نظم الدّرر الجزء ٣

نظم الدّرر0%

نظم الدّرر مؤلف:
تصنيف: علوم القرآن
الصفحات: 603

نظم الدّرر

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: برهان الدين البقاعي
تصنيف: الصفحات: 603
المشاهدات: 41
تحميل: 14


توضيحات:

بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 603 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 41 / تحميل: 14
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 3

مؤلف:
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

صدقنا لهم في الوعد أنهم ما( اخْتَلَفُوا ) أي أوقعوا الخلف المفضي إلى جعل كل منهم صاحبه خلفه ووراء ظهره. واستهان به( حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ ) الموجب لاجتماعهم على كلمة واحدة لما له من الضبط حتى يكون أتباعه على قلب واحد. فكأنه قيل : فماذا يفعل بهم؟ لا هم بعقولهم ينتفعون ولا بما جاءهم من الحق يرجعون؟ فقيل مؤكدا لإنكار العرب البعث :( إِنَّ رَبَّكَ ) أي المحسن إليك بإيصاء الأنبياء بك ووصفك في كتبهم وجعلك صاحب لواء الحمد في القيامة( يَقْضِي بَيْنَهُمْ. )

ولما كان هذا تهديدا عظيما ، زاده هولا وعظمة بقوله :( يَوْمَ الْقِيامَةِ ) أي الذي هو أعظم الأيام( فِيما كانُوا ) أي بأفعالهم الجبلية( فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) فيميز الحق من الباطل ، والصديق من الزنديق ، ويسكن كلّا داره.

ذكر بعض ما في التوراة من المن عليهم بالأرض المقدسة : قال في أثناء السفر الخامس : قد رأت أعينكم جميع أعمال الله العظيمة التي عمل ، فاحفظوا جميع الوصايا التي أمركم الله بها اليوم لتدخلوا الأرض التي تجوزون إليها لترثوها وتطول أعماركم في الأرض التي أقسم الله لآبائكم أن يعطيهم ويرثها نسلهم الأرض التي تغل السمن والعسل. لأن الأرض التي تدخلونها لترثوها ليست مثل أرض مصر التي خرجتم منها التي كنتم تحتاجون فيها أن تستقوا بأرجلكم وتسقوها مثل بساتين السقي ، ولكن الأرض التي تجوزون إليها لترثوها هي أرض الجبال والصحارى ، وإنما تشرب من مطر السماء. يتعاهدها الله ربكم في كل حين ، وعينا الله ربنا فيها منذ أول السنة إلى آخر السنة. فإن أنتم سمعتم الأحكام التي آمركم بها اليوم وتتقون الله ربكم وتعبدونه من كل قلوبكم وأنفسكم يديم نظره إليكم ، ويمطر لكم في الخريف والربيع جميعا ، وتستغلون طعاما وشرابا وزيتا ، وينبت في حرثكم عشبا لمواشيكم ، وتأكلون وتشبعون ، احفظوا أن لا تخدع قلوبكم وتروغوا إلى الآلهة الأخرى وتسجدوا لها وتعبدوها فيشتد غضب الرب عليكم ، ويمنع السماء من المطر والأرض من غلاتها ، وتهلكوا سريعا من الأرض التي يعطيكم الله ربكم ، بل اجعلوا هذه الآيات في قلوبكم ، وصيروها ميسما بين أعينكم ، وعلموها بينكم أن يتكلموا بها في حضوركم وفي سفركم ، وإذا رقدتم وإذا قمتم ، واكتبوها على معاقم بيوتكم وأبوابكم لتطول أعماركم وأعمار أولادكم في الأرض التي أقسم الله لآبائكم أن يعطيهم. وإن أنتم حفظتم هذه الوصايا كلها وعملتم بها وأحببتم الله ربكم وسرتم في طرقه ولحقتم بعبادته يهلك الرب الملوك كلها من بين أيديكم وترثون شعوبا أعظم وأعز منكم ، وكل بلاد تطأها أقدامكم تكون لكم بين البرية ولبنان ومن النهر إلى الفرات : النهر الأكبر ، وتكون تخومكم عند البحر الآخر ، ولا يقدر أحد أن

٤٨١

يقاومكم ، ويلقي الله ربكم خوفكم وفزعكم على كل الأرض التي تطؤونها كما قال لكم الرب : انظروا! إني أتلو عليكم دعاء ولعنا ، أما الدعاء فتصيرون إليه إن أنتم حفظتم وصايا الله ربكم ، وأما اللعن فيدرككم إن أنتم لم تسمعوا وصايا الله ربكم وزغتم عن الطريق الذي أمركم به اليوم وتبعتم آلهة أخرى لم تعرفوها ، وإذا أدخلكم الله ربكم إلى الأرض التي تدخلونها لترثوها اتلوا الدعاء على جبل حوريب واللعن على جبل من حيالها في مجاز الأردن خلف الطريق عند مغارب الشمس في أرض الكنعانيين الذين يسكنون المغرب بإزاء الجبال وجبال بلوط ـ وفي نسخة : مرج ممري ، لأنكم تجوزون الأردن لتدخلوا وترثوا الأرض التي يعطيكم الله ربكم وتسكنونها وتحفظون وتعملون بجميع الوصايا التي آمركم بها اليوم ـ انتهى.

وفي سفر يوشع بن نونعليه‌السلام : ولما كان بعد موسى عبد الله قال الله ليوشع ابن نون خادم موسىعليهما‌السلام : موسى عبدي مات ، والآن فقم فاعبر هذا الأردن أنت ، وكل هذا الشعب إلى الأرض التي أنا معطيها لبني إسرائيل ، كل موضع تطؤه أرجلكم لكم أعطيته ، كما قلت لموسى عبدي. من البر وهذه للبنان وإلى النهر الكبير نهر الفرات كل أرض الذاعرين ، لا يقف أحد قدامك طول أيام حياتك ، كما كنت مع موسى أكون معك ، لا أدعك ولا أتركك ، اشتد وتأيد ، فإنك أنت تنحل هذا الشعب الأرض التي قسمت لآبائهم لإعطاء ذلك لهم ، لا يزول درس كتاب هذه الشريعة من فيك. وتلهج به نهارا وليلا لكي تحفظ للعمل بجميع المكتوب. فحينئذ تنجح طرقك. وحينئذ ترشد ، أليس قد أوصيتك؟ اشتد وتأيد ، ولا ترهب ولا تنذعر ، لأن معك الله ربك في جميع ما تسير فيه ، ووصى بوضع يوشع عرفاء القوم قائلا : جوزوا في وسط العسكر ووصّوا القوم قائلين لهم : أعدوا لكم زادا فإنكم بعد ثلاثة أيام عابرون هذا الأردن للدخول لإرث الأرض التي الله ربكم معطيها لكم ، اذكروا ذكر القول الذي أمركم به موسى عبد الله قائلا : الله ربكم مريحكم بما أعطاكم هذه الأرض ، نساءكم وأطفالكم ومواشيكم تجلسون في مدنكم التي أعطاكم موسى عبد الله في مجاز الأردن وأنتم تجورون محزومي الخواطر إلى أن يريح الله إخوتكم كما أراحكم فترثوا أيضا الأرض التي ربكم معطيكم ، حينئذ ترجعون إلى أرض حوزكم التي أعطاكم موسى عبد الله في مجاز الأردن مشرق الشمس ، فأجابوا يوشع قائلين : جميع ما أوصيتنا به نعمل ، كل موضع ترسلنا نمضي كجميع ما قبلنا من موسى كذاك نقبل منك. إذا كان الله معك كما كان مع موسى ، كل إنسان يخالف أمرك ولا يقبل كلامك كجميع ما تأمره به يقتل. فاشتد وتأيد ، فبعث يوشع بن نون من الكافرين رجلين جاسوسين في خفية قائلا :

