نظم الدّرر الجزء ٢

نظم الدّرر0%

نظم الدّرر مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف: علوم القرآن
الصفحات: 761

  • البداية
  • السابق
  • 761 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 28 / تحميل: 23
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 2

مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
العربية

من الكرم والجود والسخاء ما انغلق عليهم أمره وانبهم لديهم سره من حكم الكلالة ، وللاعتناء بأمر المواريث قال إشارة إلى أن الله لم يكل أمرها إلى غيره :( قُلِ اللهُ ) أي الملك الأعظم( يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ ) وهو من لا ولد له ؛ ولا والد روى البخاري في التفسير عن البراء رضي الله عنه قال : آخر سورة نزلت براءة وآخر آية نزلت( يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ ») (١) ، وقال الأصبهاني عن الشعبي : اختلف أبو بكر وعمر رضي الله عنهما في الكلالة ، فقال أبو بكر : هو ما عدا الوالد ، وقال عمر : ما عدا الوالد والولد ، ثم قال عمر : إني لأستحي من الله أن أخالف أبا بكر رضي الله عنه ؛ ثم استأنف قوله :( إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ ) أي وهو موصوف بأنه ، أو حال كونه( لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ ) أي وإن سفل سواء كان ذكرا أو أنثى عند إرث النصف ، وليس له أيضا والد ، فإن كان له أحدهما لم يسم كلالة وقد بينت ذلك السنة ؛ قال الأصبهاني : وليسا بأول حكمين بين أحدهما بالكتاب والآخر بالسنة ، وهو قوله عليه الصلاة والسّلام : «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى عصبة ذكر ، والأب أولى من الأخ»(٢) ( وَ ) الحال أنه( لَهُ أُخْتٌ ) أي واحدة من أب شقيقة كانت أو لا ، لأنه سيأتي أن أخاها يعصبها ، فلو كان ولد أم لم يعصب( فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ ) أي وهذا الأخ الميت( يَرِثُها ) أي إن ماتت هي وبقي هو ، جميع مالها( إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ ) أي ذكرا كان أو أنثى ـ كما مر في عكسه ، هذا إن أريد بالإرث جميع المال ، وإلا فهو يرث مع الأنثى كما أنها هي أيضا ترث مع الأنثى ـ كما يرشد إليه السياق أيضا ـ دون النصف.

ولما بين الأمر عند الانفراد أتبعه بيانه عند الاجتماع ، وقدم أقله فقال :( فَإِنْ كانَتَا ) أي الوارثتان ببيان السياق لهما وإرشاده إليهما ؛ ولما أضمر ما دل عليه السياق ، وكان الخبر صالحا لأن يكون : صالحتين ، أو صغيرتين ، أو غير ذلك ؛ بين أن المراد ـ كما يرشد إليه السياق أيضا ـ مطلق العدد على أي وصف اتفق فقال :( اثْنَتَيْنِ ) أي من الأخوات للأب شقيقتين كانتا أو لا( فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ ) فإن كانتا شقيقتين كان لكل منهما ثلث ، وإن اختلفتا كان للشقيقة النصف وللتي للأب فقط السدس تكملة الثلثين.

ولما بين أقل الاجتماع أتبعه ما فوقه فقال :( وَإِنْ كانُوا ) أي الوارث( إِخْوَةً ) أي

__________________

(١) صحيح. أخرجه البخاري ٤٦٠٥ والترمذي ٣٠٤١ والنسائي في الكبرى ١١١٣٨.

(٢) صحيح. أخرجه البخاري ٦٧٤٦ و ٦٧٣٢ و ٦٧٣٥ و ٦٧٣٧ ومسلم ١٦١٥ وأبو داود ٢٨٩٨ والترمذي ٢٠٩٨ والنسائي في الكبرى ٦٣٣١ وابن ماجه ٢٧٤٠ والدارقطني ٤ / ٧٢ وابن حبان ٦٠٢٨ ـ ٦٠٢٩ والطبراني ١٠٩٠١ وأبو يعلى ٢٣٧١ والطحاوي ٤ / ٣٩٠ وابن الجارود ٩٥٥ والطيالسي ٢٦٠٩ والدارمي ٢ / ٣٦٨ وأحمد ١ / ٢٩٢ و ٣٢٥ كلهم من حديث ابن عباس بألفاظ متقاربة.

٣٨١

مختلطين( رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ ) أي منهم( مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ) وقد أنهى سبحانه ما أراد من بيان إرث الإخوة لأب ، فتم بذلك جميع أحوال ما أراد من الإرث ، وهو على وجازته كما ترى ـ يحتمل مجلدات ـ والله الهادي ، ووضع هذه الآية هنا ـ كما تقدم ـ إشارة منه إلى أن من أبى توريث النساء والصغار الذي تكرر الاستفتاء عنه فقد استنكف عن عبادته واستكبر وإن آمن بجميع ما عداه من الأحكام ، ومن استنكف عن حكم من الأحكام فذاك هو الكافر حقا ، وهذا مراد شياطين أهل الكتاب العارفين بصحة هذه الأحكام ، الحاسدين لكم عليها ، المريدين لضلالكم عنها لتشاركوهم في الشقاء الذي وقع لهم لما بدلوا الأحكام المشار إليهم بعد ذكر آيات الميراث وما تبعها من أحوال النكاح بقوله :( يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) [النساء : ٢٦] وقوله :( وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ) [النساء : ٢٧] ثم المصرح بهم في قوله :( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ ) [النساء : ٤٤] ولذلك ـ والله أعلم ـ ختم هذه الآية بقوله :( يُبَيِّنُ اللهُ ) أي الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلما( لَكُمْ ) أي ولم يكلكم في هذا البيان إلى بيان غيره ، وقال مرغبا مرهبا :( إِنِ ) أي كراهة أن( تَضِلُّوا وَاللهُ ) أي الذي له الكمال كله( بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) أي فقد بين لكم بعلمه ما يصلحكم بيانه محيا ومماتا دنيا وأخرى ، حتى جعلكم على المحجة البيضاء في مثل ضوء النهار ، لا يزيغ عنها منكم إلا هالك ، والحاصل أن تأخير هذه الآية إلى هنا لما تقدم من أن تفريق القول فيما تأباه النفوس وإلقاءه شيئا فشيئا باللطف والتدريج أدعى لقبوله ، وللإشارة إلى شدة الاهتمام بأمر الفرائض بجعل الكلام فيها في جميع السورة أولها وأثنائها وآخرها ، والتخويف من أن يكون حالهم كحال المنافقين في إضلال أهل الكتاب لهم بإلقاء الشبهة وأخذهم من الموضع الذي تهواه نفوسهم ، ومضت عليه أوائلهم ، وأشربته قلوبهم ، والترهيب من أن يكونوا مثلهم في الإيمان ببعض والكفر ببعض ، فيؤديهم ذلك إلى إكمال الكفر ، لأن الدين لا يتجزأ ، بل من كفر بشيء منه كفر به جميعه ، ومن هنا ظهرت مناسبة آخر هذه السورة لأولها ، لأن أولها مشير إلى أن الناس كلهم كشيء واحد ، وذلك يقتضي عدم الفرق بينهم إلا فيما شرعه الله ، وآخرها مشير إلى ذلك بالتسوية بين النساء والرجال في مطلق التوريث بقرب الأرحام وإن اختلفت الأنصباء ، فكأنه قيل : يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ، وخلق منها زوجها ، وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ، وسوى بينهم فيما أراد من الأحكام فإنه من استكبر ـ ولو عن حكم من أحكامه ـ فسيجازيه يوم الحشر ، ولا يجد له من دون

٣٨٢

الله ناصرا ، ولا يخفى عليه شيء من حاله ، وما أشد مناسبة ختامها بإحاطة العلم لما دل عليه أولها من تمام القدرة ، فكان آخرها دليلا على أولها لأن تمام العلم مستلزم لشمول القدرة ، قال الإمام : وهذان الوصفان هما اللذان بهما ثبتت الربوية والإلهية والجلال والعزة ، وبهما يجب على العبد أن يكون مطيعا للأوامر والنواهي منقادا لكل التكاليف ـ انتهى. ولختام أول آية فيها بقوله :( إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) [النساء : ١] أي وهو بكل شيء من أحوالكم وغيرها عليم ، فلا تظنوا أنه يخفى عليه شيء وإن دقّ ، فليشتد حذركم منه ومراقبتكم له ، وذلك أشد شيء مناسبة لأول المائدة ـ والله الموفق بالصواب ، وإليه المرجع والمآب.

