نظم الدّرر الجزء ٣

نظم الدّرر0%

نظم الدّرر مؤلف:
تصنيف: علوم القرآن
الصفحات: 603

نظم الدّرر

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: برهان الدين البقاعي
تصنيف: الصفحات: 603
المشاهدات: 42
تحميل: 14


توضيحات:

بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 603 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 42 / تحميل: 14
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 3

مؤلف:
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

١
٢

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة الأعراف

مكية ـ آياتها مائتان وست

( المص (١) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) )

مقصودها إنذار من أعرض عما دعا إليه الكتاب في السورة الماضية من التوحيد والاجتماع على الخير والوفاء لما قام على وجوبه من الدليل في الأنعام ، وتحذيره بقوارع الدارين ، وهذا أحسن مما كان ظهر لي وذكرته عند( وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ ) وأدل ما فيها على هذا المقصد أمر الأعراف فإن اعتقاده يتضمن الإشراف على الجنة والنار والوقوف على حقيقة ما فيهما وما أعد لأهلهما الداعي إلى امتثال كل خير واجتناب كل شر والاتعاظ بكل مرقق( بِسْمِ اللهِ ) المتردي برداء الكبر وإزار العظمة والجلال( الرَّحْمنِ ) الذي من رحمته انتقامه من أهل الكفر والضلال( الرَّحِيمِ ) الهادي لأهل الاصطفاء إلى لزوم طريق الوفاء( المص ) .

لما ذكر سبحانه في آخر التي قبلها أنه أنزل إليهم كتابا مباركا ، وأمر باتباعه وعلل إنزاله وذكر ما استتبعه ذلك مما لا بد منه في منهاج البلاغة وميدان البراعة ، وكان من جملته أن أمر المدعوين به ليس إلا إليه ، إن شاء هداهم وإن شاء أضلهم ، واستمر فيما لا بد منه في تتميم ذلك إلى أن ختم السورة بما انعطف على ما افتتحت به ، فاشتد اعتناقه له حتى صارا كشيء واحد ؛ أخذ يستدل على ما ختم به تلك من سرعة العقاب وعموم البر والثواب وما تقدمه ، فقال مخبرا عن مبتدإ تقديره : هو :( كِتابٌ ) أي عظيم أوضح الطريق المستقيم فلم يدع بها لبسا ولم يذر خيرا إلا أمر به ولا شرا إلا نهى عنه ، فإنزاله من عظيم رحمته ؛ ثم وصفه بما أكد ما أشار إليه من رحمته بقوله :( أُنْزِلَ إِلَيْكَ ) أي وأنت أكرم الناس نفسا وأوسعهم صدرا وأجملهم قلبا وأعرقهم إصالة وأعرفهم باستعطاف المباعد واستجلاب المنافر المباغض ، وهذا شيء قد خصك به فرفعك على جميع الخلق درجات لا تحصى ومراتب لا حد لها فتستقصى.

٣

ولما كان المقصود من البعثة أولا النذارة للرد عما هم عليه من الضلال ، وكانت مواجهة الناس بالإنذار شديدة على النفوس ، وكان الإقدام عليها من الصعوبة بمكان عظيم ؛ قدم قوله مسببا عن تخصيصه بهذه الرحمة :( فَلا يَكُنْ ) وعبر عن القلب بمسكنه الذي هو أوسع منه مبالغة في الأمر فقال :( فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ ) أي شيء من ضيق بهم أو خوف أو نحو ذلك( مِنْهُ ) على ما تعلق ب( أُنْزِلَ ) من قوله :( لِتُنْذِرَ بِهِ ) أي نذري لكل من بلغه أو للمخالفين من سرعة العقاب على نحو ما أوقع سبحانه بالقرون الماضية والأمم السالفة ـ كما أشار إليه آخر الأنعام ، وسيقص من أخبارهم من هذه السورة( وَ ) لتنذر به( ذِكْرى ) أي عظيمة( لِلْمُؤْمِنِينَ ) أي بالبشر والمواعظ والغفران والرحمة على ما أشار إليه ختام الأنعام ، وحذف المفعول يدل على عموم الرسالة لكل من أمكن إنذاره وتذكيره من العقلاء ، ويجوز أن تتعلق لام( لِتُنْذِرَ ) بمعنى النهي ، أي انف الحرج لكذا ، فإن من كان منشرح الصدر أقدم على ما يريد أو يحرج ، أي لا يكن الحرج الواقع لأجل أن تنذر ، أي لأجل إنذارك به ، والنهي للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، حوّل إلى الحرج مبالغة وأدبا ، ويجوز أن يكون التقدير : لتنذر به وتذكر به ، فإنه نذرى للكافرين وذكرى للمؤمنين ، والآية على كل تقدير من الاحتباك : إثباته( لِتُنْذِرَ ) أولا دال على حذ ف «لتذكر» ثانيا ، وإثبات المؤمنين ثانيا دال على حذف المخالفين أولا ، فإن النفوس على قسمين : نفوس بليدة جاهلة بعيدة عن عالم الغيب غريقة في طلب اللذات الجسمانية والشهوات الحيوانية فبعثة الرسل في حقهم إنذار وتخويف ، ونفوس شريفة مشرقة بالأنوار الإلهية فبعثة الرسل في حقهم تذكير لأن هذه النفوس بمقتضى جواهرها الأصلية وجبلتها الخلقية مستعدة للانجذاب إلى عالم القدس إلا أنه ربما غشيها غواش من عالم الأجساد فيعرض لها نوع ذهول وغفلة ، فإذا سمعت دعوة الأنبياء واتصلت بها أنوار أرواح رسل الله تذكرت مركزها وأبصرت منشأها ، فاشتاقت إلى ما حصل هناك من الروح والريحان فطارت نحوهم كل مطار فتمحضت لديها تلك الأنوار ؛ وقال أبو حيان : واعتلاق هذه السورة بما قبلها هو أنه لما ذكر تعالى قوله :( وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ ) [الأنعام : ١٥٥] واستطرد منه لما بعده إلى قوله في آخر السورة( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ ) [الأنعام : ١٦٥] وذكر ابتلاءهم فيما آتاهم ، وذلك لا يكون إلا بالتكاليف الشرعية ، ذكر ما يكون به التكاليف ، وهو الكتاب الإلهي ، وذكر الأمر باتباعه كما أمر في قوله :( وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ ) [الأنعام : ١٥٥] ـ انتهى. وقال شيخه الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما قال تعالى ابتداء بالاعتبار( أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَجَعَلْنَا

