نظم الدّرر الجزء ٤

نظم الدّرر0%

نظم الدّرر مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف: علوم القرآن
الصفحات: 572

  • البداية
  • السابق
  • 572 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 441 / تحميل: 98
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 4

مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
العربية

ولما دعاهم إلى مكارم الأخلاق ونهاهم عن مساوئها بقبوله لمن أقبل إليه وإن عظم جرمه ، إجابة لدعوة أبيهم إبراهيمعليه‌السلام في قوله( فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) [إبراهيم : ٣٦] أتبع ذلك ذكره ترغيبا في اتباعه في التوحيد والميل مع الأمر والنهي إقداما وإحجاما إن كانوا ممن يتبع الحق أو يقلد الآباء ، فقال على سبيل التعليل لما قبله :( إِنَّ إِبْراهِيمَ ) أي أباكم الأعظم إمام الموحدين( كانَ أُمَّةً ) فيه من المنافع الدنيوية والأخروية ما يوجب أن يؤمه ويقصده كل أحد يمكن انتفاعه به( قانِتاً ) أي مخلصا( لِلَّهِ ) أي الملك الذي له الأمر كله ليس فيه شيء من الهوى( حَنِيفاً ) ميالا مع الأمر والنهي بنسخ أو بغيره ، فكونوا حنفاء أتباعا للحق ، لما قام عليه من الأدلة ، واستنانا بأعظم آبائكم.

ولما كان السياق لإثبات الكمال لإبراهيمعليه‌السلام ، وكانت الأوصاف الثبوتية قريبة المأخذ سريعة الوصول إلى الفهم ، وأتى بعدها وصف سلبي بجملة ، حذف نون (يكن) منها إيجازا وتقريبا للفهم تخفيفا عليه وحفظا له من أن يذهب قبل تمامها إلى غير المراد ، وإعلاما بأن الفعل منفي عنهعليه‌السلام على أبلغ وجوه النفي لا ينسب إليه شيء منه ولو قل ، فقيل :( وَلَمْ يَكُ ) ولما كانوا مشركين هم وكثير من أسلافهم ، قبح عليهم ذلك بأن أعظم من يعتقدون عظمته من آبائهم ليس من ذلك القبيل ، فقال تعالى :( مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) الواقفين مع الهوى ، فلا تكونوا منهم ؛ ثم بين حاله فقال :( شاكِراً ) ولما كان لله على من جعله أمة من النعم ما لا يحصى ، بين أن ذلك كله قليل في جنب فضله ، فقال مشيرا إلى ذلك بجمع القلة وإلى أن الشاكر على القليل يشكر إذا أتاه الكثير من باب الأولى :( لِأَنْعُمِهِ ) فهو لا يزال يزيده من فضله ، فتقبل دعاءه لكم فاشكروا الله اقتداء به ليزيدكم ، فكأنه قيل : فما أثابه على ذلك؟ أو علل ما قبل ، فقال تعالى :( اجْتَباهُ ) أي اختاره اختيارا تاما( وَهَداهُ ) أي بالبيان الأعظم والتوفيق الأكمل( إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) وهو الحنيفية السمحة ، فكان ممن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ، وكان مخالفا للأبكم الموصوف في المثل السابق ؛ ثم قال :( وَآتَيْناهُ ) أي بما لنا من العظمة( فِي الدُّنْيا ) بلسان الصدق والثناء الجميل الذي ذللنا له ألسنة الخلق( حَسَنَةً ) ونبه بالتعبير عن المعطي بنون العظمة على جلالته حيث جعله إماما معظما لجميع أهل الملل ، فجمع القلوب على محبته ، وجعل له فيهم لسان صدق ، ورزقه في أولاده من النبوة والصلاح والملك والكثرة ما هو مشهور.

ولما كانت عظمة الدنيا لا تعتبر إلا مقرونة بنعمة الآخرة ، قال تعالى :( وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ ) وقال تعالى ـ :( لَمِنَ الصَّالِحِينَ ) أي له ما لهم من الثواب العظيم ـ معبرا ب «من» تعظيما لمقام الصلاح وترغيبا فيه.

٣٢١

ولما قرر من عظمته في الدنيا والآخرة ما هو داع إلى اتباعه ، صرح بالأمر به تنبيها على زيادة عظمته بأمر متباعد في الرتبة على سائر النعوت التي أثنى عليه بها ، وذلك كونه صار مقتدي لأفضل ولد آدم ، مشيرا إلى ذلك بحرف التراخي الدال على علو رتبته بعلو رتبة من أمر باتباعه فيما مهده مما أمر به من التوحيد والطريق الواضح السهل فقال سبحانه :( ثُمَّ أَوْحَيْنا ) أي ثم زدناه تعظيما وجلالة بأن أوحينا( إِلَيْكَ ) وأنت أشرف الخلق ، وفسر الإيحاء بقولهعزوجل ترغيبا في تلقي هذا الوحي أحسن التلقي باقتفاء الأب الأعظم :( أَنِ اتَّبِعْ ) أي بغاية جهدك ونهاية همتك.

ولما كان المراد أصل الدين وحسن الاقتضاء فيه بسهولة الانقياد والانسلاخ من كل باطل ، والدعوة بالرفق مع الصبر ، وتكرير الإيراد للدلائل وكل ما يدعو إليه العقل الصرف والفطرة السليمة ، عبر بالملة فقال تعالى :( مِلَّةَ إِبْراهِيمَ ) ولا بعد في أن يفهم ذلك الهجرة أيضا.

ولما كانت الحنيفية أشرف أخلاق إبراهيمعليه‌السلام ، فكانت مقصودة بالذات ، صرح بها فقال تعالى :( حَنِيفاً ) أي حال كونك أو كونه شديد الانجذاب مع الدليل الحق ؛ ورغب العرب في التوحيد ونفرهم من الشرك بقوله تعالى :( وَما كانَ ) أي بوجه من الوجوه( مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) ولما دعا سبحانه فيها إلى معالي الشيم وعدم الاعتراض ، وختم بالأمر بالملة الحنيفية التي هي سهولة الانقياد للدليل ، وعدم الكون مع الجامدين ، اقتداء بالأب الأعظم ، وكان الخلاف والعسر مخالفا لملته ، فكان لا يجر إلى خير ، وكان من المعلوم أن كل حكم حدث بعده ليس من ملته ، وكان اليهود يزعمون جهلا أنه كان على دينهم ، وكان السبت من أعظم شعائرهم ، أنتج ذلك قوله تعالى جوابا لمن قد يدعي من اليهود أنه كان على دينهم ، وتحذيرا من العقوبة على الاختلاف في الحق بالتشديد في الأمر.( إِنَّما جُعِلَ ) أي بجعل من لا أمر لغيره( السَّبْتُ ) أي تحريمه واحترامه أو وباله( عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ) حين أمرهم نبيهم بالجمعة فقبل ذلك بعضهم وأراد السبت آخرون ، فبدلوا بالجمعة السبت. وشدد عليهم في أمره انتقاما منهم بما تفهمه التعدية ب «على» فكان ذلك وبالا عليهم ؛ وفي ذلك تذكير بنعمة التيسير علينا ؛ قال البغوي ؛ قال الكلبي : أمرهم موسىعليه‌السلام بالجمعة فقال : تفرغوا لله في كل سبعة أيام يوما ، فاعبدوه يوم الجمعة ، ولا تعملوا فيه عملا لصنعتكم ، وستة أيام لصناعتكم ، فأبوا إلا شرذمة منهم وقالوا : لا نريد إلا اليوم الذي فرغ الله فيه من الخلق يوم السبت ، فجعل ذلك اليوم عليهم وشدد عليهم فيه ، ثم جاءهم عيسىعليه‌السلام بيوم الجمعة فقالوا : لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا ، فأخذوا الأحد ، فأعطى

٣٢٢

الله الجمعة هذه الأمة فقبلوها وبورك لهم فيها. وقال عبد الرزاق في تفسيره : أخبرني معمر أخبرني من سمع مجاهدا يقول في قوله تعالى( إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ ) فقال : ردوا الجمعة وأخذوا السبت مكانه. وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلم قال :نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم ، فهذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله له. فهم لنا فيه تبع ، فاليهود غدا والنصارى بعد غد (١) .

