نظم الدّرر الجزء ٤

نظم الدّرر0%

نظم الدّرر مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف: علوم القرآن
الصفحات: 572

  • البداية
  • السابق
  • 572 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 438 / تحميل: 98
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 4

مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
العربية

المصاحف مشير ـ بما ذكر أهل الله من أن الواو معناه العلو والرفعة ـ إلى أن بعض الممحوات تبقى آثارها عالية ، فإنه قد يمحو عمر شخص بعد أن كانت له آثار جميلة ، فيبقيها سبحانه وينشرها ويعليها ، وقد يمحو شريعة ينسخها ويبقى منها آثارا صالحة تدل على ما أثبت من الشريعة الناسخة لها ، وأما حذفها باتفاق المصاحف أيضا في( يَمْحُ اللهُ الْباطِلَ ) في الشورى مع أنه مرفوع أيضا ، فللبشارة بإزهاق الباطل إزهاقا هو النهاية ـ كما سيأتي إن شاء الله تعالى ، وذلك لمشابهة الفعل بالأمر المقتضي لتحتم الإيقاع بغاية الاتقان والدفاع ، وقال :( وَعِنْدَهُ ) مع ذلك( أُمُ ) أي أصل( الْكِتابِ ) لمن وهمه مقيد بأن الحفظ بالكتابة ، وهو اللوح المحفوظ الذي هو أصل كل كتاب ، وقد تقدم غير مرة أنه الكتاب المبين الذي هو بحيث يبين كل ما طلب علمه منه كلما طلب ؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما : هما كتابان : كتاب سوى أم الكتاب ، يمحو منه ما يشاء ويثبت ، وأم الكتاب الذي لا يغير منه شيء ـ انتهى. والمراد ـ والله أعلم ـ أنه يكون في أم الكتاب أنا نفعل كذا ـ وإن كان في الفرع على غير ذلك ، فإنه بالنسبة إلى شريعة دون أخرى ، فإذا نقضت الشريعة الأولى فإنا نمحوه في أجل كذا ، أو يكون المعنى : يمحو ما يشاء من ذلك الكتاب بأن يعدم مضمونه بعد الإيجاد ، ويثبت ما يشاء بأن يوجده من العدم وعنده أم الكتاب ؛ قال الرازي في اللوامع : وقد أكثروا القول فيها ، وعلى الجملة فكل ما يتعلق به المشيئة من الكائنات فهو بين محو وإثبات ، محو بالنسبة إلى الصورة التي ارتفعت ، إثبات بالنسبة إلى الصورة الثانية ، والقضاء الأزلي ، والمشيئة الربانية مصدر هذا المحو والإثبات ، فذلك هو القضاء وهذا هو القدر ، فالقضاء مصدر القدر ، والقدر مظهر القضاء ، والله تعالى وصفاته منزه عن التغير.

ولما تم ما أراد مما يتعلق بتألفهم ، وختم بأنه سبحانه يفعل ما يشاء من تقديم وتأخير ومحو وإثبات ، وكان من مقترحاتهم وطلباتهم استهزاء استعجال السيئة مما توعدوا به ، وكانت النفس ربما تمنت وقوع ذلك للبعض وإثباته ليؤمن غيره تقريبا لفصل النزاع ، قال سبحانه وتعالى :( وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ ) أكده لتأكيد الإعلام بأنه لا حرج عليه في ضلالة من ضل بعد إبلاغه ، نفيا لما يحمله عليهصلى‌الله‌عليه‌وسلم شدة رحمته لهم وشفقته عليهم من ظن أنه عليه أن يردهم إلى الحق حتما( بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ ) وأنت حي مما تريد أو يريد أصحابك ، فصل الأمر به فثبت وقوعه إقرارا لأعينكم قبل وفاتك ؛ والوعد : الخبر عن خير مضمون ، والوعيد : الخبر عن شر مضمون ، والمعنى هاهنا عليه ، وسماه وعدا لتنزيلهم إياه في طلب نزوله منزلة الوعد( أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ) قبل أن نريك ذلك ، وهو ممحو الأثر لم يتحقق ، فالذي عليك والذي إلينا مستو بالنسبة إلى كلتا الحالتين( فَإِنَّما عَلَيْكَ

١٦١

الْبَلاغُ ) وهو إمرار الشيء إلى منتهاه ، وهو هنا الرسالة ؛ وليس عليك أن تحاربهم ولا أن تأتيهم بالمقترحات( وَعَلَيْنَا الْحِسابُ ) وهو جزاء كل عامل بما عمل في الدنيا والآخرة ، ولنا القوة التامة عليه ؛ والآية من الاحتباك ـ كما مضى بيان ذلك في مثلها من سورة يونسعليه‌السلام .

( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤١) وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (٤٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ (٤٣) )

ولما أرشد السياق إلى أن التقدير في تحقيق أنه سبحانه قادر على الجزاء لمن أراد : ألم يروا أنا أهلكنا من قبلهم وكانوا أقوى منهم شوكة وأكثر عدة؟ عطف عليه قوله :( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا ) أي بما لنا من العظمة( نَأْتِي الْأَرْضَ ) التي هؤلاء الكفرة بها ، فكأنه قيل : أي إتيان؟ فقيل : إتيان البأس إذا أردنا ، والرحمة إذا أردنا( نَنْقُصُها ) والنقص : أخذ شيء من الجملة تكون به أقل( مِنْ أَطْرافِها ) بما يفتح الله على المسلمين مما يزيد به في أرض أهل الإسلام بقتل بعض الكفار واستسلام البعض حتى يبيد أهلها على حسب ما نعلمه حكمة من تدبير الأمور وتقليبها حالا إلى حال حتى تنتهي إلى مستقرها بعد الحساب في دار ثواب أو عقاب ، وذلك أن المسلمين كانوا يغزون ما يلي المدينة الشريفة من أطراف بلاد الكفار كما أرشد تعالى إليه بقوله :( قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ ) فيفتحونها أولا فأولا حتى دان العرب كلهم طوعا أو كرها بعد قتل السادة وذل القادة ـ والله غالب على أمره ؛ والطرف : المنتهى ، وهو موضع من الشيء ليس وراءه منه شيء ، وأطراف الأرض : جوانبها ، وكان يقال : الأطراف : منازل الأشراف ، يطلبون القرب على الأضياف ؛ ثم أثبت لنفسه تعالى أمرا كليا يندرج ذلك فيه ، فقال لافتا الكلام من أسلوب التكلم بالعظمة إلى غيبة هي أعظم العظمة بالاسم الأعظم :( وَاللهُ ) أي الملك الأعلى( يَحْكُمُ ) ما يريد لأنه( لا مُعَقِّبَ ) أي راد ، لأن التعقيب : رد الشيء بعد فصله( لِحُكْمِهِ ) وقد حكم للإسلام بالغلب والإقبال ، وعلى الكفر بالانتكاس والإدبار ، وكل من حكم على غير هذه الصفة فليس بحاكم ، وذلك كاف في الخوف من سطوات قدرته( وَهُوَ ) مع تمام القدرة( سَرِيعُ الْحِسابِ ) جزاءه محيط بكل عمل لا يتصور أن يفوته شيء ، فلا بد من لقاء جزائه ، وكل ما هو آت سريع ، وهو مع ذلك يعد لكل عمل جزاءه على ما تقتضيه الحكمة من عدل أو فضل حين صدوره ، لا يحتاج إلى زمان ينظر فيه ما جزاءه؟ ولا : هل عمل أو لا؟ لأنه لا تخفى عليه خافية ؛

١٦٢

والسرعة : عمل الشيء في قلة المدة على ما تحده الحكمة ، والإبطاء : عمله في طول مدة خارجة عن الحكمة ، والسرعة محمودة ، والعجلة مذمومة ، وهو تعالى قادر على الكفرة وإن كانوا كالقاطعين بأنهم يغلبون ، لما لهم من القوة والكثرة ، مع جودة الآراء وحدة الأفكار والقدرة بالأموال وإن اشتد مكرهم ، فهو لا يغني عنهم شيئا ، فقد مكروا بك غير مرة ثم لم أزدك إلا علوا( وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ ) ولما كان المراد بالمكرة إنما هو بعض الناس في بعض الزمان قال :( مِنْ قَبْلِهِمْ ) أي بالرسل وأتباعهم ، فكان مكرهم وبالا عليهم ، فطوى في هذه الجملة مكرهم الذي اجتمعوا عليه غير مرة وأتقنوه بزعمهم ، فكان سبب الرفعة للإسلام وأهله وذل الشرك وأهله ، ودل على ذلك المطوي بواو العطف في قوله( وَقَدْ ) وطوى في الكلام السابق إهلاك الأمم الماضية في الاستدلال على قدرته على الجزاء الذي هو روح الحساب ودل عليه بواو العطف في( أَوَلَمْ يَرَوْا ) فتأمل هذا الإبراز في قوالب الإعجاز.

