نظم الدّرر الجزء ٤
0%
مؤلف: برهان الدين البقاعي
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف: علوم القرآن
الصفحات: 572
0%
مؤلف: برهان الدين البقاعي
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف: علوم القرآن
الصفحات: 572
عبده ـ وفي نسخة : وجميع قواده ـ فقال فرعون ليوسف : قل لإخوتك فليفعلوا هكذا ، أوقروا دوابكم ميرة ، وانطلقوا بها إلى أرض كنعان ، وأقبلوا بأبيكم وأهل بيوتاتكم وائتوني فأنحلكم خيرات أرض مصر وخصبها ، وكلوا خصب الأرض ، وهذا أنت المسلط ، فأمر إخوتك أن يفعلوا هذا الفعل ، احملوا من أرض مصر عجلا لنسائكم وحشمكم ، وأظعنوا بأبيكم فأقبلوا ، ولا تشفقن على أمتعتكم ، لأن جميع خيرات مصر وأرضها وخصبها هو لكم ، ففعل بنو إسرائيل كما أمر فرعون ، ودفع إليهم يوسف عجلا عن أمر فرعون ، وزودهم جميع أزودة الطريق ، وخلع على كل امرىء منهم خلعة ، فأما بنيامين فأجازه بثلاثمائة درهم ـ وفي نسخة : مثقال فضة ـ وخلع عليه خمس خلع ، وبعث إلى أبيه بمثل ذلك أيضا وعشرة حمير موقرة من البر والطعام وأزودة لأبيه للطريق وأرسلهم ، فانطلقوا ، وتقدم إليهم وقال لهم : لا تقع المشاجرة فيما بينكم في الطريق ، فظعنوا من مصر فأتوا أرض كنعان إلى يعقوب أبيهم ، فأخبروه وقالوا له : إن يوسف بعد في الحياة ، وهو المسلط على جميع أرض مصر ، ورأى يعقوب العجل الذي بعث يوسف لحمله ، فاطمأنت نفسه وقال : إن هذا لعظيم عندي ، إذ كان ابني يوسف بعد في الحياة ، أنطلق الآن فأنظر إليه قبل الموت.
فظعن إسرائيل وجميع ما له ، فأتى بئر السبع ، وقرب قربانا لإله إسحاق أبيه ، فكلم الله إسرائيل في الرؤيا وقال له : يا يعقوب! فقال : هأنذا! فقال : إني أنا إيل إله أبيك ، لا تخف من الحدور إلى مصر ، لأني أجعلك هناك إلى شعب عظيم ـ وفي نسخة : لأني أصير منك أمة عظيمة ـ أنا أهبط معك ، وأنا أصعدك ، ويوسف يضع يده على عينيك ، فنهض يعقوب من بئر السبع وظعن بنو إسرائيل بيعقوب أبيهم وبحشمهم ونسائهم على العجل الذي بعث فرعون لحمله ، وساقوا دوابهم ومواشيهم التي استفادوها بأرض كنعان ، فأتوا بها مصر يعقوب وجميع نسله وبنوه معه وبنو بنيه وبناته وبنات بناته ، وأدخل إلى مصر كل نسله ،
ثم سماهم واحدا واحدا ، ثم قال : فجميع بني يعقوب الذين دخلوا مصر سبعون إنسانا ، ثم بعث يعقوب يهوذا بين يديه إلى يوسف عليه الصلاة والسّلام ليدله على السدير ـ وفي نسخة : خشان ـ فألجم يوسف مراكبه ، وصعد للقاء إسرائيل أبيه إلى خشان ـ وفي نسخة : السدير ـ فتلقاه واعتنقه وبكى إذ اعتنقه ، فقال إسرائيل ليوسف : أتوفى الآن بعد نظري إليك يا بني ، فأنت في الحياة بعد ، فقال يوسف لإخوته وآل أبيه : أصعد فأخبر فرعون وأقول : إن إخوتي وآل أبي الذين كانوا بأرض كنعان قد أتوني والقوم رعاء غنم ، لأنهم أصحاب مواش وقد أتوا بغنمهم وبقرهم وبكل شيء لهم ، فإذا
دعاكم فقولوا له : إنا عبيدك أصحاب ماشية منذ صبانا ، وحتى الآن نحن وآباؤنا من قبل أيضا ، لكي تنزلوا أرض خشان ـ وفي نسخة : السدير ـ لأن رعاة الغنم هم مرذولون عند المصريين. فأتى يوسف فأخبر فرعون وقال له : إن أبي وإخوتي أتوني وغنمهم وبقرهم وجميع ما لهم من أرض كنعان ، وهو ذا هم حلول بأرض السدير ، وحمل من إخوته خمسة رهط ، فأدخلهم على فرعون فوقفوا بين يديه ، فقال فرعون لإخوة يوسف : ما صنعتكم؟ فقالوا : إن عبيدك رعاء غنم نحن منذ صبانا ، وآباؤنا أيضا من قبل. وقالوا لفرعون : إنا أتينا لنسكن هذه الأرض لأنه فقد الحشيش والعشب والكلأ من مرابع غنم عبيدك ، وذلك لأن الجوع اشتد في أرض كنعان ، فأمر عبيدك أن ينزلوا بأرض السدير ، فقال فرعون ليوسف : إن أباك وإخوتك قد أتوا ، وهذه أرض مصر بين يديك ، فأسكن أباك وإخوتك في أحسن الأرض وأخصبها لينزلوا أرض السدير ، وإن كنت تعلم أن فيهم قوما ذوي قوة وبطش ونفاذ فولهم جميع مالي ، فأدخل يوسفعليهالسلام أباه يعقوب عليهم الصلاة والسّلام على فرعون فأقامه بين يديه ، فقال فرعون ليعقوب عليه الصلاة والسّلام : كم عدد سني حياتك؟ فقال يعقوبعليهالسلام لفرعون : مبلغ حياتي مائة وثلاثون سنة ، وإن أيام حياتي لناقصة ، ولم أبلغ سني حياة آبائي في أيام حياتهم ، فبارك يعقوب فرعون ودعا له ، وخرج من بين يديه ، فأسكن يوسفعليهالسلام أباه يعقوبعليهالسلام وإخوته وأعطاهم وراثة في أرض مصر في أخصب الأرض وأحسنها في أرض رعمسيس ـ وفي نسخة : أرض عين شمس ـ كما أمر فرعون ، فقات يوسف أباه وإخوته وجميع أهل بيته بالميرة على قدر الحشم ، ولم تكن ميرة في جميع الأرض كلها لأن الجوع اشتد جدا ، فخربت جميع أرض مصر وأرض كنعان ، فصار إلى يوسف عليه الصلاة والسّلام كل ورق ألفي في أرض مصر وأرض كنعان ، وذلك ثمن البر الذي كانوا يبتاعونه ، فأورد يوسف الورق بيت مال فرعون ، ونفد الورق من أرض مصر وأرض كنعان ، فأتى جميع المصريين إلى يوسف عليه الصلاة والسّلام فقالوا له : أعطنا من القمح حاجتنا فنحيى ولا نموت ، لأن ورقنا قد نفد ، فقال لهم يوسف : ادفعوا إليّ مواشيكم إن كانت الأوراق قد نفدت ، فأقوتكم بمواشيكم ، فأتوه بمواشيهم فأعطاهم يوسف من الميرة بخيلهم وبمواشي الغنم وماشية البقر والحمير ، وقاتهم سنتهم تيك بجميع مواشيهم ، فأتوه في السنة الأخرى وقالوا له : لسنا نكتم سيدنا أمرنا ، لأن أوراقنا وماشيتنا ودوابنا قد نفدت وصارت عند سيدنا ، ولم يبق بين يدي سيدنا غير أنفسنا وأرضنا ، فلم نهلك بين يديك؟ فابتعنا وأراضينا بإطعامك إيانا الخبز ، فنصير نحن عبيدا لفرعون وأرضنا ملكا له ، وأعطنا البذر فنحيا ولا نموت ، ولا تخلو الأرض وتخرب
لفقد سكانها ، فابتاع يوسف لفرعون جميع أرض مصر ، فصارت الأرض لفرعون ، فنقل الشعب من قرية إلى قرية وحولهم من أقاصي الأرض نحو مصر إلى أقطارها ما خلا أرض الأجناد ـ وفي نسخة : أئمتهم ـ فإنه لم يبتعها ، لأنه كان يجري على الأجناد ـ وفي رواية : أئمتهم ـ وظيفة ونزلا من عند فرعون ، وكانوا يأكلون برهم الموظف لهم من قبل فرعون ، ولذلك لم يبيعوا أرضهم ، فقال يوسف للشعب : إني قد اشتريتكم اليوم وأرضكم لفرعون ، وهأنذا معطيكم البذر لتزرعوا في الأرض ، فإذا دخلت الغلة فأعطوا فرعون الخمس منها ، وتكون لكم لزراعة الحقل أربعة أخماس ، ولمأكل أهل بيوتاتكم وإطعام حشمكم ، فقالوا له : لقد أحييتنا ، فلنظفر من سيدنا برحمة ورأفة ، ونكون عبيدا لفرعون ، فسن يوسف هذه السنة على أرض مصر إلى يوم الناس هذا ، فصار الخمس لفرعون ما خلا أرض أئمتهم ـ وفي رواية : الأجناد ـ فإنها لم تكن لفرعون.