٣٨٣

بسم الله الرحمن الرّحيم

اللهم يسر يا كريم يا حليم! قال الشيخ الإمام العالم العامل العلامة ، الحبر البحر الفهامة ، المتقن الحافظ الضابط ، المجاهد في سبيل الله المرابط ، برهان الدين لسان المتكلمين حجة المناظرين سيبويه هذا الحين أبو الحسن إبراهيم البقاعي الشافعي ـ بلّغه الله من الأولى والأخرى ما يتمناه ، وجعل الفردوس مقره ومأواه بمحمد وآله!.

سورة المائدة

وتسمى سورة العقود وسورة الأحبار

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ (١) )

مقصودها الوفاء بما هدى إليه الكتاب ، ودل عليه ميثاق العقل من توحيد الخالق ورحمة الخلائق شكرا لنعمه واستدفاعا لنقمه ، وقصة المائدة أدل ما فيها على ذلك ، فإن مضمونها أن من زاغ عن الطمأنينة بعد الكشف الشافي والإنعام الوافي نوقش الحساب فأخذه العذاب ، وتسميتها بالعقود أوضح دليل على ما ذكرت من مقصودها وكذا الأحبار.

( بِسْمِ اللهِ ) أي الذي تمت كلماته فصدقت وعوده وعمت مكرماته( الرَّحْمنِ ) الذي عم بالدعاء إلى الوفاء في حقوقه وحقوق مخلوقاته( الرَّحِيمِ ) الذي نظر إلى القلوب فثبت منها على الصدق ما جبّله على التخلق بصفاته.

لما أخبر تعالى في آخر سورة النساء أن اليهود لما نقضوا المواثيق التي أخذها عليهم حرم عليهم طيبات أحلت لهم من كثير من بهيمة الأنعام المشار إليها بقوله( وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ) [الأنعام : ١٤٦] ، واستمر تعالى في هتك أستارهم وبيان عوارهم إلى أن ختم بآية في الإرث الذي افتتح آياته بالإيصاء وختمها بأنه شامل العلم ، ناسب افتتاح هذه بأمر المؤمنين الذين اشتد تحذيره لهم منهم بالوفاء الذي جلّ مبناه القلب الذي هو عيب ، فقال مشيرا إلى أن الناس الذين خوطبوا أول تلك تأهلوا لأول أسنان الإيمان ووصفوا بما هم محتاجون إليه ، وتخصيصهم مشير إلى أن

٣٨٤

من فوقهم من الأسنان عنده من الرسوخ ما يغنيه عن الحمل بالأمر ، وذلك أبعث له على التدبر والامتثال :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) أي ادعوا ذلك بألسنتهم( أَوْفُوا ) أي صدقوا ذلك بأن توفوا( بِالْعُقُودِ ) أي العهود الموثقة المحكمة ، وهي تعم جميع أحكامه سبحانه فيما أحل أو حرم أو ندب على سبيل الفرض أو غيره ، التي من جملتها الفرائض التي افتتحها بلفظ الإيصاء الذي هو من أعظم العهود ، وتعم سائر ما بين الناس من ذلك ، حتى ما كان في الجاهلية من عقد يدعو إلى بر ، وأما غير ذلك فليس بعقد ، بل حل بيد الشرع القوية ، تذكيرا بما أشار إليه قوله تعالى في حق أولئك( اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ) [البقرة : ٤٠] وإخبارا لهم بأنه أحل لهم ما حرم على أولئك ، فقال على سبيل التعليل مشيرا إلى أن المقصود من النعمة كونها ، لا بقيد فاعل مخصوص ، وإلى أن المخاطبين يعلمون أنه لا منعم غيره سبحانه :( أُحِلَّتْ لَكُمْ ) والإحلال من أجل العقود( بَهِيمَةُ ) وبينها بقوله :( الْأَنْعامِ ) أي أوفوا لأنه أحلّ لكم بشامل علمه وكامل قدرته لطفا بكم ورحمة لكم ما حرم على من قبلكم من الإبل والبقر والغنم بإحلال أكلها والانتفاع بجلودها وأصوافها وأوبارها وأشعارها وغير ذلك من شأنها ، فاحذروا أن تنقضوا كما نقضوا ، فيحرم عليكم ما حرم عليهم ، ويعد لكم من العقاب ما أعد لهم ، ولا تعترضوا على نبيكم ، ولا تتعنتوا(١) كما اعترضوا وتعنتوا ، فإن ربكم لا يسأل عما يفعل ، وسيأتي في قوله :( لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ ) [المائدة : ١٠١] ما يؤيد هذا.

ولما كانوا ربما فهموا من هذا الإحلال ما ألفوا من الميتات ونحوها قال مستثنيا من نفس البهيمة ، وهي في الأصل كل حي لا يميز ، مخبرا أن من أعظم العقود ما قدم تحريمه من ذلك في البقرة :( إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ ) أي في بهيمة الأنعام أنه محرم ، فإنه لم يحل لكم ، ونصب( غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ ) على الحال أدل دليل على أن هذا السياق. وإن كان صريحه مذكرا بالنعمة لتشكر ـ فهو مشار به إلى التهديد إن كفرت ، أي أحل لكم ذلك في هذه الحال ، فإن تركتموها انتفى الإحلال ، وهذه مشيرة إلى تكذيب من حرم من ذلك ما أشير إليه بقوله تعالى في التي قبلها حكاية عن الشيطان( وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ ) [النساء : ١١٩] من السائبة وما معها مما كانوا اتخذوه دينا ، وفصّلوا فيه تفاصيل ـ كما سيأتي صريحا في آخر هذه السورة بقوله تعالى :( ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ ) [المائدة : ١٠٣] الآية ، وكذا في آخر الأنعام ، وفي الأمر بالوفاء بالعقود بعد الإخبار بأنه بكل شيء عليم غاية التحذير من

__________________

(١) العنت محركة : الفساد والإثم والهلاك ودخول المشقة على الإنسان ، وعنّته تعنيتا : شدّد عليه وألزمه ما يصعب عليه أداؤه ا ه قاموس.

٣٨٥

تعمد الإخلال بشيء من ذلك وإن دق ، وفي افتتاح هذه المسماة بالمائدة بذكر الأطعمة عقب سورة النساء ـ التي من أعظم مقاصدها النكاح والإرث ، المتضمن للموت المشروع فيهما الولائم والمآتم. أتم مناسبة ، وقال ابن الزبير : لما بين تعالى حال أهل الصراط المستقيم ، ومن تنكب عن نهجهم ، ومآل الفريقين من المغضوب عليهم والضالين ، وبين لعباده المتقين ما فيه هداهم وبه خلاصهم أخذا وتركا ، وجعل طي ذلك الأسهم الثمانية الواردة في حديث حذيفة رضي الله عنه من قوله : «الإسلام ثمانية أسهم : الإسلام سهم والشهادة سهم ، والصلاة سهم ، والزكاة سهم ، والصوم سهم ، والحج سهم ، والأمر بالمعروف سهم ، والنهي عن المنكر سهم ، وقد خاب من لا سهم له»(١) قلت : وهذا الحديث أخرجه البزار عن حذيفة رضي الله عنه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «الإسلام ثمانية أسهم : الإسلام سهم ، والصلاة سهم »(٢) فذكره ، وصحح الدار قطني وقفه ، ورواه أبو يعلى الموصلي عن علي رضي الله عنه مرفوعا(٣) والطبراني في الأوسط عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : «قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم :الإسلام عشرة أسهم ، وقد خاب من لا سهم له : شهادة أن لا إله إلا الله سهم وهي الملة ، والثانية : الصلاة وهي الفطرة ، والثالثة : الزكاة وهي الطهور ، والرابعة : الصوم وهي الجنة ، والخامسة : الحج وهي الشريعة ، والسادسة : الجهاد وهي الغزوة ، والسابعة : الأمر بالمعروف وهو الوفاء والثامنة : النهي عن المنكر وهي الحجة ، والتاسعة : الجماعة وهي الألفة ، والعاشرة : الطاعة وهي العصمة »(٤) وفي سنده من ينظر في حاله ؛ قال ابن الزبير : وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «بني الإسلام على خمس »(٥) أي في الحديث الذي أخرجه الشيخان وغيرهما عن ابن

__________________

(١) موقوف. أخرجه الطيالسي ٤١٣ عن صلة بن زفر يحدث عن حذيفة فذكره موقوفا عليه. وكذا البيهقي في الشعب ٧٥٨٥

(٢) الراجح وقفه. أخرجه البزار كما في مجمع الزوائد ١ / ٣٨ ، ٢٩٢ عن حذيفة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال :فذكره. قال الهيثمي : وفيه يزيد بن عطاء وثقه أحمد وغيره ، وضعفه جماعة ، وبقية رجاله ثقات.

