نظم الدّرر الجزء ٢

نظم الدّرر0%

نظم الدّرر مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف: علوم القرآن
الصفحات: 761

  • البداية
  • السابق
  • 761 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 29 / تحميل: 23
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 2

مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
العربية

١
٢

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة آل عمران

( الم (١) اللهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (٤) إِنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٥) )

( بِسْمِ اللهِ ) الواحد المتفرد بالإحاطة بالكمال( الرَّحْمنِ ) الذي وسعت رحمة إيجاده كل مخلوق وأوضح للمكلفين طريق النجاة( الرَّحِيمِ ) الذي اختار أهل التوحيد لمحل أنسه وموطن جمعه وقدسه( الم ) المقاصد التي سيقت لها هذه السورة إثبات الوحدانية لله سبحانه وتعالى ، والإخبار بأن رئاسة الدنيا بالأموال والأولاد وغيرهما مما آثره الكفار على الإسلام غير مغنية عنهم شيئا في الدنيا ولا في الآخرة ، وأن ما أعد للمتقين من الجنة والرضوان هو الذي ينبغي الإقبال عليه والمسارعة إليه وفي وصف المتقين بالإيمان والدعاء والصبر والصدق والقنوت والإنفاق والاستغفار ما يتعطف عليه كثير من أفانين أساليب هذه السورة ـ هذا ما كان ظهر لي أولا ، وأحسن منه أن نخص القصد الأول وهو التوحيد بالقصد فيها فإن الأمرين الآخرين يرجعان إليه ، وذلك لأن الوصف بالقيومية يقتضي القيام بالاستقامة ، فالقيام يكون على كل نفس ، والاستقامة العدل كما قال :( قائِماً بِالْقِسْطِ ) [آل عمران : ١٨] أي بعقاب العاصي وثواب الطائع بما يقتضي للموفق ترك العصيان ولزوم الطاعة ؛ وهذا الوجه أوفق للترتيب ، لأن الفاتحة لما كانت جامعة للدين إجمالا جاء ما به التفصيل محاذيا لذلك ، فابتدىء بسورة الكتاب المحيط بأمر الدين ، ثم بسورة التوحيد الذي هو سر حرف الحمد وأول حروف الفاتحة ، لأن التوحيد هو الأمر الذي لا يقوم بناء إلا عليه ، ولما صح الطريق وثبت الأساس جاءت التي بعدها داعية إلى الاجتماع على ذلك ؛ وأيضا فلما ثبت بالبقرة أمر

٣

الكتاب في أنه هدى وقامت به دعائم الإسلام الخمس جاءت هذه لإثبات الدعوة الجامعة في قوله سبحانه وتعالى :( يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ) [البقرة : ٢١] فأثبت الوحدانية له بإبطال إلهية غيره بإثبات أن عيسى عليه الصلاة والسّلام الذي كان يحيي الموتى عبده فغيره بطريق الأولى ، فلما ثبت أن الكل عبيده دعت سورة النساء إلى إقبالهم إليه واجتماعهم عليه ؛ ومما يدل على أن القصد بها هو التوحيد تسميتها بآل عمران ، فإن لم يعرب عنه في هذه السورة ما أعرب عنه ما ساقه سبحانه وتعالى فيها من أخبارهم بما فيها من الأدلة على القدرة التامة الموجبة للتوحيد الذي ليس في درج الإيمان أعلى منه ، فهو التاج الذي هو خاصة الملك المحسوسة ، كما أن التوحيد خاصته المعقولة ، والتوحيد موجب لزهرة المتحلي به فلذلك سميت الزهراء.

القصد الأول التوحيد

ومناسبة هذا الأول بالابتدائية لآخر ما قبلها أنه لما كان آخر البقرة في الحقيقة آية الكرسي وما بعدها إنما هو بيان ، لأنها أوضحت أمر الدين بحيث لم يبق وراءها مرمى لمتعنت ، أو تعجب من حال من جادل في الإلهية أو استبعد شيئا من القدرة ولم ينظر فيما تضمنته هذه الآية من الأدلة مع وضوحه ، أو إشارة إلى الاستدلال على البعث بأمر السنابل في قالب الإرشاد إلى ما ينفع في اليوم الذي نفى فيه نفع البيع والخلة والشفاعة من النفقات ، وبيان بعض ما يتعلق بذلك ، وتقرير أمر ملكه لما منه الإنفاق من السماوات والأرض ، والإخبار بإيمان الرسول وأتباعه بذلك ، وبأنهم لا يفرقون بين أحد من الرسل المشار إليهم في السورة ، وبصدقهم في التضرع برفع الأثقال التي كانت على من قبلهم من بني إسرائيل وغيرهم ، وبالنصرة على عامة الكافرين ؛ لما كان ذلك على هذا الوجه ناسب هذا الاختتام غاية المناسبة ابتداء هذه السورة بالذي وقع الإيمان به سبحانه وتعالى ووجهت الرغبات آخر تلك إليه ؛ وأحسن منه أنه لما نزل إلينا كتابه فجمع مقاصده في الفاتحة على وجه أرشد فيه إلى سؤال الهداية ثم شرع في تفصيل ما جمعه في الفاتحة ، فأرشد في أول البقرة إلى أن الهداية في هذا الكتاب ، وبيّن ذلك بحقية المعنى والنظم كما تقدم ـ إلى أن ختم البقرة بالإخبار عن خلص عباده بالإيمان بالمنزل بالسمع والطاعة ، وأفهم ذلك مع التوجه بالدعاء إلى المنزل له أن له سبحانه وتعالى كل شيء وبيده النصر ، علم أنه واحد لا شريك له حي لا يموت قيوم لا يغفل وأن ما أنزل هو الحق ، فصرح أول هذه بما أفهمه آخر تلك ، كما يصرح بالنتيجة بعد المقدمات المنتجة لها فقال :( اللهُ ) أي الذي لا يذل من والاه ولا يعز من عاداه لأن له الإحاطة بجميع أوصاف الكمال والنزاهة الكاملة من كل شائبة نقص.

٤

وقال الحرالي مشيرا إلى القول الصحيح في ترتيب السور من أنه باجتهاد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم إقرارا لله سبحانه وتعالى لهذا الانتظام والترتيب السوري في مقرر هذا الكتاب : هو ما رضيه الله سبحانه وتعالى فأقره ؛ فلما كانت سورة الفاتحة جامعة لكلية أمر الله سبحانه وتعالى فيما يرجع إليه ، وفيما يرجع إلى عبده ، وفيما بينه وبين عبده ، فكانت أم القرآن وأم الكتاب ؛ جعل مثنى تفصيل ما يرجع منها إلى الكتاب المنبأ عن موقعه في الفاتحة مضمنا سورة البقرة إلى ما أعلن به ، لألأ نور آية الكرسي فيها ، وكان منزل هذه السورة من مثنى تفصيل ما يرجع إلى خاص علن الله سبحانه وتعالى في الفاتحة ؛ فكان منزلة سورة آل عمران منزلة تاج الراكب وكان منزلة سورة البقرة منزلة سنام المطية ؛ قالصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لكل شيء سنام وسنام القرآن سورة البقرة ، لكل شيء تاج وتاج القرآن سورة آل عمران»(١) وإنما بدىء هذا الترتيب لسورة الكتاب لأن علم الكتاب أقرب إلى المخاطبين من تلقي علن أمر الله ، فكان في تعلم سورة البقرة والعمل بها تهيؤ لتلقي ما تضمنته سورة آل عمران ليقع التدرج والتدرب بتلقي الكتاب حفظا وبتلقيه على اللقن منزل الكتاب بما أبداه علنه في هذه السورة ؛ وبذلك يتضح أن إحاطة( الم ) المنزلة في أول سورة البقرة إحاطة كتابية بما هو قيامه وتمامه ، ووصلة ما بين قيامه وتمامه ، وأن إحاطة( الم ) المنزلة في أول هذه السورة إحاطة إلهية حيايية قيومية مما بين غيبة عظمة اسمه( اللهُ ) إلى تمام قيوميته البادية في تبارك ما أنبأ عنه اسمه( الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) وما أوصله لطفه من مضمون توحيده المنبىء عنه كلمة الإخلاص في قوله :( لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) فلذلك كان هذا المجموع في منزله قرآنا حرفيا وقرآنا كلميا اسمائيا وقرآنا كلاميا تفصيليا مما هو اسمه الأعظم كما تقدم من قولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين :( وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ ) [البقرة : ١٦٣] ،( الم اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) (٢) وكما وقعت إلاحة في سورة البقرة لما وقع به الإفصاح في سورة آل عمران كذلك وقع في آل عمران من نحو ما وقع تفصيله في سورة البقرة ليصير منزلا واحدا بما أفصح مضمون كل سورة بإلاحة الأخرى ، فلذلك هما غمامتان وغيايتان على قارئهما يوم القيامة ـ كما تقدم ـ لا تفترقان ، فأعظم( الم ) هو مضمون( الم ) الذي