ولما كان ذلك كذلك ، تسبب عنه أن يقال :( فَلِلَّهِ ) أي الملك الأعظم المحيط علمه وقدرته خاصة( الْمَكْرُ جَمِيعاً ) والمكر : الفتل عن البغية بطريق الحيلة ، ويلزمه الستر ـ كما مضى بيانه ، ولا شيء أستر عن العباد من أفعاله تعالى ، فلا طريق لهم إلى علمها إلا من جهته سبحانه ، وسمي فعله مكرا مجازا لأنه ناشىء عن مكرهم جزاء لهم ؛ ثم علل ذلك بقوله :( يَعْلَمُ ) ويجوز أن يكون تفسيرا لما قبله ، لأن علم المكر من الماكر من حيث لا يشعر أدق المكر( ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ) أي من مكر وغيره ، فيجازيهم إذا أراد بأن ينتج عن كل سبب أقاموه مسببا يكون ضد ما أرادوا ، ولا تمكنهم إرادة شيء إلا بإرادته ، فستنظرون ماذا يحل بهم من بأسه بواسطتكم أو بغيرها حتى تظفروا بهم فتبيدوهم أجمعين( وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ ) أي كل كافر بوعد لا خلف فيه ، إن كان من الجهل بحيث لا يعلم الأشياء إلا بالتصريح أو الحس( لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ ) حين نأتيهم ضد مرادهم ؛ والكسب : الفعل لاجتلاب النفع أو دفع الضر.

ولما تقدم قوله تعالى :( وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ ) عطف عليه ـ بعد شرح ما استتبعه ـ قوله :( وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي أوجدوا الكفر ولو على أدنى الرتب ، قولا على سبيل التكرار :( لَسْتَ مُرْسَلاً ) لكونك لا تأتي بمقترحاتهم مع أنه لم يقل يوما : إنه قادر عليها ، فكأنه قيل : فما أقول لهم؟ فقال :( قُلْ كَفى ) والكفاية : وجود الشيء على مقدار الحاجة ؛ ومعنى الباء في( بِاللهِ ) أي الذي له الإحاطة الكاملة ـ التأكيد ، لأن الفعل لما جاز أن يضاف إلى غير فاعله إذا أمر به أزيل هذا الاحتمال من وجهين : جهة الفاعل وجهة صرف الإضافة( شَهِيداً ) أي بليغ العلم في شهادته

١٦٣

بالاطلاع على ما ظهر وما بطن( بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ) يشهد بتأييد رسالتي وتصحيح مقالتي بما أظهر لي من الآية وأوضح من الدلالة بهذا الكتاب ، ويشهد بتكذيبكم بادعائكم القدرة على المعارضة وترككم لها عجزا ، وهذا على مراتب الشهادة ، لأن الشهادة قول يفيد غلبة الظن بأن الأمر كما شهد به ، والمعجزة فعل مخصوص يوجب القطع بأن ما جاءت لأجله كما هو( وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ) مما أنزله فيه من الأصول والفروع والخبر عما كان ويكون على نحو من الأساليب ونمط من المناهيج أخرس الفصحاء ، وأبكم البلغاء ، وأبهت الحكماء ، وهو الله تعالى ، تأييدا وتحقيقا لدعواي ، ويؤيد أن المراد به «الله» قراءة( مَنْ ) على أنها جارة ، وفي سوقه هكذا على طريق الإبهام من ترويع النفس بهزّها إلى تطلب المتصف بهذا الوصف ما ليس في التعيين ، فهو إذن كدعوى الشيء مقرونا بدليله ، فقد انطبق هذا الآخر على أول السورة في أن المنزل حق من عنده وأنهم لا يؤمنون ـ والله الموفق.

١٦٤

بسم الله الرّحمن الرّحيم

سورة إبراهيم

مكية ـ آياتها اثنان وخمسون

( الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٢) )

( بِسْمِ اللهِ ) الذي تفرد بالكمال ، وعز عن أن يكون له كفو أو مثال( الرَّحْمنِ ) لجميع خلقه بكتاب هو الغاية في البيان( الرَّحِيمِ ) الذي اختار من عباده من ألزمهم روح وداده( الر. )

مقصود السورة التوحيد ، وبيان أن هذا الكتاب غاية البلاغ إلى الله ، لأنه كافل ببيان الصراط الدال عليه المؤدى إليه. ناقل ـ بما فيه من الأسرار ـ للخلق من طور إلى طور ـ بما يشير إليه حرف الراء ، وأدل ما فيها على هذا المرام قصة إبراهيم عليه الصلاة والسّلام ، أما التوحيد فواضح ، وأما أمر الكتاب فلأنه من جملة دعائه لذريته الذين أسكنهم عند البيت المحرم من ذرية إسماعيلعليه‌السلام ( رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ) [البقرة : ١٢٩].

ولما ختم الرعد بأنه لا شهادة تكافىء شهادة من عنده علم الكتاب إشارة إلى أن الكتاب هو الشاهد بإعجازه ببلاغته وما حوى من فنون العلوم ، وأتى به في ذاك السياق معرفا لما تقدم من ذكره في البقرة وغيرها ثم تكرر وصفه في سورة يونس وهود ويوسف والرعد بأنه حكيم محكم مفصل مبين ، وأنه الحق الثابت الذي تزول الجبال الرواسي وهو ثابت لا يتعتع شيء منه. ولا يزلزل معنى من معانيه ، ذكره في أول هذه السورة منكرا تنكير التعظيم فقال :( كِتابٌ ) أي عظيم في درجات من العظمة. لا تحتمل عقولكم الإخبار عنها بغير هذا الوصف ، ودل تعليل وصفه بالمبين بأنه عربي على أن التقدير :( أَنْزَلْناهُ ) أي بما لنا من العظمة( إِلَيْكَ ) بلسان قومك لتبين لهم.

١٦٥

ولما استجمع التعريف بالأوصاف الموجبة للفلاح المذكورة أول السورة المستدل عليها بكل برهان منير وسلطان مبين ، فصار بحيث لا يتوقف عن اجتناء ثمرته من وقف على حقائق تلك النعوت ، شوق إلى تلك الثمرة بعد تفصيل ما في أول البقرة في التي قبلها كما مضى بما يحث عليه ويقبل بقلب كل عاقل إليه فقال :( لِتُخْرِجَ النَّاسَ ) أي عامة قومك وغيرهم بدعائك إياهم به وإن كانوا ذوي اضطراب( مِنَ الظُّلُماتِ ) التي هي أنواع كثيرة من الضلالات التي أدت إليها الجهالات( إِلَى النُّورِ ) الذي هو واحد ، وهو سبيل الله المدعو بالهداية إليه في الفاتحة ، أو لتبين للعرب قومك لأنه بلسانهم بيانا شافيا ، فتجعلهم ـ بما تقيم عليهم من الحجج الساطعة ، وتوضح لهم من البراهين القاطعة ، وتنصب لهم من الأعلام الظاهرة ، وتحكم لهم من الأدلة الباهرة ـ في مثل ضوء النهار بما فتح من مقفل أبصارهم ، وكشف عن أغطية قلوبهم ، فيكونوا متمكنين من أن يخرجوا من ظلمات الكفر التي هي طرق الشيطان إلى نور الإيمان الذي هو سبيله( وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ) [الأنعام : ١٥٣] وشبه الإيمان وما أرشد إليه بالنور ، لأنه عصمة العقل من الخطأ في الطريق إلى الله كما أن النور عصمة البصر من الضلال عن الطريق الحسي ، وإذا خرجوا إلى النور كانوا جديرين بأن يخرجوا جميع الناس( بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ) أي المحسن إليهم ؛ والإذن : الإطلاق في الفعل بقول يسمع بالأذن ، هذا أصله ـ قاله الرماني.

