نظم الدّرر الجزء ٣
0%
مؤلف: برهان الدين البقاعي
تصنيف: علوم القرآن
الصفحات: 603
0%
مؤلف: برهان الدين البقاعي
تصنيف: علوم القرآن
الصفحات: 603
ولما علل الأمر بالتقوى ، علل النهي عن التخلف بما يدل على صدق الإيمان فيصير نقيضه دالا على نقيضه فقال :( ذلِكَ ) أي النهي العظيم عن التخلف في هذا الأسلوب النافي للكون( بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ ) أي عطش شديد( وَلا نَصَبٌ ) أي تعب بالغ( وَلا مَخْمَصَةٌ ) أي شدة مجاعة( فِي سَبِيلِ اللهِ ) أي طريق دين الملك الأعظم المتوصلة به إلى جهاد أعدائه ، ورتبت هذه الأشياء ترتيبها في الوجود فإن مطلق الحركة يهيج الحرارة فينشأ العطش وتماديها يورث التعب ، والأغلب أن يكون قبل الجوع.
ولما كان المقصود من إجهاد النفس بما ذكر إرغام الكفار باقتحام أرضهم المتوصل به إلى إيمانهم بالنيل منهم ، أتبع ذلك قوله :( وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً ) أي وطأ أو مكانا وطؤه( يَغِيظُ الْكُفَّارَ ) أي وطؤهم له بأرجلهم أو دوابهم( وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً ) أي كائنا ما كان صغيرا أو كبيرا( إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ ) أي في صحائف الأعمال ، بني للمفعول لأن القصد إثباته لا من معين( عَمَلٌ صالِحٌ ) أي ترتب لهم عليه أجر جزيل.
ولما كان فاعل هذه الأشياء مقدما على المعاطب في نفسه ومحصلا لغرض الجهاد ، أشير على وجه التأكيد في جملة اسمية إلى أنه محسن ، أما في حق نفسه فبإقامة الدليل بطاعته على صدق إيمانه. وأما في غيره من المؤمنين فبحمايتهم عن طمع الكافرين. وأما في حق الكفار فبحملهم على الإيمان بغاية الإمكان ، فقال تعالى معللا للمجازاة :( إِنَّ اللهَ ) أي الذي له صفات الكمال( لا يُضِيعُ ) أي لا يترك تركه ما من شأنه الإهمال( أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) وأظهر موضع الإضمار تعميما وتعليقا بالوصف.
( وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١) وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢) )
ولما كانت المشقة بالإنفاق العائد ضرره إلى المال ، ووطىء مطلق الأرض الذي قد لا يلزم منه وصول إلى ما يغيظ العدو دون المشقة الحاصلة في النفس بالظمأ وما معه من فعل ما يغيظ العدو وينقصه ، قدم ذلك على قوله :( وَلا يُنْفِقُونَ ) ولما كان القليل قد يحتقر ، ابتدأ به ترغيبا في قوله :( نَفَقَةً صَغِيرَةً ) ولما كان ربما تعنت متعنت(١)
__________________
(١) العنت : الفساد والإثم والهلاك ودخول المشقة على الإنسان وعنته تعنيتا شدد عليه وألزمه ما يصعب عليه أداؤه.
فجعل ذكرها قيدا ، قال :( وَلا كَبِيرَةً ) إعلاما بأنه معتد به لئلا يترك ، وفيه إشارة إلى آية اللمز للمطوعين في الصدقات( وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً ) أي من الأودية بالسير في الجهاد ، والوادي : كل منفرج بين جبال وآكام ينفذ فيه السيل ، وهو في الأصل فاعل من ودى ـ إذا سال( إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ ) أي ذلك الإنفاق والقطع ، بناه للمفعول لأن القصد الحفظ بالكتابة مطلقا( لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ ) أي ذو الجلال والإكرام ، أي بذلك من فضله( أَحْسَنَ ما كانُوا ) أي جبلة وطبعا( يَعْمَلُونَ ) مضاعفا على قدر الثبات ، وأكدت فاصلة الأولى دون هذه لزيادة تلك في المشقة والنفع ، ولذا صرح فيها بالأجر والعمل الصالح ـ نبه على ذلك الإمام أبو حيان. ومن هنا بل من عند( إِنَّ اللهَ اشْتَرى ) شرع في عطف الآخر على الأول الذي مضمونه البراءة من المشركين والاجتهاد في قتالهم بعد انقضاء مدتهم حيث وجدوا ـ إلى أن قال( قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ ) ـ إلى أن قال( ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ) ثم قال( انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً ) ثم أتبع ذلك قصص المنافقين كما أنه فعل هنا كذلك أن ختم بقوله( قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ ) الآية ثم أتبعها ذكر المنافقين.
ولما تواترت النواهي للمتخلفين وتواصلت الزواجر وتعاظم التبكيت والتهديد ، طارت القلوب وأشفقت النفوس ، فكان ذلك مظنة أن لا يتخلف بعدها أحد عن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم وعمن يقوم مقامه فيتمكن حينئذ الأعداء من الأموال والذراري والعيال ، فأتبع ذلك قوله تعالى :( وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ ) أي الذين حثهم على النّفر الرسوخ في الإيمان( لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ) أي جميعا فإن ذلك بخل بكثير من الأغراض الصالحة ، وهو تعليم لما هو الأنسب بالدين والدنيا من انقسام الناس قسمين : قسما للجهاد ، وقسما للنفقة وحفظ الأموال والأولاد ، كل ذلك بأمره عليه الصلاة والسّلام والعمل بما يرضاه ، ولا يخفى ذلك على المخلص ، ولعل التعبير بالفعل الماضي في قوله مسببا عما قبله :( فَلَوْ لا نَفَرَ ) ليفهم تبكيت من قصد تبكيته من المتخلفين في جميع هذه السورة بأنه كان عليهم أن ينفر مع النبيصلىاللهعليهوسلم ( مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ ) أي ناس كثير يسهل افتراقهم ، قالوا : وهو اسم يقع على ثلاثة( مِنْهُمْ طائِفَةٌ ) أي ناس لا ينفكون حافين بالنبيصلىاللهعليهوسلم يلزمونه ، قيل : والطائفة واحد واثنان ، فالآية حجة على قبول خبر الواحد ووجوب العمل به ، وكأنه عبر به للإشارة إلى الحث على كثرة النافرين كما هو أصل مدلولها الأغلب فيه( لِيَتَفَقَّهُوا ) أي ليكلف النافرون أنفسهم الفهم منهصلىاللهعليهوسلم شيئا فشيئا( فِي الدِّينِ ) أي بما يسمعونه من أقواله ويرونه من جميل أفعاله ويصل إلى قلوبهم من مستنير أحواله ، وهذا غاية الشرف للعلم حيث جعل غاية الملازمة لهصلىاللهعليهوسلم للجهاد ، هذا إن كان هوصلىاللهعليهوسلم النافر في تلك الغزاة ، وإن كان غيره كان ضمير (يتفقهوا) للباقين معهصلىاللهعليهوسلم .
