم يسأله ابنه خبزا فيعطيه حجرا! أو يسأله سمكة فيعطيه حية! فإذا كنتم أنتم الأشرار تعرفون تمنحون العطايا الصالحة لأبنائكم فكم بالحري أبوكم الذي في السماوات يعطي الخيرات لمن يسأله! وكل ما تريدون أن يفعل الناس افعلوه أنتم بهم ؛ فهذا هو الناموس والأنبياء.

قال لوقا : وزوال السماء والأرض أسهل من أن يبطل من الناموس حرف واحد ؛ وقال أيضا وقال لهم مثلا : لكي يصلوا كل حين ولا يملوا ؛ قال : كان قاض في مدينة لا يخاف الله تعالى ولا يستحيي من الناس وكان في تلك المدينة أرملة وكانت تأتي إليه وتقول : أنصفني من خصمي ، ولم يكن يشاء إلى زمان ، وبعد ذلك قال في نفسه : إن كنت لا أخاف الله سبحانه وتعالى ولا أستحيي من الناس لكن من أجل هذه المرأة أحكم لها ولا تعود تعنفني وتأتي إليّ في كل حين لتتعبني! قال الرب سبحانه وتعالى : اسمعوا ما قال قاضي الظلم ، أفليس الله أحرى أن ينتقم لمختاريه الذين يدعونه النهار والليل! نعم أقول لكم إنه ينتقم لهم سريعا.

وقال متى : ادخلوا من الباب الضيق ، فإن المسلك واسع ، والطريق المؤدية إلى الهلاك رحبة ، والداخلين فيها كثيرهم ، ما أضيق الباب وأكرب الطريق التي تؤدي إلى الحياة! وقليل هم الذين يجدونها احذروا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بلباس الحملان وداخلهم ذئاب خطفة ، ومن ثمارهم فاعرفوهم ، هل يجمع من الشوك عنب ومن العوسج تين! هكذا كل شجرة صالحة تخرج ثمرة جيدة ، والشجرة الرديئة تخرج ثمرة شريرة ، لا تقدر شجرة صالحة تخرج ثمرة شريرة ، ولا شجرة رديئة تخرج ثمرة جيدة.

وقال لوقا : وكل شجرة تعرف من ثمرتها ليس يجمع من الشوك تين ، ولا يقطف من العليق عنب ، الرجل الصالح من الذخائر التي في قلبه يخرج الصالحات ، والشرير من ذخائره الشريرة يخرج الشر ، لأن من فضل ما في القلب ينطق الفم.

وقال متى : وكل شجرة لا تثمر ثمرة جيدة تقطع وتلقى في النار ، فمن ثمارهم تعرفونهم ، ليس كل من يقول : يا رب! يا رب! يدخل ملكوت السماوات ، لكن الذي

٤٩٠

يعمل إرادة الذي في السماوات أي أمره ، كثيرون يقولون لي في ذلك اليوم : يا رب! يا رب! أليس باسمك تنبأنا وباسمك أخرجنا الشياطين وباسمك صنعنا آيات كثيرة! فحينئذ أعترف لهم أني ما أعرفكم قط ، اذهبوا عني يا فاعلي الإثم.

وقال لوقا : فقال له واحد : يا رب! قليل هم الذين ينجون! فقال : احرصوا على الدخول من الباب الضيق ، فإني أقول لكم إن كثيرا يريدون الدخول منه فلا يستطيعون ، فإذا قام رب البيت يغلق الباب فعند ذلك يقفون خارجا ويقرعون الباب ويقولون : يا رب! يا رب! افتح لنا ، فيجيب : لا أعرفكم ، من أين أنتم؟ فيقولون : أكلنا قدامك وشربنا ، فيقول : ما أعرفكم ، من أين أنتم؟ تباعدوا عني بأعمال الظلم ، هناك يكون البكاء وصرير الأسنان.

قال متى : كل من يسمع كلماتي هذه ويعمل بها يشبه رجلا عاقلا بنى بيته على الصخرة.

وقال لوقا : بنى بيتا وحفر وعمق ووضع الأساس على صخرة ، فنزل المطر وجرت الأنهار وهبت الرياح وضربت ذلك البيت فلم يسقط ، لأن أساسه ثابت على الصخرة ، وكل من يسمع كلماتي هذه ولا يعمل بها يشبه رجلا جاهلا بنى بيته على الرمل ، فنزل المطر وجرت الأنهار وهبت الرياح وضربت ذلك البيت فسقط وكان سقوطه عظيما. وكان لما أكمل يشوع هذه الكلمات بهت الجميع من تعليمه ، لأنه كان يعلمهم كمن له سلطان وليس كمثل كتابهم.