__________________

(١) ضعيف. أخرجه ابن حبان ٧٨٠ والعقيلي في الضعفاء ٢ / ٦ والطبراني ٥٨٦٤ من حديث سهل بن سعد فذكر الشطر الأول منه ومداره على خالد بن سعيد قال العقيلي : لا يتابع عليّ حديثه. وساق له هذا الحديث ووافقه الذهبي في الميزان ١ / ٦٣١ وأما بتمامه فلم أره بعد.

(٢) يشبه الحسن. أخرجه أبو داود ١٤٩٦ والترمذي ٣٤٧٨ وابن ماجه ٣٨٥٥ والبيهقي في الشعب ٢٣٨٣ كلهم من حديث أسماء بنت يزيد. قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح! مع أن في إسناده شهر ابن حوشب متكلم فيه ، وهو مدلس وقد عنعنه.

٥

افتتحت به هذه السورة ويليه في الرتبة ما افتتحت به سورة البقرة ، ويليه في الرتبة ما افتتحت به سور الآيات نحو قوله سبحانه وتعالى( الم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ ) [لقمان : ٢] فللكتاب الحكيم إحاطة قواما وتماما ووصلة ، ولمطلق الكتاب إحاطة كذلك ، وإحاطة الإحاطات وأعظم العظمة إحاطة افتتاح هذه السورة ؛ وكذلك أيضا اللواميم محيطة بإحاطة الطواسيم لما تتخصص به معاني حروفها من دون إحاطات حروف اللواميم ، وإحاطة الحواميم من دون إحاطة الطواسيم لما يتخصص به معاني حروفها من دون إحاطات حروف الطواسيم على ما يتضح تراتبه وعلمه لمن آتاه الله فهما بمنزلة قرآن الحروف المخصوص بإنزاله هذه الأمة دون سائر الأمم ، الذي هو من العلم الأزلي العلوي ؛ ثم قال : ولما كانت أعظم الإحاطات إحاطة عظمة اسمه «الله» الذي هو مسمى التسعة والتسعين أسماء التي أولها( إِلهَ ) كان ما أفهمه أولى الفهم هنا اسم ألف بناء في معنى إحاطات الحروف عن نحو إحاطة اسمه «الله» في الأسماء ، فكانت هذه الألف مسمى كل ألف كما كان اسمه( اللهُ ) سبحانه وتعالى مسمى كل اسم سواه حتى أنه مسمى سائر الأسماء الأعجمية التي هي أسماؤه سبحانه وتعالى في جميع الألسن كلها مع أسماء العربية أسماء لمسمى هو هذا الاسم العظيم الذي هو( اللهُ ) الأحد الذي لم يتطرق إليه شرك ، كما تطرق إلى أسمائه من اسمه( إِلهَ ) إلى غاية اسمه «الصبور» ، وكما كان إحاطة هذا الألف أعظم إحاطة حرفية وسائر الألفات أسماء لعظيم إحاطته ؛ كذلك هذه الميم أعظم إحاطة ميم تفصلت فيه وكانت له أسماء بمنزلة ما هي سائر الألفات أسماء لمسمى هذا الألف كذلك سائر الميمات اسم لمسمى هذا الميم ، كما أن اسمه( الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) أعظم تمام كل عظيم من أسماء عظمته ؛ وكذلك هذا اللام بمنزلة ألفه وميمه ، وهي لام الإلهية الذي أسراره لطيف التنزل إلى تمام ميم قيوميته ؛ فمن لم ينته إلى فهم معاني الحروف في هذه الفاتحة نزل له الخطاب إلى ما هو إفصاح إحاطتها في الكلم والكلام المنتظم في قوله :( اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ، ) فهو قرآن حرفي يفصله قرآن كلمي يفصله قرآن كلامي ـ انتهى. فقوله :( اللهُ ) أي الذي آمن به الرسول وأتباعه بما له من الإحاطة بصفات الكمال( لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) أي متوحد لا كفوء له فقد فاز قصدكم إليه بالرغبة وتعويلكم عليه في المسألة. قال الحرالي : فما أعلن به هذا الاسم العظيم أي الله في هذه الفاتحة هو ما استعلن به في قوله تعالى :( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) [الإخلاص : ١] ، ولما كان إحاطة العظمة أمرا خاصا لأن العظمة إزار الله الذي لا يطلع عليه إلا صاحب سر كان البادي لمن دون أهل الفهم من رتبة أهل العلم اسمه «الله الصمد» الذي يعنى إليه بالحاجات والرغبات المختص بالفوقية والعلو الذي يقال للمؤمن

٦

عنه : أين الله؟ فيقول : في السماء ، إلى حد علو أن يقول : فوق العرش ، فذلك الصمد الذي أنبأ عنه اسمه( إِلهَ ) الذي أنزل فيه إلزام الإخلاص والتوحيد منذ عبدت في الأرض الأصنام ، فلذلك نظم توحيد اسمه الإله بأحدية مسمى هو من اسمه العظيم «الله» ، ورجع عليه باسم المضمر الذي هو في جبلات الأنفس وغرائز القلوب الذي تجده غيبا في بواطنها فتقول فيه : هو ، فكان هذا الخطاب مبدوءا بالاسم العظيم المظهر منتهيا إلى الاسم المضمر ، كما كان خطاب( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) [الإخلاص : ١] مبدوءا بالاسم المضمر منتهيا إلى الاسم العظيم المظهر ، وكذلك أيضا اسم الله الأعظم في سورة( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) [الإخلاص : ١] كما هو في هذه الفاتحة.

ولما كان لبادي الخلق افتقار إلى قوام لا يثبت طرفة عين دون قوامه كان القوام البادي آيته هي الحياة فما حيي ثبت وما مات فني وهلك ؛ انتهى ـ ولما كان المتفرد بالملك من أهل الدنيا يموت قال :( الْحَيُ ) أي الحياة الحقيقية التي لا موت معها. ولما كان الحي قد يحتاج في التدبير إلى وزير لعجزه عن الكفاية بنفسه في جميع الأعمال قال :( الْقَيُّومُ ) إعلاما بأن به قيام كل شيء وهو قائم على كل شيء. قال الحرالي : فكما أن الحياة بنفخة من روح أمره فكل متماسك على صورته حي بقيوميته ـ انتهى. وفي وصفه بذلك إعلام بأنه قادر على نصر جنده وإعزاز دينه وعون وليه ، وحث على مراقبته بجهاد أعدائه ودوام الخضوع لديه والضراعة إليه. ولما كان من معنى القيوم أنه المدبر للمصالح اتصل به الإعلام بتنزيل ما يتضمن ذلك ، وهو الكتاب المذكور في قوله :( بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ ) [البقرة : ٢٨٥] والكتب المذكورة في أول البقرة في قوله :( بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ) [البقرة : ٤] وفي آخرها بقوله( وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ) [البقرة : ٢٨٥] التي من جملتها التوراة والإنجيل اللذان فيهما الآصار المرفوعة عنا ، ثم شرح بعده أمر التصوير في الأحشاء ، وذلك لأن المصالح قسمان : روحانية وجسمانية ، وأشرف المصالح الروحانية العلم الذي هو للروح كالروح للبدن فإنها تصير به مرآة مجلوة ينجلي فيها صور الحقائق ، وأشرف المصالح الجسمانية تعديل المزاج وتسوية البنية في أحسن هيئة ، وقدم الروحانية المتكفل بها الكتاب لأنها أشرف.

