نظم الدّرر الجزء ٣

نظم الدّرر0%

نظم الدّرر مؤلف:
تصنيف: علوم القرآن
الصفحات: 603

نظم الدّرر

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: برهان الدين البقاعي
تصنيف: الصفحات: 603
المشاهدات: 40
تحميل: 14


توضيحات:

بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 603 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 40 / تحميل: 14
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 3

مؤلف:
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة الأنفال

مدنية ـ آياتها خمس وسبعون

( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) )

وتسمى الجهاد( بِسْمِ اللهِ ) أي الذي له جميع الحول والقوة والطول( الرَّحْمنِ ) الذي أحاط دائرة العقل بشموس الأدلة من كل منقول( الرَّحِيمِ ) الذي منّ على من شاء من الأتباع بحسن الاتباع ؛ ومقصد هذه السورة تبرؤ العباد من الحول والقوة ، وحثهم على التسليم لأمر الله واعتقاد أن الأمور ليست إلا بيده وأن الإنسان ليس له فعل ، ليثمر ذلك الاعتصام بأمر الله المثمر لاجتماع الكلمة المثمر لنصر الدين وإذلال المفسدين المنتج لكل خير ، والجامع لذلك كله أنه لما ثبت بالسور الماضية وجوب اتباع أمر الإله والاجتماع عليه لما ثبت من تفرده واقتداره ، كان مقصود هذه إيجاب اتباع الداعي إليه بغاية الإذعان والتسليم والرضى والتبرؤ من كل حول وقوة إلى من أنعم بذلك ولو شاء سلبه وأدل ما فيها على هذا قصة الأنفال التي اختلفوا في أمرها وتنازعوا قسمها فمنعهم الله منها وكف عنهم حظوظ الأنفس وألزمهم الإخبات والتواضع ، وأعطاها نبيهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لأنه الذي هزمهم بما رمى من الحصبات التي خرق الله فيها العادة بأن بثها في أعين جميعهم وبما أرسل من جنوده ، فكأن الأمر له وحده ، يمنحه من يشاء ، ثم لما صار لهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، رده فيهم منة منه عليهم وإحسانا إليهم ، واسمها الجهاد كذلك لأن الكفار دائما أضعاف المسلمين ، وما جاهد قوم من أهل الإسلام قط إلا أكثر منهم ، وتجب مصابرة الضعف ، فلو كان النظر إلى غير قوته سبحانه ما أطيق ذلك ، ولهذه المقاصد سنت قراءتها في الجهاد لتنشيط المؤمنين للجلاد ، وإن كثرت من الأعادي الجموع والأعداد ، وتوالت

١٨١

إليهم زمر الأمداد من سائر العباد ، كما ذكره الحافظ أبو الربيع سليمان بن موسى بن سالم الكلاعي المغربي في فتوح البلاد من كتابه الاكتفاء في سيرة المصطفى وأصحابه الثلاثة الخلفاء ، وكذا شيخه الخطيب أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن حبيش في كتابه الذي جمعه في الفتوح ، قالا في وقعة اليرموك من فتوح الشام عن حديث سيف بن عمر وهذا لفظ ابن سالم : قال : وكان القارىء يوم ذاك المقداد ، قالوا : ومن السنة التي سن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بعد بدر أن نقرأ سورة الجهاد عند اللقاء ، وهي سورة الأنفال ، ولم يزل الناس بعد على ذلك ؛ قالا في وقعة القادسية من فتوح فارس واللفظ لا بن سالم أيضا قالوا : ولما صلى سعد ـ يعني ابن أبي وقاص ـ رضي الله عنه الظهر أمر غلاما كان عمر رضي الله عنه ألزمه إياه وكان من القراء يقرأ سورة الجهاد ، وكان المسلمون كلهم إذ ذاك يتعلمونها فقرأها على الكتيبة التي تليه ، وقرئت في كل كتيبة ، فهشت قلوب الناس وعرفوا السكينة مع قراءتها ، قال مصعب بن سعد : وكانت قراءتها سنة يقرأها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم عند الزحوف ويستقرئها ، فعمل الناس بذلك ـ انتهى. ومناسبتها للأعراف أنه لما ذكر تعالى ـ كما تقدم ـ قصص الأنبياءعليهم‌السلام مع أممهم في تلك ، ناسب أن يذكر قصة هذا النبي الكريمصلى‌الله‌عليه‌وسلم مع قومه ، وتقدم أنه لما أطنب سبحانه في قصة موسىعليه‌السلام كان ذلك ربما أوهم تفضيله على الجميع ، فأتى بقصة المخاطب بهذا القرآن في سورتين كاملتين : الأنفال في أول أمره وأثنائه ، وبراءة في ختام أمره وانتهائه ، وفرق بين القصتين ، وذلك أن قوم موسىعليه‌السلام كانوا في سوء العذاب ، وكانوا يعلمون عن أسلافهم أن الله سيذكرهم وينجيهم من أيدي القبط ، فلما أتاهم موسىعليه‌السلام وبين لهم الآيات التي أمره الله بها لم يشكوا في أنه الموعود به من رحمة الله لهم ، وإتيانه نفع لهم عاجل مع ما فيه من النفع الآجل ، فأطبقوا على أتباعه ، وكانوا أكثر من ستمائة ألف مقاتل ، ومع ذلك فقد كانوا يخالفون عليه في كل قليل ، ولا يجدون قلوبا يواجهون بها القبط في الإباء عن امتثال أوامرهم ، وأما محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم فأتى قومه ولا حس عندهم من نبوة ولا علم لهم بها ، ولم يكونوا تحت ذل أحد ، بل كانوا ملوك العرب ، فعندهم أنه جاء يسلبهم عزهم ويصيرهم له تبعا فخالفوا أشد المخالفة ولم يدعوا كيدا حتى باشروه في رده عما جاء به ، ومع ذلك فنصره الله عليهم ولم يزل يؤيده حتى دخل الناس هم وغيرهم في دين الله أفواجا ، وأظهر دينه على الدين كله كما وعده سبحانه ، ثم أيد أمره من بعده ولم يزل أتباعه ظاهرين ولا يزالون إلى يوم الدين ، فبين القصتين فرقان لأولي الإبصار والإتقان ، وأما مناسبة أولها لآخر تلك فقد تبين أن آخر الأعراف آخر قصة موسىعليه‌السلام المختتمة بقصة بلعام وأن ما بعد ذلك إنما هو

١٨٢

تتمات لما تقدم لا بد منها وتتمات للتتمات حتى كان آخر ذلك مدح من أهّلهم لعنديته سبحانه بالإذعان وتمام الخضوع ، فلما أضيفوا إلى تلك الحضرة العالية ، اقتضى ذلك سؤالا عن حال الذين عند المخاطبصلى‌الله‌عليه‌وسلم فأجيب بقوله تعالى :( يَسْئَلُونَكَ ) أي الذين عند ربك هم الذين هزموا الكفار في الحقيقة كما علمتم ذلك ـ وسيأتي بيانه ، فهم المستحقون للأنفال وليس لهم إليها التفات وإنما همهم العبادة ، والذين عندك إنما جعلتهم آلة ظاهرة ومع ذلك فهم يسألون( عَنِ الْأَنْفالِ ) التي توليتهم إياها بأيدي جنودي سؤال منازعة ينبغي الاستعاذة بالله منها ـ كما نبه عليه آخر الأعراف ـ لأن ذلك يفضي إلى افتراق الكلمة والضعف عن مقاومة الأعداء ، وهو جمع نفل ـ بالتحريك ، وهو ما يعطاه الغازي زيادة على سهمه ، والمراد بها هنا الغنيمة ، وهي المال المأخوذ من أهل الحرب قهرا ، سميت هنا بذلك لأن أصلها في اللغة الزيادة ، وقد فضل المسلمون بها على سائر الأمم.

ولما كان السؤال عن حكمها ، كان كأنه قيل : فماذا يفعل؟ فقال دالّا على أنهم سألوا عن مصرفها وحكمها ـ ليطابق الجواب السؤال :( قُلِ ) أي لهم في جواب سؤالهم( الْأَنْفالُ لِلَّهِ ) أي الذي ليس النصر إلا من عنده لما له من صفات الكمال( وَالرَّسُولِ ) أي الذي كان جازما بأمر الله مسلما لقضائه ماضيا فيما أرسله به غير متخوف من مخالطة الردى بمواقعة العدى ؛ قال أبو حيان : ولا خلاف أن الآية نزلت في يوم بدر وغنائمه ، وقال ابن زيد : لا نسخ ، إنما أخبر أن الغنائم لله من حيث إنها ملكه ورزقه ، وللرسولعليه‌السلام من حيث هو مبين لحكم الله والصادع فيها بأمره ليقع التسليم من الناس ، وحكم القسمة نازل خلال ذلك ـ انتهى.