وفيه مما يمتنع إطلاقه في شرعنا لفظ الأب والرب وسيأتي في آل عمران ما يشفي العليل في تأويل مثل ذلك على تقرير صحته. وكل ما ورد من وصف الأنبياء بالكذبة فالمراد به المدعي للنبوة كذبا.

ولما تقدم أن الله سبحانه وتعالى أرسل رسلا وأنزل معهم كتبا ، وأنهم تعبوا ومستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى جمعوا الناس على الحق ، وأن أتباعهم اختلفوا بعد ما جاءتهم البينات كان مما يتوجه النفس للسؤال عنه سبب اختلافهم ، فبين أنه مشيئته سبحانه وتعالى لا غير إعلاما بأنه الفاعل المختار فكان التقدير : ولو شاء الله سبحانه وتعالى لساوى بين الرسل في الفضيلة ، ولو شاء لساوى بين أتباعهم في قبول ما أتوا به فلم يختلف عليهم اثنان ، ولكنه لم يشأ ذلك فاختلفوا عليهم وهم يشاهدون البينات ، وعطف عليه قوله تسلية لنبيهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لافتا القول إلى التعبير بالجلالة إشارة إلى أن الاختلاف مع دلاله العقل على أنه لا خير فيه شاهد للخالق بجميع صفات الجلال

٤٩١

والجمال( وَلَوْ شاءَ اللهُ ) أي الذي له جميع الأمر. قال الحرالي : وهي كلمة جامعة قرآنية محمدية تشهد الله وحده وتمحو عن الإقامة ما سواه ـ انتهى.( مَا اقْتَتَلَ ) أي ما تكلف القتال مع أنه مكروه للنفوس( الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ) لاتفاقهم على ما فارقوا عليه نبيهم من الهدى. قال الحرالي : فذكر الاقتتال الذي إنما يقع بعد فتنة المقال بعد فتنة الأحوال بالضغائن والأحقاد بعد فقد السلامة بعد فقد الوداد بعد فقد المحبة الجامعة للأمة مع نبيها ـ انتهى( مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ ) أي على أيدي رسلهم. قال الحرالي : فيه إيذان بأن الوسائل والأسباب لا تقتضي آثارها إلا بإمضاء كلمة الله فيها ـ انتهى.( وَلكِنِ اخْتَلَفُوا ) لأنه سبحانه وتعالى لم يشأ اتفاقهم على الهدى( فَمِنْهُمْ ) أي فتسبب عن اختلافهم أن كان منهم( مَنْ آمَنَ ) أي ثبت على ما فارق عليه نبيه حسبما دعت إليه البينات فكان إيمانه هذا هو الإيمان في الحقيقة لأنه أعرق في أمر الغيب( وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ ) ضلالا عنها أو عنادا.

ولما كان من الناس من أعمى الله قلبه فنسب أفعال المختارين من الخلق إليهم استقلالا قال تعالى معلما أن الكل بخلقه تأكيدا لما مضى من ذلك معيدا ذكر الاسم الأعظم إشارة إلى عظم الحال في أمر القتال الكاشف لمن باشره في ضلال عن أقبح الخلال :( وَلَوْ شاءَ اللهُ ) الذي لا كفوء له( مَا اقْتَتَلُوا ) بعد اختلافهم بالإيمان والكفر ، وكرر الاسم الأعظم زيادة في الإعلام بعظم المقام( وَلكِنَّ اللهَ ) أي بجلاله وعزّ كماله شاء اقتتالهم فإنه( يَفْعَلُ ما يُرِيدُ ) فاختلفوا واقتتلوا طوع مشيئته على خلاف طباعهم وما يناقض ما عندهم من العلم والحكمة.

ولما كان الاختلاف على الأنبياء سببا للجهاد الذي هو حظيرة الدين وكان عماد الجهاد النفقة أتبع ذلك قوله رجوعا إلى أول السورة من هنا إلى آخرها وإلى التأكيد بلفظ الأمر لما تقدم الحث عليه من أمر النفقة :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) أي أقروا بألسنتهم بالإيمان( أَنْفِقُوا ) تصديقا لدعواكم في جميع أبواب الجهاد الأصغر والأكبر ولا تبخلوا فأي داء أدوأ من البخل( وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) [الحشر : ٩]

ولما أمر بذلك هونه عليهم بالإعلام بأنه له لا لهم فقال :( مِمَّا ) أي الشيء الذي ورد القول إلى مظهر العظمة حثا على المبادرة إلى امتثال الأمر وتقبيحا بحال من أبطأ عنه فقال :( رَزَقْناكُمْ ) بما لنا من العظمة ، وجزم هنا بالأمر لأنه لما رغب في النفقة من أول السورة إلى هنا مرة بعد أخرى في أساليب متعددة صارت دواعي العقلاء في درجة القبول لما تندب إليه من أمرها وإن كان الخروج عما في اليد في غاية الكراهة إلى النفس ، وصرف الأمر بالتبعيض إلى الحلال الطيب ، فمنع احتجاج المعتزلة بها في أن