٤٨٢

امضيا! انظرا الأرض كلها مع أريحا ، فمضيا ودخلا إلى بيت امرأة سواقة اسمها راحاب واضطجعا ثمّ ، فقيل لملك أريحا : هو ذا أناس من بني إسرائيل قد جاؤوا إلى هنا الليلة لجس البلد. فأرسل ملك أريحا إلى راحاب قائلا : أخرجي القوم الجائين إليك الذين دخلوا دارك. فإنهم لجس جميع البلد جاؤوا. فأخذت المرأة الرجلين فأخفت أمرهما وقالت : كذاك كان القوم جاؤوا إليّ ولم أعلم من أين هم؟ وكان عند إغلاق الباب في الظلام. ثم خرج القوم ولم أعلم أين مضوا؟ اطلبوهم بسرعة فإنكم تلحقونهم ؛ ثم أصعدتهما إلى السطح وظهرتهما في فش الكتان. والقوم طلبوهما في طريق الأردن إلى المعابر ـ وفي نسخة : إلى المخاضات ـ ولباب أغلقوا بعد ما خرج الطالبون خلفهما. وهما قبل أن يناما صعدت إليهما راحاب إلى السطح فقالت لهما : قد علمت أن الله سلم إليكم البلد ، وأنة قد وقعت هيبتكم علينا. وقد ماج جميع سكان البلد من قبلكم. وإنا قد سمعنا أن الله أيبس لكم بحر القلزم عقب خروجكم من مصر وما عملتم بملكي الأمورانيين الذين في مجاز الأردن : سيحون وعوج اللذين اصطلمتموهما ، فعند ما سمعنا ذابت قلوبنا ولم يثبت أيضا روح في واحد منا من جهتكم ، فإن الله ربكم هو إله من في السماوات من فوق ومن على الأرض من تحت ، والآن فاحلفوا باسم الله إذ قد عملت معكما فضلا ، فتعملا أيضا أنتما مع أهل أبي فضلا ، وتعطياني علامة هي حق. لتستبقوا أبي وأمي وإخوتي وجميع من التصق بهم ، وتخلصوا أنفسنا من القتل. فقالا لها : نبذل أنفسنا دونكم للموت إن لم تخبروا بخبرنا هذا. فيكون عند تسليم الله لنا البلد نعمل معك فضلا وأمانة فأحدرتهما بالحبل من داخل الطاقة إذ منزلها في حائط السور. وفي السور هي ساكنة. وقالت لهما : سيرا إلى الجبل كيلا يلقاكما الطالبون ، وبعد ذلك سيرا : لطريقكما ، فقالا لها : أبرياء نحن من قسمك هذا الذي استقسمتنا إن لم تفعلي ما نقول لك ، هو ذا نحن داخلون إلى البلد فاعقدي خصلة خيط من القرمز في الطاقة التي أخبرتنا منها. وأبوك وأمك وإخوتك وكل بيت أبيك تضمين إليك إلى المنزل ، فيكون كل من يخرج من أبواب منزلك إلى خارج دمه في عنقه ونحن أبرياء ، وكل من يكون معك في المنزل دمه في أعناقنا إن بطشت به يد. وإن أخبرت بخبرنا هذا فنحن أبرياء من قسمك الذي استقسمتنا ، فقالت : كما قلتما ، فأطلقتهما ومضيا ، وعقدت خصلة القرمز في الطاقة ، فمضيا إلى الجبل وجلسا ثم ثلاثة أيام إلى أن رجع الطالبون ولم يجدوهما. ورجع الرسولان وانحدرا من الجبل وجازا الأردن وجاءا إلى يوشع بن نون وقصا له كل ما وافاهما وقالا ليوشع : إن الله دفع بأيدينا كل الأرض ، وقد ماج جميع

٤٨٣

سكانها منا ؛ وأدلج(١) يوشع بالغداة ورحلوا من الكفرين ، وجاؤوا إلى الأردن هو وجميع بني إسرائيل وباتوا ثم قبل أن يجوزوا. فلما كان بعد ثلاثة أيام جاز النقباء في وسط العسكر وأمروا القوم قائلين لهم : عند نظركم صندوق عهد الله ربكم والأئمة اللاويين حاملين له أنتم ترحلون من موضعكم وتمشون خلفه ، لكن بينكم وبينه بعد مقدار ألفي ذراع بالمساحة ، لا تقربوا منه لأجل أن تعرفوا الطريق التي تمشون فيها إذ لم تمشوا فيها أمس وأول أمس. وقال يوشع للقوم : استعدوا فإن غدا يعمل الله في وسطكم عجائب ، وقال يوشع للأئمة : احملوا صندوق العهد وجوزوا قدام القوم. فحملوا صندوق العهد وساروا قدام القوم ، وقال الله ليوشع : هذا اليوم ابتدىء بتعظيم اسمك بحضرة جميع إسرائيل لكي يعلموا أنني كما كنت مع موسى أكون معك ؛ وقال يوشع لبني إسرائيل : تقدموا ههنا وأسمعوا الله ربكم ؛ قال يوشع : بهذه الخلة تعرفون أن قادرا حيا لذاته في وسطكم ، وأن قارضا يقرض من قدامكم قبائل الأمم : الكنعانيين والذاعرين ـ وفي نسخة : الحاثبين المنسوبين إلى حاث جدهم ـ والحويين أي الفصحاء البلغاء ـ وفي نسخة : المجتمعين إلى الحي ـ والربضيين والفلاحين والأمورانيين ـ أي الرؤساء ـ واليبوسيين ـ أي الجبارين القاهرين ، ها هو ذا صندوق العهد ، سيد كل الأرض جائز قدامكم في الأردن والآن خذوا لكم اثني عشر رجلا من أسباط إسرائيل : رجلا واحدا من كل سبط ، ويكون عند قرار أقدام أرجل الأئمة حاملي صندوق العهد سيد كل الأرض في مياه الأردن من الأمر العظيم أنه تنقطع مياه الأردن المنحدرة من فوق وتقف طودا واحدا كأنها في زق محصورة.

ولما ارتحل الشعب وقطعوا خيمهم ليجوزوا الأردن سار الكهنة الذين حملوا التابوت أمام الشعب ، فلما انتهوا إلى الأردن وكان ممتلئا يفيض كل أيام الحصاد انشق الأردن وقام الماء الذي كان ينحدر من فوق كأنه في زق ناحيته ، وتباعد عن قرية إدام التي عند صريم جدا ، والذي كان يجري إلى البحر العربي الذي يدعى بحر الملح انشق وحار وانقطع ، وجاز الشعب حيال أريحا ، وقام الكهنة الذين حملوا تابوت العهد في الأردن يابسا حتى عبر جميع الشعب بحر الأردن ؛ فلما جاز الشعب جميعا قال الرب ليوشع : اعمد إلى اثني عشر رجلا من الشعب : من كل سبط رجل واحد ، وقل لهم : خذوا من ههنا من جوف الأردن من تحت أقدام الكهنة اثني عشر حجرا وعبروها معكم وانصبوها في موضع المبيت الذي تبيتون فيه الليلة ، فأمرهم يوشع بذلك وأن يحمل كل

__________________

(١) أدلج : سار من أول الليل.

٤٨٤

رجل حجره على عاتقه ، فأخذوها إلى موضع مبيتهم ونصبوها هناك ، فمكثت الحجارة ـ التي أخذوها من الأردن من تحت أقدام الكهنة الذين حملوا التابوت ـ موضوعة هناك إلى اليوم ؛ والكهنة الذين حملوا التابوت كانوا قياما حتى تمت جميع الأقوال التي أمر الرب يشوع أن يقص على الشعب كما أوصى موسى يشوع ، وعجل الشعب على المجاز وجازوا ، فلما جاز جميع الشعب وجاز الكهنة الذين كانوا حاملين التابوت أمام الشعب وجاز بنو روبال وبنو جاد ونصف سبط منسا ، وهم متسلخون أمام إخوتهم ـ كما أمر موسى ـ أربعون ألفا ذوو قوة ، جازوا أمام الرب إلى قاع أريحا للمحاربة. في ذلك اليوم عظم يشوع عند جميع بني إسرائيل وفرقوه كفرقهم من موسى طول أيام حياته ، وقال الرب ليشوع : مر الكهنة الذين حملوا تابوت الشهادة يصعدوا من الأردن ، فأمرهم ، فلما صعدوا رجع ماء الأردن إلى مواضعه أول ما استقرت أقدام الكهنة في الشط وجرى في سواحل الأردن كما كان أولا ، فصعدوا من الأردن في عشر خلت من الشهر الأول ـ قلت : وهو نيسان على ما قال بعض فضلاء اليهود ـ ونزلوا الجلجال أقصى مشارق أريحا ، فأما الاثنا عشر حجرا التي أخذوها من الأردن فنصبها يشوع في الجلجال ، وقال يشوع لبني إسرائيل : إذا سألكم بنوكم غدا وقالوا لكم : ما هذه الحجارة؟ قولوا لهم : إن بني إسرائيل فلق لهم هذا الأردن فجازوه يابسا ، لأن الله ربكم يبّس ماء الأردن أمامهم حتى جازوه كما فعل الله ربكم ببحر سوف الذي يبسه أمامنا حتى جزناه ليعلم جميع شعوب الأرض أن يد الرب قوية ، وتتقوا الله ربكم كل الأيام.