ولما أخبر سبحانه أنه لا شيء لهم فيها إلا عن أمر الله ورسوله ، وكان ذلك موجبا لتوقفهم إلى بروز أمره سبحانه على لسان رسولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكانت التقوى موجبة للوقوف خوفا حتى يأتي الدليل الذي يجسّر على المشي وراءه ، سبب عن ذلك قوله :( فَاتَّقُوا اللهَ ) أي خافوا خوفا عظيما في جميع أحوالكم من الذي لا عظمة لغيره ولا أمر لسواه ، فلا تطلبوا شيئا بغير أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ولا تتخاصموا ، فإن الله تعالى الذي رحمكم بإرسال رسول لنجاتكم وإنزال كتاب لعصمتكم غير مهمل ما يصلحكم ، فهو يعطيكم ما سبق في علمه الحكم بأنه لكم ، ويمنعكم ما ليس لكم( وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ ) أي الحال التي هي صاحبة افتراقكم واجتماعكم ، فإن أغلب أمرها البين الذي هو القطيعة ، وقد أشرفت على الفساد بطلب كل فريق الأثرة على صاحبه فأقبلوا على رعايتها بالتسليم لأمر الله ورسوله الأمرين بالإعراض عن الدنيا ليقسمها بينكم على سواء ، القوي

١٨٣

والضعيف سواء ، فإنكم إنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم ، لتجتمع كلمتكم فيشتد أمركم ويقوى أزركم فتقدروا على إقامة الدين وقمع المفسدين( وَأَطِيعُوا اللهَ ) أي الذي له جميع العظمة( وَرَسُولَهُ ) أي الذي عظمته من عظمته في كل ما يأمرانكم به من تنفيل لمن يراه وإنفاذ شرط لمن شرط ووفاء عهد لمن عاهده.

ولما أمر ونهى هيج وألهب فقال مبينا كون الإيمان مستلزما للطاعة :( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) أي صادقين في دعوى الإيمان ، فليس كل من يدعي شيئا يكون صادقا في دعواه حتى يحصل البيان بالامتحان ، ولذلك وصل به قوله مؤكدا غاية التأكيد لأن التخلص من الأعراض الدنيوية عسر :( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ ) أي الراسخون في وصف الإيمان( الَّذِينَ ) أي يقيمون الدليل على دعوى الإيمان بتصديق أفعالهم لأقوالهم فيكونون( إِذا ذُكِرَ اللهُ ) أي الجامع لصفات الكمال من الجلال والجمال مجرد ذكر في نحو قوله( الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَجِلَتْ ) أي خافت خوفا عظيما يتخلل صميم عظامهم ويجول في سائر معانيهم وأجسامهم( قُلُوبُهُمْ ) أي بمجرد ذكره استعظاما له( وَإِذا تُلِيَتْ ) أي قرئت على سبيل الموالاة والاتصال من أيّ تال كان( عَلَيْهِمْ آياتُهُ ) أي كما يأتي في إقامة الأدلة على ذلك الحكم الذي ورد ذكره فيه( زادَتْهُمْ إِيماناً ) أي بإيمانهم بها وبما حصل لهم من نور القلب وطمأنينة اليقين بسببها ، فإنها هي الدالة على الله بما تبين من عظيم أفعاله ونعوت جلاله وجماله ، وتظاهر الأدلة أقوى للمدلول عليه ، وكمال قدرة الله تعالى إنما يعرف بواسطة آثار حكمته في مخلوقاته ، وذلك بحر لا ساحل له ، ولما كانت المراتب لا نهاية لها ، كانت مراتب التجلي والمعرفة لا نهاية لها ، فالزيادة في أشخاص التصديق( وَعَلى ) أي والحال أنهم على( رَبِّهِمْ ) أي الدائم الإحسان إليهم وحده( يَتَوَكَّلُونَ ) أي يجددون إسناد أمورهم إليه مهما وسوس لهم الشيطان بالفقر أو غيره ليكفيهم من حيث لا يحتسبون ، فإن خزائنه واسعة ، ويده سحاء الليل والنهار ، كما أنهم لما توكلوا عليه في القتال نصرهم وقد كانوا في غاية الخوف من الخذلان ، وكان حالهم جديرا بذلك لقلقهم وخوفهم وقلتهم وضعفهم.

ولما وصفهم بالإيمان الحامل على الطاعة والتوكل الجامع لهم الدافع للمانع منها ، قال منتقلا من عمل الباطن إلى عمل الظاهر مبينا أن همتهم إنما هي العبادة والمكارم :( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ) أي لا يفترون عن تجديد ذلك ؛ ولما كانت صلة بين الخلق والخالق ، أتبعها الوصلة بين الخلائق فقال :( وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ ) أي على عظمتنا وهو لنا دونهم( يُنْفِقُونَ ) ولو كانوا مقلين اعتمادا على ما عندنا فالإنفاق وإهانة الدنيا همتهم ، لا الحرص عليها ، فحينئذ يكونون كالذين عند ربك في التحلي بالعبادة والتخلي

١٨٤

من الدنيا إعراضا وزهادة ، وهو تذكير بوصف المتقين المذكور أول الكتاب بقوله :( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. )

( أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (٥) يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨) إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) )

ولما حققوا إيمانهم بأفعال القلوب والجوارح والأموال ، فاستوفوا بذلك جميع شعب الدين ، عظم سبحانه شأنهم بقوله :( أُولئِكَ ) أي العالو الهمم( هُمُ ) أي خاصة( الْمُؤْمِنُونَ ) وأكد مضمون الجملة بقوله :( حَقًّا ) .

ولما كانت صفاتهم الخمس المذكورة المشتملة على الأخلاق والأعمال لها تأثيرات في تصفية القلوب وتنويرها بالمعارف الإلهية ، وكلما كان المؤثر أقوى كانت التأثيرات أعلى ، فلما كانت هي درجات كان جزاؤها كذلك ، فلهذا قال سبحانه تعالى في جواب من كأنه قال : فما جزاؤهم على ذلك؟( لَهُمْ دَرَجاتٌ ) ولما كثرها بجمع السلامة بما دل عليه سياق الامتنان ، عظمها بقوله :( عِنْدَ رَبِّهِمْ ) أي بتسليمهم لأمره.

ولما كان قدر الله عظيما ، وكان الإنسان عن بلوغ ما يجب عليه من ذلك ضعيفا حقيرا ، وكان بأدنى شيء من أعماله يستفزه الإعجاب ، أشار سبحانه إلى أنه لا يسعه إلا العفو ولو بذل فوق الجهد فقال :( وَمَغْفِرَةٌ ) أي لذنوبهم إن رجعوا عن المنازعة في الأنفال وغيرها ،( وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) أي لا ضيق فيه ولا كدر بوجه ما من منازعة ولا غيرها ، فهو يغنيهم عن هذه الأنفال ، ويملأ أيديهم من الأموال من عنائم فارس والروم وغير ذلك ، هذا في الدنيا ، وأما في الآخرة فما لا يحيط به الوصف ؛ قال أبو حيان : لما تقدمت ثلاث صفات قلبية وهي الوجل وزيادة الإيمان والتوكل ـ وبدنية ومالية ، ترتب عليها ثلاثة أشياء ، فقوبلت الأعمال القلبية بالدرجات والبدنية بالغفران ، وقوبلت المالية بالرزق الكريم ، وهذا النوع من المقابلة من بديع علم البديع ـ انتهى. ولما كان الإيمان عند الشافعيرحمه‌الله الاعتقاد والإقرار والعمل جوز أن يقال : مؤمن إن شاء الله ، لأن استيفاء الأعمال مشكوك فيه وإن كان الاعتقاد والإقرار يقينا ، وعند أبي حنيفةرحمه‌الله الإيمان الاعتقاد والإقرار فقط ، فلم يجوز الاستثناء ، فالخلاف لفظي ، هذا إذا

١٨٥

كان الاستثناء للشك ، وإن كان لغيره كان لكسر النفس عن التمدح ، وللشهادة بالجنة التي هي للمؤمن ، وللحكم على حالة الموت ، على أن هذه الكلمة لا تنافي الجزم ، فهي بمجرد التبرك كقوله تعالى( لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ ) [الفتح : ٢٧] ذكر ذلك الإمام فخر الدين.

