نظم الدّرر الجزء ٤
0%
مؤلف: برهان الدين البقاعي
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف: علوم القرآن
الصفحات: 572
0%
مؤلف: برهان الدين البقاعي
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف: علوم القرآن
الصفحات: 572
بسم الله الرحمن الرّحيم
سورة يوسف
مكية ـ آياتها مائة وإحدى عشر
مقصودها وصف الكتاب بالإبانة لكل ما يوجب الهدى لما ثبت فيما مضى ويأتي في هذه السورة من تمام علم منزله غيبا وشهادة وشمول قدرته قولا وفعلا ، وهذه القصة ـ كما ترى ـ أنسب الأشياء لهذا المقصود ، فلذلك سميت سورة يوسف ـ والله أعلم ـ.
( الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ (٣) )
( بِسْمِ اللهِ ) الذي وسع كل شيء قدرة وعلما( الرَّحْمنِ ) الذي لم يدع لبسا لعموم رحمته في طريق الهدى( الرَّحِيمِ ) الذي خص حزبه بالإبعاد عن موطىء الردى.
لما خلل سبحانه تلك مما خللها به من القصص والآيات القاطعة بأن القرآن من عنده وبإذنه نزل ، وأنه لا يؤمن إلّا من شاء إيمانه ، وأنه مهما شاءه كان ، وبيّن عظيم قدرته على مثل ما عذب به الأمم وعلى التأليف بين من أراد وإيقاع الخلاف بين من شاء ، وأشار إلى أنه حكم بالنصرة لعابديه فلا بد أن يكون ما أراد لأنه إليه يرجع الأمر كله ، تلاها بهذه السورة لبيان هذه الأغراض بهذه القصة العظيمة الطويلة التي لقي فيها يوسف عليه الصلاة والسّلام ما لقي من أقرب الناس إليه ومن غيرهم ومن الغربة وشتات الشمل ، ثم كانت له العاقبة فيه على أتم الوجوه لما تدرع به من الصبر على شديد البلاء والتفويض لأمر الله جلّ وعلا تسلية لهذا النبي الأمين وتأسية بمن مضى من إخوانه المرسلين فيما يلقى في حياته من أقاربه الكافرين وبعد وفاته ممن دخل منهم في الدين
في آل بيته كما وقع ليوسفعليهالسلام من تعذيب عقبه وعقب إخوته ممن بالغ في الإحسان إليهم ، وقد وقع ليوسفعليهالسلام بالفعل ما همّ الكفار من أقارب النبيصلىاللهعليهوسلم بفعله به كما حكاه سبحانه في قوله( لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ) [الأنفال : ٣٠] فنجا منهم أن يكون شيء منه بأيديهم إلّا ما كان من الحصر في شعب أبي طالب ومن الهجرة بأمر الحكيم العليم ، ثم نصر الله يوسفعليهالسلام على إخوته الذين فعلوا به ذلك وملكه قيادهم ، فكان في سوق قصته عقب الإخبار بأن المراد بهذه القصص تثبيتهصلىاللهعليهوسلم وتسلية فؤاده إشارة إلى البشارة بما وقع لهصلىاللهعليهوسلم يوم الفتح من ملك قيادهم ورد عنادهم ومنّه عليهم وإحسانه إليهم ، وفي إشارتها بشارة بأن المحسود يعان ويعلى إن عمل ما هو الأحرى به والأولى ، ومن فوائد ذكرها التنبيه على أن الحسد داء عظيم شديد التمكن في النفوس حتى أنه بعزم تمكنه وكثرة مكانه وتعدد كائنه ربما غلب أهل الصلاح إلّا من بادر منهم بالتوبة داعي الفلاح ، وتركت إعادتها دون غيرها من القصص صونا للأكابر عن ذكر ما ربما أوجب اعتقاد نقص ، أو توجيه طعن أو غمص ، أو هون داء الحسد ، عند ذي تهور ولدد ، وخللها سبحانه ببليغ الحكم وختمها بما أنتجت من ثبوت أمر القرآن ونفي التهمة عن هذا النبي العظيم.
هذا مناسبة ما بين السورتين ، وأما مناسبة الأول للآخر فإنه تعالى لما أخبر في آخر تلك بتمام علمه وشمول قدرته ، دل على ذلك أهل السبق من الفصاحة والفوت في البلاغة في أول هذه بما فعل في كلامه من أنه تعالى يقدر على أن يأتي بما تذهب الأفهام والعقول ـ على كرّ الأزمان وتعاقب الدهور وتوالي الأيام وتمادي الليالي ـ في معناه كل مذهب وتطير كل مطار مع توفر الدواعي واستجماع القوى ، ولا تقف من ذلك على أمر محقق ولا مراد معلوم وعلى أن يأتي بما يفهم بأوائل النظر أدنى معناه فهما يوثق بأنه مراد ، ثم لا يزال يبرز منه من دقائق المعاني كلما كرر التأمل وتغلغل الفهم إلى حد يعلم أنه معجوز عن كل ما فيه من جليل معانيه ولطيف مبانيه فقال تعالى :( الر ) قال الرماني : لم تعد من الفواصل لأنها لا تشاكل رؤوس الآيات لأنها على حرفين ، فأجريت مجرى الأسماء الناقصة ، وإنما يؤم بالفواصل التمام ، وأما «طه» فيعد لأنه يشبه رؤوس آيها ـ انتهى.
وهذا قول من ذهب سهوا إلى أن السجع مقصود في القرآن ، وهو قول مردود غير معتد به كما مضى القول فيه في آخر سورة براءة ، فإنه لا فرق بين نسبته إلى أنه شعر وبين نسبته إلى أنه سجع ، لأن السجع صنع الكهان فيؤدي ذلك إلى ادعاء أنه كهانة
وذلك كفر لا شك فيه ، وقد أطنبت(١) فيه في كتابي مصاعد النظر ، وبينت مذاهب العادين للآيات وأن مرجعها التوقيف مثل نقل القراءات سواء ـ والله الهادي.
ولما ابتدئت السورة الماضية بأن هذا الكتاب محكم ، وختمت بالحكمة المقصودة من قص أنباء الرسل ، وكان السياق للرد عليهم في تكذيبهم به في قوله( أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ) [سجدة : ٣] ودل على أنه أنزل بعلمه ، ابتدئت هذه لإتمام تلك الدالة بالإشارة إلى ما له من علو المحل وبعد الرتبة ، فعقب سبحانه هذه المشكلة التي ألقاها بالأحرف المقطعة وبان أنها مع إشكالها عند التأمل واضحة بقوله مشيرا إلى ما تقدم من القرآن وإلى هذه السورة :( تِلْكَ ) أي الآيات العظيمة العالية( آياتُ الْكِتابِ ) أي الجامع لجميع المرادات.
ولما تقدم أول سورتي يونس وهود وصفه بالحكمة والإحكام والتفصيل ، وصف هنا بأخص من ذلك فقال تعالى :( الْمُبِينِ ) أي البين في نفسه أنه جامع معجز لا يشتبه على العرب بوجه ، والموضح لجميع ما حوى ، وهو جميع المرادات لمن أمعن التدبر وأنعم التفكر ، ولأنه من عند الله( ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ) [يوسف : ١١١] و( مَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ) [هود : ١٢٠] ؛ والبيان : إظهار المعنى للنفس بما يفصله عن غيره وهو غرض كل حكيم في كلامه ، ويزيد عليه البرهان بأنه إظهار صحة المعنى بما يشهد به ، وأبان ـ لازم متعد ؛ ثم علل المبين بقوله معبرا بالإنزال لأنه في سياق تكذيبهم به بخلاف ما عبر فيه بالجعل كما يأتي في الزخرف :( إِنَّا أَنْزَلْناهُ ) بنون العظمة أي الكتاب المفسر بهذه السورة أو بالقرآن كله( قُرْآناً ) سمي بعضه بذلك لأن القرآن اسم جنس يقع على الكل والبعض( عَرَبِيًّا ) وعلل إنزاله كذلك بقوله :( لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) أي لتكونوا على رجاء من أن تكونوا من ذوي العقل أو من أن تعقلوا ما يراد منكم ؛ قال أبو حيان : و «لعل» ترجّ فيه معنى التعليل.
