نظم الدّرر الجزء ٣
0%
مؤلف: برهان الدين البقاعي
تصنيف: علوم القرآن
الصفحات: 603
0%
مؤلف: برهان الدين البقاعي
تصنيف: علوم القرآن
الصفحات: 603
خَفَّفَ اللهُ ) أي الملك الذي له الغنى المطلق وجميع صفات الكمال( عَنْكُمْ ) أي رحمة لكم ورفقا بكم( وَعَلِمَ ) أي قبل التخفيف وبعده( أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً ) أي في العدد والعدد ، ولكنه أوجب عليكم ذلك ابتلاء ، فبعد التخفيف علم ضعفهم واقعا وقبله علم أنه سيقع ، وتصديره هذه الجملة ب( الْآنَ ) يشير إلى أن النسخ كان قبل أن تمضي مدة يمكن فيها غزو ، وفائدة الأمر المعقب بالنسخ حيازة الأجر بقبوله والعزم على امتثاله ، وقيل : ما كان النسخ إلا بعد مدة بعد أن سألوا في التخفيف ؛ وروى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما نزلت( إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ) شق ذلك على المسلمين حين فرض عليهم ألا يفر واحد من عشرة ، فجاء التخفيف فقال :( الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ ) ـ الآية ؛ فلما خفف الله عنهم من العدة نقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم. والمعنى أنه كان كتب مقدارا من الصبر لكل مؤمن ، فلما خفف أزال ذلك بالنسبة إلى المجموع ، وهذا لا يمنع استمرار البعض على ما كان كما فعل سبحانه بالصحابة رضوان الله عليهم في غير موضع منها غزوة مؤتة ، فقد كانوا فيها ثلاثة آلاف ، وكان من لقوا من جموع هرقل مائتي ألف : مائة من الروم ومائة من العرب المستنصرة ، فصبروا لهم ونصروا عليهم كما في الصحيح أن النبيصلىاللهعليهوسلم قال مخبرا عنهم في هذه الغزوة «ثم أخذ الراية عن غير إمرة سيف من سيوف الله خالد بن الوليد ففتح الله عليه»(١) . ولما توفي النبيصلىاللهعليهوسلم ارتد عامة الناس حتى لم يثبت على الإسلام عشر العشر فصبر الصحابة رضوان الله عليهم لهم ونصروا عليهم ، بل الذي صبر في الحقيقة أبو بكر رضي الله عنه وحده ، ثم أفاض الله من صبره ونوره على جميع الصحابة رضي الله عنهم فصبروا ، ثم جهز الجيش وأميرهم الذي سماه النبيصلىاللهعليهوسلم سيف الله ، فأخمد الله به نار الشرك وقطع بصبره وحسن نيته جاذرة الكفر فلم تمض سنة وفي بلاد العرب مشرك. فلما جمع الله العرب بهذا الدين على قلب رجل واحد قصدوا الأعاجم من الفرس والروم والقبط ، فقاتلوا أهل فارس في عدة وقائع منها القادسية ، وكان الصحابة رضي الله عنهم فيها دون أربعين ألفا ، وكان المجوس أكثر من أربعمائة ألف ، وقاتلوا الروم كذلك فكانوا في اليرموك دون أربعين ألفا وكان الروم نحو أربعمائة ألف ـ إلى غير ذلك من الوقائع وقد صبروا في أكثرها ونصروا ، ثم كانت لهم العاقبة فطردوا الشرك وأهله ، وأظهر الله لهم دينه كما وعد به سبحانه ، وما اجتمع أهل الإسلام وأهل الضلال قط في معرك إلا كانت قتلى الكفار أضعاف قتلى المسلمين غير أن الله تعالى جده وتبارك اسمه وتمت كلمته ألطف بالعرب علما منه بأنهم خلاصة الناس بما طبعهم
__________________
(١) أخرجه البخاري ٣٧٥٧ من حديث أنس.
سبحانه عليه من الخصال الحميدة والأخلاق السديدة فأسلم كل من اشتملت عليه جزيرتهم بعد وقائع كثيرة في زمان النبيصلىاللهعليهوسلم وزمان الردة ، ولم تبلغ قتلاهم فيما أظن عشرة آلاف إنسان ، ثم لما جاهدوا الأعاجم من فارس والروم وغيرهم كانت قتلى الكفار تبلغ في المعركة الواحدة مائة ألف ومائتي ألف ـ كما هو مشهور في كتب الفتوح للمدائني وسيف وابن عبد الحكم والبلاذري وغيرهم ، وقد جمع أشتات ذلك الحافظ أبو الربيع بن سالم الكلاعي وشيخه ابن حبيش ؛ ولعله حذف في الثانية التقييد بالكفار ليشمل كل من استحق القتال من البغاة وغيرهم ، فقال تعالى مسببا عن التخفيف المذكور رادا الأمر من إيجاب مصابرة عشرة إلى الأمر بمصابرة الضعف ، فإن زاد العدد على الضعف جاز الفرار والصبر أحسن :( فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ ) أي الصبر الذي تقدم التنبيه عليه( يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ) أي من غيركم بإذن الله( وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ ) أي على النعت المذكور وهو الصبر( يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ ) ثم أرشد إلى أن المراد بالصبر هو كل المأمور به في آية( إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا ) [الأنفال : ٤٥] فقال :( بِإِذْنِ اللهِ ) أي بإرادة الذي له جميع الأمر ، ذلك وإباحته لكم وتمكينه ، فإن لم يقع الإذن لم يقع الظفر ، فالآية من الاحتباك : ذكر في الأول صابرة دلالة على حذفه ثانيا ، وذكر ثانيا الإذن دليلا على حذفه أولا ؛ ثم نبه على عموم الحكم بقوله :( وَاللهُ ) أي المحيط بصفات الكمال( مَعَ الصَّابِرِينَ ) أي بنصره ومعونته ، ومن ثم قال ابن شبرمة : وأنا أرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كذلك. ومادة «إذن» ـ مهموزة وغير مهموزة وواوية ويائية بتقاليبها الأربعة : إذن ذان ذون ذين ـ ترجع إلى العلم الناشىء عن حاسة السمع المتعلق بجارحة الأذن ، وتارة يثمر الإباحة وتارة المنع ، فأذن بالشيء ـ كسمع : علم به «فأذنوا بحرب» أي كونوا على علم من أن حربكم أبيح. وأذن له بالشيء ـ كسمع أيضا : أباحه له ، وآذنه الأمر وبه : أعلمه ـ وزنا ومعنى ، فجعله مباحا له أو ممنوعا منه ، وأذّن فلانا تأذينا : عرك أذنه ، وأذّنه : رده عن الشرب فلم يسقه ، كأن التفعيل فيه للإزالة ، وآذن النعل وغيرها : جعل لها أذنا ، وفعله بإذني : بعلمي وتمكيني ، وأذن إليه وله ـ كفرح : استمع بأذنه ، أي أباح ذلك سمعه وقلبه ، وأذن لراتحة الطعام : اشتهاه كأنه أباحه لنفسه ، وآذنه إيذانا : أعجبه ، مثل ذلك سواء ، وآذنه أيضا : منعه ، كأنه الهمزة للإزالة ، والأذن : الجارحة المعروفة ـ بضمة وبضمتين ـ والمقبض والعروة من كل شيء وجبل ، لأن كلا من ذلك سبب للتمكن من حمل ما هو فيه ، والأذن : الرجل المستمع القابل كل ما يقال له كأنه لما قبله أباحه قلبه ومكنه منه ، والأذان : النداء إلى الصلاة لأنه إعلام بإباحتها والمكنة منها ، وتأذن : أقسم وأعلم ، وتارة يتأثر عنه إباحة ومكنة من الشيء وتارة منع
وحرمة ، فيكون من الإزالة ، وآذن العشب : بدأ يجف فبعضه رطب وبعضه يابس كأنه أمكن من جره وجمعه ببدو صلاحه ، والآذن : الحاجب ، لأنه للتمكين والمنع ، والأذنة محركة : صغار الإبل والغنم كأنها تبيح كل أحد ما يريد منها ، وطعام لا أذنة له : لا شهوة لريحه ، فكأنه ممنوع منه لعدم اشتهائه ، وتأذن الأمير في الناس : نادى فيهم بتهدد ، فهو يرجع إلى المنع والزجر عن شيء تعزيرا ، والذين ـ بالكسر والياء : العنب ، وكذا الذان ـ بالألف منقلبة عن واو : العنب ، كأنه لسهولة تناوله ولذة مطعمه أمكن من نفسه ، والتذوّن ـ بالواو مشددة : الغنى والنعمة ، كأنهما سبب للإمكان مما يشتهي ، والذؤنون ـ مهموزا كزنبور : نبت من نبات الأرض ؛ والمعنى أنه إنما أذن لكم في ذلك إذا فعلتم الشرط المذكور لأنكم فقهتم على الحرب وبنيتم أمركم فيه على دعائمها الخمس التي ملاكها والداخل في كل منها الصبر ، فكان الله معكم ، وهو مع كل صابر هذا الصبر المثبت في الدعائم الخمس في كل أوان ، ومما يسأل عنه في الآية أنه ابتدىء في العشرات بثاني عقودها ، وفي المئات والآلاف بأولها. سألت شيخنا الإمام الراسخ محقق زمانه شمس الدين محمد بن علي القاياتي قاضي الشافعية بالديار المصرية : ما حكمته؟ فقال : الأصل الابتداء بأول العقود ، لكن لو قيل : إن يكن منكم عشرة صابرة يغلبوا مائة ، لربما توهم أنه لا تجب مصابرة الواحد للعشرة إلا عند بلوغ المؤمنين هذا العقد ، فعدل إلى الابتداء بثاني عقود هذه المرتبة لينتفي هذا المحذور ، فلما انتفى وعلم أنه يجب مصابرة كل واحد لعشرة ، ذكر باقي المراتب في الباقي على الأصل المعتاد ، وأما تكرير المعنى الواحد وهو مقاومة الجماعة لأكثر منها مرتين : قبل التخفيف وبعده فللدلالة ـ كما قال في الكشاف ـ على أن الحال مع القلة والكثرة واحدة لا تتفاوت وإن كان قد يظن تفاوته ، وكأنه لم يذكر الآحاد بشارة بكثرة هذه الأمة واجتماعها وبدأ بالعشرات وختم بالألوف ليستوفي مراتب الأعداد الأصلية ـ والله أعلم.