ولما كان النور مجملا ، بينه على سبيل الاستئناف أو البدل بتكرير العامل فقال :( إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ ) الذي تعالى عن صفات النقص فعز عن أن يدخل أحد صراطه الذي هو ربه ، أو يتعرض أحد إلى سالكه بغير إذنه( الْحَمِيدِ ) المحيط بجميع الكمال ، فهو المستحق لجميع المحامد لذاته وبما يفيض على عباده من النعم التي يربيهم ويتحمد إليهم بها على كل حال ، فكيف إذا سلكوا سبيله الواضح الواسع السهل!.

ولما أضاف طريق النجاة إلى وصفين يجوز إطلاق كل منهما على الخلق ، بينهما باسمه الشريف العلم على الاستئناف في قراءة نافع وابن عامر بالرفع. وعلى أنه عطف بيان في قراءة الباقين بالجر لأنه جرى مجرى الأسماء الأعلام لاختصاصه بالمعبود بحق ووصفه بما اقتضى توحيده ، فقال :( اللهِ ) أي المحيط علما وقدرة( الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ ) أي الأجسام العالية من الأراضي وغيرها. ولما كان في سياق الدلالة على الخالق وإثبات توحيده ، أكد بإعادة الموصول مع صلته فقال :( وَما فِي الْأَرْضِ ) أي فويل لمن أشرك به شيئا منهما أو فيهما ، فإنه لا أبين من أن ما كان مملوكا لا يصلح لأن يكون شريكا. ويجوز أن يكون التقدير : فوأل ونجاة وسلامة لمن اهتدى به فخرج من

١٦٦

ظلمات الكفر( وَوَيْلٌ ) مصدر بمعنى الهلاك ، ينصب نصب المصادر ثم يرفع رفعها لإفادة أن معنى الهلاك ـ وهو ضد الوأل الذي هو النجاة ـ ثابت( لِلْكافِرِينَ ) الذين ستروا أدلة عقولهم( مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ ) تتضاعف آلامه وقوته ؛ والشدة : تجمع يصعب معه التفكيك.

( الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٣) وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤) )

ولما أشار إلى ما للكافرين ، وصفهم بما عاقهم عن قبول الخير وتركهم في أودية الشر فقال :( الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ ) أي يطلبون أن يحبوا أو يوجدون المحبة بغاية الرغبة متابعة للهوى( الْحَياةَ الدُّنْيا ) وهي النشأة الأولى التي هي دار الارتحال ، مؤثرين لها( عَلَى الْآخِرَةِ ) أي النشأة الأخرى التي هي دار المقام ، وذلك بأن يتابعوا أنفسهم على حبها حتى يكونوا كأنهم طالبون لذلك ، وهذا دليل على أن المحبة قد تكون بالإرادة ؛ والمحبة : ميل الطباع إلى الشيء بالشهوة ، فهم يمتنعون خوفا على دنياهم التي منها رئاستهم عن سلوك الصراط( وَ ) يضمون إلى ذلك أنهم( يَصُدُّونَ ) أي يعرضون بأنفسهم ويمنعون غيرهم( عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) أي طريق الملك الأعظم ؛ والسبيل : المذهب المهيأ للسلوك( وَ ) يزيدون على ذلك أنهم( يَبْغُونَها ) أي يطلبون لها ، حذف الجار وأوصل الفعل تأكيدا له( عِوَجاً ) والعوج : ميل عن الاستقامة ، وهو بكسر العين في الدين والأمر والأرض ، وبالفتح في كل ما كان قائما كالحائط والرمح ونحوهما( أُولئِكَ ) أي البعداء البغضاء( فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ) أي عن الحق ، إسناد مجازي ، لأن البعيد أهل الضلال بميلهم عن الباقي إلى الفاني وبطلبهم العوج فيما قومه الله المحيط بكل شيء قدرة وعلما.

ولما قدم ما أفهم أنه أرسلهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بلسان قومه إلى الناس كافة لأن اللسان العربي أسهل الألسنة وأجمعها وأفصحها وأبينها ، فكان في غاية العدالة ، وختم بأن السبيل إليه في غاية الاستقامة والاعتدال ، دلّ على شرف هذا اللسان لصلاحيته لجميع الأمم وخفته عليهم بخصوص لسان كل من الرسل بقومه ، فلذلك أتبعه قوله :( وَما أَرْسَلْنا ) أي بما لنا من العظمة ، وأعرق في النفي فقال :( مِنْ رَسُولٍ ) أي في زمن من الأزمان( إِلَّا بِلِسانِ ) أي لغة( قَوْمِهِ ) أي الذين فيهم قوة المحاولة لما يريدون( لِيُبَيِّنَ ) أي بيانا شافيا( لَهُمْ ) كما تقدم أنا أرسلناك بكتاب عربي بلسان قومك لتبين لهم ولجميع الخلق ، فإن لسانك أسهل الألسنة وأعذبها ، فهو معطوف على( أَنْزَلْناهُ ) بالتقدير الذي

١٦٧

تقدم ، فإذا تقرر ذلك علم أنه لا مانع حينئذ لأمة من الأمم عن الاستقامة على هذا الصراط إلا إذن الله ومشيئته( فَيُضِلُ ) أي فتسبب عن ذلك أنه يضل( اللهُ ) أي الذي له الأمر كله( مَنْ يَشاءُ ) إضلاله ، وقدم سبحانه هذا اهتماما بالدلالة على أنه سبحانه خالق الشر كما أنه خالق الخير مع أن السياق لذم الكافرين الذين هم رؤوس أهل الضلال( وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) هدايته فإنه سبحانه هو المضل الهادي ، وأما الرسل فمبينون ملزمون للحجة تمييزا للضال من المهتدي( وَهُوَ ) أي وحده( الْعَزِيزُ ) الذي لا يرام ما عنده إلا به ، ولا يمتنع عليه شيء أراده( الْحَكِيمُ ) الذي لا ينقض ما دبره ، فلذلك دبر بحكمته إرسالهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى الخلق كافة باللسان العربي ، لأن المقصود جمع الخلق على الحق ، فجمعهم على لسان واحد أنسب ما يكون لذلك ، ولو أنزل بألسنة كلها لكان منافيا لهذا المقصود ، وإن كان مع الإعجاز بكل لسان كان قريبا من الإلجاء فيفوت الإيمان بالغيب ، ويؤدي أيضا إلى ادعاء أهل كل لسان أن التعبير عنه بلسانهم أعظم ، فيؤدي ذلك إلى المفاخرة والعصبية المؤدي إلى أشد الفرقة ، وأنسب الألسنة لسان قوم الرسول لأنهم ، أقرب إليه ، فيكون فهمهم لأسرار شريعته ووقوفهم على حقائقها أسهل ، ويكونون عن الغلط والخطأ أبعد ، فإذا فهموا عنه دعوا من يليهم بالتراجمة وهلم جرا ، فانتشر الأمر وعم وسهل ، وكان مع ذلك أبعد من التحريف وأسلم من التنازع.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما كانت سورة الرعد على ما تمهد بأن كانت تلك الآيات والبراهين التي سلفت فيها لا يبقى معها شك لمن اعتبر بها لتعظيم شأنها وإيضاح أمرها ، قال تعالى :( كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ) [إبراهيم : ١] أي إذا هم تذكروا به واستبصروا ببراهينه وتدبروا آياته( وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ ) [الرعد : ٣١]. ولما كان هذا الهدى والضلال كل ذلك موقوف على مشيئته سبحانه وسابق إرادته وقد قال لنبيهعليه‌السلام ( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) قال تعالى هنا( بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ، ) إنما عليك البلاغ. ولما قال تعالى :( وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ ) من( السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) [يوسف : ١٠٥] تم بسطها في سورة الرعد ، أعلم هنا أن ذلك كله له وملكه فقال :( الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) [إبراهيم : ٢] فالسماوات والأرض بجملتهما وما فيهما من عظيم ما أوضح لكم الاعتبار به ، كل ذلك له ملكا وخلقا واختراعا ،( وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً ) [آل عمران : ٨٣]( وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ ) [إبراهيم : ٢] لعنادهم مع وضوح الأمر وبيانه( وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) [التوبة : ٣٤] مع وضوح السبيل

