نظم الدّرر الجزء ٣
0%
مؤلف: برهان الدين البقاعي
تصنيف: علوم القرآن
الصفحات: 603
0%
مؤلف: برهان الدين البقاعي
تصنيف: علوم القرآن
الصفحات: 603
شيء ، بل له أن يخلد العاصين في الجنة ويخلد الطائعين في النار ، ولكنه كما ثبت ذلك ليعتقد لكونه من صفة الكمال ثبت أنه لا يفعل ذلك سبحانه ولا يبدل القول لديه لأن ذلك من صفات الكمال أيضا مع أن في ختم الآية بذلك ترجية لأهل النار في إخراجهم منها زيادة في عذابهم.
( وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨) فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠) وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١) فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) )
ولما تم أمر الأشقياء ، عطف عليه قسيمهم فقال :( وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا ) أي فازوا بمطالبهم وتيسر أمرهم( فَفِي الْجَنَّةِ ) أي التي صارت معلومة من الدين بالضرورة( خالِدِينَ فِيها ) دائما أبدا( ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ ) على ما جرت به عادة العرب في إرادة التأبيد بلا آخر بمثل هذا( إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ ) وأدل دليل على ما قلت في الاستثناء قوله :( عَطاءً ) هو نصب على المصدر( غَيْرَ مَجْذُوذٍ ) أي مقطوع ولا مكسور ولا مفصول ـ لعطاء من الأعطية ولا مفرق ولا مستهان به : لأنهم لو انفكوا من النعيم حقيقة أو معنى ولو لحظة لكان مقطوعا أو منقوصا ؛ وفي الختم بذلك من الجزم بالدوام طمأنينة لأهل الجنة زيادة في نعيمهم عكس ما كان لأهل النار ؛ قال أبو الحسن الرماني : والزفير : ترديد النفس مع الصوت حتى تنتفخ الضلوع ، وأصله الشدة من المزفور الخلق ، والزفر : الحمل على الظهر ، لشدته ، والزفر : السيد لأنه يطيق حمل الشدائد ، وزفرت النار ـ إذا سمعت لها صوتا في شدة توقدها ، والشهيق : صوت فظيع يخرج من الجوف بمد النفس ، وأصله الطول المفرط من قولهم : جبل شاهق أي ممتنع طولا ؛ والخالد : الكائن في الشيء أبدا ؛ والدائم : الباقي أبدا ، ولهذا يوصف الله تعالى بالدائم دون الخالد.
ولما أخبره تعالى بوقوع القضاء بتمييز الناس في اليوم المشهود إلى القسمين المذكورين على الحكم المشروح مرهبا ومرغبا ، كان ذلك كافيا في الثبات على أمر الله والمضيّ لإنفاذ جميع ما أرسل به وإن شق اعتمادا على النصرة في ذلك اليوم بحضرة تلك الجموع ، فكان ذلك سببا للنهي عن القلق في شيء من الأشياء وإن جل وقعه وتعاظم خطبه ، فقال تعالى :( فَلا ) ولما كان ما تضمنه هذا التقسيم أمرا عظيما وخطبا
جسيما ، اقتضى عظيم تشوف النفس وشديد شوقها لعلم ما سبب عنه ، فاقتضى ذلك حذف النون من «كان» إيجازا في الكلام للإسراع بالإيقاف على المراد والإبلاغ في نفي الكون على أعلى الوجوه فقال :( تَكُ ) أي في حالة من الأحوال( فِي مِرْيَةٍ ) والمرية : الشك مع ظهور الدلالة للتهمة ـ قاله الرماني( مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ) أي لا تفعل فعل من هو في مرية بأن تضطرب من أجل ما يعبدون مواظبين على عبادتهم مجددين ذلك في كل حين فتنجع نفسك في إرادة مبادرتهم إلى امتثال الأوامر في النزوع عن ذلك بالكف عن مكاشفتهم بغائظ الإنذار والطلب لإجابة مقترحاتهم رجاء الازدجار كما مضى في قوله تعالى( فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ ) ـ الآية ، وذلك أن مادة مرى ـ بأيّ ترتيب كان ـ تدور على الاضطراب ، وقد يلزمه الطرح والفصل : رمى يرمي رميا ، والمرماة : ظلف الشاة لأنه يطرح ، والرمي : قطع من السحاب رقاق ؛ والريم : البراح ، ما يريم يفعل كذا : ما يزال ، والريم : الدرج للاضطراب فيها ، والقبر لنبذه في جانب من الأرض وطرح الميت فيه ، وريم فلان بالمكان : أقام به مجاوزا لغيره منفصلا عنه كأنه رمى بنفسه فيه ، وريمت السحابة ـ إذا دامت فلم تقلع ، لأن من شأنها رمي القطر ، ومرى الضرع : مسحه للحلب ، والريح تمري السحاب ، والمري : المعدة لقذفها ما فيها ، والمرية : الشك ، أي تزلزل الاعتقاد ، والميرة : جلب الطعام ؛ ثم استأنف تعالى خبرا هو بمنزلة العلة لذلك فقال :( ما يَعْبُدُونَ ) أي يوقعون العبادة على وجه الاستمرار( إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ ) ولما كانت عبادتهم في قليل من الزمن الماضي أدخل الجار فقال :( مِنْ قَبْلُ ) أي أنهم لم يفعلوا ذلك لشبهة إذا كشف عنها القناع رجعوا ، بل لمحض تقليد الآباء مع استحضارهم لتلبسهم بالعبادة كأنهم حاضرون لديهم يشاهدونهم مع العمى عن النظر في الدلائل والحجج كما كان من قصصنا عليك أخبارهم من الأمم في تقليد الآباء سواء بسواء مع عظيم شكيمتهم وشدة عصبتهم للأجانب فكيف بالأقارب فكيف بالآباء! فأقم عليهم الحجة بإبلاغ جميع ما نأمرك به كما فعل من قصصنا عليك أنباءهم من إخوانك من الرسل غير مخطر في البال شيئا مما قد يترتب عليه إلى أن ينفذ ما نريد من أوامرنا كما سبق في العلم فلا تستعجل فإنا ندبر الأمر في سفول شأنهم وعلو شأنك كما نريد( وَإِنَّا ) بما لنا من العظمة( لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ ) من الخير والشر من الآجال وغيرها وما هو ثابت ثباتا لا يفارق أصلا ؛ ولما كانت التوفية قد تطلق على مجرد الإعطاء وقد يكون ذلك على التقريب ، نفى هذا الاحتمال بقوله :( غَيْرَ مَنْقُوصٍ ) والنصيب : القسم المجعول لصاحبه كالحظ ؛ والمنقوص : المقدار المأخوذ جزء منه ؛ والنقص : أخذ جزء من المقدار.