وقال في موضع آخر : حديث حذيفة حديث حسن ا ه لكن صوب الدار قطني في علله الوقف كما ذكر المصنف وكذا صوب البيهقي في الشعب ٧٥٨٥ وقفه وكذا المنذري في ترغيبه ١ / ٥١٨.

(٣) ضعيف. أخرجه أبو يعلى ٥٢٣ من حديث علي مرفوعا وكذا الديلمي ٣٩٢ وذكره الهيثمي في المجمع ١ / ٣٨ وقال : رواه أبو يعلى. وفي إسناده الحارث ، وهو كذاب ا ه وأورده ابن حجر في المطالب العالية ٢٨٩٦ والمنذري في الترغيب والترهيب ١ / ٥١٨ وصوب وقفه على حذيفة ونقله عن الدار قطني.

(٤) باطل. أخرجه الطبراني في الكبير ١١ / ١١٩٥٨ وفي الأوسط كما في المجمع ١ / ٣٧ من حديث ابن عباس. وقال الهيثمي : وفي إسناده حامد بن آدم مشهور بوضع الحديث.

(٥) يأتي تخريجه في الذي بعده.

٣٨٦

عمر وغير واحد من الصحابة رضي الله عنهم أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان »(١) قال ابن الزبير : وقد تحصلت ـ أي الأسهم الثمانية والدعائم الخمس ـ فيما مضى ، وتحصل مما تقدم أن أسوأ حال المخالفين حال من غضب الله عليه ولعنه ، وأن ذلك ببغيهم وعداوتهم ونقضهم العهود( فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ ) [المائدة : ١٣] وكان النقض كل مخالفة ، قال الله تعالى لعباده المؤمنين :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) [المائدة : ١] لأن اليهود والنصارى إنما أتى عليهم من عدم الوفاء ونقض العهود ، فحذر المؤمنين ـ انتهى. والمراد بالأنعام الأزواج الثمانية المذكورة في الأنعام وما شابهها من حيوان البر ، ولكون الصيد مراد الدخول في بهيمة الأنعام استثنى بعض أحواله فقال :( وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ) أي أحلت البهيمة مطلقا إلا ما يتلى عليكم من ميتاتها وغيرها في غير حال الدخول في الإحرام بالحج أو العمرة أو دخول الحرم ، وأما في حال الإحرام فلا يحل الصيد أكلا ولا فعلا.

ولما كان مدار هذه السورة على الزجر والإحجام عن أشياء اشتد ألفهم لها والتفاتهم إليها ، وعظمت فيها رغباتهم من الميتات وما معها ، والأزلام والذبح على النصب ، وأخذ الإنسان بجريمة الغير ، والفساد في الأرض ، والسرقة والخمر والسوائب والبحائر ـ إلى غير ذلك ؛ ذكّر في أولها بالعهود التي عقدوها على أنفسهم ليلة العقبة حين تواثقوا على الإسلام من السمع والطاعة في المنشط والمكره والعسر واليسر فيما أحبوا وكرهوا ، وختم الآية بقوله معللا :( إِنَّ اللهَ ) أي ملك الملوك( يَحْكُمُ ما يُرِيدُ ) أي من تحليل وتحريم وغيرهما على سبيل الإطلاق كالأنعام ، وفي حال دون حال كما شابهها من الصيد ، فلا يسأل عن تخصيص ولا عن تفضيل ولا غيره ، فما فهمتم حكمته فذاك ، وما لا فكلوه إليه ، وارغبوا في أن يلهمكم حكمته ؛ قال الإمام ـ وهذا هو الذي يقوله أصحابنا ـ : إن علة حسن التكليف هو الربوبية والعبودية ، لا ما يقوله المعتزلة من رعاية المصلحة.

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا

__________________

(١) صحيح. أخرجه البخاري ٨ ومسلم ١٦ والترمذي ٢٦٠٩ والنسائي ٨ / ١٠٧ والبيهقي ٣ / ٣٦٧ وابن خزيمة ٣٠٨ ، ٣٠٩ والبغوي ٦ وأبو نعيم في الحلية ٣ / ٦٢ والطبراني في الكبير ١٣٢٠٣ ، ١٣٥١٨ وابن حبان ١٥٨ ، ١٤٤٦ وأبو عبيد في الإيمان ٤ / ٥٩ وأحمد ٢ / ١٤٣ ، ٢٦ ، ٩٣ كلهم من حديث ابن عمر.

٣٨٧

آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢) )

ولما استثنى بعض ما أحل على سبيل الإبهام شرع في بيانه ، ولما كان منه ما نهى عن التعرض له لا مطلقا ، بل ما يبلغ محله ، بدأ به لكونه في ذلك كالصيد ، وقدم على ذلك عموم النهي عن انتهاك معالم الحج المنبه عليه بالإحرام ، أو عن كل محرم في كل مكان وزمان ، فقال مكررا لندائهم تنويها بشأنهم وتنبيها لعزائمهم وتذكيرا لهم بما ألزموه أنفسهم :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) أي دخلوا في هذا الدين طائعين( لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ ) أي معالم حج بيت الملك الأعظم الحرام ، أو حدوده في جميع الدين ، وشعائر الحج أدخل في ذلك ، والاصطياد أولاها.

ولما ذكر ما عممه في الحرم أو مطلقا ، أتبعه ما عممه في الزمان فقال :( وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ ) أي فإن ذلك لم يزل معاقدا على احترامه في الجاهلية والإسلام ، ولعله وحده والمراد الجمع إشارة إلى أن الأشهر الحرم كلها في الحرمة سواء.

ولما ذكر الحرم والأشهر الحرم ذكر ما يهدى للحرم فقال :( وَلَا الْهَدْيَ ) وخص منه أشرفه فقال :( وَلَا الْقَلائِدَ ) أي صاحب القلائد من الهدي ، وعبر بها مبالغة في تحريمه ؛ ولما أكد في احترام ما قصد به الحرم من البهائم رقّى الخطاب إلى من قصده من العقلاء ، فإنه مماثل لما تقدمه في أن قصد البيت الحرام حام له وزاجر عنه ، مع ما زاد به من شرف العقل فقال :( وَلَا آمِّينَ ) أي ولا تحلوا التعرض لناس قاصدين( الْبَيْتَ الْحَرامَ ) لأن من قصد بيت الملك كان محترما باحترام ما قصده.

ولما كان المراد القصد بالزيارة بينه بقوله :( يَبْتَغُونَ ) أي حال كونهم يطلبون على سبيل الاجتهاد( فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ ) أي المحسن إليهم شكرا لإحسانه ، بأن يثيبهم على ذلك ، لأن ثوابه لا يكون على وجه الاستحقاق الحقيقي أصلا ؛ ولما كان الثواب قد يكون مع السخط قال :( وَرِضْواناً ) وهذا ظاهر في المسلم ، ويجوز أن يراد به أيضا الكافر ، لأن قصده البيت الحرام على هذا الوجه يرق قلبه فيهيئه للإسلام ، وعلى هذا فهي منسوخة.