١٦٨

وانتهاج ذلك الدليل ، ثم قال تعالى :( وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ ) [إبراهيم : ٤] وكأن هذا من تمام قوله سبحانه( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً ) [الرعد : ٣٨] وذلك أن الكفار لما حملهم الحسد والعناد وبعد الفهم بما جبل على قلوبهم وطبع عليها على أن أنكروا كون الرسل من البشر حتى قالوا :( أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا ) [التغابن : ٦] ،( ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا ) [يس : ١٥] وحتى قالت قريش :( لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ) [الأنعام : ٨] ،( ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ وَقالُوا لَوْ لا ) أنزل( هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ) [الزخرف : ٣١] فلما كثر هذا منهم وتبع خلفهم في هذا سلفهم ، رد تعالى أزعامهم وأبطل توهمهم في آيات وردت على التدريج في هذا الغرض شيئا فشيئا ، فأول الوارد من ذلك في معرض الرد عليهم وعلى ترتيب سور الكتاب قوله تعالى :( أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ ) [يونس : ٢] ، الآية ثم أتبع ذلك بانفراده تعالى بالخلق والاختراع والتدبير والربوبية ، وفي طي ذلك أنه يفعل ما يشاء لأن الكل خلقه وملكه ، وأنه العليم بوجه الحكمة في إرسال الرسل وكونهم من البشر ، فأرغم الله تعالى بمضمون هذه الآي كل جاحد ومعاند ؛ ثم ذكر تعالى في سورة هود قول قوم نوح( ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا ) [هود : ٢٧] ، الآية وجوابهعليه‌السلام ( أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ ) [هود : ٦٣] أي أني وإن كنت في البشرية مثلكم فقد خصني الله بفضله وآتاني رحمة من عنده وبرهانا على ما جئتكم به عنه ، وفي هذه القصة أعظم عظة ، ثم جرى هذا لصالح وشعيبعليهما‌السلام ، وديدن الأمم أبدا مع أنبيائهم ارتكاب هذه المقالات ، وفيها من الحيد والعجز عن مقاومتهم ما لا يخفى وما هو شاهد على تعنتهم ، ثم زاد سبحانه تعالى نبيه صلّى الله عليه وعلى آله وسلم تعريفا بأحوال من تقدمه من الأنبياءعليهم‌السلام ليسمع ذلك من جرى له مثل ما جرى لهم فقال مثل مقالتهم ، فقال تعالى :( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً ) [الرعد : ٣٨] وأعلم سبحانه أن هذا لا يحط شيئا من مناصبهم ، بل هو واقع في قيام الحجة على العباد. ثم تلا ذلك بقوله :( وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ ) [إبراهيم : ٤] أي ليكون أبلغ في الحجة وأقطع للعذر ، فربما كانوا يقولون عند اختلاف الألسنة : لا نفهم عنهم ، إذ قالوا ذلك مع اتفاق اللغات ، فقد قال قوم شعيبعليه‌السلام ( ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ ) [هود : ٩١] هذا وهوعليه‌السلام يخاطبهم بلسانهم فكيف لو كان على خلاف ذلك بل لو خالفت الرسلعليهم‌السلام الأمم في التبتل وعدم اتخاذ الزوجات والأولاد واستعمال الأغذية وغيرها من مألوفات البشر لكان منفرا ، فقد بان وجه الحكمة في كونهم من البشر ولو كانوا من الملائكة لوقع النفار

١٦٩

والشرود لافتراق الجنسية ، وإليه الإشارة بقوله تعالى :( وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ) [الأنعام : ٩] أي ليكون أقرب إليهم لئلا يقع تنافر فكونهم من البشر أقرب وأقوم للحجة. ولما كانت رسالة محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم عامة ، كان عليه الصلاة والسّلام يخاطب كل طائفة من طوائف العرب بلسانها ويكلمها بما تفهم ، وتأمل كم بين كتابه صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم لأنس رضي الله عنه في الصدقة وكتابه إلى وائل بن حجر مع اتحاد الغرض ، وللكتابين نظائر يوقف عليها في مظانها ، وكل ذلك لتقوم الحجة على الجميع ، واستمر باقي سورة إبراهيمعليه‌السلام على التعريف بحال مكذبي الرسل ووعيد من خالفهم وبيان بعض أهوال الآخرة وعذابها ـ انتهى.

( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦) )

ولما ذكر سبحانه الرسل بما ذكره ، توقع السامع تفصيل شيء من أخبارهم ، فابتدأ بذكر من كتابه أجل كتاب بعد القرآن هدى للناس دليلا على أنه يفعل ما يشاء من الإضلال والهداية ، وتسلية للنبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم ، وتثبيتا وتصبيرا على أذى قومه ، وإرشادا إلى ما فيه الصلاح في مكالمتهم ، فقال مصدرا بحرف التوقع :( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا ) أي بعظمتنا( مُوسى بِآياتِنا ) أي البينات ؛ ثم فسر الإرسال بقوله :( أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ ) أي الذين فيهم قوة على مغالبة الأمور( مِنَ الظُّلُماتِ ) أي أنواع الجهل( إِلَى النُّورِ ) بتلك الآيات( وَذَكِّرْهُمْ ) أي تذكيرا عظيما( بِأَيَّامِ اللهِ ) أي الذي له الجلال والإكرام من وقائعه في الأمم السالفة وغير ذلك من المنح لأوليائه والمحن لأعدائه كما أرسلناك لذلك( إِنَّ فِي ذلِكَ ) أي التذكير العظيم( لَآياتٍ ) على وحدانية الله وعظمته( لِكُلِّ صَبَّارٍ ) أي بليغ الصبر على بلاء الله ، قال في العوارف : وقال أبو الحسن بن سالم : هم ثلاثة : متصبر ، وصابر ، وصبار ، فالمتصبر من صبر في الله ، فمرة يصبر ومرة يجزع ، والصابر من يصبر في الله ولله ولا يجزع ولكن يتوقع منه الشكوى ، وقد يمكن منه الجزع ، فأما الصبار فذلك الذي صبّره الله في الله ولله وبالله ، فهذا لو وقع عليه جميع البلايا لا يجزع ولا يتغير من جهة الوجوب والحقيقة ، لا من جهة الرسم والخليفة ، وإشارته في هذا ظهور حكم العلم فيه مع ظهور صفة الطبيعة.( شَكُورٍ ) أي عظيم الشكر لنعمائه ، فإن أيامه عند أوليائه لا تخلو من نعمة أو نقمة ، وفي صيغة

١٧٠

المبالغة إشارة إلى أن عادته تعالى جرت بأنه إنما ينصر أولياءه بعد طول الامتحان بعظيم البلاء ليتبين الصادق من الكاذب( حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ ) [البقرة : ٢١٤]( حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ ) [يوسف : ١١٠] ،( الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا ) [العنكبوت : ٢] وذلك أنه لا شيء أشق على النفوس من مفارقة المألوف لا سيما إن كان دينا ولا سيما إن كان قد درج عليه الأسلاف ، فلا يقوم بالدعاء إلى الدين إلا من بلغ الذروة في الصبر.

ولما ذكر ما أمر به موسىعليه‌السلام ، وكان قد تقدم أمره الشريف إليه صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم بالاقتداء بالأنبياء الذين هو من رؤوسهم وأولي عزمهم ، كان كأنه قيل : فبين أنت للناس ما نزل إليهم وذكرهم بأيام الله اقتداء بأخيك موسىعليه‌السلام ( وَ ) اذكر لهم خبره فإن أيامه من أعظم أيام الله : أشدها محنة وأجلها منحة( إِذْ قالَ مُوسى ) امتثالا لما أمرناه به( لِقَوْمِهِ ) مذكرا لهم بأيام الله معهم ثم أيامه مع غيرهم.