٤

الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ ) [الأنعام : ٦] ثم قال تعالى( وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ) [الأنعام : ١٠] ثم قال تعالى :( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ) [الأنعام : ١١] ثم قال تعالى( وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا ) [الأنعام : ٣٤] وقال تعالى :( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ ) [الأنعام : ٤٢] ، وقال تعالى :( يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي ) [الأنعام : ١٣] فوقعت الإحالة في هذه الآي على الاعتبار بالأمم السالفة وما كان منهم حين كذبوا أنبياءهم وهلاك تلك القرون بتكذيبهم وعتوهم وتسلية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بجريان ما جرى له بمن تقدمه من الرسل و( قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ) [الأنعام : ٣٣] فاستدعت الإحالة والتسلية بسط أخبار الأمم السالفة والقرون الماضية ، والإعلام بصبر الرسل ـعليهم‌السلام ـ عليهم وتلطفهم في دعائهم ، ولم يقع في السور الأربع قبل سورة الأنعام مثل هذه الإحالة والتسلية وقد تكررت في سورة الأنعام كما تبين بعد انقضاء ما قصد من بيان طريق المتقين أخذا وتركا وحال من حاد عن سننهم ممن رامه أو قصده فلم يوفق له ولا أتم له أمله من الفرقتين : المستندة للسمع والمعتمدة للنظر ، فحاد الأولون بطارىء التغيير والتبديل ، وتنكب الآخرون بسوء التناول وقصور الأفهام وعلة حيد الفريقين السابقة الأزلية ؛ فلما انقضى أمر هؤلاء وصرف الخطاب إلى تسليتهعليه‌السلام وتثبيت فؤاده بذكر أحوال الأنبياء مع أممهم وأمر الخلق بالاعتبار بالأمم السالفة ، وقد كان قدّم لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم عند ذكر الأنبياء( أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ ) [الأنعام : ٩٠] بسط تعالى حال من وقعت الإحالة عليه ، واستوفى الكثير من قصصهم إلى آخر سورة هود إلى قوله سبحانه( وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ ) [هود : ١٢٠] فتأمل بما افتتحت به السورة المقصود بها قصص الأمم وبما اختتمت يلح لك ما أشرت إليه ـ والله أعلم بمراده ، وتأمل افتتاح سورة الأعراف بقوله( فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ ) [الأعراف : ٧] وختم القصص فيها بقوله :( فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) [الأعراف : ١٧٦] بعد تعقيب قصص بني إسرائيل بقصة بلعام( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا ) [الأعراف : ١٧٥] ، ثم قال :( ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ) [الأعراف : ١٧٦] فتأمل هذا الإيماء بعد ذكر القصص ، وكيف ألحق من كذب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من العرب وغيرهم بمن قص ذكره من المكذبين ، وتأمل افتتاح ذكر الأشقياء بقصة إبليس وختمها بقصة بلعام وكلاهما ممن كفر على علم ، وفي ذلك أعظم موعظة ، قال الله تعالى إثر ذلك( مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي )

٥

[الأعراف : ١٧٨] ، فبدأ الاستجابة بنبيهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بذكر ما أنعم عليه وعلى من استجاب له فقال تعالى :( المص كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ ) [الأعراف : ٢] فأشار إلى نعمته بإنزال الكتاب الذي جعله هدى للمتقين ، وأشار هنا إلى ما يحمله عليه من التسلية وشرح الصدور بما جرى من العجائب والقصص مع كونه هدى ونورا ، فقال( فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ ) [الأعراف : ٢] أي أنه قد تضمن مما أحلناك عليه ما يرفع الحرج ويسلي النفوس لتنذر به كما أنذر من قبلك ممن نقص خبره من الرسل ، ولتستن في إنذارك ودعائك وصبرك سننهم ، وليتذكر المؤمنون ؛ ثم أمر عباده بالاتباع لما أنزله فقال :( اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ) [الأعراف : ٣] فإن هلاك من نقص عليكم خبره من الأمم إنما كان لعدم الاتباع والركون إلى أوليائهم من شياطين الجن والإنس ، ثم أتبع ذلك بقصة آدمعليه‌السلام ليبين لعباده ما جرت سنته فيهم من تسلط الشياطين وكيده وأنه عدو لهم( يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ ) [الأعراف : ٢٧] ووقع في قصة آدم هنا ما لم يقع في قصة البقرة من بسط ما أجمل هناك كتصريح اللعين بالحسد وتصور خيريته بخلقه من النار وطلبه الإنظار والتسلط على ذرية آدم والإذن له في ذلك ووعيده ووعيد متبعيه ثم أخذه في الوسوسة إلى آدمعليه‌السلام وحلفه له( وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ ) [الأعراف : ٢١] وكل هذا مما أجمل في سورة البقرة ولم تتكرر قصة إلا وهذا شأنها ، أعني أنها تفيد مهما تكررت ما لم يكن حصل منها أولا ؛ ثم انجزت الآي إلى ابتداء قصة نوحعليه‌السلام واستمرت القصص إلى قصص بني إسرائيل ، فبسط هنا من حالهم وأخبارهم شبيه ما بسط في قصة آدم وما جرى من محنة إبليس ، وفصل هنا الكثير وذكر ما لم يذكر في البقرة حتى لم يتكرر بالحقيقة ولا التعرض لقصص طائفة معينة فقط ، ومن عجيب الحكمة أن الواقع في السورتين من كلتا القصتين مستقل شاف ، وإذا ضم بعض ذلك إلى بعض ارتفع إجماله ووضح كماله ، فتبارك من هذا كلامه ومن جعله حجة قاطعة وآية باهرة. ولما أعقب تعالى قصصهم في البقرة بأمره نبيه والمؤمنين بالعفو والصفح فقال تعالى( فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا ) [البقرة : ١٠٩] أعقب تعالى أيضا هنا بقوله لنبيه عليه الصلاة والسّلام( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ) [الأعراف : ١٩٩] وقد خرجنا عن المقصود فلنرجع إليه ـ انتهى.

( اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (٣) وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ (٤) فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاَّ أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٥) فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ

٦

عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ (٧) )

ولما تقدم سبحانه إليهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في أمر الإنذار والإذكار بالكتاب تقدم إلى اتباعه فأمرهم باتباعه ونهاهم عن اتباع أهل الضلال وما يوحي إليهم أولياؤهم من زخارفهم بعد أن أخبر بكونه ذكرى أنه سبب لعلو شأنهم وعز سلطانهم ، فقال ملتفتا إليهم مقبلا بعز جلاله عليهم( اتَّبِعُوا ) أي حملوا أنفسكم حملا عظيما بجد ونشاط على اتباع( ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ ) أي قد خصصتم به دون غيركم فاشكروا هذه النعمة( مِنْ رَبِّكُمْ ) أي الذي لم يزل محسنا إليكم( وَلا تَتَّبِعُوا ) ولعله عبر بالافتعال إيماء إلى أن ما كان دون علاج ـ بل هفوة وبنوع غفلة ـ في محل العفو( مِنْ دُونِهِ ) أي دون ربكم( أَوْلِياءَ ) أي من الذين نهيناكم عنهم في الأنعام وبينا ضررهم لكم من شياطين الإنس والجن وعدم إغنائهم وأن الأمر كله لربكم.

ولما كانوا قد خالفوا في اتباعهم صريح العقل وسليم الطبع ، وعندهم أمثلة ذلك لو تذكروا ، قال منبها لهم على تذكر ما يعرفون من تصرفاتهم :( قَلِيلاً ) وأكد التقليل ب «ما» النافي وبإدغام تاء التفعل فقال :( ما تَذَكَّرُونَ ) أي تعالجون أنفسكم على ذكر ما هو مركوز في فطركم الأولى فإنكم مقرون بأن ربكم رب كل شيء ، فكل من تدعون من دونه مربوب ، وأنتم لا تجدون في عقولكم ولا طباعكم ولا استعمالاتكم ما يدل بنوع دلالة على أن مربوبا يكون شريكا لربه.

ولما كان من أعظم ما يتذكر سار النعم وضار النقم للإقبال على الله والإعراض عما سواه وعدم الاغترار بأسباب الأمن والراحة ، قال :( وَكَمْ ) أي قلّ تذكركم وخوفكم من سطواتنا والحال أنه كم( مِنْ قَرْيَةٍ ) وإن جلت ؛ ولما كان المراد المبالغة في الإهلاك ، أسنده إلى القرية والمراد أهلها فقال :( أَهْلَكْناها ) أي بما لنا من العظمة لظلمها باتباع من دون الله ، فلا تغتروا بأوليائكم من دونه وأنتم عالمون بأنهم لم ينفعوا من ضل من الأمم السالفة وقت إنزالنا بهم السطوة وإحلالنا بهم النقمة وتحقق المهلكون إذ ذاك ـ مع أنهم كانوا أشد منكم بطشا وأكثر عددا وأمتن كيدا ـ عدم إغنائهم فلم يوجهوا آمالهم نحوهم.