فسكن إسرائيل أرض مصر وأرض السدير ، فعظموا واعتزوا فيها واستيسروا وتماجدوا ، وعاش يعقوب في أرض مصر سبع عشرة سنة ، وكانت جميع أيام حياة يعقوب مائة وسبعا وأربعين سنة ، ودنت أيام وفاة إسرائيلعليهالسلام ، فدعا يوسف ابنهعليهالسلام وقال له : إن ظفرت منك برحمة ورأفة ، فضع يدك تحت ظهري حتى أستحلفك بالله وأقسم عليك به ، وأنعم عليّ بالنعمة والقسط ، لا تدفني بمصر ، بل أضطجع مع آبائي ، احملني من مصر فادفني في مقبرتهم ، فقال يوسف : أنا فاعل ذلك كقولك وأمرك ، فقال له : أقسم لي ، فأقسم له فتوكأ إسرائيل على عصاه وسجد شكرا.
فلما كان بعد هذه الأقاويل بلغ يوسفعليهالسلام أن أباه قد مرض ، فانطلق بابنيه معه : منشا وإفرايم ، فبلغ يعقوب وقيل له : إن ابنك يوسف قد أتاك ، فتقوى إسرائيل وجلس على أريكته ، فقال إسرائيل ليوسف : إن إله المواعيد اعتلن لي بلوز في أرض كنعان ، فباركني وقال لي : هأنذا مباركك ومكثرك ، وأجعلك أبا لجميع الشعوب ، وأعطي نسلك من بعدك هذه الأرض ميراثا إلى الأبد ، وأنا إذ كنت مقبلا من فدانة أرام توفيت عني راحيل أمك في أرض كنعان في الطريق ، وكان بيني وبين الدخول إلى إفراث قدر مسيرة ميل ـ وفي نسخة : ـ فرسخ ـ فدفنتها هناك في طريق إفراث ـ وهي بيت لحم ـ ونظر إسرائيل إلى ابني يوسف فقال له : من هذان؟ فقال : ابناي اللذان رزقني الله هاهنا ، فقال أدنهما مني ، فقبلهما واعتنقهما وقال : ما كنت أرجو النظر إلى وجهك فقد أراني الله نسلك أيضا ، وقال إسرائيل ليوسف عليهما الصلاة والسّلام : هأنذا متوف ، ويكون الله بنصره وعونه معكم ، ويردكم إلى أرض آبائكم ، وهأنذا قد فضلتك على إخوتك بسهم من الأرض التي غلبت عليها الأمورانيون بسيفي وقوسي ، ثم إن يعقوب
دعا بنيه وقال ؛ اجتمعوا إليّ فأبين لكم ما هو كائن من أمركم في آخر الأيام ، فذكر ذلك ثم قال : وهذا ما أخبرهم به يعقوب أبوهم ، نبأهم بذلك وبارك عليهم كل امرىء منهم على قدره ، ثم أوصاهم وقال لهم : إنني أنتقل إلى شعبي فادفنوني إلى جانب آبائي في المغارة التي في حقل عفرون الحيثاني ، في المغارة التي في الروضة المضاعفة إلى جانب ممري بأرض كنعان التي ابتاعها إبراهيم : روضة من عفرون الحيثاني وراثة المقبرة ، هنالك دفن إبراهيم وسارة حليلته ، وفيها دفن إسحاق ورفقا حليلته ، وهنالك دفنت ليا في الروضة المبتاعة والمغارة التي فيها المبتاعة من بني حاث. فلما فرغ يعقوب من وصيته لبنيه بسط رجليه على أريكته فمات ونقل إلى شعبه.
فوقع يوسف عليه فقبله وبكى عليه ، فأمر عبيده الأطباء بتحنيطه ، فحنط الأطباء إسرائيل وتمت له أربعون ليلة ، لأنه هكذا تكمل أيام المحنطين ، وناح المصريون عليه سبعين يوما ، فقال يوسف لآل فرعون : إن ظفرت منكم برحمة ورأفة فأخبروا فرعون أن أبي أحلفني وأقسم عليّ وقال لي : هأنا متوف ، فاقبرني في القبر الذي ابتعته في أرض كنعان ، فيأذن لي فأصعد فأدفن أبي ثم أرجع ، فقال له فرعون : اصعد فادفن أباك كما أقسم عليك ، فصعد يوسف ليدفن أباه ، وصعد معه جميع عبيد فرعون وأشياخ بيته وجميع أشياخ مصر وجميع أهل بيت يوسف ، وصعد معه إخوته وآل أبيه ، وأما حشمهم وبقرهم وغنمهم فخلفوها بأرض خشان ـ وفي نسخة : السدير ـ وأصعد المراكب والفرسان أيضا ، فصار في عسكر عظيم منيع ، فأتوا إلى بيادر أطرا ـ وفي نسخة : أندر العوسج ـ التي في مجاز الأردن ، فرنوا هناك وناحوا نوحا عظيما مرا ، فنظر سكان أرض كنعان إلى التأبل والنواح في أجران العوسج(١) ، فقالوا : إن هذا التأبل عظيم للمصريين ، ولذلك دعي ذلك الموضع «تأبل مصر» ، الذي في مجاز الأردن ، ففعل بنو إسرائيل كما أمرهم ، وحملوه وانطلقوا به إلى أرض كنعان فدفنوه ثم في المغارة المضاعفة التي في الروضة التي ابتاعها إبراهيم وراثة المقبرة من عفرون الحيثاني وهي إمام ممري.
ثم رجع يوسف إلى مصر هو وإخوته وجميع من صعد معه في دفن أبيه ، ومن بعد ما دفن أباه نظر إخوة يوسف إلى أبيهم قد توفي ، ففرقوا وقالوا : لعل يوسف أن يؤذينا وينكأنا ولعله أن يكافئنا على جميع الشر الذي ارتكبنا منه ، فدنوا من يوسف وقالوا له : إن أباك أوصى قبل وفاته وقال : هكذا قولوا ليوسف : نطلب إليك أن تعفو عن جهل إخوتك وعن خطاياهم بارتكابهم الشر منك ، فالآن نطلب إليك أن تعفو عن
__________________
(١) العوسجة : باليمن. ومعدن للفضة. وشوك.
ذنب عبيد إله أبيك ، فبكى يوسف لما قالوا ذلك ، فدنا إخوته فخروا بين يديه سجدا وقالوا له : هوذا نحن لك عبيد ، فقال لهم : لا تخافوني لأني أخاف الله ، أما أنتم فهممتم بي شرا فصيره الله لي خيرا كما فعل بي يومنا هذا ، فأحيي على يدي خلقا عظيما ، والآن فلا خوف عليكم ، أنا أقوتكم وحشمكم ، فعزاهم وملأ قلوبهم خيرا.
ثم أقام يوسف بمصر هو وآل بيته ، فعاش يوسف مائة وعشر سنين ورأى يوسف ولد ولده ، فقال يوسف لإخوته : هأنذا متوف ، والله سيذكركم ويخرجكم من هذه الأرض إلى الأرض التي أقسم بها لإبراهيم وإسحاق ويعقوب ، فأقسم يوسف على بني إسرائيل وقال : إن الله سيذكركم ، فأصعدوا عظامي معكم ، فتوفي يوسف وهو ابن مائة وعشر سنين ، فحنطوه ووضعوه في صندوق بأرض مصر ـ وسيأتي ما بعد ذلك من استعبادهم وما يتبعه في سورة القصص إن شاء الله تعالى.
