نظم الدّرر الجزء ٢
0%
مؤلف: برهان الدين البقاعي
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف: علوم القرآن
الصفحات: 761
0%
مؤلف: برهان الدين البقاعي
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف: علوم القرآن
الصفحات: 761
ولما كان فيها إقامة الشهود وحبسهم عن مقاصدهم حتى يفرغوا من هذه الواقعة المبحوث فيها عن خفايا متعلقة بالموت والتغليظ بالتحليف بعد صلاة العصر ، وكانت ساعة يجتمع فيها الناس وفريقا الملائكة المتعاقبين فينا ليلا ونهارا مع أنها ساعة الأصيل المؤذنة بهجوم الليل وتقوّض(١) النهار حتى كأنه لم يكن ورجوع الناس إلى منازلهم وتركهم لمعايشهم ، وكانت عادته سبحانه بأنه يذكر أنواعا من الشرائع والتكاليف ، ثم يتبعها إما بالإلهيات وإما بشرح أحوال الأنبياء وإما بشرح أحوال القيامة ، ليصير ذلك مؤكدا لما تقدم من التكاليف ، ولا ينتقل من فن إلى آخر إلا بغاية الإحكام في الربط ، عقبها تعالى بقوله :( يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ ) أي الملك الأعظم الذي له الإحاطة الكاملة( الرُّسُلَ ) أي الذين أرسلهم إلى عباده بأوامره ونواهيه إشارة إلى تذكر انصرام هذه الدار وسرعة هجوم ذلك بمشاهدة هذه الأحوال المؤذنة به وبأنه يوم يقوم فيه الأشهاد ، ويجتمع فيه العباد ، ويفتضح فيه أهل الفساد ـ إلى غير ذلك من الإشارات لأرباب البصائر والقلوب ، والظاهر أن( يَوْمَ ) ظرف للمضاف المحذوف الدال عليه الكلام ، فإن من المعلوم أنك إذا قلت : خف من فلان ، فإن المعنى : خف من عقابه ونحو ذلك ، فيكون المراد هنا : واتقوا غضب الله الواقع في ذلك اليوم ، أي اجعلوا بينكم وبين سطواته في ذلك اليوم وقاية ، أو يكون المعنى : اذكروا هذه الواقعة وهذا الوقت الذي يجمع فيه الشهود ويحبس المعترف والجحود يوم الجمع الأكبر بين يدي الله تعالى ليسألهم عن العباد ويسأل العباد عنهم( فَيَقُولُ ) أي للرسل تشريعا لهم وبيانا لفضلهم وتشريفا للمحق من أممهم وتبكيتا للمبطل وتوبيخا للمفرط منهم والمفرّط.
ولما كان مما لا يخفى أصلا أنهم أجيبوا ، ولا يقع فيه نزاع ولا يتعلق بالسؤال عنه غرض ، تجاوز السؤال إلى الاستفهام من نوع الإجابة فقال :( ما ذا أُجِبْتُمْ ) أي أيّ إجابة أجابكم من أرسلتم إليهم؟ إجابة طاعة أو إجابة معصية.
ولما كان المقصود من قولهم بيان الناجي من غيره ، وكانت الشهادة في تلك الدار لا تنفع إلا فيما وافق فيه الإضمار الإظهار ، فكانت شهادتهم لا تنفع المشهود له بحسن الإجابة إلا أن يطابق ما قاله بلسانه اعتقاده بقلبه( قالُوا ) نافين لعلمهم أصلا ورأسا إذا كان موقوفا على شرط هو من علم ما غاب ولا علم لهم به( لا عِلْمَ لَنا ) أي على الحقيقة لأنا لا نعلم إلا ما شهدناه ، وما غاب عنا أكثر ، وإذا كان الغائب قد يكون مخالفا للمشهود ، فما شهد ليس بعلم ، لأنه غير مطابق للواقع ، ولهذا عللوا بقولهم :
__________________
(١) قوّض البناء تقويضا : نقضه من غير هدم وتقوّضت الحلق والصفوف انتقضت وتفرّقت ا ه مختار.
( إِنَّكَ أَنْتَ ) أي وحدك( عَلَّامُ الْغُيُوبِ ) أي كلها ، تعلمها علما تاما فكيف بما غاب عنا من أحوال قومنا! فكيف بالشهادة! فكيف بما شهدنا من ذلك! وهذا في موضع قولهم : أنت أعلم ، لكن هذا أحسن أدبا ، فإنهم محوا أنفسهم من ديوان العلم بالكلية ، لأن كل علم يتلاشى إذا نسب إلى علمه ويضمحل مهما قرن بصفته أو اسمه.
ولما كان سؤاله سبحانه للرسل عن الإجابة متضمنا لتبكيت المبطلين وتوبيخهم ، وكان أشد الأمم افتقارا إلى التوبيخ أهل الكتاب ، لأن تمردهم تعدى إلى رتبة الجلال بما وصفوه سبحانه به من اتخاذ الصاحبة والولد ، ومن ادعاء الإلهية لعيسىعليهالسلام لما أظهر من الخوارق التي دعا بها إلى الله مع اقترانها بما يدل على عبوديته ورسالته لئلا يهتضم حقه أو يغلى فيه ، مع مشاركتهم لغيرهم في أذى الرسلعليهمالسلام بالتكذيب وغيره ، وكان في الآية السالفة ذكر الآباء وما آثروا للأبناء ، ذكر أمر عيسىعليهالسلام بقوله مبدلا من قوله :( يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ ) معبرا بالماضي تذكيرا بما لذلك اليوم من تحتم الوقوع ، وتصويرا لعظيم تحققه ، وتنبيها على أنه لقوة قربه كأنه قد وقع ومضى :( إِذْ قالَ اللهُ ) أي المستجمع لصفات الكمال( يا عِيسَى ) ثم بينه بما هو الحق من نسبه فقال :( ابْنَ مَرْيَمَ ) .
ولما كان ذلك يوم الجمع الأكبر والإحاطة بجميع الخلائق وأحوالهم في حركاتهم وسكناتهم ، وكان الحمد هو الإحاطة بأوصاف الكمال ، أمره بذكر حمده سبحانه على نعمته عنده فقال :( اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ ) أي في خاصة نفسك ، وذكر ما يدل للعاقل على أنه عبد مربوب فقال :( وَعَلى والِدَتِكَ ) إلى آخره مشيرا إلى أنه أوجده من غير أب فأراحه مما يجب للآباء من الحقوق وما يورثون أبناءهم من اقتداء أو اهتداء وإقامة بحقوق أمه ، فأقدره ـ وهو في المهد ـ على الشهادة لها بالبراءة والحصانة والعفاف ، وكل نعمة أنعمها سبحانه عليهصلىاللهعليهوسلم فهي نعمة على أمه دينا ودنيا.
ولما ذكر سبحانه هذه الأمة المدعوة من العرب وأهل الكتاب وغيرهم بنعمه عليهم في أول السورة بقوله :( اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ ) [المائدة : ٧] ، و( اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ ) [المائدة : ١١] ، وكانت هذه الآيات من عند( لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ ) [المائدة : ٨٧] كلها في النعم ، أخبرهم أنه يذكّر عيسىعليهالسلام بنعمه في يوم الجمع إشارة إلى أنهم إن لم يذكروا نعمه في هذه الدار دار العمل بالشكر ، ذكروها حين يذكّرهم بها في ذلك اليوم قسرا بالكفر ، ويا لها فضيحة في ذلك الجمع الأكبر والموقف الأهول! وليتبصّر أهل الكتاب فيرجعوا عن كفرهم بعيسىعليهالسلام : اليهود بالتقصير في أمره ، والنصارى بالغلو في شأنه وقدره.
ولما كان أعظم الأمور التنزيه ، بدأ به كما فعل بنفسه الشريفة في كلمة الدخول إلى الإسلام ، ولما كان أعظم ذلك تنزيهه أمه عليهاالسّلام وتصحيح ما خرق لها من العادة في ولادته ، وكان أحكم ما يكون ذلك بتقوية روحه حتى يكون كلامه طفلا ككلامه كهلا ، قدمه فقال معلقا قارنا بكل نعمة ما يدل على عبوديته ورسالته ، ليخزي من غلا في أمره أو قصّر في وصفه وقدره :( إِذْ أَيَّدْتُكَ ) أي قويتك تقوية عظيمة( بِرُوحِ الْقُدُسِ ) أي الطهر الذي يحيي القلوب ويطهرها من أوضار الآثام ، ومنه جبرئيلعليهالسلام ، فكان له منه في الصغر حظ لم يكن لغيره ؛ قال الحرالي : وهو يد بسط لروح الله في القلوب بما يحييها الله به من روح أمره إرجاعا إليه في هذه الدار قبل إرجاع روح الحياة بيد القبض من عزرائيلعليهالسلام ثم استأنف تفسير هذا التأييد فقال :( تُكَلِّمُ النَّاسَ ) أي من أردت من عاليهم وسافلهم( فِي الْمَهْدِ ) أي بما برأ الله من أمك وأظهر به كرامتك وفضلك.