ولما كان المعنى : أردنا إهلاكها وحكمنا به ، سبب عنه قوله :( فَجاءَها بَأْسُنا ) أي عذابنا بما لنا من القوة والعظمة ، أو الإهلاك على حقيقته وهذا تفصيل له وتفسير ؛ ولما كان لا فرق في إتيان عذابه سبحانه بين كونه ليلا أو نهارا ، وكان أفحش البأس وأشده ما كان في وقت الراحة والدعة والغفلة قال :( بَياتاً ) أي وقت الاستكنان في البيوت ليلا كما أهلك قوم لوطعليه‌السلام وقت السحر.

٧

ولما كان المراد بالقرية أهلها ، بينه بقوله لأنه إذا حذف المضاف جاز فيه اعتباران بحسب ما يحسن من المعنى : أن لا يلتفت إليه ـ كما في أول الآية ، وأن يلتفت إليه ـ كما في هذا الأخير لبيان أن الأهل هم المقصودون بالذات لأنه موضع التهديد :( أَوْ هُمْ قائِلُونَ ) أي نائمون وقت القائلة أو مستريحون من غير نوم كما أهلك قوم شعيبعليه‌السلام ، يعني أنهم كانوا في كل من الوقتين غافلين بسبب أنهم كانوا آمنين ، لم يظنوا أن شيئا من أعمالهم موجب للعذاب ولا كانوا مترقبين لشيء منه ، فالتقدير : بياتا هم فيه بائتون أي نائمون ، أو قائلة هم فيها قائلون أي نائمون ، فالآية من الاحتباك : دل إثبات( بَياتاً ) أولا على حذ ف «قائلة» ثانيا ، وإثبات( هُمْ قائِلُونَ ) ثانيا على حذف «هم نائمون» أولا ، والذي أرشدنا إلى هذا المعنى الحسن سوق «هم» من غير واو ، وهذا قريب من قوله تعالى فيما يأتي( أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ ) [الأعراف : ٩٧] فالأقرب أن يكون المحذوف أولا نائمون ، وثانيا نهارا ، فيكون التقدير : بياتا هم فيه نائمون ، أو نهارا هم فيه قائلون ، وبين عظمة ما جاءهم وهوله بأنهم في كل من الوقتين لم يقع في فكر أحد منهم التصويب إلى مدافعته بما سبب عن ذلك من قوله :( فَما كانَ دَعْواهُمْ ) أي قولهم الذي استدعوه( إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا ) أي بما لنا من العظمة( إِلَّا أَنْ قالُوا ) أي إلا قولهم( إِنَّا كُنَّا ) أي بما لنا من الجبلة( ظالِمِينَ ) أي في أنا لم نتبع ما أنزل إلينا من ربنا ، فلم يفدهم ذلك شيئا غير شدة التحسر ؛ ثم سبب عما مضى من أمر الرسول والأمم قوله دفعا لوهم من يظن أن الأمر انقضى بما عذبوا به في الدنيا :( فَلَنَسْئَلَنَ ) أي بما لنا من العظمة على جهة التوبيخ والتقريع للعصاة والتشريف والتعظيم للمطيعين ، وأظهر موضع الإضمار تعميما فقال :( الَّذِينَ ) .

ولما كانت الملامة على تكذيب الرسول لا بقيد كونه معينا ، بني للمفعول قوله :( أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ ) أي وهم الأمم ، هل امتثلوا أوامرنا وأحجموا عند زواجرنا كما أمرتهم الرسل أم لا( وَلَنَسْئَلَنَ ) أي بعظمتنا( الْمُرْسَلِينَ ) أي هل كان في صدورهم حرج مما أرسلناهم به وهل بلغوه أم لا يوم تكونون شهداء على الناس بما علمتم من شهادتي في هذا القرآن ويكون الرسول عليكم شهيدا فإنا لا بد أن نحييكم بعد الموت ثم نسألكم في يوم تظهر فيه السرائر وتنكشف ـ وإن اشتد خفاؤها ـ الضمائر ، ولنرين الأفعال والأقوال ، ولا نترك شيئا من الأحوال.

ولما كان السؤال يفهم خفاء المسؤول عنه على السائل ، سبب عن ذلك ما يزيل هذا الوهم بقوله مؤذنا بأنه أعلم من المسؤولين عما سألهم عنه :( فَلَنَقُصَّنَ ) أي بما لنا من صفات العظمة المستلزمة لكل كمال( عَلَيْهِمْ ) أي المسؤولين من الرسل وأممهم ، جميع أحوالهم وما يستحقون من جزائها( بِعِلْمٍ ) أي مقطوع به لا مظنون ، فقد كنا معهم في جميع تقلباتهم( وَما كُنَّا ) أي في وقت من الأوقات كما هو مقتضى ما لنا من

٨

العظمة( غائِبِينَ ) أي مطلقا ولا عن أحد من الخلق بل علمنا شامل لجميع الكليات والجزئيات لأن ذلك مقتضى العظمة ومقتضى ما لنا من صفات الكمال ، ومن لم يكن محيط العلم بأن يميز المطيع من العاصي لا يصح أن يكون إلها.

( وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ (٩) وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (١٠) وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) )

ولما تقدمت الإشارة بقوله تعالى :( وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ ) [الأنعام : ١٥٢] الآية إلى المساواة الحقيقة في الميزان معجوز عنها وأنه أبعد المقادير عن التساوي ، والنص في قوله تعالى( وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها ) [الأنعام : ١٦٠] على قدرة القدير على ذلك ، وختم الآية السالفة بإحاطة العلم على الوجه الأبلغ المقتضي لذلك على أعلى الوجوه ؛ أكد الأمر أيضا وقصره على علمه هنا فقال :( وَالْوَزْنُ ) بميزان حقيقي لصحف الأعمال أو للأعمال أنفسها بعد تصويرها بما تستحقه من الصور أو بغير ذلك بعد أن يقذف الله في القلوب العلم به ، ولعله حال من نون العظمة في الآية التي قبلها ، أي إنا لا نكتفي بما نقص بل نزنه فيصير بحيث يظهر لكل أحد أنه على غاية ما يكون من التساوي ؛ قال أبو حيان وعلي بن الحسين النحوي الأصفهاني في إعرابه :( الْوَزْنُ ) مبتدأ( يَوْمَئِذٍ ) ظرف منصوب به( الْحَقُ ) خبر المبتدإ ، زاد الأصفهاني فقال : واستضعف إعمال المصدر وفيه لام التعريف وقد ذكرنا أنه جاء في التنزيل( لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ) [النساء : ١٤٨] ـ انتهى. أي والوزن في ذلك اليوم مقصور على الحق ، يطابقه الواقع مطابقة حقيقية لا فضل فيها أصلا ولا يتجاوز الوزن في ذلك اليوم الحق إلى شيء من الباطل بزيادة ذرة ولا نقصها ولا ما دون ذلك ، فتحرر أن مقصود السورة الحث على اتباع الكتاب ، وهو يتضمن الحث على اتباع الرسول والدلالة على التوحيد والقدرة على البعث ببيان الأفعال الهائلة في ابتداء الخلق وإهلاك الماضين إشارة إلى أن من لم يتبعه ويوحد ـ من أنزله على هذا الأسلوب الذي لا يستطاع ، والمنهاج الذي وقفت دونه العقول والطباع ، لما قام من الأدلة على توحيده بعجز من سواه عن أقواله وأفعاله ـ أو شك أن يعاجله قبل يوم البعث بعقاب مثل عقاب الأمم السالفة والقرون الخالية مع ما ادخر له في ذلك اليوم من سوء المنقلب وإظهار أثر الغضب.