ولما كانت مادة «كتب» دائرة على معنى الجمع عبر بالتنزيل الذي معناه التفريق لتشتمل هذه الجملة على وجازتها من أمره على إجمال وتفصيل فقال : ـ وقال الحرالي :

ولما كانت إحاطة الكتاب أي في البقرة ابتداء وأعقبها أي في أول هذه السورة إحاطة الإلهية جاء هذا الخطاب ردا عليه ، فتنزل من الإحاطة الإلهية إلى الإحاطة الكتابية بالتنزيل الذي هو تدريج من رتبة إلى رتبة دونها ؛ انتهى ـ فقال :( نَزَّلَ ) أي شيئا فشيئا

٧

في هذا العصر( عَلَيْكَ ) أي خاصة بما اقتضاه تقديم الجار من الحصر ، وكأن موجب ذلك ادعاء بعضهم أنه يوحي إليه وأنه يقدر على الإتيان بمثل هذا الوحي( الْكِتابَ ) أي القرآن الجامع للهدى منجما بحسب الوقائع ، لم يغفل عن واحدة منها ولا قدم جوابها ولا أخره عن محل الحاجة ، لأنه قيوم لا يشغله شأن عن شأن.

قال الحرالي : وهذا الكتاب هو الكتاب المحيط الجامع الأول الذي لا يتنزل إلا على الخاتم الآخر المعقب لما أقام به حكمته من أن صور الأواخر مقامة بحقائق الأوائل ، فأول الأنوار الذي هو نور محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم هو قثم خاتم الصور التي هي صورة محمد ـ انتهى. تنزيلا ملتبسا( بِالْحَقِ ) أي الأمر الثابت ، فهو ثابت في نفسه ، وكل ما ينشأ عنه من قول وفعل كذلك. قال الحرالي : وكما أن هذا الكتاب هو الكتاب الجامع الأول المحيط بكل كتاب كذلك هذا الحق المنزل به هذا الكتاب هو الحق الجامع المحيط الذي كل حق منه ، وهو الحق الذي أقام به حكمته فيما رفع ووضع ـ انتهى. حال كونه( مُصَدِّقاً ) ولما كان العامل مرفوعا لأنه أمر فاعل قواه باللام فقال :( لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ) أي من الكتب السماوية التي أتت بها الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم عن الحضرة الإلهية. قال الحرالي : لما كان هذا الكتاب أولا وجامعا ومحيطا كان كل كتاب بين يديه ولم يكن من ورائه كتاب ـ انتهى.

ولما كان نزاع وفد نجران في الإله أو النبي أو فيهما كان هذا الكلام كفيلا على وجازته بالرد عليهم في ذلك ببيان الحق في الإله بالقيومية ، وفي المعنى بالكتاب المعجز ، ولما كانوا مقرين بالكتب القديمة أشار إلى أن ليس لهم إنكار هذا الكتاب وهو أعلى منها في كل أمر أوجب تصديقها وإلى أن من أنكره بعد ذلك كان من الأمر الظاهر أنه معاند لا شك في عناده فقال :( وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ ) وهو «فوعلة» لو صرفت من الورى وهو قدح النار من الزند ، استثقل اجتماع الواوين فقلب أولهما تاء كما في اتحاد واتّلاج واتّزار واتّزان ونحوه قال الحرالي : فهي توراة بما هي نور أعقبت ظلام ما وردت عليه من كفر دعي إليها من الفراعنة ، فكان فيها هدى ونور( وَالْإِنْجِيلَ ) من النجل ، وضع على زيادة «إفعيل» لمزيد معنى ما وضعت له هذه الصيغة ، وزيادتاها مبالغة في المعنى ، وأصل النجل استخراج خلاصة الشيء ، ومنه يقال للولد : نجل أبيه. كان الإنجيل استخلص خلاصة نور التوراة فأظهر باطن ما شرع في التوراة ظاهرة ، فإن التوراة كتاب إحاطة لأمر الظاهر الذي يحيط بالأعمال وإصلاح أمر الدنيا وحصول الفوز من عاقبة يوم الأخرى فهو جامع إحاطة الظواهر ، وكل آية ظاهرة فمن كتاب التوراة والإنجيل كتاب إحاطة لأمر البواطن يحيط بالأمور النفسانية التي بها يقع لمح موجود الآخرة مع

٨

الإعراض عن إصلاح الدنيا بل مع هدمها ، فكان الإنجيل مقيما لأمر الآخرة هادما لأمر الدنيا مع حصول أدنى بلغة ، وكانت التوراة مقيمة لإصلاح الدنيا مع تحصيل الفوز في الآخرة ، فجمع هذان الكتابان إحاطتي الظاهر والباطن ، فكان منزل التوراة من مقتضى اسمه الظاهر ، وكان منزل الإنجيل من مقتضى اسمه الباطن ، كما كان منزل الكتاب الجامع من مقتضى ما في أول هذه السورة من أسمائه العظيمة مع لحظ التوحيد ليعتبر الكتاب والسورة بما نبه بتنزيله من اسمه الله وسائر أسمائه على وجوه إحاطاتها ـ انتهى وفيه تصرف ؛ فأحاط هذا الكتاب إحاطة ظاهرة بأمري الظاهر والباطن بما أذن منه تصديقه للكتابين ، وخصهما سبحانه وتعالى بالتنويه بذكرهما إعلاما بعلي قدرهما.

ولما لم يكن إنزالهما متسغرقا للماضي لأنه لم يكن في أول الزمان أدخل الجار معريا من التقييد بمن نزلا عليه لشهرته وعدم النزاع بخلاف القرآن( مِنْ قَبْلُ ) أي من قبل هذا الوقت إنزالا انقضى أمره ومضى زمانه حال كون الكل( هُدىً ) أي بيانا ، ولذا عم فقال :( لِلنَّاسِ ) وأما في أول البقرة فبمعنى خلق الهداية في القلب ، فلذا خص المتقين ؛ والحاصل أن هذه الآية كالتعليل لآخر البقرة فكأنه قيل : كل آمن بالله لأنه متفرد بالألوهية ، لأنه متفرد بالحياة ، لأنه متفرد بالقيومية ؛ وآمن برسله الذين جاؤوا بكتبه المنزلة بالحق من عنده بواسطة ملائكته.

ولما كانت مادة «فرق» للفصل عبر بالإنزال الذي لا يدل على التدريج لما تقدم من إرادة الترجمة بالإجمال والتفصيل على غاية الإيجاز لاقتضاء الإعجاز ، وجمع الكتابين في إنزال واحد واستجد لكتابنا إنزالا تنبيها على علو رتبته عنهما بمقدار علو رتبة المتقين الذين هو هدى لهم ، وبتقواهم يكون لهم فرقان على رتبة الناس الذين هما هدى لهم فقال تعالى :( وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ ) أي الكتاب المصاحب للعز الذي يكسب صاحبه قوة التصرف فيما يريد من الفصل والوصل الذي هو وظيفة السادة المرجوع إليهم عند الملمات ، المقترن بالمعجزات الفارقة بين الحق والباطل ، وسترى هذا المعنى إن شاء الله سبحانه وتعالى في سورة الأنفال بأوضح من هذا ؛ فعل ذلك لينفذ قائله أمر الكتاب المقرر فيه الشرع الحق المباين لجميع الملل الباطلة والأهواء المضلة والنحل الفاسدة ، وذلك هو روح النصر على أعداء الله المرشد إلى الدعاء به ختام البقرة. قال الحرالي : فكان الفرقان جامعا لمنزل ظاهر التوراة ومنزل باطن الإنجيل جمعا يبدي ما وراء منزلهما بحكم استناده للتقوى التي هي تهيؤ لتنزل الكتاب( إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً ) [الأنفال : ٢٩] ، فكان الفرقان أقرب الكتب للكتاب الجامع ، فصار التنزيل في ثلاث رتب : رتبة الكتاب المنزل بالحق الجامع ، ثم رتبة الفرقان المظهر لمحل الجمع

٩

بين الظاهر والباطن ، ثم منزل التوراة والإنجيل المختفي فيه موضع التقاء ظاهر التوراة بباطن الإنجيل انتهى.

