نظم الدّرر الجزء ٢

نظم الدّرر0%

نظم الدّرر مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف: علوم القرآن
الصفحات: 761

  • البداية
  • السابق
  • 761 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 26 / تحميل: 23
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 2

مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
العربية

( أَتْلُ ) أي أقرأ ، من التلاوة وهي اتباع بعض الحروف بعضا. ولما كان القصد عموم كل أحد بالتلاوة وإنما خص المخاطبين بالذكر لاعتقادهم خلاف ذلك ، وكان المحرم أهم ، قدمه فقال :( ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ ) أي المحسن إليكم بالتحليل والتحريم( عَلَيْكُمْ ) فسخطه منكم ، وما وصاكم به إقداما وإحجاما فرضيه لكم من قبيلي الأصول والفروع ؛ ثم فسر فعل التلاوة ناهيا عن الشرك ، وما بعده من مضمون الأمر إنما عدي عنها ، فقال :( أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ) الآيات مرتبا جملها أحسن ترتيب ، فبدأ بالتوحيد في صريح البراءة من الشرك إشارة إلى أن التخلي عن الرذائل قبل التحلي بالفضائل ، فإن التقية بالحمية قبل الدواء ، وقرن به البر لأنهما من باب شكر المنعم وتعظيما لأمر العقوق ، ثم أولاه القتل الذي هو أكبر الكبائر بعد الشرك ، وبدأه بقتل الولد لأنه أفحشه وأفحش من مطلقه فعله خوف القلة ، فلما وصى بأول واجب للمنعم الأول الموجد من العدم ، أتبعه ما لأول منعم بعده بالتسبب في الوجود ، فقال ناهيا عن الإساءة في صورة الأمر بالإحسان على أوكد وجه لما للنفوس من التهاون في حقهما ، وكذا جميع المأمورات ساقها هذا السياق المفهم لأن أضدادها منهي عنها ليكون مأمورا بها منهيا عن أضدادها ، فيكون ذلك أوكد لها وأضخم :( وَبِالْوالِدَيْنِ ) أي افعلوا بهما( إِحْساناً. )

ولما أوصى بالسبب في الوجود ، نهى عن التسبب في الإعدام وبدأ بأشده فقال :( وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ ) ولما كان النهي عاما ، وكان ربما وجب على الولد قتل ، خص لبيان الجهة فقال :( مِنْ إِمْلاقٍ ) أي من أجل فقر حاصل بكم ، ثم علل ذلك ، ولأجل أن الظاهر هو حصول الفقر قدم الآباء فقال :( نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ ) بالخطاب ، أي أيها الفقراء ، ثم عطف عليه الأبناء فقال :( وَإِيَّاهُمْ ) وظاهر قوله في الإسراء( خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ) [الإسراء : ٣١] أن الآباء موسرون ولكنهم يخشون من إطعام الأبناء الفقر ، فبدأ بالأولاد فقال : «نحن نرزقهم» ثم عطف الآباء فقال «وإياكم» ـ نبه عليه أبو حيان.

ولما كان قتلهم أفحش الفواحش بعد الشرك ، أتبعه النهي عن مطلق الفواحش ، وهي ما غلظت قباحته ، وعظم أمرها بالنهي عن القربان فضلا عن الغشيان فقال :( وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ) ثم أبدل منها تأكيدا للتعميم قوله :( ما ظَهَرَ مِنْها ) أي الفواحش( وَما بَطَنَ ) ثم صرح منها بمطلق القتل تعظيما له بالتخصيص بعد التعميم فقال :( وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ ) أي الملك الأعلى عليكم قتلها( إِلَّا بِالْحَقِ ) أي الكامل ، ولا يكون كاملا إلا وهو كالشمس وضوحا لا شبهة فيه ، فصار قتل الولد منهيا عنه ثلاث مرات ؛ ثم أكد المذكور بقوله :( ذلِكُمْ ) أي الأمر العظيم في هذه المذكورات.

ولما كانت هذه الأشياء شديدة على النفس ، ختمها بما لا يقوله إلا المحب

٧٤١

الشفوق ليتقبلها القلب فقال :( وَصَّاكُمْ بِهِ ) أمرا ونهيا ؛ ولما كانت هذه الأشياء لعظيم خطرها وجلالة وقعها في النفوس لا تحتاج إلى مزيد فكر قال :( لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) أي لتكونوا على رجاء من المشي على منهاج العقلاء ، فعلم من ذكر الوصية أن هذه المذكورات هي الموصى بها والمحرمات أضدادها ، فصار شأنها مؤكدا من وجهين : التصريح بالتوصية بها ، والنهي عن أضدادها.

( وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣) )

ولما كان المال عديل الروح من حيث إنه لا قوام لها إلا به ، ابتدأ الآية التي تليها بالأموال ، ولما كان أعظمها خطرا وحرمة مال اليتيم لضعفه وقلة ناصره ، ابتدأ به فنهي عن قربه فضلا عن أكله أو شربه فقال :( وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ ) أي بنوع من أنواع القربان عمل فيه أو غيره( إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) من الخصال من السعي في تنميته وتثميره وليستمر ذلك( حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ) وهو سن يبلغ به أوان حصول عقله عادة وعقل يظهر به رشده ؛ ثم ثنى بالمقادير على وجه يعم فقال :( وَأَوْفُوا ) أي أتموا( الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ ) لأنهما الحكم في أموال الأيتام وغيرهم ؛ ولما كان الشيء ربما أطلق على ما قاربه نحو (قد قامت الصلاة) أي قرب قيامها ، وهذا وقت كذا ـ إذا قرب جدا ، أزيل هذا الاحتمال بقوله :( بِالْقِسْطِ ) أي إيفاء كائنا به من غير إفراط ولا تفريط.

ولما كانت المقادير لا تكاد تتساوى لا سيما الميزان فإنه أبعدها من ذلك ، وأقربها الذرع وهو داخل في الكيل ، فإنه يقال : كال الشيء بالشيء : قاسه ، أشار إلى أنه ليس على المكلف المبني أمره على العجز للضعف إلا الجهد فقال :( لا نُكَلِّفُ ) أي على ما لنا من العظمة( نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ) وما وراء الوسع معفو عنه ؛ ثم ثلث بالعدل في القول لأنه الحكم على الأموال وغيرها ، وقدم عليه الفعل لأنه دال عليه ، فصار الفعل موصى به مرتين فقال :( وَإِذا قُلْتُمْ ) أي في شهادة أو في حكم أو توفيق بين اثنين أو غير ذلك( فَاعْدِلُوا ) أي توفيقا بين القول والفعل.

ولما كانت النفوس مجبولة على الشفقة على القريب قال :( وَلَوْ كانَ ) أي المقول في حقه له أو عليه بشهادة أو غيرها( ذا قُرْبى ) ولا تحابوه طمعا في مناصرته أو خوفا من مضارته ؛ ثم ختم بالعهد لجمعه الكل في القول والفعل فقال :( وَبِعَهْدِ اللهِ ) أي

٧٤٢

الملك الأعظم خاصة( أَوْفُوا ) وهذا يشمل كل ما على الإنسان وله ، فإن الله لم يهمل شيئا بغير تقدم فيه ؛ ثم أكد تعظيم ذلك بقوله :( ذلِكُمْ ) أي الأمر المعتنى به( وَصَّاكُمْ بِهِ ) أي ربكم المحسن إليكم.

ولما كانت هذه الأفعال والأقوال شديدا على النفس العدل فيها لكونها شهوات ، تقدم بالترغيب فيها والترهيب منها بأن كل من يفعل شيئا منها مع غيره يوشك أن يفعل معه مثله ، فلذلك حض على التذكر في الوصية بها ولأنها خفية تحتاج إلى مزيد تدبر فقال :( لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) أي لتكونوا بحيث يحصل لكم التذكر ـ ولو على وجه خفي بما أشار إليه الإدغام ـ فيما جبلت عليه نفوسكم من محبة مثل ذلك لكم ، فتحكموا لغيركم بما تحكمون به لأنفسكم.

ولما قرر هذه الشرائع ، نبه على تعظيمها بالخصوص على وجه يعم جميع ما ذكر في السورة بل وفي غيرها ، فقال عاطفا على ما تقديره ـ عطفا على المنهيات وأضداد المأمورات على وجه يشمل سائر الشريعة ـ : ولا تزيغوا عن سبيلي :( وَأَنَ ) أي ولأن ـ على قراءة الجماعة بالفتح ، أي اتبعوه لذلك ، وعلى قراءة ابن عامر ويعقوب بالكسر هو ابتداء( هذا ) أي الذي شرعته لكم( صِراطِي ) حال كونه( مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ ) أي بغاية جهدكم لأنه الجامع للعباد على الحق الذي فيه كل خير.