ولما ذكر هذا الفضل العظيم ، أتبعه خارقا آخر ، وهو إحياؤه نفسه وحفظه جسده أكثر من ألف سنة لم يدركه الهرم ؛ فإنه رفع شابا وينزل على ما رفع عليه ويبقى حتى يصير كهلا ، وتسوية كلامه في المهد بكلامه في حال بلوغ الأشدّ وكمال العقل خرقا لما جرت به العوائد فقال :( وَكَهْلاً ) ولما ذكر هذه الخارقة ، أتبعها روح العلم الرباني فقال :( وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ ) أي الخط الذي هو مبدأ العلم وتلقيح لروح الفهم( وَالْحِكْمَةَ ) أي الفهم لحقائق الأشياء والعمل بما يدعو إليه العلم( وَالتَّوْراةَ ) أي المنزلة على موسىعليهالسلام ( وَالْإِنْجِيلَ ) أي المنزل عليك.
ولما ذكر تأييده بروح الروح ، أتبعه تأييده بإفاضة الروح على جسد لا أصل له فيها فقال :( وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ ) أي هذا الجنس( كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي ) ثم سبب عن ذلك قوله :( فَتَنْفُخُ فِيها ) أي في الصورة المهيأة( فَتَكُونُ ) أي تلك الصورة التي هيأتها( طَيْراً بِإِذْنِي ) ثم بإفاضة روح ما على بعض جسد ، إما ابتداء في الأكمه كما في الذي قبله ، وإما إعادة كما في الحادث العمى والبرص بقوله :( وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ ) .
ولما كان من أعظم ما يراد بالسياق توبيخ من كفر به كرر قوله :( بِإِذْنِي ) ثم برد روح كامل إلى جسدها بقوله :( وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى ) أي من القبور فعلا أو قوة حتى يكونوا كما كانوا من سكان البيوت( بِإِذْنِي ) ثم بعصمة روحه ممن أراد قتله بقوله :( وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ ) أي اليهود لما هموا بقتلك ؛ ولما كان ذلك ربما أوهم نقصا استحلوا قصده به ، بين أنه قصد ذلك كعادة الناس مع الرسل والأكابر من أتباعهم تسلية لهذا النبي الكريم والتابعين له بإحسان فقال :( إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ ) أي كلها ،
بعضها بالفعل والباقي بالقوة لدلالة ما وجد عليه من الآيات الدالة على رسالتك الموجبة لتعظيمك( فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي غطوا تلك البينات عنادا( مِنْهُمْ إِنْ ) أي ما( هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ) ثم بتأييده بالأنصار الذين أحيى أرواحهم بالإيمان وأجسادهم باختراع المأكل الذي من شأنه في العادة حفظ الروح ، وذلك في قصة المائدة وغيرها فقال :( وَإِذْ أَوْحَيْتُ ) أي بإلهام باطنا وبإيصال الأوامر على لسانك ظاهرا( إِلَى الْحَوارِيِّينَ ) أي الأنصار( أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي ) أي الذي أمرته بالإبلاغ يعني إبلاغ الناس ما آمرهم به ، ثم استأنف مبينا لسرعة إجابتهم لجعله محببا إليهم مطاعا فيهم بقوله :( قالُوا آمَنَّا ) .
ولما كان الإيمان باطنا فلا بد في إثباته من دليل ظاهر ، وكان في سياق عدّ النعم والطواعية لوحي الملك الأعظم دلوا عليه بتمام الانقياد ، ناسب المقام زيادة التأكيد بإثبات النون الثالثة في قولهم :( وَاشْهَدْ بِأَنَّنا ) بخلاف آل عمران( مُسْلِمُونَ ) أي منقادون أتم انقياد ، فلا اختيار لنا إلا ما تأمرنا به ، وانظر ما أنسب إعادة «إذ» عند التذكير بروح كامل حسا أو معنى وحذفها عند الناقص ، فأثبتها عند التأييد بها في أصل الخلق وفي الكمال الموجب للحياة الأبدية وفي تعليم الكتاب وما بعده المفيض لحياة الأبد على كل من تخلّق بأخلاقه وفي خلق الطير وهو ظاهر وهكذا إلى الآخر.
ذكر شيء مما عزي إليه من الحكمة في الإنجيل : قال متى : وكان يسوع يطوف المدن والقرى ويعلم في مجامعهم ويكرز ببشارة الملكوت ويشفي كل الأمراض والأوجاع ، ثم قال : فلما سمع يوحنا في السجن بأعمال المسيح أرسل إليه اثنين من تلاميذه قائلا : أنت هو الآتي أم نترجى آخر؟ قال لوقا : وفي تلك الساعة أبرأ كثيرا من الأمراض والأوجاع والأرواح الشريرة ووهب النظر لعميان كثيرين ، فأجاب يسوع وقال لهما : اذهبا وأعلما يوحنا بما رأيتما وسمعتما ، العميان يبصرون والعرج يمشون والبرص يتطهرون والصم يسمعون والموتى يقومون والمساكين يبشرون ، فطوبى لمن لا يشك فيّ! فلما ذهب تلميذا يوحنا بدأ يسوع يقول للجمع من أجل يوحنا : لماذا خرجتم إلى البرية تنظرون ـ قال لوقا : قصبة تحركها الريح ـ أم لماذا خرجتم تنظرون؟ إنسانا لابسا لباسا ناعما؟ إن اللباس الناعم يكون في بيوت الملوك ، قال لوقا : فإن الذين عليهم لباس المجد والتنعم هم في بيوت الملوك ـ انتهى. لكن لما ذا خرجتم تنظرون؟ نبيا؟ نعم ، أقول لكم : إنه أفضل من هذا الذي كتب من أجله : هوذا أنا مرسل ملكي أمام وجهك ليسهل طريقك قدامك ، الحق أقول لكم! إنه لم يقم في مواليد النساء أعظم من يوحنا المعمد ، والصغير في ملكوت السماء أعظم منه ، وجميع الشعب الذي سمع والعشارون شكروا الله حيث اعتمدوا من معمودية يوحنا ، فأما الفريسيون والكتاب
فعلموا أنهم رفضوا أمر الله لهم إذ لم يعتمدوا منه ؛ قال متى : ثم قال : من له أذنان سامعتان فليسمع! بماذا أشبه هذا الجيل؟ يشبه صبيانا جلوسا في الأسواق ، يصيحون إلى أصحابهم قائلين : زمّرنا لكم فلم ترقصوا ، ونحنا لكم فلم تبكوا ، جاء يوحنا لا يأكل ولا يشرب ، فقالوا : معه جنون ، جاء ابن الإنسان يأكل ويشرب ، فقالوا : هذا إنسان أكول شرّيب خليل العشارين والخطأة ، فتبررت الحكمة من بنيها ، حينئذ بدأ يعيّر المدن التي كان فيها أكثر قواته ، لأنهم لم يتوبوا ، ويقول : الويل لك يا كورزين! والويل لك يا بيت صيدا! لأن القوات اللاتي كنّ فيكما قديما لو كنّ في صور وصيدا لتابوا بالمسوح والرماد ، لكن أقول لكم : إن لصور وصيدا راحة في يوم الدين أكثر منكن ، وأنت يا كفرناحوم لو ارتفعت إلى السماء ستهبطين إلى الجحيم ، لأنه لو كان في سدوم هذه القوات التي كانت فيك إذن لثبتت إلى اليوم ، وأقول لكم أيضا : إن أرض سدوم تجد راحة يوم الدين أكثر منك. ثم قال : وانتقل يسوع من هناك ودخل إلى مجمعهم وإذا رجل هناك يده يابسة ـ وقال لوقا : يده اليمنى يابسة ـ فسألوه قائلين : هل يحل أن يشفى في السبت؟ فقال لهم : أي إنسان منكم يكون له خروف ، يسقط في حفرة في السبت ، ولا يمسكه ويقيمه؟ فبكم أحزي الإنسان أفضل من الخروف ، فإذن جيد هو فعل الخير في السبت ؛ وقال لوقا : فقال للرجل اليابس اليد : قف في الوسط ، فقام ، وقال لهم يسوع : أسألكم ما ذا يحل أن يعمل في السبت؟ خير أم شر؟ نفس تخلص أم تهلك؟ فسكتوا ؛ قال متى : حينئذ قال للإنسان : أمدد يدك ، فمدها فصحت مثل الأخرى ، فخرج الفريسيون ـ قال مرقس : مع أصحاب هيرودس ـ متوامرين في إهلاكه ، فعلم يسوع وانتقل من هناك وتبعه جمع كثير ، فشفى جميعهم ، وأمرهم أن لا يظهروا ذلك لكي يتم ما قيل في أشعيا النبي القائل : ها هوذا فتاي الذي هويت ، وحبيبي الذي به سررت ، أضع روحي عليه ويخبر الأمم بالحكم ، لا يماري ولا يصيح ولا يسمع أحد صوته في الشوارع ، قصبة مرضوضة لا تكسر ، وسراج مطفطف لا يطفأ حتى يخرج الحكم في الغلبة ، وعلى اسمه تتكل الأمم ؛ ثم قال : وفي ذلك اليوم خرج يسوع من البيت وجلس جانب البحر ، فاجتمع إليه جمع كبير حتى أنه صعد إلى السفينة وجلس ، وكان الجمع كله قياما على الشطّ ، وكلهم بأمثال كثيرة قائلا : ها هوذا خرج الزارع ليزرع ، وفيما هو يزرع سقط البعض على الطريق ، فأتى الطير وأكله ـ وقال لوقا : فديس وأكله طائر السماء ـ وبعض سقط على الصخرة حيث لم يكن له أرض كثيرة ، وللوقت شرق إذ ليس له عمق أرض ، ولما أشرقت الشمس احترق ، وحيث لم يكن له أصل يبس ، وبعض سقط في الشوك فطلع الشوك وخنقه ؛ وقال مرقس : فخنقه بعلوه عليه فلم