ولما تقدم الأمر بالإثخان في( فَشَرِّدْ بِهِمْ ) ثم بإعداد القوة ، ثم التحريض على القتال بعد الإعلام بالكفاية ثم إيجاب ثبات الواحد لعشرة ثم إنزال التخفيف إلى اثنين ؛ كان ذلك مقتضيا للإمعان في الإثخان ، فحسن عتاب الأحباب في اختيار غير ما أفهمه هذا الخطاب ، لكون ذلك أقعد في الامتنان عليهم بالعفو والغفران بسبب أن أكثرهم مال إلى فداء الأسارى فإن النبيصلىاللهعليهوسلم استشارهم فيهم فأشار أبو بكر رضي الله عنه بالمفاداة ومال معه الأكثر ، وأشار عمر رضي الله عنه بضرب أعناقهم ، وروي أنه قالصلىاللهعليهوسلم : «لو نزل من السماء عذاب ـ أي في هذا ـ ما نجا منه غير عمر وسعد بن معاذ »(١) رضي الله
__________________
(١) أخرجه البخاري ٤٢٦٢ من حديث أنس.
عنهما. فقال تعالى استئنافا واستنتاجا :( ما كانَ ) أي ما صح وما استقام( لِنَبِيٍ ) أي في شرع نبي من الأنبياء مستقل ولا مقرر ، ولعله عبر بوصف النبوة ليفيد مع العموم أن كلا من رفعة القدر والإخبار من الله يمنع من الإقدام على فعل بدون إذن خاص( أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى ) أي أن يباح له أسر العدو( حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ) أي يبالغ في قتل أعدائه ، فهو عتاب لمن أسر من الصحابة غير من نهى النبيصلىاللهعليهوسلم عن قتله من المشركين أو رضي بذلك ، وإنما أسند إلى نبي ـ وقرىء شاذا بالتعريف ـ ولم يقل : ما كان في شرع نبي ، تهويلا للأسر تعظيما للعفو للمبالغة في القيام بالشكر ، وهذا كان يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل ، فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله سبحانه وتعالى( فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً ) [محمد : ٤] قاله ابن عباس رضي الله عنهما ، ومادة ثخن تدور على الضخامة ، وتارة يلزمها اللين والضعف ، وتارة الصلابة والقوة ، فحقيقته : يبالغ في القتل فيغلظ أمره فيقوى ، ويلين له أعداؤه ويضعفوا ؛ ثم بين لهم أن الميل عن ذلك إنما هو لإرادة الأعراض الدنيوية المبكت به اليهود في آخر التي قبلها بقوله تعالى( يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى ) [الأعراف : ١٦٩] كما أن النزاع في الأنفال ميل إلى الدنيا ، وكل ذلك بمعزل عن معالي الأخلاق وكرائم السجايا ، معللا لعدم الكون المذكور بما تقديره : لأن الأسر إنما يراد به الدنيا ، هكذا الأصل ولكنه أبرز في أسلوب الخطاب لأنه أوقع في النفس فقال :( تُرِيدُونَ ) أي أيها المؤمنون المرغبون في الإنفاق لا في الجمع ، باستبقائهم( عَرَضَ الدُّنْيا ) قال الراغب : العرض ما لا ثبات له ، ومنه استعاره المتكلمون لما لا ثبات له إلا بالجوهر كاللون ، وقال ابن هشام في تهذيب السيرة : أي المتاع الفداء بأخذ الرجال( وَاللهُ ) أي الذي له الكمال كله( يُرِيدُ ) أي لكم( الْآخِرَةَ ) أي جوهرها لأنه يأمر بذلك أمرا هو في تأكيده ليمتثل كالإرادة التي لا يتخلف مرادها ، وذلك بالإثخان في قتلهم لظهور الدين الذي تريدون إظهاره والذي به تدرك الآخرة ، ولا ينبغي للمحب أن يريد إلا ما يريد حبيبه( وَاللهُ ) أي الملك الأعظم( عَزِيزٌ ) أي منزه جنابه العلي عن لحاق شيء مما فيه أدنى سفول( حَكِيمٌ ) أي لا يصدر عنه فعل إلا وهو في غاية الإتقان فهو يأمر بالإثخان عند ظهور قوة المشركين ، فإذا ضعفت وقوي المسلمون فأنتم بالخيار ، ولا يصح ادعاء ولايته إلا لمن ترقى في معارج صفاته ، فيكون عزيزا في نفسه فلا يدنسها بالأطماع الفانية ، وفعله فلا يحطه عن أوج المعالي إلى حضيض المهاوي ، وحكيما فلا ينشأ عنه فعل إلا وهو في غاية الإتقان.
( لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ
الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١) )
ولما علم من الآية ما أشرت إليه ، فكان كأنهم قالوا رضي الله عنهم : تقتضي عزته وحكمته سبحانه من تطهيرنا عما تدنسنا به؟ استأنف تعالى الجواب عن ذلك ممتنا غاية لامتنان ومحذرا من التعرض لمواقع الخسران فقال :( لَوْ لا كِتابٌ ) أي قضاء حتم ثابت مبرم( مِنَ اللهِ ) أي الذي له الإحاطة الكاملة بكل شيء قدرة وعلما( سَبَقَ ) أي في أم الكتاب من الحكم بإسعادكم ، ومن أنه لا يعذب أحدا إلا بعد التقدم إليه بالنهي ، ومن أنه سيحل لكم الفداء والغنائم التي كانت حراما على من قبلكم تشريفا لكم ـ كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما( لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ ) أي من الأسرى المراد بهم الفداء( عَذابٌ عَظِيمٌ ) ولكن سبق حكمي بأن المغنم ـ ولو بالفداء ـ لكم حل وإن تعجلتم فيه أمري.