ولما كان الإشراك واضحا في أمر النصارى ، استغنى بنفيه عنه عن التصريح بأنه ليس على دينهم ؛ ثم حذر من الاختلاف مثبتا أمر البعث فقال تعالى :( وَإِنَّ رَبَّكَ ) أي المحسن إليك بطواعية أصحابك لك( لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ) أي هؤلاء المختلفين( يَوْمَ الْقِيامَةِ ) واجتماع جميع الخلائق( فِيما كانُوا ) أي بجبلاتهم( فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) من قبول الجمعة وردها ، ومن الإذعان لتحريم الصيد وإبائه وغير ذلك ، فيجازى كل فريق منهم بما يستحقه.

( ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥) وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨) )

ولما قدم سبحانه في هذه السورة حكاية كثير من استهزائهم بوعده ووعيده ، وتكذيبهم لرسله على أبشع وجه ، والتفتير عن حرقة الحرص عليهم ، المفضي إلى شدة التأسف على ضلالهم وغير ذلك مما ربما أيأس منهم فأقعد عن دعائهم ، وأتبعه ضرب الأمثال ، ونصب الجدال ـ على تلك المناهيج المعجزة بما يسبق من ظواهرها إلى الفهم عند قرع السمع من المعاني الجليلة ، والمقاصد الجميلة ـ لعامة الخلق ما يجل عن الوصف ، وإذا تأملها الخواص وجدوا فيها من دقائق الحقائق ، ومشارع الرقائق ، ومحكم الدلائل ، ومتقن المقاصد والوسائل ، ما يوضح ـ بتفاوت الأفهام وتباين الأفكار ـ أنه بحر لا ساحل له ولا قرار ، ولا منتهى لما تستخرج منه الأنظار ، وختم باتباع الأب الأعظم ،

__________________

(١) أخرجه البخاري ٨٧٦ و ٨٩٦ و ٢٩٥٦ و ٣٤٨٦ ومسلم ٨٥٥ وأحمد ٢ / ٢٧٤ و ٣١٢ و ٢٤٣ و ٢٤٩ و ٢٥٠ و ٢٨٤ و ٣٨٨ وابن ماجة ١٠٨٣ والنسائي ٣ / ٨٥ ـ ٨٦ والدارقطني ٢ / ٣ كلهم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.

٣٢٣

لما كان ذلك ، وأمر سبحانه نبيه صلّى الله عليه وعلى آله وسلم وهو السميع المطيع أن يستن بآثاره ، ويقتدي بإضماره وإظهاره ، فسر له تلك الملة التي أمره باتباعها فقال تعالى :( ادْعُ ) أي كل من تمكن دعوته( إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ ) أي المحسن إليك ، بتسهيل السبيل الذي تدعو إليه واتساعه ، وهو الإسلام الذي هو الملة الحنيفية( بِالْحِكْمَةِ ) وهي المعرفة بمراتب الأفعال في الحسن والقبح والصلاح والفساد ، وقيل لها حكمة لأنها بمنزلة المانع من الفساد وما لا ينبغي أن يختار ، فالحكيم هو العالم بما يمنع من الفساد ـ قاله الرماني ، وهي في الحقيقة الحق الصريح ، فمن كان أهلا له دعا به( وَالْمَوْعِظَةِ ) بضرب الأمثال والوعد والوعيد مع خلط الرغبة بالرهبة والإنذار بالبشارة( الْحَسَنَةِ ) أي التي يسهل على كل فهم ظاهرها ، ويروق كل نحرير ما ضمنته سرائرها ، مع اللين في مقصودها وتأديتها هذا لمن لا يحتمل إلا ذلك( وَجادِلْهُمْ ) أي الذين يحتملون ذلك منهم افتلهم عن مذاهبهم الباطلة إلى مذهبك الحق بطريق الحجاج( بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) من الطرق بالترفق واللين والوقار والسكينة ، ولا تعرض عنهم يأسا منهم ، ولا تجازهم بسيىء مقالهم وقبيح فعالهم صفحا عنهم ورفقا بهم ، فهو بيان لأصناف الدعوة بحسب عقول المدعوين ، لأن الأنبياءعليهم‌السلام مأمورون بأن يخاطبوا الناس على قدر عقولهم ، وقيل : الدعوة إن كانت لتقرير الدين وتثبيت الاعتقاد في قلوب أهله ـ وهي مع ذلك يقينية مطهرة عن احتمال نقيض ـ فهي الحكمة وهي لطالب الحق المذعن إن كان مستعدا للقبول بفكره الثاقب ، وإن كانت مقارنة لاحتمال النقيض مفيدة للظن والإقناع فهي الموعظة وهي للمذعن الذي لا استعداد له ، وإن كانت لإلزام الجاحدين وإفحام المعاندين فهي المجادلة ، فإن كانت مركبة من مقدمات مسلمة عند الجمهور أو عند الخصم فقط فهي الحسنة ، وإن كانت من مقدمات كاذبة غير مسلمة يراد ترويجها بالحيل الباطلة والطرق الفاسدة فهي السيئة التي لا تليق بمنصف ؛ ثم علل الملازمة لدعائهم على هذا الوجه بقوله تعالى :( إِنَّ رَبَّكَ ) أي المحسن إليك بالتخفيف عنك( هُوَ ) أي وحده( أَعْلَمُ ) أي من كل من يتوهم فيه علم( بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ) فكان في أدنى درجات الضلال ـ وهو أعلم بالضالين الراسخين في الجور عن الطريق ـ فلا انفكاك له عن الضلال ، وهو أعلم بمن اهتدى لسبيله فكان في أدنى درجات الهداية( وَهُوَ ) أي خاصة( أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) أي الذين هم في النهاية منها ، فالآية من الاحتباك : ذكر أولا «من ضل» دليلا على حذف ضده ثانيا ، و (المهتدين) ثانيا دليلا على حذف ضدهم أولا. وأما أنت فلا علم لك بشيء من ذلك إلا بإعلامنا ، وقد ألزمناك البلاغ المبين ، فلا تفتر عنه معرضا عن الحرص المهلك واليأس فإنه ليس عليك هداهم.

