نظم الدّرر الجزء ٤
0%
مؤلف: برهان الدين البقاعي
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف: علوم القرآن
الصفحات: 572
0%
مؤلف: برهان الدين البقاعي
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف: علوم القرآن
الصفحات: 572
فأغنوه بشيء غيرهم حتى يجاوزهم لو دفعوه عنهم ، فكأنه قيل : إن ذلك لعادة الرؤساء ، فماذا قالوا؟ فقيل :( قالُوا ) علما منهم بأنه لا طاقة لهم على نوع من أنواع التصرف : لا نغني عنكم شيئا ، بل كل مجزي بما فعل ، علينا إثم ضلالنا في أنفسنا وإضلالنا لكم ، وعليكم ضلالكم وذبكم عنا وتقويتكم لجانبنا حتى استكبرنا فاستغرقنا في الضلال ، ولو أن الله هداكم حتى تبعتم الأدلة التي سمعتموها كما سمعناها وتركتمونا ، لكسر ذلك من شدتنا وأوهى من شوكتنا ، فكان ربما يكون سببا لهدايتنا كما أنه( لَوْ هَدانَا اللهُ ) أي المستجمع لصفات الكمال( لَهَدَيْناكُمْ ) فكان يكون لنا جزاء اهتدائنا وهدايتنا لكم ، ولكم جزاء اهتدائكم وتقويتكم لنا على ذلك ، ولكنه لم يهدنا فضللنا وكنتم لنا تبعا فأضللناكم.
ولما كان الموجب لقولهم هذا الجزع ، قالوا :( سَواءٌ عَلَيْنا ) أي نحن وأنتم( أَجَزِعْنا ) والجزع : انزعاج النفس بورود ما يغم( أَمْ صَبَرْنا ) لا فائدة لنا في واحد منهما لأن الأمر أطم من ذلك فإنه( ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ ) يصلح للمصدر والزمان والمكان ، أي محيد وزوال عن المكروه على كلا التقديرين ، فلم يبق في الجزاء إلا زيادة العذاب بسوء القالة وانتشار السبة ، وهذا الاستفهام ليس على بابه ، بل المراد به التنبيه على أن حالهم مما ينبغي السؤال عنه وترديد الأمر فيه لينتهي عن مثله.
( وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٢) وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ (٢٣) )
ولما كان الشيطان أعظم المستكبرين ، خص بالإفراد بالجواب فقيل :( وَقالَ ) أول المتبوعين في الضلال( الشَّيْطانُ ) الذي هو رأس المضلين المستكبرين المقضي ببعده واحتراقه( لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ ) بتعين قوم للجنة وقوم للنار ، جوابا لقول الأتباع مذعنا حيث لا ينفع الإذعان ، ومؤمنا حيث فات نفع الإيمان :( إِنَّ اللهَ ) أي الذي له صفات الكمال( وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِ ) بأن أرسل إليكم رسلا وأنزل معهم براهين وكتبا أخبركم فيها بأنه ربكم الواحد القهار ، ودعاكم إليه بعد أن أخابتكم الشياطين ، وبشر من أجاب ، وحذر من أبى ، بما هو قادر عليه أتم القدرة ، فكل ما قاله طابقه الواقع ـ كما ترون ـ فصدقكم فيه ووفى لكم( وَوَعَدْتُكُمْ ) أنا بما زينت لكم به المعاصي من الوساوس وعد
الباطل( فَأَخْلَفْتُكُمْ ) فلم أقل شيئا إلا كان زيغا ، فاتبعتموني مع كوني عدوكم ، وتركتم ربكم وهو ربكم ووليكم ؛ فالآية من الاحتباك : ذكر( وَعْدَ الْحَقِ ) أولا دليلا على حذف ضده ثانيا ، و (أخلفتكم) ثانيا دليلا على حذف «صدقكم» أولا.
ولما بين غروره ، بين سهولة اغترارهم زيادة في تنديمهم فقال :( وَما كانَ ) لي إليكم في ذلك من ذنب لأنه ما كان( لِي عَلَيْكُمْ ) وأبلغ في النفي فقال :( مِنْ سُلْطانٍ ) أي تسلط كبير أو صغير بشيء من الأشياء( إِلَّا أَنْ ) أي بأن( دَعَوْتُكُمْ ) بالوسوسة التي كانت سببا لتقوية دواعيكم إلى الشر( فَاسْتَجَبْتُمْ ) أي أوجدتم الإجابة إيجاد من هو طالب لها ، راغب فيها( لِي ) محكمين الشهوات ، معرضين عن مناهيج العقول ودعاء النصحاء ، ولو حكمتم عقولكم لتبعتم الهداة لما في سبيلهم من النور الداعي إليها وما في سبل غيرهم من الظلام السادّ لها ، والمهالك الزاجرة عنها دنيا وأخرى ، وساقه على صورة الاستثناء ـ وإن لم يكن دعاءه من السلطان في شيء ـ لأن السلطان أخص من البرهان إذ معناه برهان يتسلط به على إبطال مذهب الخصم إشارة إلى أنهم تبعوه ولا قدرة له على غير هذا الدعاء الذي لا سلطان فيه ، وتركوا دعاء من أنزل إليهم من كل سلطان مبين ، مع تهديدهم بما هو قادر عليه وضربهم ببعضه ، وفاعل مثل ذلك لا لوم له على غير نفسه( فَلا ) أي فاذ قد تقرر هذا تسبب عنه أني أقول لكم : لا( تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ) لأنكم مؤاخذون بكسبكم ، لأنه كانت لكم قدرة واختيار فاخترتم الشر على الخير ، وعلم منه قطعا أن كلّا منا مشغول عن صاحبه بما جزي به ، فعلم أني( ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ ) أي بمغيثكم فيما يخصكم من العذاب ، فآتيكم بما يزيل صراخكم منه( وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَ ) فيما يخصني منه لتقطع الأسباب ، بما دهى من العذاب ، ثم علل ذلك بقوله :( إِنِّي كَفَرْتُ ) مستهينا( بِما أَشْرَكْتُمُونِ ) أي باتخاذكم لي شريكا مع الله.
ولما كان إشراكهم لم يستغرق الزمان ، أتى بالجار فقال :( مِنْ قَبْلُ ) لأن ذلك ظلم عظيم ، ثم علل هذه العلة بقوله :( إِنَّ الظَّالِمِينَ ) أي العريقين في هذا الوصف( لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) مكتوب لكل منهم مقداره ، لا يغني أحد منهم عن الآخر شيئا ، بل كل مقصور على ما قدر له ، وحكاية هذه المحاورة لتنبيه السامعين على النظر في العواقب والاستعداد لذلك اليوم قبل أن لا يكون إلا الندم وقرع السن وعض اليد.
ولما ذكر الظالمين. أتبعه ذكر المؤمنين ، فقال بانيا للمفعول لأن الدخول هو المقصود بالذات :( وَأُدْخِلَ ) والإدخال : النقل إلى محيط ـ هذا أصله( الَّذِينَ آمَنُوا ) أي أوجدوا الإيمان( وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) أي تصديقا لدعواهم الإيمان( جَنَّاتٍ تَجْرِي )
وبين أن الماء غير عام لجميع أرضها بإدخال الجار فقال :( مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ) فهي لا تزال ريّا ، لا يسقط ورقها ولا ثمرها فداخلها لا يبغي بها بدلا( خالِدِينَ فِيها. )
ولما كانت الإقامة لا تطيب إلا بإذن المالك قال :( بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ) الذي أذن لهم ـ بتربيته وإحسانه ـ في الخروج من الظلمات إلى النور ، وقرىء «وأدخل» على التكلم فيكون عدل عن أن يقول «بإذني» إلى( بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ) للإعلام بالصفة المقتضية للرحمة كما قال تعالى( إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ ) [الكوثر : ١] ولم يقل : لنا ـ سواء ، ومن شكله( إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ) [الفتح : ١] فلا تنبغي المسارعة إلى إنكار شيء يمكن توجيهه ، بل يتعين إمعان النظر ، فإن الأمر كما قال الإمام أبو الفتح بن جني في كتابه المحتسب في توجيه( لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ ) [البقرة : ٧٤] أن كلام العرب لمن عرفه ـ ومن الذي يعرفه؟ ـ ألطف من السحر ، وأنقى ساحة من مشوف الفكر ، وأشد تساقطا بعضا على بعض ، وأمسّ تساندا نفلا إلى فرض( تَحِيَّتُهُمْ ) أي فيما بينهم وتحية الملائكة لهم ؛ والتحية : التلقي بالكرامة في المخاطبة ، فهي إظهار شرف المخاطب( فِيها سَلامٌ ) أي عافية وسلامة وبقاء ، وقول من كل منهم للآخر : أدام الله سلامتك ، ونحو هذا من الإخبار بدوام العافية ، كما أن حال أهل الباطل في النار عطب وآلام.
( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ (٢٦) )
ولما تقرر بما مضى أن الحق ما قاله الله أو فعله أو أذن فيه ، وأن الباطل ما كان على غير أمره مما ينسب إلى الشيطان أو غيره من قول أو فعل ، وأنه لا يصلح في الحكمة أن ينفي الحق ولا أن يبقى الباطل( إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ) [يونس : ٨١] ،( وَيُحِقُّ اللهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ ) [الأنفال : ٨] ، وقص سبحانه كلام أوليائه الذي هو من كلامه ، فهو أثبت الأشياء وأطيبها وأعظمها ثمرة ، وكلام أعدائه الذي هو من كلام الشيطان ، فهو أبطل الأشياء وأخبثها ، قرب سبحانه ذلك بمثل يتعارفه المخاطبون فقال :( أَلَمْ تَرَ ) أي يا من لا يفهم عنا هذا المثل حق الفهم سواه!( كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ ) أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما( مَثَلاً ) أي سيره بحيث يعم نفعه ؛ والمثل : قول سائر يشبه فيه حال الثاني بالأول ؛ ثم بينه بقوله :( كَلِمَةً طَيِّبَةً ) أي جمعت أنواع الكرم فليس فيها شيء من الخبث ، وتلك الكلمة( كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ ) .
ولما كانت لا تسر إلا بالثبات ، قال :( أَصْلُها ثابِتٌ ) أي راسخ في الأرض آمن من الاجتثاث بالرياح ونحوها( وَفَرْعُها ) عال صاعد مهتز( فِي ) جهة( السَّماءِ ) لحسن منبتها وطيب عنصرها ؛ فالآية من الاحتباك : ذكر «ثابت» أولا دال على عال صاعد ثانيا ، وذكر «السماء» ثانيا دال على الأرض أولا.
ولما ذكر حالها ، ذكر ثمرتها فقال :( تُؤْتِي أُكُلَها ) أي ثمرتها بحسن أرضها ودوام ريّها( كُلَّ حِينٍ ) على أحسن ما يكون من الإيتاء ، لأن علوها منعها من عفونات الأرض وقاذورات الأبنية ، فكانت ثمرتها نقية من شوائب الأدناس.
ولما كان الشيء لا يكمل إلا بكمال مربيه قال :( بِإِذْنِ رَبِّها ) فهي بحيث لا يستجيز عاقل أن يتسبب في إفسادها ، ومن سعى في ذلك منعه أهل العقول ولو وصلوا إلى بذل النفوس ؛ روى البخاري في التفسير وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : «كنا عند رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم فقال : أخبروني بشجرة كالرجل المسلم لا يتحات ورقها [...] ، تؤتي أكلها كل حين ، قال ابن عمر رضي الله عنهما : فوقع في نفسي أنها النخلة ، ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان ، فكرهت أن أتكلم ، فلما لم يقولوا شيئا قال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم : هي النخلة ، فلما قمنا قلت لعمر : يا أبتاه! والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة ، فقال : ما منعك أن تكلم؟ قال : لم أركم تكلمون فكرهت أن أتكلم ، قال عمر : لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا»(١) .
ثم نبه سبحانه على عظم هذا المثل ليقبل على تدبره ليعلم المراد منه فيلزم ، فقال :( وَيَضْرِبُ اللهُ ) أي الذي له الإحاطة الكاملة( الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ ) أي الذين يحتاجون إلى ذلك لاضطراب آرائهم ، لأن في ضربها زيادة إفهام وتصوير للمعاني ، لأن المعاني الصرفة إذا ذكر مناسبها من المحسوسات ارتسمت في الحس والخيال والوهم ، وتصورت فتركت هذه القوى المنازعة فيها ، فيحصل الفهم التام والوصول إلى المطلوب( لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) أي ليكون حالهم حال من يرجى له غاية التذكر ـ بما أشار إليه الإظهار ، فهذا مثل كلام الأولياء ، فكلمتهم الطيبة كلمة التوحيد التي لا أطيب منها ، وهي أصل كل سعادة راسخة في قلوبهم ، معرقة في كل عرق منهم أوجب إعراقها أن بسقت فروعها التي هي الأعمال الدينية من أعمال القلوب والجوارح ، فصارت كلما
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ٦٢ و ١٣١ و ٤٦٩٨ و ٦١٢٢ ومسلم ٢٨١١ والترمذي ٢٨٦٧ والحميدي ٦٧٧ وابن حبان ٢٤٣ و ٢٤٤ وأحمد ٢ / ٣١ و ٦١ كلهم من حديث ابن عمر.
هزت اجتنى الهازّ ثمراتها التي لا نهاية لها ، عالما بأنها من فتح مولاه لا صنع له فيها بوجه ، بل له سبحانه المن عليه في جميع ذلك وكما أن الشجرة لا تتم إلا بعرق راسخ وأصل قائم وفروع عالية ، فكذلك الإيمان لا يتم إلا بمعرفة القلب وقول اللسان وعمل الأركان ، ثم أتبعه مثل حال الأعداء فقال :( وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ ) أي عريقة في الخبث لا طيب فيها( كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ) .
ولما كان من أنفع الأمور إعدامها والراحة من وجودها على أيّ حالة كانت ، بنى للمفعول قوله :( اجْتُثَّتْ ) أي استؤصلت بقلع جثتها من أصلها( مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ) برأي كل من له رأي ؛ ثم علل ذلك لقوله :( ما لَها ) وأعرق في النفي بقوله :( مِنْ قَرارٍ ) أي عند من له أدنى لب ، لأنه لا نفع لها بل وجودها ضار ولو بشغل الأرض ، فكذلك الكلمة الخبيثة الباطلة لا بقاء لها أصلا وإن علت وقتا ، لأن حجتها داحضة فجنودها منهزمة.
( يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ (٢٧) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ (٢٩) )
فلما برز الكلام إلى هذين المثالين ، حصل التعجب ممن يترك ممثول الأول ويفعل ممثول الثاني ، فوقع التنبيه على أن ذلك بفعل القاهر ، فقال تعالى ـ جوابا لمن كأنه قال : إن هذا الصريح الحق ، ثم إنا نجد النفوس مائلة إلى الضلال ، وطائشة في أرجاء المحال ، فكيف لنا بالامتثال؟( يُثَبِّتُ اللهُ ) أي الذي له الجلال والجمال( الَّذِينَ آمَنُوا ) أي أوجدوا هذه الحقيقة ولو على أقل درجاتها( بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ ) أي الذي هو متابعة الدليل( فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) بمثل ما تقدم من محاورات أنبيائه( وَفِي الْآخِرَةِ ) ويهديهم عند كل سؤال إلى أحسن الأقوال حيث تطيش العقول وتدهش الأفكار لشدة الأهوال( وَيُضِلُّ اللهُ ) أي الذي له الأمر كله( الظَّالِمِينَ ) أي العريقين في الظلم ، ويزلزلهم لتقلبهم في الظلمات التي من شأن صاحبها الضلال والخبط ، فيفعلون ما لا يرضاه عاقل ، فالآية من الاحتباك : ذكر الثبات أولا دليلا على ضده ثانيا ، والإضلال ثانيا دليلا على الهدى أولا( وَيَفْعَلُ اللهُ ) أي الذي له الأمر كله ، فلا يسأل عما يفعل( ما يَشاءُ ) لأن الكل بحكمه وقضائه وهو القادر القاهر ، فلا يتعجب من شيء ، وفي هذا إرشاد إلى الإقبال عليه وإلقاء أزمّة الافتقار إليه ؛ روى البخاري في التفسير وغيره ومسلم في أواخر صفة الجنة والنار عن البراء رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وعلى
آله وسلم قال : «المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله» ، فذلك قوله تعالى( يُثَبِّتُ اللهُ» ) (١) الآية.
