نظم الدّرر الجزء ٢

نظم الدّرر0%

نظم الدّرر مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف: علوم القرآن
الصفحات: 761

  • البداية
  • السابق
  • 761 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 27 / تحميل: 23
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 2

مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
العربية

داواه سبحانه بأن تلا تبشير المجاهدين بإنذار الكفار المنافقين والمصارحين الذين أملى لهم بخذلانهم المؤمنين بالرجوع عن قتال أحد وغيره من أسباب الإملاء على وجه يصدق ما تقدم أول السورة من الوعد بأنهم سيغلبون ، وأن أموالهم إنما هي صورة ، لا حقائق لها ، عطفا لآخرها على أولها ، وتأكيدا لاستجابة دعاء أوليائه آخر التي قبلها بقوله مخاطبا لأشرف عباده ، والمراد من يمكن ذلك عادة فيه ، لأن خطاب الرئيس أمكن في خطاب الأتباع ـ( لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ) أي لا تغترر بتصرف( الَّذِينَ كَفَرُوا ) تصرف من يقلب الأمور بالنظر في عواقبها لسلامتهم في تصرفهم وفوائدهم وجودة ما يقصدونه في الظاهر كجودة القلب في البدن( فِي الْبِلادِ ) فإن تقلبهم( مَتاعٌ قَلِيلٌ ) أي لا يعبأ به ذو همة علية ، وعبر بأداة التراخي إشارة إلى أن تمتيعهم ـ وإن فرض أنه طال زمانه وعلا شأنه ـ تافه لزواله ثم عاقبته ، وإلى هول تلك العاقبة وتناهي عظمتها ، فقال :( ثُمَّ مَأْواهُمْ ) أي بعد التراخي إن قدر( جَهَنَّمُ ) أي الكريهة المنظر الشديدة الأهوال ، العظيمة الأوجال ، لا مهاد لهم غيرها( وَبِئْسَ الْمِهادُ ) أي الفراش الذي يوطأ ويسهل للراحة والهدوء.

ولما بين بآية المهاجرين أن النافع من الإيمان هو الموجب للثبات عند الامتحان. وكانت تلك الشروط قد لا توجد ، ذكر وصف التقوى العام للأفراد الموجب للإسعاد ، فعقب تهديد الكافرين بما لأضدادهم المتقين الفائزين بما تقدم الدعاء إليه بقوله تعالى :( قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ ) [آل عمران : ١٥] فقال تعالى :( لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ ) أي أوقعوا الاتصاف بالتقوى بالائتمار بما أمرهم به المحسن إليهم والانتهاء عما نهاهم شكرا لإحسانه وخوفا من عظم شأنه( لَهُمْ جَنَّاتٌ ) وألى جنات ، ثم وصفها بقوله :( تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ) تعريفا بدوام تنوعها وزهرتها وعظيم بهجتها.

ولما وصفها بضد ما عليه النار وصف تقلبهم فيها بضد ما عليه الكفار من كونهم في ضيافة الكريم الغفار فقال :( خالِدِينَ فِيها ) ولما كان النزل ما يعد للضيف عند نزوله قال معظما ما لمن يرضيه :( نُزُلاً ) ولما كان الشيء يشرف بشرف من هو من عنده نبه على عظمته بقوله :( مِنْ عِنْدِ اللهِ ) مضيفا إلى الاسم الأعظم ، وأشار بجعل الجنات كلها نزلا إلى التعريف بعظيم ما لهم بعد ذلك عنده سبحانه من النعيم الذي لا يمكن الآدميين وجه الاطلاع على حقيقة وصفه ، ولهذا قال معظما ـ لأنه لو أضمر لظن الاختصاص بالنزل ـ( وَما عِنْدَ اللهِ ) أي الملك الأعظم من النزل وغيره( خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ ) مما فيه الكفار ومن كل ما يمكن أن يخطر بالبال من النعيم.

٢٠١

( وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠) )

ولما كان للمؤمنين من أهل الكتابين ـ مع التشرف بما كانوا عليه من الدين الذي أصله حق ـ حظّ من الهجرة ، فكانوا قسما ثانيا من المهاجرين ، وكان إنزال كثير من هذه السورة في مقاولة أهل الكتاب ومجادلتهم والتحذير من مخاتلتهم ومخادعتهم والإخبار ـ بأنهم يبغضون المؤمنين مع محبتهم لهم ، وأنهم لا يؤمنون بكتابهم ، وأنهم سيسمعون منهم أذى كثيرا إلى أن وقع الختم في أوصافهم بأنهم اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا ـ ربما أيأس من إيمانهم ؛ أتبع ذلك مدح مؤمنيهم ، وغير الأسلوب عن أن أيقال مثلا : والذين آمنوا من أهل الكتاب ـ إطماعا في موالاتهم بعد التدريب بالتحذير منهم على مناواتهم وملاواتهم فقال :( وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ ) أي اليهود والنصارى( لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ ) أي الذي حاز صفات الكمال ، وأشار إلى الشرط المصحح لهذا الإيمان بقوله :( وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ ) أي من هذا القرآن( وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ ) أي كله ، فيذعن لما يأمر منه باتباع هذا النبي العربي ، وإليه الإشارة بقوله جامعا للنظر إلى معنى من تعظيما لوصف الخشوع بالنسبة إلى مطلق الإيمان :( خاشِعِينَ لِلَّهِ ) أي لأنه الملك الذي لا كفوء له ، غير مستنكفين عن نزل المألوف( لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللهِ ) أي التي متى تأملوها علموا أنه لا يقدر عليها إلا من أحاط بالجلال والجمال ، الآمرة لهم بذلك( ثَمَناً قَلِيلاً ) بما هم عليه من الرئاسة ونفوذ الكلمة ـ كما تقدم قريبا في وصف معظمهم ، فهم يبينونها ويرشدون إليها ولا يحرفونها.

ولما أخبر تعالى عن حسن ترحمهم إليه أخبر عن جزائهم عنده بما يسر النفوس ويبعث الهمم فقال :( أُولئِكَ ) أي العظيمو الرتبة( لَهُمْ أَجْرُهُمْ ) أي الذي يؤملونه ، ثم زادهم فيه رغبة تشريفه بقوله :( عِنْدَ رَبِّهِمْ ) أي الذي رباهم ولم يقطع إحسانه لحظة عنهم ، كل ذلك تعظيما له من حيث إن لهم الأجر مرتين.

ولما اقتضت هذه التأكيدات المبشرات إنجاز الأجر وإتمامه وإحسانه ، وكان قد تقدم أنه تعالى يؤتي كل أحد من ذكر وأنثى أجره ، ولا يضيع شيئا ، ويجازي المسيء والمحسن ، وكانت العادة قاضية بأن كثرة الخلق سبب لطول زمن الحساب ، وذلك سبب لطول الانتظار ، وذلك سبب لتعطيل الإنسان عن مهماته ولضيق صدره بتفرق عزمه وشتاته كان ذلك محل عجب يورث توهم ما لا ينبغي ، فأزال هذا التوهم بأن أمره تعالى

٢٠٢

على غير ذلك لأنه لا يشغله شأن عن شأن بقوله :( إِنَّ اللهَ ) أي بما له من الجلال والعظمة والكمال( سَرِيعُ الْحِسابِ ) .

ولما كثر في هذه الآيات الأمر بمقاساة الشدائد وتجرع مرارات الأذى واقتحام الحروب واستهانة عظائم الكروب ، والحث على المعارف الإلهية والآداب الشرعية من الأصول والفروع انخلاعا من المألوفات إلى ما يأمر به سبحانه من الطاعات ، وختم بتجرع فرقة من أهل الكتاب لتلك المرارات كانت نتيجة ذلك لا محالة قوله تعالى منبها على عظمة ما يدعو إليه لأنه شامل لجميع الآداب :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) أي بكل ما ذكرنا في هذه السورة( اصْبِرُوا ) أي أوقعوا الصبر تصديقا لإيمانكم على كل ما ينبغي الصبر عليه مما تكرهه النفوس مما دعتكم إليه الزهراوان( وَصابِرُوا ) أي أوجدوا المصابرة للأعداء من الكفار والمنافقين وسائر العصاة ، فلا يكونن على باطلهم أصبر منكم على حقكم( وَرابِطُوا ) أي بأن تربطوا في الثغور خيلا بإزاء ما لهم من الخيول إرهابا لهم وحذرا منهم ـ هذا أصله ، ثم صار الرباط يطلق على المكث في الثغور لأجل الذب عن الدين ولو لم تكن خيول ، بل وتطلق على المحافظة على الطاعات ، ثم أمر بملاك ذلك كله فقال :( وَاتَّقُوا اللهَ ) أي في جميع ذلك بأن تكونوا مراقبين له ، مستحضرين لجميع ما يمكنكم أن تعلموه من عظمته بنعمته ونقمته( لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) أي ليكون حالكم حال من يرجى فلاحه وظفره بما يريد من النصر على الأعداء والفوز بعيش الشهداء ، وهذه الآية ـ كما ترى ـ معلمة بشرط استجابة الدعاء بالنصرة على الكافرين ، المختتم به البقرة( فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) [البقرة : ١٨٦] داعية إلى تذكير أولي الألباب بالمراقبة للواحد الحي القيوم الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء في اتباع آياته ومعاداة أعدائه ، كما أن التي قبلها فيمن آمن بجميع الكتب : هذا القرآن المصدق لما بين يديه والتوراة والإنجيل ، كل ذلك للفوز بالفرقان بالنصر وتعذيب أهل الكفر بأيديهم تمكينا من الله ـ والله عزيز ذو انتقام ـ ردّا للمقطع على المطلع على أحسن وجه ـ والله أعلم بالصواب وعنده حسن المآب.