ولما كان المراد بالتذكير بالأيام زيادة الترغيب والترهيب ، أشار إلى أن مقام الترهيب هنا أهم للحث على تركهم الضلال بترك عادته في الترفق بمثل ما في البقرة والمائدة من الاستعطاف بعاطفة الرحم بقوله :( يا قَوْمِ ) فأسقطها هنا إشارة إلى أن المقام يقتضي الإبلاغ في الإيجاز في التذكير للخوف من معاجلتهم بالعذاب فقال :( اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ ) أي ذي الجلال والإكرام ، وعبر بالنعمة عن الإنعام حثا على الاستدلال بالأثر على المؤثر( عَلَيْكُمْ ) ثم أبدل من «نعمة» قوله :( إِذْ ) وهو ظرف النعمة. ولما كانوا قد طال صبرهم جدا بما طال من بلائهم من فرعون على وجه لا يمكن في العادة خلاصهم منه ، وإن أمكن على بعد لم يكن إلا في أزمنة طوال جدا بتعب شديد ، أشار إلى إسراعه بخلاصهم بالنسبة إليه لو جرى على مقتضى العادة جزاء لهم على طول صبرهم ، فعبر بالإفعال دون التفعيل الذي اقتضاه سياق البقرة فقال :( أَنْجاكُمْ مِنْ ) بلاء( آلِ فِرْعَوْنَ ) أي فرعون نفسه وأتباعه استعمالا للمشترك في معنييه ، فإن الآل يطلق على الشخص نفسه وعلى أهل الرجل وأتباعه وأوليائه ؛ قال في القاموس : ولا يستعمل إلا لما فيه شرف غالبا ، فكأنهم قالوا : من أيّ بلائهم؟ فقال :( يَسُومُونَكُمْ ) أي يكلفونكم ويولونكم على سبيل الاستهانة والقهر( سُوءَ الْعَذابِ ) بالاستعباد.

ولما كان السياق للصبر البليغ ، اقتضى ذلك العطف في قوله :( وَيُذَبِّحُونَ ) أي تذبيحا كثيرا مميتا ـ بما أفاده تعبير الأعراف بالقتل ، ومعرفا بإعادة التعبير بالذبح أن الموت بالسكين( أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ ) أي يطلبوا أن يحيوا( نِساءَكُمْ ) لإفادة أن ذلك

١٧١

بلاء آخر( وَ ) الحال أن( فِي ذلِكُمْ ) أي الأمر الشديد المشقة من العذاب المتقدم أو الإنجاء أو هما( بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ ) أي المربي لكم المدبر لأموركم( عَظِيمٌ ) .

( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ (٧) وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨) أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩) )

ولما ذكرهم بنعمة الأمن رغبهم فيما يزيدها ، ورهبهم مما يزيلها فقال :( وَإِذْ ) أي واذكروا إذ( تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ ) أي أعلم المحسن إليكم إعلاما عظيما بليغا ينتفي عنه الشكوك قائلا :( لَئِنْ شَكَرْتُمْ ) وأكده لما للأنفس من التكذيب بمثل ذلك لاعتقادها أن الزيادة بالسعي في الرزق والنقص بالتهاون فيه( لَأَزِيدَنَّكُمْ ) من نعمي ، فإن الشكر قيد الموجود وصيد المفقود «إن عطائي لعتيد فأرجوه»( وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ ) النعمة فلم تقيدوها بالشكر لأنقصنكم ولأعذبنكم( إِنَّ عَذابِي ) بإزالتها وغيرها( لَشَدِيدٌ ) فخافوه ، فالآية ـ كما ترى ـ من الاحتباك.

ولما كان من حث على شيء وأثاب عليه أو نهى عنه وعاقب على فعله يكون لغرض له ، بين أن الله سبحانه متعال عن أن يلحقه ضر أو نفع ، وأن ضر ذلك ونفعه خاص بالعبد فقال تعالى حاكيا عنه :( وَقالَ مُوسى ) مرهبا لهم معلما أن وبال الكفران خاص بصاحبه( إِنْ تَكْفُرُوا ) والكفر : تضييع حق النعمة بجحدها أو ما يقوم في العظم مقامه( أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ) وأكد بقوله :( جَمِيعاً ) فضرره لاحق بكم خاصة غير عائد على الله شيء منه( فَإِنَّ اللهَ ) أي الملك الأعظم( لَغَنِيٌ ) أي في ذاته وصفاته عن كل أحد ، والغنى هنا المختص بما ينفي لحاق الضرر أو النقص ، والمختص بأنه قادر لا يعجزه شيء ، عالم لا يخفى عليه شيء ، وذلك

بنفسه لا بشيء سواه ، ومن لم يكن كذلك لم يكن غنيا( حَمِيدٌ ) أي بليغ الاستحقاق للحمد بما له من عظيم النعم وبما له من صفات الكمال ، وكل مخلوق يحمده بذاته وأفعاله وجميع أقواله كائنة ما كانت ، لأن إيجاده لها ناطق بحمده سبحانه.

ذكر التأذن بذلك المذكر به من التوراة :

قال في السفر الخامس : واختاركم الله ربكم أن تكونوا له شعبا حبيبا من جميع الشعوب التي على وجه الأرض ، وليس لأنكم أكثر من جميع الشعوب أحبكم الرب

١٧٢

واختاركم ، ولكن ليثبت الأيمان التي أقسم لآبائكم ، لذلك أخرجكم الرب بيد منيعة ، وأنقذكم من العبودية ، وخلصكم من يدي فرعون ملك مصر ، لتعلموا أن الله ربكم هو إله الحق ، إله مهيمن يحفظ النعمة والعهد لأوليائه الذين يحفظون وصيته لألف حقب ، ويكافىء شنأته(١) في حياتهم ويجزيهم بالهلاك والتلف ، احفظوا السنن والأحكام والوصايا التي آمركم بها اليوم فافعلوها يحفظ الله الرب العهد والنعمة التي أقسم لآبائكم ، ويحبكم ويبارك عليكم ويكثركم ، ويبارك في أولادكم وفي ثمرة أرضكم وفي بركم وخبزكم وزيتكم ، وفي أقطاع بقركم وجفرات غنمكم ، وتكونوا مباركين من جميع الشعوب ، ولا يكون فيكم عاقر ولا عقيم ولا في بهائمكم ، ويصرف الله عنكم كل وجع ، وجميع الضربات التي أنزل الله بأهل مصر ـ كما تعلمون ـ لا ينزلها بكم بل ينزلها بجميع شنأتكم ، وتأكلون جميع خيرات الشعوب التي يعطيكم الله ربكم ، ولا تشفق أعينكم عليهم ، ولا تعبدوا آلهتهم لأنهم فخاخ لكم ، وإن قلتم في قلوبكم : إن هذه الشعوب أكثر منا فكيف نقدر أن نهلكها! فلا تفرقوا منها ولكن اذكروا جميع ما صنع الله ربكم بفرعون ملك مصر وكل أصحابه ، والبلايا العظيمة التي رأيتم بأعينكم ، والآيات والأعاجيب واليد المنيعة والذراع العظيمة ، وكيف أخرجكم الله ربكم! كذلك يفعل الله ربكم بجميع الشعوب التي تخافونها.

ويسلط الله ربكم عليهم عاهات حتى يهلكهم ، والذين يبقون ويختفون منكم لا تخافوهم لأن الله ربكم بينكم. الإله العظيم المرهوب ، فيهلك الله ربكم هذه الشعوب من بين أيديكم رويدا رويدا ، لأنكم لا تقوون أن تهلكوهم سريعا لئلا يكثر السباع ، ولكن يدفعهم الله ربكم إليكم وتضربونهم ضربة شديدة حتى تهلكوهم ، ويدفع ملوكهم في أيديكم وتهلكون أسماءهم من تحت السماء ، لا يقدر أحد أن يقوم بين أيديكم حتى تهلكوهم وتحرقوا آلهتهم المنحوتة بالنار ، ولا تشتهوا الفضة والذهب الذي عليها وتأخذوه منها لئلا تتنجسوا بها ، لأنها مرذولة عند الله ربكم ، فلا تدخلوا نجاسة إلى بيوتكم لئلا تكونوا منفيين مثلها ، ولكن أرذلوها ونجسوها وصيروها نفاية بخسة لأنها حرام. ثم قال : انظروا! إني أتلو عليكم دعاء ولعنا ، أما الدعاء فتصيرون إليه إن أنتم حفظتم وصايا الله ربكم ، وأما اللعن فيدرككم إن أنتم لم تسمعوا وصايا الله ربكم ، وزغتم عن الطريق الذي أمركم به اليوم ـ وقد مضى كثير من أمثال هذا عن التوراة ، ولا ريب في أن هذا الترغيب والترهيب والتذكير للتحذير كما أنه كان لبني إسرائيل ، فهو لكل من سمعه من المكلفين.