٣٢٤

ولما بين أمر الدعوة وأوضح طرقها وقدم أمر الهجرة والإكراه في الدين والفتن فيه المشير إلى ما سبب ذلك من المحن والبلاء من الكفار ظلما ، وختم ذلك بالأمر بالرفق بهم ، عم ـ بعد ما خصه صلّى الله عليه وعلى آله وسلم به من الأمر بالرفق ، بالأمر لأشياعه بالعدل والإحسان كما تقدم ولو مع أعدى الأعداء ، والنهي عن مجازاتهم إلا على وجه العدل ـ فقال تعالى :( وَإِنْ عاقَبْتُمْ ) أي كانت لكم عاقبة عليهم تتمكنون فيها من أذاهم( فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما ) ولما كان الأمر عاما في كل فعل من المعاقبة من أيّ فاعل كان فلم يتعلق بتعيين الفاعل غرض ، بني للمفعول قوله تعالى :( عُوقِبْتُمْ بِهِ ) وفي ذلك إشارة ـ على ما جرت به عوائد الملوك في كلامهم ـ إلى إدالتهم عليهم وإسلامهم في يديهم ، وجعله بأداة الشك إقامة بين الخوف والرجاء.

ولما أباح لهم درجة العدل ، رقاهم إلى رتبة الإحسان بقوله تعالى :( وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ ) بالعفو عنهم( لَهُوَ ) أي الصبر( خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ) وأظهر في موضع الإضمار تعميما وتعليقا بالوصف.

ولما كان التقدير : فاصبروا ، عطف عليه إفرادا له صلّى الله عليه وعلى آله وسلم بالأمر ، إجلالا له وتسلية فيما كان سبب نزول الآية من التمثيل بعمه حمزة رضي الله عنه ، وتنويها بعظم مقام الصبر زيادة في حث الأمة ، لأن أمر الرئيس أدعى لامتثال أتباعه ، فقال تعالى :( وَاصْبِرْ ) ثم اتبع ذلك بما يحث على دوام الالتجاء إليه المنتج للمراقبة والفناء عن الأغيار ثم الفناء عن الفناء ، لئلا يتوهم أن لأحد فعلا مستقلا فقال تعالى :( وَما صَبْرُكَ ) أي أيها الرسول الأعظم!( إِلَّا بِاللهِ ) أي الملك الأعظم الذي شرع لك هذا الشرع الأقوم وأنت قائم في نصره ، ولقد قابل هذا الأمر صلّى الله عليه وعلى آله وسلم بأعلى مقامات الصبر ، وذلك أنهم مثلوا بقتلى المسلمين في غزوة أحد إلا حنظلة الغسيل رضي الله عنه فإن أباه كان معهم فتركوه له ، فلما وقف النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلم على عمه حمزة رضي الله عنه فوجدهم قد جدعوا أنفه وقطعوا أذنيه وجبوا مذاكيره وبقروا بطنه ، نظر إلى شيء لم ينظر قط إلى أوجع لقلبه منه فقال : رحمة الله عليك ، فإنك كنت فعالا للخير وصولا للرحم ، ولو لا أن تحزن صفية لسرني أن أدعك حتى تحشر من أجواف شتى ، أما والله! لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين منهم ، وقال الصحابة رضي الله عنهم : لنزيدن على صنيعهم ، فلما نزلت الآية بادر صلّى الله عليه وعلى آله وسلم الامتثال(١) ، وكان لا يخطب خطبة إلا نهى عن المثلة ،

__________________

(١) أخرجه أحمد ٥ / ١٣٥ والترمذي ٣١٢٩ عن أبي بن كعب وهو حديث صحيح حسن. وأخرجه الواحدي في أسباب النزول ص ٢١٣ ـ ٢١٤ عن ابن عباس. وأخرجه أيضا ٢١٤ عن أبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين.

٣٢٥

وأحسن يوم الفتح بأن نهى عن قتالهم وأعتقهم بعد أن صاروا في قبضته ـ صلّى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم دائما أبدا.

ولما كان ـ بعد توطين النفس على الصبر وتفريغ القلب من الأحنة ـ يرجع إلى الأسف على إهلاكهم أنفسهم بتماديهم على العتو على الله تعالى ، قال سبحانه :( وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ) أي في شدة كفرهم فتبالغ في الحرص الباخع للنفس.

ولما كان سبحانه في مقام التبشير ، بالمحل الكبير والموطن الخطير ، الذي ما حازه قبل نبينا صلّى الله عليه وعلى آله وسلم بشير ولا نذير ، وذلك هو الإسراء إلى الملكوت الأعلى ، والمقام الأسمى من السماوات العلى ، في حضرات القدس ، ومحال الأنس ، ووطأ لذلك في سورة النعم بمقامات الكرم إلى أن قارب الوصول إليه ، أوجز في العبارة بحذف حرف مستغنى عنه دلالة عليه فقال :( وَلا تَكُ ) بحذف النون إشارة إلى ضيق الحالة عن أدنى إطالة :

وأبرح ما يكون الشوق يوما

إذا دنت الديار من الديار

وهذا بخلاف ما يأتي في سورة النمل إن شاء الله تعالى( فِي ضَيْقٍ ) ولو قل ـ كما لوح إليه تنوين التحقير بما يشير إليه حذف النون ، فإن أذى الكفار الذي السياق للتسلية عنه لا يضرك في المقصود الذي بعثت لأجله ، وهو إظهار الدين وقمع المفسدين بوجه من الوجوه( مِمَّا يَمْكُرُونَ ) أي من استمرار مكرهم بك( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) وكأنك به ، وقد أتى فاصبر فإن الله تعالى معزك ومظهر دينك وإن كرهوا ؛ ثم علل ذلك بقوله تعالى :( إِنَّ اللهَ ) أي الجامع لصفات الكمال بلطفه وعونه( مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا ) أي وجد منهم الخوف من الله تعالى ، فكانوا في أول منازل التقوى ، وهو مع المتقين الذين كانوا في النهاية منها ، فعدلوا في أفعالهم من التوحيد وغيره عملا بأمر الله في الكتاب الذي هو تبيان لكل شيء ، وهو مع الذين أحسنوا وكانوا في أول درجات الإحسان( وَالَّذِينَ هُمْ ) أي بضمائرهم وظواهرهم( مُحْسِنُونَ ) أي صار الإحسان صفة لهم غير منفكة عنهم ، فهم في حضرات الرحمن ، وأنت رأس المتقين المحسنين ، فالله معك ، ومن كان الله معه كان غالبا ، وصفقته رابحة ، وحالته صالحة ، وأمره عال ، وضده في أسوإ الأحوال ، فلا تستعجلوا قلقا كما استعجل الكفار استهزاء ، تخلقا في التأني والحلم بصفة من تنزه عن نقص الاستعجال ، وتعالى عن ادعاء الأكفاء والأمثال ، فقد عانق آخرها أولها ، ووافق مقطعها مطلعها ، وآخرها احتباك : ذكر( الَّذِينَ اتَّقَوْا ) أولا دليلا على حذف( الَّذِينَ أَحْسَنُوا ) ثانيا ، و( الْمُحْسِنِينَ ) ثانيا دليلا على حذف المتقين أولا ـ والله الموفق للصواب ، وإليه المرجع والمآب.