٤٩٢

الرزق لا يكون إلا حلالا لكونه مأمورا به ، وأتبعه بما يرغب ويرهب من حال يوم التناد الذي تنقطع فيه الأسباب التي أقامها سبحانه وتعالى في هذه الدار فقال :( مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ ) موصوف بأنه( لا بَيْعٌ فِيهِ ) موجود( وَلا خُلَّةٌ ) قال الحرالي : هي مما منه المخاللة وهي المداخلة فيما يقبل التداخل حتى يكون كل واحد خلال الآخر ، وموقع معناها الموافقة في وصف الرضى والسخط ، فالخليل من رضاه رضى خليله وفعاله من فعاله ـ انتهى.( وَلا شَفاعَةٌ ) والمعنى أنه لا يفدى فيه أسير بمال ، ولا يراعى لصداقة من مساو ولا شفاعة من كبير ، لعدم إرادة الله سبحانه وتعالى لشيء من ذلك ولا يكون إلا ما يريد ، وفي الآية التفات شديد إلى أول السورة حيث وصف المؤمنين بالإنفاق مما رزقهم والإيقان بالآخرة ، وبيان لأن المراد بالإنفاق أعم من الزكاة وأن ذلك يحتمل جميع وجوه الإنفاق من جميع المعادن والحظوظ التي تكسب المعالي وتنجي من المهالك ، وسيأتي في الآيات الحاثّة على النفقة ما يرشد إلى ذلك كقوله تعالى( إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ ) [البقرة : ٢٧١] وغيرها وقال الحرالي : فانتظم هذا الانتهاء في الخطاب بما في ابتداء السورة من( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ ) [البقرة : ٣] إلى قوله( الْمُفْلِحُونَ ) [البقرة : ٥] فلذلك وقع بعد هذا الانتهاء افتتاح آية هي سيدة آي هذه السورة المنتظمة بأولها انتظاما معنويا برأس( الم ذلِكَ الْكِتابُ ) [البقرة : ١ ، ٢] فكان في إشارة هذا الانتظام توطئة لما أفصح به الخطاب في فاتحة سورة آل عمران ، لما ذكر من أن القرآن مثاني إفهام وحمد. فكان أوله حمدا وآخره حمدا ينثني ما بين الحمدين على أوله ، كما قال «حمدني عبدي ، أثنى عليّ عبدي»(١) فجملته حمد وتفاصيله ثناء ـ انتهى.

ولما حث سبحانه وتعالى على الإنفاق ختم الآية بذم الكافرين لكونهم لم يتحلوا بهذه الصفة لتخليهم من الإيمان وبعدهم عنه وتكذيبهم بذلك اليوم فهم لا ينفقون لخوفه ولا رجائه فقال بدل ـ ولا نصرة لكافر :( وَالْكافِرُونَ ) أي المعلوم كفرهم في ذلك اليوم ، وهذا العطف يرشد إلى أن التقدير : فالذين آمنوا يفعلون ما أمرناهم به لأنهم المحقون ، والكافرون( هُمُ ) المختصون بأنهم( الظَّالِمُونَ ) أي الكاملون في الظلم لا غيرهم ، ومن المعلوم أن الظالم خاسر وأنه مخذول غير منصور ، لأنه يضع الأمور في غير مواضعها ، ومن كان كذلك لا يثبت له أمر ولا يرتفع له شأن بل هو دائما على شفا جرف هار ، ولأجل ذلك يختم سبحانه وتعالى كثيرا من آياته بقوله( وَما لِلظَّالِمِينَ

__________________

(١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الفاتحة.

٤٩٣

مِنْ أَنْصارٍ ) [البقرة : ٢٧٠] فقد انتفى بذلك جميع أنواع الخلاص المعهودة في الدنيا في ذلك اليوم من الافتداء بالمال والمراعاة لصداقة أو عظمة ذي شفاعة أو نصرة بقوة.

( اللهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥) لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦) اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥٧) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨) )

ولما أبتدأ سبحانه وتعالى الفاتحة كما مضى بذكر الذات ، ثم تعرف بالأفعال لأنها مشاهدات ، ثم رقي الخطاب إلى التعريف بالصفات ، ثم أعلاه رجوعا إلى الذات للتأهل للمعرفة ابتدأ هذه السورة بصفة الكلام لأنها أعظم المعجزات وأبينها وأدلها على غيب الذات وأوقعها في النفوس لا سيما عند العرب ، ثم تعرف بالأفعال فأكثر منها. فلما لم يبق لبس أثبت الوحدانية بآيتها السابقة مخللا ذلك بأفانين الحكم ومحاسن الأحكام وأنواع الترغيب والترهيب في محكم الوصف والترتيب فلما تمت الأوامر وهالت تلك الزواجر وتشوقت الأنفس وتشوفت الخواطر إلى معرفة سبب انقطاع الوصل بانبتار الأسباب وانتفاء الشفاعة في ذلك اليوم ، إذ كان المألوف من ملوك الدنيا أنهم لا يكادون يتمكنون من أمر من الأمور حق التمكن من كثرة الشفعاء والراغبين من الأصدقاء ، إذ كان الملك منهم لا يخلو مجلسه قط عن جمع كل منهم صالح للقيام مقامه ولو خذله أو وجه إليه مكره ضعضع أمره وفتّ في عضده فهو محتاج إلى مراعاتهم واسترضائهم ومداراتهم ، بين سبحانه وتعالى صفة الآمر بما هو عليه من الجلال والعظمة ونفوذ الأمر والعلو عن الصد والتنزه عن الكفر والند والتفرد بجميع الكمالات والهيبة المانعة بعد انكشافها هناك أتم انكشاف لأن تتوجه الهمم لغيره وأن تنطق بغير إذنه وأن يكون غير ما يريد ليكون ذلك أدعى إلى قبول أمره والوقوف عند نهيه وزجره ، ولأجل هذه الأغراض ساق الكلام مساق جواب السؤال فكأنه قيل : هذا ما لا يعرف من أحوال الملوك فمن

٤٩٤

الملك في ذلك اليوم؟ فذكر آية الكرسي سيدة آي القرآن التي ما اشتمل كتاب على مثلها مفتتحا لها بالاسم العلم الفرد الجامع الذي لم يتسم به غيره ، وذلك لما تأهل السامع بعد التعرف بالكلام والتودد بالأفعال لمقام المعرفة فترقى إلى أوج المراقبة وحضرة المشاهدة فقال عائدا إلى مظهر الجلال الجامع لصفات الجلال والإكرام لأنه من أعظم مقاماته :( اللهُ ) أي هو الملك في ذلك اليوم ثم أثبت له صفات الكمال منزها عن شوائب النقص مفتتحا لها بالتفرد فقال :( لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) مقررا لكمال التوحيد ، فإنه المقصود الأعظم من جميع الشرائع ولكن الإنسان لما جبل عليه من النقصان لا بد له من ترغيب يشده وترهيب يرده ومواعظ ترفقه وأعمال تصدقه وأخلاق تحققه ، فخلل سبحانه وتعالى أي التوحيد بالأحكام والقصص ، والأحكام تفيد الأعمال الصالحة فترفع أستار الغفلة عن عيون القلوب وتكسب الأخلاق الفاضلة لتصقل الصدأ عن مرائي النفوس فتتجلى فيها حقائق التوحيد ، والقصص تلزم بمواعظها واعتباراتها بالأحكام وتقرر دلائل المعارف فيرسخ التوحيد ، وكان هذا التفصيل لأنه أنشط للنفس بالانتقال من نوع إلى آخر مع الهز بحسن النظم وبلاغة التناسب والإلهاب ببداعة الربط وبراعة التلاحم. وقال الحرالي : لما أتى بالخطاب على بيان جوامع من معالم الدين وجهات الاعتبار وبيان أحكام الجهاد والإنفاق فيه فتم الدين بحظيرته معالم إسلام وشعائر إيمان ولمحة إحسان أعلى تعالى الخطاب إلى بيان أمر الإحسان كما استوفى البيان في أمر الإيمان والإسلام فاستفتح هذا الخطاب العلي الذي يسود كل خطاب ليعلي به الذين امنوا فيخرجهم به من ظلمة الإيمان بالغيب الذي نوره يذهب ظلمة الشك والكفر إلى صفاء ضياء الإيقان الذي يصير نور الإيمان بالإضافة إليه ظلمة كما يصير نور القمر عند ضياء الشمس ظلمة ، فكانت نسبة هذه الآية من آية الإلهية في قوله سبحانه وتعالى( وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ ) [البقرة : ٢٥٥] وما بعدها من الاعتبار في خلق السماوات والأرض نسبة ما بين علو اسمه الله الذي لم يقع فيه شرك بحق ولا بباطل إلى اسمه الإله الذي وقع فيه الشرك بالباطل فينقل تعالى المؤمنين الذين استقر لهم إيمان الاعتبار بآية( وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ ) [البقرة : ٢٥٥] وما بعدها من الاعتبار في خلق السماوات والأرض إلى يقين العيان باسمه( اللهُ ) وما يلتئم بمعناه من أوصافه العظيمة ـ انتهى.