ولما كان الأمر باتباعه متضمنا للنهي عن غيره ، صرح به تأكيدا لأمره فقال :( وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ ) أي المنشعبة عن الأهوية المفرقة بين العباد ، ولذا قال مسببا( فَتَفَرَّقَ بِكُمْ ) أي تلك السبل الباطلة( عَنْ سَبِيلِهِ ) ولما مدحه آمرا به ناهيا عن غيره مبينا للعلة في ذلك ، أكد مدحه فقال :( ذلِكُمْ ) أي الأمر العظيم من اتباعه( وَصَّاكُمْ بِهِ. )

ولما كان قد حذر من الزلل عنه ، وكان من المعلوم أن من ضل عن الطريق الأقوم وقع في المهالك ، وكان كل من يتخيل أنه يقع في مهلك يخاف ، قال :( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) أي اتبعوه واتركوا غيره ليكون حالكم حال من يرجى له أن يخاف من أن يزل فيضل فيهلك ، وهذا كما مدحه سبحانه سابقا في قوله( وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً ) [الأنعام : ١٢٦] ،( قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ) [الأنعام : ١٢٦] وفصل ما هنا من الأحكام في ثلاث آيات ، وختم كل آية لذلك بالوصية ليكون ذلك آكد في القول فيكون أدعى للقبول ، وختم كل واحدة منها بما ختم لأنه إذا كان العقل دعا إلى التذكير فحمل على التقوى.

٧٤٣

( ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤) وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللهِ وَصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧) )

ولما كانت هذه الآيات الثلاث وافية بالآيات العشر التي كتبها الله لموسىعليه‌السلام على لوحي الشهادة في أول ما أوحي إليه في طور سيناء المشار إليها بقوله( وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ ) [الأنعام : ٩١] وبنى عليها التوراة وأمره أن يودعها في تابوت العهد لتكون شهادة عليهم وعلى أعقابهم كما هو مذكور في وسط السفر الثاني من التوراة وقد مضى بيانه في البقرة ويأتي في آخر هذه المقولة وزائدة عليها من الأحكام والمحاسن ما شاء الله ؛ حسن أن تذكر بعدها التوراة ، فقال مشيرا بأداة التراخي إلى كل من الترتيب والتعظيم :( ثُمَّ آتَيْنا ) أي بما لنا من العظمة التي تقتضي تعظيم ما كان من عندنا( مُوسَى الْكِتابَ ) أي المشار إليه بقوله تعالى( قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى ) [الأنعام : ٩١] ـ وهي ـ والله أعلم ـ معطوفة على قوله( وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ) [الأنعام : ١٤٦] لأنه تعالى بعد أن أعطى موسى العشر الآيات واعده إلى الجبل مواعدة ثانية ، فشرع له بعض الأحكام وأمره بنصب قبة الزمان التي يوحي إليه فيها ويصلون إليها ، وببعض ما يتخذ من آلاتها كما مضى في البقرة ، ثم ذكر بعد ذلك بيسير تحريم الشحوم عليهم ، فقال في أوائل السفر الثالث وهو سفر الكهنة ، وفيه تلخيص أمر القرابين : ودعا الرب موسى وكلمه في قبة الأمد وقال له : كلم بني إسرائيل وقل لهم : كل إنسان منكم إذا قرب للرب قربانا من البهائم فلتكن قرابينكم من البقر ومن الغنم ـ إلى أن قال : ويقرب قربانا للرب الحجاب المبسوط على الأحشاء وكل الثوب الذي على الأكشاح والكليتين والشحم الذي عليهما وعلى الجنب ـ إلى أن قال : وقال : الشحوم للرب عهد الأبد ، ولا تأكلوا دما ولا شحما ، ثم قال : وكلم الرب موسى وقال له : كلم بني إسرائيل وقل لهم : لا تأكلوا شحم البقر ولا شحم الغنم : الضأن والماعز جميعا ، لأن كل من أكل شحم بهيمة ويقرب قربانا للرب ، تهلك تلك النفس من شعبها ، ولا تأكلوا دما حيث ما سكنتم ، لا دم البهائم ولا دم الطير ، وأيّة نفس أكلت دما تهلك تلك النفس من شعبها ، وقال في السفر الخامس : فأما الدم فلا تأكلوا ولكن ادفقوه على الأرض مثل الماء ، ثم قال بعده

٧٤٤

بقليل : وكلوا في قراكم من كل شهوات أنفسكم ، ولكن إياكم أن تأكلوا دما ، لأن دم البهيمة هو في نفسها ، فلا تأكلوا النفس مع اللحم ليحسن إليكم وإلى أولادكم من بعدكم إذا عملتم الحسنة أمام الله ربكم ؛ رجع إلى السفر الثالث ثم قال : ودخل موسى وهارون إلى قبة الزمان وخرجا ودعوا الشعب ، فظهر مجد الرب أمام جميع الشعب ، ونزلت نار من قبل الرب فأحرقت الشحم والذبيحة الكاملة لله على المذبح ، وعاين ذلك جميع الشعب وحمدوا الله ، وخر الشعب كله على وجهه ؛ ثم ذكر عقب ذلك بيسير محرمات الحيوان ، وكذا ذكر في السفر الخامس وقد جمعت بينهما ومعظم السياق للخامس : قال : لا تأكلوا شيئا نجسا ، هذا! كلوا من جميع البهائم : الثور : والحمل والنعجة والمعز والأيل والظبي والجوذر والرخ والرئم والوعل والثيثل كل بهيمة ذات ظلف مقسوم ظلفها تجتر كلوها ، وحرموا من التي لا تجتر ، ومن التي لها ظلوف مقسومة ولا تجتر الجمل والأرنب والوبر التي تجتر وليس لها أظلاف مقسومة هي نجسة لكم ، وفي الثالث : وحرموا من البهائم التي ليست لها أظلاف التي تجتر : الجمل الذي يجتر وليس له أظلاف هو نجس محرم عليكم ، والأرنب الذي يجتر وليس له أظلاف منجس محرم عليكم ؛ رجع : والخنزير الذي له أظلاف ولا يجتر هو نجس ، لا تأكلوا من لحوم هذه ولا تقربوا إلى أجسادها ؛ وقال في الثالث : ولا تمسوا لحومها لأنها نجسة محرمة عليكم ؛ وقال في الخامس من ترجمة الاثنين والسبعين : وإياكم أن تأكلوا كل نجس ، ويكون الذي تأكلونه من الدواب العجل من البقر والخروف من الغنم والجدي من المعز أو الأيل والغزال والعين والوعل وعنز الجبل واليحمور وناقة القمر والزرافة ، وكل دابة مشقوقة الظلف وهي تنبت أظافير في كل ظلفها واجتر من الدواب. فإياه فكلوا ، والذي لا تأكلون منه من الذي يجتر ومن المشقوق الظلف الذي ينبت له أظافير الجمل والأرنب واليربوع ، فإن ذلك يجتر ولكنه غير مشقوق الظلف ، وهو لا يحل لكم ، والخنزير أيضا فإن ظلفه مشقوق وينبت في ظلفه أظافير غير أنه لا يجتر ، وما لا يجتر فإنه لا يحل لكم فلا تأكلوا من لحومها ولا تقربوا أجسادها ؛ وقال في الثالث منها : وكلم الرب موسى وهارون وقال لهما : كلما بني إسرائيل وقولا لهما : إن الذي تأكلونه من المواشي من جميع الأنعام التي على الأرض كل بهيمة قد شق ظلفها وهي تخرج أظفارا في كلا ظلفيها وتجتر ، فذلك الذي تأكلونه من الأنعام ، والذي لا يحل مما يجتر ولم يشق ظلفه الجمل الذي يجتر وظلفه غير مشقوق فإنه غير طاهر لكم ، واليربوع ـ وفي نسخة : السنجاب ـ الذي يجتر وظلفه غير مشقوق فإنه غير طاهر لكم لم يطهر لكم ، والأرنب الذي يجتر وظلفه غير مشقوق فإنه لا يطهر لكم والخنزير فإنه مشقوق