٣٢٦

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة الإسراء

مكية ـ آياتها مائة وإحدى عشر

وتسمى سبحان وبني إسرائيل

( سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١) وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلاً (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً (٣) وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً (٤) فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً (٥) )

المقصود بها الإقبال على الله وحده ، وخلع كل ما سواه ، لأنه وحده المالك لتفاصيل الأمور ، وتفضيل بعض الخلق على بعض ، وذلك هو العمل بالتقوى التي أدناها التوحيد الذي افتتحت به النحل ، وأعلاها الإحسان الذي اختتمت به ، وهو الفناء عما سوى الله ، وهي من أوائل ما أنزل ، روى البخاري في فضائل القرآن وغيره عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : بنو إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء إنهن من العتاق الأول ، وهن من تلادي(١) . وكل من أسمائها واضح الدلالة على ما ذكر أنه مقصودها ، أما «سبحان» ، الذي هو علم للتنزيه فمن أظهر ما يكون فيه ، لأن من كان على غاية النزاهة عن كل نقص ، كان جديرا بأن لا نعبد إلا إياه ، وأن نعرض عن كل ما سواه ، لكونه متصفا بما ذكر ، وأما بنو إسرائيل فمن أحاط أيضا بتفاصيل أمرهم في سيرهم إلى الأرض المقدسة الذي هو كالإسراء وإيتائهم الكتاب وما ذكر مع ذلك من أمرهم في هذه السورة عرف ذلك( بِسْمِ اللهِ ) الملك المالك لجميع الأمر( الرَّحْمنِ ) لكل ما أوجده بما رباه( الرَّحِيمِ ) لمن خصه بالتزام العمل بما يرضاه.

__________________

(١) أخرجه البخاري ٤٩٩٤ و ٤٧٠٨ و ٤٧٣٩ و ٤٩٩٤ عن ابن مسعود رضي الله عنه موقوفا.

٣٢٧

لما كان مقصود النحل التنزه عن الاستعجال وغيره من صفات النقص ، والاتصاف بالكمال المنتج لأنه قادر على الأمور الهائلة ومنها جعل الساعة كلمح البصر أو أقرب ، وختمها بعد تفضيل إبراهيمعليه‌السلام والأمر باتباعه بالإشارة إلى نصر أوليائه ـ مع ضعفهم في ذلك الزمان وقلتهم ـ على أعدائه على كثرتهم وقوتهم ، وكان ذلك من خوارق العادات ونواقض المطردات ، وأمرهم بالتأني والإحسان ، افتتح هذه بتحقيق ما أشار الختم إليه بما خرقه من العادة في الإسراء ، وتنزيه نفسه الشريفة من توهم استبعاد ذلك ، تنبيها على أنه قادر على أن يفعل الأمور العظيمة الكثيرة الشاقة في أسرع وقت ، دفعا لما قد يتوهم أو يتعنت به من يسمع نهيه عن الاستعجال وأمره بالصبر ، وبيانا لأنه مع المتقي المحسن ، وتنويها بأمر محمد صلّى الله عليه وعلى آله وسلم ، وإعلاما بأنه رأس المحسنين وأعلاهم رتبة وأعظمهم منزلة ، بما آتاه من الخصائص التي منها المقام المحمود ، وتمثيلا لما أخبر به من أمر الساعة فقال تعالى :( سُبْحانَ ) وهو علم للتنزيه ، دال على أبلغ ما يكون من معناه ، منصوب بفعل متروك إظهاره ، فسد مسده( الَّذِي أَسْرى ) فنزه نفسه الشريفة عن كل شائبة نقص يمكن أن يضيفها إليه أعداؤه بهذا اللفظ الأبلغ عقب الأمر بالتأني آخر النحل. كما نزه نفسه الشريفة بذلك اللفظ عقب النهي عن الاستعجال في أولها ، وهو راد لما علم من ردهم عليه وتكذيبهم له إذا حدثهم عن الإسراء ، وفيه مع ذلك إيماء إلى التعجيب من هذه القصة للتنبيه على أنها من الأمور البالغة في العظمة إلى حد لا يمكن استيفاء وصفه.

ولما كان حرف الجر مقصورا على إفادة التعدية في «سرى» الذي بمعنى أسرى وكان أسرى يستعمل متعديا وقاصرا عبر به ، واختير القاصر للدلالة على المصاحبة زيادة في التشريف فقال تعالى :( بِعَبْدِهِ ) أي الذي هو أشرف عباده وأحقهم بالإضافة إليه الذي لم يتعبد قط لسواه من صنم ولا غيره لرجاء شفاعة ولا غيرها.

ولما كان الإسراء هو السير في الليل ، وكان الشيء قد يطلق على جزء معناه بدلالة التضمن مجازا مرسلا ، نفى هذا بقوله تعالى :( لَيْلاً ) وليدل بتنوين التحقير على أن هذا الأمر الجليل كان في جزء يسير من الليل ، وعلى أنه عليه الصلاة والسّلام لم يحتج ـ في الإسراء والعروج إلى سدرة المنتهى وسماع الكلام من العلي الأعلى ـ إلى رياضة بصيام ولا غيره ، بل كان مهيئا لذلك متأهلا له ، فأقامه تعالى من الفرش إلى العرش( مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) أي من الكعبة المشرفة مسجد إبراهيمعليه‌السلام ، قيل : كان نائما في الحطيم ، وقيل : في الحجر ، وقيل : في بيت أم هانىء ـ وهو قول الجمهور ، فالمراد بالمسجد حينئذ الحرم لأنه فناء المسجد( إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ) أي

٣٢٨

الذي هو أبعد المساجد حينئذ وأبعد المسجدين الأعظمين مطلقا من مكة المشرفة ، بينهما أربعون ليلة ، فصلى بالأنبياء كلهم : إبراهيم وموسى ومن سواهما ـ على جميعهم أفضل الصلاة والسّلام ، ورأى من آياتنا ما قدرناه له ، ورجع إلى بين أظهركم إلى المسجد الأقرب منكم في ذلك الجزء اليسير من الليل وأنتم تضربون أكباد الإبل في هذه المسافة شهرا ذهابا وشهرا إيابا ، ثم وصفه بما يقتضي تعظيمه وأنه أهل للقصد فقال تعالى :( الَّذِي بارَكْنا ) أي بما لنا من العظمة ، بالمياه والأشجار وبأنه مقر الأنبياء ومهبط الملائكة وموطن العبادات ومعدن الفواكه والأرزاق والبركات( حَوْلَهُ ) أي لأجله فما ظنك به نفسه! فهو أبلغ من «باركنا فيه» ثم منه إلى السماوات العلى إلى سدرة المنتهى إلى ما لم ينله بشر غيره صلّى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم دائما أبدا ؛ ولعله حذف ذكر المعراج من القرآن هنا لقصور فهومهم عن إدراك أدلته لو أنكروه بخلاف الإسراء ، فإنه أقام دليله عليهم بما شاهدوه من الأمارات التي وصفها لهم وهم قاطعون بأنه صلّى الله عليه وعلى آله وسلم لم يرها قبل ذلك ، فلما بان صدقه بما ذكر من الأمارات أخبر بعد ذلك من أراد الله بالمعراج ؛ ثم ذكر سبحانه الغرض من الإسراء بما يزيد في تعظيم المسجد فقال :( لِنُرِيَهُ ) بعينه وقلبه( مِنْ آياتِنا ) السماوية والأرضية كما أرينا أباه الخليلعليه‌السلام ملكوت السماوات والأرض ، وجعل الالتفات لتعظيم الآيات والبركات ؛ روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : أتي النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلم ليلة أسري به بإيلياء بقدحين من خمر ولبن ، فنظر إليهما فأخذ اللبن فقال جبرئيلعليه‌السلام : الحمد لله الذي هداك للفطرة ، لو أخذت الخمر غوت أمتك(١) . وعن جابر رضي الله عنه سمعت النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلم يقول : لما كذبتني قريش قمت في الحجر فجلى الله لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه(٢) .