فلما سمع جميع ملوك الأمورانيين الذين في جانب الأردن الغربي وجميع ملوك الكنعانيين الذين على شاطىء البحر أن الرب يبس ماء الأردن أمام بني إسرائيل حتى جازوا ، فزعت قلوبهم ولم يبق فيهم رمق فزعا من بني إسرائيل وفي ذلك الزمان قال الرب ليشوع : اتخذ سيفا من طوران واختن بني إسرائيل ثانية ، فختن بني إسرائيل ثانية في أكمة الغلف ، والذي ختن يشوع جميع الذكورة الذين كانوا ولدوا في البرية حين خرجوا من أرض مصر ، لأن جميع الرجال الأبطال المقاتلة هلكوا في البرية لأنهم لم يطيعوا الله ربهم وكانوا كلهم مختتنين ، فأقسم الرب عليهم أن لا يريهم الأرض التي وعد آباءهم أن يعطيهموها الأرض التي تغل السمن والعسل ، فبنوهم الذين كانوا من بعدهم هم الذين ختن يشوع لأنهم كانوا غلفا. فلما ختن جميع الشعب مكثوا مواضعهم في المعسكر حتى برئوا ، وقال الرب ليشوع : اليوم صرفت عنكم عار أهل مصر ، ودعا اسم ذلك الموضع جلجالا ، ونزل بنو إسرائيل الجلجال وعملوا فصحا في أربعة عشر يوما من الشهر الأول عند المساء في قاع أريحا وأكلوا من بر الأرض بعد الفصح وأكلوا

٤٨٥

في ذلك اليوم فطيرا وسنبلا مقلوا. وارتفع المن عن بني إسرائيل منذ ذلك اليوم حيث أكلوا من بر الأرض ولم ينزل المن لبني إسرائيل بعد ذلك اليوم وأكلوا من بر الأرض وغلات أرض كنعان في تلك السنة. وبينا كان يشوع في قاع أريحا قائما إذ نظر رجلا قائما إزاءه مخترطا سيفه ممسكه بيده ، فأقبل يشوع إليه وقال له : أنت منا أم من أعدائنا؟ قال : أنا سيد أجناد الرب ، الآن أتيتك ، فخر يشوع ساجدا على وجهه على الأرض وقال : ما الذي يقول السيد لعبده؟ قال : اخلع خفيك عن قدميك ، فإن الموضع الذي أنت قائم فيه طاهر ، ففعل يشوع ذلك ؛ وكان بنو إسرائيل قد حاصروا أريحا ، ولم يكن يقدر أحد من أهلها يدخل ولا يخرج ، قال الرب ليوشع : انظر! إني قد دفعت في يدك أريحا وملكها وكل أجنادها ، فليحط بالمدينة جميع الرجال المقاتلة ، ودوروا حول المدينة مرة في اليوم ، وافعلوا ذلك ستة أيام ، ويحمل سبعة من الكهنة سبعة أبواق ويهتفون أمام التابوت ، حتى إذا كان اليوم السابع دوروا حول المدينة سبع مرات ويهتف الكهنة بالقرون ، فإذا هتفت الأبواق وسمعتم أصواتها يهتف جميع الشعب بأعلى أصواتهم صوتا شديدا ، فيقع سور المدينة مكانه ، ويصعد الشعب كل إنسان حياله ، فدعا يشوع الكهنة وقال لهم : احملوا تابوت عهد الرب ويحمل سبعة من الكهنة سبعة قرون وينفخون فيها أمام تابوت الرب ، ثم قال للشعب : دوروا حول المدينة ، والمتسلخون يجوزون أمام تابوت الرب ، فحمل سبعة من الكهنة سبعة قرون وهتفوا أمام تابوت الرب فلم يزالوا ينفخون في القرون ، والذين كانوا يحملون التابوت يتبعون أصحاب الأبواق والمتسلخون يسيرون أمام الكهنة الذين يهتفون بالقرون ويسيرون أمام التابوت. وقال يشوع للشعب : لا تهتفوا ، ولا تسمعوا أصواتكم ، ولا تخرج كلمة من أفواهكم إلى اليوم الذي آمركم أن تهتفوا. فدارت الجماعة بالتابوت كل يوم مرة كما أمرهم يشوع ، فلما كان اليوم السابع أدلجوا سحرا وأحاطوا بالمدينة كسنتهم ولكن في ذلك اليوم السابع داروا حولها سبع مرات ، وفي المرة السابعة هتف الكهنة بالقرون وقال يشوع للشعب : اهتفوا لأن الرب قد دفع المدينة في أيديكم ، ولكن صيروا هذه المدينة وكل ما فيها حريمة للرب ، لا يمسه إنسان منكم ، وأبقوا على راحاب الزانية ـ يعني القندقانية كما أخبرني بعض فضلائهم ، ويؤيده التعبير عنها فيما مضى بالسواقة والله أعلم ـ وعلى كل من معها في بيتها لأنها غيبت الدسيسين اللذين أرسلنا ، فأما أنتم فاحتفظوا من الحرام ، ولا تنجسوا أنفسكم بأكل الحرام ، فتصيروا عسكر بني إسرائيل حراما ، فنفخوا في القرون فلما سمع الشعب صوت الأبواق ضجوا كلهم ضجة واحدة شديدة جدا ، فوقع سور المدينة فصعد الشعب إلى المدينة كل إنسان حياله ، فافتتحوها وقتلوا كل من فيها

٤٨٦

رجالها ونساءها والمشيخة والصبيان والثيران والحمير والغنم ، قتلوها بالسيف ، وأما الرجلان اللذان اجتسا الأرض فقال لهما يشوع : ادخلا إلى بيت المرأة الزانية ـ يعني الفندقانية كما مضى ـ فأخرجاها وأخرجا كل من معها في البيت كما حلفتما لها ، ففعلوا وأنزلوهم خارج عسكر بني إسرائيل وأحرقوا المدينة وكل من فيها بالنار ، وأحيى يشوع الزانية ووالديها وكل من معها ، وأقسم يشوع في ذلك الزمان ولعن وقال : ملعونا يكون أمام الرب الرجل الذي يقوم يبني مدينة أريحا هذه ، وكان الرب بعونه مع يشوع ونصره ، وشاع خبره في الأرض كلها ، وأثم بنو إسرائيل وتناولوا من الحرام ، وذلك لأن عاجار ابن كرمي بن زبدي بن زرح من قبيلة يهودا نحر وأخذ من الحرام وغيب في خيمته ، فاشتد غضب الرب على بني إسرائيل ، ثم أرسل يشوع رجالا إلى عاي التي عند بيت آون من مشارق بيت إل ليجتسوها ، فقالوا له : إنه يجزىء في أخذها ألفان أو ثلاثة لأن أهلها قليل ، فصعدوا فحاربوهم عند باب المدينة فانهزم بنو إسرائيل وجرح منهم جرحى كثير ـ فذكر القصة في سجود يشوع وانزعاجه وإخبار الله تعالى إياه أن قومه غلّوا ، ثم أمره بالقرعة حتى خرج الذي عنده الغلول وهو عاجار ، وكان غلوله طنفسة بابلية ومائتي مثقال فضة وسبيكة من ذهب فيها خمسون مثقالا ، فأخرجه يشوع مع كل شيء هو له ، وقد مضى ذلك في البقرة عند( أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ ) [البقرة : ٩٨] وتقدم في المائدة فتح بعض بلاد بيت المقدس بأعجوبة أخرى واستمروا هكذا يفتحونها بلدا بعد بلد ، ويقتلون من جبابرتها عددا بعد عدد ، ويرون في ذلك من عجائب الأمور وبدائع المقدور ما يبقى على كر الآباد ومر الدهور ، وهم في أثناء ذلك كل قليل يكفرون وينقضون العهود ولا يشكرون كما هو مبين في سفر يوشع بن نون ، وقد مضى شيء منه في المائدة عند قوله تعالى( فَعَمُوا وَصَمُّوا ) [المائدة : ٧١] ـ الآية ، كل ذلك بعد أن جاءهم من العلم ما لا تدخله مرية ولا يخالطه شك ولا يدنو منه لبس ، فتبارك من له الأمر كله ، لا مضل لمن هدى ولا هادي لمن يضله.

( فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ (٩٤) وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٩٥) إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٩٧) )

ولما كان ما مضى ـ من آيات هذه السورة المبينة أن من أريدت شقاوته لا ينفعه مشاهدة الآيات ـ سببا لنفي الشك عنها وإثبات اليقين بمضامينها بما سلف من الأدلة على تلك المضامين إلى أن ختم ذلك بذم من عمل عمل الشاك بعد أن جاء ما يوجب اليقين

٤٨٧

من العلم ، وكانصلى‌الله‌عليه‌وسلم كما مضى في آخر التي قبلها أشفق الخلق لا سيما على العرب لا سيما على قومه منهم ، وكانت الوصية قد برزت من الجناب الإلهي له بما يوافق طبعه من بذل الجهد في ملاطفتهم ، كان ذلك جديرا بأن يحرك طبع البشر لتمني الإجابة لما يقترحون ، وكان طلب ذلك بعد الفطام عنه من أفعال الشك في الجملة فأريد صرف النفس عنه بالكلية ولو بالخطور في البال فقيل مسببا عما قبله :( فَإِنْ كُنْتَ ) أي يا أرحم الخلق( فِي شَكٍ ) ولم يرد بهذا الكلام حقيقته ـ والله أعلم ـ بل تقوية اليقين وتأكيده ورسوخه وتأييده بأن هذا أمر قد عزم عليه وفرغ منه فلا يحتمل مراجعة ، وذلك لأن المعنى أن ثباتهم على الشقاوة أمر لا يعلم إلّا من قبلنا ، وذلك بأحد أمرين : إما بواسطة الأمين جبرئيل بما يأتي به من الوحي عنا غضا طريا محفوظا من الغير فلا تحريف فيه ولا تبديل ، وإما بواسطة أهل الكتاب عن أنبيائهم ـ وفي ذلك نزول درجتين مع تجويز التخويف والتبديل ، وهذا ما لا يرضاه ذو همة علية ونفس أبية ـ فالمعنى : أنا قد أخبرتك بأن الآيات لا تزيد المقضي بشقائه إلّا ضلالا وأنا خبير بذلك( وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ) فلا تطلب إجابتي إياهم إلى ما يقترحون عليك رجاء إيمانهم فإنهم لا يؤمنون بذلك( فَإِنْ كُنْتَ ) أي في وقت من الأوقات( فِي شَكٍ ) أي ولو قل( مِمَّا أَنْزَلْنا ) أي بعظمتنا واصلا على لسان الواسطة( إِلَيْكَ ) في ذلك( فَسْئَلِ ) أي بسبب ذلك الشك( الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ ) أي متتابعين لذلك( الْكِتابَ ) أي السماوي من اليهود والنصارى ، فإنهم من الإحاطة بصحة ما أنزلنا إليك على حد عظيم. ومن آمن منهم أو كان منصفا جدير بأن يزداد من فاوضه في ذلك إيمانا ؛ ولما كانوا بعض من أوتي الكتاب في الزمن السالف ، أثبت الجار فقال :( مِنْ قَبْلِكَ ) وهم عن ذلك الخبر بمراحل ، فلا تجنح إلى سؤال غيري ، وهذا مضمون قوله تعالى مؤكدا آتيا بحرف التوقع لأن كلّا من الأمرين في أحق مواضعه :( لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُ ) أي الثابت الكامل ثباته وهو إمضاء العدل فيهم ؛ وزاده تشريفا وترغيبا فيه بقوله :( مِنْ رَبِّكَ ) أي المحسن إليك باصطفائك لذلك ، فلذا سيق مساق البيان له من غير واو ، فإذا ثبت أنه الحق أي الثابت أعلى الثبات تسبب عنه البعد من تزلزل من جاءه ، فناسب اتباعه بقوله :( فَلا تَكُونَنَ ) أكده لأنه حقيق بأن لا ينثني عنه أحد بوجه من الوجوه( مِنَ المُمْتَرِينَ ) أي الغافلين عن آيات الله فتطلب الفضل لأهل العدل ؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما : لا والله! ما شك طرفة عين ولا سأل أحدا منهم.

ولما نهى عن ذلك لم يبق مما اقتضته القسمة العقلية إلّا العناد ممن يمكن منه كما فعل بنو إسرائيل بعد مجيء العلم فأتبعه النهي عن مثل حالهم بقوله :( وَلا تَكُونَنَ ) أي

٤٨٨

بوجه من الوجوه ، والمراد بهذا أتباعه( مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا ) أي فعلوا فعل المكذب مستهينين( بِآياتِ اللهِ ) أي التي لا أعظم منها بإضافتها إلى من لا أعظم منه( فَتَكُونَ ) أي كونا راسخا( مِنَ الْخاسِرِينَ ) بل اثبت على ما أنت عليه من اليقين والطمأنينة والثقة بالله والسكينة ، وهذا ونحوه مما غلظت فيه العبارة دلالة على مزيد قرب المخاطب وإن كان المراد غيره وعظيم منزلته ولطيف خصوصيته كما مضى بيانه عن الإمام أبي الحسن الحراليرحمه‌الله في سورة براءة عند قوله تعالى( عَفَا اللهُ عَنْكَ ) [براءة : ٤٣] ـ الآية ، وتغليظ العبارة فيه تأديب عظيم لتابعيه ؛ والشك : الوقوف بين النقيضين ، وهو من شك العود فيما ينفذ فيه ، لأنه يقف بذلك الشك بين جهتيه ؛ والإنزال : نقل الشيء من علو إلى سفل ؛ والامتراء ؛ طلب التشكك مع ظهور الدليل ، من مري الضرع وهو مسحه ليدر.

ولما كان ما مضى من هذه الآيات وما كان من طرازها قاضيا بأنه لا تغني الآيات عنهم. صرح به قوله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ ) أي وجبت وثبتت( عَلَيْهِمْ ) أي بأنهم أشقياء ، وعبر بالاسم المفهم للإحسان إعلاما بأنه ما أوجب عليهم العذاب إلّا إحسانا إليه بما يقاسي من معالجتهم وغير ذلك من الحكمة فقال :( كَلِمَتُ رَبِّكَ ) أي المحسن إليك في جميع أمرك( لا يُؤْمِنُونَ ) أي لا قبول لهم لتجدد الإيمان( وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ ) ونسبتها إلى قوله( لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُ ) نسبة( لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُ ) إلى( فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍ ) الآية في البيان المستفاد من حذف العاطف ، وإذا كان الكلام في معنى واحد كان بمنزلة الكلمة الواحدة فسمي بها( حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ ) أي حين لا ينفعهم الإيمان لفوات شرطه كما لم ينفع فرعون لذلك( سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ ) تحويلا [الأحزاب : ٦٢].

( فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (٩٨) وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (١٠٠) )

ولما كان هذا موضع أن يقال : إنما تطلب الآيات لما يرجى من تسبب الإيمان عنها ، تسبب عنه أن يجاب بقوله تعالى :( فَلَوْ لا ) أي فهلا( كانَتْ قَرْيَةٌ ) أي واحدة من قرى الأمم الماضية التي أهلكناها( آمَنَتْ ) أي آمن قومها عند إتيان الآيات أو عند رؤية أسباب العذاب( فَنَفَعَها ) أي فتسبب عن إيمانها ذلك أنه نفعها ـ( إِيمانُها ) ولما

٤٨٩

كان معنى «لو لا» النفي ، كان التقدير : لكن لم تؤمن قرية منهم إلّا عند صدم العذاب كما فعل فرعون ، لو آمن عند رؤية البحر على حال الفلق أو عند توسطه وقبل انسيابه عليه قبل ، ولكنه ما آمن إلّا بعد انهماره ومسه. وذلك حين لا ينفع لفوات شرطه من الإيمان بالغيب( إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ ) فإنهم آمنوا عند المخايل وقت بقاء التكليف فنفعهم ذلك فإنهم( لَمَّا آمَنُوا ) ودل على أنه قد كان أظلهم بقوله :( كَشَفْنا ) أي بعظمتنا( عَنْهُمْ ) أي حين إيمانهم ، روي أنه لم يبق بينهم وبين العذاب إلّا قدر ميل( عَذابَ الْخِزْيِ ) أي الذي كان يوجب لهم لو برك عليهم هوان الدارين( فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) أي فلم يأخذهم وقت رؤيتهم له( وَمَتَّعْناهُمْ ) أي تمتيعا عظيما( إِلى حِينٍ ) وهو انقضاء آجالهم مفرقة كل واحد منهم في وقته المضروب له ، وما ذكرته في معنى الآية نقله القاضي أبو محمد إسحاق بن إبراهيم البستي في تفسيره المسند عن ابن أبي عمر قال : قال سفيان الثوري :( فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ ) قال : فلم تكن قرية آمنت ، وهذا تفسير معنى الكلام ، وأما «لو لا» فهو بمعنى هلا ، وهي على وجوه تحضيض وتأنيث ، أي توبيخ ، وهي هنا للتوبيخ. ويجوز أن تكون استفهامية بمعنى «لو لا» ، ويلزم كلا من المعنيين النفي ؛ والنفع : إيجاب اللذة بفعلها أو ما يؤدي إليها كالدواء الكريه المؤدي إلى اللذة ؛ والخزي هو أن يفضح صاحبه ، وهو وضع من القدر للغم الذي يلحق به ، وأصله التعب.