ولما ذكر في هذه الآية إعراضهم عن الإتباع مع ما أتى به من المعجزات وأنزل عليه من الكتاب ، سلاه بأخيه موسىعليهماالسلام لأن الحال إذا عم خف ، وابتدأ ذكره بحرف التوقع بما دعا إلى توقعه من قرب ذكره مع فرعون مع ذكر كتابه أول السورة فقال تعالى :( وَلَقَدْ آتَيْنا ) أي بما لنا من العظمة( مُوسَى الْكِتابَ ) أي التوراة الجامعة للخير.
ولما كان الضار والمسلي نفس الاختلاف ، بني للمفعول قوله :( فَاخْتُلِفَ فِيهِ ) فآمن به قوم وكفر به آخرون مع أنه إمام ورحمة وكتب سبحانه له فيه من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء ، وكان معجبا لأهل ذلك الزمان كما اختلف في كتابك مع إعجابه لأهل هذا الزمان وبيانه للهدى أتم بيان ، إشارة إلى أن الخلق مهما جاءهم عن الله ، وهو لا يكون إلّا مصحوبا بالأدلة القاطعة نأوا عنه واختلفوا فيه ، ومهما تلقفوه عن آبائهم تلقوه بالقبول وناضلوا عنه وسمحوا فيه بالمهج وإن كان منابذا للعقول ، فكان قوم موسى باختلافهم في الكتاب كل قليل يأبى فريق منهم بعض أحكامه ويريدون نقض إبرامه كما سلف بيانه غير مرة عن نص التوراة وسفر يوشع إلى أن آل أمرهم الآن إلى أن صاروا ثلاث فرق : ربانيين ، وقرابين ، وسامرة ؛ يضلل بعضهم بعضا ، ومع ذلك فلم يعاجلهم بالأخذ مع قدرته على ذلك كما فعل بمن قص أمره من الأمم لما سبق من حكمه بتأخيرهم إلى الأجل المعدود ، وفصل بين هذا وبين قصة موسىعليهالسلام مع فرعون ليكون مع ما دعا إلى تقديم ما تقدم من الآيات أوقع في التسلية وأبلغ في التعزية والتأسية كما هو شأن كل ما ألقي إلى المحتاج شيئا فشيئا( وَلَوْ لا كَلِمَةٌ ) أي عظيمة لا يمكن تغييرها لأنها من كلام الملك الأعظم( سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ ) أي المحسن إليك وإليهم بإرسالك رحمة للعالمين( لَقُضِيَ ) أي لوقع القضاء( بَيْنَهُمْ ) أي بين من اختلف في كتاب موسى عاجلا ، ولكن سبقت الكلمة أن القضاء الكامل إنما يكون يوم القيامة كما قال في سورة يونس( فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ ) ـ الآية.
ولما كان الاختلاف قد يكون بغير الكفر بين أنه به ، فقال مؤكدا لأن كل طائفة من اليهود تنكر شكها فيه وفعلها فعل الشاك :( وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍ ) أي عظيم محيط بهم( مِنْهُ ) أي من القضاء أو الكتاب( مُرِيبٍ ) أي موقع في الريب والتهمة والاضطراب مع ما رأوا من الآيات التي منها سماع كلام الله ورؤية ما كان يتجلى في جبل الطور من الجلال ويتبدى لهم في قبة الزمان من خارق الأحوال( وَإِنَّ كُلًّا ) من المختلفين في الحق من قوم موسى وغيرهم ممن هو على الحق وممن هو على الباطل ؛ و( إِنَ ) عند نافع وابن كثير وأبي بكر عن عاصم عاملة مع تخفيفها من الثقيلة في قراءة غيرهم اعتبارا
بأصلها( لَمَّا ) هي في قراءة ابن عامر وحمزة وعاصم بالتشديد الجازمة حذف فعلها ـ قال ابن الحاجب : وهو شائع فصيح ، وفي قراءة غيرهم بالتخفيف مركبة من لام الابتداء و (ما) المؤكدة بنفي نقيض ما أثبته الكلام ليكون ثبوته مع نفي نقيضه على أبلغ وجه.
ولما كان الشرط في حذف الفعل بعد «لما» الجازمة أن يكون مما يتوقع بوقوع فعل قبلها يدل عليه ، كان التقدير : يقض بينهم ، وسيقضي وهو معنى ما قرن بعدها بلام القسم من قوله :( لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ ) أي المحسن إليك بإقامتك على المنهاج الأعدل والفضل من العباد( أَعْمالَهُمْ ) لا يدع منها شيئا لأنه لا يخفى عليه منها شيء ، والسياق يقتضي أن يكون (ما) في( لَمَّا ) في قراءة التخفيف للتأكيد على النحو الذي مر غير مرة أن النافي إذا زيد في سياق الإثبات كان كأنه نفي النقيض تأكيدا لمثبت( إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ ) قدم الظرف لتأكيد الخبر( خَبِيرٌ ) فإذا علمت أن شأنك في أمتك شأن الرسل في أممهم وأنه لا بد من الاختلاف في شأن الرسول والكتاب كما جرت بذلك السنة الإلهية وأن الجزاء بالأعمال كلها لا بد منه( فَاسْتَقِمْ ) أي أوجد القوم بغاية جهدك بسبب أنك لا تكلف إلّا نفسك وأن الذي أرسلك لا يغفل عن شيء ، ومن استقام استقيم له.
ولما كان من المقطوع به أن الآمر لهصلىاللهعليهوسلم من له الأمر كله ، بني للمفعول قوله :( كَما أُمِرْتَ ) أي كما استقام إخوانك من الأنبياء في جميع الأصول والفروع سواء كان في نفسك أو في تبليغ غيرك معتدلا بين الإفراط والتفريط ولا يضيق صدرك من استهزائهم وتعنتهم واقتراحهم للآيات وإرادتهم أن تترك بعض ما يوحى إليك من التشنيع عليهم والعيب لدينهم بل صارحهم بالأمر واتركهم وأهواءهم ، نحن ندبر الأمر كما نريد على حسب ما نعلم.