ولما ساق سبحانه هذه البشارة في النذارة ، سبب عنها قوله :( فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ ) أي من الفدية وغيرها حال كونه( حَلالاً ) أي لا درك ولا تبعة فيه من جهتي( طَيِّباً ) أي شهيا لكم ملائما لطباعكم ، وهذا إذا كان مع الشروط التي أقمتها لكم من عدم الغلول والخيانة بوجه من الوجوه والاستئثار وشديد الرغبة السائقة إلى ما لا يليق من التنازع وغيره ، ذلك فيما تقدمت فيه إليكم( وَاتَّقُوا اللهَ ) أي الذي له جميع صفات الكمال في جميع ذلك فلا تغلوا ولا تنازعوا ولا تقدموا إلا على ما يبيحه لكم الرسولصلىاللهعليهوسلم ( إِنَّ اللهَ ) أي المتصف بالجلال والإكرام( غَفُورٌ ) أي لمن يعلم من قلبه أنه من أهل التقوى( رَحِيمٌ ) أي له ، فلأجل ما علم في قلوبكم من الخير غفر لكم فلم يعذبكم بتسرعكم إلى إسار من لم يأمركم به الرسولصلىاللهعليهوسلم للمفاداة دون توقف على إذنه ، ورحمكم فأحسن إليكم فأحل لكم الغنائم ، انظر إلى قوله تعالى( إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ) تعرف حسن تعليل الأمر بالتقوى بالمغفرة والرحمة ، ويجوز أن يكون علة للأكل ، أي كلوا فإن الله قد غفر لكم ما عاتبكم عليه ، وفائدة الأمر بالتقوى التحذير من العود اعتمادا على سعة الحلم ، وأيضا فقد تقدم تهديد ومغفرة فناسب أن يدلهم على أن علة المغفرة التقوى ، فكان ترجمة ذلك أنه لما رهبهم بمس العذاب عند أخذ الفداء لو لا سبق الكتاب ، رغبهم بأنه كلما صدهم عن جنابه صارف ذنب فردهم إليه عاطف تقوى ، أسبل عليهم ذيل المغفرة والرحمة ، ولما علم من هذا إباحة ما يؤخذ من الأسر من الفداء ، وكان ما يؤخذ منهم تعظم مشقته عليهم ،
أقبل عليهم مستعطفا لهم ترغيبا في الإسلام ، فأقبل على نبيهصلىاللهعليهوسلم بالأمر بمخاطبتهم تنبيها على أنهم ليسوا بأهل لخطابه سبحانه بما أبعدوا أنفسهم عنه من اختيارهم الكون في زمرة الأعداء على الكون في عداد الأولياء ، فقال معبرا بالوصف الناظر إلى تلقي العلم ترغيبا في التلقي منهصلىاللهعليهوسلم :( يا أَيُّهَا النَّبِيُ ) أي الذي أنبئه بكل معنى جليل ، يظهر دينه ويزكي أمته مع رفع مقداره وإتمام أنواره( قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ ) أي في أيدي أصحابك وأهل دينك ، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب( مِنَ الْأَسْرى ) ترغيبا لهم فيما عند الله( إِنْ يَعْلَمِ اللهُ ) بما له من صفات الجلال والجمال( فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً ) أي شيئا من تقواه الحاملة على الإيمان الذي هو رأس الخير وعلى كل خير( يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ ) أي مما يفتح به عليكم من المغانم في الدنيا ويدخره لكم من الثواب في الأخرى( وَيَغْفِرْ لَكُمْ ) أي ما سلف من ذنوبكم( وَاللهُ ) أي الذي بيده كل شيء( غَفُورٌ رَحِيمٌ ) أي من شأنه ذلك ، والمعنى على ما علم من قصة العباس الآتية رضي الله عنه أنه سبحانه يعاملكم وأمثالكم في غير ما يأخذه منكم جنده بالكرم ، وأما إنه يحكم بإسقاط الفداء عنكم ويأمرهم بتركه وإطلاقكم مجانا بما يعلم في قلوبكم من خير وإيمان كنتم تكتمونه فلا تطمعوا فيه لأن ذلك يفتح باب الدعاوى الباطلة المانعة من الغنائم الموهنة للدين ؛ قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر في سيرته : قال ابن عباس وسعيد بن المسيب : «كان العباس رضي الله عنه في الأسرى فقال له رسول اللهصلىاللهعليهوسلم : افد نفسك وابني أخيك عقيلا ونوفلا وخليتك فإنك ذو مال ، فقال : يا رسول الله! إني كنت مسلما ولكن القوم استكرهوني ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوسلم : الله أعلم بإسلامك ، إن كان حقا ما تقول فالله يجزيك به ، وأما ظاهر أمرك فقد كان علينا ، قال : ليس لي مال ، فقال له رسول اللهصلىاللهعليهوسلم : وأين المال الذي وضعت عند أم الفضل حين خرجت وليس معك أحد؟
ثم قلت : إن أصبت في سفري هذا فأعطي الفضل كذا وعبد الله كذا! فقال : والذي بعثك بالحق! ما علم بهذا أحد غيري وغيرها ، ففدى نفسه بمائة أوقية وكل واحد بأربعين أوقية وقال : تركتني أسأل الناس ، وأسلم وأمر عقيلا فأسلم ، ولم يسلم من الأسارى غيرهما»(١) .
ولما كان التقدير : فإن صدقوك وقبلوا ـ بشرى الله ، وفي الله لهم ، عطف عليه قوله :( وَإِنْ يُرِيدُوا ) أي الأسرى والكفار كلهم أو واحد منهم كأبي عزة( خِيانَتَكَ ) أي وأنت أعلى الخلق في عهد من إسلام أو غيره يوثقونه لك ترضى به في المن على أحد
__________________
(١) أخرجه الحاكم ٣ / ٣٢٤ من حديث عائشة وصححه ، ووافقه الذهبي.
وأخرجه البيهقي في الدلائل ٣ / ١٤٢ ـ ١٤٣ عن الزهري وعروة مرسلا.
منهم ، بغير فداء ، يرد الله أن يكون وبال ذلك راجعا إليهم فيمكن منهم ، فلا تخش من أمرهم( فَقَدْ خانُوا اللهَ ) أي الملك الأعظم ؛ ولما كانت خيانتهم غير مستغرقة للزمن ، أدخل الجار فقال :( مِنْ قَبْلُ ) أي من قبل هذا الوقت بالكفر وغيره من أنواع الفسق( فَأَمْكَنَ ) أي فأوجد الإمكان منهم ، وقصره ليدل على أنهم صاروا سلما لكل أحد( مِنْهُمْ ) أي يوم بدر بسبب خيانتهم ، فمثل ما أمكن منهم عند وقوع الخيانة سيمكنك منهم إذا أرادوا الخيانة ، فإن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون( وَاللهُ ) أي الذي له الإحاطة بكل شيء( عَلِيمٌ ) أي بالغ العلم مطلقا فهو يعلم الأشياء كلها التي منها أحوالهم( حَكِيمٌ ) أي بالغ الحكمة فهو يتيقن كل ما يريده فهو يوهن كيدهم ويتقن ما يقابلهم به فيلحقهم لا محالة ، وكذا فعل سبحانه في أبي عزة الجمحي فإنه سأل النبيصلىاللهعليهوسلم في المن عليه بغير شيء لفقره وعياله وعاهده على أن لا يظاهر عليه أحدا ومدحه ثم خان فظفر به في غزوة حمراء الأسد عقب يوم أحد أسيرا ، فاعتذر له وسأله في العفو عنه فقال : ألا تمسح عارضيك بمكة وتقول : سخرت بمحمد مرتين ، لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين ، وأمر به فضربت عنقه(١) ، وقال أبو حيان في الخيانة : هي كونهم أظهر بعضهم الإسلام ثم رجعوا إلى دينهم.
( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ (٧٣) )
ولما بين للأسرى أن الخير الذي لم يطلع عليه من قلوبهم غير الله لا ينفعهم في إسقاط الفداء عنهم لأنه لا دليل عليه ، وكل ما لا دليل عليه فحكمه حكم العدم ، لأن مبنى الشرع على ما يمكن المكلف معرفته وهو الظواهر ، وختم بصفتي العلم والحكمة ، شرع يبين الخبر الذي يفيد القرب الذي تنبني عليه المناصرة وكل خير ، فقال مقسما أصحاب النبيصلىاللهعليهوسلم أربعة أقسام : قسم جمع الإيمان والهجرة أولا والجهاد ، وقسم آوى ، وقسم آمن ولم يهاجر ، وقسم هاجر من بعد :( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ) أي بالله ورسوله
__________________
(١) قصة أبي عزة الجمحي هي عند البيهقي في الدلائل ٣ / ٢٨٠ ـ ٢٨١ وسيرة ابن هشام ٣ / ٦٦.
واللفظ النبوي : «لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين».
أخرجه البخاري ٦١٣٣ ومسلم ٢٩٩٨ وأبو داود ٤٨٦٢ وابن ماجه ٣٩٨٢ وابن حبان ٦٦٣ والبيهقي ٦ / ٣٢٠ و ١٠ / ١٢٩ وأحمد ٢ / ٣٧٩ من حديث أبي هريرة.
( وَهاجَرُوا ) أي واقعوا الهجرة من بلاد الشرك ، وهم المهاجرون الأولون ، هجروا أوطانهم وعشائرهم وأحبابهم حبا لله ورسولهصلىاللهعليهوسلم ( وَجاهَدُوا ) أي واقعوا الجهاد ، وهو بذل الجهد في توهين الكفر وأهله.