ولما كان ما مضى ربما أوجب اعتقاد أن إيمان مثل أولئك محال جاءت هذه الآية في مقام الاحتراس منه مع البيان لأن حرص الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم على إيمانهم لا ينفع ومبالغته في إزالة الشبهات وتقرير الدلائل لا تفيد إلّا بمشيئة الله تعالى لتوفيقهم وهدايتهم ، ولو كان ذلك وحده كافيا لآمنوا بهذه السورة فإنها أزالت شبهاتهم وبينت ضلالاتهم وحققت بقصتي نوح وموسىعليهما‌السلام ضعفهم ووهن مدافعاتهم فقال تعالى :( وَلَوْ شاءَ ) أي إيمان الناس( رَبُّكَ ) أي المحسن إليك بإقبال من أقبل لعلمه الخير فيه وإدبار من أدبر لعدم قابليته للخير( لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ ) من الكفار.

ولما كان هذا ظاهرا في الكل ، صرح به مؤكدا لأن المقام يقتضيه فقال :( كُلُّهُمْ جَمِيعاً ) أي مجتمعين في آن واحد لا يختلفون في شيء منه ، ولكن لم يشأ ذلك وأنت لحرصك على امتثال أوامري ووصيتي لك باللطف بخلقي الموافق لما جبلتك عليه من الخير تريد ذلك( أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ ) أي الذين لم يرد الله إيمانهم مع ما طبعهم عليه من الاضطراب( حَتَّى يَكُونُوا ) أي كونا جبليا( مُؤْمِنِينَ ) أي راسخين في الإيمان ، وإيلاء الاستفهام الاسم مقدما على الفعل للإعلام بأن الفعل ـ وهو هنا الإكراه ـ ممكن من غير ذلك الاسم وهو هنا الله وحده القادر على تحويل الطباع فإن قدرته قاهرة لكل شيء

٤٩٠

ومشيئته نافذة في كل شيء مع الدلالة على أن وقوع خلاف المشيئة مستحيل لا يمكن لغيره تعالى بإكراه ولا غيره ، والمشيئة معنى يكون به الفعل مرادا أخذت من الشيء ، والمراد بالآية تخفيف ما يلحق النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم من التحسر للحرص على إيمانهم( وَما كانَ ) أي وما ينبغي ولا يتأتى( لِنَفْسٍ ) أي واحدة فما فوقها( أَنْ تُؤْمِنَ ) أي يقع منها إيمان في وقت ما( إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ ) أي بإرادة الملك الأعلى الذي له الخلق والأمر وتمكينه ، فيجعل الثبات والطمأنينة ـ اللازمين للإيمان الذي هو أبعد شيء عن السحر ـ على الذين ينتفعون بعقولهم فيلزمون معالي الأخلاق التي هي ثمرات للإيمان( وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ ) أي الاضطراب والتزلزل الذي يلزمه التكذيب الذي هو أشبه شيء بالسحر لأنه تخييل ما لا حقيقة له والقذر والقباحة والغضب والعقاب الناشىء عنه.

ولما كان ما في هذه السورة من الدلائل قد وصل في البيان إلى حد لا يحتاج فيه إلى غير مجرد العقل قال :( عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ) أي لا يوجد لهم عقل ، فهم لذلك لا ينتفعون بالآيات وهم يدعون أنهم أعقل الناس فيتساقطون في مساوىء الأخلاق وهم يدعون أنهم أبعد الناس عنها ، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ؛ والنفس : خاصة الشيء التي لو بطل ما سواها لم يبطل ذلك الشيء ، ونفسه وذاته واحد.

( قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (١٠١) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣) قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) )

ولما تقرر ما مضى من النهي عن الإصغاء إليهم في طلب الآيات ، وختم بتعليق الأمر بمجرد المشيئة ، كان كأنه قيل : فماذا يقال لهم إذا طلبوا؟ فقال :( قُلِ ) أي يا أشرف الخلق لهم غير مهتم بأمرهم ومنبها لهم على إبطال مذهب الجبر المتعلق أصحابه بنحو هذه الآية ، لأن المشيئة مغيبة والعبد مأمور ببذل الجهد في الطاعة بما له من القدرة والاختيار.

ولما أمر بهذا الفكر فكان ربما ظن لأجله أن للإنسان قدرة مستقلة ، نبه على مذهب أهل السنة القائل بالكسب الذي هو ـ كما قال الإمام علي رضي الله عنه ـ أمر بين أمرين لا جبر ولا تفويض ، فقال معلما أن من حكم بشقائه لا ينفعه شيء :( انْظُرُوا )

٤٩١

أي بأبصاركم وبصائركم لتخرجوا بالانتفاع بالعقل عن عداد البهائم ؛ قال الإمام : ولو أن الإنسان تفكر في كيفية حكمة الله تعالى في خلق جناح بعوضة لانقطع فكره قبل أن يصل إلى أول مرتبة من مراتب تلك الحكم والفوائد ، فلذلك أبهم في قوله :( ما ذا ) أي الذي( فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) أي من الآيات وواضح الدلالات التي أخرجتموها ـ بإلفكم لها ـ عن عداد الآيات ، وهي عند التأمل من أعظم خوارق العادات ، وقال الإمام : فكأنه سبحانه نبه على القاعدة الكلية حتى ينتبه لأقسامها ، وقال أبو حيان أخذا من الإمام : السبيل إلى معرفته تعالى هو بالتفكر في مصنوعاته ، ففي العالم العلوي في حركات الأفلاك ومقاديرها وأوضاعها والكواكب وما يختص بذلك من المنافع والفوائد ، وفي العالم السفلي في أحوال العناصر والمعادن والنبات والحيوان وخصوصا حال الإنسان ـ انتهى.

ولما كان ما فيها من الآيات في غاية الدلالة ، نبه سبحانه على أن التوقف عن الإيمان بعد التنبيه على كيفية الاستدلال معاندة فقال :( وَما ) وهي نافية أو استفهامية( تُغْنِي الْآياتُ ) أي وإن كانت في غاية الوضوح( وَالنُّذُرُ ) أي والإنذارات أو الرسل المنذرون( عَنْ قَوْمٍ ) أي وإن كانت فيهم قوة( لا يُؤْمِنُونَ ) أي للحكم بشقائهم ، فكان ذلك سببا لتهديدهم بقوله :( فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ ) أي بجميع قواهم في تكذيبهم للرسول وتخلفهم عن الإيمان( إِلَّا ) أي أياما أي وقائع( مِثْلَ أَيَّامِ ) أي وقائع( الَّذِينَ خَلَوْا ) ولما كان أهل الأيام الهائلة بعض من كان قبل ، أتى بالجار فقال :( مِنْ قَبْلِهِمْ ) أي من مكذبي الأمم وهم القبط وقوم نوح ومن طوي بينهما من الأمم ، أي من حقوق الكلمة عليهم فنحل بهم بأسنا ثم ننجيكم لإيمانكم كما كنا نحل بأولئك إذا كذبوا رسلنا ، ثم ننجي الرسل ومن آمن بهم حقا علينا ذلك للعدل بين العباد.

ولما تقدمت الإشارة إلى أن الكلمة حقت على الكافرين بعدم الإيمان والرجس الذي هو العقاب ، زاد في تهديدهم بالاعتراض بما سببه عن فعلهم فعل من ينتظر العذاب بقوله :( قُلْ فَانْتَظِرُوا ) أي بجميع جهدكم ما ترونه واقعا بكم بسبب ما تقرر عندكم مما كان يقع بالماضين في أيام الله ، وزاد التحذير استئنافه قوله مؤكدا لما لهم من التكذيب :( إِنِّي ) وأعلمهم بالنصفة بقوله :( مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ*. )

ولما كان التقدير : فإنا كنا في أيام الذين خلوا نوقع الرجس بالمكذبين ، عطف عليه بيانا لما كان يفعل بالرسل وأتباعهم إذا أهلك الظالمين قوله :( ثُمَّ نُنَجِّي ) أي تنجية عظيمة وننجيهم إنجاء عظيما وجاء به مضارعا حكاية للأحوال الماضية وتصويرا لها تحذيرا لهم من مثلها وإعلاما بأنه كذلك يفعل بهذا الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأتباعه رضي الله

٤٩٢

عنهم ، وأشار بأداة التراخي إلى طول زمان الابتلاء وعظيم رتبة التنجية ، وحذف مقابل الإنجاء لأن المقام بعد آية( أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ ) ناظر إلى البشارة أكثر من النظر إلى النذارة( رُسُلَنا ) أي الذين عظمتهم من عظمتنا( وَالَّذِينَ آمَنُوا ) أي بالرسل وهم معهم في زمانهم ولو كانوا في أدنى درجات الإيمان تشريفا للرسل فإنهم بصدد الرسوخ بملازمتهم ؛ ثم وصل بذلك تشريفا للراسخين وترغيبا في مثل حالهم قوله :( كَذلِكَ ) أي كما حق علينا إهلاك الكافرين هذا الإهلاك العظيم حق( عَلَيْنا ) أي بما أوجبناه على جنابنا الأعظم( نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ ) أي العريقين في الإيمان ولو كانوا بعد موت الرسل تنجية عظيمة وتنجيهم إنجاء عظيما ، فالآية من الاحتباك لما أشارت إليه القراءتان بالتخفيف والتثقيل ، أو يكون ذلك بني على سؤال من لعله يقول : هل حقوق النجاة مختص بالرسل ومن معهم؟ فقيل : لا ، بل( كَذلِكَ ) أي الحقوق( حَقًّا عَلَيْنا ) على ما لنا من العظمة( نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ ) في كل زمن وإن لم يكن بين ظهرانيهم رسول ، لأن العلة الاتصاف بالإيمان الثابت ، فيكون الكاف مبتدأ و «ننج» خبره ؛ والنظر : طلب المعنى بالقلب من جهة الذكر كما يطلب إدراك المحسوس بالعين ؛ والغنى : حصول ما ينافي الضر وصفة النقص ، ونقيضه الحاجة ؛ والنذر : جمع نذير ، من النذارة وهي الإعلام بموضع المخافة ليقع به السلامة ؛ والانتظار : الثبات لتوقع ما يكون من الحال ؛ والمثل إن كان من الجنس فهو ما سد مسد غيره في الحس ، وإن كان من غيره فالمراد ما كان فيه معنى يقرب به من غيره كقربه من جنسه كتشبيه أعمال الكافر بالسراب ؛ والنجاة من النجوة وهي الارتفاع من الهلاك.