٢٠٣

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة النساء

مقصودها الاجتماع على التوحيد الذي هدت إليه آل عمران ، والكتاب الذي حدّت عليه البقرة لأجل الدين الذي جمعته الفاتحة تحذيرا مما أراده شأس بن قيس وأنظاره من الفرقة ، وهذه السورة من أواخر ما نزل ، روى البخاري في فضائل القرآن «عن يوسف بن ماهك أن عراقيا سأل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن تريه مصحفها ، فقالت : لم؟

قال : لعلي أؤلف القرآن عليه ، فإنه يقرأ غير مؤلف ، قالت : وما يضرك أيّه قرأت قبل ، إنّما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل ، فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر ، لقالوا : لا ندع الخمر أبدا ، ولو نزل لا تزنوا لقالوا : لا ندع الزنى أبدا ، لقد نزل بمكة على محمد وإني لجارية ألعب( بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ ) [القمر : ٤٦] وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده ، قال : فأخرجت له المصحف فأملت عليه آي السور»(١) انتهى. وقد عنت بهذا رضي الله عنها أن القرآن حاز أعلى البلاغة في إنزاله مطابقا لما تقتضيه الأحوال بحسب الأزمان ، ثم رتب على أعلى وجوه البلاغة بحسب ما تقتضيه المفاهيم من المقال ـ كما نشاهده من هذا الكتاب البديع المثال البعيد المنال.

( يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (١) وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً (٢) )

ولما كان مقصودها الاجتماع على ما دعت إليه السورتان قبلها من التوحيد ، وكان السبب الأعظم في الاجتماع والتواصل عادة الأرحام العاطفة التي مدارها النساء سميت «النساء» لذلك ، ولأن بالاتقاء فيهن تتحقق العفة والعدل الذي لبابه التوحيد( بِسْمِ اللهِ )

__________________

(١) موقوف صحيح. أخرجه البخاري ٤٩٩٣ في فضائل القرآن عن يوسف بن ماهك عن عائشة به.

٢٠٤

الجامع لشتات الأمور بإحسان التزاوج في لطائف المقدور( الرَّحْمنِ ) الذي جعل الأرحام رحمة عامة( الرَّحِيمِ ) الذي خص من أراد بالتواصل على ما دعا إليه دينه الذي جعله نعمة تامة.

لما تقرر أمر الكتاب الجامع الذي هو الطريق ، وثبت الأساس الحامل الذي هو التوحيد احتيج إلى الاجتماع على ذلك ، فجاءت هذه السورة داعية إلى الاجتماع والتواصل والتعاطف والتراحم فابتدأت بالنداء العام لكل الناس ، وذلك أنه لما كانت أمهات الفضائل ـ كما تبين في علم الأخلاق ـ أربعا : العلم والشجاعة والعدل والعفة ، كما يأتي شرح ذلك في سورة لقمنعليه‌السلام ، وكانت آل عمرن داعية مع ما ذكر من مقاصدها إلى اثنتين منها ، وهما العلم والشجاعة ـ كما أشير إلى ذلك في غير آية( نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِ ) [آل عمران : ٣] ،( وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) [آل عمران : ٧] ،( شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ ) [آل عمران : ١٨] ،( وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) [آل عمران : ١٣٩] ،( فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ) [آل عمران : ١٤٦] ،( فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ ) [آل عمران : ١٥٩] ،( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً ) [آل عمران : ١٦٩] ،( الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ ) [آل عمران : ١٧٢] ،( يا أَيُّهَا ) الذي( آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا ) [آل عمران : ٢٠٠] ، وكانت قصة أحد قد أسفرت عن أيتام استشهد مورثوهم في حب الله ، وكان من أمرهم في الجاهلية منع أمثالهم من الإرث جورا عن سواء السبيل وضلالا عن أقوم الدليل ؛ جاءت هذه السورة داعية إلى الفضيلتين الباقيتين ، وهما العفة والعدل مع تأكيد الخصلتين الأخريين حسبما تدعو إليه المناسبة ، وذلك مثمر للتواصل بالإحسان والتعاطف بإصلاح الشأن للاجتماع على طاعة الديان ، فمقصودها الأعظم الاجتماع على الدين بالاقتداء بالكتاب المبين ، وما أحسن ابتداءها بعموم :( يا أَيُّهَا النَّاسُ ) بعد اختتام تلك بخصوص( «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا ) الآية.

ولما اشتملت هذه السورة على أنواع كثيرة من التكاليف ، منها التعطف على الضعاف بأمور كانوا قد مرنوا على خلافها ، فكانت في غاية المشقة على النفوس ، وأذن بشدة الاهتمام بها بافتتاح السورة واختتامها بالحث عليها قال :( اتَّقُوا رَبَّكُمُ ) أي سيدكم ومولاكم المحسن إليكم بالتربية بعد الإيجاد ، بأن تجعلوا بينكم وبين سخطه وقاية ، لئلا يعاقبكم بترك إحسانه إليكم فينزل بكم كل بؤس. ابتدأ هذه ببيان كيفية ابتداء الخلق حثا على أساس التقوى من العفة والعدل فقال :( الَّذِي ) جعل بينكم غاية الوصلة لتراعوها

٢٠٥

ولا تضيعوها ، وذلك أنه( خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ) هي أبوكم آدم عليه الصلاة والسّلام مذكرا بعظيم قدرته ترهيبا للعاصي وترغيبا للطائع توطئة للأمر بالإرث ، وقد جعل سبحانه الأمر بالتقوى مطلعا لسورتين : هذه وهي رابعة النصف الأول ، والحج وهي رابعة النصف الثاني ، وعلل الأمر بالتقوى في هذه بما دل على كمال قدرته وشمول علمه وتمام حكمته من أمر المبدإ ، وعلل ذلك في الحج بما صور المعاد تصويرا لا مزيد عليه ، فدل فيها على المبدإ والمعاد تنبيها على أنه محط الحكمة ، ما خلق الوجود إلا لأجله ، لتظهر الأسماء الحسنى والصفات العلى أتم ظهور يمكن البشر الاطلاع عليه ، ورتب ذلك على الترتيب الأحكم ، فقدم سورة المبدإ على سورة المعاد لتكون الآيات المتلوة طبق الآيات المرئية ، وأبدع من ذلك كله وأدق أنه لما كان أعظم مقاصد السورة الماضية المجادلة في أمر عيسى ، وأن مثله كمثل آدم عليهما الصلاة والسّلام ، وكانت حقيقة حاله أنه ذكر تولّد من أنثى فقط بلا واسطة ذكر ؛ بين في هذه السورة بقوله ـ عطفا على ما تقديره جوابا لمن كأنه قال : كيف كان ذلك؟ ـ إنشاء تلك النفس ، أو تكون الجملة حالية ـ( وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها ) أي مثله في ذلك أيضا كمثل حواء : أمه ، فإنها أنثى تولدت من ذكر بلا واسطة أنثى ، فصار مثله كمثل كل من أبيه وأمه : آدم وحواء معا عليهما الصلاة والسّلام ، وصار الإعلام بخلق آدم وزوجه وعيسى عليهم الصلاة والسّلام ـ المندرج تحت آية بعضكم من بعض مع آية البث التي بعد هذه ـ حاصرا للقسمة الرباعية العقلية التي لا مزيد عليها ، وهي بشر لا من ذكر ولا أنثى ، بشر منهما ، بشر من ذكر فقط ، بشر من أنثى فقط ؛ ولذلك عبر في هذه السورة بالخلق ، وعبر في غيرها بالجعل ، لخلو السياق عن هذا الغرض ، ويؤيد هذا أنه قال تعالى في أمر يحيى عليه الصلاة والسّلام( كَذلِكَ اللهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ) [آل عمران : ٤٠] ، وفي أمر عيسى عليه الصلاة والسّلام( يَخْلُقُ ما يَشاءُ ) [آل عمران : ٤٧] ، وأيضا فالسياق هنا للترهيب الموجب للتقوى ، فكان بالخلق الذي هو أعظم في إظهار الاقتداء ـ لأنه اختراع الأسباب وترتيب المسببات عليها ـ أحق من الجعل الذي هو ترتيب المسببات على أسبابها وإن لم يكن اختراع ـ فسبحان العزيز العليم العظيم الحكيم!.