ومناسبة ابتدائها بالتوحيد لما في أثنائها أنه لما كان خلق عيسى عليه الصلاة والسّلام من أنثى فقط وهي أدنى أسباب النماء كان وجوده إشارة إلى أن الزيادة قد انتهت ، وأن الخلق أخذ في النقصان ، وهذا العالم أشرف على الزوال ، فلم يأت بعده من قومه نبي بل كان خاتم أنبياء بني إسرائيل ، وكان هذا النبي الذي أتى بعده من غير قومه خاتم الأنبياء مطلقا ، وكان مبعوثا مع نفس الساعة ، وكان نزوله هو في آخر الزمان علما على الساعة ، وصدرت هذه السورة التي نزل كثير منها بسببه بالوحدانية إشارة إلى أن الوارث قد دنا زمان إرثه ، وأن يكون ـ ولا شيء معه ـ كما كان ، وأن الحين الذي يتمحض فيه تفرد الواحد قد حان ، والآن الذي يقول فيه سبحانه له الملك اليوم قد آن ؛ ويوضح ذلك أنه لما كان آدم عليه الصلاة والسّلام مخلوقا من التراب الذي هو أمتن أسباب النماء ، وهو غالب على كل ما جاوره ، وكانت الأنثى مخلوقة من آدم الذي هو الذكر وهو أقوى سببي التناسل كان ذلك إشارة إلى كثرة الخلائق ونمائهم وازديادهم ، فصدر أول سورة ذكر فيها خلقه وابتداء أمره بالكتاب إشارة إلى أن ما يشير إليه ذكره من تكثر الخلائق وانتشار الأمم والطوائف داع إلى إنزال الشرائع وإرسال الرسل بالأحكام والدلائل ، فالمعنى أن آدم عليه الصلاة والسّلام لما كان منه الابتداء وعيسى عليه الصلاة والسّلام لما كان دليلا على الانتهاء اقتضت الحكمة أن يكون كل منهما مما كان منه ، وأن تصدر سورة كل بما صدرت به ـ والله سبحانه وتعالى الموفق. وقال ابن الزبير ما حاصله : إن اتصالها بسورة البقرة ـ والله سبحانه وتعالى أعلم ـ من جهات : إحداها ما تبين في صدر السورة مما هو إحالة على ما ضمن في سورة البقرة بأسرها ، ثانيها الإشارة في صدر السورة أيضا إلى أن الصراط المستقيم قد تبين شأنه لمن تقدم في كتبهم ، فإن هذا الكتاب جاء مصدقا لما نزل نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه ، فهو بيان لحال الكتاب الذي هو هدى للمتقين ، ولما بين افتراق الأمم بحسب السابقة إلى أصناف ثلاثة ، وذكر من تعنت بني إسرائيل وتوقفهم ما تقدم أخبر سبحانه وتعالى هنا أنه أنزل عليهم التوراة ، وأنزل بعدها الإنجيل ، وأن كل ذلك هدى لمن وفق ، إعلاما منه سبحانه وتعالى لأمة محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم أن من تقدمهم قد بين لهم( وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) [الإسراء : ١٥] ؛ والثالثة قصة عيسى عليه الصلاة والسّلام وابتداء أمره من غير أب والاعتبار به نظير الاعتبار بآدم عليه الصلاة والسّلام ولهذا أشار قوله سبحانه وتعالى :( إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ ) [آل عمران ٥٩] ـ انتهى.

١٠

ولما علم بذلك أمر القيوم سبحانه وتعالى بالحق وهو الإيمان علم أن لمخالفي أمره من أضداد المؤمنين الموصوفين ـ وهم الكفرة المدعو بخذلانهم المنزل الفرقان لمحو أديانهم ـ الويل والثبور ، فاتصل بذلك بقوله :( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي غطوا ما دلتهم عليه الفطرة الأولى التي فطرهم الله سبحانه وتعالى عليها ، ثم ما بينت لهم الرسل عليهم الصلاة والسّلام عنه سبحانه وتعالى من البيان الذي لا لبس معه( بِآياتِ اللهِ ) المستجمع لصفات الكمال إقبالا منهم على ما ليس له أصلا صفة كمال ، وهذا الكفر ـ كما قال الحرالي ـ دون الكفر بأسماء الله الذي هو دون الكفر بالله ، قال : فكما بدأ خطاب التنزيل من أعلاه نظم به ابتداء الكفر من أدناه ـ انتهى.( لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ ) كما تقتضيه صفتا العزة والنقمة ، وفي وصفه بالشدة إيذان بأن من كفر دون هذا الكفر كان له مطلق عذاب. قال الحرالي : ففي إشعاره أن لمن داخله كفر ما حط بحسب خفاء ذلك الكفر ، فأفصح الخطاب بالأشد وألاح بالأضعف ـ انتهى. والآية على تقدير سؤال ممن كأنه قال : ما ذا يفعل بمن أعرض عن الكتب الموصوفة؟ أو يقال : إنه لما قال :( وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ ) [آل عمران : ٤] أي الفارق بين الحق والباطل من الآيات والأحكام عليك وعلى غيرك من الأنبياء لم يبق لأحد شبهة فقال : وأحسن من ذلك كله أنه سبحانه وتعالى لما أنزل سورة البقرة على طولها في بيان أن الكتاب هدى للمتقين ، وبين أن أول هذه وحدانيته وحياته وقيوميته الدالة على تمام العلم وشمول القدرة ، فأنتج ذلك صدق ما أخبر به سبحانه وتعالى ، أيد ذلك بالإعلام بأن ذلك الكتاب مع أنه هاد إليه حق ، ودل على ذلك لمصادقته لما قبله من الكتب.

ولما ختم أوصافه بأنه فرقان لا يدع لبسا ولا شبهة أنتج ذلك قطعا أن الذين قدم أول تلك أنهم أصروا على الكفر به خاسرون ، فأخبر سبحانه وتعالى بما أعد لهم من العذاب فقال :( إِنَّ الَّذِينَ ) مؤكدا مظهرا لما كان من حقه الإضمار ، لو لا إرادة تعليق الحكم بالوصف وهو الكفر أي الستر لما تفضل عليهم به من الآيات ؛ ثم قرر قدرته على ما هدد به وعبر به فقال ـ عاطفا على ما أرشد السياق مع العطف على غير مذكور إلى أنه : فالله سبحانه وتعالى عالم بما له من القيومية بجميع أحوالهم ـ :( وَاللهُ ) أي الملك العظيم مع كونه رقيبا( عَزِيزٌ ) لا يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء( ذُو انْتِقامٍ ) أي تسلط وبطش شديد بسطوة. قال الحرالي : فأظهر وصف العزة موصولا بما أدام من انتقامه بما يعرب عنه كلمة ذو المفصحة بمعنى صحبة ودوام ، فكأن في إشعاره دواما لهذا الانتقام بدوام أمر الكتاب الجامع المقابل علوه لدنو هذا الكفر ، وكان في طي إشعار الانتقام أحد قسمي إقامة القيومية في طرفي النقمة والرحمة ، فتقابل هذان