ولما كانت الآيات المتقدمة في آلات الجهاد من النفس والمال تارة بالحث على إنفاقه وأخرى بالنهي عن حبه وتارة بالتسلية للأسرى عند فقده ، كان الأنسب تقديم قوله :( بِأَمْوالِهِمْ ) أي بإنفاقهم لها في الجهاد وتضييع بعضها بالهجرة من الديار والنخيل وغيرها( وَأَنْفُسِهِمْ ) بإقدامهم على القتال مع شدة الأعداء وكثرتهم ؛ وقدم المال لأنه سبب قيام النفس ، وكان في غاية العزة في أول الأمر ، وأخر قوله :( فِي سَبِيلِ اللهِ ) أي الملك الأعظم لذلك ، و «في» سببية أي جاهدوا بسببه حتى لا يصد عنه صاد فتظهر محاسنه ويسهل المرور فيه من غير قاطع ، ولعله عبر ب «في» إعلاما بأنه ينبغي أن يكون متمكنا من السبيل تمكن المظروف من ظرفه حتى يكون الدين غالبا عليه لا يخرج عنه بوجه من الوجوه ، وأما في سورة براءة فلما كان السياق في بعض الأماكن بها للسبيل قدم ـ كما سيأتي ، وأيضا فإن هذه السورة نزلت في أوائل الأمر بعد وقعة بدر في السنة الثانية من الهجرة ، وكان الحال إذ ذاك شديدا جدا ، والأموال في غاية القلة ، والأعداء لا يحصون ، فناسب الاهتمام بشأن المال والنفس فقدما ترغيبا في بذلهما ، وأما براءة فنزلت في غزوة تبوك في أواخر سنة تسع ، فكان المال قد اتسع ، والدين قد عز وضخم وقوي وعظم ، وأسلم غالب الناس ، فبعدت مواضع الجهاد فعظمت المشقة ، وتواكل الناس بعضهم على بعض ورغبوا في الإقبال على إصلاح الأموال ، فناسب البداءة هناك بالسبيل.
ولما ذكر أهل الهجرة الأولى ، أتبعهم أهل النصرة ، وهم القسم الثاني من المؤمنين الذين كانوا على زمنهصلىاللهعليهوسلم فقال :( وَالَّذِينَ آوَوْا ) أي من هاجر إليهم من النبيصلىاللهعليهوسلم وأصحابه رضي الله عنهم فأسكنوهم في ديارهم ، وقسموا لهم من أموالهم ، وعرضوا عليهم أن ينزلوا لهم عن بعض نسائهم ليتزوجوهن ، وإنما قصر الفعل إشارة إلى تعظيم فعلهم بحيث كأنه لا إيواء في الوجود غير ما فعلوا ، وكذا قوله :( وَنَصَرُوا ) أي الله ورسوله والمؤمنين ، وهم الأنصار رضي الله عنهم ، حازوا هذين الوصفين الشريفين فكانوا في الذروة من كلتي الحسنيين ، ولو لا إيواؤهم ونصرهم لما تم المقصود ، والمهاجرون الأولون أعلى منهم لسبقهم في الإيمان الذي هو رئيس الفضائل ولحملهم الأذى من الكفار زمانا طويلا وصبرهم على فرقة الأوطان والعشائر. وأشار إلى القسمين بأداة البعد لعلو مقامهم وعز مرامهم فقال :( أُولئِكَ ) أي العالو الرتبة
( بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ) أي في الميراث دون القرب العاري عن ذلك ، فبين أن الإيمان إن لم يقترن بشهيدين هما الهجرة والجهاد من الغرب عن المدينة وشهيدين هما الإيواء والنصرة من أهل المدينة ، كان عائقا عن مطلق القرب بل مانعا من نفوذ لحمة النسب كل النفوذ ، فكأن من آمن ولم يهاجر لم يرث ممن هاجر قاله ابن عباس رضي الله عنهما ، ومادة ولي بجميع تصاريفها ترجع إلى الميل ، ويلزم منه القرب والبعد ، وربما نشأ عن كل منهما الشدة ، وترتيب ولي بخصوصه يدور على القرب ، ومن لوازمه النصرة ، فالمعنى بعضهم أقرباء بعض ، يلزم كلا منهم في حق الآخر من المناصرة وغيره ما يلزم القريب لقريبه ، فمتى جمعهم وصف جعلهم شركاء فيما يثمره ، فوصف الحضور في غزوة يشرك بينهم في الغنائم ، لأن أنواع الجهاد كثيرة ، وكل واحد منهم باشر بعضها ، فعن حضور الكل نشأت النصرة ، والمهاجر في الأصل من فارق الكفار بقلبه ولاواهم ، ورافق المؤمنين بحبه ولبه ووالاهم ، لكن لما كان هذا قد يخفى ، نيط الأمر بالمظنة وهي الدار ، لأنها أمر ظاهر ، فصار المهاجر من باعد دار المشركين فرارا بدينه ، ثم صار شرط ذلك بعد هجرة النبيصلىاللهعليهوسلم أن تكون النقلة إلى دار هجرته : المدينة الشريفة هذا حكم كل مهاجر إلا ما كان من خزاعة فإن النبيصلىاللهعليهوسلم كان قد علم من مؤمنهم وكافرهم حبه ونصحه وبغض عدوه فلم يلزم مؤمنهم النقلة ؛ قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر في كتاب المدخل إلى الاستيعاب ؛ ويقال لخزاعة حلفاء رسول اللهصلىاللهعليهوسلم لأنهم حلفاء بني هاشم وقد أدخلهم رسول اللهصلىاللهعليهوسلم في كتاب القضية عام الحديبية ـ إلى أن قال : وأعطاهم النبيصلىاللهعليهوسلم منزلة لم يعطها أحدا من الناس أن جعلهم مهاجرين بأرضهم وكتب لهم بذلك كتابا ـ انتهى. وقال شاعرهم نجيد بن عمران الخزاعي يفخر بذلك وغيره مما خصهم الله به على يد رسول اللهصلىاللهعليهوسلم :
وقد أنشأ الله السحاب بنصرنا |
ركام سحاب الهيدب المتراكب |
|
وهجرتنا في أرضنا عندنا بها |
كتاب أتى من خير ممل وكاتب |
|
ومن أجلنا حلت بمكة حرمة |
لندرك ثأرا بالسيوف القواضب |
ذكر ذلك الحافظ أبو الربيع بن سالم الكلاعي في غزوة الفتح من سيرته ، والذي تولى حلفهم أولا هو عبد المطلب جد النبيصلىاللهعليهوسلم ، قال الواقدي في أول غزوة الفتح : وكانت خزاعة حلفاء لعبد المطلب ، وكان رسول اللهصلىاللهعليهوسلم بذلك عارفا ، لقد جاءته يومئذ ـ يعني يوم الحديبية ـ خزاعة بكتاب عبد المطلب فقرأه وهو «باسمك اللهم هذا حلف عبد المطلب بن هاشم لخزاعة إذ قدم عليه وسراتهم وأهل الرأي ، غائبهم مقر بما قضى عليه شاهدهم ، إن بيننا وبينكم عهد الله وعقوده ، ما لا ينسى أبدا ، اليد واحدة والنصر واحد ،
ما أشرف ثبير وثبت حراء ، وما بل بحر صوفة ، لا يزداد فيما بيننا وبينكم إلا تجددا أبدا أبدا ، الدهر سرمدا» فقرأه عليه أبيّ بن كعب رضي الله عنه فقال : «ما أعرفني بحلفكم وأنتم على ما أسلمتم عليه من الحلف ، وكل حلف كان في الجاهلية فلا يزيده الإسلام إلا شدة ، ولا حلف في الإسلام » ؛ قال الواقدي : «وجاءته أسلم وهو بغدير الأشطاط »(١) جاء بهم بريدة بن الحصيب فقال : يا رسول الله هذه أسلم وهذه محالّها وقد هاجر إليك من هاجر منها وبقي قوم منهم في مواشيهم ومعاشهم ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوسلم :أنتم مهاجرون حيث كنتم ، ودعا العلاء بن الحضرمي فأمره أن يكتب لهم كتابا فكتب «هذا كتاب من محمد رسول الله صلىاللهعليهوسلم لأسلم لمن آمن منهم بالله وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ، فإنه آمن بأمان الله ، وله ذمة الله وذمة رسوله ، وإن أمرنا وأمركم واحد على من دهمنا من الناس بظلم ، اليد واحدة والنصر واحد ، ولأهل باديتهم مثل ما لأهل قرارهم وهم مهاجرون حيث كانوا » وكتب العلاء بن الحضرمي فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : يا رسول الله! نعم الرجل بريدة بن الحصيب لقومه عظيم البركة عليهم ، مررنا به ليلة مررنا ونحن مهاجرون إلى المدينة ، فأسلم وأسلم معه من قومه من أسلم ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوسلم :نعم الرجل بريدة لقومه وغير قومه يا أبا بكر إن خير القوم من كان مدافعا عن قومه ما لم يأثم ، فإن الإثم لا خير فيه »(٢) انتهى. وأسلم شعب من أربعة شعوب من خزاعة. ولما فتحت مكة ، انقطعت الهجرة لظهور الدين وضعف المشركين ، وقام مقام الهجرة النية الخالصة المدلول عليها بالجهاد كما قالصلىاللهعليهوسلم «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية (٣) » وقالصلىاللهعليهوسلم : «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه (٤) » فإن كان المؤمن لا يتمكن من إظهار دينه وجبت عليه النقلة.