وهذه الآية تدل على أن اللسان العربي أفصح الألسنة وأوسعها وأقومها وأعدلها ، لأن من المقرر أن القول ـ وإن خص بخطابه قوم ـ يكون عاما لمن سواهم.
ولما بين أنه يقص عليه من أنباء الرسل ما يثبت به فؤاده ، قال مثبتا ومعللا بأنه الكتاب بعلة أخرى مشاهدة هي أخص من الأول :( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ ) وعظم هذه القصة بمظهر العظمة وأكد ذلك بقوله تعالى :( أَحْسَنَ الْقَصَصِ ) أي الاقتصاص أو المقصوص بأن نتبع بعض الحديث كما نعلمه بعضا فنبينه أحسن البيان ـ لأنه من قص
__________________
(١) أطنب الرجل : أتى بالبلاغة في الوصف مدحا كان أو ذما. وجيش مطناب : عظيم.
الأثر ـ تثبيتا لفؤادك وتصديقا لنبوتك وتأييدا لرسالتك على أحسن ترتيب وأحكم نظام وأكمل أسلوب وأوفى تحرير وأبدع طريقة مع ما نفصلها به من جواهر الحكم وبدائع المعاني من الأصول والفروع ، وهي قصة يوسفعليهالسلام قصة طويلة هي في التوراة في نيف وعشرين ورقة لا يضبطها إلّا حذاق أحبارهم ، من تأمل اقتصاصها فيها أو في غيرها من تواريخهم ذاق معنى قوله تعالى( أَحْسَنَ الْقَصَصِ ) [يونس : ٣] حتى لقد أسلم قوم من اليهود لما رأوا من حسن اقتصاصها ، روى البيهقي في أواخر الدلائل بسنده عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أن حبرا من اليهود دخل على رسول اللهصلىاللهعليهوسلم ذات يوم وكان قارئا للتوراة فوافقه وهو يقرأ سورة يوسفعليهالسلام كما أنزلت على موسىعليهالسلام في التوراة فقال له الحبر : يا محمد! من علمكها؟ قال : الله علمنيها ، فرجع إلى اليهود فقال لهم : أتعلمون والله أن محمدا ليقرأ القرآن كما أنزل في التوراة! فانطلق بنفر منهم حتى دخلوا عليه فعرفوه بالصفة ونظروا إلى خاتم النبوة بين كتفيه ، فجعلوا يستمعون إلى قراءته لسورة يوسف ، فتعجبوا منه وقالوا : يا محمد! من علمكها؟ فقال رسول اللهصلىاللهعليهوسلم : علمنيها الله ، فأسلم القوم عند ذلك(١) ».
وقد ضمنها سبحانه من النكت(٢) والعبر والحكم أمرا عظيما ، وذكر فيها حسن مجاورة يوسف عليه الصلاة والسّلام لإخوته وصبره على أذاهم وحلمه عنهم وإغضاءه(٣) عند لقائهم عن تبكيتهم(٤) وكرمه في العفو ، والأنبياء والصالحين والملائكة والشياطين والإنس والجن والأنعام والطير وسير الملوك والمماليك والتجار والعلماء والجهال والرجال والنساء ومكرهن والتوحيد والنبوة وإلإعجاز والتعبير والسياسة والمعاشرة وتدبير المعاش وجميع الفوائد التي تصلح للدين والدنيا ، وذكر الحبيب والمحبوب ، ولم يدخل فيها شيئا من غيرها دون سائر القصص ، وكان عقابها إلى خير وسلامة واجتماع شمل وعفو من الله وتجاوز عن الكل( بِما أَوْحَيْنا ) أي بسبب إيحائنا( إِلَيْكَ ) .
ولما كان إنزال القرآن مجمع الخيرات ، عين المراد بالإشارة واسم العلم فقال :( هذَا الْقُرْآنَ ) الذي قالوا فيه : إنه مفترى ، فنحن نتابع فيه القصص قصة بعد قصة
__________________
(١) ضعيف جدا. أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٦ / ٢٧٦ جماع أبواب أسئلة اليهود باب في تعجب الحبر الذي سمعه يقرأ سورة يوسف ، وفي إسناده الكلبي محمد بن السائب ، متهم بالكذب ، ورمي بالرفض كما في التقريب لابن حجر.
(٢) النكتة من الكلام : وهي الجملة المنقّحة المحذوفة الفضول.
(٣) غضّ طرفه : خفضه ، واحتمل المكروه. ومنه نقص ووضع من قدره والعضاضة : الذلة والمنقصة.
(٤) التبكيت : التقريع والتعنيف.
والحكم حكمة في أثر حكمة حتى لا يشك شاك ولا يمتري ممتر في أنه من عندنا وبإذننا ويكون أمره في البعد من اللبس أظهر من الشمس.
ولما كانوا مع معرفتهم بهصلىاللهعليهوسلم عارفين بأنه كان مباعدا للعلم والعلماء ، وكان فعلهم في التكذيب فعل من ينكر ذلك ، قال :( وَإِنْ ) أي وإن الشأن والحديث( كُنْتَ ) ولما كان كونه لم يستغرق الزمان الماضي ، أثبت الجار فقال :( مِنْ قَبْلِهِ ) أي هذا الكتاب أو إيحائنا إليك به( لَمِنَ الْغافِلِينَ ) أي عن هذه القصة وغيرها ، مؤكدا له بأنواع التأكيد ، وهو ناظر إلى قوله آخرها( وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ) بعد التفاته عن كثب إلى آخر التي قبلها( وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) والحسن : معنى يتقبله العقل ويطرق إلى طلب المتصف به أنواع الحيل ، ومادة ، غفل ، بكل ترتيب تدور على الستر والحجب ، من الغلاف الذي يوضع فيه الشيء فلا ينظر منه شيئا ولا ينظره شيء ما دام فيه ، ومنه الغفلة(١) ـ للجلدة التي على الكمرة(٢) ، والغفل ـ بالضم : ما لا علامة له من الأرض ، ودابة غفل : لا سمة لها ، لأن عدم العلامة مؤد إلى الجهل بها فكأنها في غلاف لا ينظر منه ، ومنه رجل غفل : لا حسب عنده ، لأن ذلك أقرب إلى جهله ، والتغفل : الختل ، أي أخذ الشيء من غير أن يشعر ، فقد ظهر أن مقصود السورة وصف الكتاب بعد الحكمة والتفصيل بالإبانة عن جميع المقاصد المنزل لها ؛ وقال الإمام ابو جعفر بن الزبير : هذه السورة من جملة ما قص عليهصلىاللهعليهوسلم من أنباء الرسل وأخبار من تقدمه مما فيه التثبيت الممنوح في قوله سبحانه وتعالى( وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ ) [هود : ١٢٠] ومما وقعت الإحالة عليه في سورة الأنعام ـ كما تقدم ـ وإنما أفردت على حدتها ولم تنسق على قصص الرسل مع أنهم في سورة واحدة لمفارقة مضمونها تلك القصص ، ألا ترى أن تلك قصص إرسال من تقدم ذكرهم عليهم الصلاة والسّلام وكيفية تلقي قومهم لهم وإهلاك مكذبيهم ، أما هذه القصة فحاصلها فرج بعد شدة وتعريف بحسن عاقبه الصبر ، فإنه تعالى امتحن يعقوب عليه الصلاة والسّلام بفقد ابنيه وبصره وشتات بنيه ، وامتحن يوسف عليه الصلاة والسّلام بالجب والبيع وامرأة العزيز وفقد الأب والإخوة والسجن ، ثم امتحن جميعهم بشمول الضر وقلة ذات اليد( مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا ) [يوسف : ٨٨] ثم تداركهم الله بالفهم وجمع شملهم ورد بصر أبيهم وائتلاف قلوبهم ورفع ما نزع به الشيطان وخلاص يوسف عليه الصلاة والسّلام من كيد من كاده
__________________
(١) يقال غلف إذا لم يختتن فهو أغلف ا ه مصباح.