٧٤٥

الظلف ويخرج أظفارا في ظلفه وهو لا يجتر فإنه لا يطهر لكم فلا تأكلوا من لحومها ولا تمسوا ما مات منها ، فإن ذلك لا يطهر لكم ؛ رجع إلى نسختي ، ثم ذكر في الطير ودواب البر قريبا مما في شرعنا إلى أن قال : ولا تأكلوا أشياء نجسة بل ادفعوها إلى السكان الذين في قراكم يأكلونها أو يبيعونها من الغرباء ، لأنك شعب طاهر لله ربك لا تطبخوا جديا بلبن أمه ؛ وقال في ترجمة الاثنين والسبعين : ولا تطبخ الخروف بلبن أمه ؛ وقال في السفر الخامس : وكلوا من الطير ما كان زكيا وحرموا هذه التي أصف لكم ، لا تأكلوا منها شيئا : النسر والحداء ـ وذكر نحوا مما عندنا ، وقال في نسختي في الثالث : فمن مس شيئا من هذه ـ أي المحرمات ـ يكون نجسا إلى المساء ، ومن حمل منها شيئا فليغسل ثيابه ويكون نجسا إلى الليل ـ انتهى. الظبي ـ بالمعجمة المشاركة ـ معروف ، والجوذر ـ بفتح الجيم والذال المعجمة والراء : البقرة الوحشية ، والرئم ـ بكسر المهملة : الظبي الخالص البياض ، والثيثل ـ بمثلثتين مفتوحتين بينهما ياء تحتانية ساكنة : بقر الوحش ، والأيل ـ بفتح الهمزة وكسر التحتانية المشددة ، الوعل ـ بفتح الواو وكسر المهملة ـ وهو تيس الجبل ، والحمل ـ بفتح المهملة : الرضيع من أولاد الضأن ، وقوله : لا تطبخوا جديا بلبن أمه ، الظاهر أن معناه النهي عن أكله ما دام يرضع ، وما بعد الذي في الثالث هو معظم التوراة ، والذي في الخامس إنما هو إعادة لما في الثالث ، فإن الخامس تلخيص لجميع ما تقدمه من القصص والأحكام مع زيادات ، فصدق أن إيتاء الكتاب أتى معظمه بعد تحريم ما حرم عليهم ، ويجوز ـ وهو أحسن ـ أن يكون معطوفا على محذوف تقديره : ذلكم وصاكم به كما وصى بني إسرائيل في الفصل الذي نسبته من التوراة كنسبة أم القرآن من القرآن ، وذلك هي العشر الآيات التي هي أول ما كتبه الله لموسىعليه‌السلام ، وهي أول التوراة في الحقيقة لأنها أول الأحكام ، وما قبلها فهو قصص وحاصل هذه العشر آيات : الرب إلهك الذي أصعدك من أرض مصر من العبودية والرق ، لا يكونن لك إله غيري ، لا تقسم باسمي كذبا ، احفظ يوم السبت ، أكرم والديك ، لا تقتل ، لا تزن ، لا تسرق ، لا تشهد بالزور ، لا تمدن عينيك إلى ما في أيدي الناس ، فالمعنى : ذلك وصيناكم به كما وصينا بني إسرائيل به في العشر الآيات وبعض ما آتينا موسى من التوراة ، ويجوز أن يكون التقدير : لكون هذه الآيات محكمة في كل الشرائع لم تنسخ في أمة من الأمم ولا تنسخ ، وصاكم به يا بني آدم في الزمن الأقدم ، ولم يزدد الأمر بها في التوصية إلا شدة( ثُمَّ آتَيْنا ) أي بما لنا من العظمة( مُوسَى الْكِتابَ ) أي جميعه وهي فيه ، حال كونه( تَماماً ) لم ينقص عما يصلحهم شيئا( عَلَى ) الوجه( الَّذِي أَحْسَنَ ) أي أتى بالإحسان فأثبت الحسن وجمعه بما بيّن من

٧٤٦

الشرع وبما حمى طوائف أهل الأرض به من الإهلاك بعامه ، فإنه نقل أن الله تعالى لم يهلك قوما هلاكا عاما بعد إنزال التوراة( وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ ) من جملة ذلك الفصل المحتوي على الكلمات العشر الحاوية لكل شيء يحتاج إليه من أمر الدين والدنيا ، كما أن القرآن تفصيل لكل شيء من الجوامع السبع التي حوتها أم القرآن الحاوية لمصالح الدارين ، وفي هذين الاحتمالين المقتضيين لكون «ثم» على حقيقتها من الترتيب والمهلة علم من أعلام النبوة ، وهو الاطلاع على أن العشر الآيات وتحريم ما حرم عليهم بالبغي في أوائل ما أوحي إلى موسىعليه‌السلام بعد إغراق فرعون وأن معظم التوراة أنزل بعد ذلك ، وهذا لا يعرفه إلا أحبارهم( وَهُدىً ) أي بيانا( وَرَحْمَةً ) أي إكراما لمن يقبله ويعمل به( لَعَلَّهُمْ ) أي بني إسرائيل( بِلِقاءِ رَبِّهِمْ ) أي الذي أخرجهم من مصر من العبودية والرق بقوته العظيمة وكلماته التامة( يُؤْمِنُونَ ) أي ليكون حالهم بعد إنزال الكتاب ـ لما يرون من حسن شرائعه وفخامة كلامه وجلالة أمره ـ حال من يرجى أن يجدد الإيمان في كل وقت بلقاء ربه لقدرته على البعث الذي الإيمان به نهاية تصديق الأنبياء لأنه لا تستقل به العقول ، وإنما يثبت بالسمع مع تجويز العقل له ، فيعلموا أنه لا يشبهه شيء كما أن كلامه لا يشبهه كلام فلا يبغوا باتخاذ عجل غاية أمره خوار لا يفهم ومجمجة لا تفيد.

فلما بين أن إنزال الكتب رحمة منه لأن غايتها الدلالة على منزلها فتمتثل أوامره وتتقى مناهيه وزواجره ، بين أنه لم يخص تلك الأمم بذلك ، بل أنزل على هذه الأمة كتابا ولم يرض لها كونه مثل تلك الكتب ، بل جعله أعظمها بركة وأبينها دلالة ، فقال :( وَهذا ) أي القرآن( كِتابٌ ) أي عظيم( أَنْزَلْناهُ ) أي بعظمتنا إليكم بلسانكم حجة عليكم( مُبارَكٌ ) أي ثابت كل ما فيه من وعد ووعيد وخير وغيره ثباتا لا تمكن إزالته مع اليمن والخير.

ولما كان هذا معناه : وكان داعيا إليه محببا فيه ، سبب عنه قوله :( فَاتَّبِعُوهُ ) أي ليكون جميع أموركم ثابتة ميمونة ، ولما أمر باتباعه وكان الإنسان ربما تبعه في الظاهر ، أمر بإيقاع التقوى المصححة للباطن إيقاعا عاما ، ولذلك حذف الضمير فقال :( وَاتَّقُوا ) أي ومع ذلك فأوقعوا التقوى ، وهي إيجاد الوقاية من كل محذور ، فإن الخطر الشديد والسلامة على غير القياس ، فلا تزايلوا الخوف من منزله بجهدكم ، فإن ذلك أجدر أن يحملكم على تمام الاتباع وإخلاصه( لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) أي ليكون حالكم حال من يرجى له الإكرام بالعطايا الجسام ، والآيتان ناظرتان إلى قوله تعالى( قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى ) ـ إلى قوله ـ :( وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ ) [الأنعام : ٩٢] ، ثم

٧٤٧

بين المراد من إنزاله وهو إقامة الحجة البالغة فقال :( أَنْ ) أي لأن لا( تَقُولُوا ) أو كراهة أن تقولوا أيتها الأمة الأمية( إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ ) أي الرباني المشهور( عَلى طائِفَتَيْنِ ) وقرب الزمن وبعّضه بإدخال الجار فقال :( مِنْ قَبْلِنا ) أي اليهود والنصارى( وَإِنْ ) أي وأنا ـ أو وأن الشأن ـ( كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ ) أي قراءتهم لكتابهم قراءة مرددة.