ولما وحّد سبحانه وتعالى نفسه الشريفة أثبت استحقاقه لذلك بحياته وبين أن المراد بالحياة الأبدية بوصف القيومية فقال :( الْحَيُ ) أي الذي له الحياة وهي صفة توجب صحة العلم والقدرة أي الذي يصح أن يعلم ويقدر( الْقَيُّومُ ) أي القائم بنفسه المقيم لغيره على الدوام على أعلى ما يكون من القيام والإقامة. قال الحرالي : فيعول

٤٩٥

زيدت في أصوله الياء ليجتمع فيه لفظ ما هو من معناه الذي هو القيام بالأمر مع واوه التي هي من قام يقوم فأفادت صيغته من المبالغة ما في القيام والقوام على حد ما تفهمه معاني الحروف عند المخاطبة بها من أئمة العلماء الوالجين(١) في مدينة العلم المحمدي من بابه العلوي ـ انتهى.

ثم بين قيوميته وكمال حياته بقوله :( لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ) قال الحرالي : هي مجال النعاس في العينين قبل أن يستغرق الحواس ويخامر القلب( وَلا نَوْمٌ ) وهو ما وصل من النعاس إلى القلب فغشيه في حق من ينام قلبه وما استغرق الحواس في حق من لا ينام قلبه ـ انتهى ، ولما عبر بالأخذ الذي هو بمعنى القهر والغلبة وجب تقديم السنة ، كما لو قيل : فلان لا يغلبه أمير ولا سلطان ، ثم بين هذه الجملة بقوله :( اللهُ ) أي بيده وفي تصرفه واختصاصه( ما فِي السَّماواتِ ) الذي من جملته الأرض( وَما فِي الْأَرْضِ ) أي من السنة والنوم وغيرهما إبداعا ودواما وما هو في قبضته وتصرفه لا يغلبه. قال الحرالي : وسلب بالجملة الأولى أمر الملكوت من أيدي الملائكة إلى قهر جبروته والآثار من نجوم الأفلاك إلى جبره ، وسلب بالجملة الثانية الآثار والصنائع من أيدي خليفته وخليقته إلى قضائه وقدره وظهور قدرته ، فكان هذا الخطاب بما أبدى للفهم إقامة قيامه على مجعول الحكمة الأرضية والسمائية التي هي حجاب قيوميته سلبا لقيام ما سواه ـ انتهى.

ثم بين ما تضمنته هذه الجملة بقوله منكرا على من ربما توهم أن شيئا يخرج عن أمره فلا يكون مختصا به( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ ) أي مما ادعى الكفار شفاعته وغيره( عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) أي بتمكينه لأن من لم يقدر أحد على مخالفته كان من البيّن أن كل شيء في قبضته ، وكل ذلك دليل على تفرده بالإلهية. قال الحرالي : وحقيقة الشفاعة وصلة بين الشفيع والمشفوع له لمزية وصلة بين الشفيع والمشفوع عنده ، فكان الإذن في باطن الشفاعة حظا من سلب ما للشفعاء ليصير بالحقيقة إنما الشفاعة لله سبحانه وتعالى عند الله سبحانه وتعالى ، فهو سبحانه وتعالى بالحقيقة الذي شفع عند نفسه بنفسه ، فبإخفائه تعالى شفاعته في شفاعة الشفعاء كان هو الشفيع في الابتداء من وراء حجاب لأن إبداءه كله في حجاب وإعادته من غير حجاب ، فلذلك هو سبحانه وتعالى خاتم الشفعاء حيث يقول كما ورد في الخبر «شفع الأنبياء والمرسلون ولم يبق إلا الحي

__________________

(١) ولج يلج بالكسر ولوجا : أي دخل ، وأولجه غيره : أدخله ا ه مختار.

٤٩٦

القيوم »(١) انتهى. ثم بين جميع ما مضى بقوله :( يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ) أي ما في الخافقين ممن ادعت شفاعته وغيرهم. قال الحرالي : أي ما أتاهم علمه من أمر أنفسهم وغيرهم ، لأن ما بين يدي المرء يحيط به حسه ، وما علمه أيضا فكأنه بين يدي قلبه يحيط به علمه( وَما خَلْفَهُمْ ) وهو ما لم ينله علمهم ، لأن الخلف هو ما لا يناله الحس ، فأنبأ أن علمه من وراء علمهم محيط بعلمهم فيما علموا وما لم يعلموا ـ انتهى.

ولما بين قهره لهم بعلمه بين عجزهم عن كل شيء من علمه إلا ما أفاض عليهم بحلمه فقال :( وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ ) أي قليل ولا كثير( مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ ) فبان بذلك ما سبقه ، لأن من كان شامل العلم ولا يعلم غيره إلا ما علمه كان كامل القدرة ، فكان كل شيء في قبضته ، فكان منزها عن الكفوء متعاليا عن كل عجز وجهل ، فكان بحيث لا يقدر غيره أن ينطق إلّا بإذنه لأنه يسبب له ما يمنعه مما لا يريده.