ولما كان المعول عليه غالبا في إدراك الآيات حس السمع والبصر ، وكان تمام الانتفاع بذلك إنما هو بالعلم ، وكان سبحانه قد خص هذا النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلم من كمال الحس مما يعد معه حس غيره عدما ، عبر عن ذلك كله بقوله تعالى :

__________________

(١) أخرجه البخاري ٤٧٠٩ و ٣٣٩٤ و ٥٦٠٣ ومسلم ١٦٨ وأحمد ٢ / ٢٨٢ والترمذي ٣١٣٠ والنسائي ٨ / ٣١٢ وابن حبان ٥٢ وعبد الرزاق ٥ / ٣٢٩ والطبري ١٥ / ١٢ وأبو عوانة ١ / ١٢٩ تكلم عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(٢) أخرجه البخاري ٤٧١٠ و ٣٨٨٦ ومسلم ١٧٠ وأحمد ٣ / ٣٧٧ ـ ٣٧٨ والترمذي ٣١٣٢ والبيهقي في الدلائل ٢ / ٣٥٩ وأبو عوانة ١ / ١٣١ وابن حبان ٥٥ وعبد الرزاق ٥ / ٣٢٩ وابن منده ٧٣٨ كلهم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

٣٢٩

( إِنَّهُ ) أي هذا العبد الذي اختصصناه بالإسراء( هُوَ ) أي خاصة( السَّمِيعُ ) أي أذنا وقلبا بالإجابة لنا والإذعان لأوامرنا( الْبَصِيرُ ) بصرا وبصيرة بدليل ما أخبر به من الآيات ، وصدقه من الدلالات ، حين نعت ما سألوه عنه من بيت المقدس ومن أمر عيرهم وغيرهما مما هو مشهور في قصة الإسراء مما كان يراه وهو ينعت لهم وهم لا يرونه ولا يقاربون ذلك ولا يطمعون فيه ، وقال من كان دخل منهم إلى بيت المقدس : أما النعت والله فقد أصاب ، أخبرنا عن عيرنا ، فأخبرهم بعدد جمالها ، وأحوالها وقال : تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق ، فخرجوا ذلك اليوم نحو الثنية يشتدون ، فقال قائل : هذه والله الشمس قد طلعت ، فقال آخر : وهذه والله العير قد أقبلت ، يقدمها جمل أورق كما قال محمد ، ثم لم يؤمنوا وقالوا : إن هذا إلا سحر مبين. قال الإمام الرازي في اللوامع : وكان صلّى الله عليه وعلى آله وسلم أبصر جميع ما في الملكوت بالعين المبصرة مشاهدة لم يسترب فيه حتى روي أنه قال :رأيت ليلة أسري بي إلى العلى الذرة تدب على وجه الأرض من سدرة المنتهى (١) . وذلك لحدة بصره ، والبصر على أقسام : بصر الروح ، وبصر العقل الذي منه التوحيد ، وبصر القربة الذي خص به الأولياء وهو نور الفراسة ، وبصر النبوة ، وبصر الرسالة. وهذه الأبصار كلها مجموعة لرسولنا صلّى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم دائما أبدا ، وله زيادة بصر قيادة الرسل وسيادتهم ، فإنه سيد المرسلين وقائدهم ، وكان مطلعا على الملك والملكوت كما قال : زويت لي الأرض مشارقها ومغاربها ـ انتهى. وهذا الأخير رواه مسلم وأبو داود والترمذي عن ثوبان رضي الله عنه أنه صلّى الله عليه وعلى آله وسلم قال : «إن الله تعالى زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها »(٢) وكان يبصر من ورائه كما يبصر من أمامه ـ كما أخرجه الشيخان وغيرهما من حديث أنس رضي الله عنه ، وفي كثير من طرقه عدم التقييد بالصلاة ، وهذا صريح في أن بصره لم يكن متقيدا بالعين ، بل خلق الله تعالى الأبصار في جميع أعضائه وكذا السمع ، فإن كون العين محلا لذلك وكذا الأذن إنما هو بجعل الله ، ولو جعل ذلك في غيرهما لكان كما يريد سبحانه ولا مانع ، ولم يكن الظلام يمنعه من نفوذ البصر ففي مسند أحمد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : فقدت رحلي ليلة فمررت على رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله

__________________

(١) لم أجده. فلينظر.

(٢) أخرجه مسلم ٢٨٨٩ وأحمد ٥ / ٢٧٨ وأبو داود ٤٢٥٢ والترمذي ٢١٧٦ وابن ماجة ٣٩٥٢ والبيهقي ٩ / ١٨١ والبغوي ٤٠١٥ وابن حبان ٦٧١٤ و ٧٢٣٨ كلهم عن ثوبان رضي الله عنه.

وفي الباب عن شداد بن أوس رضي الله عنه عند أحمد ٤ / ١٢٣.

٣٣٠

وسلم وهو يشد لعائشة رضي الله عنها ، فقال : ما لك يا جابر؟ فقلت : فقدت جملي أو ذهب في ليلة ظلماء ، فقال لي : هذا جملك ، اذهب فخذه ، فذهبت نحو ما قال لي ، فلم أجده فرجعت إليه فقلت : بأبي وأمي يا رسول الله! ما وجدته ، فقال لي : على رسلك ، حتى إذا فرغ أخذ بيدي فانطلق حتى أتينا الجمل فدفعه إليّ ، قال : هذا جملك(١) ـ الحديث. وروى البيهقي في دلائل النبوة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلم يرى بالليل في الظلمة كما يرى بالنهار في الضوء ، وروي مثل ذلك عن عائشة رضي الله عنها ، وقال القاضي عياض في الشفا : حكى بقي بن مخلد عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلم يرى في الظلمة كما يرى في الضوء ، وأسند عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال : لما تجلى الله لموسى عليه الصلاة والسّلام كان يبصر النملة على الصفا في الليلة الظلماء مسيرة عشرة فراسخ. وجوز أن يكون اختصاص نبينا صلّى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك بعد الإسراء ـ انتهى. وقد أخرج حديث أبي هريرة هذا الحافظ نور الدين الهيثمي في زوائد المعجمين : الأوسط والأصغر للطبراني ، ولعل هذا من مناسبة تعقيب هذه الآية بذكر موسىعليه‌السلام .