ولما كان من العلم بشارة ومنه نذارة ، وكان الإنسان ـ لما فيه من النقصان ـ أحوج شيء إلى النذارة ، خصها بالذكر فقال عطفا على نحو : ليخافوا في أنفسهم فيعملوا في خلاصها :( وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ ) أي يحذروهم ما أمامهم من المخاوف إن فرطوا في جانب التقوى( إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ ) أي ما أنذرهموه الرسولصلىاللهعليهوسلم ويبشروهم بما بشرهم به ؛ ثم بين غاية العلم مشيرا إلى أن من جعل له غاية غيرها من ترفع أو افتخار فقد ضل ضلالا كبيرا ، فقال موجبا لقبول خبر من بلغهم :( لَعَلَّهُمْ ) أي كلهم( يَحْذَرُونَ ) أي ليكون حالهم حال أهل الخوف من الله بما حصلوا من الفقه لأنه أصل كل خير ، به تنجلي القلوب فتقبل على الخير وتعرض عن الشر ، فإن الحذر تجنب الشيء لما فيه من الضرر ، والمراد بالفقه هنا حفظ الكتاب والسنة وفهم معانيهما من الأصول والفروع والآداب والفضائل ، وقال الرماني : الفقه فهم موجبات المعاني المضمنة بها من غير تصريح بالدلالة عليها.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣) وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ (١٢٥) )
ولما علمت المقاصد وتهيأت القلوب لقبول الفوائد ، وأمر بالإنذار بالفقه ، وكان من الناس من لا يرجع إلا بشديد البأس ، أقبل على الكل مخاطبا لهم بأدنى أسنان القلوب ليتوجه إلى الأدنى ويتناول الأعلى منه من باب الأولى فقال :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) أي ادّعوا بألسنتهم الإيمان( قاتِلُوا ) أي تصديقا لدعواكم ذلك( الَّذِينَ يَلُونَكُمْ ) أي يقربون منكم( مِنَ الْكُفَّارِ ) فالذين يلونهم إن لم تروا غيره أصلح لمعنى يعرض لما في ذلك من حسن الترتيب ومقتضى الحكمة ولأن الجهاد معروف وإحسان ، والأقربون أولى بالمعروف ، ولتبعدوا العدو عن بلادكم فيكثر صلاحكم ويقل فسادكم وتكونوا قد جمعتم بالتفقه والقتال بين الجهادين : جهاد الحجة وجهاد السيف مع الاحتراس بهذا الترتيب من أن يبقى وراءكم إذا قاتلتم من تخشون كيده.
ولما كانت الملاينة أولى بالمسالمة ، والمخاشنة أولى بالمصارمة ، قال :( وَلْيَجِدُوا ) من الوجدان( فِيكُمْ غِلْظَةً ) أي شدة وحمية لأن ذلك أهيب في صدورهم.
وأكف عن فجورهم ، وحقيقة الغلظة في الأجسام ، استعيرت هنا للشدة في الحرب ، وهي تجمع الجراءة والصبر على القتال وشدة العداوة ، فإذا فعلوا ذلك كانوا جامعين بين جهاد الحجة والسيف كما قيل :
من لا يعدله القرآن كان له |
من الصغار وبيض الهند تعديل |
نبه على ذلك أبو حيان.
ولما كان التقدير : وليكن كل ذلك مع التقوى لا بسبب مال ولا جاه فإنها ملاك الأمر كله ، قال منبها على ذلك بقوله :( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ ) أي الذي له الكمال كله( مَعَ الْمُتَّقِينَ ) فلا تخافوا أن يؤدي شيء من مصاحبتها إلى وهن فإن العبرة بمن كان الله معه.
ولما ذكر هذه السورة أي الطائفة الحاضة بصيغة «لو لا» على النفر مع رسول اللهصلىاللهعليهوسلم الآمرة بجهاد الكفار والغلظة عليهم ، وكان لا يحمل على ذلك إلا ما أشار إليه ختم الآية السالفة من التقوى بتجديد الإيمان كلما نزل شيء من القرآن ، وكان قد ذكر سبحانه المخالفين لأمر الجهاد بالتخلف دون أمر الإيمان حين قال( وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ ) التفت إلى ذلك ليذكر القسم الآخر وهو القاعد عن الإيمان فقال :( وَإِذا ) وأكد بزيادة النافي تنبيها على فضل الإيمان فقال :( ما ) .
ولما كان المنكي لهم مطلق النزول ، بني للمفعول قوله :( أُنْزِلَتْ سُورَةٌ ) أي قطعة من القرآن ، أي في معنى من المعاني( فَمِنْهُمْ ) أي من المنزل إليهم( مَنْ يَقُولُ ) أي إنكارا واستهزاء ، وهم المنافقون( أَيُّكُمْ ) أي أيها العصابة المنافقة( زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً ) إيهاما لأنهم متصفون بأصل الإيمان ، لأن الزيادة ضم الشيء إلى غيره مما يشاركه في صفته ، هذا ما يظهرون تسترا ، وأما حقيقة حالهم عند أمثالهم فالاستهزاء استبعادا لكونها تزيد أحدا في حاله شيئا ، وسبب شكهم واستفهامهم أن سامعيها انقسموا إلى قسمين : مؤمنين ومنافقين ، ولذلك أجاب تعالى بقوله مسببا عن إنزالها :( فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا ) أي أوقعوا الإيمان حقيقة لصحة أمزجة قلوبهم( فَزادَتْهُمْ ) أي تلك السورة( إِيماناً ) أي بإيمانهم بها إلى ما كان لهم من الإيمان بغيرها وبتدبرها ورقة القلوب بها وفهم ما فيها من المعارف الموجبة لطمأنينة القلوب وثلج الصدور.
ولما كان المراد بالإيمان الحقيقة وكانت الزيادة مفهمة لمزيد عليه ، استغنى عن أن يقول : إلى إيمانهم ، لذلك ولدلالة( الَّذِينَ آمَنُوا ) عليه( وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ) أي يحصل لهم البشر بما زادتهم من الخير الباقي الذي لا يعدله شيء( وَأَمَّا الَّذِينَ ) وبين أن أشرف ما فيهم مسكن الآفة فقال :( فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) فمنعهم الإيمان وأثبت لهم الكفران فلم يؤمنوا.
ولما كان المراد بالمرض الفساد المعنوي المؤدي إلى خبث العقيدة ، عبر عنه
بالرجس فقال :( فَزادَتْهُمْ رِجْساً ) أي اضطرابا موجبا للشك ، وزاد الأمر بيانا بأن المراد المجاز بقوله :( إِلَى رِجْسِهِمْ ) أي شكهم الذي كان في غيرها( وَماتُوا ) أي واستمر بهم ذلك لتمكنه عندهم إلى أن ماتوا( وَهُمْ كافِرُونَ ) أي عريقون في الكفر ، وسمي الشك في الدين مرضا لأنه فساد في الروح يحتاج إلى علاج كفساد البدن في الاحتياج ، ومرض القلب أعضل(١) ، وعلاجه أعسر وأشكل ، ودواءه أعز وأطباؤه أقل. ولما زاد الكفار بالسورة رجسا من أجل كفرهم بها ، كانت كأنها هي التي زادتهم ، وحسن وصفها بذلك كما حسن : كفى بالسلامة داء ، وكما قال الشاعر :
أرى بصري قد رابني بعد نصحه |
وحسبك داء أن تصح وتسلما |
قاله الرماني ، فالمؤمنون يخبرون عن زيادة إيمانهم وهؤلاء يخبرون عن عدمه في وجدانهم ، فهذا موجب شكهم وتماديهم في غيهم وإفكهم ، ولو أنهم رجعوا إلى حاكم العقل لأزال شكهم وعرفهم صدق المؤمنين بالفرق بين حالتيهم ، فإن ظهور الثمرات مزيل للشبهات ، والآية من الاحتباك : إثبات الإيمان أولا دليل على حذف ضده ثانيا ، وإثبات المرض ثانيا دليل على حذف الصحة أولا.
( أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٢٧) لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩) )
ولما كان التقدير تسبيبا عما جزم به من الحكم بعراقتهم في الرجس وازديادهم منه : أفلا يرون إلى تماديهم في النفاق وثباتهم عليه؟ عطف عليه تقريرهم بعذاب الدنيا والإنكار عليهم في قوله :( أَوَلا يَرَوْنَ ) أي المنافقون ، قال الرماني : والرؤية هنا قلبية لأن رؤية العين لا تدخل على الجملة لأن الشيء لا يرى من وجوه مختلفة( أَنَّهُمْ ) أي المنافقين ؛ ولما كان مطلق وقوع الفتنة من العذاب ، بني للمفعول قوله :( يُفْتَنُونَ ) أي يخالطون من حوادث الزمان ونوازل الحدثان بما يضطرهم إلى بيان أخلاقهم بإظهار سرائرهم في نفاقهم( فِي كُلِّ عامٍ ) أي وإن كان الناس أخصب ما يكونون وأرفعه عيشا
__________________
(١) أعضل الأمر : اشتد واستغلق ، وداء عضال أي شديد أعيا الأطباء.
( مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ) فيفضحون بذلك ، وذلك موجب للتوبه للعلم بأن من علم سرائرهم ـ التي هم مجتهدون في إخفائها ـ عالم بكل شيء قادر على كل مقدور ، فهو جدير بأن تمتثل أوامره وتخشى زواجره.
ولما كان عدم توبتهم مع فتنتهم على هذا الوجه مستبعدا ، أشار إليه بأداة التراخي فقال :( ثُمَّ لا يَتُوبُونَ ) أي لا يجددون توبة( وَلا هُمْ ) أي بضمائرهم( يَذَّكَّرُونَ ) أي أدنى تذكر بما أشار إليه الإدغام ، فلو لا أنه حصلت لهم زيادة في الرجس لأوشك تكرار الفتنة أن يوهي رجسهم إلى أن يزيله ولكن كلما أوهى شيئا خلقه مثله أو أكثر بسبب الزيادات المترتبة على وجود نجوم القرآن ، والتذكر طلب الذكر للمعنى بالكفر فيه ، فالآية ذامة لهم على عدم التوبة بإصابة المصائب لعدم تذكر أنه سبحانه ما أصابهم بها إلا بذنوبهم( وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ ) [الشورى : ٣٤] كما أن أحدهم لا يعاقب فتاه إلا بذنب وما لم يتب فهو يوالي عقابه.
ولما ذكر ما يحدث منهم من القول استهزاء ، أتبعه تأكيدا لزيادة كفرهم وتوضيحا لتصويره ما يحدث من فعلهم استهزاء من الإيمان والتغامز بالعيون فقال :( وَإِذا ) وأكد بالنافي فقال :( ما ) ولما كان الغرض نفس الإنزال لا تعيين المنزل ، بني للمفعول قوله :( أُنْزِلَتْ سُورَةٌ ) أي طائفة من القرآن( نَظَرَ بَعْضُهُمْ ) أي المنافقين( إِلى بَعْضٍ ) أي متغامزين سخرية واستهزاء قائلين :( هَلْ يَراكُمْ ) وأكدوا العموم فقالوا :( مِنْ أَحَدٍ ) أي من المؤمنين إن انصرفتم ، فإنه يشق علينا سماع مثل هذا ، ويشق علينا أن يطلع المؤمنون على هذا السر منا.
ولما كان انصرافهم عن مثل هذا المقام مستهجنا ، أشار إلى شدة قبحه بأداة التراخي فقال :( ثُمَّ انْصَرَفُوا ) أي إن لم يكن أحد يراهم ، وإن رآهم أحد من المؤمنين تجشموا المشقة وثبتوا ؛ ولما كانوا مستحقين لكل سوء ، أخبر عنهم في أسلوب الدعاء بقوله :( صَرَفَ اللهُ ) أي الذي له الغنى المطلق والكمال كله( قُلُوبَهُمْ ) أي عن الإيمان ؛ ثم علل ذلك بقوله :( بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ ) وإن كانوا ذوي قوة على ما يحاولونه فإنهم( لا يَفْقَهُونَ ) أي قلوبهم مجبولة على عدم الفهم لما بها من الغلظة ، وهذا دليل على ختام الآية قبلها ، وهاتان الآيتان المختتمتان ـ ب( لا يَفْقَهُونَ ) التاليتان للأمر بالجهاد في قوله( قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ ) الموازي ـ( انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً ) الآية ـ قد احتوتا مع وجازتهما على حاصل أوصاف المنافقين التالية لآية( انْفِرُوا ) المختتم ما هو العام منها في أهل الحاضرة في قوله( اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ ) ب( يَفْقَهُونَ ) ثم عند إعادة ذكرهم ب( لا يَعْلَمُونَ ، ) وتصويب هاتين الآيتين إلى أهل الحاضرة ظاهر لكونهم
ممن يحضر نزول الذكر كثيرا مع احتمالهما للعموم ، والختم هنا ب( لا يَفْقَهُونَ ) أنسب لأن المقام ـ وهو النظر في زيادة الإيمان بالنسبة إليهم ـ يقتضي فكرا وتأملا وإن كان بالنظر إلى المؤمنين في غاية الوضوح.
ولما أمرصلىاللهعليهوسلم أن يبلغ هذه الأشياء الشاقة جدا من أمر هذه السورة ، وكان من المعلوم أنه لا يحمل ذلك إلا من وفقه الله تعالى ، وأما المنافقون فيكرهون ذلك وكان انصرافهم دالا على الكراهة ، عرفهم أن الأمر كان يقتضي توفر دواعيهم على محبة هذا الداعي لهم المقتضي لملازمته والبعد عما يفعلونه به من الانصراف عنه ، وأن أحواله الداعية لهم إلى محبته أعظم من أحوال آبائهم التي أوجبت لهم منهم من المحبة وعليهم من الحقوق ما هم مفتخرون بالتلبس به والمغالاة فيه ، وأن كل ما يحصل بهذا القرآن من العز والشرف في الدنيا فهو لكل من آمن به فقال :( لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ. )
ولما كان الرسول يجب إكرامه والوقوف في خدمته لأجل مرسله ولو تجرد عن غير ذلك الوصف ، شرع يذكر لهم من أوصافه ما يقتضي لهم مزيد إكرامه فقال :( مِنْ أَنْفُسِكُمْ ) أي ترجعون معه إلى نفس واحدة بأنكم لأب قريب ، وذلك أقرب إلى الألفة وأسرع إلى فهم الحجة وأبعد من المحل واللجاجة( عَزِيزٌ ) أي شديد جدا( عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ ) والعزة : امتناع الشيء بما يتعذر معه ما يحاول منه بالقدرة أو بالقلة أو بالصعوبة ، والعنت : لحاق الأذى الذي يضيق الصدر به ولا يهتدي للمخرج منه( حَرِيصٌ ) أي بليغ الحرص( عَلَيْكُمْ ) أي على نفعكم ، والحرص : شدة طلب الشيء على الاجتهاد فيه ، وقدم الجار لإفادة الاختصاص فقال :( بِالْمُؤْمِنِينَ ) أي العريقين في هذا الوصف كافة خاصة ، ولما ذكر الوصف المقتضي للرسوخ ، قدم ما يقتضي العطف على من يتسبب له بما يقتضي الوصلة فقال :( رَؤُفٌ ) أي شديد الرحمة لمن له منه عاطفة وصلة لما تقدم من معنى الرأفة قريبا.