ولما ذكر تعالى الإنشاء عبر بلفظ الرب الذي هو من التربية ، ولما كان الكل ـ المشار إليه بقوله تعالى عطفا على ما تقديره : وبث لكم منه إليها :( وَبَثَّ مِنْهُما ) أي فرق ونشر من التوالد ، ولما كان المبثوث قبل ذلك عدما وهو الذي أوجده من العدم نكر لإفهام ذلك قوله :( رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً ) من نفس واحدة ؛ كان إحسان كل من الناس إلى كل منهم من صلة الرحم ، ووصف الرجال دونهن مع أنهن أكثر منهم إشارة

٢٠٦

إلى أن لهم عليهن درجة ، فهم أقوى وأظهر وأطيب وأظهر في رأي العين لما لهم من الانتشار وللنساء من الاختفاء والاستتار.

ولما كان قد أمر سبحانه وتعالى أول الآية بتقواه مشيرا إلى أنه جدير بذلك منهم لكونه ربهم ، عطف على ذلك الأمر أمرا آخر مشيرا إلى أنه يستحق ذلك لذاته لكونه الحاوي لجميع الكمال المنزه عن كل شائبة نقص فقال :( وَاتَّقُوا اللهَ ) أي عموما لما له من إحاطة الأوصاف كما اتقيتموه خصوصا لما له إليكم من الإحسان والتربية ، واحذروه وراقبوه في أن تقطعوا أرحامكم التي جعلها سببا لتربيتكم.

ولما كان المقصود من هذه السورة المواصلة وصف نفسه المقدسة بما يشير إلى ذلك فقال : الذين( تَسائَلُونَ ) أي يسأل بعضكم بعضا( بِهِ ) فإنه لا يسأل باسمه الشريف المقدس إلا الرحمة والبر والعطف ، ثم زاد المقصود إيضاحا فقال :( وَالْأَرْحامَ ) أي واتقوا قطيعة الأرحام التي تساءلون بها ، فإنكم تقولون : ناشدتك بالله والرحم! وعلل هذا الأمر بتخويفهم عواقب بطشه ، لأنه مطلع على سرهم وعلنهم مع ما له من القدرة الشاملة. فقال مؤكدا لأن أفعال الناس في ترك التقوى وقطيعة الأرحام أفعال من يشك في أنه بعين الله سبحانه :( إِنَّ اللهَ ) أي المحيط علما وقدرة( كانَ عَلَيْكُمْ ) وفي أداة الاستعلاء ضرب من التهديد( رَقِيباً ) وخفض حمزة «الأرحام» المقسم بها تعظيما لها وتأكيدا للتنبيه على أنهم قد نسوا الله في الوفاء بحقوقها ـ كما أقسم بالنجم والتين وغيرهما ، والقراءتان مؤذنتان بأن صلة الأرحام من الله بمكان عظيم ، حيث قرنها باسمه سواء كان عطفا كما شرحته آية( وَقَضى رَبُّكَ ) أن لا( تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ) [الإسراء : ٢٣] ، وغيرها ـ أو كان قسما ، واتفق المسلمون على أن صلة الرحم واجبة ، وأحقهم بالصلة الولد ، وأول صلته أن يختار له الموضع الحلال.

ولما بان من هذا تعظيمه لصلة الرحم بجعلها في سياق ذكره سبحانه وتعالى المعبر عنه باسمه الأعظم ـ كما فعل نحو ذلك في غير آية ، وكان قد تقدم في السورة الماضية ذكر قصة أحد التي انكشفت عن أيتام ، ثم ذكر في قوله تعالى :( كُلُ ) نفسه( ذائِقَةُ الْمَوْتِ ) [آل عمران : ١٨٥] ، أن الموت مشرع لا بد لكل نفس من وروده ؛ علم أنه لا بد من وجود الأيتام في كل وقت ، فدعا إلى العفة والعدل فيهم لأنهم بعد الأرحام أولى من يتقى الله فيه ويخشى مراقبته بسببه فقال :( وَآتُوا الْيَتامى ) أي الضعفاء الذين انفردوا عن آبائهم ، وأصل اليتم الانفراد( أَمْوالَهُمْ ) أي هيئوها بحسن التصرف فيها لأن تؤتوهم إياها بعد البلوغ ـ كما يأتي ، أو يكون الإيتاء حقيقة واليتم باعتبار ما كان. أو باعتبار الاسم اللغوي وهو مطلق الانفراد ، وما أبدع إيلاءها للآية الآمرة بعد عموم تقوى الله

٢٠٧

بخصوصها في صلة الرحم المختتمة بصفة الرقيب! لما لا يخفى من أنه لا حامل على العدل في الأيتام إلا المراقبة ، لأنه لا ناصر لهم ، وقد يكونون ذوي رحم.

ولما أمر بالعفة في أموالهم أتبعه تقبيح الشره الحامل للغافل على لزوم المأمور به فقال :( وَلا تَتَبَدَّلُوا ) أي تكلفوا أنفسكم أن تأخذوا على وجه البدلية( الْخَبِيثَ ) أي من الخباثة التي لا أخبث منها ، لأنها تذهب بالمقصود من الإنسان ، فتهدم جميع أمره( بِالطَّيِّبِ ) أي الذي هو كل أمر يحمل على معالي الأخلاق الصائنة للعرض ، المعلية لقدر الإنسان ؛ ثم بعد هذا النهي العام نوّه بالنهي عن نوع منه خاص ، فقال معبرا بالأكل الذي كانت العرب تذم بالإكثار منه ولو أنه حلال طيب ، فكيف إذا كان حراما ومن مال ضعيف مع الغنى عنه :( وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ ) أي تنتفعوا بها أيّ انتفاع كان ، مجموعة( إِلى أَمْوالِكُمْ ) شرها وحرصا وحبا في الزيادة من الدنيا التي علمتم شؤمها وما أثرت من الخذلان في آل عمرن ، وعبر بإلى إشارة إلى تضمين الأكل معنى الضم تنبيها على أنها متى ضمت إلى مال الولي أكل منها فوقع في النهي ، فحض بذلك على تركها محفوظة على حيالها ؛ ثم علل ذلك بقوله :( إِنَّهُ ) أي الأول( كانَ حُوباً ) أي إثما وهلاكا( كَبِيراً ) .

( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاَّ تَعُولُوا (٣) )

ولما كان تعالى قد أجرى سنة الإلهية في أنه لا بد في التناسل من توسط النكاح إلا ما كان من آدم وحواء وعيسى عليهم الصلاة والسّلام ، وكانوا قد أمروا بالعدل في أموال اليتامى ، وكانوا يلون أمور يتاماهم ، وكانوا ربما نكحوا من في حجورهم منهن ، فكان ربما أوقفهم هذا التحذير من أموالهم عن النكاح خوفا من التقصير في حق من حقوقهن أتبعه تعالى عطفا على ما تقديره : فإن وثقتم من أنفسكم بالعدل فخالطوهم بالنكاح وغيره :( وَإِنْ خِفْتُمْ ) فعبر بأداة الشك حثا على الورع( أَلَّا تُقْسِطُوا ) أي تعدلوا( فِي الْيَتامى ) ووثقتم من أنفسكم بالعدل في غيرهن( فَانْكِحُوا ) .