ولما كان ترك الدنيا شديدا على النفس ، وترك النزاع بعد الانتساب فيه أشد ، شرع يذكر لهم ما كانوا له كارهين ففعله بهم وأمرهم به لعلمه بالعواقب فحمدوا أثره ، ليكون أدعى لتسليمهم لأمره وازدجارهم بزجره ، فشبه حال كراهتهم لترك مرادهم في الأنفال بحال كراهتهم لخروجهم معه ثم بحال كراهتهم للقاء الجيش دون العير ، ثم إنهم رأوا أحسن العاقبة في كلا الأمرين فقال :( كَما ) أي حالهم في كراهية تسليم الأنفال ـ مع كون التسليم هو الحق والأولى لهم ـ كما كانت حالهم إذ( أَخْرَجَكَ رَبُّكَ ) أي المحسن إليك بالإرشاد إلى جميع مقاصد الخير( مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِ ) أي الأمر الفيصل الفارق بين الثابت والمزلزل( وَإِنَ ) أي والحال أن( فَرِيقاً ) عبر به لأن آراءهم كانت تؤول إلى الفرقة( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) أي الراسخين في الإيمان( لَكارِهُونَ ) ثم ذكر دليل كراهتهم فقال :( يُجادِلُونَكَ ) أي يكررون ذلك إرادة أن يفتلوك عن اللقاء للجيش إلى الرجوع عنه.

ولما كان لقاء الجيش أمرا قد حتمه الله فلا بد من وقوعه مع أنه يرضيه ، قال :( فِي الْحَقِ ) أي الذي هو إيثار الجهاد( بَعْدَ ما تَبَيَّنَ ) أي وضح وضوحا عظيما سهلا من غير كلفة نظر بقرائن الأحوال بفوات العير وتيسير أمر النفير وبإعلام الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم لهم تارة صريحا وتارة تلويحا كقوله «والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم ، هذا مصرع فلان وذلك مصرع فلان»(١) .

ولما كان سبحانه قد حكم باللقاء والنصرة تأييدا لوليه وإعلاء لكلمته مع شدة كراهتهم لذلك ، شبه سوقه لهم إلى مراده. فقال بانيا للمفعول لأن المكروه إليهم السوق لا كونه من معين :( كَأَنَّما يُساقُونَ ) أي يسوقهم سائق لا قدرة لهم على ممانعته( إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ) لأنها كانت أول غزوة غزاها النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وكان فيها لقاء ، وكانوا غير متأهبين للقتال غاية التأهب ، إنما خرجوا للقاء العير ، هذا مع أنهم عدد يسير ، وعدد أهل النفير كثير ، وكانوا في غاية الهيبة للقائهم والرعب من قتالهم ، وكل هذا تذكير لهم بأنه لم ينصرهم إلا الله بلا صنع منهم ، بل كانوا في يد قدرته كالآلة في يد أحدهم ، لينتج ذلك أنه ليس لهم أن ينازعوا في الأنفال.

__________________

(١) تقدم في سورة آل عمران عند قصة بدر ، وانظر دلائل النبوة للبيهقي ٣ / ٥٠ ومسلم ١٧٧٩.

١٨٦

ولما لانوا بهذا الخطاب ، وأقبلوا على الملك التواب ، أقبل عليهم فقال :( وَإِذْ ) أي اذكروا هذا الذي ذكره الله لكم وقد كان حالكم فيه ما ذكره ، ثم أفضى إلى سعادة عظيمة وعز لا يشبهه عز ، واذكروا إذ( يَعِدُكُمُ اللهُ ) أي الجامع لصفات الكمال( إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ : ) العير أو النفير ، وأبدل من الإحدى ـ ليكون الوعد بها مكررا ـ قوله :( أَنَّها لَكُمْ ) أي فتكرهون لقاء ذات الشوكة( وَتَوَدُّونَ ) أي والحال أنكم تحبون محبة عظيمة( أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ ) أي السلاح والقتال والكفاح الذي به تعرف الأبطال ويميز بين الرجال من ذوات الحجال( تَكُونُ لَكُمْ ) أي العير لكونها لم يكن فيها إلا ناس قليل ، يقال : إنهم أربعون رجلا ، جهلا منكم بالعواقب ، ثم تبين لكم أن ما فعله الله خير لكم بما لا يبلغ كنهه ، فسلموا له الأمر في السر والجهر تنالوا الغنى والنصر ، وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير العاصمي في مناسبة تعقيب الأعراف بهذه السورة ومناسبة آخر تلك لأول هذه ما نصه : لما قصّ سبحانه على نبيهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في سورة الأعراف أخبار الأمم ، وقطع المؤمنون من مجموع ذلك بأنه لا يكون الهدى إلا بسابقة السعادة ، لافتتاح السورة من ذكر الأشقياء بقصة إبليس وختمها بقصة بلعام ، وكلاهما كفر على علم ولم ينفعه ما قد كان حصل عليه ، ونبه تعالى عباده على الباب الذي أتى منه على بلعام بقوله سبحانه «ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فأشار سبحانه إلى أن اتباع الأهواء أضل كل ضلال ، نبهوا على ما فيه الحزم من ترك الأهواء جملة فقال تعالى( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ ) [الأنفال : ١] الآية ، فكان قد قيل لهم : اتركوا ما ترون أنه حق واجب لكم ، وفوضوا في أمره لله وللرسول ، فذلك أسلم لكم وأحزم في ردع أغراضكم وقمع شهواتكم وترك أمور ربكم وقد ألف في هذه الشريعة السمحة البيضاء حسم الذرائع كثيرا وإقامة مظنة الشيء مقامه كتحريم الجرعة من الخمر والقطرة ، والخطبة في العدة واعتداد النوم الثقيل ناقضا ، فهذه مظان لم يقع الحكم فيها على ما هو لأنفسها ولا بما هي كذا ، بل بما هي مظان ودواع لما منع لعينه أو استوجب حكما لعينه وعلته الخاصة به ، ولما أمر المسلمون بحل أيديهم عن الأنفال يوم بدر إذ كان المقاتلة قد هموا بأخذها وحدثوا أنفسهم بالانفراد بها ورأوا أنها من حقهم وأن من لم يباشر قتالا من الشيوخ ومن انحاز منه لمهم فلا حق له فيها ، ورأى الآخرون أيضا أن حقهم فيها ثابت لأنهم كانوا فيه للمقاتلين عدة وملجأ وراء ظهورهم ، كان ما أمرهم الله به من تسليم الحكم في ذلك إلى الله ورسوله من باب حسم الذرائع لأن تمشية أغراضهم في ذلك ـ وإن تعلق كل من الفريقين بحجة ـ مظنة لرئاسة النفوس واستسهال اتباع الأهواء ، فأمرهم الله بالتنزه عن ذلك والتفويض لله ولرسوله فإن ذلك أسلم لهم وأوفى لدينهم وأبقى في إصلاح ذات

١٨٧

البين وأجدى في الأتباع( فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ ) [الأنفال : ١] الآية ، ثم ذكروا بما ينبغي لهم أن يلتزموا فقال تعالى( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ ) ـ إلى قوله :( زادَتْهُمْ إِيماناً ) [الأنفال : ٢] ثم نبهوا على أن أعراض الدنيا من نفل أو غيره لا ينبغي للمؤمن أن يعتمد عليه اعتمادا يدخل عليه ضررا من الشرك أو التفاتا إلى غير الله سبحانه بقوله :( وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) ثم ذكروا بما وصف به المتقين من الصلاة والإنفاق ثم قال( أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ) تنبيها على أن من قصر عن هذه الأحوال ولم يأت بها على كمالها لم يخرج عن الإيمان ولكن ينزل عن درجة الكمال بحسب تقصيره ، وكان في هذا إشعار بعذرهم في كلامهم في الأنفال وأنهم قد كانوا في مطلبهم على حالة من الصواب وشرب من التمسك والأتباع ، لكن أعلى الدرجات ما بين لهم ومنحوه ، وأنه الكمال والفوز ، ثم نبههم سبحانه بكيفية أمرهم في الخروج إلى بدر وودهم أن غير ذات الشوكة تكون لهم وهو سبحانه يريهم حسن العاقبة فيما اختاره لهم ، فقد كانوا تمنوا لقاء العير ، واختاروا ذلك على لقاء العدو ولم يعلموا ما وراء ذلك( وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ ) [الأنفال : ٧] إلى ما قصه تعالى عليهم من اكتنافهم برحمته وشمول ألطافه وآلائه وبسط نفوسهم ونبههم على ما يثبت يقينهم ويزيد في إيمانهم ، ثم أعلم أن الخير كله في التقوى فقال( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً ) [الأنفال : ٢٩] الآية ، وهذا الفرقان هو الذي حرمه إبليس وبلعام ، فكان منهما ما تقدم من اتباع الأهواء القاطعة لهم عن الرحمة ، وقد تضمنت الآية حصول خير الدنيا والآخرة بنعمة الاتقاء ، ثم أجمل الخيران معا في قوله( وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) [الأنفال : ٢٩] بعد تفصيل ما إليه إسراع المؤمنين من الفرقان والتكفير والغفران ، ولم يقع التصريح بخيري الدنيا الخاص بها مع اقتضاء الآية إياه تنزيها للمؤمن في مقام إعطاء الفرقان وتكفير السيئات ، والغفران من ذكر متاع الدنيا التي هي لهو ولعب فلم يكن ذكر متاعها الفاني ليذكر مفصلا مع ما لا يجانسه ولا يشاكله( وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ ) [العنكبوت : ٦٤] ثم التحمت الآي ، ووجه آخر وهو أنه تعالى لما قال( وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ) بيّن لهم كيفية هذا الاستماع وما الذي يتصف به المؤمن من ضروبه فقال( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ ) [الأنفال : ٢] الآية ، فهؤلاء لم يسمعوا بآذانهم فقط ، ولا كانت لهم آذان لا يسمعون بها ولا قلوب لا يفقهون بها ، ولو كانوا كذا لما وجلت وعمهم الفزع والخشية وزادتهم الآيات إيمانا ، فإذن إنما يكون سماع المؤمن هكذا( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ) [الأنفال : ٢١] ولما كان هؤلاء إنما أتى عليهم من اتباع أهوائهم والوقوف مع أعراضهم وشهواتهم( يَأْخُذُونَ