ولما كان الفاصل بين المعطوف والمعطوف عليه يقوم مقام تأكيد الضمير المستتر ، عطف عليه قوله :( وَمَنْ ) أي وليستقم أيضا من( تابَ ) عن الكفر مؤمنا( مَعَكَ ) على ما أمروا تاركين القلق من استبطائهم للنصرة كما روى البخاري وأبو داود والنسائي عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال : شكونا إلى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم وهو متوسد بردة في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة فقلنا : ألا تدعو الله لنا ، فقعد وهو محمر وجهه فقال : كان الرجل فيمن كان قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه فيجاء بالمنشار فيوضع فوق رأسه فيشق باثنين ، وما يصده ذلك عن دينه ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم
تستعجلون(١) ؛ وعن ابن عباس رضي الله عنهما : ما نزلت على النبيصلىاللهعليهوسلم آية أشد ولا أشق من هذه الآية. والاستقامة : الاستمرار في جهة واحدة.
ولما كانت وسطا بين إفراط وتفريط وكان التفريط لا يكاد يسلم منه إلا الفرد النادر ، وهو في الأغلب يورث انكسار النفس واحتقارها والخوف من الله ، وكان الإفراط يورث إعجابا ، وربما أفضى بالإنسان إلى ظن أنه شارع فينسلخ لذلك من الدين ، طوى التفريط ونهى عن الإفراط فقال :( وَلا تَطْغَوْا ) أي تتجاوزوا الحد فيما أمرتم به أو نهيتم عنه بالزيادة إفراطا ، فإن الله تعالى إنما أمركم ونهاكم لتهذيب نفوسكم لا لحاجته إلى ذلك ولن تطيقوا أن تقدروا الله حق قدره ، والدين متين لن يشاده أحد إلا غلبه ، فقد رضي منكم سبحانه الاقتصاد في العمل مع حسن المقاصد ، ويجوز أن يكون المعنى : ولا تبطركم النعمة فتخرجكم عن طريق الاستقامة يمنة أو يسرة.
ولما نهي عن الإفراط وهو الزيادة تصريحا ، فأفهم النهي عن التفريط ، وهو النقص عن المأمور تلويحا من باب الأولى ، على ذلك مؤكدا تنزيلا لمن يفرط أو يفرط منزلة المنكر فقال :( إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ ) قدم الظرف لما تقدم من تأكيد الإبصار( بَصِيرٌ ) ومادة «طغى» واوية ويائية بكل ترتيب تدور على مجاوزة الحد مع العلو ، فالغطاء : ما ستر به الشيء عاليا عليه ، ولا يكون ساترا لجميعه إلا إذا فضل عنه فتجاوز حده ، وغطى الليل ـ إذا غشي ، وكل شيء ارتفع فهو غاط. وطغى السيل ـ إذا جاء بماء كثير ، والبحر : هاجت أمواجه ، والطغيان : مجاوزة الحد في العصيان ، والغائط والغيط : المطمئن من الأرض ، لأن ما كان كذلك وكانت أرضه طيبة كانت لا تزال ريّا فيعلو ما نبت فيها ويخصب فيتجاوز الحد في ذلك ، ومنه الغوطة ـ لموضع بالشام كثير الماء والشجر.
( وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (١١٣) وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥) فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ (١١٧) )
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ٦٩٤٣ و ٣٨٥٢ وأبو داود ٢٦٤٩ والنسائي ٨ / ٢٠٤ وابن حبان ٢٨٩٧ و ٦٦٩٨ والطبراني ٤ / (٣٦٣٨) و (٣٦٣٩) و (٣٦٤٠) والبيهقي ٦ / ٥ وأحمد ٥ / ١٠٩ و ١١٠ و ١١١ و ٦ / ٣٩٥ كلهم من حديث خباب بن الأرت.
ولما نهي عن الإفراط في الدين ، أتبعه النهي عن التفريط بالتقصير فيه بسفول الهمم على وجه عام ، وكان الحب في الله والبغض منه أوثق عرى الإيمان ، إشارة إلى ضده الذي هو من أوثق عرى الشيطان فقال :( وَلا تَرْكَنُوا ) أي شيئا من ركون ، وقال :( إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) أي وجد منهم الظلم ولم يقل الظالمين ، أي بالميل إليهم بأن تثاقل أنفسكم نحوهم للميل إلى أعمالهم ولو بالرضى بها والتشبه بهم والتزيّي بزيهم ، وحاصل الآيتين : لا تظلموا بأنفسكم ولا تستحسنوا أفعال الظالمين ، وفسر الزمخشري الركون بالميل اليسير ، وهو حسن من جهة المعنى لكني لم أره لغيره من أهل اللغة ، وقال الرماني ـ وهو أقرب : الركون : السكون إلى الشيء بالمحبة والانصباب إليه ، ونقيضه النفور عنه. وهو على التفسير الثاني في( تَطْغَوْا ) من عطف الخاص على العام ، والآية ملتفتة إلى قوله تعالى( فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ) أي فتسبب عن ركونكم إليهم مسّها لكم فلا تقدروا على التخلص منها بنوع حيلة من أنفسكم ؛ ومن إجلال النبيصلىاللهعليهوسلم إفراده بالخطاب في الأمر بأفعال الخير ، والإتيان بضمير الجمع في النهي عن أفعال الشر ـ نبه على ذلك الإمام أبو حيان.
ولما كان كل موجود سوى الله في قهره وتحت أمره ، قال تعالى :( وَما لَكُمْ ) ولما كان دون رتبته تعالى من الرتب والذوات ما لا يحصيه غيره سبحانه ، أدخل الجار تبعيضا فقال :( مِنْ دُونِ اللهِ ) أي الملك الأعظم ، وأعرق في النفي فقال :( مِنْ أَوْلِياءَ ) أي يخلصونكم من عذابه لما تقرر أن( دُونِ ) من الأدون وهو الأقرب إلى جهة السفل ؛ والولي : المختص بأن من شأنه تولي المعونة عند الحاجة ، وأشار إلى أن نصر من لا ناصر له من الله محال بأداة البعد وبناء الفعل للمفعول فقال :( ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ) أي ثم إذا فإنكم هذا وذاك فما أبعدكم من النصرة!