ولما كان المؤمن يطلق مجازا على من يمكن منه الإيمان فوصلته الآن ليست بالفعل بل الإمكان ، قال تعميما لرحمتهصلىاللهعليهوسلم كما هو اللائق بشريف منصبه وعظيم خلقه :( رَحِيمٌ ) ولأجل مثل هذه الأغراض النفسية رتب سبحانه هذين الوصفين هكذا ، ولكن المعاني المرادة تارة يظهرها الله تعالى لعبده منحة له وإكراما ، وتارة يخفيها إظهارا لعجزه ونقصانه ثم يظهرها له في وقت آخر إن صدق في التضرع وإظهار الافتقار والتذلل وأدام الطلب ، أو لغيره ممن هو أقل منه علما وأضعف نظرا وفهما ، وإذا تأملت كتابي هذا ظهر لك أن كثيرا من الآيات فسرها على غير المراد منها قطعا أكابر العلماء ، فعلى الإنسان ـ إذا خفي عليه أمر ـ أن يقول : لا أعلم ، ولا يظن أنه رتب شيء من هذا
الكتاب العزيز لأجل الفواصل ، فذلك أمر لا يليق بكلام الله تعالى ، وقد عاب النبيصلىاللهعليهوسلم السجع ، لأن الساجع يكون محط نظره الألفاظ ، فيدير المعاني عليها ويتبعها إياها ، فربما عجز اللفظ عن توفية المعنى ؛ روى البخاري في الطب وغيره من صحيحه ومسلم في الديات وأبو داود والنسائي وغيرهم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول اللهصلىاللهعليهوسلم قضى في الجنين يقتل في بطن أمه بغرة عبد أو وليدة ، فقال الذي قضي عليه : كيف أغرم من لا شرب ولا أكل ، ولا نطق ولا استهل ، فمثل ذلك بطل ؛ فقال النبيصلىاللهعليهوسلم : إنما هذا من إخوان الكهان من أجل سجعه الذي سجع ، وفي رواية : فقال النبيصلىاللهعليهوسلم : سجع كسجع الأعراب(١) وذلك ـ والله أعلم ـ أنه لو كان نظره إلى المعنى وتصحيحه لأغنى عن هذا السجع أن يقال : كيف أغرم من لا حياة له ، ولو قصد السجع وتهذيب المعنى لأتى مما يدل على نفي الحياة التي جعلها محط أمره فإن ما أتى به لا يستلزم نفيها ، ولو تقيد بالصحة لاغتنى بنفي النطق عن نفي الاستهلال ، فصح بهذا أنه دائر مع تحسين اللفظ صح المعنى أم لا ، ولا ينطبع في عقل عاقل أن يكون النبيصلىاللهعليهوسلم يذم السجع وهو يأتي به ويقصده في القرآن أو في السنة ، ولو كان ذلك لأسرعوا الرد عليه ، وذكر أصحاب فتوح البلاد في فتح مكران من بلاد فارس أن الحكم بن عمرو لما فتحها أرسل بالأخماس مع صحار العبدي ، فلما قدم على عمر رضي الله عنه سأله عن مكران وكان لا يأتيه أحد إلا سأله عن الوجه الذي يجيء منه فقال : يا أمير المؤمنين! أرض سهلها جبل ، وماءها وشل(٢) ، وثمرها دقل(٣) ، وعدوها بطل(٤) ، وخيرها قليل ، وشرها طويل ، والكثير بها قليل ، والقليل بها ضائع ، وما وراءها شر منها ؛ فقال ، أسجاع أنت أم مخبر؟ فقال : لا بل مخبر ، قال : لا والله! لا يغزوها جيش لي ما أطعت. فقد جعل الفاروق السجع قسيما للخير فدل على أن التقيد به عيب لإخلاله بالفائدة أو بتمام الفائدة ، ولعله إنما جوز أن يكون مخبرا لأنه انفك عن السجع في آخر كلامه وكرر لفظ «قليل» فكان ما ظنه ، لأنه لو أراد السجع لأمكنه أن يقول والكثير بها ذليل ، والقليل بها ضائع كليل ، وما وراءها شر منها بأقوم قيل ؛ وقد نفى سبحانه عن هذا القرآن المجيد تصويب النظر إلى السجع كما نفى عنه الشعر فإنه تعالى قال( وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ٦٩١٠ ومسلم ١٦٨١ وأبو داود ٤٥٧٦ وابن حبان ٦٠١٩ والدارمي ٢ / ١٩٧ والبيهقي ٨ / ١١٤ وابن الجارود ٧٧٦ وعبد الرزاق ١٨٣٣٨ وأحمد ٢ / ٥٣٥ من حديث أبي هريرة.
ـ وأخرجه النسائي ٨ / ٥١ ـ ٥٢ والطبراني ١١٧٦٧ من حديث ابن عباس.
(٢) الوشل : الماء القليل يحلب من صخرة أو جبل.
(٣) الدقل : أردأ التمر.
(٤) بطل الشيء : ذهب ضياعا وخسرانا.
ما تُؤْمِنُونَ وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ ) [الحاقة : ٤١ ، ٤٢] فكما أن قول الشاعر إتيانه بالكلام موزونا ، فكذلك قول الكاهن إتيانه بالكلام مسجوعا والقرآن ليس من هذا ولا من هذا. وإن وقع فيه كل من الأمرين فغير مقصود إليه ولا معول عليه ، بل لكون المعنى انتظم به على أتم الوجوه فيؤتى به لذلك ، ثم تبين أنه غير مقصود بالانفكاك عنه في كثير من الأماكن بقرينة ليس لها مجانس في اللفظ لتمام المعاني المرادة عندها فيعلم قطعا أن ذلك غير مقصود أصلا لأن مثل ذلك لا يرضى به أقل الساجعين ، بل يراه عجزا وضيقا عن تكميل المشاكلة ونقصا ـ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، ومما يوجب لك القطع بأن ترتيب هذين الاسمين الشريفين هكذا لغير مراعاة الفواصل قوله تعالى في سورة الحديد( وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً ) [الحديد : ٢٧] وسيأتي إن شاء الله في سورة طه عن الفخر الرازي والقاضي أبي بكر الباقلاني منع النظر إلى السجع في الكتاب العزيز نقلا عن جميع الأشاعرة ، وإذا تأملت الفواصل في الإتيان بها تارة بكثرة وتارة بقلة ، وتارة تترك بالكلية ويؤتى في كل آية بفاصلة لا توافق الأخرى ، علمت أن هذا المذهب هو الصواب ولا سيما آخر سورة( اقْرَأْ ) وإذ تأملت كتب أهل العدد أتقنت علم هذا المستند ، وإذا تأملت ما قلته في هذا النحو من كتابي مصاعد النظر للاشراف على مقاصد السور لم يبق عندك شك في شيء من هذا ، فإياك أن تجنح لهذا القول فتكون قد وقعت في أمر عظيم وأنت لا تشعر ، وأورد سبحانه هذه الآية إيراد المخاطب المتلطف المزيل لما عندهم من الريب بالقسم ، فكأنه قال : ما لكم تنصرفون عن حضرته الشماء وشمائله العلى! والله لقد جاءكم ـ إلى آخره ، ثم أقبل عليه مسليا له مقابلا لإعراضهم إن أعرضوا بالإعراض عنهم والبراءة منهم ملتفتا إلى أول السورة الآمر بالبراءة من كل مخالف ، قائلا مسببا عن النصيحة بهذه الآية التي لا يشك عاقل في مضمونها :( فَإِنْ تَوَلَّوْا ) أي اجتهدوا في تكليف فطرهم الأولى أن ولوا مدبرين عنك بالانصراف المذكور أو غيره بعد النصيحة لهم بهذه الآية( فَقُلْ ) أي استعانة بالله تفويضا إليه( حَسْبِيَ ) أي كافي ؛ قال الرماني : وهو من الحساب لأنه جل ثناءه يعطى بحسب الكفاية التي تغني عن غيره ، ويزيد من نعمته ما لا يبلغ إلى حد ونهاية إذ نعمه دائمة ومننه متظاهرة( اللهُ ) أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له ، وإنما كان كافيا لأنه( لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) فلا مكافىء له فلا راد لأمره ولا معقب لحكمه.
ولما قام الدليل على أنه لا كفوء له ، وجب قصر الرغائب عليه فقال :( عَلَيْهِ ) أي وحده( تَوَكَّلْتُ ) لأن أمره نافذ في كل شيء( وَهُوَ رَبُ ) أي مالك ومخترع ومدبر ؛ ولما كان في سياق القهر والكبرياء بالبراءة من الكفار والكفاية للأبرار ، كان المقام
بالعظمة أنسب كآية النمل فقال :( الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ) أي المحيط بجميع الأجسام الحاوي لسائر الأجرام الذي ثبت بآية الكرسي وغيرها أن ربه أعظم منه لأن عظمته على الإطلاق فلا شيء إلا وهو في قبضته وداخل في دائرة مملكته ، وإذا كان كافي فأنا بريء ممن تولى عني وبعد مني كائنا من كان في كل زمان ومكان فقد عانق آخر السورة أولها وصافح منتهاها مبتدأها وتأكد ما فهمته من سر الالتفات في( فَسِيحُوا ) وفي( فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ ) والله تعالى أعلم.