ولما كانت هي المخففة أتى باللام الفارقة بينها وبين النافية فقال :( لَغافِلِينَ ) أي لا نعرف حقيقتها ولا ثبتت عندنا حقيتها ولا هي بلساننا( أَوْ تَقُولُوا ) أي أيها العرب : لم نكن عن دراستهم غافلين بل كنا عالمين بها ، ولكنه لا يجب اتباع الكتاب إلا على المكتوب إليه فلم نتبعه ، و( لَوْ أَنَّا ) أهلنا لما أهلوا له حتى( أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ ) أي جنسه أو الكتاب الذي أنزل إليهم من عند ربنا( لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ ) أي لما لنا من الاستعداد بوفور العقل وحدة الأذهان واستقامة الأفكار واعتدال الأمزجة والإذعان للحق ، ولذلك سبب عن هاتين العلتين قوله :( فَقَدْ جاءَكُمْ ) وذكر الفعل مدحا لهذا القرآن وتفضيلا وتشريفا له على كل ما تقدمه وتنبيها على أن بيان هذه السورة في النهاية لأنها سورة أصول الدين( بَيِّنَةٌ ) أي حجة ظاهرة بلسانكم( مِنْ رَبِّكُمْ ) أي المحسن إليكم على لسان رجل منكم تعرفون أنه أولاكم بذلك( وَهُدىً ) أي بيان لمن تدبره عظيم( وَرَحْمَةٌ ) أي إكرام لمن قبله ، فكذبتم بها.

ولما قامت عليهم الحجة ، حسن وقوع تحذير التقرير بقوله :( فَمَنْ ) أي فتسبب عن تكذيبكم أنه يقال بيانا لأنكم أظلم الناس : من( أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ ) أي أوقع التكذيب( بِآياتِ اللهِ ) أي الذي لا أعظم منه فلا أعظم من آياته ، لأن الأثر على قدر المؤثر( وَصَدَفَ ) أي أعرض إعراضا صار به كأنه في صفد أي سد عن سهولة الانقياد للدليل( عَنْها ) بعد ما عرف صحتها.

ولما كان الجواب قطعا : لا أحد أظلم منه ، فكان الحال مقتضيا لتوقع ما يجازى به ، قال :( سَنَجْزِي ) أي بوعد صادق لا خلف فيه ، وأظهر ما أصله الإضمار تعميما وتعليقا للحكم بالوصف فقال :( الَّذِينَ يَصْدِفُونَ ) أي يجددون الإعراض ولا يتوبون( عَنْ آياتِنا ) أي على ما لها من العظمة( سُوءَ الْعَذابِ ) أي الذي يسوء نفسه( بِما كانُوا يَصْدِفُونَ ) أي بسبب إعراضهم الذي كان عادة لهم.

( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨) إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩) )

٧٤٨

ولما كان أسوأ السوء حقوق العذاب ، وكان حقوقه بعدم قبول التوبة ، فسره بقوله مهونا له ومسهلا بتجريد الفعل :( هَلْ يَنْظُرُونَ ) أي ما ينتظرون هؤلاء المكذبون أدنى انتظار وأقربه وأيسره( إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ ) أي حال تكذيبهم( الْمَلائِكَةُ ) أي بالأمر الفيصل من عذابهم كما هي عادتها في إتيانها المكذبين( أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ ) أي ظهور أمر المحسن إليك أتم ظهور بجميع الآيات التي تحملها العقول وذلك يوم الجزاء( أَوْ يَأْتِيَ ) وأبهم تهويلا للأمر وتعظيما فقال :( بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ ) أي أشراط الساعة التي يكون فيها ظهوره التام وإحسانه إليك الأعظم مثل دابة الأرض التي تميز الكافر من المؤمن وطلوع الشمس من مغربها المؤذن بإغلاق باب التوبة ؛ روى البخاري في التفسير وغيره عن أبي هريرة قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها ، فإذا رآها الناس آمن من عليها ، فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ، ثم قرأ الآية.

ولما كان إتيان الملائكة ـ أي كلهم ـ أمرا لا يحتمل العقول وصف عظمته ، ولا بشرى للمجرمين عند رؤيته ، فإنه لو وقع على صورتهم لتقطعت أوصالهم ولم يحتمله قواهم فقضي الأمر ثم لا ينظرون ، وأما تجلي الرب سبحانه وعز اسمه وجلت عظمته.

فالأمر أعظم من مقالة قائل

إن رقق البلغاء أو إن فخموا

ترك ما يترتب عليه وقال :( يَوْمَ يَأْتِي ) أي يكشف ويظهر( بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ ) أي المحسن إليك بالإتيان بذلك تصديقا لك وترويعا وتدميرا لمخالفيك( لا يَنْفَعُ نَفْساً ) أي كافرة( إِيمانُها ) أي إذ ذاك ، ولا نفسا مؤمنة كسبها الخير إذ ذاك في إيمانها المتقدم على تلك الآية بالتوبة فما وراءها ، ولذلك بينه بقوله واصفا نفسا :( لَمْ تَكُنْ ) أي الكافرة( آمَنَتْ ) ويسر الأمر ببعض زمان القبل ، ولم يكلف باستغراقه بالإيمان فقال :( مِنْ قَبْلُ ) أي قبل مجيء الآية في زمن متصل بمجيئها.

ولما ذكر الكافرة ، أتبعها المؤمنة فقال عاطفا على( آمَنَتْ ) :( أَوْ ) لم تكن المؤمنة العاصية( كَسَبَتْ ) أي من قبل( فِي إِيمانِها ) أي السابق على مجيء الآية( خَيْراً ) أي توبة ، وبعبارة أخرى : نفسا كافرة إيمانها المجدد بعد مجيء الآية ، وهو معنى( لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ ) أو نفسا مؤمنة كسبها الخير بعد مجيء الآية ما لم تكن كسبت في إيمانها السابق على الآية خيرا ، والحاصل أنه لا يقبل عند ذلك إيمان كافر ولا توبة فاسق ـ كما قاله البغوي ـ لأن المقصود من التصديق والتوبة الإيمان بالغيب وقد فات بالآية الملجئة ، فيكون فاعل الفعل المقدر في( كَسَبَتْ ) محذوفا ، والتقدير : لا ينفع نفسا لم تكن آمنت من قبل ، أو لم تكن كسبت في إيمانها خيرا إيمانها وكسبها ، فالإيمان راجع إلى من لم

٧٤٩

يؤمن ، والكسب راجع إلى من لم يكسب ، وهو ظاهر ، والتهديد بعدم نفع الإيمان عند مجيء الآية أعظم دليل على ما ذكرته من التقدير ، والآية من الاحتباك : ذكر إيمانها أولا دليل على حذف كسبها من الجملة الثانية ، وذكر جملتي آمنت وكسبت ثانيا دال على حذف كافرة ومؤمنة أولا.

ولما كان هذا تهديدا ـ كما ترى ـ هائلا ، أتبعه ما هو أشد منه للتنبيه على أن أهل الإيمان سالمون من ذلك بقوله :( قُلِ انْتَظِرُوا ) أي بغاية جهدكم أيها المكذبون( إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ) بجهدنا ، وستعلمون لمن تكون العاقبة.

ولما نهى عن اتباع السبل لأنها سبب التفرق عن الحق ، وكان قد كرر في هذه السورة نصب الحجج وإنارة الأدلة وإزاحة الشكوك ومحو آثار الشبه ، وأشرفت السورة على الانقضاء. وكان من المعلوم قطعا أن الحق ـ من حيث هو حق ـ شديد التأثير في إزهاق الباطل فكيف إذا كان كلام الملك الذي لا يخالف أمره ولا يخرج عن إرادته ؛ اشتد استشراف النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى رؤية ذلك الأثر مع ما عنده من الحرص على إسلام قومه لما طبعه الله عليه من الشفقة على جميع الخلق عموما وعليهم خصوصا ، وإنما يكون ذلك الأثر بإيجاد هدايتهم ومحو غوايتهم ، فلما ختم سبحانه بهذين التهديدين العظيمين الدالين على غشاوتهم ، فاتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم مما كان رجاه من هدايتهم أمر كأنه كان قد حصل ، وذلك مورث للشفوق من الأسف على ما لا يدري قدره ولا يوصف خبره ، فثبته سبحانه وسلاه بقوله :( إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا ) أي بعد إبلاغك إياهم( دِينَهُمْ ) أي بتكذيبهم ببعض آيات الله وصدوفهم عنها وإيمانهم ببعضها ففارقوه ، لأن الكفر بعضه كفر بكله ، وأضيف الدين إليهم لشدة رغبتهم فيه ومقاتلتهم عليه( وَكانُوا شِيَعاً ) كل فرقة تشايع وتشيع إمامها كالعرب الذين تحزبوا أحزابا بالاستكثار من الأصنام ، فكان في كل قطر لهم معبود أو اثنان فأكثر ، وكأهل الكتاب الذين ابتدعوا في دينهم بدعا أوصلتهم إلى تكفير بعضهم بعضا وآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض ، وكالمجوس الذين مزقوا دينهم باعتقاد أن الإله اثنان : النور والظلمة ، وعبدوا الأصنام والنجوم وجعلوا لكل نجم صنما يتوسل به في زعمهم إليه( لَسْتَ مِنْهُمْ ) أي من حسابهم ولا من عقابهم ولا من خلق الهداية في قلوبهم( فِي شَيْءٍ ) وفي هذا غاية الحث على الاجتماع ونهاية التوعد على الافتراق.