يأت بثمرة ؛ وقال متى : وبعض سقط في الأرض الجيدة فأعطى ثمره ، للواحد مائة وللآخر ستين وللآخر ثلاثين ـ قال لوقا : فلما قال هذا نادى : من له أذنان سامعتان فليسمع ـ فتقدم إليه تلاميذه وقالوا له : لما ذا تكلمهم بالأمثال؟ فأجابهم وقال : أنتم أعطيتم معرفة سرائر ملكوت السماوات ـ وقال لوقا : فقال لهم : لكم أعطي علم سرائر ملكوت الله ـ وأولئك لم يعطوا ، ومن كان له يعطي ويزاد ، ومن ليس له فالذي له يؤخذ منه ـ وقال لوقا : والذي ليس له ينزع منه الذي يظن أنه له ـ فلهذا أكلمهم بالأمثال ، لأنهم يبصرون فلا يبصرون ، ويسمعون فلا يسمعون ولا يفهمون ، لكي تتم فيهم نبوة أشعيا لقائل : سمعا يسمعون فلا يفهمون ، ونظرا ينظرون فلا يبصرون ، لقد غلظ قلب هذا الشعب ، وثقلت آذانهم عن السماع ، وغمضوا أعينهم لكيلا يبصروا بعيونهم ولا يسمعوا بآذانهم ويفهموا بقلوبهم ويرجعوا فأشفيهم ، فأما أنتم فطوبى لعيونكم! لأنها تنظر ، ولآذانكم! لأنها تسمع ؛ وقال لوقا : ومثل الزرع هذا هو كلام الله ؛ وقال متى : كل من يسمع كلام الملكوت ولا يفهم يأتي الشرير فيخطف ما يزرع في قلبه ، هذا الذي زرع على الطريق ، والذي زرع على الصخرة هو الذي يسمع الكلام وللوقت يقبله بفرح ، وليس له فيه أصل ، لكن في زمان يسير ، إذا حدث ضيق أو طرد فللوقت يشك ـ وقال مرقس : بسبب الكلمة فيشكون للوقت : وقال لوقا : وهم إنما يؤمنون إلى زمان التجربة ، وفي زمان التجربة يشكون ـ والذي يزرع في الشوك فهو الذي يسمع الكلام فيخنق الكلام فيه ؛ وقال لوقا : فتغلب عليهم هموم هذا الدهر وطلب الغنى ؛ وقال مرقس : ومحبة الغنى وسائر الشهوات التي يسلكونها ، فتخنق الكلمة فلا تثمر فيهم ؛ وقال متى : فيكون بغير ثمرة ، والذي زرع في الأرض الجيدة هو الذي يسمع الكلام ويتفهم ويعطي ثمره ؛ وقال لوقا : وأما الذي وقع في الأرض الصالحة فهم الذين يسمعون الكلمة بقلب جيد فيحفظونها ويثمرون بالصبر ؛ قال متى : للواحد مائة وللآخر ستين وللآخر ثلاثين. وضرب لهم مثلا آخر قائلا : يشبه ملكوت السماوات إنسانا زرع زرعا جيدا في حقله ، فلما نام الناس جاء عدوه فزرع زوانا في وسط القمح ومضى ، فلما نبت القمح ظهر الزوان ، فجاء عبيد رب البيت فقالوا له : يا سيد! أليس زرعا جيدا زرعت في حقلك! فمن أين صار فيه زوان؟ فقال لهم : عدو فعل هذا ، فقال عبيده : تريد أن نذهب فنجمعه؟ فقال لهم : لا ، لئلا تنقلع معه الحنطة ، دعوهما ينبتان جميعا إلى زمان الحصاد ، وأقول للحصادين : أولا اجمعوا الزوان فشدوه حزما ليحرق ، فأما القمح فاجمعوه إلى أهرائي. وضرب لهم مثلا آخر قائلا : يشبه ملكوت السماوات حبة خردل أخذها إنسان وزرعها في حقله ، لأنها أصغر الزراريع كلها ـ وقال مرقس : وهي أصغر
الحبوب التي على الأرض ـ فإذا طالت صارت أكبر من جميع البقول وتصير شجرة ـ وقال مرقس : وصنعت أغصانا عظاما ؛ وقال لوقا : فنمت وصارت شجرة عظيمة ـ حتى أن طائر السماء يستظل تحت أغصانها. وكلمهم بمثل آخر وقال لهم : يشبه ملكوت السماوات خميرا أخذته امرأة وعجنته في ثلاثة أكيال دقيق فاختمر الجميع ؛ وقال مرقس : وكان يقول لهم : هل يوقد سراج فيوضع تحت مكيال أو سرير ، لكن على منارة ؛ وقال لوقا : ليس أحد يوقد سراجا فيغطيه ، ولا يجعله تحت سرير ، لكن يضعه على منارة فيرى نوره كل من يدخل ؛ قال مرقس : كذلك ليس خفي إلا سيظهر ، ولا مكتوم إلا سيعلن ؛ وقال لوقا : سراج الجسد العين ، فإذا كانت عينك بسيطة فجسدك كله نير ، وإن كانت عينك شريرة فجسدك كله يكون مظلما أحرص أن لا يكون النور الذي فيك ظلاما ، فإن كان جسدك كله نيرا وليس فيه جزء مظلم فإنه يكون كاملا نيرا ، كما أن السراج ينير لك بلمع ضيائه ؛ وقال مرقس : من له أذنان سامعتان فليسمع ، وقال لهم : انظروا ما ذا تسمعون ، فبالكيل الذي تكيلون يكال لكم ـ وتزادون أيها السامعون لأن الذي له يعطي ومن ليس عنده فالذي عنده يؤخذ منه ، وقال : يشبه ملكوت الله إنسانا يلقي زرعه على الأرض وينام ، ويقوم ليلا ونهارا والزرع ينمو ويطول وهو لا يعلم ، أولا أعشب وبعد ذلك سنبل ، ثم يمتلىء السنبل حتى إذا انتهت الثمرة حينئذ يضع المنجل إذ قد دنا الحصاد ؛ قال متى : هذا كله قاله يسوع للجموع ليتم ما قيل في النبي القائل : أفتح فاي بالأمثال وأنطق بالخفيات من قبل أساس العالم. حينئذ ترك الجمع وجاء إلى البيت فجاء إليه تلاميذه وقالوا : فسر لنا مثل زوال الحقل ، أجاب : الذي زرع الزرع الجيد هو ابن الإنسان ، والحقل هو العالم ، والزرع الجيد هو بنو الملكوت ، والزوان هو بنو الشرك ، والعدو الذي زرعه هو الشيطان ، والحصاد هو منتهى الدهر ، والحصادون هم الملائكة ، فكما أنهم يجمعون الزوان أولا ، وبالنار يحرق ، هكذا يكون منتهى هذا الدهر ، يرسل ملائكته ويجمعون من مملكته كل الشوك وفاعلي الإثم ، فيلقونهم في أتون النار ، هناك يكون البكاء وصرير الأسنان ، حينئذ يضيء الصديقون مثل الشمس في ملكوت أبيهم ، من له أذنان سامعتان فليسمع. ويشبه ملكوت السماوات كنزا مخفىّ في حقل وجده إنسان فخبأه ، ومن فرحه مضى وباع كل شيء واشترى ذلك الحقل. وأيضا يشبه ملكوت السماوات إنسانا تاجرا بطلب الجوهر الفاخر الحسن. فوجد درة كثيرة الثمن فمضى وباع كل ماله واشتراها. وأيضا يشبه ملكوت السماوات شبكة ألقيت في البحر فجمعت من كل جنس ، فلما امتلأت أطلعوها إلى الشّط فجلسوا وجمعوا الخيار في الأوعية ، والرديء رموه خارجا ، هكذا يكون في انقضاء هذا الزمان ، تخرج الملائكة