وهذا الذي ذكر من القصة في التوراة مصدق لما في القرآن وشاهد بإعجازه ، غير أنه لم يذكر شرح قوله تعالى :( فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا ) [يوسف : ٨٠] في أنه بعد أخذ الصواع من رحل أخيه تركهم من غير تعريف لهم بنفسه فمضوا إلي أبيهم فأخبروه بذلك ، ثم عادوا مرة أخرى للميرة والطلب ليوسف وأخيه فعرفهم يوسفعليهالسلام بنفسه وجلالهم الأمر في هذه القدمة الثالثة ، فكأنهم أسقطوا ما في التوراة من ذلك تدليسا وتلبيسا ، وهو لا يضر غيرهم ، فإن ما صار في كتابهم لا يتمشى على قوانين العقل لمن تدبر ، فلم يفدهم ذلك غير التحقق لخيانتهم وجهلهم ـ والله الهادي إلى الصواب.
( ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (١٠٤) وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) )
ولما تم الذي كان من أمرهم على هذا الوجه الأحكم والصراط الأقوم من ابتدائه إلى انتهائه ، قال مشيرا إلى أنه دليل كاف في تصحيح دعوى النبوة مخاطبا لمن لا يفهم هذا حق فهمه غيره ، مسليا له مثبتا لفؤاده وشارحا لصدره ، منبها على أنه مما ينبغي السؤال عنه :( ذلِكَ ) أي النبأ العالي الرتبة الذي قصصناه قصا يعجز البلغاء من حملته ورواته فكيف بغيرهم( مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ ) أي أخباره التي لها شأن عظيم( نُوحِيهِ إِلَيْكَ ) وعبر بصيغة المضارع تصويرا لحال الإيحاء الشريف وإشارة إلى أنه لا يزال معه يكشف
له ما يريد( وَ ) الحال أنك( ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ ) أي عند إخوة يوسف عليه الصلاة والسّلام في هذا النبأ الغريب جدا( إِذْ ) أي حين( أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ ) على رأي واحد في إلقاء يوسف عليه الصلاة والسّلام في الجب بعد أن كان مقسما( وَهُمْ يَمْكُرُونَ ) أي يدبرون الأذى في خفية ، من المكر وهو القتل ـ لتعرف ذلك بالمشاهدة ، وانتفاء تعلمك لذلك من بشر مثل انتفاء كونك لديهم في ذلك الحين ، ومن المحقق لدى كل ذي لب أنه لا علم إلا بتعليم ، فثبت أنه لا معلم لك إلا الله كما علم إخوانك من الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام ، فيا له من دليل جل عن مثيل ، وهذا من المذهب الكلامى ، وهو إيراد حجة تكون بعد تسليم المقدمات مستلزمة للمطلوب ، وهو تهكم عظيم ممن كذب النبيصلىاللهعليهوسلم .
ولما سألت قريش واليهود رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ـ كما نقله أبو حيان عن ابن الأنباري ـ عن قصة يوسف عليه الصلاة والسّلام فنزلت مشروحة هذا الشرح الشافي ، مبينة هذا البيان الوافي ، فأملصلىاللهعليهوسلم أن يكون ذلك سبب إسلامهم فخالفوا تأميله ، عزاه الله بقوله :( وَما ) أي نوحيه إليك على هذا الوجه المقتضي لإيمانهم والحال أنه ما( أَكْثَرُ النَّاسِ ) أي كلهم مع ذلك لأجل ما لهم من الاضطراب( وَلَوْ حَرَصْتَ ) أي على إيمانهم( بِمُؤْمِنِينَ ) أي بمخلصين في إيمانهم واصفين الله بما يليق به من التنزه عن شوائب النقص ، فلا تظن أنهم يؤمنون لإنزال ما يقترحون من الآيات ، أو لترك ما يغيظهم من الإنذار ؛ والكثير ـ قال الرماني : العدة الزائدة على مقدار غيرها ، والأكثر : القسم الزائد على القسم الآخر من الجملة ، ونقيضه الأقل ؛ والناس : جماعة الإنسان ، وهو من ناس ينوس ـ إذا تحرك يمينا وشمالا من نفسه لا بجر غيره.
ولما ذكر تعالى ما هم عليه من الكفر ، ذكر ما يعجب معه منه فقال :( وَما ) أي هم على ذلك والحال أن موجب إيمانهم موجود ، وذلك أنك ـ مع دعائهم إلى الطريق الأقوم وإتيانك عليه بأوضح الدلائل ما( تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ ) أي هذا الكتاب الذي أوحيناه إليك ، وأعرق في النفي فقال :( مِنْ أَجْرٍ ) حتى يكون سؤالك سببا لأن يتهموك أو يقولوا : لو لا أنزل عليه كنز ليستغني به عن سؤالنا.
ولما نفى عنهم سؤالهم الأجر ، نفى عن هذا الذكر كل غرض دنيوي فقال :( إِنْ هُوَ ) أي هذا الكتاب( إِلَّا ذِكْرٌ ) أي تذكير وشرف( لِلْعالَمِينَ ) قال الرماني : والذكر : حضور المعنى للنفس ، والعالم : جماعة الحيوان الكثيرة التي من شأنها أن تعلم ، لأنه أخذ من العلم ، وفيه معنى التكثير ، وقد يقال : عالم الفلك وما حواه على طريق التبع للحيوان الذي ننتفع به وهو مجعول لأجله.
ولما كان القرآن أعظم الآيات بما أنبأ فيه عن الأخبار الماضية والكوائن الآتية على ما هي عليه مضمنة من الحكم والأحكام ، في أساليب البلاغة التي لا ترام ، وغير ذلك ما لا يحصر بنظام ، كما أشار إليه أول السورة ، كان ربما قيل : إن هذا ربما لا يعلمه إلا الراسخون في العلوم الإلهية ، عطف عليه الإشارة إلى أن له تعالى غيره من الآيات التي لا تحتاج لوضوحها إلى أكثر من العقل ما لا يحيط به الحصر ، ومع ذلك فلم ينتفعوا به ، فقال :( وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ ) أي علامة كبيرة عظيمة دالة على وحدانيته( فِي السَّماواتِ ) أي كالنيرين وسائر الكواكب والسحاب وغير ذلك( وَالْأَرْضِ ) من الجبال والشجر والدواب وغير ذلك مما لا يحصيه العد ـ كما سيأتي بيانه في سورة الرعد مفصلا( يَمُرُّونَ عَلَيْها ) مشاهدة بالحس ظاهرة غير خفية( وَهُمْ عَنْها ) أي خاصة لا عن ملاذهم وشهواتهم بها( مُعْرِضُونَ ) أي عن دلالتها على السعادة من الوحدانية وما يتبعها.
ولما كان ربما قيل : كيف يوصفون بالإعراض وهم يعتقدون أن الله فاعل تلك الآيات ، بين أن إشراكهم مسقط لذلك ، فقال :( ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ ) أي الناس( بِاللهِ ) أي الذي لا شيء إلا وهو داع إلى الإيمان به ، لأنه المختص بصفات الكمال( إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ) به من لا يقدر على شيء فضلا عن أن يأتي بآية ، كانوا يقرون بأن الله خالقهم ورازقهم ويعبدون غيره ، وكذا المنافقون يظهرون الإيمان ويبطنون الكفران ، وكذا أهل الكتابين يؤمنون بكتابهم ويقلدون علماءهم في الكفر بغيره ، فعلم أن إذعانهم بهذا الإيمان غير تابع لدليل ، وهو محض تقليد لمن زين له سوء عمله فرآه حسنا ، لما سبق فيه من علم الله أنه لا صلاحية له فأفسده بما شابهه به من الشرك ، والآية صالحة لإرادة الشرك الخفي الذي أشار إليه النبيصلىاللهعليهوسلم بقوله : «الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل» وهو شرك الأسباب التي قدر الله وصول ما يصل إلى العبد بواسطتها ، فقل من يتخطى من الأسباب إلى مسببها! قال الرازي في اللوامع : وقال الإمام محمد بن على الترمذي : إنما هو شك وشرك فالشك ضيق الصدر عند النوائب ، ومنه ثوب مشكوك ، والشرك تعلق القلب بالشيء ، وإنما يوسع الصدر نور اليقين ، وإنما يتخلص من الشرك بنور التوحيد ، فعند هذا يتولاه الله تعالى ، وقال الواسطي : إلا وهم مشركون : في ملاحظة الخواطر والحركات.
( أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٠٧) قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَفَلَمْ
يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠٩) )
ولما أخبر الله تعالى عن ارتباكهم في أشراك إشراكهم ، وأنهم يتعامون عن الأدلة في الدنيا ، وكان الأكثر المبهم لا يمنع القطع بعدم إيمانهم من توجيه الأمر والنهي والحث والزجر إلى الجميع وهم في غمارهم ، وكان بعض الناس كالحمار لا ينقاد إلا بالعذاب ، قال سبحانه وتعالى :( أَفَأَمِنُوا ) إنكارا فيه معنى التوبيخ والتهديد( أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ ) أي شيء يغطيهم ويبرك عليهم ويحيط بهم( مِنْ عَذابِ اللهِ ) أي الذي له الأمر كله في الدنيا كما أتى من ذكرنا قصصهم من الأمم.