٩

ولما أخبر أن العبرة بالميزان على وجه يظهر أنه لا حيف فيه بوجه ، تسبب عنه قوله :( فَمَنْ ثَقُلَتْ ) أي دست ورسبت على ما يعهد في الدنيا( مَوازِينُهُ ) أي موزونات أعماله ، أي أعماله الموزونة ، ولعله عبر بها عنها إشارة إلى أن كل عمل يوزن على حدة ليسعى في إصلاحه( فَأُولئِكَ ) أي العالو الهمم( هُمُ ) أي خاصة( الْمُفْلِحُونَ ) أي الظاهرون بجميع مآربهم( وَمَنْ خَفَّتْ ) أي طاشت( مَوازِينُهُ ) أي التي توزن فيها الأعمال الصالحة( فَأُولئِكَ ) المبعدون( الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ) أي التي هي رأس مالهم فكيف بما دونها( بِما كانُوا بِآياتِنا ) أي على ما لها من العظمة( يَظْلِمُونَ ) أي باستمرار ما يجددونه من وضعها في غير المحل الذي يليق بها فعل من هو في ظلام ؛ قال الحسن : وحق لميزان توضع فيه الحسنات أن يثقل ، وحق لميزان توضع فيه السيئات أن يخف.

ولما أمر الخلق بمتابعة الرسل وحذرهم من مخالفتهم ، فأبلغ في تحذيرهم بعذاب الدنيا ثم بعذاب الآخرة ، التفت إلى تذكيرهم ترغيبا في ذلك بإسباغ نعمه وتحذيرا من سلبها ، لأن المواجهة أردع للمخاطب ، فقال في موضع الحال من( خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ : وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ ) أي خسروها والحال أنا مكناكم من إنجائها بخلق القوى والقدر وإدرار النعم ، وجعلنا مكانا يحصل التمكن فيه( فِي الْأَرْضِ ) أي كلها ، ما منها من بقعة إلا وهي صالحة لا نتفاعهم بها ولو بالاعتبار( وَجَعَلْنا لَكُمْ ) أي بما لنا من العظمة( فِيها مَعايِشَ ) أي جميع معيشة ، وهي أشياء يحصل بها العيش ، وهو تصرف أيام الحياة بما ينفع ، والياء أصلية فلذا لا تهمز ، وكذا ما ولي ألف جمعه حرف علة أصلي وليس قبل ألفه واو كأوائل ولا ياء كخيائر جمع أول وخير فإنه لا يهمز إلا شاذا كمنائر ومصائب جمع منارة ومصيبة.

ولما كان حاصل ما مضى أنه سبحانه أوجدهم وقوّاهم وخلق لهم ما يديم قواهم ، فأكلوا خيره وعبدوا غيره ، أنتج قوله على وجه التأكيد :( قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ ) أي لمن أسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة بما تنجون به أنفسكم ؛ وقال أبو حيان : إنه راجع للذين خوطبوا ب( اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ ) [الأعراف : ٣] وما بينهما أورد مورد الاعتبار والاتعاظ بذكر ما آل إليه أمرهم في الدنيا وما يؤول إليه في الآخرة ـ انتهى.

ولما ذكر سبحانه ما منحهم به من التمكين ، ذكّرهم ما كانوا عليه قبل هذه المكنة من العدم تذكيرا بالنعم في سياق دال على البعث الذي فرغ من تقريره ، وعلى ما خص به أباهم آدمعليه‌السلام من التمكين في الجنة بالخلق والتصوير وإفاضة روح الحياة وروح العلم وأمر أهل سماواته بالسجود له والغضب على من عاداه وطرده عن محل

١٠

كرامته ومعدن سعادته وإسكانه هو بذلك المحل الأعلى والموطن الأسنى مأذونا له في كل ما فيه إلا شجرة واحدة ، فلما خالف الأمر أزاله عنه وأخرجه منه ؛ وفي ذلك تحذير لأهل المكنة من إزالة المنة في استدرار النعمة وإحلال النقمة فقال :( وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ) أي بما لنا من صفات العظمة( ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ) أي قدرنا خلقكم ثم تصويركم بأن جعلنا فيكم قابلية قريبة من ذلك بتخصيص كل جزء من المادة بمقداره المعين بتخمير طينة آدمعليه‌السلام على حالة تقبل ذلك كما يهيأ التراب بتخميره بإنزال المطر لأن يكون منه شجرة ، وقد تكون تلك الشجرة مهيأة لقبول صورة الثمرة وقد لا تكون كما قال تعالى :( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ ) [المؤمنون : ١٢ ـ ١٤] وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم كما في الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح »(١) وعنه أيضا رضي الله عنه عند مسلم قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ، ثم قال : يا رب! أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك »(٢) الحديث. فظاهر هذا الحديث مخالف للفظ الذي قبله وللآية ، فيحمل على أن معنى صورها : هيأها في مدة الأربعين الثانية لقبول الصورة تهيئة قريبة من الفعل ، وسهل أولها بالتخمير على هيئة مخصوصة بخلاف ما قبل ذلك ، فإنها كانت نطفة فكانت بعيدة عن قبول الصورة ، ولذلك اختلفوا في احترامها وهل يباح إفسادها والتسبب في إخراجها ، ومعنى «خلق» : قدر أي جعل لكل شيء من ذلك حدا لا يتجاوزه في الجملة ، والدليل على هذا المجاز شكه في كونها ذكرا أو أنثى ، ولو كان ذلك على ظاهره لما حصل شك في كونها ذكرا أو أنثى إذ آلة الذكر والأنثى من جملة الصورة ، وبهذا تلتئم هذه الآية مع قوله تعالى( إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ) [ص : ٧١] فهذا خلق بالفعل ، والذي في هذه السورة بإيداعه القوة المقربة منه ، والمراد من الآية التذكير بالنعم استعطافا إلى المؤالفة وتفظيعا بحال المخالفة ، أي

__________________

(١) صحيح. أخرجه البخاري ٧٤٥٤ و ٣٢٠٨ ومسلم ٢٦٤٣ وأبو داود ٤٧٠٨ والترمذي ٢١٣٧ وابن ماجه ٧٦ وابن حبان ٦١٧٤ والطيالسي ٢٩٨ وأبو يعلى ٥١٥٧ وابن أبي عاصم في السنة ١٧٥ و ١٧٦ وأحمد ١ / ٤١٤ من حديث ابن مسعود

(٢) صحيح. أخرجه مسلم ٢٦٤٥ وابن حبان ٦١٧٧ والطبراني ٣٠٣٦ و ٣٠٤٣ وابن أبي عاصم ١٧٧ و ١٧٩ و ١٨٠ وأحمد ٤ / ٧٠٦ من حديث ابن مسعود.