ويميزون الأشرار من وسط الصديقين. ويلقونهم في أتون النار. هناك يكون البكاء وصرير الأسنان. فلما أكمل يسوع هذه الأمثال انتقل من هناك وجاء إلى بلدته وكان يعلّم في مجامعهم حتى أنهم بهتوا وقالوا : من أين له هذه الحكمة والقوة! وقال مرقس : من أين له هذا التعليم وهذه الحكمة التي أعطيها والقوات التي تكون على يديه ـ انتهى. أليس هذا ابن النجار؟ وقال لوقا : وكان جميعهم يشهدون له ويتعجبون من كلام النعمة الذي كان يخرج من فمه ، وكانوا يقولون : أليس هذا ابن يوسف؟ انتهى. أليس أمه تسمى مريم وإخوته يعقوب ويوسا وسمعان ويهودا؟ أليس هو وأخواته عندنا جميعا؟ فمن أين له هذا كله؟ وكانوا يشكون فيه ، فإن يسوع قال لهم : لا يهان نبي إلا في بلدته وبيته ؛ وقال مرقس : ليس يهان نبي إلا في بلدته وعند أنسابه وبيته ؛ وقال لوقا : فقال لهم : لعلكم تقولون لي هذا المثل : أيها الطبيب! اشف نفسك والذي سمعنا أنك صنعته في كفرناحوم افعله أيضا ههنا في مدينتك ، فقال لهم : الحق أقول لكم ، إنه لا يقبل نبي في مدينته ، الحق أقول لكم ، إن الأرامل كثيرة كنّ في إسرائيل في أيام إليا إذ أغلقت السماء ثلاث سنين وستة أشهر ، وصار جوع عظيم في الأرض كلها ، ولم يرسل إلياء إلى واحدة منهن إلا أرملة في صارفة صيدا ، وبرص كثيرون كانوا في إسرائيل على عهد اليشع النبي ولم يطهر واحد منهم إلا نعمان الشامي ، فامتلأ جميعهم غضبا عند ما سمعوا هذا وأخرجوه خارج المدينة ، وجاؤوا به إلى أعلى الجبل الذي كانت مدينتهم مبنية عليه ليطرحوه إلى أسفل ، فأما هو فجاز وسطهم ومضى ، ونزل إلى كفرناحوم مدينة في الجليل ، وكان يعلمهم في السبت وبهتوا من تعليمه لأن كلامه كان بسلطان. وقال في موضع آخر : وجاء إليه ناس من الفريسيين وقالوا له : اخرج فاذهب من ههنا فإن هيرودس يريد ليقتلك ، فقال لهم : امضوا وقولوا لهذا الثعلب : إني هوذا أخرج الشياطين وأتم الشفاء اليوم وغدا وفي اليوم الثالث أكمل ، وينبغي أن أقيم اليوم وغدا ، وفي اليوم الآتي أذهب ، لأنه ليس يهلك نبي خارجا عن يروشليم ، أيا يروشليم! أيا يروشليم! يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها! كم من مرة أردت أن أجمع بنيك مثل الدجاجة التي تجمع فراخها تحت جناحيها فلم تريدوا ، هوذا أترك بيتكم خرابا ، فسمع هيرودس رئيس الربع بجميع ما كان فتحير ، لأن كثيرا كانوا يقولون : إن يوحنا قام من الأموات ، وآخرون يقولون : إن إليا ظهر ، وآخرون يقولون : نبي من الأولين قام ، فقال هيرودس : أنا قطعت رأس يوحنا فمن هو الذي نسمع عنه هذا ، وطلب أن يبصره ؛ وفي إنجيل متى : وفي ذلك الزمان سمع هيرودس رئيس الربع خبر يسوع فقال لغلمانه : هذا هو يوحنا المعمدان ، وهو قام من الأموات من أجل هذه القوات التي يعمل بها. قوله :
المعمد ، من أعمده ـ إذا غسله في ماء المعمودية ، قوله : تبررت ، أي صارت برية بالنسبة إليهم ، قوله : يعيّر المدن ، أي يذكر ما أوجب لها العار ، قوله : القوات جمع قوة وهي المعجزات هنا ، قوله : الذي هويت ، يعني أحببت حبا شديدا ، ولفظ الهوى الظاهر أنه يفهم نقصا فلا يحل في شرعنا إطلاقه على الله تعالى ، قوله : مطفطف ، أي مملوء إلى رأسه ، لا يزال كذلك ، قوله : شرق ـ وزن : فرح ، أي ضعف ، من : شرق بريقه ، وشرقت الشمس ـ إذا ضعف ضوءها ، قوله : أتون وهو وزن تنور وقد يخفف : أخدود الجيار والجصاص ، قوله : بسيطة ، أي على الفطرة الأولى ، قوله : يروشليم ـ بتحتانية ومهملة وشين معجمة : بيت المقدس ، قوله : ملكوت أبيهم ، تقدم ما فيه غير مرة.
( إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) )
ولما كان من المقصود بذكر معجزات عيسىعليهالسلام تنبيه الكافر ليؤمن ، والمؤمن ليزداد إيمانا ، وتسلية النبيصلىاللهعليهوسلم وتوبيخ اليهود المدعين أنهم أبناء وأحباء ـ إلى غير ذلك مما أراد الله ، قرعت به الأسماع ، ولم يتعلق بما يجيب به يوم القيامة عند أمره بذلك غرض فطوي ؛ ولما كان أجلّ المقاصد تأديب هذه الأمة لنبيهاعليهالسلام لتجلّه عن أن تبدأه بسؤال أو تقترح عليه شيئا في حال من الأحوال ، ذكر لهم شأن الحواريين في اقتراحهم بعدما تقدم من امتداحهم بعدّهم في عداد أولي الوحي ومبادرتهم إلى الإيمان امتثالا للأمر ثم إلى الإشهاد على سبيل التأكيد بتمام الانقياد وسلب الاختيار ، فقال معلقا ب «قالوا آمنا» مقربا لزمن تعنتهم من زمن إيمانهم ، مذكرا لهذه الأمة بحفظها على الطاعة ، ومبكتا لبني إسرائيل بكثرة تقلبهم وعدم تماسكهم إبعادا لهم عن درجة المحبة فضلا عن البنوة ، وهذه القصة قبل قصة الإيحاء إليهم فتكون «إذ» هذه ظرفا لتلك ، فيكون الإيحاء إليهم بالأمر بالإيمان في وقت سؤالهم هذه بعد ابتدائه ، ويكون فائدته حفظهم من أن يسألوا آية أخرى كما سألوا هذه بعدما رأوا منهصلىاللهعليهوسلم من الآيات :( إِذْ قالَ ) وأعاد وصفهم ولم يضمره تنصيصا عليهم لبعد ما يذكر من حالهم هذا من حالهم الأول فقال :( الْحَوارِيُّونَ ) وذكر أنهم نادوه باسمه واسم أمه فقالوا :( يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ) ولم يقولوا : يا رسول الله ولا يا روح الله ، ونحو هذا من التبجيل أو التعظيم
( هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ) بالياء مسندا إلى الرب وبالتاء الفوقانية مسندا إلى عيسىعليهالسلام ونصب الرب ، ومعناهما واحد يرجع إلى التهييج والإلهاب بسبب الاجتهاد في الدعاء بحيث تحصل الإجابة ، وتكون هذه العبارة أيضا للتلطف كما يقول الإنسان لمن يعظمه : هل تقدر أن تذهب معي إلى كذا؟ وهو يعلم أنه قادر ، ولكنه يكنى بذلك عن أن السائل يحب ذلك ولا يريد المشقة على المسؤول( أَنْ يُنَزِّلَ ) أي الرب المحسن إليك( عَلَيْنا مائِدَةً ) وهي الطعام ، ويقال أيضا : الخوان إذا كان عليه الطعام ، والخوان شيء يوضع عليه الطعام للأكل ، هو في العموم بمنزلة السفرة لما يوضع فيه طعام المسافر بالخصوص ، وهي من ماده ـ إذا أعطاه وأطعمه.
ولما كان هذا ظاهرا في أنها سماوية ، صرحوا به احترازا عما عوّدهم بهصلىاللهعليهوسلم من أنه يدعو بالقليل من الطعام فيبارك فيه فيمده الله فيكفي فيه القيام من الناس فقالوا :( مِنَ السَّماءِ ) أي لا صنع للآدميين فيها لنختص بها عمن تقدمنا من الأمم.
ولما كان المقصود من هذا وعظنا وإرشادنا إلى أن لا نسأل نبيناصلىاللهعليهوسلم شيئا ، اكتفاء بما يرحمنا به ربنا الذي رحمنا بابتدائنا بإرساله إلينا لإيصالنا إليه سبحانه ، وتخويفا من أن نكون مثل من مضى من المقترحين الذين كان اقتراحهم سبب هلاكهم ؛ دل على ذلك بالنزوع من أسلوب الخطاب إلى الغيبة فقال مستأنفا إرشادا إلى السؤال من جوابهم :( قالَ ) ولم يقل : فقلت( اتَّقُوا اللهَ ) أي اجعلوا بينكم وبين غضب الملك الأعظم الذي له الكمال وقاية تمنعكم عن الاجتراء على الاقتراح( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) أي بأنه قادر وأني رسوله ، فلا تفعلوا فعل من وقف إيمانه على رؤية ما يقترح من الآيات.