ولما كان العاقل ينبغي له الحذر من كل ممكن وإن كان لا يقربه ، قال تعالى :( أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ ) وأشار إلى أشد ما يكون من ذلك على القلوب بقوله :( بَغْتَةً ) أي وهم عنها في غاية الغفلة بعدم توقعها أصلا ؛ قال الرماني : قال يزيد بن مقسم الثقفي :
ولكنهم بانوا ولم أدر بغتة |
وأفظع شيء حين يفجؤك البغت |
ولما كان هذا المعنى مهولا ، أكده الله بقوله :( وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) أي نوعا من الشعور ولو أنه كالشعرة ، إعلاما بشدة جهلهم في أن حالهم حال من هو في غاية الأمن مما أقل أحواله أنه ممكن ، لأن الشعور إدراك الشيء بما يلطف كدقة الشعر ، وإنما قلت : إنه تأكيد ، لأنه معنى البغتة ؛ قال الإمام أبو بكر الزبيدي في مختصر العين : البغتة : المفاجأة ، وقال الإمام أبو عبد الله القزاز في ديوانه : فاجأت الرجل مفاجأة ـ إذا جئته على غفلة مغافصة ، ثم قال : وفاجأته مفاجأة ـ إذا لقيته ولم يشعر بك ، وفي ترتيب المحكم : فجئه الأمر وفجأه وفاجأه مفاجأة : هجم عليه من غير أن يشعر به ، ويلزم ذلك الإسراع وهو مدار هذه المادة ، لأنه يلزم أيضا التغب ـ بتقديم المثناة محركا وهو الهلاك ، لأنه أقرب شيء إلى الإنسان إذ هو الأصل في حال الحدث ، والسلامة فيه هي العجب ، والتغب أيضا : الوسخ والدرن ، وتغب ـ بكسر الغين : صار فيه عيب ، ويقال للقحط : تغبة ـ بالتحريك ، والتغب ـ ساكنا : القبيح والريبة ، وكل ذلك أسرع إلى الإنسان من أضداده إلا من عصم الله ، وما ذاك إلا لأن هذه الدار مبنية عليه.
ولما وصف الله سبحانه لهصلىاللهعليهوسلم أكثر الناس بما وصف من سوء الطريقة للتقليد الذي منشؤه الإعراض عن الأدلة الموجبة للعلم ، أمر أن يذكر طريق الخلّص فقال :( قُلْ ) أي يا أعلى الخلق وأصفاهم وأعظمهم نصحا وإخلاصا :( هذِهِ ) أي الدعوة إلى الله على ما دعا إليه كتاب الله وسننهصلىاللهعليهوسلم ( سَبِيلِي ) القريبة المأخذ ، الجلية الأمر ، الجليلة الشأن ، الواسعة الواضحة جدا ، فكأنه قيل : ما هي؟ فقال :( أَدْعُوا ) كل من
يصح دعاؤه( إِلَى اللهِ ) الحائز لجميع الكمال حال كوني( عَلى بَصِيرَةٍ ) أي حجة واضحة من أمري بنظري الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة وترك التقليد الدال على الغباوة والجمود ، لأن البصيرة المعرفة التي يتميز بها الحق من الباطل دينا ودنيا بحيث يكون كأنه يبصر المعنى بالعين.
ولما كان الموضع في غاية الشرف ، أكد الضمير المستتر تعيينا وتنبيها على التأهل لظهور الإمامة ، فقال( أَنَا وَمَنِ ) أي ويدعو كذلك من( اتَّبَعَنِي ) لا كمن هو على عمى جائر عن القصد ، حائر في ضلال التقليد ، فهو لا يزال في غفلة هدفا للحتوف ؛ والاتباع : طلب الثاني اللحاق بالأول للموافقة في مكانه أو في أمره الذي دعا إليه ، ومما دخل تحت( قُلْ ) عطفا على( أَدْعُوا ) قوله : منبها على أن شرط كل دعوة إليه سبحانه اقترانها بتنزيهه عن كل شائبة نقص ـ( وَسُبْحانَ اللهِ ) أي وأسبح الذي اختص بصفات الكمال سبحانا ، أي أقدره حق قدره فأثبت له من صفات الكمال ما يليق بجلاله ، وأنزهه عما هو متعال عنه تنزيها يعلم هو أنه يليق بجلاله ويرضى به ، وفي تخصيص الله بذلك عقب ما أثبت له ولأتباعه تلويح بنسبة النقص إليهم تواضعا ، اعتذارا عما يلحقهم من الوهن وطلبا للعفو عنه( وَما أَنَا ) وعدل عن «مشركا» إلى أبلغ منه فقال :( مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) أي في عداد من يشرك به شيئا بوجه من الوجوه ، لأني علمت بما آتاني من البصيرة أنه منعوت بنعوت الكمال ، منزه عن سمات النقص ، متعال عنها ، وأن ذلك أول واجب لأنه الواحد الذي جل عن المجانسة ، القهار الذي كل شيء تحت مشيئته ، وفسرت( سُبْحانَ ) بما تقدم لأن مادة «سبح» بكل ترتيب تدور على القدر والشدة والاتساع ؛ وتارة يقتصر فيه على الكفاية ومنه الحسب : مقدار الشيء. وتارة يقتصر فيه على الكفاية فيلزمه الحصر ومنه : أحسبني الشيء : كفاني ، واحتساب الأجر : الاكتفاء به ، والحساب : معرفة المقدار ، والحسب بمعنى الظن راجع إلى ذلك أيضا ، والأحسب : الذي ابيضت جلدته من داء وفسدت شعرته ، بمعنى أن ذلك الداء كفاه في الفساد عن كل داء كأنه ما بقي يسع معه داء ، والتحسيب : التكفين بما يسع الميت ، وهو كفاية له لا يحتاج بعده إلى شيء ، ومنه الحبس وهو المنع من مجاوزة الكفاية ؛ وتتجاوز الكفاية فيسبح ويتسع مداه فلا ينحصر ومنه : الحسب ـ بالتحريك ، وهو الشرف ؛ ومنه السحب وبه سمي السحاب لا نسياحه في الهواء ؛ ومنه السبح في الماء ، ومد الفرس يديه في الجري ، والسبحة : صلاة التطوع ـ لأنه لا حد لها يحصرها ، ولأنها تجاوزت الفرض ، والسبح : الفراغ ـ للتمكن معه من الانبساط ، والتسبيح : التنزيه ـ لأنه الإبعاد عن النقص ، قال الرماني : وأصله البراءة من الشيء ، وقال ابن مكتوم في الجمع بين
العباب والمحكم : وسبحان الله معناه تنزيها لله من الصحابة والولد ، وتبرئة من السوء ـ هذا معناه في اللغة وبذلك جاء الأثر عن النبيصلىاللهعليهوسلم ، قال سيبويه : زعم أبو الخطاب أن «سبحان الله» كقولك براءة الله من السوء ، كأنه يقول : أبرىء براءة الله من السوء ، وزعم أن مثل ذلك قول الأعشى :
أقول لما جاءني فخره |
سبحان من علقمة الفاخر |
أي براءة منه ، وبهذا استدل على أن سبحان معرفة إذ لو كان نكرة لانصرف ، قال : وقد جاء في الشعر منونا نكرة ، قال أمية :
سبحانه ثم سبحانا يعود له |
وقبلنا سبح الجودي والجمد |
وقال ابن جني : سبحان اسم علم لمعنى البراءة والتنزيه بمنزلة عثمان وحمران ، اجتمع في سبحان التعريف والألف والنون ، وكلاهما علة تمنع من الصرف ـ انتهى. وقال الزجاج : جاء عن النبيصلىاللهعليهوسلم أن قوله «سبحان الله» تبرئه لله من السوء(١) ، وأهل اللغة كذلك يقولون من غير معرفة بما فيه من الرواية عن النبيصلىاللهعليهوسلم قال : ولكن تفسيره يجمعون عليه ، وقد سبح الرجل : قال : سبحان الله ، وفي التنزيل( كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ) [النور : ٤١] وسبح لغة في سبّح ، وحكى ثعلب : سبح تسبيحا وسبحانا ، قال ابن سيده : وعندي أن سبحانا ليس مصدرا لسبّح ، إنما هو مصدر سبح ، وقال النصر : سبحان الله معناه السرعة إليه والخفة في طاعته ، وسبوحة ـ بفتح السين : البلد الحرام ، وسباح علم الأرض الملساء عند معدن بني سليم ، وسبحات وجه الله : أنواره ، والسبحة : الدعاء ، وأيضا صلاة التطوع ـ انتهى. وكله راجع إلى الإبعاد عن السوء ، والسبحان : النفس ، وكل أحد يبرىء نفسه ويرفعها عن السوء.