(٢) الكمرة : رأس الذّكر والمكمور من أصاب الخاتن كمرته ا ه قاموس.
واكتنافه بالعصمة وبراءته عند الملك والنسوة ، وكل ذلك مما أعقبه جميل الصبر وجلالة اليقين في حسن تلقي الأقدار بالتفويض والتسليم على توالي الامتحان وطول المدة ، ثم انجرّ في أثناء هذه القصة الجليلة إنابة امرأة العزيز ورجوعها إلى الحق وشهادتها ليوسف عليه الصلاة والسّلام بما منحه الله من النزاهة عن كل ما يشين ، ثم استخلاص العزيز إياه ـ إلى ما انجرّ في هذه القصة الجليلة من العجائب والعبر( لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ) [يوسف : ١١١] فقد انفردت هذه القصة بنفسها ولم تناسب ما ذكر من قصص نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى عليهم الصلاة والسّلام وما جرى في أممهم ، فلهذا فصلت عنهم ، وقد أشار في سورة برأسها إلى عاقبة من صبر ورضى وسلم ليتنبه المؤمنون على ما في طيّ ذلك ، وقد صرح لهم مما أجملته هذه السورة من الإشارة في قوله تعالى( وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ) ـ إلى قوله :( أَمْناً ) [النور : ٥٥] وكانت قصة يوسف عليه الصلاة والسّلام بجملتها أشبه شيء بحال المؤمنين في مكابدتهم في أول الأمر وهجرتهم وتشققهم مع قومهم وقلة ذات أيديهم إلى أن جمع الله شملهم( اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً ) [آل عمران : ١٠٣] وأورثهم الله الأرض وأيدهم ونصرهم ، ذلك بجليل إيمانهم وعظيم صبرهم ، فهذا ما أوجب تجرد هذه القصة عن تلك القصص ـ والله أعلم ، وأما تأخر ذكرها عنها فمناسب لحالها ولأنها إخبار بعاقبة من آمن واتعظ ووقف عند ما حد له ، فلم يضره ما كان ، ولم تذكر إثر قصص الأعراف لما بقي من استيفاء تلك القصص الحاصل ذلك في سورة هود ؛ ثم إن ذكر أحوال المؤمنين مع من كان معهم من المنافقين وصبرهم عليهم مما يجب أن يتقدم ويعقب بهذه القصة من حيث عاقبة الصبر والحض عليه ـ كما مر ، فأخرت إلى عقب سورة هود عليه الصلاة والسّلام لمجموع هذا ـ والله تعالى أعلم ؛ ثم ناسبت سورة يوسف عليه الصلاة والسّلام أيضا أن تذكر إثر قوله تعالى( إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ ) [هود : ١١٤] ، وقوله( وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) [هود : ١١٥] وقول( وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً ) ـ [هود : ١١٨] الآية ، وقوله( وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ) [هود : ١٢١] فتدبر ذلك ، إما نسبتها للأولى فإن ندم إخوة يوسف عليه الصلاة والسّلام واعترافهم بخطاء فعلهم وفضل يوسف عليه الصلاة والسّلام عليهم( لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ ) [يوسف : ٩١] وعفوه عنهم( لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ ) [يوسف : ٩٢] وندم امرأة العزيز وقولها( الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُ ) [يوسف : ٥١] ـ
الآية ، كل هذا من باب إذهاب الحسنة السيئة ، وكأن ذلك مثال لما عرف المؤمنون من إذهاب الحسنة السيئة ؛ وأما نسبة السورة لقوله تعالى( وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) فإن هذا أمر منه سبحانه لنبيه عليه الصلاة والسّلام بالصبر على قومه ، فأتبع بحال يعقوب ويوسف عليهما الصلاة والسّلام وما كان من أمرهما وصبرهما مع طول المدة وتوالى امتحان يوسف عليه الصلاة والسّلام بالجب ومفارقة الأب والسجن حتى خلصه الله أجمل خلاص بعد طول تلك المشقات ، ألا ترى قول نبينا وقد ذكر يوسف عليه الصلاة والسّلام فشهد له بجلالة الحال وعظيم الصبر فقال «ولو لبثت في السجن ما لبث أخي يوسف لأجبت الداعي»(١) فتأمل عذره له عليهما الصلاة والسّلام وشهادته بعظيم قدر يوسف عليهما الصلاة والسّلام( وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ ) [هود : ١٢٠].
لما قيل له( وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) [هود : ١١٥] أتبع بحال يعقوب ويوسف عليهما الصلاة والسّلام من المحسنين( وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ) ـ إلى قوله( وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ) [الأنعام : ٨٤] وقد شملت الآية ذكر يعقوب ويوسف عليهما الصلاة والسّلام ، ونبينا عليه أفضل الصلاة والسّلام قد أمر بالاقتداء في الصبر بهم ، وقيل له( فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ) [الأحقاف : ٣٥] ويوسف عليه الصلاة والسّلام من أولي العزم ؛ ثم إن حال يعقوب ويوسف عليهما الصلاة والسّلام ـ في صبرهما ورؤية حسن عاقبة الصبر في الدنيا مع ما أعد الله لهما من عظيم الثواب ـ أنسب شيء لحال نبينا عليه الصلاة والسّلام في مكابدة قريش ومفارقة وطنه ، ثم تعقب ذلك بظفره بعدوه وإعزاز دينه وإظهار كلمته ورجوعه إلى بلده على حالة قرت بها عيون المؤمنين وما فتح الله عليه وعلى أصحابه ـ فتأمل ذلك ، ويوضح ما ذكرنا ختم السورة بقوله تعالى( حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا ) جاء( نَصْرُنا ) [يوسف : ١١٠] الآية فحاصل هذا كله الأمر بالصبر وحسن عواقب أولياء الله فيه ؛ وأما النسبة لقوله( وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ ) [هود : ١١٨] فلا أنسب لهذا ولا أعجب من حال إخوة فضلاء لأب واحد من أنبياء الله تعالى وصالحي عباده جرى بينهم من التشتت ما جعله الله عبرة لأولي الألباب ؛ وأما النسبة لآية التهديد فبينة ، وكأن الكلام في قوة( اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ ـوَانْتَظِرُوا )
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ٣٣٨٧ و ٦٩٩٢ والترمذي ٣١١٦ والبغوي في المعالم ٢ / ٣٩٥ و ٣٩٦ والطبري ١٨٣٩٧ و ١٨٣٩٨ وابن حبان ٦٢٠٧ وأحمد ٢ / ٣٢٢ كلهم من حديث أبي هريرة بأتم منه واللفظ للبخاري.
[هود : ١٢١] فلن نصبر عليكم مدة صبر يعقوب ويوسف عليهما الصلاة والسّلام ، فقد وضح بفضل الله وجه ورود هذه السورة عقب سورة هود ـ والله أعلم. انتهى.
( إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (٤) قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥) )
ولما تم ما أراد تعالى من تعليل الوصف بالمبين أبدل من قوله «أحسن القصص» قوله :( إِذْ ) أي نقص عليك خبر إذ ، أي خبر يوسف إذ( قالَ يُوسُفُ ) أي ابن يعقوب إسرائيل الله عليهما الصلاة والسّلام( لِأَبِيهِ ) وبين أدبه بقوله ـ مشيرا بأداة البعد إلى أن أباه عالي المنزلة جدا ، وإلى أن الكلام الآتي مما له وقع عظيم ، فينبغي أن يهتم بسماعه والجواب عنه ، وغير ذلك من أمره :( يا أَبَتِ ) تاءه للتأنيث لأنه يوقف عليها عند بعض القراء بالهاء ، وكسرتها عند من كسر دالة على ياء الإضافة التي عوض عنها تاء التأنيث ، واجتماع الكسرة معها كاجتماعها مع الياء ، وفتحتها عند من فتح عوض عن الألف القائمة مقام ياء الإضافة.
ولما كان صغيرا ، وكان المنام عظيما خطيرا ، اقتضى المقام التأكيد فقال :( إِنِّي رَأَيْتُ ) أي في منامي ، فهو من الرؤيا التي هي رؤية في المنام ، فرق بين حال النوم واليقظة في ذلك بألف التأنيث( أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً ) أي نجما كبيرا ظاهرا جدا مضيئا براقا ، وفي عدم تكرار هذه القصة في القرآن رد على من قال : كررت قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام تمكينا لفصاحتها بترادف السياق ، وفي تكرير قصصهم رد على من قال : إن هذه لم تكرر لئلا تفتر فصاحتها ، فكأن عدم تكريرها لأن مقاصد السور لم تقتض ذلك ـ والله أعلم.
ولما كان للنيرين اسمان يخصانهما هما في غاية الشهرة ، قال معظما لهما :( وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ) ولما تشوفت النفس إلى الحال التي رآهم عليها ، فكان كأنه قيل : على أيّ حال؟ وكانت الرؤيا باطن البصر الذي هو باطن النظر ، فكان التعبير بها للإشارة إلى غرابة هذا الأمر ، زاد في الإشارة إلى ذلك بإعادة الفعل ، وألحقه ضمير العقلاء لتكون دلالته على كل من عجيب أمر الرؤيا ومن فعل المرتى الذي لا يعقل فعل العقلاء من وجهين فقيل :( رَأَيْتُهُمْ لِي ) أي خاصة( ساجِدِينَ ) أجراهم مجرى العقلاء لفعل العقلاء. فكأنه قيل : ماذا قال له أبوه؟ فقيل :( قالَ ) عالما بأن إخوته سيحسدونه على ما تدل عليه هذه الرؤيا إن سمعوها( يا بُنَيَ ) فبين شفقته عليه ، وأكد النهي بإظهار
الإدغام فقال :( لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ ) أي هذه( عَلى إِخْوَتِكَ ) ثم سبب عن النهي قوله :( فَيَكِيدُوا ) أي فيوقعوا( لَكَ كَيْداً ) أي يخصك ، فاللام للاختصاص. وفي الآية دليل على أنه لا نهي عن الغيبة للنصيحة ، بل هي مما يندب إليه ؛ قال الرماني : والرؤيا : تصور المعنى في المنام على توهم الإبصار ، وذلك أن العقل مغمور بالنوم ، فإذا تصور الإنسان المعنى توهم أنه يراه ؛ وقال الإمام الرازي في اللوامع : هي ركود الحواس الظاهرة عن الإدراك والإحساس ، وحركة المشاعر الباطنة إلى المدارك ، فإن للنفس الإنسانية حواسّ ظاهرة ومشاعر باطنة ، فإذا سكنت الحواس الظاهرة استعملت الحواس الباطنة في إدراك الأمور الغائبة ، فربما تدركها على الصورة التي هي عليها ، فلا يحتاج إلى تعبير ، وربما تراها في صورة محاكية مناسبة لها فيحتاج إلى التعبير ، مثال الأول رؤيا النبيصلىاللهعليهوسلم أنه دخل المسجد الحرام ، والثاني كرؤيا يوسف عليه الصلاة والسّلام هذه. وقال الرماني : والرؤيا الصادقة لها تأويل ، والرؤيا الكاذبة لا تأويل لها ـ انتهى. وهذا لمن ينام قلبه وهم من عدا الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام.
ولما كانت العادة جارية بأن شفقة الإخوة تمنع من مثل ذلك ، علله تقريبا له بقوله :( إِنَّ الشَّيْطانَ ) أي المحترق المبعد( لِلْإِنْسانِ ) أي عامة ولا سيما الأكابر منهم( عَدُوٌّ مُبِينٌ ) أي واضح العداوة وموضحها لكل واع فيوقع العداوة بما يخيله من فوت الحظوظ بتركها ، وفي الآية دليل على أن أمر الرؤيا مشكل ، فلا ينبغي أن تقص إلا على شفيق ناصح.
( وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦) لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧) إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨) )
ولما علم يعقوب عليه الصلاة والسّلام من هذه الرؤيا ما سيصير إليه ولده من النبوة والملك قال :( وَكَذلِكَ ) أي قد اجتباك ربك للإطلاع على هذه الرؤيا العظيمة الدالة على شرف وعز ، ومثل ما اجتباك لها( يَجْتَبِيكَ ) أي يختارك ويجمع لك معالي الأمور( رَبُّكَ ) المربي لك بالإحسان للملك والنبوة( وَيُعَلِّمُكَ مِنْ ) أي بعض( تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ ) من الرؤيا وغيرها من كتب الله وسنن الأنبياء وغوامض ما تدل عليه المخلوقات الروحانية والجسمانية ، لأن الملك والنبوة لا يقومان إلا بالعلم والتأويل المنتهي الذي يصير إليه المعنى ، وذلك فقه الحديث الذي هو حكمة لأنه إظهار ما يؤول
إليه أمره مما عليه معتمد فائدته ، وأكثر استعماله في الرؤيا( وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ ) بالنبوة( عَلَيْكَ ) بالعدل ولزوم المنهج السوي( وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ ) أي جميع إخوتك ومن أراد الله من ذريتهم ، فيجعل نعمتهم في الدنيا موصولة بنعمة الآخرة ، لأنه عبر عنهم في هذه الرؤيا بالنجوم المهتدي بها ، ولا يستعمل الآل إلا فيمن له خطر وشرف ، وإضافته مقصورة على إعلام الناطقين ، قال الراغب : وأما آل الصليب إن صح نقله فشاذ ، ويستعمل فيمن لا خطر له الأهل( كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ ) .
ولما كان وجودهما لم يستغرق الماضي ، أدخل الجار فقال :( مِنْ قَبْلُ ) أي من قبل هذا الزمان ؛ ثم بين الأبوين بجده وجد أبيه فقال :( إِبْراهِيمَ ) أي بالخلة وغيرها من الكرامة( وَ ) ولده( إِسْحاقَ ) بالنبوة وجعل الأنبياء والملوك من ولده ، وإتمام النعمة : الحكم بدوامها على خلوصها من شائب فيها بنقصها.
ولما كان ذلك لا يقدر عليه إلا بالعلم المحيط بجميع الأسباب ليقام منها ما يصلح ، والحكمة التي بها يحكم ذلك السبب عن أن يقاومه سبب غيره ، وكان السياق بالعلم أولى لما ذكر من علم التأويل مع ما تقدم من قوله آخر تلك( وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) [هود : ١٢٣] الآية وما شاكل ذلك أول هذه ، قال :( إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ ) أي بليغ العلم( حَكِيمٌ ) أي بليغ الحكمة ، وهي وضع الأشياء في أتقن مواضعها.