١٨٨

عَرَضَ هذَا الْأَدْنى ) [الأعراف : ١٦٩]( وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ ) [الأعراف : ١٧٦] وهذه بعينها كانت آفة إبليس ، رأى لنفسه المزيد واعتقد لها الحق ثم اتبع هذا الهوى حين قال( لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ) [الحجر : ٣٣] فلما كان اتباع الهوى أصلا في الضلال وتنكب الصراط المستقيم ، أمر المؤمنين بحسم باب الأهواء ، والتسليم فيما لهم به تعلق وإن لم يكن هوى مجردا لكنه مظنة تيسير لاتباع الهوى ، فافتتحت السورة بسؤالهم عن الأنفال وأخبروا أنها لله ورسوله ، يحكم فيها ما يشاء( فَاتَّقُوا اللهَ ) واحذروا الأهواء التي أهلكت من قص عليكم ذكره( وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ ) برفع التنازع ، وسلموا لله ولرسوله ، وإلا لم تكونوا سامعين وقد أمرتم أن تسمعوا السماع الذي عنه ترجى الرحمة ، وبيانه في قوله( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ ) ـ الآيات ، ووجه آخر وهو أن قصص بني إسرائيل عقب بوصاة المؤمنين وخصوصا بالتقوى وعلى حسب ما يكون الغالب فيما يذكر من أمر بني إسرائيل ، ففي البقرة أتبع قصصهم بقوله( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا ) [البقرة : ١٠٤] ولما كان قصصهم مفتتحا بذكر تفضيلهم( يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ ) افتتح خطاب هذه الأمة بما يشعر بتفضيلهم ، وتأمل ما بين( يا بَنِي إِسْرائِيلَ ) و( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) وأمر أولئك بالإيمان( وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ ) [البقرة : ٤١] وأمر هؤلاء بتعبد احتياطي فقيل( وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا ) [البقرة ؛ ١٠٤] ثم أعقبت البقرة بآل عمران وافتتحت ببيان المحكم والمتشابه الذي من جهته أتى على بني إسراءيل في كثير من مرتكباتهم ، ولما ضمنت سورة آل عمران من ذكرهم ما ورد فيها ، أعقبت بقوله تعالى ؛( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ ) [آل عمران : ١٠٠] ثم أعقبت السورة بقوله( يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ) [النساء : ١] وعدل عن الخطاب باسم الإيمان للمناسبة ، وذلك أن سورة آل عمران خصت من مرتكبات بني إسرائيل بجرائم كقولهم في الكفار( هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً ) [النساء : ٥١] فهذا بهت ، ومنها قولهم( اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ ) [آل عمران : ١٨١] إلى ما تخلل هاتين من الآيات المنبئة عن تعمدهم الجرائم ، فعدل عن( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) إلى( يا أَيُّهَا النَّاسُ ) ليكون أوقع في الترتيب وأوضح مناسبة لما ذكر ، ولما ضمنت سورة النساء قوله تعالى( فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ ) ـ إلى قوله :( وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ ) [النساء : ١٦٠ ـ ١٦١] أتبعت بقوله تعالى( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) [المائدة : ٥١] ثم ذكر لهم ما أحل لهم وحرم عليهم ليحذروا مما وقع فيه

١٨٩

أولئك ، فعلى هذا لما ضمنت سورة الأعراف من قصصهم جملة ، وبين فيها اعتداءهم ، وبناه على اتباع الأهواء والهجوم على الأغراض ، طلب هؤلاء باتقاء ذلك والبعد عما يشبهه جملة ، فقيل في آخر السورة( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا ) [الأعراف : ٢٠١] ثم افتتحت السورة الأخرى بصرفهم عما لهم به تعلق وإليه تشبث يقيم عذرهم شرعا فيما كان منهم ، فكان قد قيل لهم : ترك هذا أعلم وأبعد عن اتباع الأهواء ، فسلموا في ذلك الحكم لله ورسوله واتقوا الله ، ثم تناسج السياق والتحمت الآي ، وقد تبين وجه اتصال الأنفال بالأعراف من وجوه ، والحمد لله ـ انتهى.

ولما أخبر تعالى بما هو الحق من أن إرادتهم بل ودادتهم إنما كانت منصبة إلى العير لا إلى النفير ، تبين أنه لا صنع لهم فيما وقع إذ لو كان لكان على ما أرادوا ، فلا حظ لهم في الغنيمة إلا ما يقسمه الله لهم لأن الحكم لمراده لا لمراد غيره ، فقال تعالى عاطفا على( وَتَوَدُّونَ : وَيُرِيدُ اللهُ ) أي بما له من العز والعظمة والعلم( أَنْ يُحِقَّ الْحَقَ ) أي يثبت في عالم الشهادة الثابت عنده في عالم الغيب ، وهو هنا إصابة ذات الشوكة( بِكَلِماتِهِ ) أي التي أوحاها إلى نبيهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أنهم يهزمون ويقتلون ويؤسرون ، وأن هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان ، ليعلي دينه ويظهر أمره على كل أمر( وَيَقْطَعَ دابِرَ ) أي آخر( الْكافِرِينَ ) أي كما يقطع أولهم ، أي يستأصلهم بحيث لا يبقى منهم أحد يشاقق أهل حزبه فهو يدبر أمركم على ما يريد ، فلذلك اختار لكم ذات الجد والشوكة ليكون ما وعدكم به من إعلاء الدين وقمع المفسدين بقطع دابرهم( لِيُحِقَّ الْحَقَ ) ي الذي هو دينه القيم وفيه فوز الدارين( وَيُبْطِلَ الْباطِلَ ) وهو كل ما خالفه( وَلَوْ كَرِهَ ) أي ذلك( الْمُجْرِمُونَ ) أي الذين يقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويكسر قوتهم بضعفكم ويفني كثرتهم بقلتكم ويمحق عزهم بذلتكم فيظهر علو أمره ويخضع الأعناق لذكره( إِذْ ) ظرف( لِيُحِقَّ الْحَقَ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ ) أي تطلبون إغاثة المحسن إليكم ، وهو بدل من( إِذْ يَعِدُكُمُ ) فهو من البيان لكراهتهم لقاء ذات الشوكة بشدة جزعهم الموجب لهم الاستغاثة مع إسفار العاقبة عن أن الخير فيما كرهوه ، وأنه أحق الحق وأظهر الدين وأوهن أمر المشركين.

ولما أسرع سبحانه الإجابة ، دل على ذلك بقوله :( فَاسْتَجابَ ) أي فأوجد الإجابة إيجاد من هو طالب لها شديد الرغبة فيها( لَكُمْ ) بغاية ما تريدون تثبيتا لقلوبكم( أَنِّي ) أي بأني( مُمِدُّكُمْ ) أي موجد المدد «لكم» أي بإمدادكم ، ولعله حول العبارة لما في التصريح بضميره من العظمة والبركة( بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ ) حال كونهم( مُرْدِفِينَ ) أي متبعين بأمثالهم.