ولما أوضح إبطال ما تعنتوا به من قولهم «لو لا أنزل عليه كنز» أتبعه ما يوضح تعنتهم في قولهم( أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ ) بذكر المرسلين ، أهل السبيل المستقيم ، الداعين إلى الله على بصيرة ، فقال :( وَما أَرْسَلْنا ) أي بما لنا من العظمة. ولما كان الإرسال لشرفه لا يتأتى على ما جرت به الحكمة في كل زمن كما أنه لا يصلح للرسالة كل أحد ، وكان السياق لإنكار التأييد بملك في قوله( أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ ) كالذي في النحل ، لا لإنكار رسالة البشر ، أدخل الجار تنبيها على ذلك فقال :( مِنْ قَبْلِكَ ) أي إلى المكلفين( إِلَّا رِجالاً ) أي مثل ما أنك رجل ، لا ملائكة ولا إناثا ـ كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما ، والرجل مأخوذ من المشي على الرجل( نُوحِي إِلَيْهِمْ ) أي بواسطة الملائكة مثل
__________________
(١) لم أجده مرفوعا.
ما يوحى إليك( مِنْ أَهْلِ الْقُرى ) مثل ما أنك من أهل القرى ، أي الأماكن المبنية بالمدر والحجر ونحوه ، لأنها متهيئة للإقامة والاجتماع وانتياب أهل الفضائل ، وذلك أجدر بغزارة العقل وأصالة الرأي وحدة الذهن وتوليد المعارف من البوادي ، ومكة أم القرى في ذلك لأنها مجمع لجميع الخلائق لما أمروا به من حج البيت ، وكان العرب كلهم يأتونها ؛ قال الرماني : وقال الحسن : لم يبعث الله نبيا من أهل البادية ولا من الجن ولا من النساء ـ انتهى. وذلك لأن المدن مواضع الحكمة ، والبوادي مواطن لظهور الكلمة ، ولما كانت مكة أم القرى مدينة ، وهي مع ذلك في بلاد البادية ، جمعت الأمرين وفازت بالأثرين ، لأجل أن المرسل إليها جامع لكل ما تفرق في غيره من المرسلين ، وخاتم لجميع النبيين ـصلىاللهعليهوسلم وعليهم أجمعين.
ومادة «قرى» ـ يائية وواوية مهموزة وغير مهموزة بتراكيبها الخمسة عشر ـ تدور على الجمع ، ويلزمه الإمساك ، وربما كان عنه الانتشار ، فالقرية ـ بالفتح ويكسر : المصر الجامع ، وأقرى : لزم القرية ، والقاري : ساكنها ، والقارية : الحاضرة الجامعة ، وطير أخضر ، إما للزومها ، وإما لجمع لونه للبصر ، والقريتين ـ مثنى وأكثر ما يتلفظ به بالياء : مكة والطائف ، وقرية النمل : مجتمع ترابها ، وقريت الماء في الحوض : جمعته ، والمقراة : شبه حوض ، وكل ما اجتمع فيه ماء ، والقريّ : ماء مستجمع ، والمدة تقرى في الجرح ـ أي تجتمع ، والقواري : الشهود ـ لجمعهم الأمور ، والقواري : الناس الصالحون ـ كأنه مخفف من المهموز ، وقريت الضيف قرى بالكسر والقصر ، وبالفتح والمد : أضفته كاقتريته ، والمقراة : الجفنة يقرى فيها الضيف ، والمقاري : القدور ، وقرى البعير وكل ما اجتر : جمع جرته في شدقه ، وقرت الناقة : ورم شدقاها من وجع الأسنان كأنها لا تقدر مع ذلك على جمع الجرة ، فيكون من السلب ، وقرى البلاد : تتبعها يخرج من أرض إلى أرض كاقتراها واستقرها ـ لجمعه بينها ، وقريّ الماء كغني : مسيله من التلاع ، أو موقعه من الربو إلى الروضة ـ لأنه مكان اجتماعه ، وقرى الخيل : واد ـ كأنها اجتمعت فيه ، والقرية ـ كغنية : العصا ، لأن الراعي يجمع بها ما يرعاه. وبها يجمع كل ما يراد جمعه ، وأعواد فيها فرض يجعل فيها رأس عمود البيت ، لأنه بها يقام فيجمع من يراد ، وعود الشراع الذي في عرضه من أعلاه ، لأنه يجمع الشراع ملفوفا ومنشورا ، وقريت الصحيفة لغة في قرأتها ـ إذا تلوتها فجمعت علمها وكلامها ، والقارية : أسفل الرمح ، لأنه يجمع زجه ، أو أعلاه ، لأنه يجمع عاليته ، وحد الرمح ، لأنه يجمع مراد صاحبه ، وكذا حد السيف ، والقارية ـ بالتشديد : طائر أخضر إذا رأوه استبشروا بالمطر ـ كأنه رسول الغيث أو مقدمة السحاب ، جمعه قواري ، كأنه سمي بذلك لأنه
سبب جمع الهم للمطر ؛ والقير والقار : شيء أسود تطلى به السفن ، والإبل ، والحباب ، والزقاق ، أو هما الزفت ، وعلى كل تقدير هو ساد للشقوق والمسام فكان الجامع بين أجزاء السفينة وغيرها ، وهذا أقير من هذا أشد مرارة ـ تشبيه بالقير الطعم ، والمر أيضا يجمع الفم ونحوه بالقبض ، والقيّور ـ كتنور : الخامل النسب ، شبه به أيضا لأن القير لما قل احتياج أكثر الناس إليه في كثير من الأوقات صار قليل الذكر ـ وهذا معنى الخمول ، والقيار كشداد : صاحب القير ، وبئر لبني عجل قرب واسط ، كأنها سميت لجمعها إياهم ، وقيار اسم فرس ، كأنه لجودته يجمع لصاحبه ما يريد ، والقارة : الدّبة كذلك ، والقارة : حي من العرب سموا لأن ابن الشداخ أراد أن يفرقهم في كنانة فقال شاعرهم :
دعونا قارة لا تجفلونا |
فنجفل مثل إجفال الظليم |
ذكره مختصر العين هنا وغيره في الواو ، واقتار الحديث اقتيارا : بحث عنه ـ لأن ذلك سبب لجمعه ، والقيّر ـ كهيّن : الأسوار من الرماة الحاذق ، لأنه يجمع بذلك ما يريد ؛ ورقيت الرجل بالفتح رقية : عوذته ، ونفثت في عوذته ـ لأن الراقي يجمع ريقه وينفث ، ورقيت في الشيء رقيا ـ إذا صعدت عليه ـ كأنك جمعت بين درجه ، والمرقاة بالفتح ويكسر : الدرجة ، لأن العلو من آثار الجمع ، ورقى عليه كلاما ترقية : رفع ، لأنه جمعه عليه ، ومرقيا الأنف : حرفاه لأنهما الجامعان له ؛ والرائق من الماء : الخالص ، لأنه إذا خلص اشتد تلاصق أجزائه لزوال ما كان يتخللها من الغبر ، وراق الماء يريق ـ إذا انصب ، إما لأنه اجتمع إلى المحل الذي انصب إليه ، أو يكون من السلب كأراقه بمعنى صبه ، وراق السراب يريق وتريق يتريق ـ إذا تضحضح فوق الأرض أي تردد ، إما من السلب ، وإما تشبيه بالمجتمع ، والريق : تردد الماء على وجه الأرض من الضحضاح أي اليسير ونحوه ، لأنه لا يتردد إلا وهو مجتمع ، والريق : أول كل شيء وأفضله من الرائق بمعنى الخالص ، ولأن الأول يجتمع إليه غيره ، والأفضل يجمع ما يراد ، والريق أيضا : الباطل ، كالريوق كتنور ـ تشبيها بالسراب ، وريق الفم معروف ، لاجتماعه ، والريق : القوة ، لجمعها المراد ، والريق والرائق : الخالص وكل ما أكل أو شرب على الريق ، ومن ليس في يده شيء ، كأنه خلص عن العلائق فاجتمع همه ، ومن هو على الريق كريقي ككيس ، وهو يريق بنفسه : يجود بها عند الموت ، من راق الماء : انصب ، والمريق ـ كمعظم : من لا يزال يعجبه شيء ، ولعله من راقه يروقه ـ إذا أعجبه ، فجمع همه إليه ؛ واليارق : ضرب من الأسورة ، لأنه يجمع المعصم ، واليرقان ـ ويسكن : الاستقامة والطريقة وآفة للزرع. ومرض معروف ، وسيذكر في «أرق» في أول سورة الحجر إن شاء الله تعالى.