ولما كان ذلك ، توقع السامع له ما يكون بينه وبين إخوته هل يكتمهم الرؤيا أو يعلمهم بها؟ وعلى كلا التقديرين ما يكون؟ فقال تعالى جوابا لمن كأنه قال : ما كان من أمرهم؟ ـ مفتتحا له بحرف التوقع والتحقيق بعد لام القسم تأكيدا للأمر وإعلاما بأنه على أتقن وجه ـ :( لَقَدْ كانَ ) أي كونا هو في أحكم مواضعه( فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ ) أي بسبب هذه الرؤيا وما كان من تأويلها وأسباب ذلك( آياتٌ ) أي علامات عظيمة دالات على وحدانية الله تعالى ونبوة محمدصلىاللهعليهوسلم وغير ذلك مما تضمنته القصة( لِلسَّائِلِينَ ) أي الذين يسألون عنها من قريش واليهود وغيرهم ، وآيات عظمة الله وقدرته في تصديق رؤيا يوسف عليه الصلاة والسّلام ونجاته ممن كاده وعصمته وإعلاء أمره ، والمراد بإخوته هنا العشرة الذين هم من أبيه وهم : روبيل وشمعان ـ بمعجمة أوله ، ولاوي ، ويهوذا ، وزيلون ـ بزاي وموحدة ، وإيساخار ، بهمزة مكسورة وتحتانية وسين مهملة وخاء معجمة ، ودان ـ بمهملة ، وجاد بجيم. بينها وبين الكاف ، وآشير ـ بهمزة ممدودة وشين معجمة ثم تحتانية ومهملة. ونفتالي ـ بنون مفتوحة وفاء ساكنة ومثناة فوقانية ولام بعدها ياء. وشقيقه بنيامين ـ بضم الموحدة ، هكذا ذكرهم في التوراة ، وحررت التلفظ بهم من العلماء بها ، وقد تقدم ذلك في البقرة بزيادة. والآية : الدلالة على ما كان من
الأمور العظيمة ، ومثلها العلامة والعبرة ، والحجة أخص منها ، لأنها معتمد البينة التي توجب الثقة بصحة المعنى الذي فيه أعجوبة.
ولما تقرر ذلك ، ابتدأ بذكر الآيات الواقعة في ظرف هذا الكون فقال :( إِذْ قالُوا ) أي كان ذلك حين قال الإخوة بعد أن قص الرؤيا عليهم وسوّل لهم الشيطان ـ كما ظن يعقوب عليه الصلاة والسّلام ـ مقسمين دلالة على غاية الاهتمام بهذا الكلام ، وأنه مما حركهم غاية التحريك ، أو هي لام الابتداء المؤكدة المحققة لمضمون الجملة( لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ ) أي شقيقه بنيامين( أَحَبُ ) وحددا لأن أفعل ما يستوي فيه الواحد وما فوقه مذكرا كان أو مؤنثا إذا لم يعرف أو يضف( إِلى أَبِينا مِنَّا ) أي يحبهما أكثر مما يحبنا ؛ والحب : ميل يدعو إلى إرادة الخير والنفع للمحبوب بخلاف الشهوة ، فإنها ميل النفس ومنازعتها إلى ما فيه لذتها( وَ ) الحال أنا( نَحْنُ عُصْبَةٌ ) أي أشداء في أنفسنا ويشد بعضنا بعضا ، وأما هما فصغيران لا كفاية عندهما ؛ والعصبة من العشرة إلى الأربعين ، فكأنه قيل : فكان ماذا؟ ـ على تقدير أن يكونا أحب إليه ، فقالوا مؤكدين لأن حال أبيهما في الاستقامة والهداية داع إلى تكذيبهم :( إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ ) أي ذهاب عن طريق الصواب في ذلك( مُبِينٍ ) حيث فضلهما علينا ، والقرب المقتضي للحب في كلنا واحد ، لأنا في البنوة سواء ، ولنا مزية تقتضي تفضيلنا ، وهي أنا عصبة ، لنا من النفع له والذب عنه والكفاية ما ليس لهما ؛ قال الإمام أبو حيان : وأحب أفعل التفضيل ، وهو مبني من المفعول شذوذا ، ولذلك عدي ب «إلى» لأنه إذا كان ما تعلق به فاعلا من حيث المعنى عدي إليه ب «إلى» وإذا كان مفعولا عدي إليه ب «في» ، تقول : زيد أحب إلى عمرو من خالد ، فالضمير في «أحب» مفعول من حيث المعنى ، وعمرو هو المحب ، وإذا قلت : زيد أحب في عمرو من خالد ، كان الضمير فاعلا وعمرو هو المحبوب ، ومن خالد ـ في المثال الأول محبوب ، وفي الثاني فاعل ، قال : والضلال هنا هو الهوى ـ قاله ابن عباس رضي الله عنهما ـ انتهى.
( اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ (٩) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (١٠) قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ (١١) )
ولما كان ذلك ، وكان عندهم أن الشاغل الأعظم لأبيهم عنهم إنما هو حب يوسف عليه الصلاة والسّلام ، وحب أخيه إنما هو تابع ، كان كأنهم تراجعوا فيما بينهم فقالوا : قد تقرر هذا ، فما أنتم صانعون؟ فقالوا أو من شاء الله منهم :( اقْتُلُوا يُوسُفَ ) أصل القتل : إماتة الحركة بالسكون( أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً ) أوصلوا الفعل بدون حرف
ونكروها دلالة على أنها منكورة مجهولة بحيث يهلك فيها ، وعنى قائلهم بذلك : إن تورعتم عن مباشرة قتله بأيديكم.