١١

الخطابان إفصاحا وإفهاما من حيث ذكر تفصيل الكتب إفصاحا فافهم متنزل الفتنة في الابتداء إلاحة ، فإنه كما أنزل الكتب هدى أنزل متشابهها فتنة ، فتعادل الإفصاحان والإلاحتان ، وتم بذلك أمر الدين في هذه السورة ـ انتهى. وما أحسن إطلاق العذاب بعد ذكر الفرقان ليشمل الكون في الدنيا نصرة للمؤمنين استجابة لدعائهم ، وفي الآخرة تصديقا لقولهم وزيادة في سرورهم ونعيمهم ، وتهديدا لمن ترك كثير من هذه السورة بسببهم وهم وفد نصارى نجران. يجادلون النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في أمر عيسى عليه الصلاة والسّلام ، فتارة يقولون : هو الله ، وتارة يقولون : هو ابن الله ، وتارة يقولون : هو ثالث ثلاثة ، وكان بعضهم عالما بالحق في أمر عيسى عليه الصلاة والسّلام وبأن أحمد الذي بشر به هو هذا النبي العربي فقال له بعض أقاربه : فلم لا تتبعه وأنت تعلم أن عيسى أمر باتباعه؟ فقال له : لو اتبعناه لسلبنا ملك الروم جميع ما ترى من النعمة ، وكان ملوك الروم قد أحبوهم لاجتهادهم في دينهم وعظموهم وسودوهم وخولوهم في النعم حتى عظمت رئاستهم وكثرت أموالهم ـ على ما بين في السيرة الهشامية وغيرها ، واستمر سبحانه وتعالى يؤكد استجابته لدعاء أوليائه بالنصرة آخر البقرة في نحو قوله :( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ ) [آل عمران : ١٠]( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ ) [آل عمران : ١٢] إلى أن ختم السورة بشرط الاستجابة فقال :( اصْبِرُوا وَصابِرُوا ) [آل عمران : ٢٠٠] ، ثم قال توضيحا لما قدم في آية الكرسي من إثبات العلم ، واستدلالا على وصفه سبحانه وتعالى بالقيومية التي فارق بها كل من يدعي فيه الإلهية مشيرا بذلك إلى الرد على من جادل في عيسى عليه الصلاة والسّلام فأطراه بدعواه أنه إله ، وموضحا لأن كتبه هدى وأنه عالم بالمطيع والعاصي بما تقدم أنه أرشد العطف في( وَاللهُ عَزِيزٌ ) إلى تقديره ، ومعللا لوصفه بالعزة والقدرة لما يأتي في سورة طه من أن تمام العلم يستلزم شمول القدرة :( إِنَّ اللهَ ) بما له من صفات الكمال التي منها القيومية( لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ ) وإن دق ، ولما كان تقريب المعلومات بالمحسوسات أقيد في التعليم والبعد عن الخفاء قال ـ وإن كان علمه سبحانه وتعالى لا يتقيد بشيء :( فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ ) أي ولا هم يقدرون على أن يدعوا في عيسى عليه الصلاة والسلام مثل هذا العلم ، بل في إنجيلهم الذي بين أظهرهم الآن في حدود السبعين والثمانمائة التصريح بأنه يخفى عليه بعض الأمور ، قال في ترجمة إنجيل مرقس في قصة التي كانت بها نزف الدم : إنها أتت من ورائه فأمسكت ثوبه فبرأت فعلم القوة التي خرجت منه ، فالتفت إلى الجمع وقال : من مس ثوبي؟ فقال له تلاميذه : ما ندري ، الجمع يزحمك ، ويقول : من اقترب؟ فجاءت وقالت له الحق ، فقال : يا ابنة! إيمانك خلصك ؛ وهو في إنجيل لوقا

١٢

بمعناه ولفظه : فجاءت من ورائه وأمسكت طرف ثوبه ، فوقف جري دمها الذي كان يسيل منها ، فقال يسوع من لمسني؟ فأنكر جميعهم ، فقال بطرس والذي معه : يا معلم الخير! الجميع يزحمك ويضيق عليك ويقول : من الذي لمسني من قرب مني؟ قد علمت أن قوة خرجت مني ـ إلى آخره. وقال ابن الزبير : ثم أشار قوله تعالى :( إِنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ ) إلى ما تقدم ـ أي في البقرة من تفصيل أخبارهم. فكان الكلام في قوة أن لو قيل : أيخفى عليه مرتكبات العباد! وهو مصورهم في الأرحام والمطلع عليهم حيث لا يطلع عليهم غيره ـ انتهى.

( هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٧) )

ولما قرر سبحانه وتعالى شمول علمه أتبعه دليله من تمام قدرته فقال : ـ وقال الحرالي : ولما كان كل تفصيل يتقدمه بالرتبة مجمل جامع ، وكانت تراجم السورة موضع الإجمال ليكون تفصيلها موضع التفاصيل ، وكان من المذكور في سورة الكتاب ما وقع من اللبس كذلك كان في هذه السورة التي ترجمها جوامع إلهية ما وقع من اللبس في أمر الإلهية في أمر عيسى عليه الصلاة والسّلام ، فكان في هذه الآية الجامعة توطئة لبيان الأمر في شأنهعليه‌السلام من حيث إنه مما صور في الرحم وحملته الأنثى ووضعته ، وأن جميع ما حوته السماء والأرض لا ينبغي أن يقع فيه لبس في أمر الإلهية ؛ انتهى ـ فقال مبينا أمر قدرته بما لا يقدر عليه عيسى عليه الصلاة والسّلام ولا غيره :( هُوَ ) أي وحده( الَّذِي ) وقرعهم بصرف القول من الغيبة إلى الخطاب ليعظم تنبههم على ما هم فيه من قهر المصور لهم على ما أوجدهم عليه مما يشتهونه ولا يفقهونه فقال :( يُصَوِّرُكُمْ ) أي بعد أن كنتم نطفا من التصوير وهو إقامة الصورة. وهي تمام البادي التي يقع عليها حس الناظر لظهورها ، فصورة كل شيء تمام بدوه ـ قاله الحرالي :( فِي الْأَرْحامِ ) أي التي لا اطلاع لكم عليها بوجه ، ولما كان التصوير في نفسه أمرا معجبا وشينا للعقل إذا تأمله وإن كان قد هان لكثرة الإلف باهرا فكيف بأحواله المتباينة وأشكاله المتخالفة المتباينة أشار إلى التعجب من أمره وجليل سره بآلة الاستفهام وإن قالوا : إنها في هذا الوطن شرط ، فقال :( كَيْفَ ) أي كما( يَشاءُ ) أي على أي حالة أراد ، سواء عنده كونكم من نطفتي ذكر وأنثى أو نطفة أنثى وحدها دليلا على كمال العلم والقيومية ، وإيماء إلى أن من صور في الأرحام كغيره من العبيد لا يكون إلا عبدا ،