ولما كان الاعتبار بأحوال من سلف للنجاة مما حل بهم أهم المهم ، اعترض بالحث عليه بين الغاية ومتعلقها ، فقال :( أَفَلَمْ يَسِيرُوا ) أي يوقع السير هؤلاء المكذبون( فِي الْأَرْضِ ) أي في هذا الجنس الصادق بالقليل والكثير. ولما كان المراد سير الاعتبار سبب عنه قوله :( فَيَنْظُرُوا ) أي عقب سيرهم وبسببه ، ونبه على أن ذلك أمر عظيم ينبغي الاهتمام بالسؤال عنه بذكر أداة الاستفهام فقال :( كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ ) أي آخر أمر( الَّذِينَ ) ولما كان الذين يعتبر بحالهم ـ لما حل بهم من الأمور العظام ـ في بعض الأزمنة الماضية ، وكان المخاطبون بهذا القرآن لا يمكنهم الإحاطة بأهل الأرض وإن كان في حال كل منهم عظة ، أتى بالجار فقال :( مِنْ قَبْلِهِمْ ) في الرضى بأهوائهم في تقليد آبائهم ، وهذا كما تقدم في سورة يونس من أن الآيات لا تغني عمن ختم على قلبه ، والتذكير بأحوال الماضين من هلاك العاصين ونجاة الطائعين ، والاعتراض بين ذلك بقوله قل انتظروا( إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ) وهو يدل على أنه تعالى يغضب ممن أعرض عن تدبر آياته ؛ والسير : المرور الممتد في جهة ، ومنه أخذ السير ، وأخذ السيور من الجلد ؛ والنظر : طلب إدراك المعنى بالعين أو القلب ، وأصله مقابلة الشيء بالبصر لإدراكه.
ولما كان من الممكن أن يدعي مطموس البصيرة أنه كان لهم نوع خير ، قال على طريقة إرخاء العنان :( وَلَدارُ ) أي الساعة أو الحالة( الْآخِرَةِ ) أي التي وقع التنبيه عليها بأمور تفوت الحصر منها دار الدنيا فإنه لا تكون دنيا إلا بقصيا( خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ) أي حملهم الخوف على جعل الائتمار والانزجار وقاية من حياة أهون مآلها الموت ، وإن فرض فيها من المحال أنها امتدت ألف عام ، وكان عيشها كله رغدا من غير آلام.
ولما كان تسليم هذا لا يحتاج فيه إلى أكثر من العقل ، قال مسببا عنه منكرا عليهم مبكتا لهم :( أَفَلا تَعْقِلُونَ ) أي فيتبعوا الداعي إلى هذا السبيل الأقوم.
( حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠) لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١) )
ولما كان المعنى معلوما من هذا السياق تقديره : فدعا الرجال المرسلون إلى الله واجتهدوا في إنذار قومهم لخلاصهم من الشقاء ، وتوعدوهم عن الله بأنواع العقوبات إن لم يتبعوهم ، وطال عليهم الأمر وتراخى النصر وهم يكذبونهم في تلك الإيعادات
ويبكتونهم ويستهزئون بهم ، واستمر ذلك من حالهم وحالهم ، قال مشيرا إلى ذلك :( حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ ) أي يئسوا من النصر يأسا عظيما كأنهم أوجدوه أو طلبوه واستجلبوه من أنفسهم( وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا ) أي فعلوا فعل اليأس العظيم اليأس الذي ظن أنه قد أخلف وعده من الإقبال على التحذير والتبشير والجواب ـ لمن استهزأ بهم وقال : ما يحبس ما وعدتمونا به ـ بأن ذلك أمره إلى الله ، إن شاء أنجزه ، وإن شاء أخره ، ليس علينا من أمره شيء ؛ ويجوز أن يراد أنهم لمن استبطؤوا النصر وضجروا مما يقاسون من أذى الأعداء ، واستبطاء الأولياء( حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ) كما يقول الآئس( مَتى نَصْرُ اللهِ ) مع علمهم بأن الله تعالى له أن يفعل ما يشاء ، عبر عن حالهم ذلك بما هنا ـ نقل الزمخشري في الكشاف والرازي في اللوامع معناه عن ابن عباس رضي الله عنهما ، هذا على قراءة التخفيف ، وأما على قراءة التشديد فالتقدير : وظنوا أنهم قد كذبهم أتباعهم حتى لقد أنكرت عائشة رضي الله عنها قراءة التخفيف ، روى البخاري في التفسير وغيره عن عروة بن الزبير أنه سألها عن القراءة : أهي بالتشديد أم بالتخفيف؟ فقالت : إنها بالتشديد ، قال قلت : فقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم فما هو بالظن ، قالت : أجل ، لعمري لقد استيقنوا بذلك! فقلت لها : وظنوا أنهم قد كذبوا ـ أي بالتخفيف ـ قالت : معاذ الله! لم تكن الرسل تظن ذلك بربها ، قلت : فما هذه الآية؟ قالت : هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم ، فطال عليهم البلاء ، واستأخر عنهم النصر ،(١) حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم وظنوا أن أتباعهم قد كذبوهم جاءهم نصر الله عند ذلك.( جاءَهُمْ نَصْرُنا ) لهم بخذلان أعدائهم( فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ ) منهم ومن أعدائهم( وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا ) أي عذابنا لما له من العظمة( عَنِ الْقَوْمِ ) أي وإن كانوا في غاية القوة( الْمُجْرِمِينَ ) الذين حتمنا دوامهم على القطيعة كما قلنا( أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ ) وحققنا بمن ذكرنا مصارعهم من الأمم ، وكل ذلك إعلام بأن سنته جرت بأنه يطيل الامتحان ، ويمد زمان الابتلاء والاعتبار ، حثا للأتباع على الصبر وزجرا للمكذبين عن التمادي في الاستهزاء.
ومادة «كذب» تدور على ما لا حقيقة له ، وأكثر تصاريفها واضح في ذلك ، ويستعمل في غير الإنسان ، قالوا : كذب البرق والحلم والرجاء والطمع والظن ، وكذبت العين : خانها حسها ، وكذب الرأي : تبين الأمر بخلاف ما هو به ، وكذبته نفسه : منته غير الحق ، والكذوب : النفس ، لذلك ، وأكذبت الناقة وكذبت ـ إذا ضربها الفحل
__________________
(١) موقوف صحيح. أخرجه البخاري ٤٦٩٥ في كتاب التفسير سورة يوسف عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها.
فتشول أي ترفع ذنبها ثم ترجع حائلا ، لأنها أخلفت ظن حملها ، وكذا إذا ظن بها لبن وليس بها ، ويقال لمن يصاح به وهو ساكن يرى أنه نائم : قد أكذب ، أي عد ذلك الصياح عدما ، والمكذوبة من النساء : الضعيفة ، لأنه لما اجتمع فيها ضعف النساء وضعفها عدت عدما ، والمكذوبة على القلب : المرأة الصالحة ـ كأنها لعزة الصلاح في النساء جعلت عدما ، وكذب الوحشي ـ إذا جرى ثم وقف ينظر ما وراءه ، كأنه لم يصدق بالذي أنفره ، ومنه : كذب عن كذا ـ إذا أحجم عنه بعد أن أراده ، أو لأنه كذب ما ظنه عند الحملة من قتل الأقران ، وكذبك الحج أي أمكنك وكذبك الصيد مثله ، وهو يؤول إلى الحث لأن المعنى أن الحج لعظم مشقته وطول شقته تنفر النفس عنه ، فيكاد أن لا يوجد ، وكذا الصيد لشدة فراره وسرعة نفاره وعزة استقراره يكاد أن لا يتمكن منه فيكون صيده كالكذب لا حقيقة له ، فقد تبين حينئذ وجه كون «كذب» بمعنى الإغراء ولاح أن قوله «ثلاثة أسفار كذبن عليكم : الحج والعمرة والجهاد» معناه أنها لشدة الصعوبة لا تكاد تمكن من أرادها منها ، مع أنه ـ لقوة داعيته لكثرة ما يرى فيها من الترغيب بالأجر ـ يكون كالظافر بها ، ويؤيده ما قال ابن الأثير في النهاية عن الأخفش : الحج مرفوع ومعناه نصب ، لأنه يريد أن يأمره بالحج كما يقال : أمكنك الصيد ، يريد : ارمه ، وقال أبو علي الفارسي في الحجة في قول عنترة :
كذب العتيق وماء شن بارد |
إن كنت سائلتي غبوقا فاذهبي |
وإن شئت قلت : إن الكلمة لما كثر استعمالها في الإغراء بالشيء والبعث على طلبه وإيجاده صار كأنه قال بقوله لها : عليك العتيق ، أي الزميه ، ولا يريد نفيه ولكن إضرابها عما عداه ، فيكون العتيق في المعنى مفعولا به وإن كان لفظه مرفوعا ، مثل «سلام عليكم» ونحوه مما يراد به الدعاء واللفظ على الرفع ، وحكى محمد بن السريرحمهالله عن بعض أهل اللغة في «كذب العتيق» أن مضر تنصب به وأن اليمن ترفع به ، وقد تقدم وجه ذلك ـ انتهى. وأقرب من ذلك جدا وأسهل تناولا وأخذا أن الإنسان لا يزال منيع الجناب مصون الحجاب ما كان لازما للصدق فإذا كذب فقد أمكن من نفسه وهان أمره ، فمعنى «ثلاثة أسفار كذبن عليكم أمكنتكم من أنفسها ، الحج كل سنة بزوال مانع الكفار عنه ، والعمرة كل السنة بزوال المفسدين بالقتل وغيره في أشهر الحل ، والجهاد كل السنة أيضا لإباحته في الأشهر الحرم وغيرها ، وتخريج مثل : كذبتك الظهائر ، وغيره على هذا بين الظهور ولا وقفة فيه ولكون الكاذب يبادر إلى المعاذير ويحاول التخلص كان التعبير بهذا من باب الإغراء ، أي انتهز الفرصة وبادر تعسر هذا الإمكان.