ولما كان التقدير : فإن لم يكونوا كذلك. أي في أصل القصد ولا في وصفه ـ فهم حل لكم وإن لم تكونوا أنتم حرما ، والصيد حلال لكم ، عطف عليه التصريح بما أفهمه التقييد فيما سبق بالإحرام فقال :( وَإِذا حَلَلْتُمْ ) أي من الإحرام بقضاء المناسك

٣٨٨

والإحصار( فَاصْطادُوا ) وترك الشهر الحرام إذ كان الحرام فيه حراما في غيره ، وإنما صرح به تنويها بقدره وتعظيما لحرمته ، ثم أكد تحريم قاصد المسجد الحرام وإن كان كافرا ، وإن كان على سبيل المجازاة بقوله :( وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ ) أي يحملنكم( شَنَآنُ قَوْمٍ ) أي شدة بغضهم.

ولما ذكر البغض أتبعه سببه فقال :( أَنْ ) على سبيل الاشتراط الذي يفهم تعبير الحكم به أنه سيقع ، هذا في قراءة ابن كثير وأبي عمرو ، والتقدير في قراءة الباقين بالفتح : لأجل أن( صَدُّوكُمْ ) أي في عام الحديبية أو غيره( عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) أي على( أَنْ تَعْتَدُوا ) أي يشتد عدوكم عليهم بأن تصدوهم عنه أو بغير ذلك ، فإن المسلم من لم يزده تعدي عدوه فيه حدود الشرع إلا وقوفا عند حدوده ، وهذا قبل نزول( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ ) [التوبة : ٢٨] سنة تسع.

ولما نهاهم عن ذلك ، وكان الانتهاء عن الحظوظ شديدا على النفوس ، وكان لذلك لا بد في الغالب من منته وآب ، أمر بالتعاون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال :( وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ ) وهو ما اتسع وطاب من حلال الخير( وَالتَّقْوى ) وهي كل ما يحمل على الخوف من الله ، فإنه الحامل على البر ، فإن كان منكم من اعتدى فتعاونوا على رده ، وإلا فازدادوا بالمعاونة خيرا.

ولما كان المعين على الخير قد يعين على الشر قال تنبيها على الملازمة في المعاونة على الخير ، ناهيا أن يغضب الإنسان لغضب أحد من صديق أو قريب إلا إذا كان الغضب له داعيا إلى بر وتقوى :( وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ ) أي الذنب الذي يستلزم الضيق( وَالْعُدْوانِ ) أي المبالغة في مجاوزة الحدود والانتقام والتشفي وغير ذلك وكرر الأمر بالتقوى إشارة إلى أنها الحاملة على كل خير فقال :( وَاتَّقُوا اللهَ ) أي الذي له صفات الكمال لذاته فلا تتعدوا شيئا من حدوده ؛ ولما كان كف النفس عن الانتقام وزجرها عن شفاء داء الغيظ وتبريد غلة الاحن في غاية العسر ، ختم الآية بقوله :( إِنَّ اللهَ ) أي الملك الأعظم( شَدِيدُ الْعِقابِ ) .

( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣) )

٣٨٩

ولما أتم الكلام على احترام أعظم المكان وأكرم الزمان وما لا بسهما ، فهذب النفوس بالنهي عن حظوظها ، وأمر بعد تخليتها عن كل شر بتحليتها بكل خير عدّد على سبيل الاستئناف ما وعد بتلاوته عليهم مما حرم مطلقا إلا في حال الضرورة فقال :( حُرِّمَتْ ) بانيا الفعل للمفعول لأن الخطاب لمن يعلم أنه لا محرم إلا الله ، وإشعارا بأن هذه الأشياء لشدة قذارتها كأنها محرمة بنفسها( عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ) وهي ما فقد الروح بغير ذكاة شرعية ، فإن دم كل ما مات حتف أنفه يحبس في عروقه ويتعفن ويفسد ، فيضر أكله البدن بهذا الضرر الظاهر ، والدين بما يعلمه أهل البصائر( وَالدَّمُ ) أي المسفوح ، وهو المتبادر إلى الذهن عند الإطلاق( وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ ) خصه بعد دخوله في الميتة لاتخاذ النصارى أكله كالدين( وَما أُهِلَ ) ولما كان القصد في هذه السورة إلى حفظ محكم العهود المذكر بجلاله الباهر ، قدم المفعول له فقال :( لِغَيْرِ اللهِ ) أي الملك الأعلى( بِهِ ) أي ذبح على اسم غيره من صنم أو غيره على وجه التقرب عبادة لذلك الشيء ، والإهلال : رفع الصوت.

ولما كان من الميتات ما لا تعافه النفوس عيافتها لغيره ، نص عليه فقال :( وَالْمُنْخَنِقَةُ ) أي بحبل ونحوه ، سواء خنقها خانق أو لا( وَالْمَوْقُوذَةُ ) أي المضروبة بمثقل ، من : وقذه. إذا ضربه( وَالْمُتَرَدِّيَةُ ) أي الساقطة من عال ، المضطربة غالبا في سقوطها( وَالنَّطِيحَةُ ) أي التي نطحها شيء فماتت( وَما أَكَلَ السَّبُعُ ) أي كالذئب والنسر ونحوهما.

ولما كان كل واحدة من هذه قد تدرك حية فتذكى ، استثنى فقال :( إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ ) أي من ذلك كله بأن أدركتموه وفيه حياة مستقرة ، بأن اشتد اضطرابه وانفجر منه الدم ؛ ولما حرم الميتات وعد في جملتها ما ذكر عليه اسم غير الله عبادة ، ذكر ما ذبح على الحجارة التي كانوا ينصبونها للذبح عندها تدينا وإن لم يذكر اسم شيء عليها فقال :( وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ ) وهو واحد الأنصاب ، وهي حجارة كانت حول الكعبة تنصب ، فيهل عليها ويذبح عندها تقربا إليها وتعظيما لها( وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا ) أي تطلبوا على ما قسم لكم( بِالْأَزْلامِ ) أي القداح التي لا ريش لها ولا نصل ، واحدها بوزن قلم وعمر وكانت ثلاثة ، على واحد : أمرني ربي ، وعلى آخر : نهاني ربي ، والآخر غفل ، فإن خرج الآمر فعل ، أو الناهي ترك ، أو الغفل أجيلت ثانية ، فهو دخول في علم الغيب وافتراء على الله بادعاء أمره ونهيه ، وإن أراد المنسوب إلى الصنم فهو الكفر الصريح ،

٣٩٠

وقال صاحب كتاب الزينة : يقال : إنه كانت عندهم سبعة قداح مستوية من شوحط ،(١) وكانت بيد السادن(٢) ، مكتوب عليها «نعم» «لا» «منكم» «من غيركم» «ملصق» «العقل» «فضل العقل» فكانوا إذا اختلفوا في نسب الرجل جاؤوا إلى السادن بمائة درهم ، ثم قالوا للصنم : يا إلهنا! قد تمارينا في نسب فلان ، فأخرج علينا الحق فيه ، فتجال القداح فإن خرج القدح الذي عليه «منكم» كان أوسطهم نسبا ، وإن خرج الذي عليه «من غيركم» كان حليفا وإن خرج «ملصق» كان على منزلته لا نسب له ولا حلف ، وإذا أرادوا سفرا أو حاجة جاؤوا بمائة فقالوا : يا إلهنا! أردنا كذا ، فإن خرج «نعم» فعلوا ، وإن خرج «لا» لم يفعلوا ، وإن جنى أحدهم جناية ، فاختلفوا فيمن يحمل العقل جاؤوا بمائة فقالوا : يا إلهنا! فلان جنى عليه ، أخرج الحق ، فإن خرج القدح الذي عليه «العقل» لزم من ضرب عليه وبرىء الآخرون ، وإن خرج غيره كان على الآخرين العقل ، وكانوا إذا عقلوا العقل ففضل الشيء منه تداروا فيمن يحمله ، فضربوا عليه ؛ فإن خرج القدح الذي عليه «فضل العقل» للذي ضرب عليه لزمه ، وإلا كان على الآخرين الذين لم يضرب عليهم فهذا الاستقسام الذي حرمه الله لأنه يكون عند الأصنام ويطلبون ذلك منها ، ويظنون أن الذي أخرج لهم ذلك هو الصنم ، وأما إجالة السهام لا على هذا الوجه فهو جائز ، هو وتساهم واقتراع لا استقسام وقال أبو عبيدة : واحد الأزلام زلم ـ بفتح الزاء ، وقال بعضهم بالضم وهو القدح لا ريش له ولا نصل ، فإذا كان مريّشا فهو السهم ـ والله أعلم ؛ ويجوز أن يراد مع هذا ما كانوا يفعلونه في الميسر ـ على ما مضى في البقرة ، فإنه طلب معرفة ما قسم من الجزور ، ويلتحق بالأول كل كهانة وتنجيم ، وكل طيرة يتطيرها الناس الان من التشاؤم ببعض الأيام وبعض الأماكن والأحوال ، فإياك أن تعرج على شيء من الطيرة ، فتكون على شعبة جاهلية ، ثم إياك!.