ولما أخبر سبحانه أنه هو الفاعل وحده ، أتبعه الدليل عليه وعلى إضلال الذين بدلوا الكلمة الطيبة من التوحيد بالإشراك وزلزلتهم واجتثات كلمتهم فقال :( أَلَمْ تَرَ ) وأشار إلى بعدهم عن مقامه صلّى الله عليه وعلى آله وسلم بقوله :( إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا ) والتبديل : جعل الشيء مكان غيره( نِعْمَتَ اللهِ ) أي المستجمع لصفات الكمال التي أسبغها عليهم من كلمة التوحيد ، وما أورثهم من دين أبيهم إسماعيلعليهالسلام ومن جميع النعم الدنيوية من أمن البلد وتيسير الرزق وغير ذلك ، بأن جعلوا مكان شكرها( كُفْراً ) وهم يدعون أنهم أشكر الناس للإحسان ، وأعلاهم همما في الوفاء ، وأبعدهم عن الخناء( وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ ) بذلك( دارَ الْبَوارِ ) أي الهلاك ، مع ادعائهم أنهم أذب الناس عن الجار فضلا عن الأهل ، روى البخاري في التفسير أنهم كفار أهل مكة(٢) . والبوار : الهلاك الزائد ، والإحلال : جعل الشيء في محل ، فإن كان جوهرا فهو إحلال مجاورة. وإن كان عرضا فهو إحلال مداخلة.
ولما أفاد أنها مهلكة ، بينها بما يفهم أنها تلقاهم بالعبوسة كما كانوا يلقون أولياء الله من الرسل وغيرهم بذلك فقال :( جَهَنَّمَ ) حال كونهم( يَصْلَوْنَها ) أي يباشرون حرها مع انغماسهم فيها بانعطافها عليهم ؛ ولما كان التقدير : فبئس الإحلال أحلوه أنفسهم وقومهم ، عطف عليه قوله :( وَبِئْسَ الْقَرارُ ) ذلك المحل الذي أحلوهم به.
( وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠) قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ (٣١) )
ولما كان هذا فعل من لا عقل له ، بينه بقوله :( وَجَعَلُوا لِلَّهِ ) الذي يعلمون أنه لا شريك له في خلقهم ولا رزقهم لأن له الكمال كله( أَنْداداً ) وقال :( لِيُضِلُّوا ) أي بأنفسهم على قراءة ابن كثير وأبي عمرو ، ويعموا غيرهم على قراءة الباقين( عَنْ سَبِيلِهِ ) لأنهم إن كانوا عقلاء فإنهم يعلمون أن هذا لازم لفعلهم فهم قاصدون له ، وإلا فلا عقول لهم ، لأنه لا يقدم على ما لا يعلم عاقبته إلا أبله ، وهم يقولون : إنهم أبصر الناس
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ٤٦٩٩ ومسلم ٢٨٧١ وأبو داود ٤٧٥٠ والترمذي ٣١٢٠ والنسائي في الكبرى ١١٢٦٤ وابن ماجه ٤٢٦٩ كلهم من حديث البراء بن عازب بألفاظ متقاربة.
(٢) موقوف. أخرجه البخاري ٤٧٠٠ في تفسير سورة إبراهيم عن ابن عباس قال : هم كفار أهل مكة.
قلوبا ، وأصفاهم عقولا. وأنفذهم أفكارا ، وأمتنهم آراء ، فمن ألزم منهم بطريق النجاة ومن أحذر منهم لطرق الهلاك؟ مع ما أوقعوا أنفسهم فيه من هذا الداء العضال.
ولما تقرر أنهم على الضد من جميع ما يدعونه فكانوا بذلك أهلا للإعراض عنهم ، وكان صلّى الله عليه وعلى آله وسلم بمعرض أن يقول : فماذا أفعل بهم وقد أمرتني بإخراجهم إلى صراطك؟ أمره أن يدق أعناقهم بإخبارهم أن ما أضلهم من النعم إنما هو استدراج ، فقال :( قُلْ ) أي تهديدا لهم فإنهم لا يشكون في قولك وإن عاندوا :( تَمَتَّعُوا ) وبالغوا في فعل البهائم مهما قدرتم ، فإن ذلك ضائركم غير نافعكم( فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ ) أي صيرورتكم( إِلَى النَّارِ ) بسبب تمتعكم على هذا الوجه.
ولما ذكر كفرهم وضلالهم عن السبيل وما أمره صلّى الله عليه وعلى آله وسلم بأن يقول لهم ، وكان ذلك محركا لنفس السامع إلى الوقوف على ما يقال لمن خلع الأنداد ، وكان أوثق عرى السبيل بعد الإيمان وأعمها الصلاة الناهية عن الفحشاء والمنكر ، والنفقة الشاملة لوجوه البر ، أمره تعالى أن يندب أولياءه إلى الإقبال إلى ما أعرض عنه أعداؤه ، والإعراض عما أقبلوا بالتمتع عليه من ذلك ، فقال( قُلْ لِعِبادِيَ ) فوصفهم بأشرف أوصافهم ، وأضافهم إلى ضميره الشريف تحبيبا لهم فيه ، ثم أتبع هذا الوصف ما يناسبه من إذعانهم لسيدهم فقال :( الَّذِينَ آمَنُوا ) أي أوجدوا هذا الوصف.
ولما كان قوله صلّى الله عليه وعلى آله وسلم أحسن قول ، فهو جال لصدأ القلوب ، وموجب لتهذيب النفوس ، قال جازما :( يُقِيمُوا الصَّلاةَ ) التي هي زكاة القوة وصلة العبد بربه( وَيُنْفِقُوا ) وخفف عنهم بقوله :( مِمَّا رَزَقْناهُمْ ) أي بعظمتنا ، فهو لنا دونهم ، من أنواع النفقات المقيمة لشرائعه من الصدقات وغيرها ، إتقانا لما بينهم وبينه من الأسباب لينقذوا أنفسهم من النار ، واقتصر على هاتين الخلتين لأنه لم يكن فرض في مكة غيرهما مع ما تقدم من فضلهما وعمومهما ، ولعله سيق سياق الشرط تنبيها لهم على أن مجرد قوله صلّى الله عليه وعلى آله وسلم أقوى الأسباب فيجب عليهم ألا يتخلفوا عنه أصلا ؛ ثم أشار إلى المداومة على هاتين الخصلتين بقوله :( سِرًّا وَعَلانِيَةً ) ويجوز أن يراد بالسر النافلة ، وبالعلانية الفرض ؛ ثم رهب من تهاون في خدمته من اليوم الذي كان الإعراض عنه سبب الضلال ، فقال مشيرا بالجار إلى قصر مدة أعمالهم :( مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ ) أي عظيم جدا ليس هو كشيء من الأيام التي تعرفونها( لا بَيْعٌ فِيهِ ) لأسير بفداء( وَلا خِلالٌ ) أي مخالات وموادات يكون عنها شفاعة أو نصر ، جمع خلة كقلة وقلال ، أو هو مصدر ، وذلك إشارة إلى أنه لا يكون شيء منهما سببا لخلاص هالك.
( اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ (٣٣) وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤) )
ولما نفى جميع الأسباب النافعة في الدنيا في ذلك اليوم ، كان كأنه قيل : فمن الحكم فيه حتى أنه يسير سيرة لا نعرفها؟ فقيل :( اللهُ ) أي الملك الأعلى المحيط بكل شيء ؛ ثم أتبعه بصفات تدل على ما دعا إليه الرسل من وحدانيته وما أخبروا به من قدرته على كل شيء فلا يقدر أحد على مغالبته ، وعلى المعاد وعلى غناه فلا يبايع ، فقال :( الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ) وهما أكبر خلقا منكم وأعظم شأنا ، ثم عقبه بأدل الأمور على الإعادة مع ما فيه من عظيم المنة بأن به الحياة ، فقال :( وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ) ولما كان ذلك سبب النمو قال :( فَأَخْرَجَ بِهِ ) أي بالماء الذي جعل منه كل شيء حي( مِنَ الثَّمَراتِ ) أي الشجرية وغيرها( رِزْقاً لَكُمْ ) بعد يبس الأرض وجفاف نباتها ، وليس ذلك بدون إحياء الموتى ؛ ثم أتبعه ما ادخره في الأرض من مياه البحار والأنهار ، وذكر أعم ما يظهر من البحار فقال :( وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ ) وعلل ذلك بقوله :( لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ ) ولما كان ذلك أمرا باهرا للعقل ، بين عظمته بقوله :( بِأَمْرِهِ ) ولما كانت الأنهار من النعم الكبار بعد نعمة البحار ، قال :( وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ ) ثم أتبعه ما جعله سببا لكمال التصرف وإنضاج الثمار المسقيّة بالماء النازل من السماء والنابع من الأرض فقال :( وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ) حال كونهما( دائِبَيْنِ ) أي في سيرهما وإنارتهما وما ينشأ عنهما من الإصلاح بالطبخ والإنضاج في المعادن والنبات والحيوان ؛ قال الرماني : والدؤوب : مرور الشيء في العمل على عادة جارية فيه ؛ ثم ذكر تعالى ما ينشأ عن وجود الشمس وعدمها فقال :( وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ ) أي الذي القمر آيته( وَالنَّهارَ ) أي الذي الشمس آيته ، يوجد كل منهما بعد تصرمه ، ولو كان أحدهما سرمدا لاختل الحال بعدم النبات والحيوان كما هو كذلك حيث لا تغرب الشمس في الجنوب وحيث لا تطلع في الشمال ؛ ثم عم بعد أن خص فقال :( وَآتاكُمْ ) .
ولما كان الكمال لا يكون إلا في الجنة قال :( مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ ) أي ما أنتم محتاجون إليه فأنتم سائلوه بالقوة ؛ ثم حقق وجه العظم بفرض ما يوجب العجز فقال :( وَإِنْ تَعُدُّوا ) أيها الناس كلكم( نِعْمَتَ اللهِ ) أي تروموا عد إنعام الملك الأعلى الذي له الكمال المطلق أو تأخذوا في عدّه ، وعبر عنه بالنعمة إرشادا إلى الاستدلال بالأثر على المؤثر( لا تُحْصُوها ) أي لا تحيطوا بها ولا تعرفوا عد الحصى المقابلة لها إن
عددتموها بها كما كانت عادة العرب ، أو لا تجدوا من الحصى ما يوفي بعددها ، هذا في النعمة الواحدة فكيف بما زاد! فهذا شرح قوله أول السورة( اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) وقد ظهر به أنه لا يوجد شيء إلا وهو ملك الله فضلا عن أن يوجد شيء يدانيه فضلا عن شيء يماثله ، فثبت أنه لا بيع ولا خلال يوم دينونة العباد ، وتقريب العجز عن العد للإفهام أن السلامة من كل داء ذكره الأطباء في كتبهم ـ على كثرتها وطولها ـ نعمة على العبد ، وذلك متعسر الحصر ، وكل ما ذكروه صريحا في جنب ما دخل تحت كلياتهم تلويحا ـ قليل ، فكيف بما لم يطلعهم الله عليه ولم يهدهم بوجه إليه ، هذا في الجسم ، وأما في العقل فالسلامة من كل عقد زائغ ، ودين باطل وضلال مائل ، وذلك لا يحصيه إلا خالق الفكر وفاطر الفطر سبحانه ، ما أعزه وأعظم شأنه!.
ولما كان أكثر هذه السورة في بيان الكفرة وما لهم ، وبيان أن أكثر الخلق هالك معرض عما يأتيه من نعمة الهداية على أيدي الرسل الدعاة إلى من له جميع النعم للحياة الطيبة بسعادة الدارين ، ختم الآية ببيان ما اقتضى ذلك من صفات الإنسان فقال :( إِنَّ الْإِنْسانَ ) أي هذا النوع لما له من الأنس بنفسه ، والنسيان لما ينفعه ويضره ، والاضطراب بسبب ما يغمه ويسره( لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ) أي بليغ الظلم والكفر حيث يهمل الشكر ، ويتعداه إلى الكفر ، وختم مثل ذلك في سورة النحل ب( غَفُورٌ رَحِيمٌ ) لأن تلك سورة النعم ، بدئت بالنهى عن استعجال العذاب ، لأن الرحمة أسبق ، ومن الرحمة إمهال الناس وإمتاعهم بالمنافع ، فالتقدير إذن هناك :( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ) ولكن ربه لا يعاجله بالعقوبة لأنه غفور رحيم ، وأما هذه السورة فبدئت بأن الناس في الظلمات.
( وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦) رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧) )
ولما انقضى المأمور به من القول لكافر النعمة وشاكرها وسبب ذلك والدليل عليه ، وبان أنه خالق الموجودات كلها وربها ، فلا يصح أصلا أن يكون شيء منها شريكا. أمره صلّى الله عليه وعلى آله وسلم أن يذكرهم بأيام الله عند أبيهم إبراهيم عليه
السّلام للدلالة على تبديلهم النعمة ظلما منهم وكفرا ، في أسلوب دال على البعث ، مشير إلى وجوب براءتهم من الأصنام حيث كان محط حالهم فيها تقليد الآباء وهو أعظم آبائهم ، وإلى ما سنه لهم من إقامتهم الصلاة وشكرهم لنعمه بالإنفاق وغيره ، فقال ناعيا عليهم ـ مع المخالفة لصريح العقل وقاطع النقل ـ عقوق أبيهم الأعظم ، عطفا على( قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا ) أو على( وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ ) :( وَإِذْ ) أي واذكر لهم مذكرا بأيام الله خبر إبراهيم إذ( قالَ إِبْراهِيمُ رَبِ ) أي أيها المحسن إليّ بإجابة دعائي في جعل القفر الذي وضعت به ولدي بلدا عظيما.
ولما كان السياق لإخراج الرسل من محالهم ، وكان ذلك مفهما لأن المحل الذي يقع الإخراج منه بلد يسكن فيه ، واتبعه سبحانه بأن المتعرضين بدلوا نعمة الله ـ بما أسكن فيه من الأمن بعد جعله له بلدا ـ بما أحدثوا فيه من الإخافة لخير أهله ، ومن الإنذار لمن أنعم عليهم بكل ما فيه من الخير ، كان الأنسب تعريفه فقال :( اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ ) أي الذي يريدون إخراج الرسول منه( آمِناً ) أي ذا أمن بأمان أهله ، وكأن هذا الدعاء صدر منه بعد أن سكن الناس مكة وصارت مدينة ، والذي في البقرة كان حيث وضع ابنه بها مع أمه وهي خالية عن ساكن ، فدعا أن يجعلها الله بلدا ، وأن يجعلها بعد ذلك موصوفة بالأمن ، وهو سكون النفس إلى زوال الضر.
ولما دعا بالأمن من فساد الأموال والأبدان ، أتبعه الدعاء بالأمن من فساد الأديان ، فقال :( وَاجْنُبْنِي ) أي اصرفني( وَبَنِيَ ) أي لصلبي ، وأسقط البنات إشارة إلى الاستقلال ، وإنما هن تابعات دائما( أَنْ نَعْبُدَ ) أي عبادة مستمرة تكون موجبة للنار( الْأَصْنامَ ) أي اجعلنا في جانب غير جانب عبادتها ، والصنم : المنحوت على خلقة البشر ، وما كان منحوتا على غير خلقة البشر فهو وثن ـ قاله الطبري عن مجاهد ؛ تم بين زيادة الاهتمام بأمر الأصنام بإعادة النداء ، وأسقط الأداة ـ زيادة في التملق(١) بكونه من أهل القرب والانقطاع إليه سبحانه معللا لما قبله ـ في قوله :( رَبِ ) بإفراد المضاف إليه ليكون الكلام الواحد على نظام واحد( إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ ) إسناد مجازي علاقته السببية( كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ ) أي فتسبب عن بغضي لهن أني أقول : من( تَبِعَنِي ) من جميع الناس في تجنبها( فَإِنَّهُ مِنِّي ) أي من حزبي لكونه على طريقتي وديني ، فأتني ما وعدتني فيه من الفوز( وَمَنْ عَصانِي ) فضل بها فقد استحق النار ، فإن عذبته فهو عبدك ، وإن
__________________
(١) تملّقه : تودد إليه وتلطّف له ، والملق : الودّ واللطف.