ولما كان العلم حاصلا بما سبق من الحكم من أن الآدمي محل العجز والتقصير ، أتبع ذلك بأعلى مكفر لما يوجبه العجز ويقضي به الفتور والوهن من الصغائر وأعمه وأجلبه للاستقامة ، وذلك يدل على أنها بعد الإيمان أفضل العبادات ، فقال تعالى :( وَأَقِمِ الصَّلاةَ ) أي اعملها على استواء( طَرَفَيِ النَّهارِ ) بالصبح والعصر كما كان مفروضا بمكة في أول الأمر قبل الإسراء ، ويمكن أن يراد مع ذلك الظهر لأنها من الطرف الثاني( وَزُلَفاً ) أي طوائف ودرجات وأوقات ، جمع زلفة( مِنَ اللَّيْلِ ) يمكن أن يكون المراد به التهجد ، فقد كان مفروضا في أول الإسلام ، ويمكن أن يراد المغرب والعشاء مع الوتر أو التهجد ؛ ثم علل ذلك بقوله :( إِنَّ الْحَسَناتِ ) أي الطاعات كلها الصلاة وغيرها المبنية على أساس الإيمان( يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ) أي الصغائر ، وأما الكبائر
التي يعبر عنها بالفواحش ونحوه فقد تقدم في قصة شعيبعليهالسلام عند قوله( ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ) أنه لا يكفرها إلا التوبة لما فيها من الإشعار بالتهاون بالدين ، واجتنابها لا يكفر إلا إذا كان عن نية صالحة كما أفهمه صيغة الافتعال من قوله( إِنْ تَجْتَنِبُوا ) [النساء : ٣١] ؛ روى البخاري في التفسير عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رجلا أصاب من امرأة قبلة ، فأتى رسول اللهصلىاللهعليهوسلم فذكر له ذلك فأنزل الله عليه( أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ ) ـ الآية ، قال الرجل : ألي هذه؟ قال : لمن عمل بها من أمتي(١) . وهذا الحديث يؤيد قول ابن عباس رضي الله عنهما : إن هذه الآية من هذه السورة المكية مدنية.
ولما تم هذا على هذا الوجه الأعلى والترتيب الأولى ، قال تعالى مادحا له ليعرف مقداره فيلزم :( ذلِكَ ) أي الأمر العالي الرتبة الذي تقدم من الترغيب والترهيب والتسلية وتعليم الداء والدواء للخلاص من الشقاء( ذِكْرى ) أي ذكر عظيم( لِلذَّاكِرِينَ ) أي لمن فيه أهلية الذكر والانتباه به بحضور القلب وصفاء الفكر ونفوذ الفهم.
ولما كان الصبر لله على المكاره أعلى الطاعة ، أتبع ذلك قوله :( وَاصْبِرْ ) أي ليكن منك صبر على الطاعات وعن المعاصي ولا تترك إنذارهم بما أمرت به مهما كان ولا تخفهم ، فإن العاقبة لك إذا فعلت ؛ ولما كان مقام الصبر صعبا والاستقامة على المحمود منه خاصة خطرا ، وكانت النفس ـ لما لها من الجزع في كثير من الأحوال ـ كالمنكرة ، أكدّ قوله :( فَإِنَ ) الصبر هو الإحسان كل الإحسان وإن( اللهَ ) أي المحيط بصفات الكمال( لا يُضِيعُ ) أي بوجه من الوجوه( أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) أي العريقين في وصف الإحسان بحيث إنهم يعبدون الله كأنهم يرونه ، فلذلك يهون عليهم الصبر ، وذلك لأن الطاعة كلفة فلا تكون إلا بالصبر ، وكل ما عداها فهو هوى النفس لا صبر فيه ، فالدين كله صبر «حفت الجنة بالمكاره والنار بالشهوات»(٢) ولذا فضل ثواب الصابر( إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ ) [الزمر : ١٠] والصبر المحمود : حبس النفس عن الخروج إلى ما لا يجوز من ترك الحق ، ونقيضه الجزع ، قال الشاعر :
إن تصبرا فالصبر خير مغبة |
وإن تجزعا فالأمر ما تريان |
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ٥٢٦ و ٤٦٨٧ ومسلم ٢٧٦٣ والترمذي ٣١١٤ والنسائي في الكبرى ٧٣٢٦ و ٣٢٦ وابن ماجه ١٣٩٨ و ٤٢٥٤ والواحدي في الأسباب ٥٣٩ والبيهقي في السنن ٨ / ٢٤١ وأحمد ١ / ٣٨٥ و ٤٣٠ من حديث ابن مسعود.
(٢) صحيح. أخرجه البخاري ٦٤٨٧ ومسلم ٢٨٢٣ وأبو داود ٤٧٤٤ والترمذي ٢٥٦٠ والنسائي ٧ / ٣ والقضاعي في الشهاب ٥٦٧ وابن حبان ٧١٩ وأحمد ٢ / ٢٦٠ من حديث أبي هريرة بعضهم مطولا وبعضهم مختصرا.
وهو من الصبر الذي هو المر المعروف لأنه تجرع مرارة الحق بحبس النفس عن الخروج إلى المشتهى مع الزاجر المعتبر من الشرع والعقل ، فهو أكره شيء إلى النفس ، والمعين عليه ما في استشعار لزوم الحق من العز والأجر بالطاعة والعلم بما يعقب من الخير في كل وجه وعادة النفس له ، وقد غلب إطلاقه على الحق حتى لا يجوز إطلاقه إلا فيه ـ قاله الرماني.