ولما كانت هذه الأشياء شديدة الخبث أشار إلى تعظيم النهي عنها بأداة البعد وميم الجمع فقال :( ذلِكُمْ ) أي الذي ذكرت لكم تحريمه( فِسْقٌ ) أي فعله خروج من الدين.

ولما كانت هذه المنهيات معظم دين أهل الجاهلية ، وكان سبحانه قد نهاهم قبلها عن إحلال شعائر الله والشهر الحرام وقاصدي المسجد الحرام بعد أن كان أباح لهم ذلك في بعض الأحوال والأوقات بقوله :( وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ـوَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ

__________________

(١) الشوحط : شجر يتخذ منه القسيّ. والقسي الدراهم الزيوف

(٢) سدن مسدنا وسدانة : خدم الكعبة أو بيت الصنم ومن عمل بالحجابة ، فهو سادن ا ه قاموس.

٣٩١

الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ ) [البقرة : ١٩١]( الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ ) [البقرة : ١٩٤]( وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ) [البقرة : ١٩١] علم أن الأمر بالكف عن انتهاز الفرص إنما هو للأمن من الفوت ، وذلك لا يكون إلا من تمام القدرة ، وهو لا يكون إلا بعد كمال الدين وإظهاره على كل دين ـ كما حصل به الوعد الصادق ، وكذا الانتهاء عن جميع هذه المحارم إنما يكون لمن رسخ في الدين قدمه ، وتمكنت فيه عزائمه وهممه ، فلا التفات له إلى غيره ولا همه إلى سواه ، ولا مطمع لمخالفه فيه ، فعقب سبحانه النهي عن هذه المناهي كلها بقوله على سبيل النتيجة والتعليل :( الْيَوْمَ ) أي وقت نزول هذه الآية( يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي لابسوا الكفر سواء كانوا راسخين فهي أو لا( مِنْ دِينِكُمْ ) أي لم يبق لكم ولا لأحد منكم عذر في شيء من إظهار الموافقة لهم أو التستر من أحد منهم ، كما فعل حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه حين كاتبهم ليحمي بذلك ذوي رحمه ، لأن الله تعالى قد كثركم بعد القلة ، وأعزكم بعد الذلة ، وأحيى بكم منار الشرع ، وطمس معالم شرع الجهل ، وهدّ منار الضلال ، فأنا أخبركم ـ وأنتم عالمون بسعة علمي ـ أن الكفار قد اضمحلت قواهم ، وماتت هممهم ، وذلت نخوتهم ، وضعفت عزائمهم ، فانقطع رجاؤهم عن أن يغلبوكم أو يستميلوكم إلى دينهم بنوع استمالة ، فإنهم رأوا دينكم قد قامت منائره ، وعلت في المجامع منابره ، وضرب محرابه ، وبرّك بقواعده وأركانه ، ولهذا سبب عما مضى قوله :( فَلا تَخْشَوْهُمْ ) أي أصلا( وَاخْشَوْنِ ) أي وامحضوا الخشية لي وحدي ، فإن دينكم قد أكمل بدره ، وجل عن المحلق محله وقدره ، ورضي به الآمر ، ومكنه على رغم أنف الأعداء. وهو قادر على ذلك ، وذلك قوله تعالى مسوقا مساق التعليل :( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) أي الذي أرسلت إليكم به أكمل خلقي لتدينوا به وتدانوا ، وإكماله بإنزال كل ما يحتاج إليه من أصل وفرع ، نصا على البعض ، وبيانا لطريق القياس في الباقي ، وذلك بيان لجميع الأحكام ، وأما قبل ذلك اليوم فهو وإن كان كاملا لكنه بغير هذا المعنى ، بل إلى حين ثم يزيد فيه سبحانه ما يشاء ، فيكون به كاملا أيضا وأكمل مما مضى ، وهكذا إلى هذه النهاية ، وكان هذا هو المراد من قوله :( وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ) أي التي قسمتها في القدم من هذا الدين على لسان هذا الرسول ، بأن جمعت عليه كلمة العرب الذين قضيت في القدم بإظهارهم على من ناواهم من جميع أهل الملل ، ليظهر بهم الدين ، وتنكسر شوكة المفسدين من غير حاجة في ذلك إلى غيرهم وإن كانوا بالنسبة إلى المخالفين كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود( وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ ) أي الذي هو الشهادة لله بما شهد به لنفسه من الوحدانية التي لمن يتبع الإذعان لها الإذعان لكل طاعة( دِيناً )

٣٩٢

تتجازون به فيما بينكم ويجازيكم به ربكم ؛ روى البخاري في المغازي وغيره ، ومسلم في آخر الكتاب ، والترمذي في التفسير ، والنسائي في الحج عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه «أن رجلا من اليهود قال له : يا أمير المؤمنين! آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا ، قال : أي آية؟ قال :( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) فقال عمر رضي الله عنه : قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، نزلت وهو قائم بعرفة يوم جمعة»(١) وفي التفسير من البخاري عن طارق بن شهاب «قالت اليهود لعمر : إنكم تقرؤون آية لو نزلت فينا لاتخذناها عيدا ، فقال عمر : إني لأعلم حيث أنزلت وأين أنزلت وأين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم حين أنزلت»(٢) وقال البغوي : قال ابن عباس رضي الله عنهما : كان ذلك اليوم خمسة أعياد : جمعة وعرفة وعيد اليهود وعيد النصارى والمجوس ، ولم تجتمع أعياد أهل الملل في يوم قبله ولا بعده ،(٣) قلت : ويوم الجمعة هو اليوم الذي أتم الله فيه خلق هذه الموجودات بخلق آدمعليه‌السلام بعد عصره ، وهو حين نزول هذه الآية إن شاء الله تعالى ، فكانت تلك الساعة من ذلك اليوم تماما ابتداء ، وروى هارون بن عنترة(٤) عن أبيه قال : «لما نزلت هذه الآية بكى عمر رضي الله عنه فقال له النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : ما يبكيك يا عمر؟ فقال : أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا ، فإذا كمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص ، قال : صدقت!»(٥) فكانت هذه الآية نعي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، عاش بعدها إحدى وثمانين يوما(٦) وقد روي أنه كان هجيري(٧) النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يوم عرفة من العصر إلى الغروب شهد الله أنه لا إله إلا هو(٨) ـ الآية ، وكأن ذلك

__________________

(١) صحيح. أخرجه البخاري ٤٦٠٦ ومسلم ٣٠١٧ والترمذي ٣٠٤٤ والنسائي في الكبرى ٣٩٩٧ ، ١١١٣٧ والطبري ١١٠٩٩ كلهم عن طارق بن شهاب قال : قال رجل من اليهود لعمر الحديث.

(٢) هو الحديث المتقدم.

(٣) أثر ابن عباس. لم أره مسندا ولا يصح.

(٤) عنترة بن عبد الرحمن الكوفي ثقة من الطبقة الثانية وهم من جعله في الصحابة. وابنه هارون بن عنترة انظر التقريب لابن حجر.

(٥) أخرجه الطبري في تفسيره ٤ / (١١٠٨٧) عن هارون بن عنترة عن أبيه قال : «لما نزلت الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وذلك يوم الحج الأكبر بكى عمر ...» الحديث.

(٦) قال الطبري في تفسيره ٤ / ٤١٩ : قال ابن جريج : مكث النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بعدما نزلت هذه الآية إحدى وثمانين ليلة».

(٧) أي دأبه وشأنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

(٨) ضعيف. أخرجه أحمد ١ / ١٦٦ من حديث الزبير بن العوام قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يوم عرفة يقرأ( شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ ) . وله تتمة ، وشيخ بقية بن الوليد لا يعرف ، وكذا شيخ شيخه ، وأما سياق المصنف فلم أره.