١٣

إذ الإله متعال عن ذلك لما فيه من أنواع الاحتياج والنقص. وقال الحرالي : فكان في إلاحة هذه الآية توزيع أمر الإظهار على ثلاثة وجوه تناظر وجوه التقدير الثلاثة التي في فاتحة سورة البقرة ، فينتج هدى وإضلالا وإلباسا أكمل الله به وحيه ، كما أقام بتقدير الإيمان والكفر والنفاق خلقه فطابق الأمر الخلق فأقام الله سبحانه وتعالى بذلك قائم خلقه وأمره ، فكان في انتظام هذه الإفهامات أن بادي الأحوال الظاهرة عند انتهاء الخلق إنما ظهرت لأنها مودعة في أصل التصوير فصورة نورانية يهتدي بها وصورة ظلمانية يكفر لأجلها ، وصورة ملتبسة عيشية علمية يفتتن ويقع الإلباس والالتباس من جهتها ، مما لا يفي ببيانها إلا الفرقان المنزل على هذه الأمة ، ولا تتم إحاطة جميعها إلا في القرآن المخصوصة به أئمة هذه الأمة ـ انتهى. فقد علم أن التصوير في الرحم أدق شيء علما وقدرة ، فعلم فاعله بغيره والقدرة عليه من باب الأولى فثبت أنه لا كفوء له ؛ فلذلك وصل به كلمة الإخلاص ـ وقال الحرالي : ولما تضمنت إلاحة هذه الآية ما تضمنته من الإلباس والتكفير أظهر سبحانه وتعالى كلمة الإخلاص ليظهر نورها أرجاس تلك الإلباسات وتلك التكفيرات فقال :( لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) إيذانا بما هي له الإلباس والتكفير من وقوع الإشراك بالإلهية والكفر فيها والتلبس والالتباس في أمرها ؛ فكان في طي هذا التهليل بشرى بنصرة أهل الفرقان وأهل القرآن على أهل الالتباس والكفران وخصوصا على أهل الإنجيل والتوراة الذين ذكرت كتبهم صريحا في هذا التنزيل بل يؤيد إلاحته في التهليل إظهار الختم في هذه الآية بصفتي العزة المقتضية للانتقام من أهل عداوته والحكمة المقتضية لإكرام أهل ولايته ؛ انتهى ـ فقال :( الْعَزِيزُ ) أي الغالب غلبة لا يجد معها المغلوب وجه مدافعة ولا انفلات ، ولا معجز له في إنفاذ شيء من أحكامه( الْحَكِيمُ ) أي الحاكم بالحكمة ، فالحكم المنع عما يترامى إليه المحكوم عليه وحمله على ما يمتنع منه من جميع أنواع الصبر ظاهرا بالسياسة العالية نظرا له ، والحكمة العلم بالأمر الذي لأجله وجب الحكم من قوام أمر العاجلة وحسن العقبى في الآجلة ؛ ففي ظاهر ذلك الجهد ، وفي باطنه الرفق ، وفي عاجله الكره ، وفي آجله الرضى والروح ؛ ولا يتم الحكم وتستوي الحكمة إلا بحسب سعة العلم ، فبذلك يكون تنزيل أمر العزة على وزن الحكمة ـ قاله الحرالي بالمعنى.

ولما ختم سبحانه وتعالى بوصف العزة الدالة على الغلبة الدالة على كمال القدرة والحكمة المقتضي لوضع كل شيء في أحسن محاله وأكملها المستلزم لكمال العلم ، تقديرا لما مر من التصوير وغيره ، وكان هذا الكتاب أكمل مسموعات العباد لنزوله على وجه هو أعلى الوجوه ، ونظمه على أسلوب أعجز الفصحاء وأبكم البلغاء ـ إلى غير ذلك

١٤

من الأمور الباهرة والأسرار الظاهرة ، وعلى عبد هو أكمل الخلق ؛ أعقب الوصفين بقوله بيانا لتمام علمه وشمول قدرته :( هُوَ ) أي وحده( الَّذِي ) ولما فصل أمر المنزل إلى المحكم والتشابه نظر إليه جملة كما اقتضاه التعبير بالكتاب فعبر بالإنزال دون التنزيل فقال :( أَنْزَلَ عَلَيْكَ ) أي خاصة( الْكِتابَ ) أي القرآن ، وقصر الخطاب على النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لأن هذا موضع الراسخين وهو رأسهم دلالة على أنه لا يفهم هذا حق فهمه من الخلق غيره. قال الحرالي : ولما كانت هذه السورة فيما اختصت به من علن أمر الله سبحانه وتعالى مناظرة بسورة البقرة فيما أنزلت من إظهار كتاب الله سبحانه وتعالى كان المنتظم بمنزل فاتحتها ما يناظر المنتظم بفاتحة سورة البقرة ، فلما كانت سورة البقرة منزل كتاب هو الوحي انتظم بترجمتها الإعلام بأمر كتاب الخلق الذي هو القدر ، فكما بين في أول سورة البقرة كتاب تقدير الذي قدره وكتبه في ذوات من مؤمن وكافر ومردد بينهما هو المنافق فتنزلت سورة الكتاب للوحي إلى بيان قدر الكتاب الخلقي لذلك كان متنزل هذا الافتتاح الإلهي إلى أصل منزل الكتاب الوحي ؛ ولما بين في أمر الخلق أن منهم من فطره على الإيمان ومنهم من جبله على الكفر ومنهم من أناسه بين الخلقين ، بين في الكتاب أن منه ما أنزله على الإحكام ومنه ما أنزله على الاشتباه ؛ وفي إفهامه ما أنزله على الافتتان والإضلال بمنزلة ختم الكفار ؛ انتهى ـ فقال :( مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ ) أي لا خفاء بها. قال الحرالي : وهي التي أبرم حكمها فلم ينبتر كما يبرم الحبل الذي يتخذ حكمة أي زماما يزم به الشيء الذي يخاف خروجه على الانضباط ، كأن الآية المحكمة تحكم النفس عن جولانها وتمنعها من جماحها وتضبطها إلى محال مصالحها ، ثم قال : فهي آي التعبد من الخلق للخلق اللائي لم يتغير حكمهن في كتاب من هذه الكتب الثلاث المذكورة ، فهن لذلك أم ـ انتهى.

ولما كان الإحكام في غاية البيان فكان في تكامله ورد بعض معانيه إلى بعض كالشيء الواحد ، وكان رد المتشابه إليه في غاية السهولة لمن رسخ إيمانه وصح قصده واتسع علمه ليصير الكل شيئا واحدا أخبر عن الجمع بالمفرد فقال :( هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ ) والأم الأمر الجامع الذي يؤم أي يقصد ، وقال الحرالي : هي الأصل المقتبس منه الشيء في الروحانيات والنابت منه أو فيه في الجسمانيات( وَأُخَرُ ) أي منه( مُتَشابِهاتٌ ) قال الحرالي : والتشابه تراد التشبه في ظاهر أمرين لشبه كل واحد منهما بالآخر بحيث يخفى خصوص كل واحد منهما ؛ ثم قال : وهن الآي التي أخبر الحق سبحانه وتعالى فيهن عن نفسه وتنزلات تجلياته ووجوه إعانته لخلقه وتوفيقه وإجرائه ما أجرى من اقتداره وقدرته في بادىء ما أجراه عليهم ، فهن لذلك متشابهات من حيث إن نبأ الحق عن نفسه لا تناله