__________________

(١) شنأه : أبغضه وشنئت بالأمر اعترفت به.

١٧٣

ولما حذرهم انتقام الله إن كفروا ، ذكرهم أيامه في الأمم الماضية ، وعين منهم الثلاثة الأولى لأنهم كانوا أشدهم أبدانا ، وأكثرهم أعوانا ، وأقواهم آثارا ، وأطولهم أعمارا ، لأن البطش إذا برز إلى الوجود كان أهول ، لأن النفس للمحسوس أقبل ، فقال دالا على ما أرشدهم إليه من غناه سبحانه وحمده مخوفا لهم من سطوات الله سبحانه :( أَلَمْ يَأْتِكُمْ ) أي يا بني إسرائيل( نَبَؤُا الَّذِينَ ) ولما كان المراد قوما مخصوصين لم يستغرقوا الزمان قال :( مِنْ قَبْلِكُمْ ) ثم أبدل منهم فقال :( قَوْمِ ) أي نبأ قوم( نُوحٍ ) وكانوا ملء الأرض( وَ ) نبأ( عادٍ ) وكانوا أشد الناس أبدانا وأثبتهم جنانا( وَ ) نبأ( ثَمُودَ ) وكانوا أقوى الناس على نحت الصخور وبناء القصور( وَ ) نبأ( الَّذِينَ ) ولما كان المراد البعض ، أدخل الجار فقال :( مِنْ بَعْدِهِمْ ) أي في الزمن حال كونهم في الكثرة بحيث( لا يَعْلَمُهُمْ ) أي حق العلم على التفصيل( إِلَّا اللهُ ) أي الذي له الإحاطة الكاملة ، كفروا فأهلكهم الله ولم يزل غنيا حميدا عند أخذهم وبعده كما كان قبله ، وكان ابن مسعود رضي الله عنه إذا قرأ هذه الآية قال : كذب النسابون. ثم فصل سبحانه خبرهم ، فقال ـ جوابا لمن كأنه قال : ما كان نبأهم؟( جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ ) وترك عطفه لشدة التباسه بالمستفهم عنه( فَرَدُّوا ) أي الأمم عقب مجيء الرسل من غير تأمل جامعين في تكذيبهم بين الفعل والقول( أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ ) وهو إشارة إلى السكوت عن ذلك والتسكيت ، كأنه لا يليق أن يتفوه ولو على سبيل الرد ؛ قال الرازي في اللوامع : حكى أبو عبيد : كلمته في حاجتي فرد يده في فيه ـ إذا سكت ولم يجب.( وَ ) بعد أن فعلوا ذلك لهذه الأغراض الفاسدة( قالُوا ) أي الأمم( إِنَّا كَفَرْنا ) أي غطينا مرائي عقولنا مستهينين( بِما ) ولما كان رد الرسالة جامعا للكفر ، وكانوا غير مسلّمين أن المرسل لهم هو الله ، بنوا للمفعول قولهم :( أُرْسِلْتُمْ بِهِ ) أي لأنكم لم تأتونا بما يوجب الظن فضلا عن القطع ، فلذا لا يحتاج رده إلى تأمل.

ولما كان ما أتى به الرسل يوجب القطع بما يعلمه كل أحد ، فكانوا بما قالوه في مظنة الإنكار ، أكدوا :( وَإِنَّا لَفِي شَكٍ ) أي محيط بنا ، وهو وقوف بين الضدين من غير ترجيح أحدهما ، يتعاقب على حال الذكر ويضاد العلم والجهل.

ولما كان الدعاء مسندا إلى جماعة الرسل ، أثبت نون الرفع مع ضمير المتكلمين بخلاف ما مضى في هود ، فقالوا :( مِمَّا ) أي شيء( تَدْعُونَنا ) أيها الرسل( إِلَيْهِ ) أي من الدين( مُرِيبٍ ) أي موجب للتهمة وموقع في الشك والاضطراب والفزع ، من أراب الرجل : صار ذا ريبة أي قلق وتزلزل.

١٧٤

( قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٠) قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) وَما لَنا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢) )

ولما كان سامع هذا الكلام يشتد تشوفه إلى جوابه ، وكان أصل الدعوة في كل ملة التوحيد ، وكان الشاك فيه شاكا في الله ، وكان أمر الله من الظهور بحيث لا يشك فيه عاقل حكّم عقله مجردا عن الهوى ، ساغ الإنكار وإيراد الكلام على تقدير سؤال معرى من التقييد مبهم في قوله :( قالَتْ رُسُلُهُمْ ) ولما كان ما شكوا فيه من الظهور بحيث لا يتطرق إليه ريب ، أنكروا أن يكون فيه شك ، لأن ذلك يتضمن إنكار شكهم وشك غيرهم فقالوا :( أَفِي اللهِ ) أي الذي له جميع صفات الكمال( شَكٌّ. )

ولما كان الجواب عاما لا يخص ناسا دون ناس ، لم يأت بصلة فقال بخلاف قوله :( إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ ) ثم نبهوهم بالمصنوع على مقصود الدعوة من وجود الصانع وتفرده وظهوره في قولهم :( فاطِرِ السَّماواتِ ) ولما كان المقام لا دعاء أنه في غاية الظهور ، لم يحتج إلى تأكيد بإعادة العامل ، فقال :( وَالْأَرْضِ ) أي على هذا المثال البديع والنمط الغريب المنتظم الأحوال ، الجميل العوائد ، المتسق الفصول ؛ فلما أوضحوا لهم الأدلة على وحدانيته بينوا لهم بأن ثمرة الدعوة خاصة بهم ، إنه لا يأباها من له أدنى بصيرة ، فقالوا :( يَدْعُوكُمْ ) أي على ألسنتنا( لِيَغْفِرَ لَكُمْ ) .

ولما كان الكافر إنما يدعى أولا إلى الإيمان ، وكان الإيمان إنما يجب ما كان قبله من الذنوب التي معهم بينهم وبينه دون المظالم ، قال :( مِنْ ذُنُوبِكُمْ ) ولو عم بالغفران لأفهم ذلك أنهم لا يدعون بعد الإيمان إلى عمل أصلا( وَ ) لا يفعل بكم فعل من تعهدون من الملوك في المعاجلة بالإهلاك لمن خالفهم ، بل( يُؤَخِّرَكُمْ ) وإن أخطأتم أو تعمدتم وتبتم( إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) عنده سبق علمه به ، وهو آجالكم على حسب التفريق ، ولا يستأصلكم بالعذاب في آن واحد كما فعل بمن ذكر من الأمم.

فلما بين لهم الأصل بدليله وفرع عليه ما لا ريب فيه في قصر نفعه عليهم ، علموا أنه لا يتهيأ لهم عن ذلك جواب فأعرضوا عنه إلى أن( قالُوا ) عنادا( إِنْ ) أي ما( أَنْتُمْ ) أي أيها الرسل( إِلَّا بَشَرٌ ) وأكدوا ما أرادوا من نفي الاختصاص فقالوا :

١٧٥

( مِثْلُنا ) يريدون : فما وجه تخصيصكم بالرسالة دوننا؟ ثم كان كأنه قيل : فكان ماذا؟ فقالوا :( تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا ) أي تلفتونا وتصرفونا( عَمَّا كانَ ) أي كونا هو كالجبلة ، وأكدوا هذا المعنى للتذكير بالحال الماضية بالمضارع فقالوا :( يَعْبُدُ آباؤُنا ) أي أنكم ـ لكونكم من البشر الذين يقع بينهم التحاسد ـ حسدتمونا على اتباع الآباء وقصدتم تركنا له لنكون لكم تبعا( فَأْتُونا ) أي فتسبب ـ عن كوننا لم نر لكم فضلا وإبدائنا من إرادتكم ما يصلح أن يكون مانعا ـ أن نقول لكم : ائتونا لنتيعكم( بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ) أي حجة واضحة تلجئنا إلى تصديقكم مما نقترحه عليكم ، وهذا تعنت محض فإنهم جديرون بأن يعرضوا عن كل سلطان يأتونهم به كائنا ما كان كما ألغوا ما أتوا هم به من البينات فلم يعتدوا به ، فكأنه قيل : فما كان جواب الرسل؟ فقيل :( قالَتْ ) .