٣٩٣

كان جوابا منهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لهذه الآية ، لفهمهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أن إنزال آية عمران سر الإسلام وأعظمه وأكمله ، وهذه الآية من المعجزات ، لأنها إخبار بمغيب صدقها فيه الواقع.

ولما تمت هذه الجمل الاعتراضية التي صار ما بينها وبين ما قبلها وما بعدها بأحكام الرصف واتقان الربط من الامتزاج أشد مما بين الروح والجسد ، المشيرة إلى أن هذه المحرمات هي التي تحقق بها أهل الكفر كمال المخالفة ، فأيسوا معها من المواصلة والمؤالفة ؛ رجع إلى تتمات لتلك المحظورات ، فقال مسببا عن الرضى بالإسلام الذي هو الحنيفية السمحة المحرمة لهذه الخبائث لإضرارها بالبدن والدين :( فَمَنِ اضْطُرَّ ) أي ألجىء إلجاء عظيما ـ من أي شيء كان ـ إلى تناول شيء مما مضى أنه حرم ، بحيث لا يمكنه معه الكف عنه( فِي مَخْمَصَةٍ ) أي مجاعة عظيمة( غَيْرَ مُتَجانِفٍ ) أي متعمد ميلا( لِإِثْمٍ ) أي بالأكل على غير سد الرمق ، أو بالبغي على مضطر آخر بنوع مكر أو العدو عليه بضرب قهر ، وزاد بعد هذا التقييد تخويفا بقوله :( فَإِنَّ اللهَ ) أي الذي له الكمال كله( غَفُورٌ رَحِيمٌ ) أي يمحو عنه إثم ارتكابه للمنهي ولا يعاقبه عليه ولا يعاتبه ويكرمه ، بأن يوسع عليه من فضله ، ولا يضطره مرة أخرى ـ إلى غير ذلك من الإكرام وضروب الإنعام.

( يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤) )

ولما تقدم إحلال الصيد وتحريم الميتة ، وختم ذلك بهذه الرخصة ، «وكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قد أمر بقتل الكلاب»(١) وكان الصيد ربما مات في يد الجارح قبل إدراك ذكاته ، سأل بعضهم عما يحل من الكلاب ، وبعضهم عما يحل من ميتة الصيد إحلالا مطلقا لا بقيد الرخصة ، إذ كان الحال يقتضي هذا السؤال ؛ روى الواحدي في أسباب النزول بسنده عن أبي رافع رضي الله عنه قال : «أمرني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بقتل الكلاب ، فقال الناس : يا رسول الله! ما أحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فأنزل الله تعالى :( يَسْئَلُونَكَ ») (٢) .

__________________

(١) صحيح. أخرجه مسلم ١٥٧٢ وأبو داود ٢٨٤٦ كلاهما من حديث جابر بن عبد الله ، ولفظ مسلم :«أمرنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بقتل الكلاب ، حتى أن المرأة تقدم من البادية بكلبها فنقتله ، ثم نهى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن قتلها ، وقال : عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين ، فإنه شيطان»

(٢) حسن. أخرجه الحاكم ٢ / ٣١١ والطبري ١١٣٨ والواحدي في أسباب النزول ص ١٤١ والطبراني

٣٩٤

ولما كان هذا إخبارا عن غائب قال :( ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ ) دون «لنا» قال الواحدي : أي من إمساك الكلاب وأكل الصيود وغيرها ، أي من المطاعم ، ثم قال الواحدي : رواه الحاكم أبو عبد الله في صحيحه ، وذكر المفسرون شرح هذه القصة ، قال : قال أبو رافع رضي الله عنه : جاء جبريل إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فاستأذن عليه ، فأذن له فلم يدخل ، فخرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : قد أذنا لك! قال : أجل يا رسول الله! ولكنا لا ندخل بيتا فيه صورة ولا كلب ، فنظر فإذا في بعض بيوتهم جرو ، قال أبو رافع : فأمرني أن لا أدع بالمدينة كلبا إلا قتلته ، حتى بلغت العوالي فإذا امرأة عندها كلب يحرسها فرحمتها فتركته ، فأتيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فأمرني بقتله ، فرجعت إلى الكلب فقتلته ، فلما أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بأمر الكلاب جاء أناس فقالوا : يا رسول الله! ما ذا يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فسكت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فأنزل الله هذه الآية(١) فلما نزلت أذن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في اقتناء الكلاب التي ينتفع بها ، ونهى عن إمساك ما لا نفع فيه ، وأمر بقتل الكلاب الكلب والعقور وما يضر ويؤذي ، ورفع القتل عما سواها مما لا ضرر فيه ، وقال سعيد بن جبير : نزلت هذه الآية في عدي بن حاتم وزيد بن المهلهل الطائيين رضي الله عنهما ، وهو زيد الخيل الذي سماه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم زيد الخير ، وذلك أنهما جاءا إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقالا : «يا رسول الله! إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة ، وإن كلاب آل درع وآل أبي حورية تأخذ البقر والحمر والظباء والضب ، فمنه ما ندرك ذكاته ، ومنه ما يقتل فلا ندرك ذكاته ، وقد حرم الله الميتة ، فما ذا يحل لنا منها؟ فنزلت :( يَسْئَلُونَكَ. ) الآية( الطَّيِّباتُ ) يعني الذبائح ، و( الْجَوارِحِ ) الكواسب من الكلاب وسباع الطير»(٢) انتهى. فإذا أريد كون الكلام على وجه يعم قيل :( قُلْ ) لهم في جواب من سأل( أُحِلَ ) وبناه للمفعول طبق سؤالهم ولأن المقصود لا كونه من معين( لَكُمُ الطَّيِّباتُ ) أي الكاملة

__________________

ــ في الكبير ١ / (٩٧٢) مطوّلا كلهم من حديث أبي رافع مولى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وإسناد الحاكم حسن. وقال الهيثمي في المجمع ٤ / ٤٣ : رواه الطبراني وفيه موسى بن عبيدة ضعيف ا ه وصححه الحاكم ، ووافقه الذهبي وليس في طريق الحاكم موسى بن عبيدة.

وورد من حديث محمد بن كعب القرظي قال : لما أمر النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم بقتل الكلاب قالوا : يا رسول الله ، فما ذا يحل لنا من هذه الأمة؟ فنزلت ( يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ ) أخرجه الطبري ١١١٣٩ فهذا مرسل يشهد لما قبله.

(١) ضعيف بهذا اللفظ. أخرجه الطبراني في الكبير ١ / ٩٧٢. والطبري ١١١٣٧ كلاهما من حديث أبي رافع وذكره الواحدي في أسباب النزول ص ١٤٢ هكذا مطوّلا. وقال الهيثمي في المجمع ٤ / ٤٣ :رواه الطبراني وفيه موسى بن عبيدة ، وهو ضعيف.

(٢) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص ١٤٢ عن سعيد بن جبير بلا سند.

٣٩٥

الطيب ، فلا خبث فيها بنوع تحريم ولا تقذر ، من ذوي الطباع السليمة مما لم يرد به نص ولا صح فيه قياس ، وهذا يشمل كل ما ذبح وهو مأذون في ذبحه مما كانوا يحرمونه على أنفسهم من السائبة وما معها ، وكل ما أذن فيه من غير ذبح كحيوان البحر وما أذن فيه من غير المطاعم( وَما ) وهو على حذف مضاف للعلم به ، فالمعنى : وصيد ما( عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ ) أي التي من شأنها أن تجرح ، أو تكون سببا للجرح وهو الذبح ، أو من الجرح بمعنى الكسب( وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ) [الأنعام : ٦٠] وهو كواسب الصيد من السباع والطير ، فأحل إمساكها للقنية وصيدها وشرط فيه التعليم ، قال الشافعي : والكلب لا يصير معلما إلا عند أمور : إذا أشلى استشلى ، وإذا زجر انزجر وحبس ولم يأكل ، وإذا دعي أجاب ، وإذا أراده لم يفر منه ، فإذا فعل ذلك مرات فهو معلم ، ولم يذكر حدا لأن الاسم إذا لم يكن معلوما من نص ولا إجماع وجب الرجوع فيه إلى العرف ، وبنى الحال من الكلاب وإن كان المراد العموم ، لأن التأديب فيها أكثر فقال :( مُكَلِّبِينَ ) أي حال كونكم متكلفين تعليم هذه الكواسب ومبالغين في ذلك ، قالوا : وفائدة هذه الحال أن يكون المعلم نحريرا في علمه موصوفا به ، وأكد ذلك بحال أخرى أو استئناف فقال :( تُعَلِّمُونَهُنَ ) وحوشا كنّ أو طيورا( مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ ) أي المحيط بصفات الكمال من علم التكليب ، فأفاد ذلك أن على كل طالب لشيء أن لا يأخذه إلا من أجلّ العلماء به وأشدهم دراية له وأغوصهم على لطائفه وحقائقه وإن احتاج إلى أن يضرب إليه أكباد الإبل ، فكم من آخذ من غير متقن قد ضيع أيامه ، وعض عند لقاء النجارين إبهامه! ثم سبب عن ذلك قوله :( فَكُلُوا ) .