ولما ذكر سبحانه هذه القصص كما كانت ، وحث على الاعتبار بها بقوله :( أَفَلَمْ
يَسِيرُوا ) وأشار إلى أنه بذلك أجرى سنته وإن طال المدى ، أتبعه الجزم بأن في أحاديثهم أعظم عبرة ، فقال حثا على تأملها والاستبصار بها :( لَقَدْ كانَ ) أي كونا هو في غاية المكنة( فِي قَصَصِهِمْ ) أي الخبر العظيم الذي تلي عليك تتبعا لأخبار الرسل الذين طال بهم البلاء حتى استيأسوا من نوح إلى يوسف ومن بعده ـ على جميعهم أفضل الصلاة والسّلام والتحية والإكرام( عِبْرَةٌ ) أي عظة عظيمة وذكرى شريفة( لِأُولِي الْأَلْبابِ ) أي لأهل العقول الخالصة من شوائب الكدر يعبرون بها إلى ما يسعدهم بعلم أن من قدر على ما قص من أمر يوسفعليهالسلام وغيره قادر على أن يعز محمدا صلّى الله عليه وعلى آله وسلم ويعلي كلمته وينصره على من عاداه كائنا من كان كما فعل بيوسف وغيره ـ إلى غير ذلك مما ترشد إليه قصصهم من الحكم وتعود إليه من نفائس العبر ؛ والقصص : الخبر بما يتلو بعضه بعضا ، من قص الأثر ، والألباب : العقول ، لأن العقل أنفس ما في الإنسان وأشرف.
ولما كان من أجل العبرة في ذلك القطع بحقية القرآن لما بينه من حقائق أحوالهم وخفايا أمورهم ودقائق أخبارهم على هذه الأساليب الباهرة والتفاصيل الظاهرة والمناهيج المعجزة القاهرة ، نبه على ذلك بتقدير سؤال فقال :( ما كانَ ) أي هذا القرآن العربي المشتمل على قصصهم وغيره( حَدِيثاً يُفْتَرى ) كما قال المعاندون ـ على ما أشير إليه بقوله :( أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ، ) والافتراء : القطع بالمعنى على خلاف ما هو به في الإخبار عنه ، من : فريت الأديم( وَلكِنْ ) كان( تَصْدِيقَ الَّذِي ) كان من الكتب وغيرها( بَيْنَ يَدَيْهِ ) أي قبله الذي هو كاف في الشهادة بصدقه وحقيته في نفسه( وَ ) زاد على ذلك بكونه( تَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ ) أي يحتاج إليه من أمور الدين والدنيا والآخرة ؛ والتفصيل : تفريق الجملة بإعطاء كل قسم حقه( وَهُدىً وَرَحْمَةً ) وبيانا وإكراما. ولما كان الذي لا ينتفع بالشيء لا يتعلق بشيء منه ، قال :( لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) أي يقع الإيمان منهم وإن كان بمعنى : يمكن إيمانهم ، فهو عام ، وما جمع هذه الخلال فهو أبين البيان ، فقد انطبق هذا الآخر على أول السورة في أنه الكتاب المبين ، وانطبق ما تبع هذه القصص ـ من الشهادة بحقية القرآن ، وأن الرسل ليسوا ملائكة ولا معهم ملائكة للتصديق يظهرون للناس ، وأنهم لم يسألوا على الإبلاغ أجرا ـ على سبب ما تبعته هذه القصص ، وهو مضمون قوله تعالى :( فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ ) [هود : ١٢] الآية من قولهم( لَوْ لا ) ألقي( عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ ) [هود : ١٢] وقولهم : إنه افتراه ، على ترتيب ذلك ، مع اعتناق هذا الآخر لأول التي تليه ، فسبحان من أنزله معجزا باهرا ، وقاضيا بالحق لا يزال ظاهرا ، وكيف لا وهو العليم الحكيم ـ والله سبحانه وتعالى أعلم.
بسم الله الرحمن الرّحيم
سورة الرعد
مدنية ـ آياتها ثلاث وأربعون
مقصودها وصف الكتاب بأنه الحق في نفسه ، وتارة يتأثر عنه مع أن له صوتا وصيتا وإرعابا وإرهابا يهدي بالفعل ، وتارة لا يتأثر بل يكون سببا للضلال والعمى ، وأنسب ما فيها لهذا المقصد الرعد ، فإنه مع كونه حقا في نفسه يسمعه الأعمى والبصير والبارز والمستتر ، وتارة يتأثر عنه البرق والمطر وتارة لا ، وإذا نزل المطر فتارة ينفع إذا أصاب الأراضي الطيبة وسلمت من عاهة ، وتارة يخيب إذا نزل على السباخ الخوارة ،(١) وتارة يضر بالإغراق أو الصواعق أو البرد وغيرها ـ والله أعلم.
( المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١) اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢) )
( بِسْمِ اللهِ ) الحق الذي كل ما عداه باطل( الرَّحْمنِ ) الذي عم بالرغبة والرهبة بعموم رحمته( الرَّحِيمِ ) الذي خص من شاء بما يرضاه عظيم الوهية( المر. )
لما ختم التي قبلها بالدليل على حقية القرآن وأنه هدى ورحمة لقوم يؤمنون ، بعد أن أشار إلى كثرة ما يحسونه من آياته في السماوات والأرض مع الإعراض ، ابتدأ هذه بذلك على طريق اللف والنشر المشوش لأنه أفصح للبداءة في نشره بالأقرب فالأقرب فقال :( تِلْكَ ) أي الأنباء المتلوة والأقاصيص المجلوة المفصلة بدر المعاني وبديع الحكم وثابت القواعد والمباني العالية المراتب( آياتُ ) والآية : الدلالة العجيبة في التأدية إلى المعرفة( الْكِتابِ ) المنزل إليك( وَ ) جميع( الَّذِي ) .
ولما كان تحقق أن هذا الكتاب من عند الملك أمرا لا يطرقه مرية لما له من
__________________
(١) من خورت الأرض : ارتخت من كثرة المطر فساخ ترابها.