ولما كانت المعجزات إنما تطلب لإيمان من لم يكن آمن ، وكان في هذا الجواب أتم زجر لهم ، تشوف السامع إلى جوابهم فقيل : لم ينتهوا بل( قالُوا ) إنا لا نريدها لأجل إزالة شك عندنا بل( نُرِيدُ ) مجموع أمور :( أَنْ نَأْكُلَ مِنْها ) فإنا جياع ؛ ولما كان التقدير : فتحصل لنا بركتها ، عطف عليه :( وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ) أي بضم ما رأينا منها إلى ما سبق من معجزاتك من غير سؤالنا فيه( وَنَعْلَمَ ) أي بعين اليقين وحقه( أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا ) أي في كل ما أخبرتنا به( وَنَكُونَ عَلَيْها ) وأشاروا إلى عمومها بالتبعيض فقالوا :( مِنَ الشَّاهِدِينَ ) أي شهادة رؤية مستعلية عليها بأنها وقعت ، لا شهادة إيمان بأنها جائزة الوقوع( قالَ عِيسَى ) ونسبه زيادة في التصريح به تحقيقا ولأنه لا أب له وتسفيها لمن أطراه أو وضع من قدره فقال :( ابْنُ مَرْيَمَ اللهُمَ ) فافتتح دعاءه بالاسم الأعظم ثم بوصف الإحسان فقال :( رَبَّنا ) أي أيها المحسن إلينا( أَنْزِلْ عَلَيْنا ) وقدم المقصود فقال :( مائِدَةً ) وحقق موضع الإنزال بقوله :( مِنَ السَّماءِ ) ثم وصفها بما
تكون به بالغة العجب عالية الرتب فقال :( تَكُونُ ) أي هي أو يوم نزولها( لَنا عِيداً ) وأصل العيد كل يوم فيه جمع ، ثم قيد بالسرور فالمعنى : نعود إليها مرة بعد مرة سرورا بها ، ولعل منها ما يأتي من البركات حين ترد لهعليهالسلام ـ كما في الأحاديث الصادقة ، ويؤيد ذلك قوله مبدلا من «لنا» :( لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا ) .
ولما ذكر الأمر الدنيوي ، أتبعه الأمر الديني فقال :( وَآيَةً مِنْكَ ) أي علامة على صدقي( وَارْزُقْنا ) أي رزقا مطلقا غير مقيد بها ؛ ولما كان التقدير : فأنت خير المسؤولين ، عطف عليه قوله :( وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) أي فإنك تغني من تعطيه وتزيده عما يؤمله ويرتجيه بما لا ينقص شيئا مما عندك ، ولا تطلب منه شيئا غير أن ينفع نفسه بما قويته عليه من طاعتك بذلك الرزق( قالَ اللهُ ) أي الملك المحيط علما وقدرة.
( قالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (١١٥) وَإِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (١١٦) ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) )
ولما كان ظاهر سؤالهم من الاستفهام عن الاستطاعة للاضطراب وإن كان للإلهاب ، أكد الجواب فقال :( إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ ) أي الآن بقدرتي الخاصة بي( فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ ) أي بعد إنزالها( مِنْكُمْ ) وهذا السياق معشر بأنه يحصل منهم كفر ، وقد وجد ذلك حتى في الحواريين على ما يقال في يهودا الإسخريوطي أحدهم الذي دل على عيسىعليهالسلام ، فألقى شبهه عليه ، ولهذا خصه بهذا العذاب فقال :( فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ ) أي على سبيل البتّ والقطع( عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ ) أي مثله أبدا فيما يأتي من الزمان( أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ ) وفي هذا أتم زاجر لهذه الأمة عن اقتراح الآيات ، وفي ذكر قصة المائدة في هذه السورة التي افتتحت بإحلال المآكل واختتمت بها أعظم تناسب ، وفي ذلك كله إشارة إلى تذكير هذه الأمة بما أنعم عليها بما أعطى نبيها من المعجزات ومنّ عليها به من حسن الاتباع ، وتحذير من كفران هذه النعم المعددة عليهم ، وقد اختلف المفسرون في حقيقة هذه المائدة وفي أحوالها ؛ قال أبو حيان : وأحسن ما يقال فيه ما خرجه الترمذي في أبواب التفسير عن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال : «قال رسول اللهصلىاللهعليهوسلم :أنزلت المائدة من السماء خبزا ولحما ، وأمروا أن لا يدخروا لغد ولا يخونوا ،
فخانوا وادخروا ورفعوا لغد ، فمسخوا قردة وخنازير »(١) انتهى. قلت : ثم صحح الترمذي وقفه على عمار وقال : لا نعلم للحديث المرفوع أصلا ، غير أن ذلك لا يضره لكونه لا يقال من قبل الرأي ، ولا أعلم أحدا ذكر عمارا فيمن أخذ عن أهل الكتاب ، فهو مرفوع حكما ، وهذا الخبر يؤكد أن الخبر في الآية على بابه ، فيدفع قول من قال : إنها لم تنزل ، لأنهم لما سمعوا الشرط قالوا : لا حاجة لنا بها ، لأن خبره تعالى لا يخلف ولا يبدل القول لديه ، وهذا الرزق الذي من السماء قد وقع مثله لآحاد الأمة ؛ روى البيهقي في أواخر الدلائل عن أبي هريرة قال : كانت امرأة من دوس يقال لها أم شريك أسلمت في رمضان ، فأقبلت تطلب من يصحبها إلى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، فلقيت رجلا من اليهود فقال : ما لك يا أم شريك؟ قالت : أطلب رجلا يصحبني إلى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، قال : فتعالي فأنا أصحبك ، قالت : فانتظرني حتى أملأ سقائي ماء ، قال : معي ماء ما لا تريدين ماء ، فانطلقت معهم فساروا يومهم حتى أمسوا ، فنزل اليهودي ووضع سفرته فتعشى وقال : يا أم شريك! تعالي إلى العشاء! فقالت : اسقني من الماء فإني عطشى ، ولا أستطيع أن آكل حتى أشرب ، فقال لها : لا أسقيك حتى تهودي! فقالت : لا جزاك الله خيرا! غربتني ومنعتني أن أحمل ماء ، فقال : لا والله لا أسقيك منه قطرة حتى تهودي ، فقالت : لا والله لا أتهود أبدا بعد إذ هداني الله للإسلام ؛ فأقبلت إلى بعيرها فعقلته ووضعت رأسها على ركبته فنامت ، قالت : فما أيقظني إلا برد دلو قد وقع على جبيني ، فرفعت رأسي فنظرت إلى ماء أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل ، فشربت حتى رويت ، ثم نضحت على سقائي حتى ابتل ثم ملأته ، ثم رفع بين يديّ وأنا أنظر حتى توارى عني في السماء ، فلما أصبحت جاء اليهودي فقال : يا أم شريك! قلت : والله قد سقاني الله ، قال : من أين أنزل عليك؟ من السماء؟ قلت : نعم ، والله لقد أنزل الله عليّ من السماء ثم رفع بين يدي حتى توارى عني في السماء ؛ ثم أقبلت حتى دخلت على رسول اللهصلىاللهعليهوسلم فقصت عليه القصة ، فخطب رسول اللهصلىاللهعليهوسلم إليها نفسها فقالت : يا رسول الله! لست أرضي نفسي لك ولكن بضعي لك فزوجني من شئت ، فزوجها زيدا وأمر لها بثلاثين صاعا وقال : كلوا ولا تكيلوا ، وكان معها عكة سمن هدية لرسول اللهصلىاللهعليهوسلم فقالت لجارية لها : بلغي هذه العكة رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، قولي : أم شريك تقرئك
__________________
(١) أخرجه الترمذي ٣٠٦٢ وأبو يعلى ٥٦٥١ والطبري ١٣٠١٦ كلهم من حديث عمار بن ياسر. قال الترمذي : هذا حديث قد رواه أبو عاصم وغيره عن عمار بن ياسر موقوفا ولا نعرفه مرفوعا إلا من حديث الحسن بن قزعة وقال أيضا : حدثنا حميد بن مسعدة عن سعيد بن أبي عروبة نحوه ، ولم يرفعه ، وهذا أصح من حديث الحسن بن قزعة ا ه. وأخرجه الطبري ١٣٠١٨ موقوفا على عمار بن ياسر.