ثم بين ما في هذه الجملة من إحاطة علمه وتمام قدرته بقوله مصورا لعظمته وتمام علمه وكبريائه وقدرته بما اعتاده الناس في ملوكهم :( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ) ومادة كرس تدور على القوة والاجتماع والعظمة والكرس الذي هو البول والبعر الملبد مأخوذ من ذلك. وقال الأصفهاني : الكرسي ما يجلس عليه ولا يفضل عن مقعد القاعد. وقال الحرالي : معنى الكرس هو الجمع ، فكل ما كان أتم جمعا فهو أحق بمعناه ، ويقال على المرقى للسرير الذي يسمى العرش الذي يضع الصاعد عليه قدمه إذا صعد وإذا نزل وحين يستوي إن شاء : كرسي ، ثم قال : والكرسي فيه صور الأشياء كلها كما بدت آيته في الأرض التي فيها موجودات الأشياء كلها ، فما في الأرض صورة إلّا ولها في الكرسي مثل ، فما في العرش إقامته ففي الكرسي أمثلته ، وما في السماوات إقامته ففي الأرض صورته ، فكان الوجود مثنيا كما كان القرآن مثاني إجمالا وتفصيلا في القرآن ومدادا وصورا في الكون ، فجمعت هذه الآية العلية تفصيل المفصلات وانبهام صورة المداديات بنسبة ما بين السماء وما منه ، وجعل وسع الكرسي وسعا واحدا حيث قال :( السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ) ولم يكن وسعان لأن الأرض في السماوات والسماوات في الكرسي

__________________

(١) صحيح. مراد المصنف ما أخرجه البخاري ٤٥٨١ و ٤٩١٩ و ٧٤٣٩ ومسلم ١٨٣ و ١٨٤ وعبد الرزاق ٢٠٨٥٧ وأحمد ٣ / ١٦ وابن حبان ٧٣٧٧ وابن ماجه ١٧٩ وابن خزيمة في التوحيد ص ١٧٢ كلهم من حديث أبي سعيد في حديث الرؤية والشفاعة ، وفيه : «فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون ، فيقول الجبّار : بقيت شفاعتي ، فيقبض قبضة من النار ، فيخرج أقواما قد امتحشوا ، فيلقون في نهر بأفواه الجنة يقال له ماء الحياة ، فينبتون في حافتيه كما تنبت الحبّة في حميل السّيل الحديث.

هذا اللفظ للبخاري برقم ٧٤٣٩ وأتم والباقون رووه مطولا ومختصرا.

٤٩٧

والكرسي في العرش والعرش في الهواء ـ انتهى. فبان بذلك ما قبله لأن من كان بهذه العظمة في هذا التدبير المحكم والصنع المتقن كان بهذا العلم وهذه القدرة التي لا يثقلها شيء ولذا قال :( وَلا يَؤُدُهُ ) أي يثقله. قال الحرالي : من الأود أي بلوغ المجهود ذودا ، ويقابله ياء من لفظ لايد أي وهو القوة ، وأصل معناه والله سبحانه وتعالى أعلم أنه لا يعجزه علو أيده ولذلك يفسره اللغويون بلفظة يثقله( حِفْظُهُما ) في قيوميته كما يثقل غيره أو يعجزه حفظ ما ينشئه بل هو عليه يسير لأنه لو أثقله لاختل أمرهما ولو يسيرا ولقدر غيره ولو يوما ما على غير ما يريده. والحفظ قال الحرالي : الرعاية لما هو متداع في نفسه فيكون تماسكه بالرعاية له عما يوهنه أو يبطله ـ انتهى. ولما لم يكن علوه وعظمته بالقهر والسلطان والإحاطة بالكمال منحصرا فيما تقدم عطف عليه قوله :( وَهُوَ ) أي مع ذلك كله المتفرد بأنه( الْعَلِيُ ) أي الذي لا رتبة إلا وهي منحطة عن رتبته( الْعَظِيمُ ) كما أنبأ عن ذلك افتتاح الآية بالاسم العلم الأعظم الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى علوا وعظمة تتقاصر عنهما الأفهام لما غلب عليها من الأوهام ، ونظم الاسمين هكذا دال على أنه أريد بالعظم علو الرتبة وبعد المنال عن إدراك العقول ، وقد ختمت الآية بما بدئت به غير أن بدأها بالعظمة كما قال الحرالي كان باسم( اللهُ ) إلاحة وختمها كان بذلك إفصاحا لما ذكر من أن الإبداء من وراء حجاب والإعادة بغير حجاب ، كذلك تنزل القرآن ، مبدأ الخطاب إلاحة وخاتمته إفصاح ليتطابق الوحي والكون تطابق قائم ومقام( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ) [الأعراف : ٥٤] ولما في العلو من الظهور وفي العظمة من الخفاء لموضع الإحاطة لأن العظيم هو ما يستغرق كما يستغرق الجسم العظيم جميع الأقطار( وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى ) [الروم : ٢٧] وذلك حين كان ظاهر العلو هو كبرياؤه الذي شهد به كبير خلقه ، قال سبحانه وتعالى فيما أنبأ عنه نبيهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «الكبرياء ردائي» لأن الرداء هو ما على الظاهر «والعظمة إزاري»(١) والإزار ما ستر الباطن والأسفل ، فإذا في السماء كبرياؤه وفي الأرض عظمته ، وفي العرش علوه وفي الكرسي عظمته ، فعظمته أخفى ما يكون حيث التفصيل ، وكبرياؤه وعلوه أجلى ما يكون حيث الإبهام والانبهام ، فتبين بهذا المعنى علو رتبة هذه الآية بما علت على الإيمان علو الإيمان على الكفران ، ولما ألاحته للأفهام من قيوميته تعالى وعلوه وعظمته وإبادة ما