ولما تقدم الفطام عن الميل لمن يطلب الآيات ، وكان طلبهم لها إنما هو على وجه الشك ، وإن لم يكن على ذلك الوجه فإنه فعل الشاك غالبا وتقدمت أجوبة لهم ، وختم ذلك بتهديدهم وبشارة المؤمنين الموجبة لثباتهم ، ناسبه كل المناسبة أن اتبعت الأمر بجواب آخر دال على ثباتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأنه مظهر دينه رضي من رضي وسخط من سخط ، لأن البيان قد وصل إلى غايته في قوله تعالى :( قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ ) أي الذين هم في حيز الاضطراب ، لم ترقهم هممهم إلى رتبة الثبات( إِنْ كُنْتُمْ ) أي كونا هو كالجبلة منغمسين( فِي شَكٍ ) كائن( مِنْ ) جهة( دِينِي ) تطلبون لنزوله ـ بعد تكفل العقل بالدلالة عليه ـ إنزال الآيات ، فأنا لست على شك من صحة ديني وبطلان دينكم فاعرضوه على عقولكم وانظروا ما فيه من الحكم مستحضرين ما لدينكم من الوهي الذي تقدم بيانه في قوله تعالى( قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ ) [يونس : ٥٩] ونحوه( فَلا أَعْبُدُ ) أي الآن ولا في مستقبل الزمان( الَّذِينَ تَعْبُدُونَ ) أي الآن أو بعد الآن( مِنْ

٤٩٣

دُونِ اللهِ ) أي الملك الأعظم لعدم قدرتهم على شيء من ضري ، فلا تطمعوا في أنه يحصل لي شك بسبب حصول الشك لكم ، فإذا لا أعبد غير الله أصلا.

ولما كان سلب عبادته عن غيره ليس صريحا في إثباتها له قال :( وَلكِنْ أَعْبُدُ اللهَ ) أي الجامع لأوصاف الكمال عبادة مستمرة ؛ ثم وصفه بما يوجب الحذر منه ويدل على كمال قدرته( الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ ) بانتزاع أرواحكم التي لا شيء عندكم يعدلها. فلا تطمعون ـ عند إرادته لنزعها ـ في المحاولة لتوجيه دفاع عن ذلك. وفي هذا الوصف ـ مع ما فيه من الترهيب ـ إشارة إلى الدلالة على الإبداء والإعادة ، فكأنه قيل : الذي أوجدكم من عدم كما أنتم به مقرون بعدمكم بعد هذا الإيجاد وأنتم صاغرون ، فثبت قطعا أنه قادر على إعادتكم بعد هذا الإعدام بطريق الأولى فاحذروه لتعبدوه كما أعبده فإنه قد أمرني بذلك وأنتم تعرفون غائلة الملك إذا خولف ، وقال( إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍ ) مع أنهم يصرحون ببطلان دينه ، لأنهم في حكم الشاك لاضطرابهم عند ورود الآيات ، أو لأن فيهم الشاك فغلب لأنه أقرب إلى الحيز ؛ والشك : وقوف بين المعنى ونقيضه ، وضده الاعتقاد فإنه قطع بصحة المعنى دون نقيضه ، وعبر ب( مِنْ ) إشارة إلى أن فعلهم ذلك ابتدأ من الدين ، ولو عبر ب( فِي ) لأفهم أنهم دخلوا فيه لأنهم في الشك والشك في الدين ، والظرف لظرف الشيء ظرف لذلك الشيء ، وترك العطف إشارة إلى أن كل جواب منها كاف على حياله.

ولما قرر ما هو الحقيق بطريق العقل ، أتبعه بما ورد من النقل بتأييده وإيجابه بقوله :( وَأُمِرْتُ ) أي بأمر جازم ماض ممن لا أمر لأحد معه ، وعظم المأمور به بجعله عمدة الكلام بإقامته مقام الفاعل فقال :( أَنْ أَكُونَ ) أي دائما كونا جبليا ، ولما كان السياق لما يحتمل الشك من الأمر الباطن ، عبر بالإيمان الذي هو للقلب فقال :( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) أي الراسخين في هذا الوصف( وَأَنْ أَقِمْ ) أي أيها الرسول( وَجْهَكَ ) أي كليتك على سبيل الإخلاص الذي لا شوب فيه( لِلدِّينِ ) فوصل أولا كلمة «أن» بمعنى الأمر أي( أَنْ أَكُونَ ) دون «أكن» وثانيا بلفظه وهو( أَقِمْ ) جمعا بين الأسلوبين ، وكلاهما بمعنى المصدر ، وخص الثاني بذلك لطوله لأنه كالتفصيل للأول فالخطاب فيه أوكد وألذ ، وقوله :( حَنِيفاً ) حال من فاعل «أقم» ومعناه : مسلما ميالا مع الدليل ـ كما أوضحته في البقرة ، أي أجمع بين الإيمان بالقلب والإسلام بالجوارح( وَلا تَكُونَنَ ) أي في وقت من الأوقات( مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) الذين هم على ضد صفة الإسلام من الجفاء والغلظة والجمود والقسوة.

٤٩٤

( وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧) قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨) وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (١٠٩) )

ولما نهاه عن الشرك ، أكده بما هو كالتعليل له بما يلزمه من العبث بالخضوع لما لا ضر فيه ولا نفع بقوله تعالى :( وَلا تَدْعُ ) أي في رتبة من الرتب الكائنة( مِنْ دُونِ اللهِ ) أي الذي بيده كل شيء( ما لا يَنْفَعُكَ ) أي إن فعلت شيئا من ذلك فأتاك بأسنا( وَلا يَضُرُّكَ ) أي إن أقمت على طاعتنا مع نصرنا( فَإِنْ فَعَلْتَ ) أي شيئا مما نهيناك عنه( فَإِنَّكَ إِذاً ) إذا دعوت ذلك الغير بسبب ذلك( مِنَ الظَّالِمِينَ ) أي العريقين في وضع الدعوة في غير محلها لأن ما هو كذلك في غاية البعد عن منصب الإلهية ؛ ثم قال تعالى عاطفا على قوله( فَإِنْ فَعَلْتَ : وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ ) أي الذي لا راد لأمره( بِضُرٍّ ) أي أيّ ضر كان على أي وجه كان وإن كان ظاهرا جدا بما أنبأ عنه الإظهار( فَلا كاشِفَ لَهُ ) أي أصلا بوجه من الوجوه( إِلَّا هُوَ ) لأنه أراده وما أراده لا يكون غيره فلا ترج سواه في أن يبذله بخير ، وعبر بالمس لأنه أخوف( وَإِنْ يُرِدْكَ ) أي مطلق إرادة( بِخَيْرٍ فَلا ) أي أصابك لا محالة فإنه لا( رَادَّ ) ونبه على أنه لا يجب عليه سبحانه شيء بأن وضع مكان الضمير قوله :( لِفَضْلِهِ ) أي عمن يريده به كما يفعل بعض العاتين من أتباع ملوك الدنيا في رد بعض ما يريدون ، بل هو بحيث لا ينطق أحد إلا بإذنه فلا تخش غيره ، فالآية من الاحتباك : ذكر المس أولا دليلا على إرادته ثانيا ، والإرادة ثانيا دليلا على حذفها أولا ، ولم يستثن في الإرادة كما استثنى في الكشف لأن دفع المراد محال ، وعبر بالإرادة في الخير وبالمس في الضير تنبيها على أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم مراد بالخير بالذات وبالضر بالعرض تطييبا لقلبه لما تكرر في هذه السورة من الإخبار بإحقاق العذاب على الفاسقين والإيئاس من الظالمين ، فلما تقرر ذلك حسن موقع قوله مبينا لحال ذلك الفضل :( يُصِيبُ بِهِ ) أي بذلك الفضل أو بالذي تقدم من الخير والضير( مَنْ يَشاءُ ) أي كائنا من كان من أدنى وأعلى ، وبين العلة في كونهم مقهورين بقوله :( مِنْ عِبادِهِ ) وهذا كله إشارة إلى أن ما أوجب الإعراض عن معبوداتهم بانسلاله عنها أوجب الإقبال عليه بثبوته له واختصاصه به ، وختم الآية بقوله :( وَهُوَ الْغَفُورُ ) أي البليغ الستر للذنوب( الرَّحِيمُ ) أي البالغ في الإكرام إشارة إلى أن إصابته بالخير لا يمكن أن يكون إلا فضلا منه بعد الستر للذنوب والرحمة للضعف ، فهو الحقيق بأن يعبد ؛ والمس : اجتماع

٤٩٥

التباين من غير نقص ، ونظيره المطابقة ، والمجامعة نقيضها المباينة ؛ والكشف : رفع الستار ، جعل الضر كأنه مانع من إدراك الإنسان وساتر له.