ولما خفف عنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بتبرئته منهم ، أسند إلى نفسه المقدس ما يحق له في إحاطة علمه وقدرته ، فقال جوابا لمن يقول : فإلى من يكون أمرهم؟ :( إِنَّما أَمْرُهُمْ ) أي في ذلك كله وفي كل ما يتعلق بهم مما لا يحصره حد ولا يحصيه عد( إِلَى اللهِ ) أي الملك

٧٥٠

الذي لا أمر لأحد معه غيره ، فمن شاء هداه ومن شاء أعماه ، ومن شاء أهلكه ومن شاء أبقاه لأن له كمال العظمة.

ولما كان الحشر متراخيا عن ذلك كله في الرتبة وفي الزمان ، لا تبلغ كنه عظمته العقول ، نبه على ذلك بالتعبير بأداة التراخي والتنبيه بقوله :( ثُمَ ) بعد استيفاء ما ضرب لهم من الآجال( يُنَبِّئُهُمْ ) أي تنبئه عظيمة جليلة مستقصاة بعد أن يحشرهم إليه داخرين( بِما كانُوا ) أي جبلة وطبعا( يَفْعَلُونَ ) أي من تلك الأشياء القبيحة التي كان لهم إليها أتم داعية غير متوقفين في إصدارها على علم مع ادعاء التدين بها ، والآية ـ مع ما تقدم من مقتضياتها ـ تعليل لقوله( وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ) [الأنعام : ١٥٣].

( مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦٠) قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٢) )

ولما أخبر أن أمرهم ليس إلا إليه ، كان كأنه قيل : فما ذا يفعل بهم حينئذ؟ فأجيب بقوله :( مَنْ جاءَ ) أي منهم أو من غيرهم( بِالْحَسَنَةِ ) أي الكاملة بكونها على أساس الإيمان( فَلَهُ ) من الحسنات( عَشْرُ أَمْثالِها ) كرما وإحسانا وجودا وامتنانا ، يجازيه بذلك في الدنيا أو في الآخرة ، وهذا المحقق لكل أحد ويزداد البعض وضوحا بحسب النيات ، وذكر العشر ، لأنه بمعنى الحسنة ، وهو مضاف إلى ضميرها. ولما تضمن قوله( وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ ) [الأنعام : ١٥٣] مع تعقيبه بقوله( لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ) [الأنعام : ١٥٢] الإشارة إلى أن المساواة في الجزاء مما ينقطع دونه أعناق الخلق ، أخبر أن ذلك عليه هين لأن عمله شامل وقدرته كاملة بقوله :( وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ ) أي أيّ شيء كان من هذا الجنس( فَلا يُجْزى ) أي في الدارين( إِلَّا مِثْلَها ) إذا جوزي ، ويعفو عن كثير.

ولما كانت المماثلة لا يلزم كونها من كل وجه وإن كانت ظاهرة في ذلك ولا سيما في هذه العبارة ، صرح بما هو ظاهره لأنه أطيب للنفس وأسكن للروع فقال :( وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) أي بكونها مثلها في الوحدة وإن كانت أكبر أو من جنس أشد من جنسها ونحو ذلك ، بل المماثلة موجودة في الكم والكيف ، فلا ينقص أحد في ثواب ولا يزاد في عقاب.

٧٥١

ولما تضمن ما مضى تصحيح التوحيد بالأدلة القاطعة وتحقيق أمر القضاء والقدرة وإبطال جميع أديان الضلال ووصفها بتفرق أهلها الدال على بطلانها واعوجاجها ، وختم بهذا التحذير الذي لا شيء أقوم منه ولا أعدل ، أمرهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالإعلان بأمره وأن يصف دينه الذي شرعه له وهداه إليه بما فيه من المحاسن تحبيبا فيه وحثا عليه ولأن ذلك من نتيجة هذه السورة فقال :( قُلْ ) وأكد بالإتيان بالنونين فقال :( إِنَّنِي هَدانِي ) أي بيانا وتوفيقا( رَبِّي ) أي المحسن إليّ بكل خير لا سيما هذا الذي أوحاه إليّ وأنزله عليّ( إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) أي طريق واسع بين ، ثم مدحه بقوله :( دِيناً قِيَماً ) أي بالغ الاعتدال والاستقامة ثابتها ، هذا على قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو بفتح القاف وتشديد الياء المكسورة ، وهو في قراءة الباقين بكسر القاف وفتح الياء الخفيفة مصدر بمعنى القيام وصف به للمبالغة ، وزاده مدحا بقوله مذكرا لهم ـ لتقليدهم الآباء ـ بأنه دين أبيهم الأعظم :( مِلَّةَ إِبْراهِيمَ ) والملة ما أظهره نور العقل من الهدى في ظلم ما التزمه الناس من عوائد أمر الدنيا ـ أفاده الحرالي. ولذلك قال :( حَنِيفاً ) أي لينا هينا سهلا قابلا للاستقامة لكونه ميالا مع الدليل غير جاف ولا كز واقف مع التقليد عمى عن نور الدليل ـ كما تقدم ذلك في البقرة ، وهو معنى قوله :( وَما ) أي والحال أنه ما( كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) أي الجامدين مع أوهامهم في ادعاء شريك لله مع رؤيتهم له في كونه لا يضر ولا ينفع ولا يصلح لشركه آدمي فضلا عن غيره بوجه ، لا ينقادون لدليل ولا يصغون إلى قيل ، فكان هذا مدحا لهذا الدين الذي هدى إليهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وبيانا لأنه الذي اختاره سبحانه لخليله إبراهيمعليه‌السلام رجوعا إلى( وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ ) [الأنعام : ٧٤] الذي بنيت السورة في الحقيقة عليه ، وألقيت أزمة أطرافها إليه ، وترغيبا في هذا الدين لأن جميع المخالفين يتشبثون بأذيال إبراهيمعليه‌السلام : العرب وأهل الكتابين بنسبة الأبوة ، والمجوس بنسبة البلد والأخوة ، وأشار بذلك إلى أن محمداصلى‌الله‌عليه‌وسلم فهم ما حاج به أبوه إبراهيمعليه‌السلام قومه وقبله ، فلم ينسب كغيره إلى جمود ولا عناد.

ولما كان كأن سائلا قال : وما هذه الملة التي تكرر مدحها والدعاء إليها؟ أجاب بقوله ليتأسى به أهل الإيمان ، فليلتزموا جميع ما يدعو إليه على وجه الإخلاص :( قُلْ إِنَّ صَلاتِي ) أي التي هي لباب الدين وصفاوته( وَنُسُكِي ) أي جميع عبادتي من الذبائح وغيرها( وَمَحْيايَ ) أي حياتي وكل ما تجمعه من زمان ومكان وفعل( وَمَماتِي لِلَّهِ ) أي الملك الأعظم الذي لا يخرج شيء عن أمره ؛ ولما علم بالاسم الأعظم أنه يستحق ذلك لذاته ، أعلم أنه يستحقه من كل أحد لإحسانه إليه وإنعامه عليه فقال :( رَبِّ الْعالَمِينَ ) الموجد والمدبر والموعي لهم.

٧٥٢

( لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣) قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥) )

ولما أعلم أنه يستحقه لذاته ووصفه ، أعلم أنه يستحقه وحده فقال :( لا شَرِيكَ لَهُ ) أي ليكون لشريكه على زعمكم شيء من العبادة لما كان له شيء من الربوبية ، فأبان بهذا أن وجههصلى‌الله‌عليه‌وسلم ووجه من تبعه واحد لا افتراق فيه ، وهو قصد الله وحده على سبيل الإخلاص كما أنه يوحد بالإحياء والإماتة فينبغي أن يوحد بالعبادة.