غفرت له فأنت أهل لذلك ، لأن لك أن تفعل ما تشاء( فَإِنَّكَ غَفُورٌ ) أي بليغ الستر( رَحِيمٌ ) أي بليغ الإكرام بعد ستر الذنوب ؛ وأكد للإعلام بزيادة رغبته في العفو لأنه لا ينقص به شيء من عزته سبحانه ولا حكمته ـ كما أشار إليه دعاء عيسىعليهالسلام في المائدة.
ولما دعا بدرء المفاسد الناشئة من نوعي الإنسان والشيطان بأمن البلد وإيمانه ذكر السبب الحامل له على تخصيصه بذلك مستجلبا للمصالح ، فقال :( رَبَّنا ) أي يا رب وربّ من قضيت أنه يتبعني بتربيتك لنا أحسن تربية( إِنِّي أَسْكَنْتُ ) وكأن الله سبحانه كان قد أخبره أنه يكثر نسله حتى يكونوا كالنجوم ، وذلك بعد البشارة بإسحاقعليهالسلام فقال :( مِنْ ذُرِّيَّتِي ) وساقه مؤكدا تنبيها على أنه ـ لكونه على وجه لا يسمح به أحد ـ لا يكاد يصدق ، وللإعلام بأنه راغب فيه( بِوادٍ ) هو مكة المشرفة لكونها في فضاء منخفض بين جبال تجري به السيول( غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ) .
ولما نفى عنه الرفد الدنيوي ، أثبت له الأخروي ، إشارة إلى أن الدارين ضرتان لا تجتمعان ، وكأن هذا الدعاء كان بعد بنائه البيت ـ كما تقدمت الإشارة إليه أيضا بتعريف البلد ، فقال :( عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ) أي الذي حرمت التعرض إليه ومنعته بالهيبة فلم يملكه أحد سواك ، وجعل له حريم يأمن فيه الوحش والطير ؛ والسكنى : اتخاذ مأوى يسكن إليه متى شاء ، والوادي : سفح الجبل العظيم ، ومنه قيل للأنهار : أودية ، لأن حافاتها كالجبال لها ، والزرع : نبات ينفرش من غير ساق ؛ ثم بين غرضه من إسكانهم هناك فقال :( رَبَّنا ) أي أيها المحسن إلينا( لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ ) ما أسكنتهم في هذا الوادي الموصوف إلا لهذا الغرض المنافي لعبادة غيرك ، ولأن أولى الناس بإقامتها حاضرو البيت المتوجه بها إليه.
ولما كان اشتغالهم بالعبادة وكونهم في ذلك الوادي أمرين بعيدين عن أسباب المعاش ، تسبب عنه قوله :( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً ) أي قلوبا محترقة بالأشواق( مِنَ النَّاسِ ) أي من أفئدة الذين هم أهل للاضطراب ، بكون احتراقها بالشوق مانعا من اضطرابها( تَهْوِي ) أي تقصدهم فتسرع نحوهم برغبة وشوق إسراع من ينزل من حالق ؛ وزاد المعنى وضوحا وأكده بحرف الغاية الدال على بعد لأن الشيء كلما بعد مدى مرماه اشتد وقعه فقال :( إِلَيْهِمْ ) ولما دعا لهم بالدين ، دعا لهم بالرزق المتضمن للدعاء لجيرانهم فقال :( وَارْزُقْهُمْ ) أي على يد من يهوي إليهم( مِنَ الثَّمَراتِ ) أي التي أنبتها في بلادهم ؛ وبين العلة الصالحة بقوله :( لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) أي ليكون حالهم حال من يرجى شكرهم لما يرون من نعمك الخارقة للعوائد في ذلك الموضع البعيد عن الفضل
لو لا عنايتك فيشتغلوا بعبادتك لإغنائك لهم وإحسانك إليهم ، وقد أجاب الله دعوته ؛ فالآية لتذكير قريش بهذه النعم الجليلة عليهم ببركة أبيهم الأعظم الذي نهى عن عبادة الأوثان.
( رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٣٨) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٩) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ (٤٠) )
ولما فرغ من الدعاء بالأهم من الإبقاء على الفطرة الأولى المشوقة للعزائم إلى العكوف في دارة الأنس ، ومن الكفاية لهم المعاش ، المنتج للشكر بإنفاق الفضل ، وتبين من ذلك أنهم خالفوا أعظم آبائهم في جميع ما قصده لهم من المصالح ، أتبعه ما يحث على الإخلاص في ذلك وغيره له ولغيره ليكون أنجح للمراد بضمان الإسعاد ولا سيما مع تكرير النداء الدال على مزيد التضرع فقال :( رَبَّنا ) أي أيها المحسن إلينا المالك لجميع أمورنا( إِنَّكَ تَعْلَمُ ما ) أي جميع ما( نُخْفِي وَما نُعْلِنُ ) ثم أشار إلى عموم علمه فقال :( وَما يَخْفى عَلَى اللهِ ) أي الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلما. وبالغ في النفي فقال :( مِنْ شَيْءٍ ) من ذلك ولا غيره( فِي الْأَرْضِ ) ولما كان في سياق المبالغة ، أعاد النافي تأكيدا فقال :( وَلا فِي السَّماءِ ) أي فهو غير محتاج إلى التعريف بالدعاء ، فالدعاء إنما هو لإظهار العبودية ، واسم الجنس شامل لما فوق الواحد ، ومن فوائد التعبير بالإفراد الدلالة على أن من كان محيطا بكل ما في المتقابلين من غير أن يحجبه أحدهما عن الآخر ، كان محيطا بغيرهما كذلك من غير فرق.
ولما تم ما دعا به من النزاهة عن رجاسة الشرك وتبين بتقديمه أن أهم المهمات البراءة منه ، أتبعه الحمد على ما رزق من النعم وما تبع ذلك من الإشارة إلى وجوب الشكر فقال :( الْحَمْدُ لِلَّهِ ) أي المستجمع لصفات الكمال( الَّذِي وَهَبَ ) والهبة : هبة تمليك من غير عقد ، منّا منه( لِي ) حال كوني مستعليا( عَلَى الْكِبَرِ ) ومتمكنا منه على يأس من الولد( إِسْماعِيلَ ) الذي أسكنته هنا( وَإِسْحاقَ ) وهذا يدل على ما تقدم فهمي له من أن هذا الدعاء كان بعد بناء البيت وطمأنينته بإسحاقعليهالسلام ، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن سنه كان عند ولادة إسماعيلعليهالسلام تسعا وتسعين سنة ، وعند ولادة إسحاقعليهالسلام كان مائة سنة واثنتي عشرة سنة.
ولما كان إتيان الولد له في سن لا يولد فيه لمثله ، وجميع ما دعا به من الخوارق فوجوده لا يكاد يصدق ، أشار إلى ذلك بتأكيد قوله :( إِنَّ رَبِّي ) أي المحسن إليّ
( لَسَمِيعُ الدُّعاءِ ) أي من شأنه إجابة الدعاء على الوجه الأبلغ تعريضا بالأنداد وإشارة إلى ما تضمنه تأسفه على العقم ، فقد تقدم في سورة البقرة عن التوراة أنه لما خلّص ابن أخيه لوطا من الأسر قال له الله : يا إبراهيم! أنا أكانفك وأساعدك لأن ثوابك قد جزل ، فقال إبرم : اللهم ربي! ما الذي تنحلني وأنا خارج من الدنيا بلا نسل ويرثني اليعازر غلامي الدمشقي؟ فقال له الرب : لا يرثك هذا ، بل ابنك الذي يخرج من صلبك فهو يرثك ، وقال له : انظر إلى السماء وأحص النجوم إن كنت تقدر أن تحصيها ، فكذلك تكون ذريتك ، فآمن إبرم بالله.