ولما كان ما تقدم كله مشيرا إلى استبعاد إيمان المعاندين بشيء من تدبير آدمي كما تكاد القصص تنطق به ، وكذا الإعلام بأن عبادتهم إنما هي للتقليد وباختلاف قوم موسى في كتابه الذي هو هدى ورحمة ، وكل ذلك فطما عن طلب ما قد يهجس في الخاطر من تمني إجابتهم إلى ما يقترحون أو الكف عن بعض ما يغيظ من الإنذار ، وكان من طبع البشر البعد عن الانتهاء عن الخواطر إلا بعد التجربة ، كان ذلك ربما أوجب أن يقال : لو أجيبوا إلى سؤالهم لربما رجعوا عن كثير مما هم فيه ، فدعاهم ذلك إلى الرشاد ، فتسبب عنه أن يقال دفعا له :( فَلَوْ لا كانَ ) ويجوز أن يكون مناسبتها أنه لما ذكر إهلاك القرون الماضية والأمم السالفة بما مضى إلى أن ختم بالأمر بالصبر على الإحسان من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كان من الجائز أن يقع في فكر الاعتراض بأن يقال : ما الموجب لذلك؟ فبين أن سبب الهلاك الإعراض عن نهي منتهك الحرمات والمجترىء على هتك الأستار الجليلة والرتع في الحمى مع تمكنهم بما أودع فيهم سبحانه من القوى والقدرة على اختيار جانب الخير والإعراض عن جانب الشر فقال تعالى :( فَلَوْ لا ) بصيغة تحتمل التخصيص ، وفيها معنى التفجع والتأسف لاعتبار كل من كان على مثل حالهم( مِنَ الْقُرُونِ ) أي المهلكين الأشداء الكائنين في زمان ما.
ولما كان المراد القرون التي تقدم ذكر إهلاكها ، وكانت أزمنتهم بعض الزمان الماضي ، أتى بالجار فقال :( مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا ) أي أصحاب( بَقِيَّةٍ ) أي حفظ وخير ومراقبة لما يصلحهم ، لأن مادة «بقي» تدور على الجمع ، ويلزمه القوة والثبات والحفظ ، من قولهم : ابقه بقوتك مالك ـ وزن ادعه ـ أي احفظه حفظك مالك ، ويلزمه النظر والمراقبة : بقيت الشيء ـ إذا نظرت إليه ورصدته ، ويلزمه الثبات : بقي بقاء ـ إذا دام ، والخير والجودة ؛ قال الزمخشري : لأن الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله ، ويقال : فلان من بقية قوم ، أي من خيارهم ، وسيأتي شرح ذلك مستوفى عند قوله تعالى( وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً ) إن شاء الله تعالى( يَنْهَوْنَ ) أي يجددون النهي في كل حين إشارة إلى كثرة المفسدين( عَنِ الْفَسادِ ) الكائن( فِي الْأَرْضِ ) و «لو لا» هنا كالتي في يونس توبيخية أو استفهامية كما جوزهما الرماني ، ويجوز أن تكون تخصيصية كما قال
الزمخشري ، ويكون للسامع لا للمهلك ، لأن الآية لما تضمنت إهلاك المقر على الفساد كان في ذلك أقوى حث لغيرهم على الأمر والنهي وأوفى تهديد زاجر عن ارتكاب مثل حالهم الموقع في أضعاف نكالهم ، وفي تعقيب هذه الآية لآية الصبر إشارة إلى أن الصبر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الذروة العليا ، والآية ناظرة إلى قوله تعالى( إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ. )
ولما كانت المعاني الثلاثة متضمنة للنفي ، كان المعنى : لم يكن من يفعل ذلك ، فاتصل الاستثناء في قوله :( إِلَّا قَلِيلاً ) أي صالحين( مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ ) والظاهر أن «من» بيانية ، أي هم الذين أنجينا فإنهم نهوا عن الفساد ، عبر بالإنجاء لأنه الدال على الخير الحامل للنهي عن الفساد دون التنجية الدالة على التدريج والإبلاغ في الإنجاء فلو عبر بها فسد المعنى( وَاتَّبَعَ ) الأكثر وهم( الَّذِينَ ظَلَمُوا ) أي أوقعوا الظلم بترك النهي عن الفساد ، وما أحسن إطلاقها عن التقييد ب( مِنْهُمْ ما ) ولما كان المبطر لهم نفس الترف ، بني للمفعول قوله :( أُتْرِفُوا فِيهِ ) فأبطرتهم النعمة حتى طغوا وتجبروا( وَكانُوا مُجْرِمِينَ ) أي متصفين على سبيل الرسوخ بالإجرام ، وهو قطع حبل الله على الدوام ، فأهلكهم ربك لإجرامهم ، ولو لا ذلك لما فعل ، فإن إهلاكهم على تقدير الانفكاك عن الإجرام يكون ظلما على ما يتعارفون.
ولما لاح بما مضى أن العبرة في الإهلاك والإنجاء للاكثر ، قرره وأكده وبينه بقوله :( وَما كانَ رَبُّكَ ) ذكر سبحانه بالوصف المفهم للإحسان تثبيتا له وتأمينا( لِيُهْلِكَ الْقُرى ) أي إهلاكا عاما( بِظُلْمٍ ) أي أيّ ظلم كان ، صغير أو كبير( وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ ) أي في حال ظلم بأن يوقع إهلاكهم في حال إصلاحهم الذي هم عريقون فيه ، فيكون الإهلاك في غير موقعه على ما يتعارف العباد مع العلم بأن له أن يفعل ذلك في نفس الأمر لأنه لا يسأل عما يفعل ؛ والإهلاك : إيجاب ما يبطل الإحساس ، والهلاك : ضياع الشيء وهو حصوله بحيث لا يدرى أين هو ؛ والإصلاح : إيجاب ما يستقيم به الأمر على ما يدعو إليه العقل.
( وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩) وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠) وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢) )
ولما كان مثل هذه الآيات ربما أوهم أن إيمان مثل هؤلاء مما لا يدخل تحت المشيئة ، نفى ذلك الوهم مبينا انفكاك المشيئة عن الأمر بقوله :( وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ) أي المحسن إليك بكل إحسان يزيدك رفعة( لَجَعَلَ النَّاسَ ) أي كلهم( أُمَّةً واحِدَةً ) على الإصلاح ، فهو قادر على أن يجعلهم كلهم مصلحين متفقين على الإيمان فلا يهلكهم ، ولكنه لم يشأ ذلك ، بل شاء اختلافهم والأمر تابع لمشيئته فاختلفوا( وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ ) أي ثابتا اختلافهم لكونهم على أديان شتى( إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ) أي المحسن إليك بالتأليف بينهم في جعلهم من أهل طاعتك فإنهم لا يختلفون في أصول الحق. ولما كان ما تقدم ربما أوجب أن يقال : لم لم يقبل بقلوبهم إلى الهدى ويصرفهم عن موجبات الردى إذا كان قادرا؟ قال تعالى مجيبا عن ذلك :( وَلِذلِكَ ) أي الاختلاف( خَلَقَهُمْ ) أي اخترعهم وأوجدهم من العدم وقدرهم ، وذلك أنه لما طبعهم سبحانه على خلائق من الخير والشر تقتضي الاختلاف لتفاوتهم فيها ، جعلوا كأنهم خلقوا له فجروا مع القضاء والقدر ، ولم يمكنهم الجري على ما تدعو إليه العقول في أن الاتفاق رحمة والاختلاف نقمة ، فاستحق فريق منهم النار وفريق الجنة ، وليس ذلك مخالفا لقوله تعالى :( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) [الذاريات : ٥٦] بل هو من شكله ، أي أنه تعالى لما ركبهم على العجز ومنحهم العقول مع نصب الأدلة ، كان ذلك مهيئا للعبادة فكانوا كأنهم ما خلقوا إلا لها أي ما خلقتهم إلا ليعرفون بنفوذ أقضيتي وتصاريفي فيهم فيعبدون ، أي يخضعوا لي فمن كان منهم طائعا فهو عابد حقيقة ، ومن كان عاصيا كان عابدا مجازا ، أي خاضعا للأمر لنفوذه فيه وعجزه عن الامتناع كما قال تعالى( وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً ) [الرعد : ١٥] ، فقد بان أن خلقهم للعبادة فقط ينافي خلقهم للاختلاف ، لأن جريهم في قضائه بالاختلاف عبادة وسجود لغة ، وذلك أن مادتي عبد وسجد تدوران على الخضوع والذل والانقياد ، وبذلك كان الكل عبيد الله ، أو الإشارة إلى مجمع الاتفاق والاختلاف ليظهر فضله على من ثبتهم ويظهر عدله فيمن خذلهم.
ولما كان هذا الاختلاف سبب الكفر الذي أرسل رسله بالقتال عليه ، كان ربما ظن أنه بغير مشيئته ، فبين أنه إنما هو بمراده ولا اعتراض عليه فقال :( وَتَمَّتْ ) أي فبادروا إلى ما خلقهم لهم معرضين عن أوامره ولم تغن عنهم عقولهم ، وتمت حينئذ( كَلِمَةُ رَبِّكَ ) أي المحسن إليك بقهر أعدائك التي سبقت في الأزل وهي وعزتي( لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ ) أي التي تلقى المعذب فيها بالتجهم والعبوسة( مِنَ الْجِنَّةِ ) أي قبيل الجن ، قدمهم لأنهم أصل في الشر ، ثم عم فقال :( وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) فمشوا على ما أراد
ولم يمكنهم مع عقولهم الجيدة الاستعداد وقواهم الشداد غير إلقاء القياد ، فمن قال : إنه يخلق فعله أو له قدرة على شيء فليفعل غير ذلك بأن يخبر باتفاقهم ثم يفعله ليتم قوله. وإلا فليعلم أنه مربوب مقهور فيسمع رسالات ربه ويقبل إليه بقالبه وقلبه.
ولما أخبر سبحانه بما فعل بالقرى الظالمة ، وحذر كل من فعل أفعالهم بسطواته في الدنيا والآخرة ، وأمر باتباع أمره والاعراض عن اختلافهم الذي حكم به وأراده ، عطف على قوله( نَقُصُّهُ عَلَيْكَ ) قوله :( وَكُلًّا نَقُصُ ) أي ونقص( عَلَيْكَ ) كل نبأ أي خبر عظيم جدا( مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ) مع أممهم : صالحيهم وفاسديهم ، فعم تفخيما للأمر ، ولما كان الذي جرّ هذه القصص ما مضى من قوله :( فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ ، ) وكان ساكن الصدر القلب ، وهو الفؤاد الذي به قوام الإنسان بل الحيوان ، وهو أحرّ ما فيه ، ولذا عبر عنه بما اشتق من الفأد وهو الحرف ، وكان من لازم الحرارة الاضطراب والتقلب الذي اشتق منه القلب فيضيق به الصدر ، أبدل من( كُلًّا ) قوله :( ما نُثَبِّتُ ) أي تثبيتا عظيما( بِهِ فُؤادَكَ ) أي فيسكن في موضعه ويطمئن أو يزداد يقينه فلا يضيق الصدر من قولهم( لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ ) ونحوه ، وبهذا تبين أن المراد بذلك العام خاص لحصول المقصود به ، وهو التسلية نظرا إلى قوله تعالى( وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ ) لأن المشاركة في الأمور الصعبة تهون على الإنسان ما يلقى من الأذى ، والإعلام بعقوبات المكذبين فيها تأنيس للمكروب ؛ والتثبيت : تمكين إقامة الشيء ؛ والفؤاد : العضو الذي من شأنه أن يحمى بالغضب الحال فيه ، من المفتأد وهو المستوي.
ولما بين أن كل ما قص عليه من أخبارهم يستلزم هذا المقصود ، بين أنه ليس كما يعلل به غالبا من الأخبار الفارغة والأحاديث المزخرفة الباطلة ولا مما ينقله المؤرخون مشوبا بالتحريف فقال :( وَجاءَكَ فِي هذِهِ ) أي الأخبار( الْحَقُ ) أي الكامل في الثبات الذي لا مرية فيه ، وفائدة الظرف التأكيد لعظم المقصود من آية( فَلَعَلَّكَ ) وصعوبته.
ولما كان الحق حقا بالنسبة إلى كل أحد عرفه ونكر ما هو خاص بقوم دون قوم فقال :( وَمَوْعِظَةٌ ) أي مرقق للقلوب( وَذِكْرى ) أي تذكير عظيم جدا( لِلْمُؤْمِنِينَ ) أي الراسخين في الإيمان ، وقد تضمنت الآية الاعتبار من قصص الرسل بما فيها من حسن صبرهم على أممهم واجتهادهم على دعائهم إلى عبادة الله بالحق وتذكير الخير والشر وما يدعو إليه كل منهما من عاقبة النفع والضر للثبات على ذلك جميعه اقتداء بهم.