ولما كان التقدير : إن تفعلوا ذلك ، أجابه بقوله :( يَخْلُ لَكُمْ ) أي خاصا بكم( وَجْهُ أَبِيكُمْ ) أي قصده لكم وتوجهه إليكم وقصدكم ونيتكم. ولما كان أهل الدين لا يهملون إصلاح دينهم لأنه محط أمرهم ، قالوا :( وَتَكُونُوا ) أي كونا هو في غاية التمكن ، ولما كانوا عالمين بأن الموت لا بد منه. فهو مانع من استغراقهم للزمان الآتي ، أدخلوا الجار فقالوا :( مِنْ بَعْدِهِ ) أي يوسف عليه الصلاة والسّلام( قَوْماً ) أي ذوي نشاط وقوة على محاولة الأمور( صالِحِينَ ) أي عريقين في وصف الصلاح مستقيمين على طريقة تدعو إلى الحكمة بوقوع الألفة بينكم واستجلاب محبة الوالد بالمبالغة في بره وبالتوبة من ذنب واحد يكون سببا لزوال الموجب لداء الحسد الملزوم لذنوب متصلة من البغضاء والمقاطعة والشحناء ، فعزموا على التوبة قبل وقوع الذنب فكأنه قيل : إن هذا لمن أعجب العجب من مطلق الأقارب فضلا عن الإخوة ، فماذا قالوا عند سماعه؟ فقيل :( قالَ ) ولما كان السياق لأن الأمر كله لله ، فهو ينجي من يشاء بما يشاء ، لم يتعلق القصد ببيان الذي كانت على يده النجاة ، فقال مبهما إشعارا بأنه يجب قبول النصح من أيّ قائل كان ، وأن الإنسان لا يحقر نفسه في بذل النصح على أيّ حال كان :( قائِلٌ ) ثم عينه بعض التعيين فقال :( مِنْهُمْ ) أي إخوة يوسف عليه الصلاة والسّلام( لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ ) لا بأيديكم ولا بالإلقاء في المهالك ، فإن القتل أكبر الكبائر بعد الشرك ، وكأنه لم يكن في ناحيتهم تلك غير جب واحد فعرفه فقال :( وَأَلْقُوهُ ) وكأنه كان فيه ماء ومكان يمكن الاستقرار فيه ولا ماء به ، فأراده بقوله :( فِي غَيابَتِ الْجُبِ ) أي غوره الغائب عن الأعين ، فإن ذلك كاف في المقصود ، وإنكم إن تفعلوا( يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ ) جمع سيار ، وهو المبالغ في السير ، هذا( إِنْ كُنْتُمْ ) ولا بد( فاعِلِينَ ) ما أردتم من تغييبه عن أبيه ليخلو لكم وجهه ؛ والجب : البئر التي لم تطو ، لأنه قطع عنها ترابها حتى بلغ الماء ، وعن أبي عمرو : إن هذا كان قبل أن يكونوا أنبياء ، فكأنه قيل : إن هذا لحسن من حيث إنه صرفهم عن قتله ، فهل استمروا عليه أو قام منهم قائم في استنزالهم عنه بعاطفة الرحم وود القرابة؟ فقيل : بل استمروا لأنهم( قالُوا ) إعمالا للحيلة في الوصول إليه ، مستفهمين على وجه التعجب لأنه كان أحس منهم الشر ، فكان يحذرهم عليه( يا أَبانا ما لَكَ ) أيّ أي شيء لك في حال كونك( لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَ ) الحال( إِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ ) والنصح دليل الأمانة وسببها ، ولهذا قرنا في قوله( ناصِحٌ أَمِينٌ ) [الأعراف : ٦٨] والأمن : سكون النفس إلى انتفاء الشر ، وسببه
طول الإمهال في الأمر الذي يجوز قطعه بالمكروه فيقع الاغترار بذلك الإمهال من الجهال ، وضده الخوف ، وهو انزعاج النفس لما يتوقع من الضر ؛ والنصح : إخلاص العمل من فساد يتعمد ، وضده الغش ، وأجمع القراء على حذف حركة الرفع في تأمن وإدغام نونه بعد إسكانه تبعا للرسم ، بعضهم إدغاما محضا وبعضهم مع الإشمام ، وبعضهم مع الروم ، دلالة على نفي سكون قلبه عليه عليهما الصلاة والسّلام بأمنه عليه منهم على أبلغ وجه مع أنهم أهل لأن يسكن إليهم بذلك غاية السكون ، ولو ظهرت ضمة الرفع عند أحد من القراء فات هذا الإيماء إلى هذه النكتة البديعة.
( أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (١٢) قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ (١٣) قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ (١٤) فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٥) )
ولما كان هذا موضع أن يقال : لأيّ غرض يكون ذلك؟ قالوا في جوابه :( أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً ) إلى مرعانا ، إن ترسله معنا( يَرْتَعْ ) أي نأكل ونشرب في الريف ونتسع في الخصب( وَيَلْعَبْ ) أي نعمل ما تشتهي الأنفس من المباحات تاركين الجد ، وهو كل ما فيه كلفة ومشقة ، فإن ذلك له سار( وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ) أي بليغون في الحفظ ؛ قال أبو حيان : وانتصب( غَداً ) على الظرف ، وهو ظرف مستقبل يطلق على اليوم الذي يلي يومك وعلى الزمن المستقبل من غير تقييد ، وأصل غد غدو ، فحذفت لامه ـ انتهى. فكأنه قيل : ماذا قال لهم؟ فقيل :( قالَ ) ما زاد صدورهم توغرا لأن ما قالوه له هو بحيث يسر به لسرور يوسف عليه الصلاة والسّلام به( إِنِّي لَيَحْزُنُنِي ) أي حزنا ظاهرا محققا ـ بما أشار إليه إظهاره النون وإثباته لام الابتداء( أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ ) أي يتجدد الذهاب به مطلقا ـ لأني لا أطيق فراقه ـ ولا لحظة ، وفتح لهم بابا يحتجون به عند فعل المراد بقوله جامعا بين مشقتي الباطن ، والبلاء ـ كما قالوا ـ مؤكل بالمنطق :( وَأَخافُ ) أي إذا ذهبتم به واشتغلتم بما ذكرتم( أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ ) أي هذا النوع كأنه كان كثيرا بأرضهم( وَأَنْتُمْ عَنْهُ ) أي خاصة (غافلين) * أي عريقون في الغفلة لإقبالكم على ما يهمكم من مصالح الرعي ؛ والحزن : ألم القلب مما كان من فراق المحبوب ، ويعظم إذا كان فراقه إلى ما يبغض ؛ والأكل : تقطيع الطعام بالمضغ الذي بعده البلع ؛ فكأنه قيل : إن تلقيهم لمثل هذا لعجب ، فماذا قالوا؟ فقيل :( قالُوا ) مجيبين عن الثاني بما يلين الأب لإرساله ، مؤكدين ليطيب خاطره ، دالين على القسم بلامه :( لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ ) أي والحال أنا( عُصْبَةٌ ) أي أشداء تعصب بعضنا لبعض ؛ وأجابوا القسم بما أغنى عن
جواب الشرط :( إِنَّا إِذاً ) أي إذا كان هذا( لَخاسِرُونَ ) أي كاملون في الخسارة لأنا إذا ضيعنا أخانا فنحن لما سواه من أموالنا أشد تضييعا ؛ وأعرضوا عن جواب الأول لأنه لا يكون إلا بما يوغر صدره ويعرف منه أنهم من تقديمه في الحب على غاية من الحسد لا توصف ، وأقله أن يقولوا : ما وجه الشح بفراقه يوما والسماح بفراقنا كل يوم ، وذلك مما يحول بينهم وبين المراد ، فكأنه قيل : إن هذا لكيد عظيم وخطب جسيم ، فما فعل أبوهم؟ فقيل : أجابهم إلى سؤلهم فأرسله معهم( فَلَمَّا ذَهَبُوا ) ملصقين ذهابهم( بِهِ وَأَجْمَعُوا ) أي كلهم ، وأجمع كل واحد منهم بأن عزم عزما صادقا ؛ والإجماع على الفعل : العزم عليه باجتماع الدواعي كلها( أَنْ يَجْعَلُوهُ ) والجعل : إيجاد ما به يصير الشيء على خلاف ما كان عليه ، ونظيره التصيير والعمل( فِي غَيابَتِ الْجُبِ ) فعلوا ذلك من غير مانع ، ولكن لما كان هذا الجواب في غاية الوضوح لدلالة الحال عليه ترك لأنهم إذا أجمعوا عليه علم أنهم لا مانع لهم منه ؛ ثم عطف على هذا الجواب المحذوف لكونه في قوة الملفوظ قوله :( وَأَوْحَيْنا ) أي بما لنا من العظمة( إِلَيْهِ ) أي إلى يوسف عليه الصلاة والسّلام.
ولما كان في حال النجاة منها بعيدة جدا ، أكد له قوله :( لَتُنَبِّئَنَّهُمْ ) أي لتخبرنهم إخبارا عظيما على وجه يقل وجود مثله في الجلالة( بِأَمْرِهِمْ هذا ) أي الذي فعلوه بك( وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) ـ لعلو شأنك وكبر سلطانك وبعد حالك عن أوهامهم ، ولطول العهد المبدل للهيئات المغير للصور والأشكال ـ أنك يوسف ـ قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والحسن وابن جريج على ما نقله الرماني ؛ والشعور : إدراك الشيء مثل الشعرة في الدقة ، ومنه المشاعر في البدن ، وكان يوسف عليه الصلاة والسّلام حين ألقوه في الجب ابن اثنتي عشرة سنة ـ قاله الحسن ، قالوا : وتصديق هذا أنهم لما دخلوا عليه ممتارين دعا بالصواع فرضعه على يديه ثم نقره فطن ، فقال : إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف ، وكان أبوكم يدنيه دونكم ، وأنكم انطلقتم به وألقيتموه في غيابة الجب وقلتم لأبيكم : أكله الذئب.
( وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ (١٦) قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ (١٧) وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١٨) )
ولما كان من المعلوم أنه ليس بعد هذا الفعل إلا الاعتذار ، عطف على الجواب
المقدر قوله :( وَجاؤُ أَباهُمْ ) دون يوسف عليه الصلاة والسّلام( عِشاءً ) في ظلمة الليل لئلا يتفرس أبوهم في وجوههم إذا رآها في ضياء النهار ضد ما جاؤوا به من الاعتذار ، وقد قيل : لا تطلب الحاجة بالليل فإن الحياء في العينين ، ولا تعتذر بالنهار من ذنب فتتلجلج في الاعتذار. والآية دالة على أن البكاء لا يدل على الصدق لاحتمال التصنع( يَبْكُونَ ) والبكاء : جريان الدمع من العين عند حال الحزن ، فكأنه قيل : إنهم إذا بكوا حق لهم البكاء خوفا من الله وشفقة على الأخ ، ولكن ماذا يقولون إذا سألهم أبوهم عن سببه؟ فقيل :( قالُوا يا أَبانا ) .
ولما كانوا عالمين بأنه عليه الصلاة والسّلام لا يصدقهم لما له من نور القلب وصدق الفراسة ولما لهم من الريبة ، أكدوا فقالوا :( إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ ) أي نوجد المسابقة بغاية الرغبة من كل منا في ذلك( وَتَرَكْنا يُوسُفَ ) أخانا( عِنْدَ مَتاعِنا ) أي ما كان معنا مما نحتاج إليه في ذلك الوقت من ثياب وزاد ونحوه( فَأَكَلَهُ ) أي فتسبب عن انفراده أن كله( الذِّئْبُ وَما ) أي والحال أنك ما( أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ) أي من التكذيب ، أي بمصدق( وَلَوْ كُنَّا ) أي كونا هو جبلة لنا( صادِقِينَ ) أي من أهل الصدق والأمانة بعلمك ، لأنك لم تجرب علينا قط كذبا ، ولا حفظت عنا شيئا منه جدا ولا لعبا.
ولما علموا أنه لا يصدقهم من وجوه منها ما هو عليه من صحة الفراسة لنور القلب وقوة الحدس ، ومنها أن الكذب في نفسه لا يخلو عن دليل على بطلانه ، ومنها أن المرتاب يكاد يعرب عن نفسه ، أعملوا الحيلة في التأكيد بما يقرب قولهم. فقال تعالى حاكيا عنهم :( وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ ) أي يوسف عليه الصلاة والسّلام( بِدَمٍ كَذِبٍ ) أي مكذوب ، أطلق عليه المصدر مبالغة لأنه غير مطابق للواقع ، لأنهم ادعوا أنه دم يوسف عليه الصلاة والسّلام والواقع أنه دم سخلة(١) ذبحوها ولطخوه بدمها ـ نقله الرماني عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن مجاهد. قال : والدم : جسم أحمر سيال ، من شأنه أن يكون في عروق الحيوان ، وله خواص تدرك بالعيان من ترجرج وتلزج وسهوكة ، وروي(٢) أن يعقوب عليه الصلاة والسّلام أخذ القميص منهم وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص وقال : تالله ما رأيت كاليوم ذئبا أحلم من هذا ، أكل ابني ولم يمزق قميصه ، وكان في القميص ثلاث آيات : دلالته على كذبهم ، ودلالته على صدق يوسف عليه الصلاة والسّلام في قده من دبر ، وعود البصر إلى أبيه به ، فكأنه قيل : هل صدقهم؟ فقيل : لا! لأن العادة جرت في مثله أنه لا يأكله كله ، فلا
__________________
(١) السخلة : ولد الشاة.
(٢) هذا الأثر متلقى عن أهل الكتاب لا حجة فيه البتة.
بد أن يبقى منه شيء يعرف معه أنه هو ، ولو كان كذلك لأتوا به تبرئة لساحتهم وليدفنوه في جبانتهم مع بقية أسلافهم ، وقد كان قادرا على مطالبتهم بذلك ، ولكنه علم أنهم ما قالوا ذلك إلا بعد عزم صادق على أمور لا تطاق ، فخاف من أن يفتح البحث من الشرور أكثر مما جاؤوا به من المحذور ، بدليل قوله بعد ذلك( فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ ) [يوسف : ٨٧] ونحو ذلك ، فكأنه قيل : فماذا قال؟ فقيل :( قالَ بَلْ ) أي لم يأكله الذئب ، بل( سَوَّلَتْ ) أي زينت وسهلت ، من السول وهو الاسترخاء( لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً ) أي عظيما أبعدتم به يوسف( فَصَبْرٌ ) أي فتسبب عن ذلك الفادح العظيم أنه يكون صبر( جَمِيلٌ ) منى ، وهو الذي لا شكوى معه للخلق( وَاللهُ ) أي المحيط علما وقدرة( الْمُسْتَعانُ ) أي المطلوب منه العون( عَلى ) احتمال( ما تَصِفُونَ ) من هلاك يوسف عليه الصلاة والسّلام ، ولا يقال : إنهم بهذا أجمعوا أوصاف المنافق «إذا وعد أخلف ، وإذا حدث كذب ، وإذا اؤتمن خان» لأن هذا وقع منهم مرة ، والمنافق يكون ذلك فعله دائما أو في أغلب أحواله ، ومادتا سول بتقاليبها الخمسة : ولس وسلا ووسل ولوس وسول ، وسيل بتقاليبها الخمسة : لسي ويسل وسيل وسلي وليس ، تدوران على ما يطمع فيه من المراد ، ويلزمه رغد العيش والزينة وبرد القلب والشدة والرخاوة والعلاج والمخادعة والملازمة ، فمن الرجاء للمراد : السول ـ بالواو ، وقد يهمز ، وهو المطلوب ؛ والوسيلة : الدرجة والمنزلة عند الملك ، قال القزاز : وقيل : توسلت وتوصلت ـ بمعنى ؛ والوسيلة : الحاجة ، ووسل فلان ـ إذا طلب الوسيلة ؛ واللؤس : الظفر ؛ ومن العمل والعلاج : توسل بكذا ـ أي تقرب ، واللوس : الأكل ، ولاس الشيء في فيه بلسانه ـ إذا أداره ، وولست الناقة في مشيتها تلس ولسانا : تضرب من العنق ؛ ومن رغد العيش : فلان في سلوة من العيش ، أي رغد يسليه الهم ، ومنه السلوى ، وهي طائر معروف ، وهي أيضا العسل ، وأسلي القوم : إذا أمنوا السبع : ومن الزينة : سولت له نفسه كذا ، أي زينته فطلبه ؛ ومن برد القلب : سلوت عن الشيء : إذا تركه قلبك وكان قد صبا به ، وسقيتني منك سلوة ، أي طيبت نفسي عنك ، والليس ـ محركا : الغفلة ، والأليس : الديوث لا يغار ، والحسن الخلق ، وتلايس عنه : أغمض ؛ ومن الرخاوة : السلي الذي يكون فيه الولد ، وهو يائي تقول منه : سليت الشاة كرضى سلي : انقطع سلاها ، ومنه السول ، وهو استرخاء في مفاصل الشاة ، والسحاب الأسول : الذي فيه استرخاء لكثرة مائه ، والأسول : المسترخي ، ومنه : ليس أخت كان ـ لأن الشيء إذا زاد في الرخاوة ربما عد عدما ، ومنه : سال ـ بمعنى : جرى ، والسائلة من الغرر : المعتدلة في قصبة الأنف ، وأسال غرار النصل : أطاله ، والسيلان ـ بالكسر : سنخ قائم السيف ، و
السيالة : نبات له شوك أبيض طويل ، إذا نزع خرج منه اللبن ، أو ما طال من السمر ؛ ومن المخادعة : الولس ، وهي الخيانة ، والموالسة : المداهنة ، والتوسل : السرقة ؛ ومن اللزوم : الليس ـ محركا والمتلايس : البطيء ، وهو أيضا من الرخاوة ، والأليس : من لا يبرح منزله ؛ ومن الشدة : الليس ـ محركا وهو الشجاعة ، وهو أليس ، والأليس : البعير يحمل ما حمل ، والأسد ، ووقعوا في سلي جمل : أمر صعب ، لأن الجمل لا سلي له ، وانقطع السلي في البطن مثل كبلغ السكين العظم ، ويمكن أن يكون من الشدة أيضا : اليسل ـ بفتح وسكون ـ وهم يد أي جماعة من قريش الظواهر ، والبسل ـ بالباء الموحدة : اليد الأخرى ، ولسا : أكل أكلا شديدا.
( وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٩) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠) وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَاللهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢١) )
ولما تم أمرهم هذا وشبوا على أبيهمعليهالسلام نار الحزن ، التفتت النفس إلى الخبر عن يوسف عليه الصلاة والسّلام فيما أشار إليه قوله :( لَتُنَبِّئَنَّهُمْ ) [يوسف : ١٥] الآية ، فقال تعالى مخبرا عن ذلك في أسبابه :( وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ ) أي قوم بليغو السير إلى الأرض التي ألقوا يوسف عليه الصلاة والسّلام في جبها( فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ ) أي رسولهم الذي يرسلونه لأجل الإشراف على الماء إلى الجب ليستقي لهم( فَأَدْلى ) فيه( دَلْوَهُ ) أي أرسلها في البئر ليملأها ـ وأما «دلى» فأخرجها ملأى ـ فاستمسك بها يوسف عليه الصلاة والسّلام فأخرجه ، فكأنه قيل : ماذا قال حين أدلى للماء فتعلق يوسف بالحبل فأطلعه فإذا هو بإنسان أجمل ما يكون؟ فقيل :( قالَ ) أي الوارد يعلم أصحابه بالبشرى( يا بُشْرى ) أي هذا أوانك فاحضري ، فكأنه قيل : لم تدعوا البشرى؟ فقال :( هذا غُلامٌ ) فأتى به إلى جماعته فسروا به كما سر( وَأَسَرُّوهُ ) أي الوارد وأصحابه( بِضاعَةً ) أي حال كونه متاعا بزعمهم يتجرون فيه( وَاللهُ ) أي المحيط علما وقدرة( عَلِيمٌ ) أي بالغ العلم( بِما يَعْمَلُونَ ) وإن أسروه ؛ قال أبو حيان ونعم ما قال : وتعلقه بالحبل يدل على صغره إذ لو كان ابن ثمانية عشر أو سبعة عشر لم يحمله الحبل غالبا ، ولفظة «غلام» ترجح ذلك إذ تطلق عليه ما بين الحولين إلى البلوغ حقيقة ، وقد تطلق على الرجل الكامل ـ انتهى.
ولما كان سرورهم به ـ مع ما هو عليه من الجمال والهيبة والجلال ـ مقتضيا لأن ينافسوا في أمره ويغالوا بثمنه ، أخبر تعالى أنهم لم يفعلوا ذلك ليعلم أن جميع أموره على نسق واحد في خرقها للعوائد فقال :( وَشَرَوْهُ ) أي تمادي السيارة ولجوا في إسرارهم إياه بضاعة حتى باعوه من العزيز ، ولمعنى التمادي عبر ب «شرى» دون «باع» ، ويمكن أن يكون «شرى» بمعنى اشترى ، أي واشتراه السيارة من إخوته( بِثَمَنٍ ) وهو البدل من الذهب أو الفضة ، وقد يقال على غيره تشبيها به( بَخْسٍ ) أي قليل ، ومادة «شرى» ـ يائية بتقاليبها الثلاثة : شرى ، وشير ، وريش ، وواوية بتراكيبها الستة : شور ، وشرو ، ووشر ، وورش ، ورشو ، وروش ، ومهموزة بتراكيبها الثلاثة : أرش ، وأشر ، ورشأ ـ تدور على اللجاجة ، وهي التمادي في الانتشار ، ويلزمه تبيين ذلك الأمر ، ويلزمها القوة تارة والضعف أخرى ، فمن مطلقه : شريت الشيء ، بمعنى ملكته بالبيع ، وشريته ، بمعنى : أزلت ملكي عنه به ، وكذا اشتريت فيهما ، والاسم الشراء بالمد ويقصر ، فحصل التمادي والانتشار تارة بالإزالة وتارة بالتحصيل ، وكل من ترك شيئا وتمسك بغيره فقد اشتراه ، وشاراه مشاراة : بايعه ، وشروى الشيء : مثله واوه مبدلة من ياء كأنه مأخوذ من بدل المبيع لأنه يتحرى فيه المماثلة ، وهو أوسع مما لم يوجد له مثل ، وشرى البرق : استطار ، وزيد : غضب ولج حتى استطار غضبا ، والفرس في سيره : بالغ ، واستشرى الرجل : لج ، والبرق : لمع ، والمشاراة : الملّاحة والمجادلة والمبايعة ، والشرية ـ كغنية : الطريقة والطبيعة ، وكأن هذا أصل المعنى الذي عنه تفرعت أغصانه ، لأن الطبع مظنة اللجاج ، وشرى الثوب واللحم والإقط : شررها ، أي وضعها على خصفة أو غيرها منشورة لتجف ، وشرى فلانا : سخر به أو أرغمه ، كأنه تمادى معه حتى قهره ، وشرى بنفسه عن القوم : تقدم بين أيديهم فقاتل عنهم ، أو إلى السلطان فتكلم عنهم ، والشرى ـ كعلي : الجبل ـ لانتشاره علوا ، والطريق ـ للانتشار فيه ، وطريق بسلمى كثيرة الأسد ، وجبل بتهامة كثير السباع ـ لانتشارها فيه أو لأن الساتر فيه أقوى الناس وألجهم ، وجبل بنجد لطيىء ، والناحية ، ويمد ، وأشراه : ملاه ، وأماله ـ لما يلزم من انتشار ما فيه ، وأشرى الجمل : تفلقت عقيقته ، أي صوفه ، وبينهم : أغرى ، وشرى البعير في سيره ؛ أسرع ، وشرى الفرس في لجامه ـ إذا جذبه ، والشرية ـ كغنية : من النساء اللاتي يلدن الإناث ، كأنها تمادت في الميل مع طبعها : الأنوثة ، فلجت فيه ، أو هو راجع إلى الضعف اللازم للحاجة ، والمشتري : نجم لتلألؤه ، وطائر ـ للمعه بجناحه وانتشاره ، واشرورى : اضطرب ، وشرى زمام الناقة : كثر اضطرابه ، وهو من الانتشار ومن الضعف ، واستشرت الأمور : تفاقمت وعظمت ، وشرى جلده : أصابه بثور صغار