١١

خسروا أنفسهم والحال أنا أنعمنا عليهم بنعمة التمكين بعد أن أنشأناهم على الصورة المذكورة بعد أن كانوا عدما ، وأسجدنا ملائكتنا لأبيهم وطردنا من تكبر عليه طردا لا طرد مثله ، وأبعدناه عن محل قدسنا بعدا لا قرب معه ، وأسكنا أباهم الجنه دار رحمتنا وقربنا ، فقال تعالى مترجما عن ذلك :( ثُمَّ قُلْنا ) أي على ما لنا من الاختصاص بالعظمة( لِلْمَلائِكَةِ ) أي الموجودين في ذلك الوقت من أهل السماوات والأرض كلهم ، بما دلت عليه «ال» سواء قلنا : إنها للاستغراق أو الجنس( اسْجُدُوا لِآدَمَ ) أي بعد كونه رجلا قائما سويا ذا روح كما هو معروف من التسمية ؛ ثم سبب عن هذا الأمر قوله :( فَسَجَدُوا ) أي كلهم بما دل عليه الاستثناء في قوله :( إِلَّا إِبْلِيسَ ) ولما كان معنى ذلك لإخراجه ممن سجد أنه لم يسجد ، صرح به فقال :( لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ) أي لآدم.

( قالَ ما مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣) قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥) قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) )

ولما كان مخالف الملك في محل العقاب ، تشوف السامع إلى خبره فأجيب بقوله :( قالَ ) أي لإبليس إنكارا عليه توبيخا له استخراجا لكفره الذي كان يخفيه بما يبدي من جوابه ليعلم الخلق سبب طرده( ما مَنَعَكَ ) ولما كانت هذه العبارة قد صرحت بعدم سجوده ، فكان المعنى لا يلبس بإدخال «لا» في قوله :( أَلَّا تَسْجُدَ ) أتى بها لتفيد التأكيد بالدلالة على اللوم على الامتناع من الفعل والإقدام على الترك ، فيكون كأنه قيل : ما منعك من السجود وحملك على تركه( إِذْ ) أي حين( أَمَرْتُكَ ) أي حين حضر الوقت الذي يكون فيه أداء المأمور به( قالَ ) أي إبليس ناسبا ربه سبحانه إلى الجور أو عدم العلم بالحق( أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ) أي فلا يليق لي السجود لمن هو دوني ولا أمري بذلك لأنه مناف للحكمة ؛ ثم بين وجه الخيرية التي تصورها بسوء فهمه أو بما قاده إليه سوء طبعه بقوله :( خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ ) أي فهي أغلب أجزائي وهي مشرفة مضيئة عالية غالبة( وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) أي هو أغلب أجزائه وهو كدر مظلم سافل مغلوب ، وقد غلط غلطا فاحشا فإن الإيجاد خير من الإعدام بلا نزاع ، والنار سبب الإعدام والمحق لما خالطته ، والطين سبب النماء والتربية لما خالطه ، هذا لو كان الأمر في الفضل باعتبار العناصر والمبادىء وليس كذلك ، بل هو باعتبار الغايات.

ولما كان هذا أمرا ظاهرا ، وكان مجرد التكبر على الله كفرا على أيّ وجه كان ، أعرض عن جوابه بغير الطرد الذي معناه نزوله المنزلة الذي موضع ما طلب من علوها

١٢

فاستأنف قوله :( قالَ ) مسببا عن إبائه قوله :( فَاهْبِطْ مِنْها ) مضمرا للدار التي كان فيها وهي الجنة. فإنها لا تقبل عاصيا ، وعبر بالهبوط الذي يلزم منه سقوط المنزلة دون الخروج ، لأن مقصود هذه السورة الإنذار وهو أدل عليه ، وسبب عن أمره بالهبوط الذي معناه النزول والحدور والانحطاط والنقصان والوقوع في شيء منه قوله :( فَما يَكُونُ ) أي يصح ويتوجه بوجه من الوجوه( لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ ) أي تتعمد الكبر وهو الرفعة في الشرف والعظمة والتجبر ، ولا مفهوم لقوله( لَكَ ) ولا لقوله :( فِيها ) لوجود الصرائح بالمنع من الكبر مطلقا( إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ) [النحل : ٢٣] ،( كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ ) [غافر : ٣٥] ،( قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها ) [النساء : ٤٨] ، وإنما قيد بذلك تهويلا للأمر ، فكأنه قيل : لا ينبغي التكبر إلا لنا ، وكلما قرب الشخص من محل القدس الذي هو مكان المطيعين المتواضعين جل تحريم الكبر عليه «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر»(١) رواه مسلم وغيره عن ابن مسعود رضي الله عنه ، وسبب عن كونها لا تقبل الكبر قوله :( فَاخْرُجْ ) أي من الجنة دار الرضوان ، فانتفى أن يكون الهبوط من موضع عال من الجنة إلى موضع منها أحط منه ، ثم علل أمره بالهبوط والخروج بقوله مشيرا إلى أن كل من أظهر الاستكبار ألبس الصغار :( إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ) أي الذين هم أهل للطرد والبعد والحقارة والهوان.

ولما علم أن الحسد قد أبعده ونزل به عن ساحة الرضى وأقعده ، تمادى فيه فسأل ما يتسبب به إلى إنزال المحسودين عن درجاتهم العالية إلى دركته السافلة ، ولم يسأل بشقاوته فيما يعليه من دركته السافلة إلى درجاتهم العالية ، وذلك بأن( قالَ ) أي إبليس ، وهو استئناف ؛ ولما كان السياق ـ ولا سيما الحكم بالصغار العاري عن تقييد ـ يأبى لأن يكون سببا لسؤاله الانتظار ، ذكره بصيغة الإحسان فقال( أَنْظِرْنِي ) أي بالإمهال ، أي اجعلني موجودا بحيث أنظر وأتصرف في زمن ممتد( إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) أي من القبور ، وهو يوم القيامة ، وكان اللعين طلب بهذا أنه لا يموت ، فإن ذلك الوقت ليس وقتا للموت ، إنما هو وقت إفاضة الحياة الأبدية في شقاوة أو سعادة ، فأعلم سبحانه أنه حكم له بالانتظار ، لكن لا على ما أراده ولا على أنه إجابة له ، ولكن هكذا سبق في الأزل في حكمه في قديم علمه ، وإليه يرشد التعبير بقوله :( قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ) أي في الجملة ، ومنعه من الحماية عن الموت بقوله كما ذكره في سورتي الحجر وص

__________________

(١) صحيح. أخرجه مسلم ٩١ وأبو داود ٤٠٩١ والترمذي ١٩٩٨ و ١٩٩٩ وابن ماجه ٤١٧٣ وابن حبان ٢٢٤ وابن خزيمة في التوحيد ص / ٣٨٤ والطبراني ١٠٠٠٠ و ١٠٠٠١ وأحمد ١ / ٤١٢ من حديث ابن مسعود.

١٣

( إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ) [الحجر : ٣٨ ، ص : ٨١] ، وهو وقت النفخة الأولى التي يموت فيها الأحياء فيموت هو معهم ، وكان ترك هذه الجملة في هذه السورة لأن هذه السورة للإنذار ، وإبهام الأمر أشد في ذلك ، وأجابه إلى الإنظار وهو يريد به الفساد ، لأنه لا يعدو أمره فيه وتقديره به ، ولأنه سبحانه لا يسأل عما يفعل ، ولتظهر حكمته تعالى في الثواب والعقاب.