١٩٠

( وَما جَعَلَهُ اللهُ إِلاَّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠) إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ (١١) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ (١٢) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٣) )

ولما كانت نصرة المسلمين في هذه الغزوة ظاهرة جدا ، قال :( وَما جَعَلَهُ اللهُ ) أي الإمداد والوعد به على ما له سبحانه من العظمة التي من راقبها لم يهب شيئا( إِلَّا بُشْرى ) أي لتستبشر به نفوسكم ، ولم يحتج إلى تقييد بأن يقال : لكم ، وأما في قصة أحد فقد كان المقتول منهم أكثر من المقتول من الكفار فلولا قوله «لكم» لربما طرق بعض الأوهام حين سماع أول الكلام أن الإمداد بشرى للكفار.

ولما كان الذي وقع الحكم به هنا على الإمداد أنه بشرى نفسه من غير قيد ، علم أن العناية به أشد ، فكان المحكوم به الطمأنينة كذلك ، فكان أصل الكلام : إلا بشرى هو وطمأنينة هو ، فلذلك وجب تقديم ضميره في قوله «به» على القلوب تأكيدا لأمره وتفخيما لشأنه ، وإشارة إلى إتمامه على عادة العرب في تقديم ما هم به أعنى وهو عندهم أهم فقال :( وَلِتَطْمَئِنَ ) أي وطمأنينة لتطمئن( بِهِ ) أي وحده من غير نظر إلى شيء من قوتكم ولا غيرها( قُلُوبُكُمْ ) فالآية من الاحتباك ، وأما في قصة أحد فلما قيدت البشرى بالإمداد بلكم لما تقدم ، علم أن الطمأنينة كذلك ، فكان الأنسب تأخير ضميره وتقديم القلوب الملابسة لضميرهم موازنة لقوله «لكم».

ولما كان ذلك مفهما أن النصر ليس إلا بيده وأن شيئا من الإمداد أو غيره لا يوجب النصر بذاته ، صرح به في قوله :( وَمَا النَّصْرُ ) أي حاصلا وموجودا بالملائكة وغيرهم من الأسباب( إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ ) أي لأن له وحده صفات الكمال ، فما عنده ليس منحصرا في الإمداد بالملائكة فالنصر وإن كان بها فليس من عندها ، فلا تعتمدوا على وجودها ولا تهنوا بفقدها اعتمادا عليه سبحانه خاصة ، فإن ما عنده من الأسباب لا يحيط به علما ، هذا إذا أراد النصر بالأسباب ، وإن أراد بغير ذلك فعل فكان التعبير بعند لإفهام ذلك.

ولما كانت هذه الغزوة في أول الأمر ، وكانوا بعد بروز الوعد الصادق لهم بإحدى الطائفتين كارهين للقاء ذات الشوكة جدا ، ثم وقع لهم ما وقع من النصر ، كان المقام

١٩١

مقتضيا لإثبات عزة الله وحكمته على سبيل التأكيد إعلاما بأن صفات الكمال ثابتة له دائما ، فهو ينصر من صبر واتقى بعزته ، ويحكم أمره على أتم وجه بحكمته ، هذا فعله دائما كما فعل في هذه الغزوة فلذلك قال معللا لما قبله مؤكدا :( إِنَّ اللهَ ) أي الملك الأعظم( عَزِيزٌ ) أي هو في غاية الامتناع والقهر لمن يريد قهره أزلا وأبد. لا يغالب ولا يحوج وليه إلى زيادة العدد ولا نفاسة العدد( حَكِيمٌ ) أي إذا قضى أمرا كان في غاية الإتقان والإحكام ، فلا يستطيع أحد نقص شيء منه ، هذا له دائما ، فهو يفعل في نصركم هكذا مهما استأنستم إلى بشراه ولم تنظروا إلى قوتكم ولا غيرها مما سواه فلا تقلقوا إذا أمركم بالهجوم على البأس ولو كان فيه لقاء جميع الناس.

ولما أكد هنا ، لم يحتج إلى إعادة تأكيده في آل عمران فقيل( الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ) [آل عمران : ١٢٦] أي الذي أخبركم عن عزته وحكمته في غزوة بدر بما يليق بذلك المقام من التأكيد ، وأخبركم أنكم إن فاديتم الأسرى قتل منها في العام المقبل مثل عددهم ، فوقوع الأمر على ما قال مغن عن التأكيد ، ولم يكن أحد من المسلمين في أحد مترددا في اللقاء ولا هائبا له إلا ما وقع من الهم بالفشل من الطائفتين والعصمة منه في الحال ، وقد مضى في آل عمران لهذا مزيد بيان.

ولما ذكر البشرى والطمأنينة بالإمداد ، ناسب أن يذكر لهم أنه أتبع القول الفعل فألقى في قلوبهم بعزته وحكمته الطمأنينة والأمن والسكينة بدليل النعاس الذي غشيهم في موضع هو أبعد الأشياء عنه وهو موطن الجلاد ومصاولة الأنداد والتيقظ لمخاتلة أهل العناد ، وكذا المطر وأثره ، فقال مبدلا أيضا من( إِذْ يَعِدُكُمُ ) أو معلقا بالنصر أو بما في الظرف من رائحة الفعل مصورا لعزته وحكمته :( إِذْ يُغَشِّيكُمُ ) بفتح حرف المضارعة في قراءة ابن كثير وأبي عمرو فالفاعل( النُّعاسَ ) وضم الباقون الياء ، وأسكن نافع الغين وفتحها الباقون وشددوا الشين المكسورة ، فالفاعل في القراءة الأولى مفعول هنا ، والفاعل ضمير يعود على الله ،

ولما ذكر هذه التغشية الغريبة الخارقة للعوائد ، ذكر ما فعلت لأجله فقال :( أَمَنَةً ) ولما كان ذلك خارقا للعادة ، جاء الوصف بقوله :( مِنْهُ ) أي بحكمته لأنه لا ينام في مثل تلك الحال إلا الآمن ، ويمنع عنكم العدو وأنتم نائمون بعزته ، ولم يختلف فاعل الفعل المعلل في القراءات الثلاث لأن كون النعاس فاعلا مجاز ، ويصح عندي نصبها على الحال.

ولما كان النعاس آية الموت ، ذكر بعده آية الحياة فقال :( وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ ) وحقق كونه مطرا بقوله :( مِنَ السَّماءِ ماءً ) ووقع في البيضاوي وأصله وكذا تفسير أبي حيان

١٩٢

أن المشركين سبقوا إلى الماء وغلبوا عليه ، وليس كذلك بل الذي سبق إلى بدر وغلب على مائها المؤمنون كما ثبت في صحيح مسلم وغيره ، فيكون شرح القصة أنم مطروا في المنزل الذي ساروا منه إلى بدر فحصل للمسلمين منه ما ملؤوا منه أسقيتهم فتطهروا من حدث أو جنابة ولبد لهم الرمل وسهل عليهم المسير ، وأصاب المشركين ما زلق أرضهم حتى منعهم المسير ، فكان ذلك سببا لسبق المسلمين لهم إلى المنزل وتمكينهم من بناء الحياض وتغوير ما وراء الماء الذي نزلوا عليه من القلب كما هو مشهور في السير ، ويكون رجز الشيطان وسوسته لهم بالقلة والضعف والتخويف بكثرة العدو ، والربط على القلوب طمأنينتهم وطيب نفوسهم بما أراهم من الكرامة كما يوضح ذلك جميعه قول ابن هشام( وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ) ماء للمطر الذي أصابهم تلك الليلة ، فحبس المشركين أن يسبقوا إلى الماء وخلى سبيل المؤمنين إليه( لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ) أي من كل درن ، وابتدأ من فوائد الماء بالتطهير لأنه المقرب من صفات الملائكة المقربين من حضرات القدس وعطف عليه ـ بقوله :( وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ ) أي لا عن غيركم( رِجْزَ الشَّيْطانِ ) بغير لام ما هو لازم له ، وهو البعد الذي كان مع الحدث الذي منه الجنابة المقربة من الخبائث الشيطانية بضيق الصدر والشك والخوف لإبعادها من الحضرات الملائكة «لا تدخل الملائكة بيتا فيه جنب» والرجز يطلق على القذر وعبادة الأوثان والعذاب والشرك ، فقد كان الشيطان وسوس لهم ، ولا شك أن وسوسته من أعظم القذر فإنها تجر من تمادى معها إلى كل ما ذكر ؛ ثم عطف عليه ما تهيأ له القلب من الحكم الإلهية وهو إفراغ السكينة فقال :( وَلِيَرْبِطَ ) أي بالصبر واليقين.