ولما أرادوا تخصيصهم برد ما قالوا ، قيد بقوله :( لَهُمْ رُسُلُهُمْ ) مسلمين أول كلامهم غير فاعلين فعلهم في الحيدة عن الجواب( إِنْ ) أي ما( نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ) ما لنا عليكم فضل بما يقتضيه ذواتنا غير أن التماثل في البشرية لا يمنع اختصاص بعض البشر عن بعض بفضائل ؛ والمثل : ما يسد مسد غيره حتى لو شاهده مشاهد ثم شاهد الآخر لم يقع فصل( وَلكِنَّ اللهَ ) أي الذي له الأمر كله فضلنا عليكم لأنه( يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ ) أي أن يمن عليه( مِنْ عِبادِهِ ) رحمة منه له ، بأن يفضله على أمثاله بما يقسمه له من المزايا كما أنتم به عارفون ، فلم يصرحوا بما تميزوا به من وصف النبوة ، ولم يخصوا أنفسهم بمنّ الله بل أدرجوها في عموم من شاء الله ، كل ذلك تواضعا منهم واعترافا بالعبودية ؛ والمن : نفع يقطع به عن بؤس ، وأصله القطع ، ومنه( غَيْرُ مَمْنُونٍ ) ، والمنة قاطعة عن الدنيا.

ولما بينوا وجه المفارقة ، عطفوا عليه بيان العذر فيما طلبوه منهم فقالوا :( وَما ) أي فما كان لنا أن نتفضل عليكم بشيء من الأشياء لم يؤذن لنا فيه ، وما( كانَ ) أي صح واستقام( لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ ) مما تقترحونه تعنتا ، وهو البرهان الذي يتسلط به على إبطال مذهب المخالف للحق غير المعجزة التي يثبت بها النبوة( إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ ) أي بإطلاق الملك الأعظم وتسويفه ، فنحن نتوكل على الله في أمركم إن أذن لنا في الإتيان بسلطان أو لم يأذن وافقتم أو خالفتم( وَعَلَى اللهِ ) أي الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه وحده( فَلْيَتَوَكَّلِ ) أي بأمر حتم( الْمُؤْمِنُونَ ) فكيف بالأنبياء ؛ ثم بينوا سبب وجوب التوكل بقولهم :( وَما ) أي وأي شيء( لَنا ) في( أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ ) أي ذي الجلال والإكرام( وَ ) الحال أنه( قَدْ هَدانا سُبُلَنا ) فبين لنا كل ما نأتي وما نذر ، فلا محيص لنا عن شيء من ذلك ، فلنفعلن جميع أوامره ، ولننتهين عن جميع مناهيه

١٧٦

( وَلَنَصْبِرَنَ ) أكدوا لإنكار الكفار أن يصبر الرسول ـ مع وحدته ـ على أذاهم مع كثرتهم وقوتهم( عَلى ما ) وعبر بالماضي إشارة إلى أنهم عفوا عن أذاهم في الماضي فلا يجازونهم به ، فهو استجلاب إلى توبة أولئك المؤذين ، وعدلوا عن المضارع لأنهم ينتظرون أمر الله في الاستقبال فقد يأمرهم بالجهاد وقد يأمرهم بالصبر ، فقال :( آذَيْتُمُونا ) أي في ذلك الذي أمرنا به كائنا فيه ما كان لأنا توكلنا على الله ونحن لا نتهمه في قضائه( وَعَلَى اللهِ ) أي الذي له جميع صفات الكمال وحده( فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ) الذين علموا من أنفسهم العجز سواء كانوا مؤمنين أو لا ، فوكلوا أمرا من أمورهم إلى غيرهم ليكفيهم إياه ، فإنه محيط العلم كامل القدرة ، وكل من عداه عاجز ، والصبر مفتاح الفرج ، ومطلع الخيرات المطلق من الكرب ، والحق لا بد وأن يصير غالبا قاهرا ، والباطل لا بد وأن يصير مغلوبا مقهورا وإن طال الابتلاء.

( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ (١٤) وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ (١٧) مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٨) )

ولما انقضت هذه المحاورة وقد علم منها كل منصف ما عليه الرسل من الحلم والعلم والحكمة ، وما عليه مخالفهم من الضلال والجهل والعناد ، وكان في الكلام ما ربما أشعر بانقضائه ، ابتدأ تعالى عنهم محاورة أخرى ، عاطفا لها على ما مضى ، فقال :( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ ) مستهينين بمن قصروا التجاءهم عليه ، مؤكدين لاستشعارهم بإنكار من رأي مدافعة الله عن أوليائه لقولهم : والذى يحلف به! ليكونن أحد الأمرين :( لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا ) أي التي لنا الآن الغلبة عليها( أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا ) بأن تكفوا عن معارضتنا كما كنتم قبل دعوى الرسالة ، فإطلاق ملتهم على السكوت عنهم من إطلاق اسم الكل على الجزء على زعمهم مثل( جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ ) [نوح : ٧] وهو مجاز مرسل ، فصبروا على ذلك كما أخبروا به توكلا على ربهم واستمروا على نصيحتهم لهم بدعائهم إلى الله( فَأَوْحى إِلَيْهِمْ ) أي كلمهم في خفاء بسبب توعد أممهم لهم ، مختصا لهم بذلك( رَبُّهُمْ ) المحسن إليهم الذي توكلوا عليه ،

١٧٧

تسكينا لقلوبهم وتسلية لنفوسهم ، وأكد لما ـ لمن ينظر كثرة الكفار وقوتهم ـ من التوقف في مضمون الخبر ولا سيما إن كان كافرا ، قائلا :( لَنُهْلِكَنَ ) بما لنا من العظمة المقتضية لنفوذ الأمر ؛ والإهلاك : إذهاب الشيء إلى حيث لا يقع عليه الإحساس( الظَّالِمِينَ ) أي العريقين في الظلم ، وربما تبنا على بعض من أخبرنا عنه بأنه كفر ، وهو من لم يكن عريقا في كفره الذي هو أظلم الظلم( وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ ) أي دونهم( الْأَرْضَ ) أي مطلقها وخصوص أرضهم ، وأشار إلى عدم الخلود بالجار فقال :( مِنْ بَعْدِهِمْ ) بأن نورثكموها سواء قدرناهم على إخراجكم أم لا ، فكأنه قيل : هل ذلك خاص بهم؟ فقيل : لا ، بل( ذلِكَ ) أي الأمر العالي المرام( لِمَنْ خافَ مَقامِي ) أي المكان الذي يقوم فيه من أحاسبه : ماذا تكون عاقبته فيه ، وهو أبلغ من : خافني ،( وَخافَ وَعِيدِ ) لا بد أن أهلك ظالمه وأسكنه أرضه بعده ، فاستبشروا بذلك الوعد من الله تعالى( وَاسْتَفْتَحُوا ) على أعدائهم فأفلحوا وأنجحوا( وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ) فأهلكناهم كلهم ، وكان لنا الغنى والحمد بعد إهلاكهم كما كان قبله ؛ والعناد : الامتناع من الحق مع العلم به كبرا وبغيا ، من عند عن الحق عنودا ، والجبرية : طلب علو المنزلة بما ليس وراءه غاية في الصفة ، فهو ذم للعبد من حيث إنه طالب ما ليس له ؛ ثم أتبعه ما هو كالدليل على خيبته من أن سيره إلى ما أمامه من العذاب ، فهو واقع فيه لا محالة وهو لا يشعر ، وعبر عن غفلته عنه بقوله :( مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ ) أي لا بد أنه يتبوأها.