١٥

عقول الخلق ، ولا تدركه أبصارهم ، وتعرف لهم فيما تعرف بمثل من أنفسهم ، فكأن المحكم للعمل والمتشابه لظهور العجز ، فكان لذلك حرف المحكم أثبت الحروف عملا ، وحرف المتشابه أثبت الحروف إيمانا ، واجتمعت على إقامته الكتب الثلاث ، واختلفت في الأربع اختلافا كثيرا فاختلف حلالها وحرامها وأمرها ونهيها ، واتفق على محكمها ومتشابهها ـ انتهى. فبين سبحانه وتعالى بهذا أنه كما يفعل الأفعال المتشابهة ـ مثل تصوير عيسى عليه الصلاة والسّلام من غير نطفة ذكر ، مع إظهار الخوارق على يديه لتبين الراسخ في الدين من غيره ـ كذلك يقول الأقوال المتشابهة ، وأنه فعل في هذا الكتاب ما فعل في غيره من كتبه من تقسيم آياته إلى محكم ومتشابه ابتلاء لعباده ليبين فضل العلماء الراسخين الموقنين بأنه من عنده ، وأن كل ما كان من عند الله سبحانه وتعالى فلا اختلاف فيه في نفس الأمر ، لأن سبب الاختلاف الجهل أو العجز ، وهو سبحانه وتعالى متعال جده منزه قدره عن شيء من ذلك ، فبين فضلهم بأنهم يؤمنون به ، ولا يزالون يستنصرون منه سبحانه وتعالى فتح المنغلق وبيان المشكل حتى يفتحه عليهم بما يرده إلى المحكم ، وهذا على وجه يشير إلى المهمه الذي تاه فيه النصارى ، والتيه الذي ضلوا فيه عن المنهج ، واللج الذي أغرق جماعاتهم ، وهو المتشابه الذي منه أنهم زعموا أن عيسى عليه الصلاة والسّلام كان يقول له القائل : يا رب! افعل لي كذا ـ ويسجد له ، فيقره على ذلك ويجيب سؤاله ، فدل ذلك على أنه إله ، ومنه إطلاقه على الله سبحانه وتعالى أبا وعلى نفسه أنه ابنه ، فابتغوا الفتنة فيه واعتقدوا الأبوة والبنوة على حقيقتهما ولم يردوا ذلك إلى المحكم الذي قاله لهم فأكثر منه ، كما أخبر عنه أصدق القائلين سبحانه وتعالى في الكتاب المتواتر الذي حفظه من التحريف والتبديل :( لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ) [فصلت : ٤٢] ، وهو( إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا ) [مريم : ٣٠ ، ٣١]( ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ) [المائدة : ١١٧]( إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ) [مريم : ٥١] ، هذا مما ورد في كتابنا الذي لم يغيروا ما عندهم فإن كانوا قد بدلوه فقد بقي ـ ولله الحمد ـ منه في الأناجيل الأربعة التي بين أظهرهم الآن في أواخر هذا القرن التاسع من المحكم ما يكفي في رد المتشابه إليه ، ففي إنجيل لوقا أن جبريل عليه الصلاة والسّلام ملاك الرب لما تبدى لمريم مبشرا بالمسيحعليه‌السلام وخافت منه قال لها : لا تخافي يا مريم ظفرت بنعمة من عند الله سبحانه وتعالى ، وأنت تقبلين حبلا وتلدين ابنا يدعى يسوع ، يكون عظيما ، وابن العذراء يدعى ؛ ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه ؛ وفي إنجيله أيضا وإنجيل متى أن عيسى عليه

١٦

الصلاة والسّلام قال ـ وقد أمره إبليس أن يجرب قدره عند الله بأن يطرح نفسه من شاهق : مكتوب : لا تجرب الرب إلهك ، وقال ـ وقد أمره أن يسجد له : مكتوب : للرب إلهك اسجد ، وإياه وحده اعبد ، وصرح أن الله سبحانه وتعالى واحد في غير موضع ؛ وفي إنجيل لوقا أنه دفع إلى المسيح سفر أشعيا النبي فلما فتحه وجد الموضع الذي فيه مكتوب : روح الرب عليّ ، من أجل هذا مسحني وأرسلني لأبشر المساكين وأبشر بالسنة المقبولة للرب ، والأيام التي أعطانا إلهنا ، ثم طوى السفر ودفعه إلى الخادم ؛ وفيه وفي غيره من أناجيلهم : من قبل هذا فقد قبلني ، ومن قبلني فقد قبل الذي أرسلني ، ومن سمع منكم فقد سمع مني ، ومن جحدكم فقد جحدني ، ومن جحدني فقد شتم الذي أرسلني ومن أنكرني قدام الناس أنكرته قدام الناس ، أنكرته قدام ملائكة الله ، وفي إنجيل يوحنا أنه قال عن نفسه عليه الصلاة والسّلام : الذي أرسله الله إنما ينطق بكلام الله لأنه ليس بالكيس ، أعطاه الله الروح ، وقال : وقد سأله تلاميذه أن يأكل فقال لهم : طعامي أن أعمل مسرة من أرسلني وأتم عمله ؛ وفيه في موضع آخر : الحق الحق أقول لكم! إن من يسمع كلامي وآمن بمن أرسلني وجبت له الحياة المؤبدة ، لست أقدر أعمل شيئا من ذات نفسي ، وإنما أحكم بما أسمع ، وديني عدل لأني لست أطلب مسرتي بل مسرة من أرسلني ؛ وفي إنجيل مرقس أنه قال لناس : تعلمتم وصايا الناس وتركتم وصايا الله ، وزجر بعض من اتبعه فقال : اذهب يا شيطان! فإنك لم تفكر في ذات الله ، وتفكر في ذات الناس ؛ فقد جعل الله إلهه وربه ومعبوده ، واعترف له بالوحدانية وجعل ذاته مباينا لذات الناس الذي هو منهم ؛ وفي جميع أناجيلهم نحو هذا ، وأنه كان يصوم ويصلي لله ويأمر تلاميذه بذلك ، ففي إنجيل لوقا أنهم قالوا له : يا رب! علمنا نصلي كما علم يوحنا تلاميذه ، فقال لهم : إذا صليتم فقولوا : أبانا الذي في السماوات يتقدس اسمك! كفافنا أعطنا في كل يوم ، واغفر لنا خطايانا لأنا نغفر لمن لنا عليه ، ولا تدخلنا في التجارب ، لكن نجنا من الشرير ؛ ولما دخل الهيكل بدأ يخرج الذين يبيعون ويشترون فيه ، فقال لهم : مكتوب أن بيتي هو بيت الصلاة وأنتم جعلتموه مفازة اللصوص! فعلم من هذا كله أن إطلاق اسم الرب عليه لأن الله سبحانه وتعالى أذن له أن يفعل بعض أفعاله التي ليست في قدرة البشر ، والرب يطلق على السيد أيضا ، كما قال يوسف عليه الصلاة والسّلام :( اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ) [يوسف : ٤٢]. ثم وجدت في أوائل إنجيل يوحنا أن الرب تأويله العلم ، ولو ردوا أيضا الأب والابن إلى هذا المحكم وأمثاله ـ وهي كثيرة في جميع أناجيلهم ـ لعلموا بلا شبهة أن معناه أن الله سبحانه وتعالى يفعل معه ما يفعل الوالد مع ولده من التربية والحياطة والنصرة والتعظيم والإجلال ، كما لزمهم حتما أن يأولوا قوله

١٧

فيما قدمته : أبانا الذي في السماوات ، وقوله في إنجيل متى لتلاميذه : هكذا فليضىء نوركم قدام الناس ليروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السماوات ، وقال : وأحسنوا إلى من أبغضكم ، وصلوا على من يطردكم ويخزيكم لكيما تكونوا بني أبيكم الذي في السماوات ، لأنه المشرق شمسه على الأخيار والأشرار ، والممطر على الصديقين والظالمين ، انظروا! لا تصنعوا أمرا حكم قدام الناس لكي يروكم ، فليس لكم أجر عند أبيكم الذي في السماوات ، وإذا صنعت رحمة فلا تضرب قدامك بالبوق ، ولا تصنع كما يصنع المراؤون في المجامع وفي الأسواق لكي يمجدوا من الناس ، الحق أقول لكم! لقد أخذوا أجرهم ؛ وأنت إذا صنعت رحمة لا تعلم شمالك ما صنعته يمينك ، لتكون صدقة في خفية ، وأبوك الذي يرى الخفية يعطيك على نية ؛ وقال في الفصل العاشر منه : وصل لأبيك سرا ، وأبوك يرى السر فيعطيك علانية.