ولما تم الحمد على النعمة بعد الدعاء بالتخلي من منافي السعادة وختمه بالحمد على إجابة الدعاء ، انتهز الفرصة في إتباعه الدعاء بالتحلي بحلية العبادة التي أخبر أنها قصده بإسكانه من ذريته ثم إقامتها ، إشارة إلى صعوبتها على النفس إلا بمعونة الله فقال :( رَبِ ) أي أيها الموجد لي المالك لأمري( اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ) أي هذا النوع الدال على غاية الخضوع ، دائم الإقامة لها ، وكأن الله تعالى أعلمه بأنه يكون من ذريته من يكفر فقال أدبا :( وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ) .
ولما كانت أعظم الأركان بعد الإيمان ، أفرد الضمير للدعاء بها متملقا لله تعالى بما عليه من النعم التي لم ينعمها على أحد كان في ذلك الزمان غيره ، كما أشار إلى ذلك باسم الرب ، ثم زاد في التضرع بقوله :( رَبَّنا ) أي أيها المحسن إلينا ، وجمع الضمير المضاف إليه بالنظر إلى من تبعه من ذريته لأن ما بعده كلام آخر ، أي رب وربّ من وفقته بتربيتك وإحسانك لإقامة الصلاة من ذريتي( وَتَقَبَّلْ دُعاءِ ) كله بذلك وغيره ، بأن تجعله مقبولا جعل من كأنه راغب فيه مفتن به.
( رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ (٤١) وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ (٤٣) وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ (٤٤) وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ (٤٥) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ (٤٦) )
ولما كان الإنسان ولو اجتهد كل الاجتهاد ـ محل العجز الموجب للتقصير المفتقر للستر ، قال مشيرا إلى ذلك :( رَبَّنَا ) أي أيها المالك لأمورنا المدبر لنا( اغْفِرْ لِي ) ثم
أشرك معه أقرب الناس إليه وأحقهم بشكره فقال :( وَلِوالِدَيَ ) وقد كان استغفاره لهما قبل أن يعلم أن أباه مات كافرا ، وقد علم من السياق أنه إذا كان وحده أضاف إلى ضميره ، وإذا تقدم ما يحسن جمعه معه جمع إن كان ما بعده مستقلا ، ثم كل من تبعه في الدين من ذريته وغيرهم فقال :( وَلِلْمُؤْمِنِينَ ) أي العريقين في هذا الوصف( يَوْمَ يَقُومُ ) أي يظهر ويتحقق على أعلى وجوهه( الْحِسابُ ) .
ولما ختم دعاءه بيوم الحساب الموجب ذكره لكل سعادة ونسيانه لكل شقاوة ، ذكر بعض ما يتفق فيه رجوعا إلى ما مضى من أحوال يوم القيامة على أحسن وجه ، فقال ـ عاطفا على قوله( قُلْ لِعِبادِيَ ) وجل المقصد تهديد أهل الظلم بالإشراك وغيره ، وخاطب الرأس الذي لا يمكن ذلك منه ليكون أوقع في قلب غيره ـ :( وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ ) أي الملك الأعظم الذي هو أحكم الحاكمين.
ولما كان اعتقاد ترك الحساب يلزم منه نسبة الحاكم إلى العجز أو السفه أو الغفلة ، وكان قد أثبت قدرته وحكمته في هذه السورة وغيرها نزهة عن الغفلة لينتبه المنكرون للبعث من غفلتهم فقال :( غافِلاً ) والغفلة : ذهاب المعنى عن النفس( عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ) الذين بدلوا نعمة الله كفرا ، فكانوا عريقين في الظلم وإن كان مستند ظلمهم شبها علمية يقيمونها ، فكأنه قيل : فما الذي يفعل بهم؟ فقال :( إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ ) أي يؤخر حسابهم على النقير والقطمير سواء عذبوا في الدنيا أو لا( لِيَوْمٍ تَشْخَصُ ) أي تفتح فتكون بحيث لا تطرف( فِيهِ ) منهم( الْأَبْصارُ ) أي حال كونهم( مُهْطِعِينَ ) أي مسرعين غاية الإسراع إلى حيث دعوا خوفا وجزعا ، مع الإقبال بالبصر نحو الداعي لا يلفتونه إلى غيره( مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ ) أي رافعيها وناصبيها ناظرين في ذل وخشوع إلى جهة واحدة ، وهي جهة الداعي ، لا يلتفتون يمينا ولا شمالا ، وهذا كناية عن أشد الذل والصغار ، ثم أتبعه ما يؤكده فقال مصرحا بمعنى الشخوص :( لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ ) ولما كانوا في هيئة الأعين في الطرف والسكون قريبا من السواء ، وحد فقال :( طَرْفُهُمْ ) بل أعينهم شاخصة دائمة الفتح لا تطرف كالمحتضر لما بأصحابها من الهول( وَأَفْئِدَتُهُمْ ) جمع فؤاد ، وهو العضو الذي من شأنه أن يحمى بالغضب ؛ قال في القاموس : والتفؤد : التحرق والتوقد ، ومنه الفؤاد للقلب مذكر ، جمعه أفئدة.( هَواءٌ ) أي عدم فارغة لا شيء فيها من الجرأة والأنفة التي يظهرونها الآن كما قال حسان بن ثابت رضي الله عنه :
ألا أبلغ أبا سفيان عني |
فأنت مجوف نخب هواء |
والهواء : الخلاء الذي لم تشغله الأجرام ، والنخب : الجبان ، وكذا الهواء ـ قاله في القاموس. فأنذرهم أهوال ذلك اليوم فإنه لا يبقى معهم فيه شيء مما هم فيه من
الإباء والاستكبار( وَأَنْذِرِ ) أي يا محمد( النَّاسَ ) جميعا ، ما يحل بهم( يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ ) وينكشف عنهم الغطاء بالموت أو البعث.
ولما كانوا عند إتيان العذاب قبل الموت لا ينكسرون بالكلية ، بين أنهم إذ ذاك على غير هذا ، فقال عاطفا على( يَأْتِيهِمُ ) :( فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا ) أي أوجدوا هذا الوصف ولو على أدنى الوجوه منهم ومن غيرهم بسبب إتيانه من غير تمهل ، وقد زال عنهم ما يفتخرون به من الأنفة والحمية والشماخة والكبر لما رأوا من الأهوال التي لا قبل لهم بها ولا صبر عليها :( رَبَّنا ) أي أيها المحسن إلينا بالخلق والرزق والتربية( أَخِّرْنا ) أي أمهلنا( إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ) فإنك إن تؤخرنا إليه( نُجِبْ دَعْوَتَكَ ) أي استدراكا لما فرطنا فيه ؛ والإجابة : القطع على موافقة الداعي بالإرادة( وَنَتَّبِعِ ) أي بغاية الرغبة( الرُّسُلَ ) فيقال لهم : إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر ، أولم تكونوا تقولون : إن عرى صبركم لا تنحل ، وحد عزائمكم لا يفل؟( أَوَلَمْ تَكُونُوا ) أي كونا أنتم فيه في غاية المكنة( أَقْسَمْتُمْ ) أي جهلا وسفها أو أشرا وبطرا.
ولما لم يكن وقت إقسامهم مستغرقا للزمان قال :( مِنْ قَبْلُ ) وبين الجواب المقسم عليه بقوله ـ حاكيا معنى قولهم لا لفظه ـ ليكون صريحا في المراد من غير احتمال لتعنت لو قيل : ما لنا؟ :( ما لَكُمْ ) وأكد النفي فقال :( مِنْ زَوالٍ ) عما أنتم عليه من الكفران وعدم الإذعان للإيمان ، أو من هذه الدار إلى الدار الآخرة ، أو من منازلكم التي أنتم بها ، كناية عن ثبات الأمر وعدم المبالاة بالمخالف كائنا من كان( وَ ) الحال أنكم( سَكَنْتُمْ ) أي في الدنيا( فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ) أي بوضع الأشياء في غير مواضعها كما فعلتم أنتم( أَنْفُسَهُمْ ) فأحلوا قومهم مثلكم دار البوار( وَتَبَيَّنَ ) أي غاية البيان( لَكُمْ ) بالخبر والمشاهدة.