بسم الله الرحمن الرّحيم
سورة يونس
مكية ـ آياتها مائة وتسع
( الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (١) أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ (٢) إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣) )
وهي أولى المئين إن جعلنا براءة مع الأنفال من الطول ، وإلا فبراءة أولاهن ، مقصودها وصف الكتاب بأنه من عند الله لما اشتمل عليه من الحكمة وأنه ليس إلا من عنده سبحانه لأن غيره لا يقدر على شيء منه ، وذلك دال بلا ريب على أنه واحد في ملكه لا شريك له في شيء من أمره ، وتمام الدليل على هذا قصة قوم يونسعليهالسلام بأنهم لما آمنوا عند المخايل كشف عنهم ، فدل قطعا على أن الآتي به هو الله الذي آمنوا به إذ لو كان غيره لكان إيمانهم به موجبا للإيقاع بهم ، ولو عذبوا كغيرهم لقيل : هذه عادة الدهر ، كما قالوا : قد مس آباءنا الضراء والسراء ودل ذلك على أن عذاب غيرهم من الأمم إنما هو من عند الله لكفرهم لما اتسق من ذلك طردا بأحوال سائر الأمم من أنه كلما وجد الإصرار على التكذيب وجد العذاب ، وعكسا منه كلما انتفى في وقت يقبل قبول التوبة انتفى ـ والله الموفق( بِسْمِ اللهِ ) أي الذي لا أمر لأحد سواه فلا كلام يشبه كلامه فلا كفوء له( الرَّحْمنِ ) الذي عم بكلامه جميع خلقه فأوضح البيان( الرَّحِيمِ ) الذي أتم لمطيعهم نعمة الامتنان( الر ) فخم الراء ابن كثير ونافع وحفص عن عاصم ، وأمالها ورش عن نافع بين بين ، والباقون بالإمالة المحضة ، والأصل في ذلك الفتح ، وكذا ما كان من أمثالها مما ألفاتها ليست منقلبة عن ياء نحو ما ولا ، وإمالتها للتنبيه على أنها أسماء للحروف وليست حروفا ـ نقل ذلك عن الواحدي.
لما قدم في أول الأعراف الحث على إبلاغ النصيحة بهذا الكتاب وفرغ مما اقتضاه
السياق من التحذير من مثل وقائع الأولين ومصارع الماضين ومما استتبع ذلك من توصيل القول في ترجمة هذا النبي الكريم مع قومه في أول أمره وأثنائه وآخره في سورتي الأنفال وبراءة ، وختم ذلك بأن سور الكتاب تزيد كل أحد مما هو ملائم له متهىء لقبوله وتبعده عما هو منافر له بعيد من قبول ملاءمته ، وأن الرسولصلىاللهعليهوسلم بذلك قد حوى من الأوصاف والحلي والأخلاق العلى ما يوجب الإقبال عليه والإسراع إليه. والإخبار بأن توليهم عنه لا يضره شيئا لأن ربه كافيه لأنه لا مثل له وأنه ذو العرش العظيم ؛ لما كان ذلك كذلك ، أعاد سبحانه القول في شأن الكتاب الذي افتتح به الأعراف وختم به سورة التوبة ، وزاده وصف الحكمة وأشار بأداة البعد إلى أن رتبته فيها بعيدة المنال بديعة المثال فقال :( تِلْكَ ) أي الآيات العظيمة جدا التي اشتملت عليها هذه السورة ، أو السور التي تقدمت هذه السورة أو هذه الحروف المقطعة المشيرة إلى أن القرآن كلام الله وإلا لما أعجز القادرين على التلفظ بهذه الأحرف( آياتُ الْكِتابِ ) أي الذكر الجامع لكل خير ، وهو هذا القرآن الذي وافق كل ما فيه من القصص كل ما في التوراة والإنجيل من ذلك ، فدل ذلك على صدق الآتي به قطعا لأنه لم يكن يعرف شيئا مما في الكتابين ولا جالس أحدا يعلمه( الْحَكِيمِ ) فكان فيما مضى ـ أن كونه من عند الله كاف في وجوب اتباعه ـ وفيما هنا تأكيد الوجوب بكونه مع ذلك حكيما والآية : العلامة التي تنبىء عن مقطع الكلام من جهة مخصوصة ، والحكيم : الناطق بالحكمة. وهي المعروف بما يجتمع عليه مما يمنع الفعل من الفساد والنقص ، استعير له ذلك لأنه دليل كالناطق بالحكمة لأنه يؤدي إلى المعرفة التي يميز بها طريق النجاة من طريق الهلاك ، وهو حاكم يبين الحق من الباطل في الأصول والفروع ويحكم بالعدل الذي لا جور فيه بوجه في كل نازلة ، ومحكم لما أتى به ، مانع له من الفساد ، لا يمحوه الماء ولا تحرقه النار ولا تغيره الدهور ، وهذا ما ظهر لي في التحامها بما قبلها ؛ وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما تضمنت سورة براءة قوله تعالى( إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ ) [براءة : ٤٠] وقوله( عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ) [براءة : ٤٣] وقوله( وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) [براءة : ٦١] وقوله :( لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ) [براءة : ١٢٨] إلى آخر السورة إلى ما تخلل أثناء آي هذه السورة الكريمة مما شهد لرسول اللهصلىاللهعليهوسلم بتخصيصه بمزايا السبق والقرب والاختصاص والملاطفة في الخطاب ووصفه بالرأفة والرحمة ، هذا ما انطوت هي والأنفال عليه من قهره أعداءه وتأييده ونصره عليهم وظهور دينه وعلو دعوته وإعلاء كلمته إلى غير هذا من نعم الله سبحانه عليه ، كان ذلك كله مظنة لتعجب المرتاب وتوقف الشاك ومثيرا لتحرك
ساكن الحسد من العدو العظيم ما منحهعليهالسلام ، قال تعالى( أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ ) إلى قوله :( لَسِحْرٌ مُبِينٌ ) ثم قال( إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ ) الآيات ، فبين انفراده تعالى بالربوبية والخلق والاختراع والتدبير ، فكيف تعترض أفعاله أو يطلع البشر على وجه الحكمة في كل ما يفعله ويبديه ، وإذا كان الكل ملكه وخلقه فيفعل في ملكه ما يشاء ويحكم في خلقه بما يريد( ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ما خَلَقَ اللهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِ ) ثم توعد سبحانه الغافلين عن التفكر في عظيم آياته حتى أدتهم الغفلة إلى مرتكب سلفهم في العجب والإنكار حتى قالوا( ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ ) [الفرقان : ٧] وقالوا( لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا ) [الفرقان : ٢١] وهذه مقالات الأمم المتقدمة( قالُوا ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا ) [يس : ١٥] قالوا( أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا ) [المؤمنون : ٤٧]( ما هذا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ ) [سبأ : ٤٣] فقال تعالى متوعدا للغافلين( إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا ، ) ثم وعد المعتبرين فقال( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ ، ) وكل هذا بيّن الالتحام جليل الالتئام ، ثم تناسجت آي السور ـ انتهى.
ولما كان كونه من عند الله مع كونه حكيما ـ موجبا لقبوله بادىء بدء والسرور به لما تقرر في العقول وجبلت عليه الفطر من أنه تعالى الخالق الرازق كاشف الضر ومدبر الأمر ، كان ذلك موضع أن يقال : ما كان حال من تلي عليهم؟ فقيل : لم يؤمنوا ، فقيل : ما شبهتهم؟ هل قدروا على معارضته والطعن في حكمته؟ فقيل : لا! بل تعجبوا من إنزاله على محمدصلىاللهعليهوسلم وليس بأكثرهم مالا ولا بأقدمهم سنا ، فرجع حاصل تعجبهم إلى ما قاله تعالى إنكارا عليهم. فإنه لو أرسل ذا سن قالوا مثل ذلك ، وهل مثل ذلك محل العجب!( أَكانَ ) أي بوجه من الوجوه( لِلنَّاسِ عَجَباً ) أي الذين فيهم أهلية التحرك إلى المعالي ، والعجب : تغير النفس بما لا يعرف سببه مما خرج عن العادة ؛ ثم ذكر الحامل على العجب وهو اسم «كان» فقال بعد ما حصل لهم شوق إليه :( أَنْ أَوْحَيْنا ) أي ألقينا أوامرنا بما لنا من العظمة بواسطة رسلنا في خفاء منهين( إِلى رَجُلٍ ) أي هو في غاية الرجولية ، وهو مع ذلك( مِنْهُمْ ) بحيث إنهم يعرفون جميع أمره كما فعلنا بمن قبلهم والملك العظيم الملك المالك التام الملك لا اعتراض عليه فيما به تظهر خصوصيته من إعلاء من شاء.