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما تقدم قوله( إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً ) إلى قوله تعالى( ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً ) الآية ، كان ظاهر ذلك تفضيل إبراهيمعليه‌السلام على محمد صلّى الله عليه وعلى آله وسلم وعلى جميع الأنبياء لا سيما مع الأمر بالاتباع ، فأعقب ذلك بسورة الإسراء ، وقد تضمنت من خصائص نبينا صلّى الله عليه وعلى آله وسلم ، وانطوت على ما حصل منه المنصوص في الصحيح والمقطوع به والمجمع عليه من أنه ـ صلّى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم ـ سيد ولد آدم ، فاستفتحت السورة بقصة الإسراء وقد تضمنت ـ حسبما وقع في صحيح مسلم وغيره ـ إمامته بالأنبياء عليهم الصلاة والسّلام وفيهم إبراهيم وموسى وغيرهما من الأنبياء من غير استثناء ، هذه رواية ثابت عن أنس رضي الله عنه ، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، أنه ـ صلّى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم دائما أبدا ـ أثنى على ربه فقال : الحمد لله الذي أرسلني رحمة

__________________

(١) أخرجه أحمد ٣ / ٣٥٨ عن جابر وله قصة طويلة ، وإسناده ضعيف. نبيح قال الذهبي : لين الحديث قلت : أما ما كان من قصة بيع الجمل فلها عدة طرق عنده أخرجها ٣ / ٢٩٩ برقم ١٣٧٨٣ و ١٣٧٨٤ و ٣ / ٣٧٢ و ٣٧٣ برقم ١٤٥٨٦ و ١٤٥٩٥ و ١٤٦٠٨ وهذه عدة أسانيد قوية ، والقصة هذه متواترة عن جابر رضي الله عنه.

٣٣١

للعالمين ، وكافة للناس بشيرا ونذيرا ، وأنزل عليّ القرآن فيه تبيان كل شيء ، وجعل أمتي خير أمة أخرجت للناس ، وجعل أمتي وسطا وجعل أمتي هم الأولون وهم الآخرون ، وشرح لي صدري ، ووضع عني وزري ، ورفع لي ذكري ، وجعلني فاتحا وخاتما ، فقال إبراهيمعليه‌السلام : بهذا فضلكم محمد صلّى الله عليه وعلى آله وسلم(١) ؛ وفي رواية أبي هريرة رضي الله عنه من طريق الربيع بن أنس وذكر سدرة المنتهى وأنه تبارك وتعالى قال له : سل! فقال : إنك اتخذت إبراهيم خليلا ، وأعطيته ملكا عظيما ، وكلمت موسى تكليما ، وأعطيت داود ملكا عظيما ، وألنت له الحديد ، وسخرت له الجبال ، وأعطيت سليمان ملكا عظيما ، وسخرت له الجن والإنس والشياطين والرياح ، وأعطيته ملكا لا ينبغي لأحد من بعده ، وعلمت عيسى التوراة والإنجيل ، وجعلته يبرىء الأكمه والأبرص ، وأعذته وأمه من الشيطان الرجيم ، فلم يكن له عليهما سبيل ، فقال له ربه تبارك وتعالى : قد اتخذتك حبيبا فهو مكتوب في التوراة ـ «محمد حبيب الرحمن» وأرسلتك إلى الناس كافة ، وجعلت أمتك هم الأولون والآخرون. وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي ، وجعلتك أول النبيين خلقا وآخرهم بعثا ، وأعطيتك سبعا من المثاني ولم أعطها نبيا قبلك ، وأعطيتك خواتم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم أعطها نبيا قبلك ، وجعلتك فاتحا وخاتما(٢) . وفي حديث شريك أنه رأى موسىعليه‌السلام في السماء السابعة قال : بتفضيل كلام الله ، قال : ثم علا به فوق ذلك ما لا يعلمه إلا الله ، فقال موسى : لم أظن أن يرفع عليّ أحد. وفي حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه خرجه البزار في ذكر تعليمه عليه الصلاة والسّلام الأذان وخروج الملك فقال صلّى الله عليه وعلى آله وسلم : يا جبريل! من هذا؟ قال : والذي بعثك بالحق! إني لأقرب الخلق مكانا ، وإن هذا الملك ما رأيته قط منذ خلقت قبل ساعتي هذه. وفيه : ثم أخذ الملك بيد محمد صلّى الله عليه وعلى آله وسلم فقدمه ، فأم بأهل السماء فيهم آدم ونوح ، وفي هذا الحديث قال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين راويه : فيومئذ أكمل الله لمحمد ـ صلّى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم ـ الشرف على أهل السماوات والأرض(٣) ؛ قال ابن الزبير : وقد حصل منه

__________________

(١) هو بعض حديث أخرجه الطبري ٢٢٠٢١ من حديث أبي هريرة في خبر الإسراء المطول ، وإسناده غير قوي ، فيه حجاج بن أرطاة صدوق كثير الخطأ.

(٢) هو بعض الحديث المتقدم ، وهو عند الطبري ٢٢٠٢١ من حديث أبي هريرة ، وإسناده غير قوي كما ذكرت لأجل الحجاج بن أرطاة.

(٣) ضعيف. أخرجه البزار كما في المجمع ١ / ٣٢٨ من حديث علي وقال الهيثمي : فيه زياد بن المنذر مجمع على ضعفه.

٣٣٢

تفضيله صلّى الله عليه وعلى آله وسلم ـ وشرف وكرم وبجل وعظم دائما أبدا ـ بالإسراء وخصوصه بذلك ، ثم قد انطوت السورة على ذكر المقام المحمود ، وهو مقامه في الشفاعة الكبرى ، وذلك مما خص به حسبما ثبت في الصحيح وانعقد عليه إجماع أهل السنة ، ولا أعلم في الكتاب العزيز سورة تضمنت من خصائصه صلّى الله عليه وعلى آله وسلم ـ وشرف وكرم وبجل وعظم دائما أبدا ـ الذي فضل به كافة الأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسّلام مثل ما تضمنت هذه والحمد لله ـ انتهى.

ولما ثبت بهذه الخارقة ما أخبر به عن نفسه المقدسة من عظيم القدرة على كل ما يريد ، وما حباه صلّى الله عليه وعلى آله وسلم به من الآيات البينات في هذا الوقت اليسير ، أتبعه ما منح في المسير من مصر إلى الأرض المقدسة من الآيات في مدد طوال جدا موسىعليه‌السلام الذي كان أعظم الأنبياء بركة على هذه الأمة ليلة الإسراء لما أرشد النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلم إليه من مراجعة الله تعالى في تخفيف الصلاة حتى رجعت من خمسين إلى خمس مع أجر خمسين ، والذي كان أنهى العروج به إذ ناجاه الله وقربه رأس جبل الطور بعد الأمر بالرياضة بالصوم والتخلي أربعين يوما ، والذي تقدم في آخر النحل أن قومه اختلفوا عليه في السبت ، تنفيرا من مثل حالهم ، وتسلية عمن تبعهم في تكذيبهم وضلالهم ، وذلك في سياق محذر للمكذبين عظائم البلاء ، فقال تعالى ـ عاطفا على ما تقديره ، فآتينا عبدنا محمدا صلّى الله عليه وعلى آله وسلم الكتاب المفصل المعجز ، وجعلناه هدى للخلق كافة ، وتولينا حفظه فكان آية باقية حافظا لدينه دائما :( وَآتَيْنا ) أي بعظمتنا( مُوسَى الْكِتابَ ) أي الجامع لخيري الدارين لتقواه وإحسانه ، معظما له بنون العظمة ، فساوى بين النبيين في تعظيم الإراءة والإيتاء وخص محمدا صلّى الله عليه وعلى آله وسلم بإضافة آياته إلى مظهر العظمة ، وكان إيتاء موسىعليه‌السلام الكتاب في نيف وأربعين سنة بعد أن أخرج معه بني إسرائيل من حبائل فرعون وجنوده الذين كانوا لا يحصون كثرة بتلك الآيات الهائلة التي لا يشك عاقل أن من قدر عليها لا يمتنع عليه شيء أراده ، وفي هذه المدة الطويلة ـ بل بزيادة ـ كان وصول بني إسرائيل من مصر إلى هذا المسجد الذي أوصلنا عبدنا إليه ورددناه إليكم في بعض ليلة راكبا البراق الذي كان يركبه الأنبياء قبله ، يضع حافره في منتهى طرفه ، وبنو إسرائيل كانوا يسيرون جميع النهار مجتهدين ثم يبيتون في الموضع الذي أدلجوا منه في التيه لا يقدرون أن يجوزوه أربعين سنة ـ على ما قال كثير من العلماء ، أو أنهم كانوا في هذه المدة يدورون حول جبل أدوم كما في التوراة ، فثبت أنا إنما نفعل بالاختيار على حسب ما نراه من الحكم ، ثم ذكر ثمرة كتاب موسىعليه‌السلام فقال تعالى :( وَجَعَلْناهُ ) أي الكتاب ، بما لنا من العظمة( هُدىً ) .