ولما كانت النساء ناقصات عقلا ودينا ، عبر عنهن بأداة ما لا يعقل إشارة إلى الرفق بهن والتجاوز عنهن فقال :( ما ) ولما أفاد أنكحوا الإذن المتضمن للحل ، حمل الطيب على اللذيذ المنفك عن النهي السابق ليكون الكلام عاما مخصوصا بما يأتي من آية المحرمات من النساء ، ولا يحمل الطيب على الحل لئلا يؤدي ـ مع كونه تكرارا ـ إلى أن يكون الكلام مجملا ـ لأن الحل لم يتقدم علمه ، والحمل على العام المخصوص أولى ،

٢٠٨

لأنه حجة في غير محل التخصيص ، والمجمل ليس بحجة أصلا ـ أفاده الإمام الرازي ؛ فقال تعالى :( طابَ ) أي زال عنه حرج النهي السابق ولذّ ، وأتبعه قيدا لا بد منه بقوله :( لَكُمْ ) وصرح بما علم التزاما فقال :( مِنَ النِّساءِ ) أي من غيرهن( مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ ) أي حال كون هذا المأذون في نكاحه موزّعا هكذا : ثنتين ثنتين وثلاثا ثلاثا وأربعا أربعا لكل واحد ، وهذا الحكم عرف من العطف بالواو ، ولو كان بأو لما أفاد التزوج إلا على أحد هذه الوجوه الثلاثة ، ولم يفد التخيير المفيد للجمع بينها على سبيل التوزيع ، وهذا دليل واضح على أن النساء أضعاف الرجال ، وروى البخاري في التفسير «عن عروة ابن الزبير أنه سأل عائشة رضي الله عنها عن قوله تعالى :( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى ) [النساء : ٣] ، فقالت : يا ابن أختي! هذه اليتيمة تكون في حجر وليها ، تشركه في ماله ، ويعجبه مالها وجمالها ، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره ، فنهوا عن ذلك أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا لهن أعلى سنتهن في الصداق ، فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن قال عروة : قالت عائشة : وإن الناس استفتوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بعد هذه الآية ، فأنزل اللهعزوجل ( وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ ) [النساء : ١٢٧] قالت عائشة : وقول اللهعزوجل في آية أخرى( وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَ ) [النساء : ١٢٧] رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال ، قالت : فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في ماله وجماله في يتامى النساء إلا بالقسط ، من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال»(١) وفي رواية «في النكاح» ، فكما يتركونها حين يرغبون عنها فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها إلا أن يقسطوا لها ويعطوها حقها الأوفى في الصداق ؛ وهذا الخطاب للأحرار دون العبيد ، لأن العبد لا يستقل بنكاح ما طاب له ، بل لا بد من إذن السيد.

ولما كان النساء كاليتامى في الضعف قال مسببا عن الإذن في النكاح :( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا ) أي في الجمع( فَواحِدَةً ) أي فانكحوها ، لأن الاقتصار عليها أقرب إلى العدل ، لأنه ليس معها من يقسم له فيجب العدل بينها وبينه ، ولما كان حسن العشرة المؤدي إلى العدل دائرا على اطراح النفس ، وكان الإماء ـ لكسرهن بالغربة وعدم الأهل ـ أقرب إلى حسن العشرة سوّى بين العدد منهن إلى غير نهاية وبين الواحدة من الحرائر فقيل :( أَوْ ما ) أي انكحوا ما( مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ) فإنه لا قسم بينهن ، وذكر ملك اليمين يدل أيضا على أن الخطاب من أوله خاص بالأحرار( ذلِكَ ) أي نكاح غير اليتامى

__________________

(١) موقوف صحيح. أخرجه البخاري ٤٥٧٤ في التفسير عن عائشة موقوفا عليها.

٢٠٩

والتقلل من الحرائر والاقتصار على الإماء( أَدْنى ) أي أقرب إلى( أَلَّا تَعُولُوا ) أي تميلوا بالجور عن منهاج القسط وهو الوزن المستقيم ، أو تكثر عيالكم ، أما عند الواحدة فواضح ، وأما عند الإماء فالبعزل ، وعدم احتياج الرجل معهن لخادم له أو لهن ، والبيع لمن أراد منهن ، وأمرهن بالاكتساب ، أو تحتاجوا فتظلموا بعض النساء ، أو تأكلوا أموال اليتامى ؛ وكل معنى من هذه راجع إلى لازم لمعنى المادة الذي مدارها عليه ، لأن مادة «علا» ـ واوية بجميع تقاليبها الست : علو ، عول ، لوع ، لعو ، وعل ، ولع ؛ ويائية بتركيبيها : ليع ، عيل ـ تدور على الارتفاع ، ويلزمه الزيادة والميل ، فمن الارتفاع : العلو والوعل والولع ، ومن الميل والزيادة : العول ، وبقية المادة يائية وواوية إما للإزالة ، وإما لأحد هذه المعاني ـ على ما يأتي بيانه ؛ فعلا يعلو : ارتفع ، والعالية : الفتاة القويمة ـ لأنها تكون أرفع مما ساواها وهو معوج ، والعالية من محال الحجاز ـ لإشرافها على ما حولها ، وكذا العوالي ـ لقرى بظاهر المدينة الشريفة ـ لأنها في المكان العالي الذي يجري ماؤه إلى غيره ، والمعلاة : كسب الشرف ، ومقبرة مكة بالحجون ـ لأنها في أعلى مكة وماؤها يصوب إلى ما دونه ، وفلان من علية الناس ، أي أشرافهم ، والعلية بالتشديد : الغرفة ، وعلى حرف الاستعلاء ، وتعلت المرأة من نفاسها ، أي طهرت وشفيت ـ لأنها كانت في سفول من الحال ، والعلاوة : رأس الجبل وعنقه ، وما يحمل على البعير بين العدلين ، ومن كل شيء : ما زاد عليه ، والمعلى : القدح السابع من الميسر ـ لأنه الغاية في القداح الفائزة ، لأن القداح عشرة : السبعة الأولى منها فائزة ، والثلاثة الأخيرة مهملة لا أنصباء لها ، وعلوان الكتاب : عنوانه وارتفاعه على بقية الكتاب واضح ، والعليان : الطويل والضخم ، والناقة المشرفة ، ومن الأصوات : الجهيرة ، والعلاة : السندان ، والعلياء : رأس كل جبل مشرف ، والسماء ، والمكان العالي ، وكل ما علا من شيء ، وعليك زيدا : الزمه ـ لأنه يلزم من ملازمته له العلو على أمره ، وعلا النهار : ارتفع ، وعلا الدابة : ركبها ، وأعلى عنها : نزل ـ كأنه من الإزالة ، وكذا علّى المتاع عن الدابة تعلية : أنزله ، وأعليت عن الوسادة وعاليت : ارتفعت وتنحيت ، ورجل عالي الكعب : شريف ، وعلّى الكتاب تعلية : عنونه كعلونه ، وعالوا نعيه : أظهروه ، والعلي : الشديد القوي ، وعليون في السماء السابعة ، وأخذه علوا : عنوة ، والتعالي : الاتفاع ، إذا أمرت منه قلت : تعال ـ بفتح اللام ، ولها : تعالي ـ بفتح اللام ، ـ ولو كنت في موضع أسفل من موضع المأمور ، لأنه يحتاج إلى تطاول مهما كان بينك وبينه مسافة ، ولأن الآمر أعلى من المأمور رتبة فموضعه كذلك ، وتعلى : علا في مهلة ، والمعتلي : الأسد ؛ واللعو : السيء الخلق ، والفسل ، والشره الحريص ، واللاعي : الذي