ولما كان في الإيحاء معنى القول ، فسره بقوله :( أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ ) أي عامة ، وهم الذين تقدم نداءهم أول البقرة ، ما أمامهم من البعث وغيره إن لم يؤمنوا أصلا أو إيمانا
خالصا ينفي كل معصية صغيرة أو كبيرة وكل هفوة جليلة أو حقيرة على اختلاف الرتب وتباين المقامات( وَبَشِّرِ ) أي خص( الَّذِينَ آمَنُوا ) أي أوجدوا هذا الوصف وعملوا تصديقا لدعواهم له الصالحات ، أي من الأعمال اللسانية وغيرها ، بالبشارة بقبول حسناتهم وتكفير سيئاتهم والتجاوز عن هفواتهم وترفع درجاتهم كما كان إرسال الرسل قبله وكما هو مقتضى العدل في إثابة الطائع وعتاب العاصي ، والإنذار : الإعلام بما ينبغي أن يحذر منه ، والتبشير : التعريف بما فيه السرور ، وأضاف القدم ـ الذي هو السابقة بالطاعة ـ إلى الصدق في قوله تعالى موصلا لفعل البشارة إلى المبشر به دون حرف جر :( أَنَّ لَهُمْ ) أي خاصة( قَدَمَ صِدْقٍ ) أي أعمالا حقة ثابتة قدموها لأنفسهم صدقوا فيها وأخلصوا فيما يسّروا له لأنهم خلقوا له وكان مما يسعى إليه بالأقدام ، وزاد في البشارة بقوله :( عِنْدَ رَبِّهِمْ ) ففي إضافة القدم تنبيه على أنه يجب أن يخلص له الطاعة كإخلاص الصدق من شوائب الكذب ، وفي التعبير بصفة الإحسان إشارة إلى المضاعفة.
ولما ثبت أن الرسول وما أرسل به على وفق العادة ، انتفى أن يكون عجبا من هذه الجهة ، فصار المحل قابلا لأن يتعجب منهم فيقال : ما قالوا حين أظهروا العجب؟ ومن أيّ وجه رأوه عجبا؟ فقيل :( قالَ الْكافِرُونَ ) أي الراسخون في هذا الوصف منهم وتبعهم غيرهم مؤكدين لما يحق لقولهم من الإنكار( إِنَّ هذا ) أي القول وما تضمنه من الإخبار بما لا يعرف من البعث وغيره( لَساحِرٌ ) أي محمد لساحر ـ كما في قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي مبين* أي ظاهر في نفسه ، وهو من شدة ظهوره مظهر لكل شيء أنه كذلك ، فجاؤوا بما هو في غاية البعد عن وصفه ، فإن السحر قد تقرر لكل ذي لب أنه ـ مع كونه تمويها لا حقيقة له ـ شر محض ليس فيه شيء من الحكمة فضلا عن أن يمتطي الذروة منه مع أن في ذلك ادعاءهم أمرا متناقضا ، وهو أنه من قول البشر كما هي العادة في السحر ، وأنهم عاجزون عنه ، لأن السحر فعل تخفى الحيلة فيه حتى يتوهم الإعجاز به ، فقد اعترفوا بالعجز عنه وكذبوا في ادعاء أنه لسحر لأن الآتي به منهم لم يفارقهم قط وما خالط عالما لا بسحر ولا غيره حتى يخالطهم فيه شبهة ، فهم يعلمون أن قولهم في غاية الفساد ، فشرع سبحانه يقيم الدليل على بطلان قولهم من أنه ـ مع ما تضمنه من البعث ـ سحر ، وعلى حقيقة أنه من عنده من غير شبهة ، وعلى أن الرسالة لا عجب فيها ، لأنه سبحانه خلق الوجود كله وهو نافذ الأمر فيه وقد ابتلى من فيه من العقلاء ليردهم إليه ويحاسبهم فإنه لم يخلقهم سدى لأنه حكيم ، فلا بد من رسول يخبرهم بما يرضيه وما يغضبه لتقوم بذلك الحجة فقال :( إِنَّ رَبَّكُمُ ) أي الموجد لكم
والمربي والمحسن( اللهُ ) أي من ربى شيئا ينبغي أن يكون حكيما وقادرا على أسباب صلاحه ، فأيقظوا أنفسكم من سنة غفلتها تعلموا أن هذا الكتاب من عند الذي له العظمة كلها قطعا ، وأنه قادر على بعثكم لأنه ربكم( الَّذِي ) بدأ الخلق بأن( خَلَقَ ) أي قدر وأوجد( السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ) على اتساعهما وكثرة ما فيهما من المنافع( فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) لحكمة أرادها على أن ذلك وقت يسير لا يفعل مثل ذلك في مثله إلا من لا يعجزه شيء.
ولما أوجد سبحانه هذا الخلق الكثير المتباعد الأقطار الواسع الانتشار المفتقر إلى عظيم التدبير ولطيف التصريف والتقدير ، عبر سبحانه عن عمله فيه عمل الملوك في ممالكهم بقوله مشيرا إلى عظمته بأداة التراخي :( ثُمَّ اسْتَوى ) أي عمل في تدبيره وإتقان ما فيه وإحكامه عمل المعتني بذلك( عَلَى الْعَرْشِ ) المتقدم وصفه بالعظمة ، وليست «ثم» للترتيب بل كناية عن علو الرتبة وبعد منالها ؛ ثم بين ذلك الاستواء بقوله :( يُدَبِّرُ ) لأن التدبير أعدل أحوال الملك فالاستواء كناية عنه( الْأَمْرَ ) كله فلا يخفى عليه عاقبة أمر من الأمور ، فحصل الأمن بهذا من أن يفعل شيء بغير علمه ، لأن التدبير تنزيل الأمور في مراتبها على إحكام عواقبها ، وهو مع ذلك منزه عما تعرفونه من أحوال الملوك من أنه يكون في ممالكهم من يقضي بعض الأمور بغير إذن منهم وإن علموا به لعجزهم عن المجاهرة بإدامة دفعه ، بل هو متصف بأنه( ما مِنْ شَفِيعٍ ) أي وإن كان بليغ الاتصاف بذلك.
ولما كان تمام قهره وعظيم سلطانه لا يفيد أحدا عند إذنه له إذنا عاما لجميع الأزمان والأماكن ، أتى بالجار فقال :( إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ) فإذا لم يقدر شفيع على الكلام في الشفاعة إلا بإذنه فكيف يقدر أحد أن يأتي بشيء من الأشياء بغير إذنه فكيف يأتي بكتاب حكيم ليس من عنده يعجز الخلق عن معارضته ، فحصل الأمن أن يكون غيره قاله أو شفع فيمن أبلغه فأبلغه من غير إرادة منه سبحانه ، فتحرر أنه ليس إلا من عنده وأنه أمر بإبلاغه ، وقد عرف من هذا أن( ما مِنْ شَفِيعٍ ) في موضع الدلالة على أنه لا يخرج عن تدبيره أمر من الأمور ولا يغلبه شيء أصلا فبطل ما كانوا يقولون في الأصنام من الشفاعة وغيرها والشفيع : السائل في غيره بتبليغ منزلته من عفو أو زيادة منزلة ، وقد وقع ذكر الكتاب والرسول والعرش مرتبا في أول هذه على ما رتب آخر تلك ؛ فلما تقرر ما وصف به من العظمة التي لا يشاركه فيها أحد ، وجب أن يعبد عبادة لا يشاركه فيها شيء ، فنبه على ذلك بقوله :( ذلِكُمُ ) أي العظيم الشأن العالي المراتب( اللهُ ) أي الملك الأعلى( رَبَّكُمُ ) الذي تقرر له من العظمة والإحسان بالإيجاد والتربية ما لا يبلغه
وصف( فَاعْبُدُوهُ ) أي فخصّوه بالعبادة فإن عبادتكم مع الإشراك ليست عبادة ، ولو لا فضله لم يكن لمن زل أدنى زلة طاعة.