ولما دل على ذلك ببرهان العقل ، أتبعه بجازم النقل فقال عاطفا على ما تقديره : إلى ذلك أرشدني دليل العقل :( وَبِذلِكَ ) أي الأمر العالي من توجيه أموري إليه على وجه الإخلاص.

ولما كان له سبحانه في كل شيء آية تدل على أنه واحد ، فكان كل شيء آمرا بالتوحيد بلسان حاله أو ناطق قاله ، بني للمفعول قوله :( أُمِرْتُ ) أي يعني أن هذا الدين لو لم يرد به أمر كان ينبغي للعاقل أن يدين به ولا يعدل عنه لشدة ظهوره وانتشار نوره بما قام عليه من الدلائل ودرج على اتباعه من الأفاضل والأماثل ، فكيف إذا برزت به الأوامر الإلهية ودعت إليه الدواعي الربانية( وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) أي المنقادين لما يدعو إليه داعي الله في هذا الدين ، لا اختيار لي أصلا ، بل أنا مسلوب الاختيار فيه منقاد أتم انقياد ، وهذه الأولية على سبيل الإطلاق في الزمان والرتبة بالنسبة إلى أمتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وفي الرتبة بالنسبة إلى من تقدمه من الأنبياء وغيرهم ، وهذا أيضا من باب الإحسان في الدعاء بالتقدم إلى ما يدعو إليه وأن يحب للمدعو ما يحب لنفسه ليكون أنفى للتهمة وأدل على النصيحة فيكون أدعى للقبول.

ولما حاجوه في الشرك في هذه السورة غير مرة كما حاج إبراهيمعليه‌السلام قومه ، وكان آخر ذلك أن دعاهمصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى تلاوة ما أنزل عليه سبحانه في تحريم الشرك وشرح دينه القيم ، ثم كرر هنا ذمهم بالتفرق الدال على الضلال ولا بد ، ومدح دين الرسل الذي تقدم أنهم لم يختلفوا فيه أصلا ، وأيأس الكفار من موافقتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لهم نوعا من الموافقة وميله معهم شيئا من الميل ، أمره سبحانه ـ بعد أن ثبت بأول السورة وأثنائها وآخرها أنه لا رب غيره ـ بالإنكار على من يريد منه ميلا إلى غير من تفرد بمحياه ومماته ، فكان له التفرد بما بينهما وما بعد ذلك من غير شبهة ، والتوبيخ الشديد فقال :

٧٥٣

( قُلْ ) أي لهؤلاء الذي يطمعون أن تطرد أصحابك من أجلهم( أَغَيْرَ اللهِ ) أي الذي له الكمال كله( أَبْغِي ) أي أطلب وأريد بالإشراك فإن الغنى المطلق لا يقبل ممن أشرك به شيئا( رَبًّا ) أي منعما يتولى مصالحي كما بغيتم أنتم ، فهو تعريض بهم وتنبيه لهم ، والإسناد إليهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ والمراد جميع الخلق ـ من باب الإنصاف في المناظرة للاستعطاف( وَهُوَ ) أي والحال أنه كما ثبت بالقواطع وركز في العقول الثوابت وطبع في أنوار الأفكار اللوامع( رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ) أي موجده ومربيه ، أفينبغي لأحد أن يدين لغير سيده وذلك الغير مربوب مثله لسيده ، هذا ما لا يرضاه عاقل لنفسه.

ولما أنكر على من يجنح إلى غيره مع عموم بره وخيره ، أتبعه الترويع من قويم عدله في عظيم ضره فقال :( وَلا ) أي والحال أنه لا( تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ) أي ذنبا وإن قل مع التصميم والعزم القوي الذي هو بحيث يصدقه العمل ـ كما مضى في آية البقرة( إِلَّا عَلَيْها ) أي لا يمكن أن يكون باطلا لا عليها ولا على غيرها ، وإذا كان عليها لا يمكن أن يحاسب به سبحانه سواها لأنه عدل حكيم فكيف أدعو غيره دعاء جليا أو خفيا وذلك أعظم الذنوب! وللتنفير من الشرك الخفي بالرياء وكل معصية وإن صغرت ، جرد الفعل عن الافتعال لئلا يتوهم أنه لا يكون عليها إلا ما بالغت فيه ، والسياق هنا واضح في أن الكسب مقيد بالذنب فإنه في دعاء غير الله وآية البقرة للإيماء إلى الذنب الذي لا يقع إلا بشهوة شديدة من النفس له لطبعها على النقائص ، فهي لا تنافي هذه لأن ما كسبته من الذنوب قد علم من ثمّ أنه اكتساب ، وأحسن من هذا أن يقال : ولما كان المعنى أني إن بغيت ربا غيره وكلني إلى ما توليته ، وأنا إنسان والإنسان مطبوع على النقائص فهلكت ، عبر عنه بقوله مجردا للفعل لقصد العموم :( وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ) بما هي نفس ناظرة في نفاستها معرضة عن ربها موكولة إلى حولها وقوتها( إِلَّا عَلَيْها ) ولا يحمل عنها غيرها شيئا من وزرها ؛ ولما كان ربما حمل أحد عن غيره شيئا من أثقاله مساعدة له ، نفى ذلك بقوله :( وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ ) أي تحمل حاملة ولو كانت والدا أو ولدا( وِزْرَ ) أي إثم( أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى ) [فاطر : ١٨] فإذا كان الأمر كذلك فلا يجعل بعاقل أن يعرض نفسه لحمل شيء من غضب هذا الملك الذي لا شريك له وإليه المرجع وإن طال المدى.

ولما عم في الكسب وحمل الوزر لئلا يقول متعنت أن خص هذا لك لا لنا ، عم في المرجع أيضا لمثل ذلك ، فقال مهددا لهم بعد كمال الإيضاح عاطفا على ما أرشد إليه الإنكار من النفي في نحو أن يقال : إني لا أفعل شيئا من ذلك ، لا أبغي ربا غير ربي أصلا ، وأما أنتم فافعلوا ما أنتم فاعلون فإن ربكم عالم به :( ثُمَ ) أي بعد طول الإمهال

٧٥٤

لكم لطفا منه بكم( إِلى رَبِّكُمْ ) أي الذي أحسن إليكم بكل نعمة ، لا إلى غيره( مَرْجِعُكُمْ ) أي بالحشر وإن عمرتم كثيرا أو بقيتم طويلا( فَيُنَبِّئُكُمْ ) أي يخبركم إخبارا جليلا عظيما مستوفى.

ولما كان قد تقدم أنهم فرقوا دينهم ، قال :( بِما كُنْتُمْ ) أي جبلة وطبعا ، ولذلك قدم الجار ليفيد الاهتمام به لقوة داعيتهم إليه من غير إكراه ولا ذهول ولا نسيان فقال :( فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) أي مع رسول وغيره ، ويدينكم على جميع ذلك بما تستحقونه ، وحالكم جدير بأن يعظم عقابكم لأنكم كفرتم نعمته ؛ قال أبو حيان : حكى النقاش أنه روي أن الكفار قالوا للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : ارجع يا محمد إلى ديننا واعبد آلهتنا واترك ما أنت عليه ونحن نتكفل لك بكل ما تحتاج إليه في دنياك وآخرتك ، فنزلت هذه الآية ـ انتهى.

ولما قدم أنه المحسن إلى كل شيء بالربوبية ، وختم بالتهديد بالحشر ، أتبعه التذكير بتخصيصهم بالإحسان ، فقال عاطفا على( وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ) مستعطفا لهم إليه بالتذكير بنعمته :( وَهُوَ ) أي لا غيره( الَّذِي جَعَلَكُمْ ) أي أيها الإنس( خَلائِفَ الْأَرْضِ ) أي تفعلون فيها فعل الخليفة متمكنين من كل ما تريدونه ، ويجوز أن يراد بذلك العرب ، ويكون ظاهر الكلام أن المراد بالأرض ما هم فيه من جزيرة العرب ، وباطنه البشارة بإعلاء دينهم الإسلام على الدين كله وغلبتهم على أكثر أهل الأرض في هذه الأزمان وعلى جميع أهل الأرض في آخر الزمان( وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ ) في مراقي العقل والعلم والدين والمال والجاه والقوة الحسية والمعنوية( فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ ) أي مع كونكم من نفس واحدة ، وربما كان الوضيع أعقل من الرفيع ولم ينفعه عقله فيدل ذلك دلالة واضحة على أن ذلك كله إنما هو فعل الواحد القهار ، لا بعجز ولا جهل ولا بخل ؛ ثم علل ذلك بقوله :( لِيَبْلُوَكُمْ ) أي يفعل معكم فعل المختبر ليقيم الحجة عليكم وهو أعلم بكم منكم( فِي ما آتاكُمْ ) فينظر هل يرحم الجليل الحقير ويرضى الفقير بعطائه اليسير ، ويشكر القوي ويصبر الضعيف!.