ولما كان في الصيد من العظم وغيره ما لا يؤكل قال :( مِمَّا أَمْسَكْنَ ) أي الجوارح مستقرا إمساكها( عَلَيْكُمْ ) أي على تعليمكم ، لا على جبلتها وطبيعتها دون تعليمكم ، وذلك هو الذي لم يأكلن منه وإن مات قبل إدراك ذكاته ، وأما ما أمسك الجارح على أي مستقرا على جبلته وطبعه ، ناظرا فيه إلى نفاسة نفسه فلا يحل( وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ ) أي الذي له كل شيء ولا كفوء له( عَلَيْهِ ) أي على ما أمسكن عند إرسال الجارح أو عند الذبح إن أدركت ذكاته ، لتخالفوا سنة الجاهلية وتأخذوه من مالكه ، وقد صارت نسبة هذه الجملة ـ كما ترى ـ إلى( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ) [المائدة : ٣] نسبة المستثنى إلى المستثنى منه ، وإلى مفهوم غير محلي الصيد وأنتم حرم نسبة الشرح.

ولما كان تعليم الجوارح أمرا خارجا عن العادة في نفسه وإن كان قد كثر ، حتى صار مألوفا ، وكان الصيد بها أمرا تعجب شرعته وتهز النفوس كيفيته ، ختم الآية بما هو خارج عن عادة البشر وطرقها من سرعة الحساب ولطف العلم بمقدار الاستحقاق من

٣٩٦

الثواب والعقاب ، فقال محذرا من إهمال شيء مما رسمه :( وَاتَّقُوا ) أي حاسبوا أنفسكم واتقوا( اللهُ ) أي عالم الغيب والشهادة القادر على كل شيء فيما أدركتم ذكاته وما لم تدركوها ، وما أمسكه الجارح عليكم وما أمسكه على نفسه. إلى غير ذلك من أمور الصيد التي لا يقف عندها إلا من غلبت عليه مهابة الله واستشعر خوفه ، فاتقاه فيما أحل وما حرم ، ثم علل ذلك بقوله :( إِنَّ اللهَ ) أي الجامع لمجامع العظمة( سَرِيعُ الْحِسابِ ) أي عالم بكل شيء وقادر عليه في كل وقت ، فهو قادر على كل جزاء يريده ، لا يشغله أحد عن أحد ولا شأن عن شأن.

( الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٥) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦) )

ولما كان قد تقدم النهي عن نكاح المشركات ، والمنافرة لجميع أصناف الكفار ، وبيان بغضهم وعداوتهم ، والحث على طردهم ومنابذتهم( ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ ) [آل عمران : ١١٩] ونحوها لضعف الأمر إذ ذاك وشدة الحاجة إلى إظهار الفظاظة والغلظة لهم لتعظيم دين الله ، حتى كانت خلطتهم من أمارات النفاق. كما سيأتي في كثير من آيات هذه السورة ، وكان الدين وصل عند نزولها من العظمة إلى حد لا يحتاج فيه إلى تعظيم معظم ، وكانت مخالطة أهل الكتاب لا بد منها عند فتوح البلاد التي وعد الصادق بها ، وسبق في الأزل علمها ، فكانت الفتنة في مخالطتهم قد صارت في حد الأمن ، وسّع الأمر بحل طعامهم ونسائهم ، فقال تعالى مكررا ذكر الوقت الذي أنزل فيه هذه الآيات ، تنبيها على عظم النعمة فيه بتذكر ما هم فيه من الكثرة والأمن والجمع والألفة ، وتذكر ما كانوا فيه قبل ذلك من القلة والخوف والفرقة ، فقال معيدا لصدر الآية التي قبلها إعلاما بعظم النعمة فيه ، ومفيدا بذكر وقت الإحلال أنه إحلال مقصود به الثبات ، لكونه يوم إتمام النعمة فهو غير الأول :( الْيَوْمَ ) .

٣٩٧

ولما كان القصد إنما هو الحل ، لا كونه من محل معين ، مع أن المخاطبين بهذه الآيات يعلمون أنه لا محل إلا الله ، بني الفعل للمجهول فقال :( أُحِلَ ) أي ثبت الإحلال فلا ينسخ أبدا( لَكُمُ ) أي أيها المؤمنون( الطَّيِّباتُ ) أي التي تقدم في البقرة وصفها بالحل لزوال الإثم وملاءمة الطبع ، فهي الكاملة في الطيب.

ولما كانت الطيبات أعم من المآكل قال :( وَطَعامُ الَّذِينَ ) ولما كان سبب الحل الكتاب ، ولم يتعلق بذكر مؤتيه غرض ، بني الفعل للمجهول فقال :( أُوتُوا الْكِتابَ ) أي مما يصنعونه أو يذبحونه ، وعبر بالطعام الشامل لما ذبح وغيره وإن كان المقصود المذبوح ، لا غيره ، ولا يختلف حاله من كتابي ولا غيره تصريحا بالمقصود( حِلٌّ لَكُمْ ) أي تناوله لحاجتكم ، أي مخالطتهم للإذن في إقرارهم على دينهم بالجزية ، ولما كان هذا مشعرا بإبقائهم على ما اختاروا لأنفسهم زاده تأكيدا بقوله :( وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ) أي فلا عليكم في بذله لهم ولا عليهم في تناوله.

ولما كانت الطيبات أعم من المطاعم وغيرها ، وكانت الحاجة إلى المناكح بعد الحاجة إلى المطاعم ، وكانت المطاعم حلالا من الجانبين والمناكح من جانب واحد قال :( وَالْمُحْصَناتُ ) أي الحرائر( مِنَ الْمُؤْمِناتِ ) ثم أكد الإشارة إلى إقرار أهل الكتاب فقال :( وَالْمُحْصَناتُ ) أي الحرائر( مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ) وبني الفعل للمفعول للعلم بمؤتيه مع أنه لم يتعلق بالتصريح به غرض.

ولما كان إيتاؤهم الكتاب لم يستغرق الزمن الماضي ، أثبت الجار فقال :( مِنْ قَبْلِكُمْ ) أي وهم اليهود والنصارى ، وعبر عن العقد بالصداق للملابسة فقال مخرجا للأمة لأنها لا تعطى الأجر وهو الصداق ، لأنها لا تملكه بل يعطاه سيدها :( إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَ ) أي عقدتم لهن ، ودل مساق الشرط على تأكد وجوب الصداق ، وأن من تزوج وعزم على عدم الإعطاء ، كان في صورة الزاني ، وورد فيه حديث ، وتسميته بالأجر تدل على أنه لا حد لأقله.