ولما بين سبحانه تعالى أمر من جمع الشروط ، شرع يبين حكم من قعد عن بعضها وهو القسم الثالث فقال ؛( وَالَّذِينَ آمَنُوا ) أي اشتهر إيمانهم( وَلَمْ يُهاجِرُوا ) أي قبل الفتح بل استمروا في بلادهم( ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ ) وأغرق في النفي فقال :( مِنْ شَيْءٍ ) أي في التوارث ولا في غيره ؛ ورغبهم في الهجرة بقوله :( حَتَّى يُهاجِرُوا ) أي
__________________
(١) غدير الأسقاط : على ثلاثة أميال من عسفان مما يلي مكة.
(٢) لم أره بهذا اللفظ. وورد بمعناه في الاستيعاب لابن عبد البر ١ / ١٧٥ في ترجمة بريدة.
(٣) أخرجه البخاري ١٨٣٤ و ٢٨٢٥ و ٣٠٧٧ ومسلم ١٣٥٣ وأبو داود ٢٤٨٠ والترمذي ١٥٩٠ والنسائي ٧ / ١٤٦ وابن حبان ٤٥٩٢ وأحمد ١ / ٢٢٦ و ٣١٦ و ٣٥٥ من حديث ابن عباس.
(٤) أخرجه البخاري ١٠ وأبو داود ٢٤٨١ والنسائي ٨ / ١٠٥ وابن حبان ٢٣٠ والبيهقي ١٠ / ١٨٧ وأحمد ٢ / ٢٠٦ و ٢١٥ و ١٦٣ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.
يواقعوا الهجرة لدار الشرك ومن فيها( وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ ) أي طلبوا نصركم( فِي الدِّينِ ) أي بسبب أمر من أموره وهم متمكنون من الدين تمكن المظروف من الظرف( فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ ) أي واجب عليكم أن تنصروهم على المشركين ، فالمعنى أنه ليس لهم عليكم حق القريب إلا في الاستنصار في الدين ، فإن ترك نصرهم يجر إلى مفسدة كما أن موالاتهم تجر إلى مفاسد ؛ ثم استثنى من الوجوب فقال :( إِلَّا عَلى قَوْمٍ ) وقع وكان( بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ ) أي لأن استنصارهم يوقع بين مفسدتين : ترك نصرة المؤمن ونقض العهد وهو أعظمهما فقدمت مراعاته وتركت نصرتهم ، فإن نصرهم الله على الكفار فهو المراد من غير أن تدنسوا بنقض ، وإن نصر الكفار حصل لمن قتل من إخوانكم الشهادة ولمن بقي الضمان بالكفاية ، وكان ذلك داعيا لهم إلى الهجرة ، ومن ارتد منهم أبعده الله ولن يضر إلا نفسه والله غني حميد ، فقد وقع ـ كما ترى ـ تقسيم المؤمنين إلى ثلاثة أقسام : أعلاها المهاجر ، ويليه الناصر ، وأدناها القاعد القاصر ، وبقي قسم رابع يأتي ؛ قال أبو حيان : فبدأ بالمهاجرين ـ أي الأولين ـ لأنهم أصل الإسلام وأول من استجاب لله تعالى ، فهاجر قوم إلى المدينة ، وقوم إلى الحبشة ، وقوم إلى ابن ذي يزن ، ثم هاجروا إلى المدينة وكانوا قدوة لغيرهم في الإيمان وسبب تقوية الدين «من سنّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة(١) » وثنى بالأنصار لأنهم ساووهم في الإيمان وفي الجهاد بالنفس والمال ، لكنه عادل بالهجرة الإيواء والنصرة ، وانفرد المهاجرون بالسبق ، وذكر ثالثا من آمن ولم يهاجر ولم ينصر ، ففاتهم هاتان الفضيلتان وحرموا الولاية حتى يهاجروا ، ثم قال : آخى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم بين المهاجرين والأنصار ، فكان المهاجري يرثه أخوه الأنصاري إذا لم يكن له بالمدينة ولي مهاجري ، ولا توارث بينه وبين قريبه المسلم غير المهاجري ، قال ابن زيد : واستمر أمرهم كذلك إلى فتح مكة ـ انتهى. لكن ما ذكر ابن عبد البر ـ كما سيأتي ـ من أن حكم ذلك زال بوقعة بدر أولى للآية الآتية آخر السورة مع ما يؤيد ذلك من آية الأحزاب.
ولما كان التقدير : فالله بمصالحكم خبير ، وكان للنفوس دواع إلى مناصرة الأقارب والأحباب ومعاداة غيرهم خفية ، ولها دسائس تدرك ، حذر من ذلك بقوله عاطفا على هذا المقدر :( وَاللهُ ) أي المحيط علما وقدرة ، ولما كان السياق لبيان المصالح التي تنظم الدين وتهدم ما عداه ، وكان للنفوس ـ كما تقدم ـ أحوال ، اقتضى تأكيد العلم بالخفايا فقدم الجار الدال على الاختصاص الذي هو هنا كناية عن إحاطة
__________________
(١) أخرجه مسلم ١٠١٧ والترمذي ٢٦٧٥ والنسائي ٥ / ٧٥ ـ ٧٧ وابن ماجه ٢٠٣ وابن حبان ٣٣٠٨ وأحمد ٤ / ٣٥٧ و ٣٥٩ من حديث جرير.
العلم فقط مرهبا :( بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) وفي ذلك أيضا ترغيب في العمل بما حث عليه من الإيمان والهجرة والنصرة والإنفاق والتحري في جميع من ذلك وترهيب من العمل بأضدادها ، وفي «البصير» إشارة إلى العلم بما يكون من ذلك خالصا أو مشوبا ، ففيه مزيد حث على الإخلاص.
ولما بين شرط موالاة المسلم ، بين موالاة الكافر وما يجب من مناظرتهم ومباراتهم فيها ، وأنه لا شرط لها غير مطلق الكفر فإنه وإن اختلفت أنواعه وتباعدت أنحاؤه ـ يجمعه عداوة الله وولاية الشيطان فقال :( وَالَّذِينَ كَفَرُوا ) أي أوجدوا هذا الوصف على أي حال كانوا فيه( بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ) أي في الميراث والنصرة وغيرهما ، وهو خبر محض مشير إلى نهي المسلم عن موالاتهم ، وأما الذي مضى في حق المؤمنين فهو أمر في صورة الخبر وصيغته ، يعني أن في كل من الكفار قوة الموالاة للآخر عليكم والميل العظيم الحاث لهم على المسارعة في ذلك وإن اشتدت عداوة بعضهم لبعض لأنكم حزب وهم حزب ، يجمعهم داعي الشيطان بوصف الكفران كما يجمعكم داعي الرحمن بوصف الإيمان ، قال أبو حيان : كانوا قبل بعثة النبيصلىاللهعليهوسلم يعادي أهل الكتاب منهم قريشا ويتربصون بهم الدوائر ، فصاروا بعد بعثهصلىاللهعليهوسلم يوالي بعضهم بعضا وإلبا واحدا على رسول اللهصلىاللهعليهوسلم انتهى. وما ذكره مذكور في السير مشهور عند أهل الأثر( إِلَّا تَفْعَلُوهُ ) أي مثله من تولي المؤمنين ومعاداة الكافرين كما يفعل الكفار بالتعاضد والتعاون بالنفس والمال كما أرصدوا مال العير الذي فاتكم حتى استعانوا به على قتالكم في أحد ، فاللائق بكم أن تكونوا أعظم منهم في ذلك ، لأنهم يريدون بذلك رم واهي دنياهم الفانية وأنتم تبنون آخرتكم الباقية ، وداعيكم ولي غنى وداعيهم عدو دنى فضلا عن أن تنزلوا إلى حضيض التنازع في الغنائم( تَكُنْ فِتْنَةٌ ) أي عظيمة( فِي الْأَرْضِ ) أي خلطة مميلة للمقاصد عن وجوهها( وَفَسادٌ كَبِيرٌ ) أي ينشأ عن تلك الفتنة ، والكبير ناظر إلى العظم ، وقرىء شاذا بالمثلثة فيكون عظمه حينئذ مخصوصا بالأنواع ، وبيان الفساد أنه إذا قارب المؤمن الكافر والكافر المؤمن وتناصروا أو ترك المؤمنون التناصر فيما بينهم انخلّ النظام فاختل كل من النقض والإبرام ، فاختلف الكلام فتباعدت القلوب ، فتزايدت الكروب ، فالواجب عليكم أن تكونوا إلبا واحدا ويدا واحدة في الموالاة وتقاطعوا الكفار بكل اعتبار ليقوم أمركم وتطيب حياتكم ، وتصلح غاية الصلاح دنياكم وآخرتكم ، والآية شاملة لكل ما يسمى توليا حتى في الإرث وقتال الكفار ومدافعة المسلمين بالأمر والإنكار ، ولما ترك بعض العلماء إعانة بعض فئة حصل ما خوف الله تعالى منه من الفتنة والفساد حتى صار الأمر إلى ما ترى من علو المفسدين
وضعف أهل الدين ، فالأمر بالمعروف فيهم في غاية الذل والغربة ، يرد عليه أدنى الناس فلا يجد له ناصرا ، ويجد ذلك الآخر له على الرد أعوانا كثيرة ، وصار أحسن الناس حالا مع الأمراء وأعظمهم له محبة من يقنع بلومه على فعله ظنا منه أن ذلك شفقة عليه ـ والله المستعان.
( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥) )
ولما تقدمت أنواع المؤمنين : المهاجر والناصر والقاعد ، وذكر أحكام موالاتهم ، أخذ يبين تفاوتهم في الفضل فقال :( وَالَّذِينَ آمَنُوا ) أي بالله وما أتى منه( وَهاجَرُوا ) أي فيه من يعاديه سابقين مع نبيهصلىاللهعليهوسلم ( وَجاهَدُوا ) أي بما تقدم من المال والنفس أو بأحدهما( فِي سَبِيلِ اللهِ ) أي الذي له صفات الكمال فبذلوا الجهد في إذلالهم كما بذل الأعداء الجهد في إذلالهم ، ولم يذكر آلة الجهاد لأنها ـ مع تقدم ذكرها لازمة( وَالَّذِينَ آوَوْا ) أي من هاجر إليهم( وَنَصَرُوا ) أي حزب الله ، وأعلم بقوله :( أُولئِكَ ) أي الصنفين الأولين خاصة( هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ) أي حق الإيمان ، لأنهم حققوا إيمانهم : المهاجر بالانسلاخ من كل ما يحبه من الأمور الدنيوية ، والناصر من جميع أهل الكفر بإيواء أهل الله ونصرتهم.
ولما بين وصفهم ، بين ما حباهم به بقوله دالّا على أن الإنسان محل النقصان ، فهو ـ وإن اجتهد حتى كان من القسم الأعلى ـ لا ينفك عن مواقعة ما يحتاج فيه إلى الغفران :( لَهُمْ مَغْفِرَةٌ ) أي لزلاتهم وهفواتهم ، لأن مبنى الآدمي على العجز اللازم عنه التقصير وإن اجتهد ، والدين متين فلن يشاده أحد إلا غلبه ؛ ولما ذكر تطهيرهم بالمغفرة ، ذكر تزكيتهم بالرحمة فقال :( وَرِزْقٌ ) أي من الغنائم وغيرها في الدنيا والآخرة( كَرِيمٌ ) أي لا كدر فيه بوجه ، لا في قطعه ولا في نقصانه ولا في شيء من شأنه.
ولما حصر المؤمنين حقا في الموصوفين ، بين أن من ترك ما هو عليه من لزوم دار الكفر والقعود عن الجهاد ، لحق بمطلق درجتهم وإن كانوا فيها أعلى منه فقال ذاكرا القسم الرابع :( وَالَّذِينَ آمَنُوا ) ولما كانوا قد تأخروا عن دعوة النبيصلىاللهعليهوسلم مدة ، أدخل الجار فقال :( مِنْ بَعْدُ ) أي من بعد تأخر إيمانهم عن السابقين( وَهاجَرُوا ) أي لا حقين للسابقين ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم من هاجر بعد الحديبية ، قال : وهي الهجرة الثانية( وَجاهَدُوا مَعَكُمْ ) أي من تجاهدونه من حزب الشيطان( فَأُولئِكَ مِنْكُمْ )
أي لهم ما لكم وعليهم ما عليكم من المواريث والمغانم وغيرها ، لأن الوصف الجامع هو المدار للأحكام وإن تأخرت رتبتهم عنكم كما أفهمته أداة البعد.
ولما بين أنهم منهم ، بين أنه متى جمعهم الوصف المحصل للولاية. كان القرب في الرحم أولى من غيره فقال :( وَأُولُوا الْأَرْحامِ ) أي من المؤمنين الموصوفين( بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ ) أي في الإرث وغيره من المتصفين بولاية الدين الخالية عن الرحم( فِي كِتابِ اللهِ ) أي القرآن أو في حكمه وقسمه الذي أنزله إليكم الملك الأعظم في آيات الإرث ، وهي مقيدة بالعصبات فنسخت الولاية فلا دلالة على توريث غيرهم ، وذكر ابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة المنذر بن عمرو أن بدرا قطعت المواخاة بين الصحابة رضي الله عنهم ، يعني فتكون هذه الآية ناسخة آية( بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ) وتكون تلك حينئذ مبينة أمر ما كان قبل غزوة بدر ـ وهو حسن ، والآية التي في سورة الأحزاب مؤيدة له ، ثم علل سبحانه ما ذكر بما يرغب فيه فقال :( إِنَّ اللهَ ) أي الذي له صفات الكمال كلها( بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) فهو يعلم أن هذا هو الذي تدور عليه المصلحة وتدوم به الألفة كما علم في أول الأمر أن نوط الإرث وغيره من لوازم القرب بالأخوة الإسلامية أولى لما في ذلك من تكثير قلتكم ونصر ذلتكم وجمع شتاتكم وجعل ما بينكم من الأخوة كلحمة النسب ، فأما الآن فقد ضرب الدين بجرانه ، وثبت بقواعده وأركانه ، وولى الكفر بسلطانه ، ونكص مدبرا بأعوانه ، فتوارثوا بالإسلام والقرابة وتقاطعوا الكفار ، وقربوا وبعدوا ، وانحازوا عنهم كما انحازو عنكم ، وتبرؤوا منهم كما تبرؤوا منكم ، فقد انطبق آخر السورة بالإعراض عن الدنيا وإصلاح ذات البين وبيان المؤمنين حقا وتقليد العليم في جميع الأعمال من غير اعتراض ـ على أولها ، وببيان من يوالي ومن يعادي على أول براءة ـ والله الموفق.