__________________

(١) صحيح. أخرجه البخاري في الأدب المفرد ٥٥٢ ومسلم ٢٦٢٠ وأبو داود ٤٠٩٠ وابن ماجه ٤١٧٤ والطيالسي ٢٣٨٧ وابن أبي شيبة ٩ / ٨٩ وابن حبان ٣٢٨ والبغوي في شرح السّنة ٣٥٩٢ والحميدي ١١٤٩ وأحمد ٢ / ٣٧٦ كلهم من حديث أبي هريرة زاد مسلم والبخاري : وأبي سعيد. ولفظ أبي داود بزيادة «فمن نازعني واحدا منهما قذفته في النار» وعجزه عند البخاري «عذبته».

٤٩٨

سواه في أن ينسب إليهم شيء لأنه سبحانه وتعالى إذا بدا باد ما سواه كان في إلاحة هذه الآية العلية العظيمة تقرير دين الإسلام الذي هو دين الإلقاء كما كان فيما تقدم من إيراد السورة تقرير دين القيمة الذي ما أمروا إلا ليعبدوا به مخلصين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ، ولذلك كان ذكر دين الإسلام في سورة الإفصاح بمعاني هذه السورة آل عمران إثر قوله( شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) [آل عمران : ١٨] ـ انتهى. وقد علم من هذا التقرير أن كل جملة استؤنفت فهي علة لما قبلها وأن الأخيرة شارحة للازم العلم المحيط وهو القدرة التامة التي أقمت دليل لزومها في طه ، فمن ادعى شركة فليحفظ هذا الكون ولو في عام من الأعوام وليعلم بما هو فاعل في ذلك العام ليصح قوله : وأنى له ذلك وأنى! واتضح بما تقرر له سبحانه وتعالى من العلو والعظمة أن الكافر به هو الظالم ، وأن يوم تجليه للفصل لا تكون فيه شفاعة ولا خلة ، وأما البيع فهم عنه في أشغل الشغل ، وإن كان المراد به الفداء فقد علم أنه لا سبيل إليه ولا تعريج عليه ، وبهذه الأسرار اتضح قول السيد المختارصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن هذه الآية سيدة آي القرآن»(١) وذلك لما اشتملت عليه من أسماء الذات والصفات والأفعال ، ونفي النقص وإثبات الكمال ، ووفت به من أدلة التوحيد على أتم وجه في أحكم نظام وأبدع أسلوب متمحضة لذلك ، فإن فضل الذكر والعلم يتبع المذكور والمعلوم ، وقد احتوت على الصفات السبع : الحياة والعلم والقدرة والإرادة والكلام صريحا ، فإن الإذن لا يكون إلا بالكلام والإرادة ، وعلى السمع والبصر من لازم( لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) ومن لازم( الْحَيُ ) لأن المراد الحياة الكاملة ؛ وكررت فيها الأسماء الشريفة ظاهرة ومضمرة سبع عشرة مرة بل إحدى وعشرين ، ولم يتضمن هذا المجموع آية غيرها في كتاب الله ، وهي

__________________

(١) يشبه الحسن. أخرجه الترمذي ٢٨٧٨ والحاكم ٢ / ٢٥٩ و ١ / ٥٦٠ والبيهقي في الشعب بنحوه ٢٣٨٩ كلهم من حديث أبي هريرة ولفظ الترمذي : «لكل شيء سنام ، وإن سنام القرآن سورة البقرة ، وفيها آية هو سيدة آي القرآن هي آية الكرسي» قال الترمذي : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حكيم ابن جبير ، وقد تكلم شعبة في حكيم بن جبير وضعفه اه.