ولما كان ذلك ربطا محكما غالبا عاليا ، عبر فيه بأداة الاستعلاء فقال :( عَلى قُلُوبِكُمْ ) أي بعد إسكانها الوثوق بلطفه عند كل ملمة حتى امتلأت من كل خير وثبت فيها بالربط ، فشبهها بجراب ملىء شيئا ثم ربط رأسه حتى لا يخرج من ذلك الذي فيه شيء ، وأعاد اللام إشارة إلى أنه المقصد الأعظم وما قبله وسيلة إليه وعطف عليه بغير لام لازمه من التثبيت فقال :( وَيُثَبِّتَ بِهِ ) أي بالربط أو بالمطر( الْأَقْدامَ ) أي لعدم الخوف فإن الخائف لا تثبت قدمه في المكان الذي يقف به ، بل تصير رجله تنتقل من غير اختياره أو بتلبيد الرمل.

ولما ذكر حكمة الإمداد وما تبعه من الآثار المثبتة للقلوب والأقدام ، ذكر ما أمر به المدد من التثبيت بالقول والفعل فقال :( إِذْ ) بدلا ثالثا من( إِذْ يَعِدُكُمُ ) أو ظرفا ليثبت( يُوحِي رَبُّكَ ) أي المحسن إليك بجميع ذلك( إِلَى الْمَلائِكَةِ ) وبين أن النصر منه لا من المدد بقوله :( أَنِّي مَعَكُمْ ) أي ومن كنت معه كان ظافرا بجميع مأموله( فَثَبِّتُوا ) أي

١٩٣

بسبب ذلك( الَّذِينَ آمَنُوا ) أي بأنواع التثبيت من تكثير سوادهم وتقوية قلوبهم وقتال أعدائهم وتقليلهم في أعينهم وتحقير شأنهم ؛ ثم بيّن المعية بقوله :( سَأُلْقِي ) أي بوعد لا خلف فيه( فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي أوجدوا الكفر( الرُّعْبَ ) فلا يكون لهم ثبات( فَاضْرِبُوا ) أي أيها المؤمنون من الملائكة والبشر غير هائبين بسبب ذلك.

ولما كان ضرب العنق والرأس أوحى مهلك للإنسان ، وكان العنق يستر في الحرب غالبا ، عبر بقوله :( فَوْقَ الْأَعْناقِ ) أي الرؤوس أو أعالي الأعناق منهم لأنها مفاصل ومذابح.

ولما كان إفساد الأصابع أنكى ما يكون بعد ذلك لأنه يبطل قتال المضروب أو كمال قتاله ، قال :( وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ ) أي فإنه لا مانع من ذلك لكوني معكم ، ثم علل تسليطهم عليهم بقوله :( ذلِكَ ) أي التسليط العظيم ، وأخبر عنه بقوله :( بِأَنَّهُمْ ) أي الذي تلبسوا الآن بالكفر ولو كانوا ممن يقضي بايمانه بعد( شَاقُّوا اللهَ ) أي الملك الأعلى الذي لا يطاق انتقامه( وَرَسُولَهُ ) أي طلبوا أن يكونوا بمخالفة الأوامر والنواهي في شق غير الشق الذي فيه حزب الهدى في مكر منهم وخداع ، وشاقوه باشتهار السيف جهرا ـ ثم بين ما لفاعل ذلك ، فقال عاطفا على ما تقديره : فمن شاق الله ورسوله فافعلوا به ذلك ، فإني فاعل به ما فعلت بهؤلاء ، وأظهر الإدغام في المضارع لأن القصة للعرب وأمرهم في عداوتهم كان بعد الهجرة شديدا ومجاهرة ، وأدغم في الماضي لأن ما مضى قبلها كان ما بين مساترة بالمماكرة ومجاهرة بالمقاهرة ، وعبر بالمضارع ندبا إلى التوبة بتقييد الوعيد بالاستمرار ، وأدغم في الحشر في الموضعين لأن القصة لليهود وأمرهم كان ضعيفا ومساترة في مماكرة :( وَمَنْ يُشاقِقِ اللهَ ) أي الذي له الأمر كله فلا أمر لأحد معه ويشاقه سرا أو جهرا( وَرَسُولَهُ ) بأن يكون في شق غير الشق الذي يرضيانه( فَإِنَّ اللهَ ) أي الذي له جميع صفات الكمال( شَدِيدُ الْعِقابِ ) أي له هذه الصفة ، فليتوقع مشاققه عذابه ، فالآية من الاحتباك : ذكر الفعل المدغم أولا دليل على حذف المظهر ثانيا ، والمظهر ثانيا على حذف المدغم أولا. ولما ختم الآية ببيان السبب الموجب لإهانة الذين كفروا وبما له من الوصف العظيم ، أتبعه ما يقول لهم لبيان الحال عند ذلك بقوله التفاتا إليهم لمزيد التبكيت والتوبيخ :

( ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ (١٤) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ

١٩٤

الْمَصِيرُ (١٦) فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧) ذلِكُمْ وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (١٨) إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٢١) )

(ذلِكُمْ ) أي هو سبحانه بما له من هذا الوصف الهائل يذيق عدوه من عذابه ما لا طاقة لهم به ولا يدان ، فيصير لسان الحال مخاطبا لهم نيابة عن المقال : الأمر الذي حذرتكم منه الرسل وأتتكم به الكتب وكنتم تستهزئون به أيها الكفرة هو هذا الأمر الشديد وقعه البعيد على من ينزل عليه دفعه قد دهمكم ، فما لكم لا تدافعونه! كلا والله شغل كلّا ما قابله ولم يقدر أن يزاوله.

ولما كان ما وقع لهم في وقعة بدر من القتل والأسر والقهر يسيرا جدا بالنسبة إلى ما لهم في الآخرة ، سماه ذوقا لأنه يكون بالقليل ليعرف به حال الكثير فقال :( فَذُوقُوهُ ) أي باشروه قهرا مباشرة الذائق واعلموا أنه بالنسبة إلى ما تستقبلونه كالمذوق بالنسبة إلى المذوق لأجله( وَأَنَ ) أي والأمر الذي أتتكم به الرسل والكتب أن لكم مع هذا الذي ذقتموه في الدنيا ، هكذا كان الأصل ولكنه أظهر تعميما وتعليقا بالوصف فقال :( لِلْكافِرِينَ ) أي على كفرهم وإن لم يظهروا المشاققة( عَذابَ النَّارِ ) وهو مواقعكم وهو أكبر وسترون.

ولما قرر إهانتهم في الدنيا والآخرة بما حسر عليهم القلوب ، حسن أن يتبع ذلك نهي من ادعى الإيمان عن الفرار منهم وتهديد من نكص عنهم بعد هذا البيان وهو يدعي الإيمان فقال :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) أي بما أتاهم من عند ربهم( إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي بآيات ربهم فشاققوه ، وعبر عن حال لقائهم بالمصدر مبالغة في التشبيه فقال :( زَحْفاً ) أي حال كونهم زاحفين محاربين وهم من الكثرة بحيث لا يدرك من حركتهم ـ وإن كانت سريعة ـ إلا مثل الزحف( فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ ) أي هربا منهم وإن كنتم أقل منهم( وَمَنْ يُوَلِّهِمْ ) ولما كان الأغلب في وقوع القتال النهار ، وكان التولية مما لا يكون الظرف معيارا له لأنها مما لا يمتد زمنه ، فالعصيان يقع بمجرد الالتفات بقصد الفرار ، والتمادي تكرير أمثال ، لا شرط في صحة إطلاق الاسم ، عبر باليوم ، وجرده عن «في» ندبا إلى الكر بعد الفر مع عدم الالتباس ، فإن الظرف لا يكون معيارا للفعل إلا إذا كان ممتد الزمان كالصوم فقال( يَوْمَئِذٍ ) أي إذ لقيتم على هذه الحالة في أيّ وقت كان من أوقات القتال من ليل كان أو نهار( دُبُرَهُ ) أي يجعل ظهره إليهم لشيء من الأشياء تولية

١٩٥

لا يريد الإقبال إلى القتال منها( إِلَّا ) أي حال كونه( مُتَحَرِّفاً ) أو الحال التحرف ، وهو الزوال عن جهة الاستواء( لِقِتالٍ ) أي لا يتسهل له إلا بذلك أو يخيل إلى عدوه أنه منهزم خداعا له ثم يكر عليه( أَوْ مُتَحَيِّزاً ) أي متنقلا من حيز إلى آخر ومتنحيا( إِلى فِئَةٍ ) أي جماعة أخرى من أهل حزبه هم أهل لآن يرجع إليهم ليستعين بهم أو يعينهم.