ولما كان المرجع وجود السقي للصديد مطلقا ، بني للمفعول قوله :( وَيُسْقى ) أي فيها( مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ ) وهو غسالة أهل النار كقيحهم ودمائهم( يَتَجَرَّعُهُ ) أي يتكلف بلعه شيئا فشيئا لمرارته وحرارته ، فيغص به ويلقى منه من الشدة ما لا يعلم قدره إلا الله( وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ ) ولا يقرب من إساغته ، فإن الإساغة جر الشيء في الحق على تقبل النفس( وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ ) أي أسبابه التي لو جاءه سبب منها في الدنيا لمات( مِنْ كُلِّ مَكانٍ ) والمكان : جوهر مهيأ للاستقرار ، فهو كناية عن أنه يحصل له من الشدائد ما يميت من قضى بموته( وَما هُوَ بِمَيِّتٍ ) أي بثابت له الموت أصلا. لأنا قضينا بدوام حياته زيادة في عذابه ؛ والموت : عرض يضاد الإدراك في البنية الحيوانية( وَمِنْ وَرائِهِ ) أي هذا الشخص ، بعد ذلك في يوم الجزاء الذي لا بد منه ، وما خلقنا السماوات والأرض إلا من أجله( عَذابٌ غَلِيظٌ ) يأخذه في ذلك اليوم ـ مع ما قدمته له في الدنيا ـ وهو غافل عنه أخذ ما يكون من وراء ، فيكون أشد كما هو حال الآتي بغتة ، أو يكون المعنى أن من بعد هذا العذاب في جهنم عذابا آخر ، لا تحتمل عقولكم وصفه بأكثر من الغلظ. فلما فرغ من محاوراتهم ، وما تبعها مما بين فيه أنه لا يغنيهم من بطشه شيء ،

١٧٨

ضرب لهم في ذلك مثلا فقال :( مَثَلُ ) وهو مستعار هنا للصفة التي فيها غرابة( الَّذِينَ كَفَرُوا ) مستهينين( بِرَبِّهِمْ ) مثل من قصد أمرا ثم لم ينظر لنفسه في السلوك إليه بل اغتر بمن جار به عن الطريق ، فأبعد كل البعد حتى وصل إلى شعاب لا يمكن فيها المقام ، ولا يتأتى منها الرجوع فهلك ضياعا.

ولما كان الفرق بين الإنسان والعدم إنما هو بالعمل ، ذكر ما علم منه أن المثل لأعمالهم على طريق الجواب لمن كأنه قال : ما مثلهم؟ فقال :( أَعْمالُهُمْ ) أي المكارم التي كانوا يعملونها في الدنيا من الصلة والعتق وفداء الأسرى والجود ونحو ذلك ، في يوم الجزاء ، ويجوز أن يكون مبتدأ ثانيا ـ كما قال الحوفي وابن عطية. وهو وخبره خبر المبتدأ الأول ، ولا يحتاج إلى رابط لأنه نفس المثل الذي معناه الصفة( كَرَمادٍ ) وهو ما سحقه الاحتراق سحق الغبار( اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ ) أي أسرعت بالحركة على عظم القوة ؛ والريح : جسم رقيق مثبت في الجو من شأنه الهبوب ، والرياح خمس : شمال وجنوب وصبا ودبور ونكباء( فِي يَوْمٍ عاصِفٍ ) أي شديد الريح ، فأطارته في كل صوب ، فصاروا بحيث( لا يَقْدِرُونَ ) أي يوم الجزاء ؛ ولما كان الأمر هنا متمحصا للأعمال ، قدم قوله :( مِمَّا كَسَبُوا ) في الدنيا من أعمالهم في ذلك اليوم( عَلى شَيْءٍ ) بل ذهب هباء منثورا لبنائه على غير أساس ، فثبت بمقتضى ذلك أن الذين كفروا بربهم واستحبوا الحياة الدنيا على الآخرة في ضلال بعيد ، بل( ذلِكَ ) أي الأمر الشديد الشناعة( هُوَ ) أي خاصة( الضَّلالُ الْبَعِيدُ ) الذي لا يقدر صاحبه على تداركه.

( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ (٢٠) وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ (٢١) )

ولما ذكر الآخرة في أول السورة ، ذكر ما هو ثابت لا نزاع فيه ، ثم جرّ الكلام إليه هنا على هذا الوجه الغريب ، وأتبعه مثل أعمال الكفار في الآخرة ، أتبع ذلك الدليل عليه وعلى أنه لا يسوغ في الحكمة في أعمال الضلال إلا الإبطال فقال :( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ ) أي الذي أحاط بكل شيء علما وقدرة( خَلَقَ السَّماواتِ ) على عظمها وارتفاعها( وَالْأَرْضَ ) على تباعد أقطارها واتساعها( بِالْحَقِ ) بالأمر الثابت من وضع كل شيء منها في موضعه على ما تدعو إليه الحكمة لا بالخيال والتمويه كالسحر ، ومن المعلوم أنهما ظرف ، ولا يكون المظروف الذي هو المقصود بالذات إلا مثل ظرفه أو أعلى منه ،

١٧٩

فكيف يظن أنه يخلق شيئا فيهما سدى بأن يكون باطلا فلا يبطله ، أو حقا فلا يحقه ، أم كيف يتوهم أنه ـ مع القدرة على إخراجهما من العدم وهما أكبر خلقا وأعظم شأنا ـ لا يقدر على إعادة من فيهما وهم أضعف أمرا وأصغر قدرا ، أو خلقهما بسبب الحق وهو إعادة الناس إعادة يثبتون بها ويبقون بقاء لا فناء بعده ، فتسبب عن ذلك أنه عظيم القدرة ، فهو بحيث( إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ) أي بنوع من أنواع الإذهاب : الموت أو غيره( وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ) غيركم أو يأت بكم بعد أن فنيتم بحيث تعودون ـ كما أنتم ـ خلقا جديدا ؛ والجديد : المقطوع عنه العمل في الابتداء ، وأصله القطع ، فالجد أب الأب ، انقطع عن الولادة بالأب ، والجد ضد الهزل ، يقطع به المسافة حسا أو معنى( وَما ذلِكَ ) الإذهاب والإتيان على عظمه( عَلَى اللهِ ) أي الملك الأعلى( بِعَزِيزٍ ) وهو الممتنع بوجه من وجوه الامتناع لأنه ليس مثل خلق السماوات والأرض فضلا عن أن يكون أعظم منه ، فلا وجه لقولكم( هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ ) [سبأ : ٧] ، الآية لأن من قدر على جميع الممكنات لا اختصاص له بمقدور دون مقدور ، فثبت بهذا إبعادهم في الضلال الموجب لهلاك أعمالهم ـ التي هي أسبابهم ـ الموجب لهلاكهم.

ولما ثبت بهذا البرهان قدرته على الإعادة بعد الموت ، عطف على قوله :( لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ) [إبراهيم : ١٨] قوله ـ بيانا لهو أن البعث عنده وسهولته عليه ـ :( وَبَرَزُوا ) أي في ذلك اليوم ، عبر بصيغة المضي الذي وجد وتحقق ، لأن أخبار الملوك يجب تحققها لقدرتهم وغناهم عن الكذب ، فكيف بملك الملوك! وفيه من هز النفس وروعتها ما ليس في العبارة بالمضارع لمن تأمل المعنى حق التأمل( لِلَّهِ ) أي الملك الأعظم( جَمِيعاً ) فكانوا بحيث لا يخفى منهم خافية على ما هو متعارفهم ، لأنه لا ساتر لهم ، فإن البروز خروج لشيء عما كان متلبسا به إلى حيث يقع عليه الحس في نفسه ، وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون من العذاب ، فتقطعت بهم الأسباب( فَقالَ الضُّعَفاءُ ) أي الأتباع من أهل الضلال بسبب علمهم أنهم في القبضة لا ملجأ لهم ، تبكيتا لرؤسائهم وتوبيخا ، تصديقا لقوله تعالى :( الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ) [الزخرف : ٦٧]( لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ) أي طلبوا الكبر وادعوه فاستتبعوهم به حتى تكبروا على الرسل وأتباعهم ولم يكن لهم ذلك :( إِنَّا كُنَّا ) أي كونا هو كالجبلة( لَكُمْ تَبَعاً ) أي تابعين أو ذوى تبع فكنتم سبب ضلالنا ، وقد جرت عادة الأكابر بالدفع عن أتباعهم المساعدين لهم على أباطيلهم( فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ ) أي دافعون( عَنَّا مِنْ عَذابِ اللهِ ) أي الذي له العظمة كلها فلا يطاق انتقامه ، وأبلغوا بعد التبعيض ب «من» الأولى في التقليل ، فقالوا :( مِنْ شَيْءٍ ) كأن العذاب كان محتاجا إلى أخذهم

١٨٠