ولما كان قد حكم عليه بالشقاء ، قابل نعمة الإمهال وإطالة العمر بالتمادي في الكفر ، وأخبر عن نفسه بذلك بأن( قالَ ) مسببا عن إيقاعه في المعصية بسبب نوع الآدميين( فَبِما أَغْوَيْتَنِي ) أي فبسبب إغوائك لي ، وهو إيجاد الغي واعتقاد الباطل في قلبي من أجلهم والله( لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ ) أي أفعل في قطعهم عن الخير فعل المتمكن المقبل بكليته المتأني الذي لا شغل له غير ما أقبل عليه في مدة إمهالك لي بقطعهم عنك بمنعهم من فعل ما أمرتهم به ، وحملهم على فعل ما نهيتهم عنه ، كما يقعد قاطع الطريق على السابلة للخطف( صِراطَكَ ) أي في جميع صراطك ، بما دل عليه نزع الخافض( الْمُسْتَقِيمَ ) وهو الإسلام بجميع شعبه ، ومن أسند الإغواء إلى غير الله بسبب اعتقاده أن ذلك مما ينزه الله عنه ، فقد وقع في شر مما فر منه ، وهو أنه جعل في الوجود فاعلين يخالف اختيار أحدهما اختيار الآخر.

( ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (١٧) قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨) وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (٢٠) )

ولما كان قد أقام نفسه في ذلك بغاية الجد ، فهو يفعل فيه بالوسوسة بنفسه ومن أطاعه من شياطين الجن والإنس ما يفوت الحد ويعجز القوى ، أشار إليه بحرف التراخي فقال مؤكدا :( ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ ) أي إتيانا لا بد لي منه كائنا ابتداؤه( مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ) أي مواجهة ، فأحملهم على أن يفعلوا ما يعلمون أنه خطأ( وَ ) كائنا( مِنْ خَلْفِهِمْ ) أي مغافلة ، فيعملون ما هو فاسد في غاية الفساد ولا شعور لهم بشيء من فساده حين تعاطيه فأدلهم بذلك على تعاطي مثله وهم لا يشعرون( وَعَنْ ) أي ومجاوزا للجهة التي عن( أَيْمانِهِمْ ) إليهم( وَعَنْ ) أي ومجاوزا لما عن( شَمائِلِهِمْ ) أي مخايلة ، فيفعلونه وهو مشتبه عليهم ، وهذه هي الجهات التي يمكن الإتيان منها ، ولعل فائدة «عن» المفهمة

١٤

للمجاوزة وصل خطى القدام والخلف ليكون إتيانه مستوعبا لجميع الجهة المحيطة ، وأفهمت الجهات الأربع قدحه وتلبيسه فيما يعلمونه حق علمه وما يعلمون شيئا منه وما هو مشتبه عليهم اشتباها قليلا أو كثيرا ، وهم من ترك ذكره الأعلى أنه لا قدرة له على الإتيان منه لئلا يلتبس أمره بالملائكة ، وقد ذكر ذلك في بعض الآثار كما ذكره في ترجمة ورقة بن نوفل رضي الله عنه.

ولما عزم اللعين على هذا عزما صادقا ورأى أسبابه ميسرة من الإنظار ونحوه ، ظن أنه بما رأى لهم من الشهوات والحظوظ يظفر بأكثر حاجته ، فقال عاطفا على ما تقديره : فلأغوينهم وليتبعنني :( وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ ) كما هي عادة الأكثر في الخبث( شاكِرِينَ ) فأريد به الشقاء فأغرق في الحسد ، ولو أريد بالشقي الخير لاستبدل بالحسد الغبطة فطلب أن يرتقي هو إلى درجاتهم العالية بالبكاء والندم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبذل النصيحة خضوعا لمقام الربوبية وذلا لعظيم شأنه.

ولما كان كأنه قيل : ماذا قال له؟ قيل :( قالَ ) في جواب ما ذكر لنفسه في هذا السياق من القوة والاقتدار وأبان عنه من الكبر والافتخار ما دل على أنه من أهل الصغار ، لا يقدر على شيء إلا بإقرار العزيز الجبار ، مصرحا بما أريد من الهبوط الذي ربما حمل على النزول من موضع من الجنة عال إلى مكان منها أحط منه( اخْرُجْ مِنْها ) أي الجنة( مَذْؤُماً ) أي محقورا مخزيا بما تفعل ، قال ابن القطاع : ذأمت الرجل : خزيته ، وقال ابن فارس : ذأمته ، أي حقرته( مَدْحُوراً ) أي مبعدا مطرودا عن كل ما لا أريده.

ولما علم بعض حاله ، تشوفت النفس إلى حال من تبعه ، فقال مقسما مؤكدا بما يحق له من القدرة التامة والعظمة الكاملة :( لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ ) أي بني آدم ، وأجاب القسم بما أغنى عن جواب الشرط فقال :( لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ ) أي منك ومن قبيلك ومنهم( أَجْمَعِينَ ) أي لا يفوتني منكم أحد ، فلم يزل من فعل ذلك منكم على أذى نفسه ولا أبالي أنا بشيء.

ولما أوجب له ما ذكر من الشقاوة تماديه في الحسد وكثرة كلامه في محسوده ، التفت إلى محسوده الذي لم يتكلم فيه كلمة واحدة ، بل اشتغل بنفسه في البكاء على ذنبه ، واكتفى بفعل ربه بما ينجيه من حبائل مكره التي نصبها بما ذكر ، ليكون ذلك سبب سعادته ، فقال عطفا على( اخْرُجْ مِنْها : وَيا آدَمُ اسْكُنْ ) ولما كان المراد بهذا الأمر هو نفسه لا التجوز به عن بعض من يلابسه ، أكد ضميره لتصحيح العطف ورفع التجوز فقيل :( أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ) .

١٥

ولما كان السياق هنا للتعريف بأنه مكن لأبينا في الجنة أعظم من تمكينه لنا في الأرض بأن حباه فيها رغد العيش مقارنا لوجوده ؛ ثم حسن في قوله :( فَكُلا ) العطف بالفاء الدال على أن المأكول كان مع الإسكان ، لم يتأخر عنه ، ولا منافاة بينه وبين التعبير بالواو في البقرة ، لأن مفهوم الفاء نوع داخل تحت مفهوم الواو ، ولا منافاة بين النوع والجنس ، وقوله :( مِنْ حَيْثُ شِئْتُما ) بمعنى رغدا أي واسعا ، فإنه يدل على إباحة الأكل من كل شيء فيها غير المنهي عنه ، وأما آية البقرة فتدل على إباحة الأكل منها في أيّ مكان كان ، وهذا السياق إلى آخره مشير إلى أن من خالف أمره تعالى ثل عرشه وهدم عزه وإن كان في غاية المكنة ونهاية القوة كما أخرج من أعظم له المكنة بإسجاد ملائكته وإسكان جنته وإباحة كل ما فيها غير شجرة واحدة ؛ أكد تحريمها بالنهي عن قربانها دون الاكتفاء بالنهي عن غشيانها فقال :( وَلا تَقْرَبا ) أي فضلا عن أن تتناولا( هذِهِ الشَّجَرَةَ ) مشيرا إلى شجرة بعينها أو نوعها ؛ ثم سبب عن القربان العصيان ، فإن من حام حول الحمى أوشك أن يواقعه فقال :( فَتَكُونا ) أي بسبب قربها( مِنَ الظَّالِمِينَ ) أي بالأكل منها الذي هو مقصود النهي فتكونا بذلك فاعلين فعل من يمشي في الظلام ؛ ثم سبب عن ذلك بيان حال الحاسد مع المحسودين فيما سأل الإنظار بسببه ، وأنه وقع على كثير من مراده واستغوى منهم أمما تجاوزوا الحد وقصر عنهم مدى العد ؛ ثم بين أنه أقل من أن يكون له فعل ، وأن الكل بيده سبحانه ، هو الذي جعله آلة لمراده منه ومنهم ، وأن من يهد الله فهو المهتدي ، ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون ، فقال :( فَوَسْوَسَ ) أي ألقى في خفاء وتزيين وتكرير واشتهاء( لَهُمَا الشَّيْطانُ ) أي بما مكنه الله منه من أنه يجري من الإنسان مجرى الدم ويلقى له في خفاء ما يميل به قلبه إلى ما يريد ؛ ثم بين علة الوسوسة بقوله :( لِيُبْدِيَ ) أي يظهر( لَهُما ما وُورِيَ ) أي ستر وغطي بأن جعل كأنه وراءهما لا يلتفتان إليه( عَنْهُما ) والبناء للمفعول إشارة إلى أن الستر بشيء لا كلفة عليهما فيه كما يأتي في قوله( يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما ) [الأعراف : ٢٧] و( مِنْ سَوْآتِهِما ) أي المواضع التي يسوءهما انكشافها ، وفي ذلك أن إظهار السوءة موجب للبعد من الجنة وأن بينهما منفية الجمع وكمال التباين.