ولما كان هذا محل توقع السامع للجواب وتفريغ ذهنه له ، أجاب رابطا بالفاء إعلاما بأن الفعل المحدث عنه سبب لهذا الجزاء فقال :( فَقَدْ باءَ ) أي رجع( بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ) أي الحائز لجميع صفات الكمال( وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ ) أي تتجهمه كما أنه هاب تجهم الكفار ولقاء الوجوه العابسة بوجه كالح عابس( وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) هذا إذا لم يزد الكفار عن الضعف ـ كما سيأتي النص به.

ولما تقدم إليهم في ذلك ، علله بتقرير عزته وحكمته ، وأن النصر ليس إلا من عنده ، فمن صح إيمانه لم يتوقف عن امتثال أوامره ، فقال مسببا عن تحريمه الفرار وإن كان العدو كثيرا ، تذكيرا بما صنع لهم في بدر ، ليجريهم على مثل ذلك ، ومنعا لهم من الإعجاب بما كان على أيديهم في ذلك اليوم من الخوارق :( فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ) أي حلّ على المدبر الغضب لأنه تبين لكل مؤمن أنه تعالى لا يأمر أحدا إلا بما هو قادر سبحانه على تطويقه له ، فإنه قد وضح مما يجري على قوانين العوائد أنكم لم تقتلوا قتلى بدر وإن تعاطيتم أسباب قتلهم ، لأنكم لم تدخلوا قلوب ذلك الجيش العظيم الرعب الذي كان سبب هزيمتهم التي كانت سبب قتل من قتلتم ، لضعفكم عن مقاومتهم في العادة ، وفيه مع ذلك زجر لهم عن أن يقول أحد منهم على وجه الافتخار : قتلت كذا وكذا رجلا وفعلت كذا( وَلكِنَّ اللهَ ) أي الذي له الأمر كله فلا يخرج شيء عن مراده( قَتَلَهُمْ ) أي بأن هزمهم لكم لما رأوا الملائكة وامتلأت أعينهم من التراب الذي رماهم بهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وقلوبهم جزعا حتى تمكنتم من قتلهم خرق عادة كان وعدكم بها ، فصدق مقاله وتمت أفعاله.

ولما رد ما باشروه إليه سبحانه ، أتبعه ما باشره نبيهصلى‌الله‌عليه‌وسلم دلالة على ذلك لأنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لما رأى قريشا مقبلة قال : اللهم! هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك ، فقال جبرائيلعليه‌السلام : خذ قبضة من تراب فأرمهم بها ، ففعل فملأت أعينهم فانهزموا(١) فقال :( وَما رَمَيْتَ ) أي يا سيد المؤمنين الرمل في أعين الكفار( إِذْ

__________________

(١) انظر سيرة ابن هشام ٢ / ١٩٩ باب الرسول يرمي المشركين بالحصباء ، والدر المنثور ٣ / ١٧٥.

ـ وصح عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه رمى التراب في وجوه المشركين في غزوة حنين انظر مسلم ١٧٧٧.

١٩٦

رَمَيْتَ ) أي أوقعت صورة قذفه من كفك ، لأن هذا الأثر الذي وجد عن رميك خارق للعادة ، فمن الواضح أنه ليس فعلك ، وهذا هو الجواب عن كونه لم يقل : فلم تقتلوهم إذ قتلتموهم ، لأن زهوق النفس عن الجراح المثخن هو العادة ، فهم الذين قتلوهم حين باشروا ضربهم ، فلا يصح : فلم تقتلوهم حتى قتلتموهم ، والمنفيّ إنما هو السبب المتقدم على القتل الممكن من القتل ، وهو تسكين قلوبهم الناشىء عند إقدامهم وإرعاب الكفار الناشىء عند ضعفهم وانهزامهم الممكن منهم ، فالمنفي عنهم البداية والمنفي عنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم الغاية ، أو أن الملائكةعليهم‌السلام لما باشرت قتل بعضهم صح أن ينفي عنهم قتل المجموع مطلقا ، أو أنهم لما افتخر بعضهم بقتل من قتل نفاه سبحانه عنهم مطلقا لأن مباشرتهم لقتل من قتل في جنب ما أعد لهم من الأسباب وأيدهم به من الجنود عدم ، وأما النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فإنه فعل ما أمر به من رمي الرمل ولم يعد فعله ولا ذكره ، فأثبته سبحانه له مع نفي تأثيره عنه وإثباته لمن إليه ترجع الأمور تأديبا منه سبحانه لهذه الأمة ، أي لا ينظر أحد إلى شيء من طاعته ، فإنا قد نفينا هذا الفعل العظيم عن أكمل الخلق مع أنه عالم مقر بأنه منا فليحذر الذي يرى له فعلا من عظيم سطواتنا ، ولكن لينسب جميع أفعاله الحسنة إلى الله تعالى كما نسب الرمي إليه بقوله :( وَلكِنَّ اللهَ ) أي الذي لا راد لأمره( رَمى ) لأنه الذي أوصل أثره بما كان هازما للكفار ، فعل ذلك كله ليبلي الكفار منه بأيدي من أراد من عباده بلاء عاقبته سيئة( وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ ) أي الراسخين في الإيمان( مِنْهُ ) أي وحده( بَلاءً حَسَناً ) أي من النصر والغنيمة والأجر ، ومادة بلاء يائية أو واوية بأيّ ترتيب كان تدور على الخلطة ، وتارة تكون مطلقة نحو أبلاه عذرا ، وتارة بكثرة ومحاولة وعناء وهو أغلب أحوال المادة ، وتارة تكون للامتحان وأخرى لغيره ، وما أباليه بالة ـ أظنه من البال الذي هو الخاطر فهو من بول لا بلو ، أجوف لا من ذوات الأربعة ، ومعناه : ما أفاعله بالبال ، أي ما أكترث به فما أصرف خاطري إلى مخالطة أحواله حيث يصرف هو خاطره إليّ أي ما أفكر في أمره لهوانه عليّ وسيأتي بسط معاني المادة إن شاء الله تعالى في سورة يوسفعليه‌السلام عند قوله تعالى( ما بالُ النِّسْوَةِ ) [يوسف : ٥٠] وهذه المادة معناها ضد الدعة ، لأن هذه يلزمها شغل الخاطر الذي عنه ينشأ التعب بمدافعة الملابس ، والدعة يلزمها هدوء السر وفراغ البال الذي هو منشأ الراحة ، فمعنى الآية أنه تعالى فعل ذلك من الإمكان من إذلال الكفار ليخالطهم من شؤونه ما يكون لهم في مدافعته عاقبة سيئة ، وليخالط المؤمنين من ذلك ما يكون لهم في مزاولته عاقبة حسنة بل أحسن من الراحة ، لأنه يفضي بهم إلى راحة دائمة ، والدعة تفضي إلى تعب طويل ـ والله موفق.

١٩٧

ولما ثبت بما مضى أن له تعالى الأفعال العظيمة والبطشات الجسيمة. ودلت أقوال من قال من المؤمنين : إنا لم نتأهب للقاء ذات الشوكة ، على ضعف العزائم ؛ ختم الآية بقوله :( إِنَّ اللهَ ) أي الذي له الإحاطة بصفات الكمال( سَمِيعٌ ) أي لأقوالكم من الاستعانة في المعونة على النصرة وغيرها( عَلِيمٌ ) أي بعزائمكم وإن لم تتكلموا بها ، فهو يجازي المؤمن على حسب إيمانه والكافر على ما يبدي ويخفي من كفرانه ، الأمر( ذلِكُمْ ) العظيم الشأن البعيد المتناول الذي أمركم فيه بأوامره ونهاكم به عن مناهيه وأبلاكم فيه البلاء الحسن ، وأراكم بأعينكم توهينه لهذه الطائفة التي قصدتكم وأنتم عندها أكلة جزور وعصفور بين يدي صقور ، وبين لكم من علل ذلك وعجائب مقدوره ما لم يبق معه عذر لمؤمن ، فألزموا طاعته وسابقوا في طاعة رسوله ولا تنظروا في عاقبة شيء مما يأمر به ، فإنه ما ينطق عن الهوى بل إنما يأمر عنا ، ونحن لم نأمر بشيء إلا بعد تدبيره على أحكم الوجوه وأتقنها( وَأَنَ ) أي والأمر أيضا أن( اللهَ ) أي الحاوي لجميع صفات العز والعظمة( مُوهِنُ ) أي مضعف إضعافا شديدا ثابتا دائما أبدا( كَيْدِ الْكافِرِينَ ) أي الراسخين في الكفر جميعهم ، فلا تهنوا في ابتغاء القوم وإن نالكم قرح فإنا نجعله لكم تطهيرا وللكافرين تدميرا والعاقبة للتقوى ، فنطلعكم على عوراتهم ونلقي الرعب في قلوبهم ونفرق كلمتهم وننقض ما أبرموا.