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة براءة
مدنية ـ آياتها مائة وتسع وعشرون
مقصودها معاداة من أعرض عما دعت إليه السورة الماضية من اتباع الداعي إلى الله في توحيده واتباع ما يرضيه ، وموالاة من أقبل عليه ، وأدل ما فيها على الإبلاغ في هذا المقصد قصة المخلّفين فإنهم ـ لاعترافهم بالتخلف عن الداعي بغير عذر في غزوة تبوك المحتمل على وجه بعيد منهم رضي الله عنهم للاعراض بالقلب ـ هجروا ، وأعرض عنهم بكل اعتبار حتى بالكلام ، فذلك معنى تسميتها بالتوبة ، وهو يدل على البراءة لأن البراءة منهم ـ بهجرانهم حتى في رد السّلام ـ كان سبب التوبة ، فهو من إطلاق المسبب على السبب ، وتسميتها ببراءة واضح أيضا فيما ذكر من مقصودها ، وكذا الفاضحة لأن من افتضح كان أهلا للبراءة منه ، والبحوث لأنه لا يبحث إلا عن حال البغيض ، والمبعثرة هو المنفرة والمثيرة والحفارة والمخزية والمهلكة والمشردة والمدمدمة والمنكلة ، لأنه لا يبعثر إلا حال العدو وكذا ما بعده ، والمشردة عظيمة المناسبة مع ذلك لما أشارت إليه الأنفال في( فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ ) [الأنفال : ٥٧] وسورة العذاب أيضا واضحة في مقصودها ، وكذا المقشقشة لأنهم قالوا : إن معناه المبرئة من النفاق ، من تقشقشت قروحه ـ إذا تقشرت للبرء ، وتوجيهه أن من عرف أن الله برىء منه ورسوله والمؤمنون لأمر فهو جدير بأن يرجع عن ذلك الأمر ، وعندي أيضا أنه مضاعف القش الذي معناه الجمع ، لأنها جمعت أصناف المنافقين وأحوالهم وعليه خرج قاسم ما في وصف أبي جهم بن حذيفة لمن أراد نكاحها : أخاف عليك قشقاشته ، أي تتبعه لمذاق الأمور ، أخذا من القش الذي هو تطلب المأكول من هاهنا وهاهنا ، أو عصاه التي هي غاية ذلك ، ومادة قش ومقلوبها شق ومضاعفهما قشقش وشقشق تدور على الجمع وتلازمه الفرقة فإنه لا يجتمع إلا ما كان مفرقا ولا يفرق إلا ما كان مجتمعا ، وقد اقتسم هذان المثالان المعنيين إلا قليلا ، فقش القوم : صلحوا وأحيوا بعد الهزال بجمع اللحم ، والرجل : أكل من هاهنا وهاهنا ولف ما قدر عليه مما على الخوان ، واضح في ذلك ،
وأقشوا وانقشوا ـ إذا انطلقوا فجفلوا ومروا ذاهبين ـ وقد انقشوا ـ إذا مروا وذهبوا مسرعين لاجتماعهم في ذلك وجمعهم ما قدروا عليه من متاعهم ، والقش والإقشاش : طلب المأكول من هاهنا وهاهنا لجمعة ، والقشة ـ بالكسر : القردة كأنها لجمعها ما رأت مما يؤكل في فيها ، والصبية الصغيرة الجثة التي لا تكاد تثبت كأنها لاجتماعها في نفسها ، وكذا القشيس : الصغير من الصبيان ، ودويبة كالجعل إما لاجتماعها في نفسها أو لجمعها القاذورات ، والقشيش كأمير : اللقاطة لأنها يجمعها اللقاطون ، وصوت جلد الحية يحك بعضها ببعض ، لأنه لا يكون إلا عند التثني والتجمع ، وأقش من الجدري : برىء منه كنقشقش يصلح أن يكون من الفرقة لأنه فارقه ، ومن الجمع لأن البرء جمعه كله فأزاله ، ويمكن أن تكون همزته للإزالة ، وتقششت القروح وتقشقشت ـ إذا تقشرت للبرء ، إما من الجمع لاجتماع القوى للصحة ، وإما من الفرقة والزوال ، وكذا تقشقش البعير ـ إذا برىء من الجرب ، ويقال : قشّشهم بكلامه ـ إذا تكلم بقبيح وآذاهم ، أي لجمعه همومهم على بغضه أو معايبهم ، وكذا قش الشيء : جمعه ، والناقة : أسرع حلبها ، أي جمع الزمان الطويل بجمع ما في ضرعها ، والشيء : حكه بيده حتى يتحات ، أي قشره جميعه ، فهو يصلح للفرقة والجمع ، وقش : مشى مشى المهزول أي اضطرب ، وهو يوجب الإسراع والتثني فيصلح للجمع والفرقة ، وقش : أكل مما يلقيه الناس على المزابل أو أكل كسر الصدقة ، لأن ذلك غاية في الجمع ، وقش النبات : يبس ، فاستحق أن يجمع ، والقش : رديء التمر كالدقل ونحوه لأنه ، يجمع في نفسه ، والدلو الضخم لكثرة ما يجمع ، وفي الحديث :( قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ) و( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) المقشقشان(١) ، أي المبرئتان من الشرك لما في الحديث : «اقرأ( قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ) عند منامك فإنها براءة من الشرك»(٢) فالمعنى أنهما تجمعان كل شرك ونفاق دقيق أو جليل فتزيلانه ، والقشقشة يحكى بها الصوت قبل الهدير في محض الشقشقة قبل أن ترعد بالهدير ، لأن مبادىء صوت الهدير زائد الضخامة ، فكأنه جامع ، فكذا ما يحكيه ؛ والقشقاشة : العصا ، لجمعها ما يراد بها أو لأنها يقشر عنها لحاؤها كما يقشر جلد الحية وأما مقلوبه فيقال فيه : شقة : صدعه أي فرقه ، وقال الخليل : الصدع ربما كان في أحد الوجهين غير نافذ ، والشق لا يكون إلا نافذا ، وشق ناب البعير : طلع ، لأنه فرق اللحم ،
__________________
(١) انظر الدر المنثور ٦ / ٦٩٢. وأخرجه البيهقي في الشعب ٢٥٢٣ عن أبي عمرو بن العلاء قال : كانت قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ تسمى المقشقشة
(٢) أخرجه البيهقي في الشعب ٢٥٢١ من حديث فروة بن نوفل وكذا الحاكم ٢ / ٥٣٨ وصححه ، ووافقه الذهبي.
وشق العصا : فرقها باثنتين وفرق بين الجماعة ، وشق عليه الأمر : صعب ففرق نفسه ، وشق عليه : أوقعه في مشقة ، وشق بصر المحتضر : نظر إلى شيء لا يرتد إليه طرفه ، لأنه لتصويبه إلى جهة واحدة مفترق من بقية الجهات ، والشق واحد الشقوق ، والصبح لأنه يفرق جيش الظلام ، وجوبة ما بين الشفرين من جهاز المرأة ، والتفريق ومنه شق عصا المسلمين ، واستطالة البرق إلى وسط السماء من غير أن يأخذ يمينا وشمالا لأنه يشق السحاب مستقيما كما يشق اللوح والعصا ، ـ بالكسر : الجانب لأنه مفارق للجانب الآخر ، واسم لما نظرت إليه لأنه في جانب واحد ، وجنس من أجناس الجن لأنه فرقة منهم ، ومن كل شيء نصفه ـ ويفتح ، والمال بيني وبينك شق الشعرة ـ ويفتح : نصفان سواء ، والشقة ـ بالكسر : شظية من لوح ، ومن العصا والثوب وغيره ما شق مستطيلا ، والشقية : ضرب من الجماع كأنه على شق واحد ، والشقة ـ بالضم والكسر : البعد والناحية يقصدها المسافر ، والسفر البعيد ، وكله واضح في الفرقة ، والمشقة أيضا لأنها تأخذ أحد شقي النفس ، والفرس الأشق : البعيد ما بين الفروج والطويل ، كأن أجزاءه تفرقت فطال ضد ما تقدم في الصبية الصغيرة ، والأشق أيضا : العجل إذا استحكم كأنه لما تأهل من شق الأرض بالحراثة ، وكل ما اشتق نصفين ، والشقيقة كسفينة : الفرجة بين الجبلين تنبت العشب ، لأنها فرقت بين الجبلين وفرقت عشبها بين ملتم أرضها ، والمطر الوابل المتسع لأن الغيم تشقق عنه ، ومن البرق ما انتشر من الأفق لأنه يشق السحاب ، ووجع يأخذ نصف الرأس والوجه ، وشقائق النعمان معروف سميت لحمرتها تشبيها بشقيقة البرق ـ كذا قالوا ، وعندي أنها سميت لتفرق أوراقها وتصفقها فكأنها مشققة مع التجمع ، والشقاق كغراب : تشقق يصيب أرساغ الدواب ، والشقشقة ـ بالكسر : شيء كالرئة يخرجه البعير من فيه إذا هاج ، كأنه بشق حلقه فيخرج ويوجب هديره الذي يشق انطباق تجويفه ليصوت ، ومنه شقشق الفحل : هدر ، والعصفور : صوت ، وشقق الكلام : أخرجه أحسن مخرج ، وشقق الحطب : فرق كل واحدة باثنتين أو أكثر ، وانشقت العصا : تفرق الأمر ، والاشتقاق : أخذ شق الشيء والأخذ في الكلام وفي الخصومة يمينا وشمالا مع ترك القصد ، لأنه يشق جهات المعاني ، وهو أيضا أخذ الكلمة من الكلمة ، فكأنه فرق بين أجزائها ، وهذا أخي وشق نفسي وشقيقي ، كأنه يشق نسبه من نسبه أو كأنه شقه منه. وهذه السورة آخر سورة نزلت روى البخاري في التفسير وغيره من صحيحه عن البراء رضي الله عنه قال : آخر آية نزلت( يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ ) وآخر سورة نزلت براءة(١) .
__________________
(١) أخرجه البخاري ٤٦٠٥ من حديث البراء بن عازب.