ولما كثرت في هذه السورة الأوامر والنواهي والأجوبة بسبب ما يقترحونه على وجه التعنت ، وختم بأن من دعا غيره كان راسخا في الظلم لا مجير له منه ، ختم ذلك بجواب معلم بأن فائدة الطاعة ليست راجعة إلا إليهم ، وضرر النفور ليس عائدا إلا عليهم فقال تعالى :( قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ ) أي غاية كل من له قابلية التحرك والاضطراب( قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُ ) أي الكامل بهذا الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم وهذا الكتاب ، وذلكم خير عظيم أصابكم الله به ، وزاد الرغبة فيه بقوله :( مِنْ رَبِّكُمْ ) أي المحسن إليكم( فَمَنِ ) أي فتسبب عن ذلك أنه من( اهْتَدى ) أي آمن بمحمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم وعمل بما في الكتاب( فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ) أي لأنه تبع الحق الثابت وترك الباطل الزائل فأنقذ نفسه من النار وأوجب لها الجنة( وَمَنْ ضَلَ ) أي كفر بهما أو بشيء منهما( فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ) لأنه ترك الباقي وتمسك بما ليس في يده منه شيء لأنه فان فقد غر نفسه( وَما أَنَا ) ولما كان السياق لنفي تصرفه فيهم وأن ذلك إنما هو إلى الله تعالى ، كان تقديم ضميرهم أهم فقال :( عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ) فيطلب مني حفظكم مما يؤدي إلى الهلاك ومنعه عنكم كما يطلب من الوكيل.

ولما كان أكثر ذلك وعظا لهم وتذكيرا ختمه بأمرهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بما يفعله في خاصة نفسه أجابوا أو لمن يجيبوا ، فقال عطفا على قوله( قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ : وَاتَّبِعْ ) أي بجميع جهدك( ما يُوحى إِلَيْكَ ) وبناه للمفعول لأن ذلك كان بعد أن تقررت عصمتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وعلم أن كل ما يأتيه من عند الله ، فكان ذلك أمكن في أمره باتباع كل ما يأتيه منه سبحانه وفي الإيذان بأنه لا ينطق عن الهوى( وَاصْبِرْ ) في تبليغ الرسالة على ما أصابك في ذلك من عظيم الضرر وبليغ الخطر من ضلال من لم يهتد وإعراضه وجفوته وأذاه( حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ ) أي الملك الأعظم بين من ضل من أمتك ومن اهتدى( وَهُوَ ) أي وحده( خَيْرُ الْحاكِمِينَ ) لأنه يوقع الحكم في أولى مواقعه وأحقها وأحسنها وأعدلها ، وهو المطلع على السرائر فاعمل أنت بما تؤمر به وبشر وأنذر وأخبر وادع إلى الله بجميع ما أمرك به واترك المدعوين حتى يأمرك فيهم بأمره ؛ قال الزمخشري : وروي أنها لما نزلت هذه الآية جمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم الأنصار فقال : إنكم ستجدون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني(١) وتبعه على ذلك أبو حيان وغيره ، فإن صح فالسر فيه ـ والله أعلم ـ أنه لما

__________________

(١) صحيح. أخرجه البخاري ٣١٦٣ و ٣٧٩٤ و ٢٣٧٦ والنسائي في الكبرى ٨٣٣٥ وابن حبان ٧٢٧٥ والطيالسي ١٩٦٩ وأبو يعلى ٣٦٤٩ والحاكم ٤ / ٧٩ وأحمد ٣ / ٢٢٤ و ١١١ و ١٨٢ و ١٧١ من حديث أنس.

٤٩٦

أعلمت هذه الآية أن من اتبع الوحي ابتلي بما ينبغي الصبر عليه وأفهمت أن من كان له أشد اتباعا كان أشد بلاء ، وكان الأنصار رضي الله عنهم أجمعين أحق بهذا الوصف من غيرهم من حيث إنهم كانوا أول قبيلة جمعها الإيمان ومن حيث كانوا له أسهل قيادا وألين عريكة مع كونهم لم يتقدم لهم عشرة بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ولا خبرة بأحواله توجب لهم من اتباعه ما يوجب لمن كان من بني عمه قريش يخالطه ويأنس به ويرى منه معالي الأخلاق وكريم الشمائل ما يوفر داعيته على اتباعه ، فلما كان ذلك كذلك ، خص النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم الأنصار رضي الله عنهم لهذا الأمر ، فتفضيلهم في ذلك من الجهتين المذكورتين فلا يتوهم تفضيلهم على المهاجرين بل المهاجرون أفضل لأنهم جمعوا إلى النصرة الهجرة مع أن أكثرهم له من قرب النسب من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم والسبق في الإسلام حظ وافر. هذا ما ظهر لي من مناسبته على تقدير الصحة. والذي في الصحيح عن أنس رضي الله عنه أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أراد أن يقطع للأنصار من البحرين فقالت الأنصار : حتى تقطع لإخواننا من المهاجرين مثل الذي تقطع لنا ، وقال : سترون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني(١) فهذا فيه أن السبب حرصهم على الإنصاف وهو يدل على أن المنصف يقل إنصاف الناس له وهو أمر مستقرى : والوحي : إلقاء المعنى إلى النفس في خفاء. وهو هنا ما يجيء به الملك إلى النبيعليهما‌السلام عن الله تعالى فيلقيه إليه على اختصاصه به من غير أن يرى ذلك سواه من الناس ؛ والصبر : تجرع مرارة الامتناع من المشتهي إلى الوقت الذي ينبغي فيه تعاطيه ويعين عليه العلم بعاقبته وكثرة الفكر في الخبر الذي ينال به ، واعتياد الصبر في خصلة يسهل الصبر في خصلة أخرى لأن الخير يدعو إلى الخير فتمكن الإنسان في خصلة يصير له ملكة تدعوه إلى ماشاكلها ، وقد ختم سبحانه السورة بما ابتدأها به من أمر الكتاب والإشارة إلى الإرشاد لما ينفع من ثمرة إنزاله وهو العمل بما دل عليه أو أشار إليه إلى أن ينجلي الحكيم الذي انزله للحكم في الدنيا أو في الآخرة بما لا مرد له مما برزت به مواعيده الصادقة في كلماته التامة ، وهذا لعينه هو أول التي بعدها ، فكان ختم هذه السورة وسطا بين أولها وأول التي تليها ، ففيه رد المقطع على المطلع وتتبع لما استتبع والله الموفق.

__________________

(١) تقدم تخريجه في الذي قبله.

٤٩٧

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة هود

مكية ـ آياتها مائة وثلاث وعشرون

( الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣) )

مقصودها وصف الكتاب بالإحكام والتفصيل في حالتي البشارة والنذارة المقتضي ذلك لمنزله سبحانه وضع كل شيء في أتم محاله وإنفاذه مهما أريد الموجب للقدرة على كل شيء ، وأنسب ما فيها لهذا المقصد ما ذكر في سياق قصة هودعليه‌السلام من أحكام البشارة والنذارة بالعاجل والآجل والتصريح بالجزم بالمعالجة بالمبادرة الناظر إلى أعظم مدارات السورة( فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ ) والعناية بكل دابة والقدرة على كل شيء من البعث وغيره المقتضي للعلم بكل معلوم اللازم منه التفرد بالملك. وسيأتي في الأحقاف وجه اختصاص كل منهما باسمهما( بِسْمِ اللهِ ) أي الذي له تمام العلم وكمال الحكمة وجميع القدرة( الرَّحْمنِ ) لجميع خلقه بعموم البشارة والنذارة( الرَّحِيمِ ) لأهل ولايته بالحفظ في سلوك سبيله( الر ) .