وقال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه والشيخان لم يخرجا عن حكيم بن جبير لوهن في رواياته إنما تركاه لغلوّه في التشيع اه ووافقه الذهبي على كلامه وورد من حديث علي بن أبي طالب أخرجه الديلمي في الفردوس ٣٤٧١ والبيهقي في الشعب ٢٣٩٧.

ورواية الديلمي : «سيد الناس آدم ...» إلى أن قال : «وسيد البقرة آية الكرسي أما إن فيها ...» وإسناده واه. ورواية البيهقي : «سيد آي القرآن الله لا إله إلا هو الحي القيوم. قال المناوي في فيض القدير ٤٢٣ : فيه محمد بن عبد القدوس. قال الذهبي : مجهول. وفيه مجالد بن سعيد قال أحمد : ليس بشيء اه. وحكيم بن جبير ضعفه الحافظ في التقريب والذهبي في الميزان. لكن شاهده يقويه قليلا فيقرب من الحسن والله أعلم.

٤٩٩

خمسون كلمة على عدد الصلوات المأمور بها أولا في تلك الحضرة السماء حضرة العرش والكرسي فوق سدرة المنتهى ، وبعدد ما استقرت عليه من رتبة الأجر آخرا ، فكأنها مراقي لروح قارئها إلى ذلك المحل الأسمى الذي هو آتيه الذي تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، ولعل هذا سر ما ثبت من أنه لا يقرب من يقرؤها عند النوم شيطان ، لأن من كان في حضرة الرحمن عال عن وساوس الشيطان ـ والله سبحانه وتعالى الموفق.

ولما اتضحت الدلائل لكل عالم وجاهل صار الدين إلى حد لا يحتاج فيه منصف لنفسه إلى إكراه فيه فقال :( لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ ) وقال الحرالي : لما نقل سبحانه وتعالى رتبة الخطاب من حد خطاب الأمر والنهي والحدود وما ينبني عليه المقام به دين القيمة الذي أخفى لهم أمر العظمة والجبروت الجابر لأهل الملكوت والملك فيما هم فيه مصرفون إلى علو رتبة دين الله المرضي الذي لا لبس فيه ولا حجاب عليه ولا عوج له ، وهو اطلاعه سبحانه وتعالى عبده على قيوميته الظاهرة بكل باد وفي كل باد وعلى كل باد وأظهر من كل باد وعظمته الخفية التي لا يشير إليها اسم ولا يجوزها رسم وهي مداد كل مداد بين سبحانه وتعالى وأعلن بوضع الإكراه الخفي موقعه في دين القيمة من حيث ما فيه من حمل الأنفس على كرهها فيما كتب عليها مما هو علم عقابها وآية عذابها ، فذهب بالاطلاع على أمر الله في قيوميته وعظمته كره النفس بشهودها جميع ما تجري فيه لها ما عليها. فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات بما استشعرته قلوبهم من ماء التوحيد الجاري تحت مختلفات أثمار أعمالهم فعاد حلوه ومره بذلك التوحيد حلوا ، كما يقال في الكبريت الأحمر الذي يقلب أعيان الأشياء الدنية إلى حال أرفعها ـ انتهى.

ثم علل سبحانه وتعالى انتفاء الإكراه عنه بقوله :( قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ ) قال الحرالي : وهو حسن التصرف في الأمر والإقامة عليه بحسب ما يثبت ويدوم( مِنَ الْغَيِ ) وهو سوء التصرف في الشيء وإجراؤه على ما تسوء عاقبته ـ انتهى. أي فصار كل ذي لب يعرف أن الإسلام خير كله وغيره شر كله ، لما تبين من الدلائل وصار بحيث يبادر كل من أراد نفع نفسه إليه ويخضع أجبر الجبابرة لديه فكأنه لقوة ظهوره وغلبة نوره قد انتفى عنه الإكراه بحذافيره ، لأن الإكراه الحمل على ما لم يظهر فيه وجه المصلحة فلم يبق منه مانع إلّا حظ النفس الخبيث في شهواتها البهيمية والشيطانية( فَمَنْ ) أي فكان ذلك سببا لأنه من( يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ ) وهو نفسه وما دعت إليه ومالت بطبعها الرديء إليه. وقال الحرالي : وهو ما أفحش في الإخراج عن الحد الموقف عن الهلكة صيغة مبالغة وزيادة انتهاء مما منه الطغيان ـ انتهى.( وَيُؤْمِنْ بِاللهِ ) أي الملك الأعلى ميلا مع العقل الذي هو خير كله

٥٠٠