ولما كان حال أحدهم في غاية العجب ، نبه بالاستفهام على أنه أهل لأن يسأل عنه فقال :( كَيْفَ فَعَلْنا ) أي على عظمتنا( بِهِمْ ) حين انتقمنا منهم فلم تعتبروا بأحوالهم( وَضَرَبْنا ) أي على ما لنا من العظمة( لَكُمُ الْأَمْثالَ ) المبينة أن سنة الله جرت ـ ولن تجد لسنة الله تبديلا ـ أن الظالمين كما جمعهم اسم الظلم يجمعهم ميسم الهلاك ، فجمعنا لكم بين طريقي الاعتبار : السمع والبصر ، ثم لم تنتفعوا بشيء منهما( وَ ) الحال أنه بان لكم أنهم حين فعلنا بهم ما فعلنا( قَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ ) أي الشديد العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم بحيث لم يبق لهم مكر غيره في تأييد الكفر وإبطال الحق ؛ والمكر : الفتل إلى الضرر على وجه الحيلة( وَ ) الحال أنه( عِنْدَ اللهِ ) أي المحيط علما وقدرة( مَكْرَهُمْ ) هو وحده به عالم من جميع وجوهه وإن دق ، وعلى
إبطاله قادر وإن جل( وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ ) من القوة والضخامة( لِتَزُولَ ) أي لأجل أن تزول( مِنْهُ الْجِبالُ ) والتقدير على قراءة فتح اللام الأولى ورفع الثانية : وإن كان بحيث إنه تزول منه الجبال ، والمعنيان متقاربان ، وقيل : «إن» نافية ، واللام لتأكيد النفي ؛ والجبال : الآيات والشرائع ، بل هي أثبت.
( فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ (٤٧) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٤٩) سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠) لِيَجْزِيَ اللهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٥١) هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٥٢) )
ولما تقرر ذلك من علمه سبحانه وقدرته ، تسبب عنه أن يقال وهو كما تقدم في أن المراد الأمة لبلوغ الأمر منهم كل مبلغ ، خوطب به الرأس ليكون أوقع في قلوبهم :( فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ ) أي الذي له الكمال كله ، فإن من ظن ذلك كان ناقص العقل( مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ) في أنه يعز أوليائه ويذل أعداءه ويهلكهم بظلمهم ، ويسكن أولياءه الأرض من بعدهم ؛ ثم علل ذلك بقوله ـ مؤكدا لأن كثرة المخالفين وقوتهم على تمادي الأيام تعرّض السامع للإنكار :( إِنَّ اللهَ ) أي ذا الجلال والإكرام( عَزِيزٌ ) أي يقدر ولا يقدر عليه( ذُو انتِقامٍ ) ممن يخالف أمره.
ولما تقررت عظمة ذلك اليوم الذي تشخص فيه الأبصار ، وكان أعظم يوم يظهر فيه الانتقام ، بينه بقوله :( يَوْمَ تُبَدَّلُ ) أي تبديلا غريبا عظيما( الْأَرْضُ ) أي هذا الجنس( غَيْرَ الْأَرْضِ ) أي التي تعرفونها( وَالسَّماواتُ ) بعد انتشار كواكبها وانفطارها وغير ذلك من شؤونها ؛ والتبديل : تغيير الشيء أو صفته إلى بدل( وَبَرَزُوا ) أي الظالمون الذين كانوا يقولون : إنهم لا يعرضون على الله للحساب ؛ والبروز : ظهور الشخص مما كان ملتبسا به( لِلَّهِ ) أي الذي له صفات الكمال( الْواحِدِ ) الذي لا شريك له( الْقَهَّارِ ) الذي لا يدافعه شيء عن مراده ، فصاروا بذلك البروز بحيث لا يشكون أنه لا يخفى منهم خافية ، وأما المؤمنون فلم يزالوا يعلمون ذلك : روى مسلم والترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت : سألت رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلم عن قوله تعالى :( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ ) الآية قلت : يا رسول الله فأين يكون الناس يومئذ؟ قال : على الصراط.
ولما ذكر بروزهم له ذكر حالهم في ذلك البروز فقال :( وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ ) أي
وتراهم ، ولكنه أظهر لتعدد صفاتهم التي أوجبت لهم الخزي ؛ والإجرام : قطع ما يجوز من العمل بفعل ما لا يجوز( يَوْمَئِذٍ ) أي إذ كانت هذه الأمور العظام( مُقَرَّنِينَ ) أي مجموعا كل منهم إلى نظيره ، أو مجموعة أيديهم إلى أعناقهم جمعا فيه شدة وضيق( فِي الْأَصْفادِ ) أي القيود ، والمراد هنا الأغلال ، أي السلاسل التي تجمع الأيدي فيها إلى الأعناق ويقرنون فيها مع أشكالهم ؛ ثم بين لباسهم بقوله :( سَرابِيلُهُمْ ) أي قمصهم السابغة( مِنْ قَطِرانٍ ) وهو ما يهنأ به الإبل ، ومن شأنه أنه يسرع فيه اشتعال النار ، وهو أسود اللون منتن الريح.
ولما كان هذا اللباس مع نتنه وفظاعته شديد الانفعال بالنار ، بين أنه يسلطها عليهم فقال :( وَتَغْشى ) ولما كان الوجه أشرف ما في الحيوان ، فإهانته إهانة عظيمة لصاحبه ، ذكره وقدمه تعجيلا لإفهام الإهانة فقال :( وُجُوهَهُمُ النَّارُ ) أي تعلوها باشتعالها ، فعلم أنه يلزم من غشيانها لها اضطرامها فيما ضمخ بالقطران من باب الأولى ؛ ثم بين علة هذه الأفعال في ذلك اليوم ، فقال معبرا بالجزاء والكسب الذي هو محط التكليف وظن النفع ، لاقتضاء سياق القهر لهما : ب( لِيَجْزِيَ اللهُ ) أي الذي له الكمال كله( كُلَّ نَفْسٍ ) طائعة أو عاصية. ولما عظم الأمر بإسناد الجزاء إلى الاسم الأعظم الجامع لجميع صفات الكمال ، اقتضى ذلك أن يكون نفس الكسب هو الجزاء ، لأن ذلك أبدع وأدق في الصنع وأبرع بأن يصور بما يحق من الصور المليحة عند إرادة الثواب ، والقبيحة عند إرادة العقاب ، فلذلك أسقط الباء ـ التي ستذكر في «حم المؤمن» وقال :( ما كَسَبَتْ ) والجزاء : مقابلة العمل بما يقتضيه من خير أو شر ؛ والكسب : فعل ما يستجلب به نفع أو يستدفع به ضر ، ومن جزاء المؤمن عقوبة من عاداه في الله.
ولما كان حساب كل نفس جديرا بأن يستعظم ، قال :( إِنَّ اللهَ ) أي الذي له الإحاطة المطلقة( سَرِيعُ الْحِسابِ ) أي لا يشغله حساب نفس عن حساب أخرى ولا شأن عن شأن.
ولما اشتملت هذه السورة على ما قرع سمعك من هذه المواعظ والأمثال والحكم التي أبكمت البلغاء ، وأخرست الفصحاء ، وبهرت العقول ، ترجمها سبحانه بما يصلح عنوانا لجميع القرآن فقال :( هذا ) أي الكتاب الذي يخرج الناس من الظلمات إلى النور( بَلاغٌ ) أي كاف غاية الكفاية في الإيصال( لِلنَّاسِ ) ليصلوا به إلى الله بما يتحلون به من المزايا في سلوك صراطه القويم ، فإن مادة «بلغ» بأي ترتيب كان ـ تدور على الوصول ، وتارة تلزمها القوة وتارة الإعياء الناشىء عن الضعف :
بلغ المكان بلوغا : وصل إليه ؛ وبلغ الرجل ـ كعني : جهد ، والبليغ : الفصيح يبلغ
بعبارته كنه ضميره ، والبلاغ ـ كسحاب : الكفاية ، لأنها توصل إلى القصد ، وبالغ مبالغة ـ إذا اجتهد ولم يقصر ، وتبلغت به العلة : اشتدت.
والغلباء : الحديقة المتكاثفة ، ومن القبائل : العزيزة الممتنعة ، والأغلب : الأسد.