٢١٠

يفزعه أدنى شيء ، إما لأنه وصل إلى الغاية في السفول فتسنم أعلاها حتى رضي لنفسه هذه الأخلاق ، وإما لأنه من باب الإزالة ، أو التسمية بالضد ، وذئبة لعوة وامرأة لعوة ، أي حريصة ، واللعوة : السواد بين حلمتي الثدي ، إما لأن ذلك أعلاه ، وإما لعلو لون السواد على لون الثدي ، والألعاء : السلاميات ، والسلامى عظم يكون في فرسن البعير ، وعظام صغار في اليد والرجل ، وذلك لأن العظام أعلى ما في الجسد في القوة والشدة والصلابة ، وهي أعظم قوامه ؛ واللاعية : شجيرة في سفح الجبل ، لها نور أصفر ، ولها لبن ، وإذا ألقي منه شيء في غدير السمك أطفاها ، أي جعلها طافية أي عالية على وجه الماء ، سميت بذلك إما من باب الإزالة نظرا إلى محل بيتها ، وإما لأن ريحها يعلو كل ما خالطه ويكسبه طعمها ، وإما لفعلها هذا في السمك ، وتلعّى العسل : تعقّد وزنا ومعنى ـ إما من اللاعية لأنها كثيرة العقد ، وإما من لازم العلو : القوة والشدة ، ولعا لك ـ يقال عند العثرة ، أي أنعشك الله ؛ والعول : ارتفاع الحساب في الفرائض ، والعول : الميل ، وقد تقدم أنه لازم للعلو ، والعول : كل أمر غلبك ، كأنه علا عنك فلم تقدر على نيله ، والمستعان به ـ لأنه لا يتوصل به إلى المقصود إلا وفيه علو ، وقوت العيال ـ لأنه سبب علوهم ، وعوّل عليه معولا : اتكل واعتمد ، والاسم كعنب ، وعيّل ككيس ، وعال : جار ، والميزان : نقص أو زاد ، فالزيادة من الارتفاع ، والنقص من لازم الميل ، وعالت الفريضة : ارتفعت أي زادت سهامها فدخل النقصان على أهل الفرائض ، قال أبو عبيد : أظنه مأخوذا من الميل ، وعال أمرهم : اشتد وتفاقم ، وعال فلان عولا وعيالا : كثر عياله ، كأعول وأعيل ، ورجل معيل ومعيّل ذو عيال ، وأعال الرجل وأعول ـ إذا حرص ، إما مما تقدم تخريجه ، وإما لأنه لازم لذي العيال ، وعال عليه : حمل ، أي رفع عليه الحمول كعول ، وفلان : حرص ، والفرس : صوتت ، وأعولت المرأة : رفعت صوتها بالبكاء ، وعيل عوله : ثكلته أمه ـ لما يقع من صياحها ، وعيل ما هو عائله : غلب ما هو غالبه ، يضرب لمن يعجب من كلامه ونحوه لأنه لا يكون كذلك إلا وقد خرج عن أمثاله علوا ، وقد يكون بسفول ، فيكون من التسمية بالضد ، والعالة : النعامة لأنها أطول الطير ، وما له عال ولا مال : شيء ـ لأن ذلك غاية في السفول إن كان عجزا ، وفي العلو إن كان زهدا ، ويقال للعاثر : عالك عاليا. كقولهم : لعا لك ، والمعول : حديدة تنقر بها الجبال ـ من القوة اللازمة للعلو ، والعالة : شبه الظلة يستر بها من المطر ؛ واللوعة : حرقة توجد من الحزن أو الحب أو المرض أو الهم ـ لأنها تعلو الإنسان ، ولاعه الحب : أمرضه ، وأتان لاعة الفؤاد إلى جحشها ـ كأنها ولهى فزعا ، ولاع يلاع : جزع أو مرض ورجل هاع لاع : جبان جزوع ، أو حريص ، أو سيىء الخلق ـ لما علاه من هذه الأخلاق

٢١١

المنافية للعقل وغلبه منها ، ولاعته الشمس : غيرت لونه ، واللاعة أيضا : الحديدة الفؤاد الشهمة ـ لأنه يعلو غيره ، وامرأة لاعة : التي تغازلك ولا تمكنك ـ لما لها في ذلك من الغلبة والعلو على القلوب ؛ والوعل : تيس الجبل ، والشريف ، والملجأ ، والوعلة : الموضع المنيع من الجبل ، أو صخرة مشرفة منه ، وهم علينا وعل واحد : مجتمعون ، وما لك عن ذلك وعل ، أي بد ـ فإنه لو لا علوه عليك ما اضطررت إليه ، والوعل : اسم شوال ـ كأنه لما له من العلو بالعيد والحج ، والوعل ككتف : اسم شعبان ـ لما له من العلو بتوسطه بين رجب وشوال ، والوعلة أيضا : عروة القميص والزير زره والقدح والإبريق الذي يعلق بها فيعلو ، ووعال كغراب : حصن باليمن ، والمستوعل ـ بفتح العين : حرز الوعل ، ووعل كوعد : أشرف ، وتوعلت الجبل : علوته ؛ وأولع فلان بكذا ، أو ولع بالكسر : استخف ، أي صار عاليا عليه غالبا له لإطاقته حمله ، وولع بحقه : ذهب ، وولع بالفتح ـ إذا كذب ، إما للإزالة وإما لأنه استخفه الكذب فحمله ، وولع والع ـ مبالغة ، أي كذب عظيم والمولع : الذي فيه لمع من ألوان ـ كأنه علا على تلك الألوان ، أو غلب تلك الألوان أصل لونه ، وعبارة القاموس : والتوليع : استطالة البلق ، يقال برذون وثور مولع ـ كمعظم ، والوليع : الطلع ما دام في قيقائه ، أي وعائه. وهو قشرة الطلع لعلوه ، وما أدري ما ولعه ـ بالفتح ، أي حبسه ، إما للإزالة ، لإنه لما منعه كان كأنه أزال علوه ، وإما لأنه علا عليه ، وأولعه به ، أي أغراه ، أي حمله عليه ؛ والعيلة : الحاجة ، وعال يعيل ـ إذا افتقر ، وذلك إما من الإزالة ، أو لأن الحاجة علته ، أو لأنها ميل ، وعالني الشيء : أعجزني ، وعيل صبري : قل وضعف أي علاه من الأمر ما أضعفه ، وعلت الضالة : لم أدر أين أبغيها ، والمعيل : الأسد والنمر والذئب ـ لأنه يعيل صيدا أي يلتمس ، فهو يرجع إلى العلو والقدرة على الطلب ، وعالني الشيء : أعوزني ـ إما أزال علوي ، أو علا عني ، وعال في مشيه : تمايل واختال وتبختر ـ لأنه لا يفعله إلا عال في نفسه مع أنه كله من الميل ، وعال في الأرض : ذهب أي علا عليها مشيا ، والذكر من الضباع عيلان ، والعيل محركة : عرضك حديثك وكلامك على من لا يريده وليس من شأنه ـ كأنه لم يهتد لمن يريده فعرضه على من لا يريده ، فهو يرجع إلى الحاجة المزيلة للعلو ؛ وليعة الجوع ـ بالفتح : حرقته ـ كما تقدم في اللوعة ، ولعت ـ بالكسر : ضجرت ، كأنه من الإزالة ، أو أن العلو للأمر المتضجر منه ، والملياع ـ بالكسر : السريعة العطش ـ لأنها تعلو الإبل حينئذ سبقا إلى الماء ، أو لأن العطش علاها ، والملياع : التي تقدم الإبل سابقة ثم ترجع إليها ، وريح لياع ـ بالكسر : شديدة ، وقد وضح بذلك صحة ما فسر به إمامنا الشافعي صريحا ومطابقة ـ كما تقدم ، وشهد له

٢١٢

العول في الحساب والسهام ، وهو كثرتها ، وظهر تحامل من رد ذلك وقال : إنه لا يقال في كثرة العيال إلا : عال يعيل ، وكم من عائب قولا صحيحا! وكيف لا وهو من الأئمة المحتج بأقوالهم في اللغة ، وقد وافقه غيره وشهد لقوله الحديث الصحيح ؛ قال الإمام يحيى بن أبي الخير العمراني الشافعي في كتابه البيان :( أَلَّا تَعُولُوا ) قال الشافعي : معناه أن لا تكثر عيالكم ومن تمونونه ، وقيل : إن أكثر السلف قالوا : المعنى أن لا تجوروا ، يقال : عال يعول ـ إذا جار وأعال يعيل ـ إذا كثر عياله ؛ إلا زيد بن أسلم فإنه قال : معناه أن لا تكثر عيالكم ، وقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يشهد لذلك ، قال : «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول»(١) انتهى.