الإعجاز ، وكذا ما تبعه من بيانه بالسنة لما له من الحق الذي لا يخفى على كل عاقل ، وكان ما تحقق أنه كذلك يعلم أن الآتي به لا يكون إلا عظيما ، بني للمفعول قوله :( أُنْزِلَ إِلَيْكَ ) كائن( مِنْ رَبِّكَ ) فثبت حينئذ قطعا أنه هو( الْحَقُ ) أي الموضوع كل شيء منه في موضعه على ما تدعو إليه الحكمة ، الواضح الذي لا يتخلف شيء منه عن مطابقة الواقع من بعث ولا غيره ، فهو أبعد شيء عن قولهم : إن وعده بالبعث سحر ، فوجب لثبوت حقيته على كل من اتصف بالعقل أن يؤمن به( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ ) أي الآنسين بأنفسهم المضطربين في آرائهم ،( لا يُؤْمِنُونَ ) أي لا يتجدد منهم إيمان أصلا بأنه حق في نفسه وأنه من عند الله ، بل يقولون : إنه من عند محمد صلّى الله عليه وعلى آله وسلم ، وإنه تخييل ليست معاينة ثابتة ـ كما قلنا( وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ) [يوسف : ١٠٣] فليس هدى لهم كاملا ولا رحمة تامة ، هذا التقدير محتمل ، ولكن الذي يدل عليه ظاهر قوله تعالى :( أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُ ) [الرعد : ١٩] أن( الَّذِي ) مبتدأ ، و( مِنْ رَبِّكَ ) صلة( أُنْزِلَ ) والخبر( الْحَقُ ) والمقصود من هذه السورة هذه الآية ، وهي وصف المنزل بأنه الحق وإقامة الدليل عليه ، وذلك لأنه لما تم وصف الكتاب بأنه حكيم محكم مفصل مبين ، عطف الكلام إلى تفصيل أول سورة البقرة ، والإيماء إلى أنه حان اجتناء الثمرة في هذه السورة والتي بعدها ، ويلتحم بذلك وصف المصدقين بذلك ـ كما ستقف عليه.
وقال الإمام أبو جعفر بن زبيررحمهالله في برهانه : هذه السورة تفصيل لمجمل قوله سبحانه في خاتمة سورة يوسفعليهالسلام ( وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ* وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ* أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ* قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) [يوسف : ١٠٥ ـ ١٠٦ ـ ١٠٧ ـ ١٠٨] فبيان آي السماوات في قوله :( اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ) وبيان آي الأرض في قوله :( وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ) فهذه آي السماوات والأرض ، وقد زيدت بيانا في مواضع ، ثم في قوله تعالى :( يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ ) ما يكون من الآيات عنهن ، لأن الظلمة عن جرم الأرض ، والضياء عن نور الشمس وهي سماوية ، ثم زاد تعالى آيات الأرض بيانا وتفصيلا في قوله تعالى :( وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ ) [الرعد : ٤] إلى قوله :( لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ. ) ولما كان إخراج الثمر بالماء النازل من السماء من أعظم آية ، ودليلا واضحا على صحة المعاد ، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى( كَذلِكَ نُخْرِجُ
الْمَوْتى ) [الأعراف : ٥٧] وكان قد ورد هنا أعظم جهة في الاعتبار من إخراجها مختلفات في الطعوم والألوان والروائح مع اتحاد المادة «يسقى» بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل لذلك ما أعقب قوله تعالى :( وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ ) الآية بقوله( وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ إِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ) ثم بين سبحانه الصنف القائل بهذا وأنهم الكافرون أهل الخلود في النار ، ثم أعقب ذلك ببيان عظيم حلمه وعفوه فقال( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ ) [الرعد : ٦] الآية ، ثم أتبع ذلك بما يشعر بالجري على السوابق في قوله( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) [الرعد : ٧] ثم بين عظيم ملكه واطلاعه على دقائق ما أوجده من جليل صنعه واقتداره فقال( اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ ) الآيات إلى قوله :( وَما ) لكم( مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ ) ثم خوف عباده وأنذرهم ورغبهم( هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً ) [الرعد : ١٢] ، الآيات وكل ذلك راجع إلى ما أودع سبحانه في السماوات والأرض وما بينهما من الآيات ، وفي ذلك أكثر آي السورة ونبه تعالى على الآية الكبرى والمعجزة العظمى فقال :( وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى ) [الرعد : ٣١] والمراد : لكان هذا القرآن( وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ) [النساء : ٨٢] والتنبيه بعظيم هذه الآيات مناسب لمقتضى السورة من التنبيه بما أودع تعالى من الآيات في السماوات والأرض ، وكأنه جل وتعالى لما بين لهم عظيم ما أودع في السماوات والأرض وما بينهما من الآيات وبسط ذلك وأوضحه ، أردف ذلك بآية أخرى جامعة للآيات ومتسعة للاعتبارات فقال تعالى( وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ ) [الرعد : ٣١] فهو من نحو( إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وَفِي خَلْقِكُمْ ) [الجاثية : ٣] أي لو فكرتم في آيات السماوات والأرض لأقلتكم وكفتكم في بيان الطريق إليه ولو فكرتم في أنفسكم وما أودع تعالى فيكم من العجائب لا كتفيتم «من عرف نفسه عرف ربه»(١) فمن قبيل هذا الضرب من الاعتبار هو الواقع في سورة الرعد من بسط آيات السماوات والأرض ، ثم ذكر القرآن وما يحتمل ، فهذه إشارة إلى ما تضمنت هذه السورة الجليلة من بسط الآيات المودعة في الأرضين والسماوات. وأما قوله تعالى( وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ) [يوسف : ١٠٦] فقد أشار إليه قوله تعالى :( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ ) وقوله تعالى :( الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) [الرعد : ٢٨]
__________________
(١) باطل لا أصل له مرفوعا. ذكره السخاوي في المقاصد الحسنة ١١٤٩ وقال : قال أبو المظفر بن السمعاني في الكلام على التحسين والتقبيح العقلي : من القواطع أنه لا يعرف مرفوعا وإنما يحكى عن يحيى بن معاذ الرازي من قوله. ونقل العجلوني في الكشف ٢٥٣٢ عن ابن تيمية قوله : موضوع.
فالذين تطمئن قلوبهم بذكر الله هم أولو الألباب المتذكرون التامو الإيمان وهم القليل المشار إليهم في قوله تعالى( وَقَلِيلٌ ما هُمْ ) [ص : ٢٤] والمقول فيهم( أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ) [الأنفال : ٤] ودون هؤلاء طوائف من المؤمنين ليسوا في درجاتهم ولا بلغوا يقينهم ، وإليهم الإشارة بقوله :( وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ) [يوسف : ١٠٦] قال عليه الصلاة والسّلام «الشرك في أمتي أخفى من دبيب النمل» فهذا بيان ما أجمل في قوله( وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ) وأما قوله تعالى :( أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللهِ ) [يوسف : ١٠٧] فما عجل لهم من ذلك في قوله :( وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ ) القاطع دابرهم ، والمستأصل لأمرهم ، وأما قوله تعالى :( قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ ) [يوسف : ١٠٨] الآية ، فقد أوضحت آي سورة الرعد سبيلهعليهالسلام وبينته بما تحملته من عظيم التنبيه وبسط الدلائل بما في السماوات والأرض وما بينهما وما في العالم بجملته وما تحمله الكتاب المبين ـ كما تقدم ، ثم قد تعرضت السورة لبيان جليّ سالكي تلك السبيل الواضحة المنجية فقال تعالى :( الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ ) [الرعد : ٢٠] إلى آخر ما حلاهم به أخذا وتركا ، ثم عاد الكلام بعد إلى ما فيه من التنبيه والبسط وتقريع الكفار وتوبيخهم وتسليتهعليهالسلام في أمرهم( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ* وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً ) [الرعد : ٣٨] ،( فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ ) [الرعد : ٤٠]( وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً ) [الرعد : ٤٣] ، والسورة بجملتها غير حائدة عن تلك الأغراض المجملة في الآيات الأربع المذكورات من آخر سورة يوسف ، ومعظم السورة وغالب آيها في التنبيه وبسط الدلالات والتذكير بعظيم ما أودعت من الآيات ؛ ولما كان هذا شأنها أعقبت بمفتتح سورة إبراهيمعليهالسلام ـ انتهى.
فلما أثبت سبحانه لهذا الكتاب أنه المختص بكونه حقا فثبت أنه أعظم الأدلة والآيات ، شرع يذكر ما أشار إليه بقوله :( وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ ) من الآيات المحسوسة الظاهرة الدالة على كون آيات الكتاب حقا بما لها في أنفسها من الثبات ، والدالة بما لفاعلها من القدرة والاختيار ـ على أنه قادر على كل شيء ، وأن ما أخبر به من البعث حق لما له من الحكمة ، والدالة ـ بما للتعبير عنها من الإعجاز ـ على كونها من عند الله ، وبدأ بما بدأ به في تلك من آيات السماوات لشرفها ولأنها أدل ، فقال :( اللهُ ) أي الملك الأعظم الذي له جميع صفات الكمال وحده( الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ ) بعد إيجادها من عدم ـ كما أنتم بذلك مقرون ؛ والرفع : وضع الشيء في جهة العلو سواء كان بالنقل أو بالاختراع ، كائنة( بِغَيْرِ عَمَدٍ ) جمع عماد كأهب وإهاب أو عمود ، والعمود : جسم