ولما ذكر علو بعضهم على بعض ، وكان من طبع الآدمي التجبر ، أتبعه التهديد للظالم والاستعطاف للتائب بما يشير ـ بما له سبحانه من علو الشأن وعظيم القدرة ـ إلى ضعف العالي منهم وعجزه عن عقاب السافل بمن يحول بينه وبينه من شفيع وناصر وبما يحتاج إليه من تمهيد الأسباب ، محذرا من البغي والعصيان فقال موجها الخطاب إلى أكمل الخلق تطييبا لقلبه إعلاما بأنه رباه سبحانه أجمل تربية وأدبه أحسن تأديب :( إِنَّ رَبَّكَ ) أي المحسن إليك( سَرِيعُ الْعِقابِ ) أي لمن يريد عقابه ممن يكفر نعمته لكونه لا حائل بينه وبين من يريد عقابه ولا يحتاج إلى استحضار آلات العقاب ، بل كل ما يريد

٧٥٥

حاضر لديه عتيد( إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) [يس : ٨٢] ، وفي ذلك تهديد شديد لمن لا يتعظ.

ولما هدد وخوف ، رجّى من أراد التوبة واستعطف فقال :( وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) معلما بأنه ـ على تمام قدرته عليهم وانهماكهم فيما يوجب الإهلاك ـ بليغ المغفرة لهم عظيم الرحمة( وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ ) [النحل : ٦١] ، حثا على عفو الرفيع من الوضيع ، وتأكيده الثاني دون الأول ناظر إلى قوله( كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ) [الأنعام : ١٢] ، «إن رحمتي سبقت غضبي»(١) لأنه في سياق التأديب لهذه الأمة والتذكير بالإنعام عليهم بالاستخلاف ، وسيأتي في الأعراف بتأكيد الاثنين لأنه في حكاية ما وقع لبني إسرائيل من إسراعهم في الكفر ومبادرتهم إليه واستحقاقهم على ذلك العقوبة ، وجاء ذلك على طريق الاستئناف على تقدير أن قائلا قال : حينئذ يسرع العالي إلى عقوبة السافل! فأجيب بأن الله فوق الكل وهو أسرع عقوبة ، فهو قادر على أن يسلط الوضيع أو أحقر منه على الرفيع فيهلكه ؛ ثم رغب بعد هذا الترهيب في العفو بأنه على غناه عن الكل أسبل ذيل غفرانه ورحمته بإمهاله العصاة وقبوله اليسير من الطاعات بأنه خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور منافع لهم ثم هم به يعدلون! ولو لا غفرانه ورحمته لأسرع عقابه لمن عدل به غيره فأسقط عليهم السماوات وخسف بهم الأرضين التي أنعم عليهم بالخلافة فيها وأذهب عنهم النور وأدام الظلام ، فقد ختم السورة بما به ابتدأها ، فإن قوله :( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ ) هو المراد بقوله :( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ) [الأنعام : ٢] وقوله :( أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ) [الأنعام : ١٦٤] هو معنى قوله :( خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ) [الأنعام : ١] ، ـ والله الموفق.

تم الجزء الثاني ويليه إن شاء الله الجزء الثالث

وأوله : تفسير سورة الأعراف

__________________

(١) صحيح. أخرجه البخاري ٣١٩٤ و ٧٤٢٢ و ٧٤٥٣ ومسلم ٢٧٥١ وابن حبان ٦١٤٣ والبيهقي في الأسماء والصفات ص / ٣٩٥ ـ ٣٩٦ و ٤١٦ وأحمد ٢ / ٢٤٢ و ٢٥٩ و ٣١٣ من حديث أبي هريرة وصدده : «لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش ...».