ولما كانت مناسبة أولها ـ الداعي إلى البراءة ممن يخشى نقضه ـ لآخر الأنفال المبين لمن يصلح للولاية المختتم بشمول العلم في حد عظيم من الظهور مع ما تقدم من بيان مناسبة آخر الأعراف لأول الأنفال ، قدمت الأنفال مع قصرها على براءة مع طولها واشتباه أمرها على الصحابة في كونها سورة مستقلة أو بعض سورة كما قدمت آل عمران مع قصرها على النساء لمثل ذلك من المناسبة ، فكان ما ذكر في براءة من البراءة والتولي شرحا لآخر الأنفال ؛ روى الإمام أحمد في المسند وأبو داود في السنن والترمذي في الجامع وحسنه وابن ماجه وابن حبان في صحيحه وإسحاق بن راهويه وأبو يعلى والبزار والبيهقي والإمام أبو محمد إسحاق بن إبراهيم البستي القاضي في تفسيره ـ بسند الترمذي والبيهقي ـ والإمام أبو جعفر النحاس بغير سند عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قلت لعثمان بن عفان رضي الله عنه : ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموها في السبع الطول؟(١) ما حملكم على ذلك؟ فقال عثمان رضي الله عنه : كان رسول اللهصلىاللهعليهوسلم مما ـ وقال البستي : ربما ـ يأتي عليه الزمان وهو تنزل عليه السور ذوات العدد ، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول : ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا ، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة ، وكانت براءة من آخر القرآن نزولا ، وكانت قصتها شبيهة بقصتها ، فظننت أنها منها ، فقبض رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ولم يبين لنا أنها منها ، ـ قال النحاس : وذهب عني أن أسأله عنها ـ فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر(بسم الله الرحمن الرحيم) فوضعتها في السبع الطول ـ زاد ابن راهويه : وكانتا تدعيان القرينتين ـ انتهى. فبين أنهما اشتبها عليه وأنه وضعهما في الطول لمناسبتهما لها على تقدير كونها سورة واحدة ؛ قال في القاموس : والسبع والطول ـ كصرد ـ من البقرة إلى الأعراف ، والسابعة سورة يونس أو الأنفال وبراءة جميعا لأنهما سورة واحدة ـ انتهى. وقال في الكشاف : وقيل : سورة الأنفال والتوبة سورة واحدة كلتاهما نزلت في القتال تعدان السابعة من الطول وهي سبع وما بعدها المئون ، وهذا قول ظاهر لأنهما معا مائتان وست فهما بمنزلة إحدى الطول ، وقد اختلف أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوسلم فقال بعضهم : الأنفال وبراءة سورة واحدة ، وقال بعضهم : هما سورتان فتركت بينهما فرجة لقول من يقول : هما سورتان ، وتركت «بسم»
__________________
(١) أخرجه أبو داود ٧٨٦ والترمذي ٣٠٨٦ والنسائي في الكبرى ٨٠٠٧ وابن حبان ٤٣ والحاكم ٢ / ٢٢١ و ٣٣٠ والبيهقي ٢ / ٤٢ وأحمد ٥٧ و ٦٩ من حديث ابن عباس صححه الحاكم على شرط الشيخين ، ووافقه الذهبي ، وقال الترمذي : حسن صحيح.
لقول من يقول : هما سورة واحدة ـ انتهى. وعن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه قال : إنما توهموا ذلك لأن في الأنفال ذكر العهود ، وفي براءة نبذ العهود ، ووضعت إحداهما بجنب الأخرى ، والمراد بالمثاني هنا ما دون المئين وفوق المفصل ؛ قال أبو عبيد الهروي : قيل لها مثاني لأن المئين جعلت مبادىء ، والتي تليها مثاني ـ انتهى. والأحسن كون ذلك بالنسبة إلى المفصل من وجهين : الأول أن المفصل أول لقب جامع للسور باعتبار القصر وفوقه المثاني ثم المئون ثم الطول ، فالمثاني ثانية له حقيقة ، وما هي ثانية للمئين إلا أن ألفينا البداءة بالطول من الطرف الآخر ، الثاني أنها لما زادت على المفصل كانت قسمة السورة منها في ركعتين من الصلاة كقراءة سورتين من المفصل فكانت مثاني لتثنيتها في مجموع الصلاة باعتبار قراءة بعضها في كل من الركعتين ؛ قال أبو جعفر النحاس : قال أبو إسحاق : حدثني بعض أصحابنا عن صاحبنا محمد بن يزيد أنه قال : لم تكتب في أول سورة براءة«بسم الله الرحمن الرحيم» لأن«بسم الله الرحمن الرحيم» افتتاح خير ، وبراءة أولها وعيد ونقض للعهود فلذلك لم تكتب في أولهابسم الله ؛ وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : سألت عليا رضي الله عنه : لم لم تكتب«بسم الله الرحمن الرحيم» هاهنا؟ قال : لأن«بسم الله الرحمن الرحيم» أمان ، وهذه السورة نزلت بالسيف ونبذ العهد وليس فيها أمان ـ انتهى. وبهذا أخذ الإمام أبو القاسم الشاطبي في قصيدته حيث قال :
ومهما تصلها أو بدأت براءة |
تنزيلها بالسيف لست مبسملا |
وقال في الكشاف : وسئل ابن عيينة فقال : اسم الله سلام وأمان ، فلا يكتب في النبذ والمحاربة ، قال الله تعالى( وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً ) [النساء : ٩٤] قيل : فإن النبيصلىاللهعليهوسلم قد كتب إلى أهل الحرب«بسم الله الرحمن الرحيم»! قال : إنما ذلك ابتداء ، يدعوهم ولم ينبذ إليهم ، ألا تراه يقول «سلم على من اتبع الهدى» فمن دعى إلى الله فأجاب ودعى إلى الجزية فأجاب فقد اتبع الهدى ، وأما النبذ فإنما هو البراءة واللعنة ـ انتهى. ولا يعارض هذا خبر ابن عباس عن عثمان رضي الله عنهما ، بل هو شبيه لما نزلت من غير بسملة للمعنى المذكور ، اشتبه أمرها على الصحابة رضوان الله عليهم ولم يقع سؤال عنها حتى توفي رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ، فكانت موافقتهم للسور في تسميتها باسم يخصها دليلا على أنها سورة برأسها ، ومخلفتهم في ترك إنزال البسملة في أولها مع احتمال أنها تركت للمعنى المذكور أو لغيره دليلا على أنها بعض سورة ، فقد روى أبو داود والحاكم في المستدرك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان النبيصلىاللهعليهوسلم لا يعرف فصل السورة ـ وفي رواية : لا يعلم انقضاء السورة ـ
حتى ينزل عليه(بسم الله الرحمن الرحيم) (١) . قال الحافظ أبو شامة : هذا حديث حسن وللحاكم في المستدرك أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان المسلمون لا يعلمون انقضاء السورة حتى ينزل«بسم الله الرحمن الرحيم» فلما نزل علم أن السورة قد انقضت(٢) . فلما اشتبه أمرها تركوا كتابة البسملة في أولها وفصلوها عن الأنفال قليلا ـ والله الموفق. هذا وقد مضى بيان تشابه قصتيهما في أول الأنفال وأثناء الأعراف إجمالا ، وأما تفصيلا فلما في كل منهما من نبذ العهد إلى من خيف نقضه ، وأن المسجد الحرام لا يصلح لولايته إلا المتقون ، وأن المشركين نجس لا صلاحية فيهم لقربانه ، وأن قلة حزب الله لا تضرهم إذا لزموا دعائم النصر الخمس وكثرتهم لا تغنيهم إذا حصل في ثباتهم لبس ، والحث على الجهاد في غير موضع ، وضمان الغنى كما أشار إليه في الأنفال بقوله( لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) [الأنفال : ٤] وذكر أحكام الصدقات التي هي من وادي الغنائم ، وعد أصناف كل ، والأمر بالإنفاق المشار إليه في الأنفال بقوله( وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ) [الأنفال : ٧٣] أي بالتناصر في الإنفاق وغيره كما فعلوا في مال التجارة الذي أرصدوه حتى استعانوا به على غزوة أحد المشار إليه بآية( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ ) [الأنفال : ٣٦] مع آية( إِلَّا تَفْعَلُوهُ ) [الأنفال : ٧٣] وبيان أحوال المنافقين المشار إليهم في الأنفال بقوله( إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ ) [الأنفال : ٤٩] والأمر الجامع للكل أنهما معا في بيان حال النبيصلىاللهعليهوسلم في أول أمره وأثنائه ومنتهاه ؛ وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في كتابه : اتصالها بالأنفال أوضح من أن يتكلف بتوجيهه حتى أن شدة المشابهة والالتئام ـ مع أن الشارععليهالسلام لم يكن بيّن انفصالهما ـ أوجب أن لا يفصل بينهما ب(بسم الله الرحمن الرحيم) ، وذلك أن الأنفال قد تضمنت الأمر بالقتال( وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ) [الأنفال : ٣٩] وبين أحكام الفرار من الزحف وحكم النسبة المطلوب فيها بالثبوت ولحوق التأثيم للفار وأنها على حكم الضعف وحكم الأسرى وحكم ولاية المؤمنين وما يدخل تحت هذه الولاية ومن يخرج عنها ، ثم ذكر في السورة الأخرى حكم من عهد إليه من المشركين والبراءة منهم إذا لم يوفوا ، وحكم من استجار منهم إلى ما يتعلق بهذا ، وكله باب واحد ، وأحكام متواردة على قصة واحدة ، وهو تحرير حكم المخالف ، فالتحمت السورتان
__________________
(١) أخرجه أبو داود ٧٨٨ والحاكم ١ / ٢٣١ من حديث ابن عباس صححه الحاكم على شرطهما ، وقال الذهبي : أما هذا فثابت.
(٢) أخرجه الحاكم ١ / ٢٣٢ من حديث ابن عباس وصححه على شرطهما وقال الذهبي : رواه رحيم هكذا دون سعيد بن جبير.