لما ختمت السورة التي قبلها ـ كما ترى ـ بالحث على اتباع الكتاب ولزومه والصبر على ما يتعقب ذلك من مرائر الضير المؤدية إلى مفاوز الخير اعتمادا على المتصف بالجلال والكبرياء والكمال. ابتدئت هذه بوصفه بما يرغب فيه ، فقال بعد الإشارة إلى إعادة القرع بالتحدي على ما سلف في البقرة :( كِتابٌ ) أي عظيم جامع لكل خير ، ثم وصفه بقوله :( أُحْكِمَتْ ) بناه للمفعول بيانا لأن إحكامه أمر قد فرغ منه على أيسر وجه عنه سبحانه وأتقن إتقانا لا مزيد عليه( آياتُهُ ) أي أتقنت إتقانا لا نقص معه فلا ينقصها الذي أنزلها بنسخها كلها بكتاب آخر ولا غيره ، ولا يستطيع غيره نقص شيء منها ولا الطعن في شيء من بلاغتها أو فصاحتها بشيء يقبل ، والمراد ب( مُحْكَماتٌ ) في آل عمرن عدم التشابه.

ولما كان للتفصيل رتبة هي في غاية العظمة ، أتى بأداة التراخي فقال :( ثُمَ ) أي

٤٩٨

وبعد هذه الرتبة العالية التي لم يشاركه في مجموعها كتاب جعلت له رتبة أعلى منها جدا بحيث لم يشاركه في شيء منها كتاب وذلك أنه( فُصِّلَتْ ) أي جعلت لها ـ مع كونها مفصلة إلى حلال وحرام وقصص وأمثال ـ فواصل ونهايات تكون بها مفارقة لما بعدها وما قبلها ، يفهم منها علوم جمة ومعارف مهمة وإشارات إلى أحوال عالية ، وموارد عذبة صافية ، ومقامات من كل علة شافية ، كما تفصل القلائد بالفرائد ، وهذا التفصيل لم يشاركه في شيء منه شيء من الكتب السالفة ، بل هي مدمجة إدماجا لا فواصل لها كما يعرف ذلك من طالعها ، ويكفي في معرفة ذلك ما سقته منها في تضاعيف هذا الكتاب ، وما أنسب ختام هذه الآية للإحكام والتفصيل بقوله :( مِنْ لَدُنْ ) أي نزلت آياته محكمة مفصلة حال كونها مبتدئة من حضرة هي أغرب الحضرات الكائنة من إله( حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) منتهية إليك وأنت أعلى الناس في كل وصف فلذلك لا يلحق إحكامها ولا تفصيلها ، أرسلناك به قائلا :( أَلَّا تَعْبُدُوا ) أي بوجه من الوجوه( إِلَّا اللهَ ) أي الإله الأعظم.

ولما كان هذا معظم ما أرسل بهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ومداره ، استأنف الإخبار بأنه أرسله سبحانه مؤكدا له لأجل إنكارهم فقال :( إِنَّنِي ) ولما كان إرسالهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لأجل رحمة العالمين ، قدم ضميرهم فقال :( لَكُمْ مِنْهُ ) أي خاصة ، ثم أجمل القرآن كله في وصفيهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بقوله : مقدما ما هو أنسب لختام التي قبلها بالصبر :( نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ) كامل في كل من الوصفين غاية الكمال ، وهذا التقدير يرشد إليه قوله تعالى أول التي قبلها( أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ ) [يونس : ٢] مع إيضاحه لما عطف عليه قوله تعالى :( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ ) أن [هود : ٢٥] عطفناه عليه ، وإظهاره لفائدة عطفه كما سيأتي إن شاء الله تعالى ، ويرجح أن «لا» ناهية جازمة ل( تَعْبُدُوا ) عطف( أَنِ اسْتَغْفِرُوا ) عليه ، فقد ظهر من تلويح هذا وتصريحه وتصريح ما في بقية السورة أن مقصودها وصف الكتاب بالإحكام والتفصيل بما يعجز الخلق لأنه من عند من هو شامل العلم كامل القدرة فهو بالغ الحكمة يعيد الخلق للجزاء كما بدأهم للعمل فوجب إفراده بالعبادة وأن يمتثل جميع أمره ، ولا يترك شيء منه رجاء إقبال أحد ولا خوف إدباره ، ولا يخشى غيره. ولا يركن إلى سواه ، على ذلك مضى جميع النبيين ودرج سائر المرسلينصلى‌الله‌عليه‌وسلم أجمعين.

ولما تقدم أنه نذير وبشير. أتبع ذلك بما يشمل الأمرين بقوله عطفا على( أَلَّا تَعْبُدُوا ) مشيرا إلى أنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره :( وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ) أي اطلبوا مع الإخلاص في العبادة أن يغفر لكم المحسن إليكم ما فرطتم فيه ؛ وأشار بأداة التراخي إلى علو رتبة التوبة وأن لا سبيل إلى طلب الغفران إلا بها فقال :( ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ) أي ارجعوا بالظاهر والباطن رجوعا لا رجعة فيه وإن كان المراد بها الدوام فجليل

٤٩٩

رتبته غير خفي( يُمَتِّعْكُمْ ) أي يمد في تلذيذكم بالعيش مدا ، من متع النهار : ارتفع ، والضحى : بلغ غايته ، وأمتعه الله بكذا : أبقاه وأنشأه إلى أن يبلغ شبابه ؛ ولما ، كان التمتيع ـ وهو المتاع البالغ فيه حتى لا يكون فيه كدر ـ لا يكون إلا في الجنة فلذلك جعل المصدر( مَتاعاً ) وأنه وضع موضع «تمتيعا» ، هذا المصدر ووصفه بقوله :( حَسَناً ) ليدل على أنه أنهى ما يليق بهذه الدار ، ولقد كان ما أوتيه الصحابة رضي الله عنهم في زمن عمر رضي الله عنه من الظفر بالإهداء وسعة الدنيا ورغد العيش كذلك( إِلى ) أي ممتدا إلى( أَجَلٍ مُسَمًّى ) أي في علمه إما بالموت لكل واحد أو بانقضاء ما ضربه من الأجل للنعمة التي أشار إليها( وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ ) أي عمل فاضل( فَضْلَهُ ) أي جزاء ما قصد بعمله على وجه التفضيل منه سبحانه فإنه لا يجب لأحد عليه شيء ، وهو مع ذلك على حسب التفضيل : الحسنة بعشرة أمثالها ؛ قال ابن مسعود : وهلك من غلبت آحاده عشراته.

ولما انقضى التبشير مجزوما به ، أتبعه التحذير مخوفا منه لطفا بالعباد واستعطافا لهم فقال :( وَإِنْ تَوَلَّوْا ) أي تكلفوا أنفسكم ضد ما طبعها الله عليه من سلامة الفطرة وسهولة الانقياد من الإعراض ولو أدنى درجاته بما أشار إليه حذف التاء( فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ ) أي والعاقل من أبعد عن المخاوف( عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ) أي لكبر ما فيه من العذاب ممن قدر على إثباتكم ، وخص اسم الرب تذكيرا بما له من النعم في الإيجاد والإنشاء والتربية ؛ ولما كان الاستغفار ـ وهو طلب الغفران ـ مطلوبا في نفسه لكنه لا يعتبر إلا إذا قرن بالتوبة ، عطف عليه ب( ثُمَ ) إشارة إلى عظيم رتبتها وعلى منزلتها وإن كان المراد بها الدوام عليها فجليل رتبته غير خفي ، وفي التعبير عن العمل بالفضل إشارة إلى أنه لم يقع التكليف إلا بما في الوسع مع أنه من معالي الأخلاق ، لأن الفضل في الأصل ما فضل عن الإنسان وتعانيه من كريم الشمائل ، وما كان كذلك فهو في الذروة من الإحكام ، لأنه منع الفعل من الفساد ؛ والحكيم من الحكمة وهي العلم بما يجمع عليه مما يمنع الفعل من الفساد والنقض ، وبها يميز الحسن من القبيح والفاسد من الصحيح ، وقد أشارت الآية إلى أن الاستغفار والتوبة سبب السعة( وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ) [المائدة : ٦٦] وأن الإعراض سبب الضيق ، كما قالصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه»( وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ) إشارة إلى ثواب الآخرة ، فالتوبة سبب طيب العيش في الدنيا والآخرة.

وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير في كتابه في مناسبة هذه السورة للتي قبلها : ولما كانت سورة يونسعليه‌السلام قد تضمنت ـ من آي التنبيه والتحريك للفطر ومن العظات والتخويف والتهديد والترهيب والترغيب وتقريع المشركين والجاحدين والقطع بهم

٥٠٠