ولما سبب سبحانه عن أوصافه العلى ما وجب له من الأمر بالعبادة ، تسبب عن ذلك الإنكار عليهم في التوقف عنها والاحتياج فيها إلى بروز الأمر بها لما قام على استحقاقه للأفراد بها من الأدلة التي فيهم شواهدها فقال :( أَفَلا تَذَكَّرُونَ ) أي ولو بأدنى أنواع التذكر بما أشار إليه الإدغام ، ما أخبركم سبحانه به ونبهكم عليه بما يعلمه كل أحد من نفسه من أنه لا يقدر أحد أن يعمل كل ما يريد ، ويعمل كثيرا مما لا غرض له فيه ويعلم أنه يضره إلى غير ذلك من الأمور ليعلم قطعا أن الفاعل الحقيقي غيره وأنه لا بد لهذا الوجود من مؤثر فيه هو في غاية العظمة لا يصح بوجه أن يشاركه شيء ولو كان أعظم ما يعرف من الأشياء فكيف بجماد لا يضر ولا ينفع!.
( إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٤) هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللهُ ذلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) )
فلما تقرر أنه هو الذي بدأ الخلق ، تقرر بذلك أنه قادر على إعادته فقال :( إِلَيْهِ ) أي خاصة( مَرْجِعُكُمْ ) أي رجوعكم وموضع رجوعكم ووقته حال كونكم( جَمِيعاً ) لا يتخلف منكم أحد ، تقدم وعده لكم بذلك( وَعْدَ اللهِ ) أي الذي له الكمال كله( حَقًّا ) فهو تعليل لعبادته لوحدانيته ، فيحيون بعد الموت ويحشرون إلى موضع جزاء الله تعالى لهم في زمانه الذي قدره له ، ويرفع ما كان لهم من المكنة في الدنيا ، فعلم قطعا أنه لا بد من الرسول ، فاستعدوا للقاء هذا الملك الأعظم بكل ما أمركم به رسولهصلىاللهعليهوسلم ؛ ثم أوضح التنبيه على قدرته مضمنا له بيان حكمته فقال معللا لوجوب المرجع إليه مؤكدا عدا لهم في عداد المنكر للابتداء لأجل إنكارهم ما يلزم عنه من تمام القدرة على البعث وغيره :( إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ) أي ينشئه النشأة الأولى ، له هذه الصفة متجددة التعلق على سبيل الاستمرار( ثُمَّ يُعِيدُهُ ) ليقيم العدل في خلقه بأن ينجز لمن عبده ، وعده بأن يعزه ويذل عدوه وذلك معنى قوله :( لِيَجْزِيَ. )
ولما كان في سياق البعث ، قدم أهل الجزاء وبدأ بأشرفهم فقال :( الَّذِينَ آمَنُوا ) أي أوجدوا هذا الوصف الذي هو الأساس المتقن لكل عمل صالح( وَعَمِلُوا ) أي وصدقوا إيمانهم بأن عملوا( الصَّالِحاتِ ) جزاء كائنا( بِالْقِسْطِ ، ) واقتصر على العدل
دون الفضل ليفهم أن ترك الحشو مخل بالعمل الذي هو محط الحكمة التي هي أعظم مصالح السورة ، والجزاء : الإعطاء بالعمل ما يقتضيه من خير أو شر ، فلو كان الإعطاء ابتداء لم يكن جزاء ، ولو كان ما لا يقتضيه العمل لم يكن جزاء مطلقا ، والقسط : العدل( وَالَّذِينَ كَفَرُوا ) أي أوجدوا هذا الوصف( لَهُمْ ) أي في الجزاء على جهة الاستحقاق( شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ ) أي مسخن بالنار أشد الإسخان( وَعَذابٌ أَلِيمٌ ) أي بالغ الإيلام( بِما كانُوا ) أي جبلة وطبعا( يَكْفُرُونَ ) فإن عذابهم من أعظم نعيم المؤمنين الذين عادوهم فيه سبحانه( فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ) [سورة المطففين : ٣٤ ـ ٣٦] وكأنه قال :( يَبْدَؤُا ) مضارعا لا كما قال في آية أخرى( كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ) [الأنفال : ٢٩] حكاية للحال وتصويرا لها تنبيها على تأمل ما يتجدد إنشاءه ليكون أدعى لهم إلى تصور القدرة على الإعادة ؛ قال الرماني : وقد تضمنت الآية البيان عما يوجبه التمكين في الدنيا من تجديد النشأة للجزاء لأنه لا بد ـ مع التمكين من الحسن والقبيح ـ من ترغيب وترهيب لا يؤمن معه العذاب على الخلود ليخرج المكلف بالزجر عن القبيح عن حال الإباحة له يرفع التبعة عليه ـ انتهى. فقد لاح بما ذكر مع ما تعين في أثناء السورة بتكريره لتوضيحه وتقريره ـ أن مقصودها وصف الكتاب بما يدل قطعا على أنه من عنده سبحانه وبإذنه ، لأنه لا غائب عن علمه ولا مداني لقدرته ولا مجترىء على عظمته ، وأنه تام القدرة متفرد بالخلق والأمر فهو قادر على الإعادة كما قدر على الابتداء ، وأن المراد بالكتاب البشارة والنذارة للفوز عند البعث والنجاة من غوائل يوم الحشر مع أنه سبحانه نافذ القضاء ، فلا تغني الآيات والدلالات البينات عمن حكم بشقاوته وقضى بغوايته ، وأن ذلك من حكمته وعدله فيجب التسليم لأمره وقطع الهمم عن سواه ؛ ثم شرع سبحانه يقرر أمر بدئه للخلق وإعادته في سياق مذكر بالنعم التي يجب شكرها ، ويسمى المعرض عن شكره كافرا فقال :( هُوَ ) أي لا غيره( الَّذِي جَعَلَ ) أي بما هيأ من الأسباب( الشَّمْسَ. )
ولما كان النور كيفية قابلة للشدة والضعف ، خالف سبحانه في الأسماء مما يدل على ذلك فقال في نور الشمس :( ضِياءً ) أي ذات نور قوي ساطع وقدرها منازل ، هكذا التقدير ، لكن لما كانت في تقلبها بطيئة بالنسبة إلى القمر ذكره دونها فقال :( وَالْقَمَرَ ) أي وجعل القمر( نُوراً ) أي ذا نور من نورها( وَقَدَّرَهُ ) أي وزاده عليها بأن قدره مسيرة( مَنازِلَ ) سريعا يقلبه فيها ، وباختلاف حاله في زيادة نوره ونقصانه تختلف أحوال الرطوبات والحرارات التي دبر الله بها هذا الوجود ـ إلى غير ذلك من الأسرار التي هي فرع وجود الليل والنهار( لِتَعْلَمُوا ) بذلك علما سهلا( عَدَدَ السِّنِينَ ) أي
المنقسمة إلى الفصول الأربعة وما يتصل بذلك من الشهور وغيرها ليمكن لكم تدبير المعاش في أحوال الفصول وغيرها( وَالْحِسابَ ) أي في غير ذلك مما يدل على بعض تدبيره سبحانه.
ولما كان ذلك مشاهدا لا مرية فيه ، وصل به قوله :( ما خَلَقَ اللهُ ) أي الذي له الكمال كله( ذلِكَ ) أي الأمر العظيم جدا( إِلَّا بِالْحَقِ ) أي خلقا ملتبسا بالحق الكامل في الحقية لا مرية فيه ، فعلم أنه قادر على إيجاد الساعة كذلك إذ لا فرق ، وإذا كان خلقه كذلك فكيف يكون أمره الناشىء عنه الخلق غير الخلق بأن يكون من السحر الذي مبناه على التمويه والتخييل الذي هو عين الباطل ، أو ما خلقه إلا بسبب إظهار الحق من العدل بين العباد بإعزاز الطائع وإذلال العاصي ، فإنه لا نعيم كالانتصار على المعادي والانتقام من المشانىء ، والجعل : وجود ما به يكون الشيء على صفة لم يكن عليها ، والشمس : جسم عظيم النور فإنه يكون ضياء النهار ؛ والقمر : جسم نير يبسط نوره على جميع الظاهر من الأرض ويكسفه نور الشمس ؛ والنور : شعاع فيه ما ينافي الظلام ؛ والحساب : عدد يحصل به مقدار الشيء من غيره.