السّلام ، وقولي : هذه عكة سمن أهديناها لك ، فانطلقت بها الجارية إلى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم فأخذوها ففرغوها ، وقال لها رسول اللهصلىاللهعليهوسلم : علقوها ولا توكوها ، فعلقوها في مكانها ، فدخلت أم شريك فنظرت إليها مملوءة سمنا ، فقالت : يا فلانة! أليس أمرتك أن تنطلقي بهذه العكة إلى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ! فقالت : قد والله انطلقت بها كما قلت ، ثم أقبلت بها أضربها ما يقطر منها شيء ولكنه قال : علقوها ولا توكوها ، فعلقتها في مكانها ، وقد أوكتها أم شريك حين رأتها مملوءة فأكلوا منها حتى فنيت ، ثم كالوا الشعير فوجدوه ثلاثين صاعا لم ينقص منه شيء(١) ، قال : وروي ذلك من وجه آخر ، ولحديثه شاهد صحيح عن جابر رضي الله عنه(٢) . وروي بإسناده عن أبي عمران الجوني أن أم أيمن هاجرت من مكة إلى المدينة وليس معها زاد ، فلما كانت عند الروحاء وذلك عند غيبوبة الشمس عطشت عطشا شديدا ، قالت : فسمعت هفيفا شديدا فوق رأسي ، فرفعت رأسي فإذا دلو مدلى من السماء برشاء أبيض ، فتناولته بيدي حتى استمسكت به ، قالت : فشربت منه حتى رويت ، قالت : فلقد أصوم بعد تلك الشربة في اليوم الحار الشديد الحر ثم أطوف في الشمس كي أظمأ فما ظمئت بعد تلك الشربة. قال : وفي الجهاد عن البخاري عن أبي هريرة قال : «بعث رسول اللهصلىاللهعليهوسلم عشرة رهط سرية عينا ، وأمّر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري جد عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم ـ فذكر الحديث حتى قال : فابتاع خبيبا ـ يعني ابن عدي الأنصاري ـ بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف ، وكان خبيب قد قتل الحارث بن عامر يوم بدر ، فلبث خبيب عندهم أسيرا ، فأخبرني عبيد الله بن عياض أن ابنة الحارث قالت : والله ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب ، والله لقد وجدته يوما يأكل من قطف عنب في يده وإنه لموثق في الحديد وما بمكة من ثمر ، وكانت تقول : إنه لرزق من الله رزق خبيبا»(٣) الحديث. ومن الأمر الجلي أن عيسىعليهالسلام بعد أمر الله تعالى له بذكر هذه النعم يقوم في ذلك الجمع فيذكرها ويذكر المقصود من التذكير بها ، وهو الثناء على المنعم بها بما يليق بجلاله ، فيحمد ربه تعالى بمحامد تليق بذلك المقام في ذلك الجمع ، فمن أنسب الأمور حينئذ
__________________
(١) هذا اللفظ للبيهقي في أواخر دلائل النبوة. وأصله في الصحيح ، وهو الآتي.
(٢) حديث جابر أخرجه مسلم ٢٢٨٠ وأحمد ٣ / ٣٤٧ كلاهما من حديث جابر.
ولفظه : «أن أم مالك كانت تهدي للنبي صلىاللهعليهوسلم في عكة لها سمنا فيأتيها بنوها فيسألون الأدم وليس عندهم شيء ، فتعمد إلى الذي كانت تهدي فيه للنبي صلىاللهعليهوسلم ، فتجد فيه سمنا ، فما زال يقيم لها أدم بيتها حتى عصرته ، فأتت النبي صلىاللهعليهوسلم فقال عصرتيها قالت : نعم. قال : «لو تركتيها ما زال قائما».
(٣) صحيح. أخرجه البخاري ٤٠٨٦ من حديث أبي هريرة بزيادة «فخرجوا به من الحرم فقال : دعوني أصلي ركعتين ، ثم انصرف إليهم فقال : اللهم أحصهم عددا ، ثم قام إليه عقبة بن الحارث فقتله» ا ه.
سؤاله ـ وهو المحيط علما بمكنونات الضمائر وخفيات السرائر إثر التهديد لمن يكفر ـ عما كفر به النصارى ، فلذلك قال تعالى عاطفا على قوله إذا( قالَ اللهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ ) [المائدة : ١١٠]( وَإِذْ قالَ اللهُ ) أي بما له من صفات الجلال والجمال مشيرا إلى ما له من علو الرتبة بأداة النداء :( يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ) وذلك تحقيقا لأنه عمل بمقتضى النعمة وتبكيتا لمن ضل فيه من النصارى وإنكارا عليهم( أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ) أي الذين أرسلت إليهم من بني إسرائيل ، وكأنه عبر بذلك لزيادة التوبيخ لهم ، لكونهم اعتقدوا ذلك وفيهم الكتاب ، فكأنه لا ناس غيرهم( اتَّخِذُونِي ) أي كلفوا أنفسكم خلاف ما تعتقدونه بالفطرة الأولى في الله بأن تأخذوني( وَأُمِّي إِلهَيْنِ ) .
ولما كانت عبادة غير الله ـ ولو كانت على سبيل الشرك ـ مبطلة لعبادة الله ، لأنه سبحانه أغنى الأغنياء ، ولا يرضى الشرك إلا فقير ، قال :( مِنْ دُونِ اللهِ ) أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له ، فيكون المعنى : اتخذوا تألهنا سلما تتوصلون به إلى الله ، ويجوز أن يكون المعنى على المغايرة ، ولا دخل حينئذ للمشاركة.
ولما كان من المعلوم لنا في غير موضع أنه لم يقل ذلك ، صرح به هنا توبيخا لمن أطراه ، وتأكيدا لما عندنا من العلم ، وتبجيلا لهصلىاللهعليهوسلم بما يبدي من الجواب ، وتفضيلا بالإعلام بأنه لم يحد عن طريق الصواب ، بل بذل الجهد في الوفاء بالعهد ، وتقريعا لمن قال ذلك عنه وهو يدعي حبه واتباعهعليهالسلام وتخجيلا لهم ، فلما تشوفت لجوابه الأسماع وأصغت له الآذان ، وكان في ذكره من الحكم ما تقدمت الإشارة إليه ، ذكره سبحانه قائلا :( قالَ ) مفتتحا بالتنزيه( سُبْحانَكَ ) أي لك التنزه الأعظم عن كل شائبة نقص ، ودل بالمضارع على أن هذا القول لا يزال ممنوعا منه فقال :( ما يَكُونُ لِي ) أي ما ينبغي ولا يصح أصلا( أَنْ أَقُولَ ) أي في وقت من الأوقات( ما لَيْسَ لِي ) وأغرق في النفي كما هو حق المقام فقال :( بِحَقٍّ ) .
ولما بادرعليهالسلام إعظاما للمقام إلى الإشارة إلى نفي ما سئل عنه ، أتبعه ما يدل على أنه كان يكفي في الجواب عنه : أنت أعلم ، وإنما أجاب بما تقدم إشارة إلى أن هذا القول تكاد السماوات يتفطرن منه ومبادرة إلى تبكيت من ادّعاه له ، فقال دالا على أنه لم يقنع بما تضمن أعظم المدح لأن المقام للخضوع :( إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ ) أي مطلقا للناس أو حدثت به نفسي( فَقَدْ عَلِمْتَهُ ) وهو مبالغة في الأدب وإظهار الذلة وتفويض الأمر كله إلى رب العزة ؛ ثم علل الإخبار بعلمه بما هو من خواص الإله فقال :( تَعْلَمُ ) ولما كانت النفس يعبر بها عن الذات ، وكان القول يطلق على النفس ،
فإذا انتفى انتفى اللساني ، قال :( ما فِي نَفْسِي ) أي وإن اجتهدت في إخفائه ، فإنه خلقك ، وما أنا له إلا آلة ووعاء ، فكيف به إن كنت أظهرته.
ولما أثبت له سبحانه ذلك ، نفاه عن نفسه توبيخا لمن ادعى له الإلهية فقال مشاكلة :( وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ ) أي ما أخفيته عني من الأشياء ؛ ثم علل الأمرين كليهما بقوله :( إِنَّكَ أَنْتَ ) أي وحدك لا شريك لك( عَلَّامُ الْغُيُوبِ ) .
ولما نفى عن نفسه ما يستحق النفي ودل عليه ، أثبت ما قاله لهم على وجه مصرح بنفي غيره ليكون ما نسب إليه من دعوى الإلهية منفيا مرتين : إشارة وعبارة ، فقال معبرا عن الأمر بالقول مطابقة للسؤال ، وفسر بالأمر بيانا لأن كل ما قاله من مباح أو غيره دائر على الأمر من حيث الاعتقاد بمعنى أن المخاطب بما قاله الرسول مأمور بأن يعتقد فيه أنه بتلك المنزلة ، لا يجوز أن يعتقد فيه أنه فوقها ولا دونها ، يعبد الله تعالى بذلك :( ما قُلْتُ لَهُمْ ) أي ما أمرتهم بشيء من الأشياء( إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ ) ثم فسره دالا بشأن المراد بالقول الأمر بالتعبير في تفسيره بحرف التفسير بقوله :( أَنِ اعْبُدُوا ) أي ما أمرتهم إلا بعبادة( اللهَ ) أي الذي لم يستجمع نعوت الجلال والجمال أحد غيره ؛ ثم أشار إلى أنه كما يستحق العبادة لذاته يستحقها لنعمه فقال :( رَبِّي وَرَبَّكُمْ ) أي أنا وأنتم في عبوديته سواء ، وهذا الحصر يصح أن يكون للقلب على أن دون بمعنى غير ، وللإفراد على أنها بمعنى سفول المنزلة ، وهو من بدائع الأمثلة.