ولغب : أعيا ـ لاجتهاده في البلوغ ، واللغب : ما بين الثنايا من اللحم ، واللغب ـ ككتف : الكلام الفاسد ـ يرجع إلى الإعياء ، وكذا الضعيف الأحمق ، والسهم الذي لم يحسن بريه كاللغاب ـ بالضم ، والتغلب : طول الطرد.
والبغل من أشد الحيوان وأبلغها للقصد ، وبغل تبغيلا : بلّد وأعيا ، والإبل : مشت بين الهملجة والعنق.
ولما كان متعلق البلاغ الذي قدرته بالوصول يتضمن البشارة ، عطف عليه النذارة بانيا للمفعول ، لأن النافع مطلق النذارة ، وكل أحد متأهل لأن يكون واعظا به مقبولا ، لأن من سمعه فكأنما سمعه من الله لتميزه بإعجازه عن كل كلام ، فقال :( وَلِيُنْذَرُوا ) أي من أي منذر كان فيقوم عليهم الحجة( بِهِ ) فيحذروا عقاب الله فيتخلوا عن الدنايا.
ولما أشار إلى جميع الفروع فعلا وتركا ، مع إشارته إلى أصل التوحيد لأنه أول الوصول ، صرح به على حدته لجلالته في قوله :( وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ ) أي الإله( إِلهٌ واحِدٌ ) فيكون همهم واحدا.
ولما تمت الإشارة إلى الدين أصلا وفرعا ، نبه على المواعظ والأمثال بتذكر ما له من الآيات والمصنوعات ، والبطش بمن خالفه من الأمم ، وأشار إلى أن أدلة الوحدانية والحشر لا تحتاج إلى كبير تذكر ، لأنها في غاية الوضوح ولا سيما بعد تنبيه الرسل ، فأدغم تاء التفعل ، فقال :( وَلِيَذَّكَّرَ ) أي منهم( أُولُوا الْأَلْبابِ ) أي الصافية ، والعقول الوافية ، فيفتحوا عيون بصائرهم فيعلموا أنه لا وصول لهم مع الغفلة فيلزموا المراقبة فلا يزالوا في رياض المقاربة. ويعلموا ـ بما ركز في طبائعهم وجرى من عوائدهم ـ أن أقل حكامهم لا يرضى بأن يدع رعيته يتهارجون لا ينصف بينهم ولا يجزى أحدا منهم بما كسب ، فيكون ذلك منه انسلاخا من رتبة الحكم التي هي خاصته ، فكيف يدعون ذلك في أحكم الحاكمين ، فقد تكفلت هذه الآية على وجازتها بجميع علم الشريعة أصولا وفروعا ، وعلم الحقيقة نهايات وشروعا ، على سبيل الإجمال وقد انطبق آخر السورة على أولها ، لأن هذا عين الخروج من الظلمات إلى النور بهذا الكتاب الحامل على كل صواب ـ والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب وحسن المآب.
بسم الله الرحمن الرّحيم
سورة الحجر
مكية ـ آياتها تسع وتسعون
مقصودها وصف الكتاب بأنه في الذروة من الجمع للمعاني الموضحة للحق من غير اختلاف أصلا ، وأشكل ما فيها وأمثله في هذا المعنى قصة أصحاب الحجر ، فإن وضوح آيتهم عندهم وعند كل من شاهدها أو سمع بها كوضوح ما دل عليه مقصود هذه السورة في أمر الكتاب عند جميع العرب لا سيما قريش ، وأيضا آيتهم في غاية الإيضاح للحق والجمع لمعانيه الدائرة على التوحيد المقتضي للاجتماع على الداعي ، ومن هنا يتضح ويتأيد ما اخترته من الإعراب لقوله تعالى( كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ ) من تعليقي له ب( كانُوا ) عنا( مُعْرِضِينَ ) المقتضي لشدة الملابسة بين شأنهم في كفرهم وشأن قريش في مثل ذلك ـ كما ستراه ، على أن لفظ الحجر يدل على ما دل عليه مقصود السورة من الجمع والاستدارة التي روحها الإحاطة المميزة للمحاط به من غيره بلا لبس أصلا ـ والله أعلم.
( الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ (٢) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣) وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ (٤) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٥) وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) )
( بِسْمِ اللهِ ) الواحد الأحد الجامع لما شتت من بدد( الرَّحْمنِ ) الذي جمع خلقه في رحمة البيان( الرَّحِيمِ ) الذي خص الأبرار بما أباحهم الرضوان.
لما ختم التي قبلها بعنوان الكتاب ، ابتدأ هذه بشرح ذلك العنوان ، وأوله وصفه بأنه جامع والخير كله في الجمع والشر كله في الفرقة ، فقال تعالى :( الر تِلْكَ ) أي هذه الآيات العالية المقام ، النفيسة المرام( آياتُ الْكِتابِ ) أي الكامل غاية الكمال الذي لا
كتاب على الحقيقة غيره ، الجامع لجمع ما يقوم به الوجود من الخيرات ، القاطع في قضائه من غير شك ولا تردد ، الغالب بأحكامه القاهرة في وعده ووعيده وأحكامه في إعجازه لجميع من يعانده.
ولما كان الغالب في هذه السورة القطع الذي هو من لوازم الكتاب قدمه ، وذلك أنه قطع بأمر الأجل والملائكة ، وحفظ الكتاب والرمي بالشهب ، وكفاية المستهزئين ، فكان كما قال سبحانه( وَ ) آيات( قُرْآنٍ ) أي قرآن جامع ناشر مفصل واصل ، إذ التنوين للتعظيم( مُبِينٍ ) لجميع ما يجمع الهمم على الله فيوصل إلى السعادة ، وهذه الإبانة ـ التي لم تدع لبسا ـ هو متصف بها ، مع كونه جامعا للأصول ناشرا للفروع لا خلل فيه يدخل منه عليه ، ولا فصم يؤتى منه إليه ، فأعجب لأمر حاو لجميع وفرق وفصل ووصل : والإبانة : إظهار المعنى للنفس بما يميزه عن غيره ، لأن أصل الإبانة الفصل ، فهذا شرح كونه بلاغا ، فمقصود هذه السورة اعتقاد كون القرآن بلاغا جامعا للأمور الموصلة إلى الله ، مغنيا عن جميع الأسباب ، فلا ينبغي الالتفات إلى شيء سواه( ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا ، لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ* وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) وكان الجمع بين الوصفين الدال كل منهما على الجمع إشارة إلى الرد عليهم في جعلهم القرآن عضين ، وأن قولهم شديد المباعدة لمعناه. مع أن المفهومين ـ مع تصادقهما على شيء واحد ـ متغايران ، فالكتاب : ما يدون في الطروس ، والقرآن : ما يقرأ باللسان ، فكأن الأول إشارة إلى حفظه في الطروس بالكتابة ، والثاني إلى حفظه في الصدور بالدراسة ، وسيأتي قوله( وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ) مؤيدا لذلك ، وكل من مادتي كتب وقرأ بجميع التقاليب تدور على الجمع.
أما «كتب» ـ وتنقلب إلى كبت وتبك وبكت وبتك ـ فقال في المجمل : كتبت الكتاب أكتبه وهو من الجمع ، والكتاب أيضا : الدواة ـ تسمية للشيء باسم ما هو آلته ، والمكتب ـ كمعظم : العنقود أكل بعض ما فيه ـ تشبيها له بالمكتوب ، والكتيبة : الجيش والجماعة المستحيزة من الخيل إذا أغارت من المائة إلى الألف ـ انتهى. وكتبت البغلة ـ إذا جمعت بين شفري رحمها بحلقة ؛ وقال القزاز : وأصله ـ أي الكتاب ـ ضمك الشيء إلى الشيء ، فكأنه سمي بذلك لضم الحروف بعضها إلى بعض ، كتبت المزادة ـ إذا خرزتها ، يعني : فضممت بعضها إلى بعض. والكتبة ـ بالضم : السير يخرز به ، وما يكتب به حياء الناقة لئلا ينزي عليها ، والإكتاب : شد رأس القربة ، والكتيبة : جماعة تكتبوا ، أي تجمعوا ، وتكبت الرجل ـ بتقديم الموحدة ـ إذا تقبض ، ومنه الكتاب ـ بضم الكاف وتخفيف التاء الفوقانية لسهم صغير يتعلم به الصبيان الرمي ـ كذا قال القزاز إنه