ولما كان النظر في هذه الآيات من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى كثير من الاتصاف بقابلية العلم ، ختم الآية بقوله :( يُفَصِّلُ ) أي الله في قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحفص عن عاصم بالياء التحتية ، وبالالتفات إلى أسلوب العظمة تعظيما للبيان في قراءة الباقين بالنون( الْآياتِ ) أي يبين الدلائل الباهرة واحدة في إثر واحدة متفاصلة بيانا شافيا. ولما كان البيان لمن لا علم له كالعدم ، قال :( لِقَوْمٍ ) أي لهم قوة المحاولة لما يريدون( يَعْلَمُونَ ) أي لهم هذا الوصف على سبيل التجدد والاستمرار ؛ ولما كانت لهم المعرفة التامة والنظر الثاقب في منازل القمر عدت من الجلي(١) .
( إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦) إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ (٧) أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩) )
ولما أشار سبحانه إلى الاستدلال على فناء العالم بتغيره وإلى القدرة على البعث
__________________
(١) الجليّ : ضد الخفي والخبر يجلو جلاء أي : وضح.
بإيجاد كل من الملوين(١) بعد إعدامه في قوله ـ مؤكدا له لإنكارهم أن يكون في ذلك دلالة :( إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ ) أي على تباين أوصافه( وَالنَّهارِ ) أي كذلك( وَما ) أي وفيما( خَلَقَ اللهُ ) أي الذي له الإحاطة الكاملة( فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) من أحوال السحاب والأمطار وما يحدث من ذلك الخسف والزلازل والمعادن والنبات والحيوانات وغير ذلك من أحوال الكل التي لا يحيط البشر بإحصائها ؛ لما أشار إلى ذلك ختمها بقوله :( لَآياتٍ ) أي دلالات بينة جدا( لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ ) أي أن من نظر في هذا الاختلاف وتأمل تغير الأجرام الكبار كان جديرا بأن يخاف من أن تغير أحواله وتضطرب أموره فيتقي الله لعلمه قطعا بأن أهل هذه الدار غير مهملين ، فلا بد لهم من أمر ونهي وثواب وعقاب ؛ والاختلاف : ذهاب كل من الشيئين في غير جهة الآخر ، فاختلاف الملوين : ذهاب هذا في جهة الضياء وذاك في جهة الظلام ؛ والليل : ظلام من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الثاني ، وهو جمع ليلة كتمر وتمرة ؛ والنهار : اتساع الضياء من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس ؛ والخلق : فعل الشيء على ما تقتضيه الحكمة ، وأصله التقدير ؛ ونبه بما خلق في السماوات والأرض على وجوه الدلالات. لأن الدلالة في الشيء قد تكون من جهة خلقه أو اختلاف صورته أو حسن منظره أو كثرة نفعه أو عظم أمره أو غير ذلك.
ولما أشير بالآية إلى انقراض الدنيا بأن الحادث لا ثبات له ، وقام الدليل القطعي على المعاد ، ناسب تعقيبها بعيب من اطمأن إليها في سياق مبين أن سبب الطمأنينة إنكار الطمأنينة اعتقادا أو حالا ؛ ولما كانت ختم تلك ب( يَتَّقُونَ ) لاح أن ثمّ من يتقي ومن لا يتقي ؛ ولما كان الغرور أكثر ، بدأ به تنفيرا عن حاله ، لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح ، فقال مؤكدا لأجل إنكارهم :( إِنَّ الَّذِينَ ) ولما كان الخوف والرجاء معدن السعادة ، وكان الرجاء أقرب إلى الحث على الإقبال ، قال مصرحا بالرجاء ملوحا إلى الخوف :( لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ) بالبعث بعد الموت ولا يخافون ما لنا من العظمة( وَرَضُوا ) أي عوضا عن الآخرة( بِالْحَياةِ الدُّنْيا ) أي فعملوا لها عمل المقيم فيها مع ما إشتملت عليه مما يدل على حقارتها( وَاطْمَأَنُّوا ) إليها مع الرضى( بِها ) طمأنينة من لا يزعج عنها مع ما يشاهدونه مع سرعة زوالها( وَالَّذِينَ هُمْ ) أي خاصة( عَنْ آياتِنا ) أي على ما لها من العظمة لا عن غيرها من الأحوال الدنيّة الفانية( غافِلُونَ ) أي غريقون في الغفلة ، وتضمن قوله تعالى استئنافا :( أُولئِكَ ) أي البعداء البغضاء( مَأْواهُمُ النَّارُ
__________________
(١) الملوين : الليل والنهار.
بِما ) أي بسبب ما( كانُوا ) أي جبلة وطبعا( يَكْسِبُونَ ) فإن كسبهم كله ضلال ـ أنه لا يعاجلهم بالعقاب على تأخير المتاب ، وجعلت ملاقاة ما لا يقدر عليه إلا الله ملاقاة الله تفخيما لشأنها كما جعل إتيان جلائل آيات الله في قوله :( إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ ) [البقرة : ٢١٠] ونحوه ، والاطمئنان : الركون إلى الشيء على تمكن فيه ، فهؤلاء مكنوا الأحوال للدنيا فصار فرحهم وسخطهم لها ؛ والغفلة : ذهاب المعنى عن القلب بما يضاد حضوره إياه ، واليقظة نقيضها.
ولما انقضى هذا القسم حالا ومآلا ، أتبعه سبحانه القسم الآخر بقوله مؤكدا لإنكار الكفار هدايتهم :( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ) أي أوجدوا هذا الوصف بما لهم من القوة النظرية التي كمالها معرفة الأشياء وسلطانها معرفة الله تعالى( وَعَمِلُوا ) أي وصدقوا دعواهم الإيمان بأن عملوا( الصَّالِحاتِ ) بالقوة العملية التي سلطانها عبودية الله تعالى ، والصالح : ما جاء بالحث عليه الأنبياءعليهمالسلام ( يَهْدِيهِمْ ) أي على سبيل التجدد والاستمرار( رَبُّهُمْ ) أي المحسن إليهم( بِإِيمانِهِمْ ) أي بسبب تصديقهم وإذعانهم لمعرفة الآيات التي غفل عنها الذين يأملون البقاء ولا يرجون اللقاء ، فقادتهم إلى دار السّلام ، وهذا كما كان كثير من الصحابة رضي الله عنهم بعد إسلامهم يشتد تعجبهم مما كان من تباطئهم عن الإسلام ، وكما ترى أنك تخنق على بعض الكملة فلا يدعك حظ النفس ترى له حسنة ، ثم إنك قد ترضى عنه فتراه كله محاسن.
ولما ذكر أن مآل القسم الأول النار ، ذكر مآل هذا القسم في معرض سؤال من يقول : ماذا تورثهم هدايتهم؟ فقيل له :( تَجْرِي ) وأشار إلى قرب منال المياه وانكشافها عن كل ما ينتفع به في غير ذلك بإثبات الجار فقال :( مِنْ تَحْتِهِمُ ) أي تحت غرفهم وأسرّتهم وغير ذلك من مشتهياتهم كقوله تعالى( قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ) [مريم : ١٤] وكذا قول فرعون( وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي ) [الزخرف : ٥١]( الْأَنْهارُ ) كائنين( فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ) أي التي ليس فيها من غيره.
( دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠) وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١) )
ولما كان الواجب على العباد أولا تنزيهه تعالى عن النقائص التي أعظمها الإشراك. وكان من فعل ذلك سلم من غوائل الضلال فربح نفسه فعرف ربه وفاز في شهود حضرته بمشاهدة أوصاف الكمال ، أشار إلى التسليك في ذلك بقوله :( دَعْواهُمْ )