ولما فهمصلىاللهعليهوسلم من هذا السؤال أن أتباعه غلوا في شأنه ، فنزه الله سبحانه وعز شأنه من ذلك وأخبره بما أمر الناس به في حقه سبحانه من الحق ، اعتذر عن نفسه بما يؤكد ما مضى نفيا وإثباتا فقال :( وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ ) أي خاصة لا على غيرهم.
ولما كان سبحانه قد أرسله شاهدا ، زاد في الطاعة في ذلك إلى أن بلغ جهده كإخوانه من الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام ، فقال معبرا بصيغة المبالغة :( شَهِيداً ) أي بالغ الشهادة ، لا أرى فيهم منكرا إلا اجتهدت في إزالته( ما دُمْتُ فِيهِمْ ) وأشار إلى الثناء على الله بقوله :( فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي ) أي رفعتني إلى السماء كامل الذات والمعنى مع بذلهم جهدهم في قتلي( كُنْتَ أَنْتَ ) أي وحدك( الرَّقِيبَ ) أي الحفيظ القدير( عَلَيْهِمْ ) لا يغيب عليك شيء من أحوالهم ، وقد منعتهم أنت أن يقولوا شيئا غير ما أمرتهم أنا به من عبادتك بما نصبت لهم من الأدلة وأنزلت عليهم على لساني من البينات( وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ) أي منهم ومن غيرهم حيوان وجماد( شَهِيدٌ ) أي مطلع غاية الاطلاع ، لا يغيب عنك شيء منه سواء كان في عالم الغيب أو الشهادة ، فإن كانوا قالوا ذلك فأنت تعلمه دوني ، لأني لما بعدت عنهم في المسافة انقطع علمي عن أحوالهم.
( إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨) قالَ اللهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩) لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠) )
ولما كان هذا الذي سلف كله سؤالا وجوابا وإخبارا حمد الله تعالى وثناء عليه بما هو أهله بالتنزيه له والاعتراف بحقه والشهادة له بعلم الخفايا والقدرة والحكمة وغير ذلك من صفات الجلال والجمال ، وكان هذا السؤال يفهم إرادة التعذيب للمسؤول عنهم مشيرا إلى الشفاعة فيهم على وجه الحمد لله سبحانه وتعالى والثناء الجميل عليه لأن العذاب ولو للمطيع عدل ، والعفو عن المعاصي بأيّ ذنب كان فضل مطلقا ، وغفران الشرك ليس ممتنعا بالذات ، قال :( إِنْ تُعَذِّبْهُمْ ) أي القائلين بهذا القول( فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ ) أي فأنت جدير بأن ترحمهم ولا اعتراض عليك في عذابهم لأن كل حكمك عدل( وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ ) أي تمح ذنوبهم عينا وأثرا( فَإِنَّكَ أَنْتَ ) أي خاصة أنت( الْعَزِيزُ ) فلا أحد يعترض عليك ولا ينسبك إلى وهن( الْحَكِيمُ ) فلا تفعل شيئا إلا في أعلى درج الإحكام ، لا قدرة لأحد على تعقيبه ولا الاعتراض على شيء منه.
ولما انقضى جوابه عليه الصلاة والسّلام على هذا الوجه الجليل ، تشوف السامع إلى جواب الله له ، فقال تعالى مشيرا إلى كون جوابه حقا ومضمونه صدقا ، منبها على مدحه حاثا على ما بنيت عليه السورة من الوفاء بالعقود :( قالَ اللهُ ) أي الملك المحيط بالجلال والإكرام جوابا لكلامه( هذا ) أي مجموع يوم القيامة ؛ ولما كان ظهور الجزاء النافع هو المقصود قال :( يَوْمُ ) هذا على قراءة الجماعة بالرفع ، وقراءة نافع بالنصب غير منون أيضا لإضافته إلى متمكن بمعنى : هذا الذي ذكر واقع ؛ أو قال الله هذا الذي تقدم يوم( يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ ) أي العريقين في هذا الوصف نفعا لا يضرهم معه شيء( صِدْقُهُمْ ) أي الذي كان لهم في الدنيا وصفا ثابتا ، فحداهم على الوفاء بما عاهدوا عليه ، فكأنه قيل : ينفعهم بأيّ شيء؟ فقال :( لَهُمْ جَنَّاتٌ ) أي هي من ريّ الأرض الذي يستلزم زكاء الشجر وطيب الثمر بحيث( تَجْرِي ) ولما كان تفرق المياه في الأراضي أبهج ، بعض فقال :( مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ) ولما كان مثل هذا لا يريح إلا إذا دام قال :( خالِدِينَ فِيها ) وأكد معنى ذلك بقوله :( أَبَداً ) .
ولما كان ذلك لا يتم إلا برضى المالك قال :( رَضِيَ اللهُ ) أي الذي له صفات الكمال( عَنْهُمْ ) أي بجميع ما له من الصفات ، وهو كناية عن أنه أثابهم بما يكون من الراضي ثوابا متنوعا بتنوع ما له من جميع صفات الكمال والجمال ؛ ولما كان ذلك لا يكمل ويبسط ويجمل إلا برضاهم قال :( وَرَضُوا عَنْهُ ) يعني أنه لم يدع لهم شهوة إلا
أنالهم إياها ، وقال ابن الزبير بعدما أسلفته عنه : فلما طلب تعالى المؤمنين بالوفاء فيما نقض به غيرهم ، وذكّرهم ببعض ما وقع فيه النقض وما أعقب ذلك فاعله ، وأعلمهم بثمرة التزام التسليم والامتثال ، أراهم جل وتعالى ثمرة الوفاء وعاقبته ، فقال تعالى( وَإِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ) [المائدة : ١١٦] إلى قوله ـ( هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ ) ـ إلى آخرها. فيحصل من جملتها الأمر بالوفاء فيما تقدمها وحال من حاد ونقض ، وعاقبة من وفى ، وأنهم الصادقون ، وقد أمرنا أن نكون معهم( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) [التوبة : ١١٩] ـ انتهى.
ولما كان سبحانه قد أمرهم أول السورة بالوفاء شكرا على ما أحل لهم في دنياهم ، ثم أخبر أنه زاد الشاكرين منهم ورقاهم إلى أن أباحهم أجلّ النفائس في أخراهم ، ووصف سبحانه هذا الذي أباحه لهم إلى أن بلغ في وصفه ما لا مزيد عليه ، أخذ يغبطهم به فقال :( ذلِكَ ) أي الأمر العالي لا غيره( الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) .
ولما كان هذا الذي أباحه لهم وأباحهم إياه لا يكون إلا بأسباب لا تسعها العقول ، ولا تكتنه بفروع ولا أصول ، علل إعطاءه إياه وسهولته لديه بقوله مشيرا إلى أن كل ما ادعيت فيه الإلهية مما تقدم في هذه السورة وغيرها بعيد عن ذلك ، لأنه ملكه وفي ملكه وتحت قهره :( لِلَّهِ ) أي الملك الذي لا تكتنه عظمته ولا تضعف قدرته ، لا لغيره( مُلْكُ السَّماواتِ ) بدأ بها لأنها أشرف وأكبر ، وآياتها أدل وأكثر( وَالْأَرْضِ ) على اتساعهما وعظمهما وتباعد ما بينهما( وَما فِيهِنَ ) أي من جوهر وعرض.
ولما كان ذلك أنهى ما نعلمه ، عمم بقوله :( وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ) أي من ذلك وغيره من كل ما يريد( قَدِيرٌ ) فلذلك هو يحكم ما يريد لأنه هو الإله وحده ، وهو قادر على إسعاد من شاء وإشقاء من شاء ، وإحلال ما شاء وتحريم ما شاء ، والحكم بما يريد ونفع الصادقين الموفين بالعقود الثابتين على العهود ، لأن له ملك هذه العوالم وما فيها مما ادعى فيه الإلهية من عيسى وغيره ، والكل بالنسبة إليه أموات ، بل موات جديرون بأن يعبر عنهم ب «ما» لا ب «من» ، فمن يستحق معه شيئا ومن يملك معه ضرا أو نفعا! وقد انطبق آخر السورة على أولها كما ترى أي انطباق ، واتسقت جميع آياتها أخذا بعضها بحجز بعض أيّ اتساق ؛ فسبحان من أنزل هذا القرآن على أعظم البيان! مخجلا لمن أباه من الأمم ، معجزا لأصحاب السيف والقلم ، والله سبحانه وتعالى أعلم.