ولما تضمن ذلك إيقاع الإهانة بالكفار بهذه الوقعة ، والوعد بإلزامهم الإهانة فيما يأتي ، كان ذلك مفصلا للالتفات إلى تهديدهم في قالب استجلائهم والاستهزاء بهم وتفخيم أمر المؤمنين فقال :( إِنْ تَسْتَفْتِحُوا ) أي تسألوا الفتح أيها الكفار بعد هذا اليوم كما استفتحتم في هذه الوقعة عند أخذكم أستار الكعبة وقت خروجكم بقولكم : اللهم انصر أهدى الحزبين ، وأكرم الجندين ، وأعلى الفئتين ، وأفضل الدينين ، ووقت ترائى الجمعين ؛ بقول أبي جهل : اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا يعلم فأحنه الغداة ؛ أتاكم الفتح كما أتاكم في هذا اليوم( فَقَدْ جاءَكُمُ ) أي في هذا اليوم بنصر المؤمنين( الْفَتْحُ ) أي الذي استفتحتم له لأنهم أهدى الفئتين وأكرم الطائفتين( وَإِنْ تَنْتَهُوا ) أي بعد هذا عن مثل هذه الأقوال والأفعال المتضمنة للشك أو العناد( فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) وقد رأيتم دلائل ذلك( وَإِنْ تَعُودُوا ) أي إلى المغالبة لأنكم لم تنتهوا( نَعُدْ ) أي إلى خذلانكم( وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ ) أي أبدا( فِئَتُكُمْ ) أي جماعتكم التي ترجعون إليها للاعتزاز بها( شَيْئاً ) أي من الإغناء( وَلَوْ كَثُرَتْ ) لأن الله على الكافرين( وَأَنَّ اللهَ ) أي الملك الأعظم( مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ) أي الراسخين في الإيمان ، ولعله عبر بالمستقبل في الشرط والماضي في الجزاء إشارة إلى أنكم استفتحتم في بدر وجاءكم من الفتح ما رأيتم ، فإن

١٩٨

كان أعجبكم فألزموه في المستقبل ، فإني لا أجيئكم أبدا ما دمتم على حالكم إلا بما جئتكم به يومئذ ، والفتح يحتمل أن يكون بمعنى النصر فيكون تهكما بهم ، وأن يكون بمعنى القضاء.

ولما كان سبب ما أحله بالكفار ـ من الإعراض عن إجابتهم فيما قصدوا من دعائهم ومن خذلانهم في هذه الوقعة وإيجاب مثل ذلك لهم أبدا ـ هو عصيانهم الرسول وتوليهم عن قبول ما يسمعونه منه من الروح ؛ حذر المؤمنين من مثل حالهم بالتمادي في التنازع في الغنيمة أو غيرها فقال :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) أي ادعوا ذلك( أَطِيعُوا اللهَ ) أي الذي له جميع العز والعظمة( وَرَسُولَهُ ) تصديقا لدعواكم الإيمان.

ولما كانت طاعة الرسول هي طاعة الله لأنه إنما يدعو إليه وإنما خلقه القرآن ، وحد الضمير فقال :( وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ ) أي عن الرسول في حال من الأحوال ، في أمر من الأوامر من الجهاد وغيره ، من الغنائم وغيرها ، خف أو ثقل ، سهل أو صعب( وَأَنْتُمْ ) أي والحال أنكم( تَسْمَعُونَ ) أي لكم سمع لما يقوله ، أو وأنتم تصدقونه ، لأن ارتكاب شيء من ذلك يكذب دعوى الإيمان وينطبق على أحوال الكفار ، وإلى ذلك إشارة بقوله :( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا ) أي بآذاننا( وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ) أي لا يستجيبون فكأنهم لم يسمعوا ، لما انتفت الثمرة عد المثمر عدما.

( إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) )

ولما كانت حال من هذا شأنه مشابهة لحال الأصم في عدم السماع لعدم الانتفاع به ، والأبكم في عدم كلامه لعدم تكلمه بما ينفع ، والعادم للعقل في عدم عقله لعدم انتفاعه به ، قال معللا لهذا النهي معبرا بأنسب الأشياء لما وصفهم به :( إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِ ) أي التي تدب على وجه الأرض ، جعلهم من جنس الحشرات أو البهائم ثم جعلهم شرها.

ولما كان لهم من يفضلهم ، وكانت العبرة بما عنده سبحانه ، قال تعالى :( عِنْدَ اللهِ ) أي الذي له جميع الكمال من إحاطة العلم والقدرة وغيرها( الصُّمُّ الْبُكْمُ ) أي الطرش الخرس طرشا وخرسا بالغين( الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ) أي لا يتجدد لهم عقل ، ومن لم ينتفع بسماع الداعي كان كذلك.

١٩٩

ولما كان ذلك ربما دعا السامع إلى أن يقول : ما للقادر لم يقبل بمن هذا شأنه إلى الخير؟ أجاب بأنه جبلهم من أول الأمر ـ وله أن يفعل في ملكه وملكه ما يريد ـ جبلة عريقة في الفساد ، وجعل جواهرهم شريرة كجوهر العقرب التي لا تقبل التأديب بوجه ولا تمر بشيء إلا لسبته ، فعلم سبحانه أنه لا خير فيهم فتركهم على ما علم منهم( وَلَوْ عَلِمَ اللهُ ) أي الذي له الكمال كله( فِيهِمْ خَيْراً ) أي قبولا للخير( لَأَسْمَعَهُمْ ) أي إسماعا هو الإسماع ، وهو ما تعقبه الإجابة المستمرة.

ولما كان علم الله تعالى محيطا ، وجب أن يعلم كل ما كان حاصلا ، فكان عدم علمه بوجود الشيء من لوازم عدمه ، فلا جرم كان التقدير هنا : ولكنه لم يعلم فيهم خيرا ، بل علم أنه لا خير فيهم فلم يسمعهم هذا الإسماع( وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ ) وهم على هذه الحالة من عدم القابلية للخير إسماعا قسرهم فيه على الإجابة( لَتَوَلَّوْا ) أي بعد إجابتهم( وَهُمْ مُعْرِضُونَ ) أي ثابت إعراضهم مرتدين على أعقابهم ، ولم يستمروا على إجابتهم لما جبلوا عليه من ملاءمة الشر ومباعدة الخير ، فلم يريدوا الإسلام وأهله بعد إقبالهم إلا وهنا ، وكما كان لأهل الردة الذين قتلوا مرتدين بعد أن كانوا دخلوا في الإسلام خوفا من السيف ورغبة في المال وهو من وادي( وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ ) [الأنعام : ٢٨] فإن علم الله تعالى أربعة أقسام : جملة الموجودات ، وجملة المعدومات ، وأن كل واحد من الموجودات لو كان معدوما كيف يكون حاله ، وأن كل واحد من المعدومات لو كان موجودا كيف يكون حاله ، والقسمان الأولان علم بالواقع ، والآخران علم بالقدر ، والآية من القسم الأخير ، ولعمري إنا دفعنا إلى زمان أغلب من فيه على قريب من هذا الأمر ، أجرأ الناس على الباطل ، وأثبتهم في المصاولة فيه ، وأوسعهم حبلا في التوصل إليه ، وأجبنهم عند الدعوة إلى الحق ، وأسرعهم نكوصا عند الإقدام بعد جهد عليه ، وألكنهم عند الجدال له ، فصار ما كان مقدرا مفروضا حاصلا وموجودا ، وكلمة( لَوْ ) هنا يحتمل أن تكون هي التي يعلق بها أمر على آخر هو بضده أولى فيكون المراد أن المعلق. وهو الثاني ـ موجود دائما مثل قول عمر رضي الله عنه : نعم العبد صهيب رضي الله عنه! لو لم يخف الله لم يعصه ، فالمراد هنا على هذا أنهم إذا كانوا يتولون مع الإسماع والإجابة ، فتوليهم مع عدمهما أولى ـ نبه على ذلك الرازي ، ويحتمل أن تكون على بابها من أن الجزءين بعدها منفيان ، وانتفاء التولي إنما يكون خيرا إذا نشأ عن الإسماع المترتب على علم الخير فيهم ، وأما عدمه لعدم إسماعهم الإسماع الموصوف لأنه لا خير فيهم فليس من الخير في شيء بل هو شر محض ، التولي المنفي عنهم ليس هو الموجود منهم ، بل هو الناشىء عن الإسماع الموصوف فلا يناقض

٢٠٠