ولما ذكر نفع هذا الحق ، كان كأنه قيل : فعظهم بذلك وذكرهم به ، فعطف عليه
قوله :( وَقُلْ ) ويجوز أن يكون معطوفا على قوله( وَاصْبِرْ ) أي اصبر على ما أمرناك به من تبليغ وحينا وامتثاله ، وقل( لِلَّذِينَ ) أي لم تؤثر فيهم هذه الموعظة فهم( لا يُؤْمِنُونَ ) أي لا يتجدد لهم إيمان منذرا لهم( اعْمَلُوا ) متمكنين( عَلى مَكانَتِكُمْ ) أي طريقتكم التي تتمكنون من العمل عليها.
ولما كان العمل واجبا عليهصلىاللهعليهوسلم وعلى كل من تبعه فهم عاملون لا محالة سواء عمل الكفار أو لا ، قال مؤكدا لأجل إنكار الكفار أن يدوموا على العمل المخالف لهم مع ما يصل إليهم لأجله من الضر ، معريا له عن فاء السبب لذلك والاستئناف :( إِنَّا ) أي أنا ومن معي( عامِلُونَ ) أي ثابت عملنا لا نحول عنه لأن ما كان لله فهو دائم بدوامه سبحانه ، وحذف النون الثانية اكتفاء بمطلق التأكيد لأنه كاف في الإعلام بالجزم في النية ، وفيه تأدب بالإشارة إلى أن المستقبل أمر لا اطلاع عليه لغير الله فينبغي أن لا يبلغ في التأكيد فيه غيره ، وهذا بخلاف ما في سورة فصلت مما هو جار على ألسنة الكفرة( وَانْتَظِرُوا ) أي ما أنتم منتظرون له من قهرنا( إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ) أي ما وعدنا الله في أمركم ، فإن الله مهلكهم ومنجيك لأنه عالم بغيب حالك وحالهم وقادر عليكم ؛ والانتظار : طلب الإدراك لما يأتي من الأمر الذي يقدر النظر إليه ؛ والتوقع : طلب ما يقدر أنه يقع ، وهما يكونان في الخير والشر ومع العلم والشك ، والترجي لا يكون إلا مع الخير والشك.
( وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣) )
ولما تضمن هذا التهديد العلم والقدرة ، قال عاطفا على ما تقديره : فلله كل ما شوهد من أمرنا وأمركم وأمر عالم الغيب والشهادة كله ما كان من ابتداء أمورنا( وَلِلَّهِ ) أي المحيط وحده بكل شيء مع ذلك( غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) أي جميع ما غاب علمه عن العباد فهو تام العلم ، ومنه ما ينهى عنه وإن ظن الجهلة أنه خارج عن قدرته لما أظهر من الزجر عنه ومن كراهيته.
ولما كان السياق هنا لأنه سبحانه خلق الخلق ذواتهم ومعانيهم للاختلاف ، وكان تهديدهم على المعاصي ربما أوهم أنه بغير إرادته ، فكان ربما قال جاهل : أنا بريء من المخالفين لأوليائه كثيرا جدا ، وعادة الخلق أن من خالفهم خارج عن أمرهم ، كان الجواب على تقدير التسليم لهذا الأمر الظاهر : فله كان الأمر كله ظاهرا وباطنا( وَإِلَيْهِ ) أي وحده( يُرْجَعُ ) بعد أن كان ظهر للجاهل أن خرج عنه ؛ والرجوع : ذهاب الشيء
إلى حيث ابتدأ منه( الْأَمْرُ كُلُّهُ ) في الحال على لبس وخفاء ، وفي المال على ظهور واتضاح وجلاء ، فهو شامل القدرة كما هو شامل العلم ، فلا بد من أن يرجع إليه أمرك وأمر أعدائك ، أي يعمل فيه عمل من يرجع إليه الأمر فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته ، ولذلك سبب عن إسناد الأمور كلها إليه قوله :( فَاعْبُدْهُ ) أي وحده عبادة لا شوب فيها( وَتَوَكَّلْ ) معتمدا في أمورك كلها( عَلَيْهِ ) فإنه القوي المتين ، وفي تقديم الأمر بالعبادة على التوكل تنبيه على أنه إنما ينفع العابد.
ولما كانت العادة جارية بأن العالم قد يغفل ، نزه عن ذلك سبحانه نفسه فقال مرغبا مرهبا :( وَما رَبُّكَ ) أي المحسن إليك بما يعلمه بإحاطة علمه إحسانا ، وأغرق في النفي فقال :( بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) ولا تهديد أبلغ من العلم ، وهذا بعينه مضمون قوله تعالى( كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ) [هود ١ ـ ٢].