بسم الله الرحمن الرّحيم
سورة الأنعام
( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢) )
مقصودها الاستدلال على ما دعا إليه الكتاب في السورة الماضية من التوحيد بأنه الحاوي لجميع الكمالات من الإيجاد والإعدام والقدرة على البعث وغيره ، وأنسب الأشياء المذكورة فيها لهذا المقصد الأنعام ، لأن الإذن فيها ـ كما يأتي ـ مسبب عما ثبت له من الفلق والتفرد بالخلق ، وتضمن باقي ذكرها إبطال ما اتخذوه من أمرها دينا ، لأنه لم يأذن فيه ولا أذن لأحد معه ، لأنه المتوحد بالإلهية ، لا شريك له ، وحصر المحرمات من المطاعم التي هي جلّها في هذا الدين وغيره ، فدل ذلك على إحاطة علمه ، وسيأتي في سورة طه البرهان الظاهر على أن إحاطة العلم ملزومة لشمول القدرة وسائر الكمالات ، وذلك عين مقصود السورة ، وقد ورد من عدة طرق ـ كما بينت ذلك في كتابي «مصاعد النظر»(١) أنها نزلت جملة واحدة يشيعها سبعون ألف ملك ، لهم زجل(٢) بالتسبيح ، وفي رواية : إن نزولها كان ليلا(٣) ، وإن الأرض كانت ترتج لنزولها(٤) . وهي كلها في حجاج المشركين وغيرهم من المبتدعة والقدرية وأهل الملل
__________________
(١) اسم الكتاب بتمامه : مصاعد النظر على مقاصد السور.
(٢) ضعيف. أخرجه الطبراني في الصغير ٢٢٠ من حديث ابن عمر. وقال : نقرد به يوسف بن عطية عن ابن عون. قال الهيثمي في المجمع ٧ / ١٩. ٢٠ : يوسف بن عطية الصفار. ضعيف ، وورد من حديث أنس بنحوه رواه الطبراني عن شيخه محمد بن عبد الله بن عرس عن أحمد بن محمد السالمي ولم أعرفهما ا ه وورد هذا عن ابن مسعود وابن عباس موقوفا.
(٣) موقوف. ذكره السيوطي في الدر المنثور ٣ / ٢ وقال : رواه ابن الضريس ، أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس.
(٤) موقوف. قال السيوطي في الدر المنثور ٣ / ١ : أخرجه ابن الضريس عن ابن عباس موقوفا.
الزائغة ، وعليها مبنى أصول الدين لاشتمالها على التوحيد والعدل والنبوة والمعاد وإبطال مذاهب الملحدين ، وإنزالها على الصورة المذكورة يدل على أن أصول الدين في غاية الجلالة ، وأن تعلّمه واجب على الفور لنزولها جملة ، بخلاف الأحكام فإنها تفرق بحسب المصالح ، ولنزولها ليلا دليل على غاية البركة لأنه محل الأنس بنزوله تعالى إلى سماء الدنيا ، وعلى أن هذا العلم لا يقف على أسراره إلا البصراء الأيقاظ من سنة الغفلات ، أولو الألباب أهل الخلوات ، والأرواح الغالبة على الأبدان وهم قليل.( بِسْمِ اللهِ ) الذي بين دلائل توحيده بأنه الجامع لصفات الكمال( الرَّحْمنِ ) الذي أفاض على سائر الموجودات من رحمته بالإيجاد والإعدام ما حيّر لعمومه الأفهام ، فضاقت به الأوهام( الرَّحِيمِ ) الذي حبا أهل الإيمان بنور البصائر حتى كان الوجود ناطقا لهم ، بالإعلام بأنه الحي القيوم السّلام.( الْحَمْدُ ) أي الإحاطة بأوصاف الكمال( لِلَّهِ ) .
لما ختم سبحانه تلك بتحميد عيسىعليهالسلام لجلاله في ذلك اليوم في ذلك الجمع ، ثم تحميد نفسه المقدسة بشمول الملك والقدرة ، إذ الحمد هو الوصف بالجميل ؛ افتتح سبحانه وتعالى هذه السورة بالإخبار بأن ذلك الحمد وغيره من المحامد مستحق له استحقاقا ثابتا دائما قبل إيجاد الخلق وبعد إيجاده سواء شكره العباد أو كفروه ، لما له سبحانه وتعالى من صفات الجلال والكمال ـ على ما تقدمت الإشارة إليه في الفاتحة ـ فأتى بهذه الجملة الاسمية المفتتحة باسم الحمد الكلي الجامع لجميع أنواعه الدالة على الاستغراق ، إما بأن اللام له عند الجمهور ، أو بأنها للجنس ـ كما هو مذهب الزمخشري ، ويؤول إلى مذهب الجمهور ، فإن الجنس إذا كان مختصا به لم يكن فرد منه لغيره ، إذ الجنس لا يوجد إلا ضمن أفراده ، فمتى وجد فرد منه لغيره كان الجنس موجودا فيه فلم يكن الجنس مختصا به وقد قلنا : إنه مختص ، وهذا التحميد صار بوصفه فردا من أفراد تحميد الفاتحة تحقيقا لكونها أمّا ، وعقبها سبحانه بالدليل الشهودي على ما ختم به تلك من الوصف بشمول القدرة بوصفه بقوله :( الَّذِي خَلَقَ ) .
ولما كان تعدد السماوات ظاهرا بالكواكب في سيرها وحركاتها في السرعة والبطوء واستتار بعضها ببعض عند الخسوف وغيره وغير ذلك مما هو محرر عند أهله :
جمعها فقال :( السَّماواتِ ) أي على علوها وإحكامها ، قدمها لما تقدم قريبا( وَالْأَرْضَ ) أي على تحليها بالمنافع وانتظامها.
ولما كان في الجعل معنى التضمن فلا يقوم المجعول بنفسه قال :( وَجَعَلَ ) أي أحدث وأنشأ لمصالحكم( الظُّلُماتِ ) أي الأجرام المتكاثفة كما تقدم( وَالنُّورَ ) وجمع الأول تنبيها على أن طرق الشر والهلاك كثيرة تدور على الهوى ، وقد تقرر بهذا
ما افتتح به السورة ، لأن من تفرد باختراع الأشياء كان هو المختص بجميع المحامد ، ومن اختص بجميع المحامد لم يكن إله سواه ولم يكن له شريك ، لا ثاني اثنين ولا ثالث ثلاثة ولا غير ذلك ، وما أحسن ختمها ـ بعد الإشارة إلى هذه المقاصد المبعدة لأن يكفر به أو يعدل به شيء ـ بقوله :( ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي ستروا ما دلتهم عليه عقولهم من أدلة وحدانيته التي لا خفاء بها عن أحد جرّد نفسه من الهوى ، وعالج أدواءه بأنفع دواء ، لإحاطته بجميع صفات الكمال ، وزاد الأمر تقبيحا عليهم بإبدال ما كان الأصل في الكلام من الضمير بقوله :( بِرَبِّهِمْ ) أي المحسن إليهم الذي لم يروا إحسانا إلا منه( يَعْدِلُونَ ) أي يجعلون غيره ممن لا يقدر على شيء معادلا له مع معرفتهم به بأنه الذي أبدع الأشياء ، كفرا لنعمته وبعدا من رحمته ، فبعضهم عدل به بعض الجواهر من خلقه من السماء كالنجوم ، أو من الأرض كالأصنام ، أو بعض ما ينشأ عن بعض خلقه من الأعراض وهو خلقه كالنور والظلمة ، والحال أن تقلباتهما تدل بأدنى النظر على أمرين : الأول بعدهما عن الصلاحية للإلهية لتغيرهما( قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ) [الأنعام : ٧٦] ، والثاني قدرة خالقهما ومغيرهما على البعث لإيجاد كل منهما بعد إعدامه كما هو شأن البعث ـ إلى غير ذلك من الأسرار التي تدق عن الأفكار ، وتقديم الظلمة مناسب لسياق العادلين ، والتعبير بثم للتنبيه على ما كان ينبغي لكل راو لهذا الخلق من الإبعاد عن الكفر لبعده عن الصواب ، فقد لاح أن مقصد السورة الاستدلال على ما دعا إليه الكتاب الذي تبين أنه الهدى من توحيد الله والاجتماع عليه والوفاء بعهوده بأنه سبحانه وحده الخالق الحائز لجميع الكمالات من القدرة على البعث وغيره ، وما أنسب ذلك بختم المائدة بذكر يوم الجمع وأن لملكه جميع الملك ، وهو على كل شيء قدير ، وهذه السورة أول السور الأربع المشيرة إلى جميع النعم المندرجة تحت النعم الأربع التي اشتملت عليها الفاتحة ، وكل سورة منها مشيرة إلى نعمة من النعم الأربع ، فقوله :( خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ) ـ الآية ثم( خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ) ثم( وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ ) [الأنعام : ٣٨] ـ الآية ، متكفل بتفصيل نعمة الإيجاد الأول لجميع العالمين من السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما من آدمي وغيره المشار إليه في الفاتحة برب العالمين كما تقدم.
ولما تكفلت السور المتقدمة بالرد على مشركي العرب واليهود والنصارى مع الإشارة إلى إبطال جميع أنواع الشرك ، سيق مقصود هذه السورة في أساليب متكفلة بالرد على بقية الفرق ، وهم الثنوية من المجوس القائلون بإلهين اثنين وبأصلين : النور والظلمة ، ويقرون بنبوة إبراهيم عليه الصلاة والسّلام فقط ، والصابئة القائلون بالأوثان