وهذا الحديث أخرجه الشيخان وغيرهما عن حكيم بن حزام عن أبي هريرة رضي الله عنهما بلفظ «أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى ، واليد العليا خير من اليد السفلى ، وابدأ بمن تعول »(٢) وفي الباب أيضا عن عمران بن حصين وأبي رمثة البلوي وأبي أمامة رضي الله عنهم ، وأثر زيد بن أسلم رواه الدار قطني والبيهقي من طريق سعيد بن أبي هلال عنه ، قال : «ذلك أدنى أن لا يكثر من يعولونه »(٣) أفاده شيخنا ابن حجر في تخريج أحاديث الرافعي وقال الإمام : إن تفسير الشافعي هو تفسير الجماعة ، عبر عنه بالكناية وهي ذكر الكثرة ، وأراد الميل لكون الكثرة ، لا تنفك عنه ، وقال ابن الزبير : لما تضمنت سورة البقرة ابتداء الخلق وإيجاد آدم عليه الصلاة والسّلام من غير أب ولا أم ، وأعقبت بسورة آل عمران لتضمنها ـ مع ما ذكر في صدرها ـ أمر عيسى عليه الصلاة والسّلام ، وأنه كمثل آدم عليه الصلاة والسّلام في عدم الافتقار إلى أب ، وعلم الموقنون من ذلك أنه تعالى لو شاء لكانت سنة فيمن بعد آدم عليه الصلاة والسّلام ، فكأن سائر الحيوان لا يتوقف إلا على أم فقط ؛ أعلم سبحانه أن من عدا المذكورين عليهما الصلاة والسّلام من ذرية آدم سبيلهم سبيل الأبوين فقال تعالى :( يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا

__________________

(١) صحيح لكنه ملفق من حديثين الأول : «ابدأ بنفسك» هو بعض حديث أخرجه مسلم ٩٩٧ وأبو داود ٣٩٥٧ والنسائي ٧ / ٣٠٤ وعبد الرزاق ١٦٦٦٤ والطيالسي ١٧٤٨ وابن حبان ٣٣٣٩ والشافعي ٢ / ٦٨ وأحمد ٣ / ٣٦٩ كلهم من حديث جابر بألفاظ متقاربة. ـ أما لفظ «ثم بمن تعول» فسيأتي في الحديث التالي.

(٢) صحيح أخرجه البخاري ٥٣٥٥ و ١٤٢٦ و ٥٣٥٦ والنسائي ٥ / ٦٩ والبيهقي ٤ / ١٨٠ و ٤٧٠ وابن حبان ٣٣٦٣ وأحمد ٢ / ٤٧٦ و ٥٢٤ كلهم من حديث أبي هريرة. وصدره عند البخاري وغيره : «خير الصدقة ما كان ...». ـ وورد من حديث جابر أخرجه الشافعي ٢ / ٦٨ والبيهقي ١٠ / ٣٠٩ وابن حبان ٣٣٤٥ وأحمد ٣ / ٣٣٠. ـ ونسبه الهيثمي في المجمع ٣ / ١١٥ لأحمد وقال رجاله رجال الصحيح.

(٣) أثر زيد بن أسلم أخرجه الدار قطني ٣ / ٣١٥ من طريق سعيد بن أبي هلال به.

٢١٣

رَبَّكُمُ ) إلى قوله :( وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً ) ثم أعلم تعالى كيفية النكاح المجعول سببا في التناسل وما يتعلق به ، وبين حكم الأرحام والمواريث فتضمنت السورة ابتداء الأمر وانتهاءه ، فأعلمنا بكيفية التناكح وصورة الاعتصام واحترام بعضنا لبعض وكيفية تناول الإصلاح فيما بين الزوجين عند التشاجر والشقاق ، وبين لنا ما ينكح وما أبيح من العدد وحكم من لم يجد الطول وما يتعلق بهذا إلى المواريث ، فصل ذلك كله إلا الطلاق. لأن أحكامه تقدمت ، ولأن بناء هذه السورة على التواصل والائتلاف ورعي حقوق ذوي الأرحام وحفظ ذلك كله إلى حالة الموت المكتوب علينا ، وناسب هذا المقصود من التواصل والألفة ما افتتحت به السورة من قوله تعالى :( الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ) [النساء : ١] ، فافتتحها بالالتئام والوصلة ولهذا خصت من حكم تشاجر الزوجين بالإعلام بصورة الإصلاح والمعدلة إبقاء لذلك التواصل فلم يكن الطلاق ليناسب هذا ، فلم يقع له هنا ذكر إلا إيماء( وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ ) [النساء : ١٣] ولكثرة ما يعرض من رعي حظوظ النفوس عند الزوجية ومع القرابة ـ ويدق ذلك ويغمض ـ تكرر كثيرا في هذه السورة الأمر بالاتقاء ، وبه افتتحت( اتَّقُوا رَبَّكُمُ ) [النساء : ١] ،( وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ ) [النساء : ١] ،( وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ ) [النساء : ١٣١] ، ثم حذروا من حال من صمم على الكفر وحال اليهود والنصارى والمنافقين وذوي التقلب في الأديان بعد أذن اليقين ، وكل ذلك تأكيد لما أمروا به من الاتقاء ، والتحمت الآيات إلى الختم بالكلالة من المواريث المتقدمة ـ انتهى.

( وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (٤) وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٥) وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللهِ حَسِيباً (٦) )

ولما حذروا من القول الذي من مدلوله المحاجة عن كثرة النساء ؛ كان ربما تعلق به من يبخل عن بعض الحقوق ، لا سيما ما يستكثره من الصداق ، فأتبعه ما ينفي ذلك ، فقال ـ مخاطبا للأزواج ، لأن السياق لهم ، معبرا بما يصلح للدفع والالتزام المهيىء له :( وَآتُوا النِّساءَ ) أي عامة من اليتامى وغيرهن( صَدُقاتِهِنَّ ، ) وقوله مؤكدا للإيتاء بمصدر من معناه :( نِحْلَةً ) مؤيد لذلك ، لأن معناها : عطية عن طيب نفس ؛ قال الإمام أبو عبد

٢١٤

الله القزاز(١) في ديوانه : وأصله ـ أي النحل : إعطاء الشيء لا يراد به عوض وكذا إن قلنا : معنى النحلة الديانة والملة والشرعة والمذهب ، أي آتوهن ذلك ديانة.

ولما وقع الأمر بذلك كان ربما أبى المتخلق بالإسلام قبول ما تسمح به المرأة منه بإبراء أو رد على سبيل الهبة ـ لظنه أن ذلك لا يجوز أو غير ذلك فقال :( فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ ) أي متجاوزات( عَنْ شَيْءٍ ) ووحّد الضمير ليرجع إلى الصداق المفهوم من الصدقات ، ولم يقل : منها ، لئلا يظن أن الموهوب لا يجوز إلا إن كان صداقا كاملا فقال :( مِنْهُ ) أي الصداق( نَفْساً ) أي عن شهوة صادقة من غير إكراه ولا خديعة( فَكُلُوهُ ) أي تصرفوا فيه بكل تصرف يخصكم( هَنِيئاً ) أي سائغا صالحا لذيذا في عافية بلا مشقة ولا مضرة( مَرِيئاً ) أي جيد المغبة بهجا سارا ، لا تنغيص فيه ، وربما كان التبعيض ندبا إلى التعفف عن قبول الكل ، لأنه في الغالب لا يكون إلا عن خداع أو ضجر فربما أعقب الندم ، وهذا الكلام يدل أيضا على تخصيص الأحرار دون العبيد ، لأنهم لا يملكون ما جعلته النساء لهم ليأكلوه هنيئا. قال الأصبهاني : فإن وهبت له ثم طلبت منه بعد الهبة علم أنها لم تطب نفسها ، وعن الشعبي أن رجلا أتى مع امرأته شريحا في عطية أعطتها إياه وهي تطلب أن ترجع ، فقال شريح : رد عليها ، فقال الرجل : أليس قد قال الله تعالى :( فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ ) [النساء : ٤] قال : لو طابت نفسها لما رجعت فيه ؛ وعنه قال : أقيلها فيما وهبت ولا أقيله ، لأنهن يخدعن.

ولما أمر بدفع أموال اليتامى والنساء إليهم ، ونهى عن أكل شيء منها تزهيدا في المال واستهانة به ، وكان في النساء والمحاجير من الأيتام وغيرهم سفهاء ، وأمر بالاقتصاد في المعيشة حذرا من الظلم والحاجة نهى عن التبذير ، وقد حث سبحانه على حسن رعاية المال في غير آية من كتابه لأنه «نعم المال الصالح للرجل الصالح» رواه أحمد وابن منيع عن عمرو بن العاص رفعه ؛ لأن الإنسان ما لم يكن فارغ البال لا يمكنه القيام بتحصيل ما يهمه من الدنيا ، وما لم يتمكن من تحصيل ما يهمه من الدنيا لا يمكنه أمر الآخرة ، ولا يكون فارغ البال إلا بواسطة ما يكفيه من المال ـ لأنه لا يتمكن في هذه الدار التي مبناها على الأسباب من جلب المنافع ودفع المضار إلا به ، فمن أراده لهذا الغرض كان من أعظم الأسباب المعينة له على اكتساب سعادة الآخرة ، ومن أراد لنفسه كان من أعظم المعوقات عن سعادة الآخرة فقال تعالى :( وَلا تُؤْتُوا ) أيها الأزواج والأولياء( السُّفَهاءَ ) أي من محاجيركم ونسائكم وغيرهم( أَمْوالَكُمُ ) أي الأموال التي خلقها الله لعباده سواء كانت مختصة بكم أو بهم ، ولكم بها علقة بولاية أو غيرها ، فإنه

__________________

(١) تقدم ذكره.