وهكذا في جميع آيات الأحكام من الإنجيل كرر لهم هذه اللفظة تكريرا كثيرا ، فكما تأول لها النصارى بأن المراد منها تعظيمهم له أشد من تعظيمهم لآبائهم ليعتني بهم أكثر من اعتناء الوالد بالولد فكذلك يأولون ما في إنجيل لوقا وغيره أن أم عيسى وإخوته أتوا إليه فلم يقدروا لكثرة الجمع على الوصول إليه فقالوا له : أمك وإخوتك خارجا يريدون أن ينظروا إليك ، فأجاب : أمي وإخوتي الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها ؛ فكذلك يلزمهم تأويلها في حق عيسى عليه الصلاة والسّلام لذلك ليرد المتشابه إلى المحكم. وإن لم يأولوا ذلك في حق أنفسهم وحملوه على الظاهر ـ كما هو ظاهر قوله سبحانه وتعالى :( وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ) [المائدة : ١٨] كانوا مكابرين في المحسوس بلا شبهة ، فإن كل أحد منهم مساو لجميع الناس وللبهائم في أن له أبوين ، وكانت دعواهم هذه ساقطة لا يردها عليهم إلا من تبرع بإلزامهم بمحسوس آخرهم به يعترفون ، وقد أقام هو نفسه عليه الصلاة والسّلام أدلة على صرفها عن ظاهرها ، منها غير ما تقدم أنه كثيرا ما كان يخبر عن نفسه فيقول : ابن الإنسان يفعل كذا ، ابن البشر قال كذا يعني نفسه الكريمة ، فحيث نسب نفسه إلى البشر كان مريدا للحقيقة ، لأنه ابن امرأة منهم ، وهو مثلهم في الجسد ، والمعاني حيث نسبها إلى الله سبحانه وتعالى كان على المجاز ـ كما تقدم. وأما السجود فقد ورد في التوراة كثيرا لأحاد الناس من غير نكير ، فكأنه كان جائزا في شرائعهم فعله لغير الله سبحانه وتعالى على وجه التعظيم ـ والله سبحانه وتعالى أعلم ، وأما نحن فلا يجوز فعله لغير الله ، ولا يجوز في شريعتنا أصلا إطلاق الأب ولا الابن بالنسبة إليه سبحانه وتعالى ، وكذا كل لفظ أوهم نقصا سواء صح أن ذلك كان جائزا في شرعهم أم لا ، وإذا راجعت تفسير

١٨

البيضاوي لقوله سبحانه وتعالى في البقرة( إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) [البقرة : ١١٧] زادك بصيرة فيما هنا ؛ والحاصل أنهم لم يصرفوا ذلك في حق عيسى عليه الصلاة والسّلام عن ظاهره وحقيقته وتحكموا بأن المراد منه المجاز وهو هنا إطلاق اسم الملزوم على اللازم ، وكذا غيره من متشابه الإنجيل ، كما فعلنا نحن بمعونة الله سبحانه وتعالى في وصف الله سبحانه وتعالى بالرضى والغضب والرحمة والضحك وغير ذلك مما يستلزم حمله على الظاهر وصفات المحدثين ، وكذا ذكر اليد والكف والعين ونحو ذلك فحملنا ذلك كله على أن المراد منه لوازمه وغاياته مما يليق بجلاله سبحانه وتعالى مع تنزيهنا له سبحانه وتعالى عن كل نقص وإثباتنا له كل كمال ، فإن الله سبحانه وتعالى عزه وجده وجل قدره ومجده أنزل حرف المتشابه ابتلاء لعباده ليتبين الثابت من الطائش والموقن من الشاك. قال الحرالي في كتابه عروة المفتاح : وجه إنزال هذا الحرف تعرف الحق للخلق بمعتبر ما خلقهم عليه ليلفتوا عنه وليفهموا خطابه ، وليتضح لهم نزول رتبهم عن علو ما تعرف به لهم ، وليختم بعجزهم عن إدراك هذا الحرف علمهم بالأربعة يعني الأمر والنهي والحلال والحرام ، وحبسهم بالخامس وتوقفهم عنه والاكتفاء بالإيمان منه ما تقدم من عملهم بالأربعة ، واتصافهم بالخامس ليتم لهم العبادة بالوجهين من العمل والوقوف والإدراك والعجز( فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ ) [الملك : ٣] علما وحسا( ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ ) [الملك : ٤] عجزا ، أعلمهم بحظ من علم أنفسهم وغيرهم بعد أن أخرجهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئا ، ثم أعجزهم عن علم أمره وأيامه الماضية والآتية وغائب الحاضرة ليسلموا له اختيارا فيرزقهم اليقين بأمره وغائب أيامه ، كما أسلموا له في الصغر اضطرارا ، فرزقهم حظا من علم خلقه ، فمن لم يوقفه في حد الإيمان اشتباه خطابه سبحانه وتعالى عن نفسه وما بينه وبين خلقه وحاول تدركه بدليل أو فكر أو تأويل حرم اليقين بعلي الأمر والتحقيق في علم الخلق ، وأوخذ بما أضاع من محكم ذلك المتشابه حين اشتغل لما يعنيه من حال نفسه بما لا يعنيه من أمر ربه ، فكان كالمتشاغل بالنظر في ذي الملك ، وتنظره يرمي نفسه عن مراقبة ما يلزمه من تفهم حدوده وتذلله لحرمته ؛ وجوامع منزل هذا الحرف في رتبتين : مبهمة ومفصلة ، أما انبهامه فلوقوف العلم به على تعريف الله سبحانه وتعالى من غير واسطة من وسائط النفس من فكر ولا استدلال ، وليتدرب المخاطب بتوقفه على المبهم على توقفه عن مفصله ومبهمه ، وهو جامع الحروف المنزلة في أوائل السور التسع والعشرين من سوره وبه افتتح الترتيب في القرآن ، ليتلقى الخلق بادي أمر الله بالعجز والوقوف والاستسلام إلى أن يمن الله سبحانه

١٩

وتعالى بعلمه بفتح من لدنه ، ولذلك لم يكن في تنزيله في هذه الرتبة ريب لمن علمه الله سبحانه وتعالى كنهه من حيث لم يكن للنفس مدخل في علمه ، وذلك قوله سبحانه وتعالى :( الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ ) [البقرة : ١ ، ٢] لمن علمه الله إياه( هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) [البقرة : ٢ ، ٣] وقوفا عن محاولة علم ما ليس في وسع الخلق علمه ، حتى تلحقه العناية من ربه فعلمه ما لم يكن في علمه ؛ وأما الرتبة الثانية فمتشابه الخطاب المفصل المشتمل على إخبار الله عن نفسه وتنزلات أمره ، ورتب إقامات خلقه بإبداع كلمته وتصيير حكمته وباطن ملكوته وعزيز جبروته وأحوال أيامه ؛ وأول ذلك في ترتيب القرآن إخباره عن استوائه في قوله :( ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ ) [البقرة : ٢٩] إلى قوله سبحانه وتعالى( فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ ) [البقرة : ١١٥] ـ إلى سائر ما أخبر عنه من عظم شأنه في جملة آيات متعددات لقوله سبحانه وتعالى( إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ ) [البقرة : ١٤٣] ،( فَإِنِّي قَرِيبٌ ) [البقرة : ١٨٦]( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ ) [البقرة : ٢١٠] ،( اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) [البقرة : ٢٥٥]( فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ ) [البقرة : ٢٧٩] ،( هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ ) [آل عمران : ٦] ،( وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ ) [آل عمران : ١٢٨] ،( وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) [آل عمران : ١٨٩] ،( وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) [البقرة : ٢٨٤] ،( وَكانَ اللهُ سَمِيعاً بَصِيراً ) [النساء : ٨٥] ،( بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ ) [المائدة : ٦٤] ،( وَهُوَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ ) [الأنعام : ٣] ،( خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ) [الأعراف : ٥٤] ،( ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ) [الأعراف : ٥٤] ،( وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي ) [طه : ٣٩] ،( قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ) [المؤمنون : ٨٨] ،( فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللهُ ) [القصص : ٣٠] ،( كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ) [القصص : ٨٨] ،( هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ ) [الأحزاب : ٤٣] ،( إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِ ) [الأحزاب : ٥٦] ،( ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ ) [الأعراف : ١٢] ،( وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ ) [الزخرف : ٨٤]( وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ) [الجاثية : ١٣] ،( وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) [الجاثية : ٣٧] ،( كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ) [الرحمن : ٢٦ ، ٢٧] ،( هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ ) [الحديد : ٣] ،( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ ) [الحديد : ٤] ،( ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ) [المجادلة : ٧] ،

٢٠