ولما كان المراد بالأجر المهر ، وكان في اللغة يطلق على ما يعطاه الزانية أيضا ، بينه بقوله :( مُحْصِنِينَ ) أي قاصدين الإعفاف والعفاف( غَيْرَ مُسافِحِينَ ) أي قاصدين صب الماء لمجرد الشهوة جهارا( وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ ) أي صدائق لذلك في السر ، جمع خدن ، وهو يقع على الذكر والأنثى ، فكانت هذه الآية مخصصة لقوله تعالى( وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ ) [البقرة : ٢٢١] فبقي على التحريم مما تضمنته تلك ما عدا الكتابيات من الوثنيات وغيرهن من جميع المشركات حتى المنتقلة من الكتابيات من دينها إلى غير دين الإسلام ، وصرح هنا بالمؤمنات المقتضي لهن قوله تعالى في النساء

٣٩٨

( وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ ) [النساء : ٢٤] وقوله( وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ ، ) [النساء : ٢٥] ، ولعل ذكر وصف الإحصان الواقع على العفة للتنبيه على أنه لا يقصد المتصفة بغيره لمجرد الشهوة إلا من سلب الصفات البشرية ، وأخلد إلى مجرد الحيوانية ، فصار في عداد البهائم ، بل أدنى ، مع أن التعليق بذلك الوصف لا يفهم الحرمة عند فقده ، بل الحل من باب الأولى ، لأن من حكم مشروعية النكاح الإعفاف ، فإذا شرع إعفاف العفائف كان شرع إعفاف غيرهن أولى ، لأن زناها إما لشهوة أو حاجة ، وكلاهما للنكاح مدخل عظيم في نفيه. والله أعلم.

ولما كان السر في النهي عن نكاح المشركات في الأصل ما يخشى من الفتنة ، وكانت الفتنة. وإن علا الدين ورسخ الإيمان واليقين. لم تنزل عن درجة الإمكان ، وكانت الصلاة تسمى إيمانا لأنها من أعظم شرائعه( وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ ) [البقرة : ١٤٣] أي صلاتكم ، وروى الطبراني في الأوسط عن عبد الله بن قرط رضي الله عنه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة ، فإن صلحت صلح سائر عمله ، وإن فسدت فسد سائر عمله »(١) وله في الأوسط أيضا بسند ضعيف عن أنس رضي الله عنه قال : «قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة ينظر في صلاته ، فإن صلحت فقد أفلح ، وإن فسدت فقد خاب وخسر »(٢) وكانت مخالطة الأزواج مظنة للتكاسل عنها ، ولهذا أنزلت آية( حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ )

__________________

(١) لم يذكره الهيثمي في المجمع وإنما ذكر حديث أنس الآتي من طرق عدة. وانظر ما بعده.

(٢) حسن لشواهده. أخرجه الطبراني في الأوسط كما في المجمع ١ / ٢٨٨ ، ٢٩١ ، ٢٩٢ وأبو يعلى ٣٩٧٦ كلاهما من حديث أنس بن مالك.

قال الهيثمي في المجمع : رواه أبو يعلى ، وفيه يزيد الرقاشي ضعفه شعبة وغيره ، ووثقه ابن معين وابن عدي. وقال أيضا : رواه الطبراني في الأوسط وفيه القاسم بن عثمان قال البخاري له أحاديث لا يتابع عليها ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وقال ربما أخطأ ا ه. لكن للحديث شاهد عن أبي هريرة مرفوعا أخرجه أبو داود ٨٦٤ ، ٨٦٥ والترمذي ٤١٣ والنسائي في الكبرى ٣٢٥ وابن ماجه ١٤٢٥ والديلمي في الفردوس ٨ ، ٩ والبيهقي ٢ / ٢٨٦ كلهم من حديث أبي هريرة بألفاظ متقاربة فالحديث حسن بشواهده. وانظر المجمع ١ / ٢٩١ ، ٢٩٢. ورواية أبي داود : «إن أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة قال : يقول ربنا جل وعز ولملائكته ، وهو أعلم : انظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها ، فإن كانت تامة كتبت له تامة ، وإن كان انتقص منها شيئا قال : انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فإن كان له تطوع قال : أتموا لعبدي فريضة من تطوعه ، ثم تؤخذ الأعمال على ذاكم». وقال الترمذي : حديث أبي هريرة حسن غريب من هذا الوجه ا ه كما يشهد له حديث تميم الداري أخرجه أبو داود ٨٦٦ وابن ماجه ١٤٢٦ والدارمي ١ / ٢٥٤ ، ٣١٣ والحاكم ١ / ٢٦٢ ، ٢٦٣ ، وابن أبي شيبة في الإيمان ص ٤١ والديلمي في الفردوس ٩ وأحمد ٤ / ١٠٣ كلهم بنحو لفظ حديث أبي هريرة.

٣٩٩

[البقرة : ٢٣٨] كما مضى بالمحل الذي هي به ، لما كان ذلك كذلك ختمت هذه الآية بقوله تعالى منفرا من نكاحهن بعد إحلاله ، إشارة إلى أن الورع ابتعد عنه ، امتثالا للآيات الناهية عن موادة المحاد لئلا يحصل ميل فيدعو إلى المتابعة ، أو يحصل ولد ، فتستميله لدينها :( وَمَنْ ) أي أحل لكم ذلك والحال أنه من( يَكْفُرْ ) أي يوجد ويجدد الكفر على وجه طمأنينة القلب به والاستمرار عليه إلى الموت( بِالْإِيمانِ ) أي بسبب التصديق القلبي بكل ما جاءت به الرسل وأنزلت به الكتب ، الذي منه حل الكتابيات ، فيدعوه ذلك إلى نكاحهن ، فتحمله الخلطة على اتباع دينهن ، فيكفر بسبب ذلك التصديق فيكفر بالصلاة التي يلزم من الكفر بها الكفر به ، فإطلاقه عليها تعظيم لها( وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ ) [البقرة : ١٤٣] أي صلاتكم( فَقَدْ حَبِطَ ) أي فسد( عَمَلُهُ ) أي إذا اتصل ذلك بالموت بدليل قوله :( وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ ) والآية من أدلة إمامنا الشافعي على استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه ، فحيث قصد التحذير من الكفر حقيقة فالإيمان حقيقة وحيث أريد الترهيب من إضاعة الصلاة فهو مجاز ، ومما يؤيد ذلك أن في السفر الثاني من التوراة : لا تعاهدن سكان الأرض لكيلا تضلوا بأوثانهم ، وتذبحوا لآلهتهم ، أو يدعوك فتأكل من ذبائحهم ، وتزوج بنيك من بناتهم وبناتك من بنيهم ، فتضل بناتك خلف آلهتهم ويضل بنوك بآلهتهم ، وقال في الخامس منها : وإذا أدخلكم الله ربنا الأرض التي تدخلونها لترثوها ، وأهلك شعوبا كثيرة من بين أيديكم : حتانيين وجرجسانيين وأمورانيين وكنعانيين وفرزانيين وحاوانيين ويابسانيين. سبعة شعوب أكثر وأقوى منكم ، ويدفعهم الله ربكم في أيديكم فاضربوهم واقتلوهم وانفوهم وحرموهم ، ولا تعاهدوهم عهدا ولا ترحموهم ، وتحاشوهم ولا تزوجوا بناتكم من بنيهم ، ولا تزوجوا بنيكم من بناتهم لئلا يغوين بنيكم عن عبادتي ، ويخدعنهم فيعبدوا آلهة أخرى ، ويشتد غضب الرب عليكم ويهلككم سريعا ، ولكن اصنعوا بهم هذا الصنيع : استأصلوا مذابحهم ، وكسروا أنصابهم ، وحطموا أصنامهم المصبوغة ، وأحرقوا أوثانهم المنحوتة ، لأنكم شعب طاهر لله ربكم. انتهى. وإذا تأملت جميع ذلك ، وأمعنت فيه النظر لاح لك سرّ تعقيبها بقوله تعالى في سياق مشير إلى البشارة بأن هذه الأمة تطيع ولا تعصى فتؤمن ولا تكفر ، لما خص به كتابها من البيان الأتم في النظم المعجز مع شرف التذكير بما أفاضه من شرف جليل الأيادي ، فافتتح هذه السورة بالأمر بالوفاء بحق الربوبية ، وأتبعه التذكير بما وفى به سبحانه من حق الربوبية من نوع المنافع في لذة المطعم وتوابعه ولذة المنكح وتوابعه ، وقدم المطعم لأن الحاجة إليه فوق الحاجة إلى المنكح ، فلما أتم ما ألزمه نفسه الأقدس من عهد الربوبية فضلا منه ، أتبعه الأمر بالوفاء بعهد العبودية ، وقدم

٤٠٠