٧٥٦

الفهرس

تفسير سورة آل عمران

الآيات : ١ ـ ٥ ٣

الآيتان : ٦ و ٧ ١٣

الآيات : ٨ ـ ١٢ ٢٦

الآيات : ١٣ ـ ١٥ ٣١

الآيات : ١٦ ـ ١٩ ٣٨

الآيات : ٢٠ ـ ٢٦ ٤٦

الآيات : ٢٧ ـ ٣٢ ٥٥

الآيات : ٣٣ ـ ٣٨ ٦٦

الآيات : ٣٩ ـ ٤٣ ٧٦

الآيات : ٤٤ ـ ٥٠ ٨٧

الآيات : ٥١ ـ ٥٨ ٩٤

الآيات : ٥٩ ـ ٦٣ ١٠٠

الآيات : ٦٤ ـ ٧٨ ١٠٩

الآيات : ٧٩ ـ ٩١ ١١٧

الآيات : ٩٢ ـ ١٠٣ ١٢٥

الآيات : ١٠٤ ـ ١١٢ ١٣٢

الآيات : ١١٣ ـ ١١٧ ١٣٨

الآيتان : ١١٨ و ١١٩ ١٤١

الآيات : ١٢٠ ـ ١٢٢ ١٤٢

الآيات : ١٢٣ ـ ١٢٧ ١٤٦

الآيات : ١٢٨ ـ ١٣٠ ١٥١

الآيات : ١٣١ ـ ١٣٧ ١٥٦

الآيات : ١٣٨ ـ ١٤٣ ١٥٩

الآيات : ١٤٤ ـ ١٤٧ ١٦١

الآيات : ١٤٨ ـ ١٥٢ ١٦٤

الآيتان : ١٥٣ و ١٥٤ ١٦٧

الآيات : ١٥٥ ـ ١٥٧ ١٧٠

الآيات : ١٥٨ ـ ١٦١ ١٧٢

الآيات : ١٦٢ ـ ١٦٧ ١٧٧

الآيات : ١٦٨ ـ ١٧٢ ١٧٩

الآيات : ١٧٣ ـ ١٧٨ ١٨٤

الآيات : ١٧٩ ـ ١٨٣ ١٨٧

الآيات : ١٨٤ ـ ١٨٨ ١٩١

الآيات : ١٨٩ ـ ١٩٥ ١٩٦

الآيات : ١٩٦ ـ ١٩٨ ٢٠٠

الآيتان : ١٩٩ و ٢٠٠ ٢٠٢

تفسير سورة النساء

الآيتان : ١ و ٢ ٢٠٤

الآية : ٣ ٢٠٨

الآيات : ٤ ـ ٦ ٢١٤

الآيتان : ٧ و ٨ ٢١٧

الآيتان : ٩ و ١٠ ٢١٨

الآية : ١١ ٢١٩

٧٥٧

الآية : ١٢ ٢٢٢

الآيات : ١٣ ـ ١٥ ٢٢٤

الآيات : ١٦ ـ ١٨ ٢٢٦

الآيات : ١٩ ـ ٢١ ٢٢٩

الآيتان : ٢٢ و ٢٣ ٢٣١

الآية : ٢٤ ٢٣٣

الآية : ٢٥ ٢٣٥

الآيات : ٢٦ ـ ٣٣ ٢٤٥

الآيتان : ٣٤ و ٣٥ ٢٥١

الآيات : ٣٦ ـ ٣٩ ٢٥٤

الآيات : ٤٠ ـ ٤٣ ٢٥٨

الآيات : ٤٤ ـ ٤٦ ٢٦١

الآيتان : ٤٧ و ٤٨ ٢٦٤

الآيات : ٤٩ ـ ٥٥ ٢٦٦

الآيات : ٥٦ ـ ٥٩ ٢٦٩

الآيات : ٦٠ ـ ٦٣ ٢٧٣

الآيات : ٦٤ ـ ٦٨ ٢٧٤

الآيات : ٦٩ ـ ٧٣ ٢٧٦

الآيات : ٧٤ ـ ٧٧ ٢٨٠

الآيات : ٧٨ ـ ٨١ ٢٨٣

الآيات : ٨٢ ـ ٨٤ ٢٨٦

الآيات : ٨٥ ـ ٨٨ ٢٩٠

الآيات : ٨٩ ـ ٩٢ ٢٩٤

الآيات : ٩٣ ـ ٩٧ ٢٩٨

الآيات : ٩٨ ـ ١٠١ ٣٠٣

الآية : ١٠٢ ٣٠٧

الآيات : ١٠٣ ـ ١٠٦ ٣٠٩

الآيات : ١٠٧ ـ ١١١ ٣١٣

الآيات : ١١٢ ـ ١١٦ ٣١٦

الآيات : ١١٧ ـ ١٢٠ ٣٢٠

الآيات : ١٢١ ـ ١٢٣ ٣٢٢

الآيتان : ١٢٤ و ١٢٥ ٣٢٣

الآيتان : ١٢٦ و ١٢٧ ٣٢٥

الآيات : ١٢٨ ـ ١٣٠ ٣٢٨

الآيات : ١٣١ ـ ١٣٤ ٣٣٠

الآيتان : ١٣٥ و ١٣٦ ٣٣٣

الآيات : ١٣٧ ـ ١٤١ ٣٣٦

الآيات : ١٤٢ ـ ١٤٤ ٣٣٨

الآيات : ١٤٥ ـ ١٤٧ ٣٤٠

الآيات : ١٤٨ ـ ١٥١ ٣٤١

الآيتان : ١٥٢ و ١٥٣ ٣٤٤

الآيتان : ١٥٤ و ١٥٥ ٣٤٦

الآيات : ١٥٦ ـ ١٥٨ ٣٥٠

الآيات : ١٥٩ ـ ١٦١ ٣٦٤

الآيات : ١٦٢ ـ ١٦٤ ٣٦٧

الآيتان : ١٦٥ و ١٦٦ ٣٧٢

الآيات : ١٦٧ ـ ١٦٩ ٣٧٣

الآيتان : ١٧٠ و ١٧١ ٣٧٤

الآيات : ١٧٢ ـ ١٧٤ ٣٧٨

الآيتان : ١٧٥ و ١٧٦ ٣٨٠

تفسير سورة المائدة

الآية : ١ ٣٨٤

٧٥٨

الآية : ٢ ٣٨٨

الآية : ٣ ٣٩٠

الآية : ٤ ٣٩٤

الآيتان : ٥ و ٦ ٣٩٧

الآيتان : ٧ و ٨ ٤٠٥

الآيات : ٩ ـ ١٢ ٤٠٩

الآيتان : ١٣ و ١٤ ٤١٥

الآيتان : ١٥ و ١٦ ٤١٨

الآيتان : ١٧ و ١٨ ٤١٩

الآية : ١٩ ٤٢٢

الآيتان : ٢٠ و ٢١ ٤٢٣

الآيات : ٢٢ ـ ٢٦ ٤٢٥

الآيات : ٢٧ ـ ٢٩ ٤٤٢

الآيات : ٣٠ ـ ٣٢ ٤٤٧

الآيات : ٣٣ ـ ٣٥ ٤٥١

الآيات : ٣٦ ـ ٣٩ ٤٥٣

الآيتان : ٤٠ و ٤١ ٤٥٥

الآيتان : ٤٢ و ٤٣ ٤٥٧

الآية : ٤٤ ٤٥٩

الآيتان : ٤٥ و ٤٦ ٤٦٤

الآيتان : ٤٧ و ٤٨ ٤٧٣

الآيات : ٤٩ ـ ٥١ ٤٧٨

الآيتان : ٥٢ و ٥٣ ٤٨١

الآيات : ٥٤ ـ ٥٨ ٤٨٢

الآيتان : ٥٩ و ٦٠ ٤٨٦

الآيات : ٦١ ـ ٦٣ ٤٩٤

الآية : ٦٤ ٤٩٦

الآيات : ٦٥ ـ ٦٧ ٤٩٩

الآيتان : ٦٨ و ٦٩ ٥٠٧

الآيات : ٧٠ ـ ٧٣ ٥١٠

الآيات : ٧٤ ـ ٧٦ ٥١٥

الآيتان : ٧٧ و ٧٨ ٥١٧

الآيات : ٧٩ ـ ٨١ ٥٢١

الآيات : ٨٢ ـ ٨٥ ٥٢٢

الآيتان : ٨٦ و ٨٧ ٥٢٥

الآيتان : ٨٨ و ٨٩ ٥٣٢

الآيات : ٩٠ ـ ٩٢ ٥٣٥

الآيتان : ٩٣ و ٩٤ ٥٣٨

الآية : ٩٥ ٥٤٠

الآيتان : ٩٦ و ٩٧ ٥٤٢

الآيات : ٩٨ ـ ١٠١ ٥٤٥

الآيات : ١٠٢ ـ ١٠٥ ٥٥٠

الآيات : ١٠٦ ـ ١٠٨ ٥٥٦

الآيات : ١٠٩ ـ ١١١ ٥٦١

الآيات : ١١٢ ـ ١١٤ ٥٦٩

الآيات : ١١٥ ـ ١١٧ ٥٧١

الآيات : ١١٨ ـ ١٢٠ ٥٧٦

تفسير سورة الأنعام

الآيتان : ١ و ٢ ٥٧٨

الآيات : ٣ ـ ٦ ٥٨٧

الآيات : ٧ ـ ١٠ ٥٩١

٧٥٩

الآيات : ١١ ـ ١٣ ٥٩٣

الآيات : ١٤ ـ ١٧ ٥٩٦

الآيات : ١٨ ـ ٢٠ ٥٩٩

الآيات : ٢١ ـ ٢٦ ٦١٩

الآيات : ٢٧ ـ ٣٠ ٦٢٢

الآيات : ٣١ ـ ٣٤ ٦٢٥

الآيات : ٣٥ ـ ٣٧ ٦٢٩

الآيات : ٣٨ ـ ٤١ ٦٣٢

الآيات : ٤٢ ـ ٤٥ ٦٣٦

الآيات : ٤٦ ـ ٥٠ ٦٣٨

الآيات : ٥١ ـ ٥٣ ٦٤٢

الآيات : ٥٤ ـ ٥٦ ٦٤٤

الآيات : ٥٧ ـ ٥٩ ٦٤٦

الآيات : ٦٠ ـ ٦٢ ٦٤٨

الآيات : ٦٣ ـ ٦٦ ٦٥٠

الآيات : ٦٧ ـ ٧٠ ٦٥٢

الآيتان : ٧١ و ٧٢ ٦٥٤

الآيات : ٧٣ ـ ٧٦ ٦٥٦

الآيات : ٧٧ ـ ٨٢ ٦٦٠

الآيات : ٨٣ ـ ٨٦ ٦٦٤

الآيات : ٨٧ ـ ٩١ ٦٦٩

الآيتان : ٩٢ و ٩٣ ٦٧٣

الآيات : ٩٤ ـ ٩٦ ٦٧٥

الآيتان : ٩٧ و ٩٨ ٦٨٠

الآيتان : ٩٩ و ١٠٠ ٦٨٤

الآيات : ١٠١ ـ ١٠٤ ٦٨٩

الآيات : ١٠٥ ـ ١٠٨ ٦٩٢

الآيات : ١٠٩ ـ ١١١ ٦٩٥

الآيتان : ١١٢ و ١١٣ ٦٩٦

الآيات : ١١٤ ـ ١١٦ ٦٩٨

الآيات : ١١٧ ـ ١١٩ ٧٠١

الآيات : ١٢٠ ـ ١٢٢ ٧٠٣

الآيتان : ١٢٣ و ١٢٤ ٧٠٨

الآيات : ١٢٥ ـ ١٢٧ ٧١٠

الآيات : ١٢٨ ـ ١٣٠ ٧١٤

الآيات : ١٣١ ـ ١٣٥ ٧١٨

الآيتان : ١٣٦ و ١٣٧ ٧٢٠

الآيتان : ١٣٨ و ١٣٩ ٧٢٣

الآيتان : ١٤٠ و ١٤١ ٧٢٥

الآيات : ١٤٢ ـ ١٤٤ ٧٢٨

الآية : ١٤٥ ٧٣١

الآيات : ١٤٦ ـ ١٤٨ ٧٣٦

الآيتان : ١٤٩ و ١٥٠ ٧٣٩

الآية : ١٥١ ٧٤٠

الآيتان : ١٥٢ و ١٥٣ ٧٤٢

الآيات : ١٥٤ ـ ١٥٧ ٧٤٤

الآيتان : ١٥٨ و ١٥٩ ٧٤٩

الآيات : ١٦٠ ـ ١٦٢ ٧٥١

الآيات : ١٦٣ ـ ١٦٥ ٧٥٣

٧٦٠