٣٣٣

ولما كان هذا التنوين يمكن أن يكون للتعظيم يستغرق الهدى ، بين الحال بقوله :( لِبَنِي إِسْرائِيلَ ) بالحمل على العدل في التوحيد والأحكام ، وأسرينا بموسىعليه‌السلام وبقومه من مصر إلى بلاد المسجد الأقصى ، فأقاموا سائرين إليها أربعين سنة ولم يصلوا ، ومات كل من خرج منهم من مصر إلا «النقيبين الموفيين» بالعهد ، فقد بان الفصل بين الإسرائين كما بان الفصل بين الكتابين ، فذكر الإسراء أولا دليل على حذف مثله لموسىعليه‌السلام ثانيا ، وذكر إيتاء الكتاب ثانيا دليل على حذف مثله أولا ، فالآية من الاحتباك ؛ ثم نبه على أن المراد من ذلك كله التوحيد اعتقادا وعبادة بقوله تعالى :( أَلَّا ) أي لئلا( تَتَّخِذُوا ) بالياء التحتية في قراءة أبي عمرو ، وبالفوقانية في قراءة الباقين ، فنبه بصيغة الافتعال على أنه ـ لكثرة ما على وحدانيته من الدلائل ، وله إلى خلقه من المزايا والفضائل ـ لا يعدل عنه إلى غيره إلا بتكلف عظيم من النفس ، ومنازعة بين الهوى والعقل وما فطر سبحانه عليه النفوس من الانقياد إليه والإقبال عليه ، ونفر من له همة علية ونفس أبية من الشرك بقوله منبها بالجار على تكاثر الرتب دون رتبة عظمته سبحانه وعد الاستغراق لها ، تاركا نون العظمة للتنصيص على المراد من دون لبس بوجه :( مِنْ دُونِي ) وقال تعالى :( وَكِيلاً ) أي ربا يكلون أمورهم إليه ويعتمدون عليه من صنم ولا غيره ، لتقريب إليه بشفاعة ولا غيرها ـ منبها بذكر الوكالة على سفه آرائهم في ترك من يكفي في كل شيء إلى من لا كفاية عنده لشيء ، ثم أتبعه ما يدل على شرفهم بشرف أبيهم ، وأنه لم ينفعهم إدلاءهم إليه ـ عند إرادة الانتقام ـ بما ارتكبوا من الإجرام ، فقال ـ منبها على الاهتمام بالتوحيد والأمر بالإخلاص بالعود إلى مظهر العظمة حيث لا لبس ، ناصبا على الاختصاص في قراءة أبي عمرو ، وعلى النداء عند الباقين ، تذكيرا بنعمة الإيحاء من الغرق :( ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا ) أي في السفينة بعظمتنا ، على ظهر ذلك الماء الذي طبق ما تحت أديم السماء ، ونبه على شرفهم وتمام نعمتهم بقوله تعالى :( مَعَ نُوحٍ ) أي من أولاده وأولادهم الذين أشرفهم إبراهيم الذي كان شاكرا ثم إسرائيلعليهما‌السلام ، لأن الصحيح أن من كان معه من غيرهم ماتوا ولم يعقبوا ، ولم يقل : ذرية نوح ، ليعلم أنهم عقب أولاده المؤمنين لتكون تلك منة أخرى ؛ ثم نبه على تقواه وإحسانه حثا على الاقتداء به بقوله :( إِنَّهُ كانَ ) أي كونا جبليا( عَبْداً شَكُوراً ) أي مبالغا في الشكر الذي هو صرف جميع ما أنعم الله به فيما خلقه له فأحسن إليه لشكره بأن جعل في ذريته النبوة والكتاب كما فعل بإبراهيمعليه‌السلام لأنه كان شاكرا ، فاقتدوا بهذين الأبوين العظيمين في الشكر يزدكم ، ولا تقلدوا غيرهما في الكفر يعذبكم ، وخص نوحاعليه‌السلام لأنه ما أملى لأحد ما أملى لقومه ولا أمهل

٣٣٤

أحدا ما أمهلهم ، ثم أهلكهم أجمعين كما أومأ إليه قوله( حَمَلْنا ) إهلاك نفس واحدة ، ثم أذهب الماء بعد إغراقهم بالتدريج في مدة طويلة ، فثبت أنه منزه عن العجلة ، وأنه سبحانه تارة يفعل الأمور الكثيرة الشاقة في أسرع وقت ، وتارة يعمل ما هو دونها في أزمان طوال ، فبان كالشمس أنه إنما يفعل على حسب ما يريد مما تقتضيه حكمته ؛ روى البخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : أتي رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلم بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهش منها نهشة ثم قال : أنا سيد الناس يوم القيامة ، وهل تدرون مما ذلك؟ يجمع الله الناس : الأولين والآخرين في صعيد واحد ، يسمعهم الداعي ، وينفذهم البصر ، وتدنو الشمس ، فبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون ، فيقول الناس : ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فذكر حديث الشفاعة العظمى وإتيانهم الأنبياء آدم وبعده أولي العزم عليهم الصلاة والسّلام ، وأنهم يقولون لنوحعليه‌السلام : وقد سماك الله عبدا شكورا ، وكلهم يتبرأ ويحيل على من بعده إلى أن وصل الأمر إلى نبينا صلّى الله عليه وعلى آله وسلم فيقولون : يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء ، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، اشفع لنا إلى ربنا ، ألا ترى إلى ما نحن فيه ، فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي ، ثم يفتح الله عليّ من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي ، ثم يقال : يا محمد! ارفع رأسك سل تعط واشفع تشفع! فأرفع رأسي فأقول : أمتي يا رب أمتي يا رب ، فيقال : يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة ، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب ، ثم قال : والذي نفسي بيده! إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وحمير أو كما بين مكة وبصرى(١) ثم أتبع ذلك ما يدل على شرف كتاب موسى وصحة نسبته إليه تعالى بما يقتضي شمول العلم وتمام القدرة بما كشف عنه الزمان من صدق إخباره ، وفظاظة وعيده وإنذاره ، تنبيها على أن من كذب بكتابه أهلكه كائنا من كان وإن طال إمهاله ، فلا تغتروا بحلمه لأن الملوك لا تقر على أمر يقدح في ملكها ، فقال تعالى :( وَقَضَيْنا ) أي بعظمتنا بالوحي المقطوع به ، منزلين ومنهين( إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ ) أي عبدنا يعقوبعليه‌السلام الذي كان أطوع أهل زمانه لنا( فِي الْكِتابِ ) الذي أوصلناه إليهم على لسان موسىعليه‌السلام ( لَتُفْسِدُنَ ) أكد بالدلالة على القسم

__________________

(١) أخرجه البخاري ٣٣٤٠ و ٣٣٦١ و ٤٧١٢ ومسلم ١٩٤ وأحمد ٢ / ٤٣٥ ـ ٤٣٦ والترمذي ٢٤٣٤ وابن حبان ٦٤٦٥ وابن أبي شيبة ١١ / ٤٤٤ وابن أبي عاصم ٨٨١ وأبو عوانة ١ / ١٧٠ والبغوي ٤٣٣٢ كلهم عن أبي هريرة رضي الله عنه.