٢١٥

يجب عليكم حفظها( الَّتِي جَعَلَ اللهُ ) أي الذي له الإحاطة بالعلم الشامل والقدرة التامة( لَكُمْ قِياماً ) أي ملاكا وعمادا تقوم بها أحوالكم ، فيكون ذلك سببا لضياعها ، فضياعها سبب لضياعكم ، فهو من تسمية السبب باسم المسبب للمبالغة في سببيته( وَارْزُقُوهُمْ ) متجرين( فِيها ) وعبر بالظرف إشارة إلى الاقتصاد واستثمار الأموال حتى لا تزال موضعا للفضل ، حتى تكون النفقة والكسوة من الربح لا من رأس المال( وَاكْسُوهُمْ ) أي فإن ذلك ليس من المنهيّ عنه ، بل هو من معالي الأخلاق ومحاسن الأعمال( وَقُولُوا لَهُمْ ) أي مع ذلك( قَوْلاً مَعْرُوفاً ) أي في الشرع والعقل كالعدة الحسنة ونحوها ، وكل ما سكنت إليه النفس وأحبته من قول أو عمل وليس مخالفا للشرع فهو معروف ، فإن ذلك ربما كان أنفع من كثير من الإعطاء وأقطع للشر ؛ والحجر على السفيه مندرج في هذه الآية ، لأن ترك الحجر عليه من الإيتاء المنهي عنه.

ولما نهى عن ذلك البذل للسفهاء أيتاما كانوا أو غيرهم ، بين أنه ليس دائما بل ما دام السفه قائما ، فمست الحاجة إلى التعريف بمن يعطي ومن يمنع وكيف عند الدفع ، ولما كان السفه أمرا باطنا لا يعرف إلا بالتصرف ولا سيما في المال ؛ بدأ سبحانه بتعليم ما يتوصلون به إلى معرفته فقال مصرحا بالأيتام اهتماما بأمرهم :( وَابْتَلُوا الْيَتامى ) أي اختبروهم في أمر الرشد في الدين والمال في مدة مراهقتهم واجعلوا ذلك دأبكم( حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ ) أي وقت الحاجة إليه بالاحتلام أو السن( فَإِنْ آنَسْتُمْ ) أي علمتم علما أنتم في عظيم تيقنه كأنكم تبصرونه على وجه تحبونه وتطيب أنفسكم به( مِنْهُمْ ) أي عند بلوغه( رُشْداً ) أي بذلك التصرف ، ونكره لأن وجود كمال الرشد في أحد يعز وقوعه( فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ ) أي لزوال الحاجة إلى الحجر بخوف التبذير ، وأضافها إليهم بعد إضافتها أولا إلى المعطين إشارة إلى أنه لا يستحقها إلا من يحسن التصرف فيها.

ولما كان الإنسان مجبولا على نقائص منها الطمع وعدم الشبع لا سيما إذا خالط ، لا سيما إن حصل له إذن ما ؛ أدبه سبحانه بقوله :( وَلا تَأْكُلُوها ) أي بعلة استحقاقكم لذلك بالعمل فيها( إِسْرافاً ) أي مسرفين بالخروج عن القصد في التصرف ووضع الشيء في غير موضعه وإغفال العدل والشفقة( وَبِداراً ) أي مبادرين( أَنْ يَكْبَرُوا ) أي فيأخذوها منكم عند كبرهم فيفوتكم الانتفاع بها ، وكأنه عطف بالواو الدالة على تمكن الوصف وتمامه إشارة إلى عدم المؤاخذة بما يعجز عنه الإنسان المجبول على النقصان مما يجري في الأفعال مجرى الوسوسة في الأقوال «ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه »(١) .

__________________

(١) صحيح أخرجه البخاري ٣٩ والنسائي ٨ / ١٢١ و ١٢٢ وابن حبان ٣٥١ والبيهقي ٣ / ١٨ من حديث أبي هريرة.

٢١٦

ولما أشعر النهي عن أكل الكل بأن لهم في الأكل في الجملة علة مقبولة ، أفصح به في قوله :( وَمَنْ كانَ ) أي منكم أيها الأولياء( غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ) أي يطلب العفة ويوجدها ويظهرها عن الأكل منها جملة ، فيعف عنه بما بسط الله له من رزقه( وَمَنْ كانَ فَقِيراً ) وهو يتعهد مال اليتيم لإصلاحه ، ولما كان يخشى من امتناعه من الأكل منه التفريط فيه بالاشتغال بما يهمه في نفسه ، أخرج الكلام في صيغة الأمر فقال معبرا بالأكل لأنه معظم المقصود :( فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ) أي بقدر أجرة سعيه.

ولما كان ذلك ربما أفهم الأمان إلى الرشد بكل اعتبار ، أمر بالحزم ـ كما في الطبراني الأوسط عن أنس «احترسوا من الناس بسوء الظن»(١) ـ فقال :( فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ ) أي اليتامى( أَمْوالَهُمْ ) أي التي كانت تحت أيديكم لعجزهم عن حفظها( فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ) أي احتياطا لأن الأحوال تتبدل ، والرشد يتفاوت ، فالإشهاد أقطع للشر ، وأنفع في كل أمر ، والأمر بالإشهاد أزجر للولي عن الخيانة ، لأن من عرف أنه لا يقبل عند الخصام إلا ببينة عف غاية العفة ، واحترز غاية الاحتراز.

ولما كانت الأموال مظنة لميل النفوس ، وكان الحب للشيء يعمي ويصم ؛ ختم الآية بقوله :( وَكَفى بِاللهِ ) أي الذي له الحكمة البالغة والقدرة الباهرة والعظمة التي لا مثل لها ، والباء في مثل هذا تأكيد لأن ما قرنت به هو الفاعل حقيقة لا مجازا ـ كما إذا أمرنا بالفعل مثلا( حَسِيباً ) أي محاسبا بليغا في الحساب ، فهو أبلغ تحذيرا لهم وللأيتام من الخيانة والتعدي ومدّ العين إلى حق الغير.

( لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (٧) وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٨) )

ولما ذكر أموال اليتامى على حسب ما دعت إليه الحاجة واقتضاه التناسب إلى أن ختم بهذه الآية ، كان كأن سائلا سأل : من أين تكون أموالهم ؛ فبين ذلك بطريق الإجمال بقوله تعالى :( لِلرِّجالِ ) أي الذكور من أولاد الميت وأقربائه ، ولعله عبر بذلك دون الذكور لأنهم كانوا لا يورثون الصغار ، ويخصون الإرث بمن عمر الديار ، فنبه سبحانه على أن العلة النطفة( نَصِيبٌ ) أي منهم معلوم( مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ ) .

ولما كانوا لا يورثون النساء قال :( وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ ) ولقصد التصريح للتأكيد قال

__________________

(١) أخرجه الطبراني في الأوسط كما في المجمع ٨ / ٨٩ من حديث أنس قال الهيثمي : فيه بقية بن الوليد ، وهو مدلس ، وبقية رجاله ثقات.

٢١٧

موضع «مما تركوا» :( مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ ) مشيرا إلى أنه لا فرق بينهن وبين الرجال في القرب الذي هو سبب الإرث ، ثم زاد الأمر تأكيدا وتصريحا بقوله إبدالا مما قبله بتكرير العامل :( مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ) ثم عرف بأن ذلك على وجه الحتم الذي لا بد منه ، فقال مبينا للاعتناء به بقطعه عن الأول بالنصب على الاختصاص بتقدير أعني :( نَصِيباً مَفْرُوضاً ) أي مقدرا واجبا مبينا ، وهذه الآية مجملة بينتها آية المواريث ، وبالآية علم أنها خاصة بالعصبات من التعبير بالفرض لأن الإجماع ـ كما نقله الأصبهاني عن الرازي ـ على أنه ليس لذوي الأرحام نصيب مقدر.

ولما بين المفروض أتبعه المندوب فقال تعالى :( وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى ) أي ممن لا يرث صغارا أو كبارا( وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ ) أي قرباء أو غرباء( فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ ) أي المتروك ، وهو أمر ندب لتطييب قلوبهم ، وقرينة صرفه عن الوجوب ترك التحديد( وَقُولُوا لَهُمْ ) أي مع الإعطاء( قَوْلاً مَعْرُوفاً ) أي حسنا سائغا في الشرع مقبولا تطيب به نفوسهم.

( وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (٩) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (١٠) )

ولما أعاد الوصية باليتامى مرة بعد أخرى ، وختم بالأمر بالإنة القول ، وكان للتصوير في التأثير في النفس ما ليس لغيره ؛ أعاد الوصية بهم لضعفهم مصورا لحالهم مبينا أن القول المعروف هو الصواب الذي لا خلل فيه فقال :( وَلْيَخْشَ ) أي يوقع الخشية على ذرية غيرهم( الَّذِينَ ) وذكر لهم حالا هو جدير بإيقاع الخشية في قلوبهم فقال :( لَوْ تَرَكُوا ) أي شارفوا الترك بموت أو هرم ، وصوّر حالهم وحققه بقوله :( مِنْ خَلْفِهِمْ ) أي بعد موتهم أو عجزهم العجز الذي هو كموتهم( ذُرِّيَّةً ) أي أولادا من ذكور أو إناث( ضِعافاً ) أي لصغر أو غيره( خافُوا عَلَيْهِمْ ) أي جور الجائرين.

ولما تسبب عن ذلك التصور في أنفسهم خوفهم على ذرية غيرهم كما يخافون على ذريتهم سواء كانوا أوصياء أو أولياء أو أجانب ، وكان هذا الخوف ربما أداهم في قصد نفعهم إلى جور على غيرهم ؛ أمر بما يحفظهم على الصراط السوي بقوله :( فَلْيَتَّقُوا ) وعبر بالاسم الأعظم إرشادا إلى استحضار جميع عظمته فقال :( اللهَ ) أي فليعدلوا في أمرهم ليقيّض الله لهم من يعدل في ذريتهم ، وإلا أوشك أن يسلط على ذريتهم من يجور عليهم( وَلْيَقُولُوا ) أي في ذلك وغيره( قَوْلاً سَدِيداً ) أي عدلا قاصدا صوابا ، ليدل هذا الظاهر على صلاح ما أتمره من الباطن.

٢١٨

ولما طال التحذير والزجر والتهويل في شأن اليتامى ، وكان ذلك ربما أوجب النفرة من مخالطتهم رأسا فتضيع مصالحهم ؛ وصل بذلك ما بين أن ذلك خاص بالظالم في سياق موجب لزيادة التحذير فقال مؤكدا لما كان قد رسخ في نفوسهم من الاستهانة بأموالهم :( إِنَّ الَّذِينَ ) ولما كان الأكل أعظم مقاصد الإنسان عبر به عن جميع الأغراض فقال :( يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً ) أي أكلا هو في غير موضعه بغير دليل يدل عليه ، فهو كفعل من يمشي في الظلام ، ثم أتبعه ما زاده تأكيدا بالتحذير في سياق الحصر فقال :( إِنَّما يَأْكُلُونَ ) أي في الحال ، وصور الأكل وحققه بقوله :( فِي بُطُونِهِمْ ناراً ) أي تحرق المعاني الباطنية التي تكون بها قوام الإنسانية ، وبين أنها على حقيقتها في الدنيا ، ولكنا لا نحسها الآن لأنها غير النار المعهودة في الظاهر بقوله ـ مكررا التحذير مبينا بقراءة الجماعة بالبناء للفاعل أنهم يلجؤون إليها إلجاء يصيّرهم كأنهم يدخلونها بأنفسهم :( وَسَيَصْلَوْنَ ) أي في الآخرة ـ بوعيد حتم لا خلف فيه( سَعِيراً ) أي عظيما هو نهاية في العظمة ، وذلك هو معنى ابن عامر وعاصم بالبناء للمجهول ، أي يلجئهم إلى صليها ملجىء قاهر لا يقدرون على نوع دفاع له.

( يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (١١) )

ولما تم ذلك تشوفت النفوس إلى بيان مقادير الاستحقاق بالإرث لكل واحد ، وكان قد تقدم ذكر استحقاق الرجال والنساء من غير تقييد يتيم ، فاقتضت البلاغة بيان أصول جميع المواريث ، وشفاء العليل بإيضاح أمرها ، فقال ـ مستأنفا في جواب من كأنه سأل عن ذلك مؤكدا لما أمر به منها غاية التأكيد مشيرا إلى عظمة هذا العلم بالتقدم في الإيصاء في أول آياته ، والتحذير من الضلال في آخرها ، ورغب فيه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بأنه نصف العلم ، وحذر من إضاعته بأنه أول علم ينزع من الأمة :( يُوصِيكُمُ اللهُ ) أي بما له من العظمة الكاملة والحكمة البالغة ، وبدأ بالأولاد لأن تعلق الإنسان بهم أشد فقال :( فِي أَوْلادِكُمْ ) أي إذا مات مورثهم.

ولما كان هذا مجملا كان بحيث يطلب تفسيره ، فقال جوابا لذلك بادئا بالأشرف بيانا لفضله بالتقديم وجعله أصلا والتفضيل :( لِلذَّكَرِ ) أي منهم إذا كان معه شيء من

٢١٩

الإناث ، ولم يمنعه مانع من قتل ولا مخالفة دين ونحوه( مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ) أي نصيب من شأنه أن يغني ويسعد ، وهو الثلثان ، إذا انفردتا فللواحدة معه الثلث ، فأثبت سبحانه للإناث حظا تغليظا لهم من منعهن مطلقا ، ونقصهن عن نصيب الرجال تعريضا بأنهم أصابوا في نفس الحكم بانزالهن عن درجة الرجال.

ولما بان سهم الذكر مع الأنثى بعبارة النص ، وأشعر ذلك بأن لهن إرثا في الجملة وعند الاجتماع مع الذكر ، وفهم بحسب إشارة النص وهي ما ثبت بنظمه ، لكنه غير مقصود ، ولا سبق له النص ـ حكم الأنثيين إذا لم يكن معهن ذكر ، وهو أن لهما الثلثين ، وكان ذلك أيضا مفهما لأن الواحدة إذا كان لها مع الأخ الثلث كان لها ذلك مع الأخت إذا لم يكن ثمّ ذكر من باب الأولى ، فاقتضى ذلك أنهن إذا كن ثلاثا أو أكثر ليس معهن ذكر استغرقن التركة ، وإن كانت واحدة ليس معها ذكر لم تزد على الثلث ؛ بين أن الأمر ليس كذلك ـ كما تقدم ـ بقوله مبينا إرثهن حال الانفراد :( فَإِنْ كُنَ ) أي الوارثات( نِساءً ) أي إناثا.

ولما كان ذلك قد يحمل على أقل الجمع ، وهو اثنتان حقيقة أو مجازا حقق ونفى هذا الاحتمال بقوله :( فَوْقَ اثْنَتَيْنِ ) أي لا ذكر معهن( فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ ) أي الميت ، لا أزيد من الثلثين( وَإِنْ كانَتْ ) أي الوارثة( واحِدَةً ) أي منفردة ، ليس معها غيرها( فَلَهَا النِّصْفُ ) أي فقط.

ولما قدم الإيصاء بالأولاد لضعفهم إذا كانوا صغارا ، وكان الوالد أقرب الناس إلى الولد وأحقهم بصلته وأشدهم اتصالا به أتبعه حكمه فقال :( وَلِأَبَوَيْهِ ) أي الميت ، ثم فصل بعد أن أجمل ليكون الكلام آكد ، ويكون سامعه إليه أشوق بقوله مبدلا بتكرير العامل :( لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا ) أي أبيه وأمه اللذين ثنيا بأبوين( السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ ) ثم بين شرط ذلك فقال :( إِنْ كانَ لَهُ ) أي الميت( وَلَدٌ ) أي ذكر ، فإن كانت أنثى أخذ الأب السدس فرضا ، والباقي بعد الفروض حق عصوبة.

ولما بين حكمهما مع الأولاد تلاه بحالة فقدهم فقال :( فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ ) أي ذكر ولا أنثى( وَوَرِثَهُ أَبَواهُ ) أي فقط( فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ) أي وللأب الباقي لأن الفرض أنه لا وارث له غيرهما ، ولما كان التقدير : هذا مع فقد الإخوة أيضا ، بني عليه قوله :( فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ ) أي اثنان فصاعدا ذكورا أو لا ، مع فقد الأولاد( فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ) أي لأن الإخوة ينقصونها عن الثلث إليه ، والباقي للأب ، ولا شيء لهم ، وأما الأخت الواحدة فإنها لا تنقصها إلى السدس سواء كانت وارثة أو لا ، وكذا الأخ إذا كان واحدا ، ثم بين أن هذا كله بعد إخراج الوصية والدين لأن ذلك سبق فيه حق الميت الذي جمع المال

٢٢٠