تم الجزء الثالث ويليه إن شاء الله الجزء الرابع
وأوله : تفسير سورة يوسف
الفهرس
تفسير سورة الأعراف
الآيتان : ١ و ٢ ٣
الآيات : ٣ ـ ٧ ٧
الآيات : ٨ ـ ١١ ٩
الآيات : ١٢ ـ ١٦ ١٢
الآيات : ١٧ ـ ٢٠ ١٤
الآيات : ٢١ ـ ٢٤ ١٧
الآيات : ٢٥ ـ ٢٧ ١٩
الآيات : ٢٨ ـ ٣١ ٢٣
الآيات : ٣٢ ـ ٣٤ ٢٧
الآيات : ٣٥ ـ ٣٧ ٢٩
الآيات : ٣٨ و ٣٩ ٣١
الآيات : ٤٠ ـ ٤٢ ٣٣
الآيات : ٤٣ ـ ٤٦ ٣٤
الآيات : ٤٧ ـ ٥١ ٣٧
الآيات : ٥٢ ـ ٥٤ ٣٩
الآيات : ٥٥ ـ ٥٧ ٤٣
الآيات : ٥٨ ـ ٦٠ ٤٥
الآيات : ٦١ ـ ٦٨ ٤٨
الآيات : ٦٩ ـ ٧١ ٥٣
الآيات : ٧٢ ـ ٧٤ ٥٦
الآيات : ٧٥ ـ ٧٩ ٥٨
الآيات : ٨٠ ـ ٨٥ ٦١
الآيتان : ٨٦ و ٨٧ ٦٧
الآيتان : ٨٨ و ٨٩ ٦٨
الآيات : ٩٠ ـ ٩٦ ٧١
الآيات : ٩٧ ـ ١٠٠ ٧٤
الآيات : ١٠١ ـ ١٠٣ ٧٦
الآيات : ١٠٤ ـ ١٠٩ ٧٨
الآيات : ١١٠ ـ ١١٧ ٨١
الآيات : ١١٨ ـ ١٢٤ ٨٣
الآيات : ١٢٥ ـ ١٢٨ ٨٥
الآيات : ١٢٩ ـ ١٣٢ ٨٨
الآيات : ١٣٣ ـ ١٣٧ ٩٠
الآيات : ١٣٨ ـ ١٤١ ١٠٣
الآيات : ١٤٢ ـ ١٤٤ ١٠٦
الآيات : ١٤٥ ـ ١٤٨ ١١٠
الآيات : ١٤٩ ـ ١٥١ ١١٣
الآيات : ١٥٢ ـ ١٥٤ ١١٦
الآيتان : ١٥٥ و ١٥٦ ١٢٠
الآية : ١٥٧ ١٢٤
الآيتان : ١٥٨ و ١٥٩ ١٣٤
الآيات : ١٦٠ ـ ١٦٣ ١٣٧
الآيات : ١٦٤ ـ ١٦٧ ١٤١
الآيتان : ١٦٨ و ١٦٩ ١٤٣
الآيات : ١٧٠ ـ ١٧٣ ١٤٦
الآيات : ١٧٤ ـ ١٧٨ ١٥٠
الآيات : ١٧٩ ـ ١٨٤ ١٥٨
الآيات : ١٨٥ ـ ١٨٨ ١٦٣
الآيات : ١٨٩ ـ ١٩٦ ١٦٧
الآيات : ١٩٧ ـ ٢٠١ ١٧٢
الآيات : ٢٠٢ ـ ٢٠٦ ١٧٦
تفسير سورة الأنفال
الآيات : ١ ـ ٣ ١٨١
الآيات : ٤ ـ ٩ ١٨٥
الآيات : ١٠ ـ ١٣ ١٩١
الآيات : ١٤ ـ ٢١ ١٩٥
الآيات : ٢٢ ـ ٢٤ ١٩٩
الآيات : ٢٥ ـ ٢٧ ٢٠٤
الآيات : ٢٨ ـ ٣٠ ٢٠٧
الآيات : ٣١ ـ ٣٥ ٢١٠
الآيات : ٣٦ ـ ٤٠ ٢١٥
الآيات : ٤١ ـ ٤٦ ٢١٨
الآيتان : ٤٧ و ٤٨ ٢٢٥
الآيات : ٤٩ ـ ٥٢ ٢٢٨
الآيات : ٥٣ ـ ٥٧ ٢٣٠
الآيات : ٥٨ ـ ٦٣ ٢٣٥
الآيات : ٦٤ ـ ٦٧ ٢٣٨
الآيات : ٦٨ ـ ٧١ ٢٤٥
الآيتان : ٧٢ و ٧٣ ٢٤٧
الآيتان : ٧٤ و ٧٥ ٢٥٣
تفسير سورة براءة
الآيتان : ١ و ٢ ٢٦١
الآيات : ٣ ـ ٥ ٢٦٧
الآيات : ٦ ـ ٩ ٢٧٢
الآيات : ١٠ ـ ١٤ ٢٧٦
الآيات : ١٥ ـ ١٨ ٢٨٠
الآيات : ١٩ ـ ٢٤ ٢٨٩
الآيات : ٢٥ ـ ٢٧ ٢٩٣
الآيتان : ٢٨ و ٢٩ ٢٩٦
الآيات : ٣٠ ـ ٣٣ ٣٠٠
الآيات : ٣٤ ـ ٣٦ ٣٠٥
الآية : ٣٧ ٣٠٨
الآيات : ٣٨ ـ ٤١ ٣١٧
الآيتان : ٤٢ و ٤٣ ٣٢٢
الآيات : ٤٤ ـ ٤٧ ٣٢٧
الآيات : ٤٨ ـ ٥١ ٣٣٠
الآيات : ٥٢ ـ ٥٤ ٣٣٢
الآيات : ٥٥ ـ ٥٩ ٣٣٣
الآيات : ٦٠ ـ ٦٢ ٣٣٦
الآيات : ٦٣ ـ ٦٧ ٣٤٢
الآيتان : ٦٨ و ٦٩ ٣٤٥
الآيتان : ٧٠ و ٧١ ٣٥٦
الآيات : ٧٢ ـ ٧٤ ٣٥٩
الآيات : ٧٥ ـ ٨٠ ٣٦٣
الآيات : ٨١ ـ ٨٥ ٣٦٨
الآيات : ٨٦ ـ ٩٣ ٣٧٢
الآيات : ٩٤ ـ ٩٨ ٣٧٦
الآيتان : ٩٩ ـ ١٠٠ ٣٧٨
الآيات : ١٠١ ـ ١٠٤ ٣٨٠
الآيات : ١٠٥ ـ ١٠٨ ٣٨٣
الآيات : ١٠٩ ـ ١١١ ٣٨٧
الآيات : ١١٢ ـ ١١٤ ٣٩٠
الآيات : ١١٥ ـ ١١٧ ٣٩٥
الآيات : ١١٦ ـ ١٢٠ ٣٩٧
الآيتان : ١٢١ و ١٢٢ ٤٠١
الآيات : ١٢٣ ـ ١٢٥ ٤٠٣
الآيات : ١٢٦ ـ ١٢٩ ٤٠٥
تفسير سورة يونس
الآيات : ١ ـ ٣ ٤١١
الآيتان : ٤ و ٥ ٤١٦
الآيات : ٦ ـ ٩ ٤١٨
الآيتان : ١٠ و ١١ ٤٢٠
الآيات : ١٢ ـ ١٤ ٤٢٣
الآيات : ١٥ ـ ١٨ ٤٢٤
الآيتان : ١٩ و ٢٠ ٤٢٨
الآيات : ٢١ ـ ٢٣ ٤٢٩
الآية : ٢٤ ٤٣٢
الآيات : ٢٥ ـ ٢٩ ٤٣٤