ولما أخبر بالوسوسة وطوى مضمونها مفهما أنه أمر كبير وخداع طويل ، عطف عليه قوله :( وَقالَ ) أي في وسوسته أيضا ، أي زين لهما ما حدث بسببه في خواطرهما هذا القول :( ما نَهاكُما ) وذكرهما بوصف الإحسان تذكيرا بإكرامه لهما تجرئة لهما على ما يريد منهما فقال :( رَبُّكُما ) أي المحسن إليكما بما تعرفانه من أنواع إحسانه( عَنْ ) أي ما جعل نهايتكما في الإباحة للجنة متجاوزة عن( هذِهِ الشَّجَرَةِ ) جمع بين الإشارة

١٦

والاسم زيادة في الاعتناء بالتنصيص( إِلَّا أَنْ ) أي كراهية أن( تَكُونا مَلَكَيْنِ ) أي في عدم الشهوة وفي القدرة على الطيران والتشكل وغير ذلك من خواصهم( أَوْ تَكُونا ) أي بما يصير لكما من الجبلة( مِنَ الْخالِدِينَ ) أي الذين لا يموتون ولا يخرجون من الجنة أصلا.

( وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلاَّهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢) قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣) قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٢٤) )

ولما أوصل إليهما هذا المعنى ، أخبر أنه أكده تأكيدا عظيما كما يؤكد الحالف ما يحلف عليه فقال :( وَقاسَمَهُما ) أي أقسم لهما ، لكن ذكر المفاعلة ليدل على أنه حصلت بينهما في ذلك مراوغات ومحاولات بذل فيها الجهد ، وأكد لمعرفته أنهما طبعا على النفرة من المعصية ـ ما أقسم عليه أنواعا من التأكيد في قوله :( إِنِّي لَكُما ) فأفاد تقديم الجار المفهم للاختصاص أنه يقول : إني خصصتكما بجميع نصيحتي( لَمِنَ النَّاصِحِينَ ) وفيه تنبيه على الاحتراز من الحالف ، وأن الأغلب أن كل حلاف كذاب ، فإنه لا يحلف إلا عند ظنه أن سامعه لا يصدقه ، ولا يظن ذلك إلا وهو معتاد للكذب.

ولما أخبر ببعض وسوسته لهما ، سبب عنها ترجمتها بأنها إهباط من أوج شرف إلى حضيض أذى وسرف فقال :( فَدَلَّاهُما ) أي أنزلهما عما كانا فيه من علو الطاعة مثل ما فعل بنفسه بالمعصية التي أوجبت له الهبوط من دار الكرامة( بِغُرُورٍ ) أي بخداع وحيلة حتى نسي آدم عهد ربه ، وقوله :( فَلَمَّا ذاقَا ) مشير إلى الإسراع في الجزاء بالفاء والذوق الذي هو مبدأ الأكل( الشَّجَرَةَ ) أي وجدا طعمها( بَدَتْ ) أي ظهرت( لَهُما سَوْآتُهُما ) أي عوراتهما اللاتي يسوءهما ظهورها ، وتهافت عنهما لباسهما فأبصر كل واحد ما كان مستورا عنه من عورة الآخر ، وذلك قصد الحسود فاستحييا عند ذلك( وَطَفِقا ) أي شرعا وأقبلا( يَخْصِفانِ عَلَيْهِما ) أي يصلان بالخياطة( مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ) ورقة إلى أخرى( وَناداهُما رَبُّهُما ) أي المحسن إليهما بأمرهما ونهيهما ، ولم يفعلا شيئا من ذلك إلا بمرأى منه ، فقال منكرا عليهما ما فعلاه ومعاتبا : يا عبديّ( أَلَمْ أَنْهَكُما ) أي أجعل لكما نهاية فيما أذن لكما فيه متجاوزة( عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ ) أي التي كان حقها البعد منها ، الموجبة للقربة من هذا الموضع الشريف إحسانا إليكما( وَأَقُلْ لَكُما إِنَ

١٧

الشَّيْطانَ ) أي الذي تكبر عن السجود حسدا لك يا آدم ونفاسة عليك ، فاحترق بغضبي فطرد وأبعد عن رحمتي( لَكُما ) أي لك ولزوجك ولكل من تفرع منكما ونسب إليكما( عَدُوٌّ مُبِينٌ ) ظاهر العداوة يأتيكم من كل موضع يمكنه الإتيان منه مجاهرة ومساترة ومما كرة فهو مع ظهور عداوته دقيق المكر بما أقدرته عليه من إقامة الأسباب ، فإني أعطيته قوة على الكيد ، وأعطيتكم قوة على الكيد وأعطيتكم قوة على الخلاص وقلت لكم : تغالبوا فإن غلبتموه فأنتم من حزبي ، وإن غلبكم فأنتم من حزبه مع ما له إليكم من العداوة ، فالآية منبهة على أن من غوى فإنما هو تابع لأعدى أعدائه تارك لأولى أوليائه.

ولما كان هذا ، تشوف السامع إلى جوابهما ، فأجيب بقوله :( قالا ) أي آدم وحواء ـعليهما‌السلام وأزكى التحية والإكرام ـ قول الخواص بإسراعهما في التوبة( رَبَّنا ) أي أيها المحسن إلينا والمنعم علينا( ظَلَمْنا أَنْفُسَنا ) أي ضررناها بأن أخرجناها من نور الطاعة إلى ظلام المعصية ، فإن لم ترجع بنا وتتب علينا لنستمر عاصيين( وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا ) أي تمحو ما عملناه عينا وأثرا( وَتَرْحَمْنا ) فتعلي درجاتنا( لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ) فأعربت الآية عن أنهما فزعا إلى الانتصاب بالاعتراف ، وسميا ذنبهما ـ وإن كان إنما هو خلاف الأولى لأنه بطريق النسيان كما في طه ـ ظلما كما هي عادة الأكابر في استعظام الصغير منهم ، ولم يجادلا كما فعل إبليس ، وفي ذلك إشارة إلى أن المبادرة إلى الإقرار بالذنب من فعال الأشراف لكونه من معالي الأخلاق ، وأنه لا مثيل له في اقتضاء العفو وإزالة الكدر وأن الجدال من فعال الأرذال ومن مساوي الأخلاق وموجبات الغضب المقتضي للطرد.

ولما تشوفت النفس إلى جواب العلي الكبير سبحانه ، أجيبت بقوله :( قالَ اهْبِطُوا ) أي إلى دار المجاهدة والمقارعة والمناكدة حال كونكم( بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ) أي أنتما ومن ولدتماه أعداء إبليس ومن ولد ، وبعض أولادكم أعداء لبعض ، ولا خلاص إلا باتباع ما منحتكم من هدى العقل وما أنزلت إليكم من تأييده بالنقل ، وفي ذلك تهديد صادع لمن له أدنى مسكة بالإشارة إلى قبح مغبة المخالفة ولو مع التوبة ، وحث على دوام المراقبة خوفا من سوء المعاقبة( وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ ) أي جنسها( مُسْتَقَرٌّ ) أي موضع استقرار كالسهول وما شابهها( وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ ) أي انقضاء آجالكم ثم انقضاء أجل الدنيا.

( قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ (٢٥) يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي

١٨

سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦) يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (٢٧) )

ولما علم بهذا أن للكون في الأرض آخرا ، وكان من الفلاسفة التناسخية وغيرهم ممن يقر بالوحدانية من يقول : إن النفوس مجردة عن الجسمية وعلائقها وإنه إذا هلك الجسد اتصلت بالعلويات إما بكوكب أو غيره أو انحطت في سلك الملائكة وبطل تعلقها بالبدن من كل وجه فلا تتصل به لا بتدبير ولا غيره ولا بالبعث ـ عند من قال منهم بالبعث ، كان كأنه قيل : فماذا يكون بعد ذلك؟ فأجيب بقوله :( قالَ ) أي الله رادا عليهم ما يعتقدون من بطلان التعلق بالبدن معبرا بالخطاب بالضمير الذي يعبر عن هذا الهيكل المخصوص روحا وجسدا( فِيها ) أي الأرض لا في غيرها( تَحْيَوْنَ ) أي أولا وثانيا على ما أنتم عليه بظواهركم وبواطنكم أبدانا وأرواحا( وَفِيها ) أي كذلك ، لا في غيرها كما أنتم لذلك مشاهدون( تَمُوتُونَ ) أي من الحياة الأولى بجملتكم ، فيكون للأرواح تعلق بالأبدان بوجه ما حتى يقعد الميت في القبر ويجبب سؤال الملكينعليهما‌السلام ، وتلتذ الأجساد بلذتها وتتألم بتألمها ، فأشير إلى الحشر مع تفصيل حال الكون في الأرض ، وختمت القصة بما ابتدئت به من الإعلام بالبعث بقوله :( وَمِنْها ) أي لا من غيرها بإخبار الصادق( تُخْرَجُونَ ) أي روحا وبدنا بعد موتكم فيها وعودكم إلى ما كنتم عليه أولا ترابا ، للجزاء وإظهار ثمرة الملك بإنصاف بعضكم من بعض والتحلي بصفة العدل فما كان بعضكم يفعل مع بعض من العسف والجور الذي لا يرضي أقل رؤسائكم أن يقر عليه عبيده ، وعلم بهذا أن الدلالة على الحشر فذلكة القصة ، وهذا أبين من ذكره فيما مضى في قوله( فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ ) [الأعراف : ٦].

ولما بين فيما مضى أن موجب الإخراج من الجنة هو ما أوجب كشف السوءة من المخالفة وفرغ مما استتبعه حتى أخبر بأنه حكم بإسكاننا هذه الدار بعد تلك الدار ، شرع يحذرنا من عدونا كما حذر أباناعليه‌السلام ، وبدأ بقوله بيانا لأنه أنعم علينا فيها بكل ما يحتاج إليه في الدين والدنيا وإيذانا بما في كشف العورة من الفضيحة والإبعاد عن كل خير وإشعارا بأن التستر باب عظيم من أبواب التقوى( يا بَنِي آدَمَ ) .

ولما كان الكلام في كشف العورة ، وأن آدمعليه‌السلام أعوزه الساتر حتى فزع إلى الورق ، كان موضع أن يتوقع ما يكون في ذلك فقال مفتتحا بحرف التوقع :( قَدْ أَنْزَلْنا ) أي بعظمتنا( عَلَيْكُمْ ) من آثار بركات السماء ، إما ابتداء بخلقه وإما بإنزال أسبابه لمطر ونحوه( لِباساً ) أي لم يقدر عليه أبوكم في الجنه( يُوارِي سَوْآتِكُمْ ) إرشادا

١٩

إلى دواء ذلك الداء وإعلاما بأن نفس الكشف نقص لا يصلح لحضرات الكمال ، وقال :( وَرِيشاً ) إشارة إلى أنه سبحانه زادنا على الساتر ما به الزينة والجمال استعارة من ريش الطائر ، محببا فيما يبعد من الذنب ويقرب إلى حضرة الرب.

ولما ذكر اللباس الحسي ، وقسمه على ساتر ومزين ، أتبعه المعنوي فقال مشيرا ـ بقطعه في قراءة الجمهور عما قبله ـ إلى كمال تعظيمه حثا عليه وندبا إليه :( وَلِباسُ التَّقْوى ) فعلم أن ساتر العورات حسي ومعنوي ، فالحسي لباس الثياب ، والمعنوي التحلي بما يبعث على المناب ؛ ثم زاد في تعظيم المنوي بقوله :( ذلِكَ خَيْرٌ ) أي ولباس التقوى هو خير من لباس الثياب ، ولكنه فصل باسم الإشارة المقترن بأداة البعد إيماء إلى علو رتبته وحسن عاقبته لكونه أهم اللباسين لأن نزعه يكون بكشف العورة الحسية والمعنوية ، فلو تجمل الإنسان بأحسن الملابس وهو غير متق كان كله سوءات ، ولو كان متقيا وليس عليه إلا خريقة تواري عورته كان في غاية الجمال والستر والكمال ، بل ولو كان مكشوف العورة في بعض الأحوال كما قالصلى‌الله‌عليه‌وسلم «ستر ما بين عوراتكم وأعين الجن أن يقول أحدكم إذا دخل الخلاء : بسم الله اللهم! إني أعوذ بك من الخبث والخبائث» رواه الترمذي وابن ماجه عن علي رضي الله عنه ، والذي يكاد يقطع به أن المعاصي سبب إحلال السوءة الذي منه ضعف البدن وقصر العمر حسا أو معنى بمحق البركة منه لما يفهمه ما تقدم في البقرة في بدء الخلق عن التوراة أن الله تعالى قال لآدمعليه‌السلام : كل من جميع أشجار الفردوس ، فأما شجرة علم الخير والشر فلا تأكل منها لأنك في اليوم الذي تأكل منها تموت موتا أي تتهيأ للموت حسا ، ويقضى عليك بالاشتغال بأسباب المعيشة فيقصر عمرك معنى بذهاب بركته ـ والله أعلم.

ولما كان في شرع اللباس تمييز الإنسان عن بقية الحيوان وتهيئة أسبابه التي لم يجدها آدمعليه‌السلام في الجنة من الفضل والنعمة والدلالة على عظمة المنعم ورحمته وقدرته واختياره ما هو معلوم ، قال :( ذلِكَ ) أي إنزال اللباس( مِنْ آياتِ اللهِ ) أي الذي حاز صفات الكمال الدالة على فضله ورحمته لعباده ، ولعل الالتفات من الخطاب إلى الغيبة في( لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ) ـ ولو على أدنى وجوه التذكر بما يشير إليه الإدغام ـ لئلا يقول المتعنت : إن الحث على التذكر خاص بالمخاطب ويدعي أنه المسلمون فقط ، أي أنزلنا ذلك ليكون حالهم حال من يتذكر فيعرف أنه يستقبح منه ما يستقبح من غيره.

ولما كان المقصود من ذكر القصص لا سيما قصص الأنبياء الاعتبار بها ، فكان بيان ما وقع بين آدمعليه‌السلام وبين الشيطان من شديد العداوة مقتضيا للتحذير من الشيطان ، وكان المقام خطرا والتخلص عسرا ، أشار إلى ذلك بالتأكيد وبيان ما سلط

٢٠