٣٣٥

باللام لأنه يستبعد الإفساد مع الكتاب المرشد( فِي الْأَرْضِ ) أي المقدسة التي كأنها لشرفها هي الأرض بما يغضب الله( مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَ ) أي بما صرتم إليه من البطر لنسيان المنعم( عُلُوًّا كَبِيراً ) بالظلم والتمرد ، ولا ينتقم منكم إلا على حسب ما تقتضيه حكمتنا في الوقت الذي نريد بعد إمهال طويل ؛ والقضاء : فصل الأمر على إحكام( فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما ) أي وقته الذي حددناه له للانتقام فيه( بَعَثْنا ) أي بعظمتنا ؛ ونبه على أنهم أعداء بقوله :( عَلَيْكُمْ ) ونبه على عظمته ، قدرته وسعة ملكه بقوله تعالى :( عِباداً لَنا ) أي لا يدان لكم بهم لما وهبنا لهم من عظمتنا( أُولِي بَأْسٍ ) أي عذاب وشدة في الحرب شديدة( شَدِيدٍ فَجاسُوا ) أي ترددوا مع الظلم والعسف وشديد السطوة ؛ والجوس : طلب الشيء باستقصاء( خِلالَ ) أي بين( الدِّيارِ ) الملزوم لقهر أهلها وسفولهم بعد ذلك العلو الكبير ؛ والخلال : انفراج ما بين الشيئين وأكثر لضرب من الوهن( وَكانَ ) أي ذلك البعث ووعد العقاب به( وَعْداً مَفْعُولاً ) أي لا شك في وقوعه ولا بد أن يفعل لأنه لا حائل بيننا وبينه ، ولا يبدل القول إلا عاجز أو جاهل ؛ عن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم جالوت وجنوده ؛ وعن سعيد بن المسيب أنهم بختنصر وجنوده ؛ وعن الحسن : العمالقة ؛ وعن سعيد بن جبير : سنجاريب وجنوده ؛ قال في السفر الخامس من التوراة إشارة إلى هذه المرة الأولى ـ والله أعلم : وإن أنتم لم تسمعوا قول الله ربكم لم تحفظوا ولم تعملوا بجميع سننه التي آمركم بها اليوم ، ينزل بكم هذا اللعن الذي أقص عليكم كله ، ويدرككم العقاب ، وتكونوا ملعونين في القرية والسفر وفي الحضر ، ويلعن نسلكم وثمار أرضكم ، وتكونوا ملعونين إذا دخلتم ، وملعونين إذا خرجتم ، ينزل بكم الرب البلاء والحشرات ، وينزل بكم الضربات الشديدة وبكل شيء تمدون أيديكم إليه لتعملوه حتى يهلككم ويتلفكم سريعا ، من أجل سوء أعمالكم وترككم لعبادتي ، يسلط الله عليكم الموت فيهلككم من الأرض التي تدخلونها لترثوها ، يضربكم الله بحيران العقل والبهق والبرص ، وبالحريق باشتمال النار ، وباليرقان والجرب والسموم ، ويسلط عليكم هذه الشعوب حتى تهلكوا ، وتكون السماء التي فوقكم عليكم شبه النحاس ، والأرض التي تحتكم شبه الحديد ، ويصير الرب مطر أرضهم غبارا ويكسركم الرب بين يدي أعدائكم ، تخرجون إليهم في طريق واحدة وتهربون في سبعة طرق ، وتكونون مثلا وفزعا لجميع مملكات الأرض ، وتكون جيفكم طعاما لجميع السباع وطيور السماء ، ولا يذب أحد عنكم ، ويضربكم الرب بالجراحات التي ضرب بها أهل مصر ، ويبليكم بالبرص والزحير وبالحكة ، ولا يكون لكم شفاء من ذلك ، ويضربكم الرب بالعمى والكمه ورعب القلب ، وتكونون تجسسون في الظهيرة

٣٣٦

مثل ما يتجسس العميان ، ولا يتم شيء مما تعملون ، ولا يكون له تمام ، وتكونون مقهورين مظلومين مغصوبين كل أيام حياتكم ولا يكون لكم منقذ ، تخطبون المرأة فيتزوجها غيركم ، وتبنون بيتا ويسكنه غيركم ، وتغرسون كروما ولا تعصرون منها ، وتذبحون ثيرانكم بين أيديكم ولا تأكلون منها شيئا ، ويؤخذ حمارك ظلما ولا تقدر أن تخلصه ، ويسوق العدو أغنامكم ولا يكون لكم منقذ ، ويسبي بنيك وبناتك شعب آخر وتنظر إليهم ولا تقدر لهم على خلاص ، وتشقى وتغتم نهارك كله أجمع ولا يكون لك حيلة ، وثمار أرضك وكل كذلك يأكله شعب لا تعرفه ، وتكون مضطهدا مظلوما طول عمرك ، ويضربك الرب بجرح رديء على ركبتيك وساقيك ولا يكون لك ، ويسلط عليك الجراحات من قرنك إلى قدمك ويسوقك الرب ، ويسوق ملكك الذي ملكته عليك إلى شعب لم يعرفه أبوك ، وتعبد هناك آلهة عملت من خشب وحجارة ، وتكون مثلا وعجبا ويفكر فيك كل من يسمع خبرك ثم قال : ويولد لك بنون وبنات ولا يكونون لك بل يسبون ، وينطلق بهم مسبيين. ثم قال : ويسلط الرب عليك شعبا يأتيك وأنت جائع ظمآن ، وتخدم أعداءك الذين يسلطهم الله عليك من بعيد من أقصى الأرض ، ويسرع إليك مثل طيران النسر شعب لا تعرف لغتهم شعب وجوههم صفيقة لا تستحيي من الشيوخ ، ولا ترحم الصبيان ، ويضيق عليك في جميع قراك حتى يظفر بسوراتك المشيدة التي تتوكل عليها وتثق بها ، وتضطر حتى تأكل لحم ولدك من الحاجة والضيق الذي يضيق عليك عدوك ، والرجل المدلل منكم المتلذذ المفيق تنظر عيناه إلى أخيه وحليلته وإلى من بقي من ولده جائعا ولا يعطيهم من لحم ابنه الذي يأكل ، لأنه لا يبقى عنده شيء من الاضطهاد والضيق الذي يضيق عليك عدوك في كل قراك ، والمرأة المخدرة المدللة المفيقة التي لم تطأ الأرض قدماها من الدلال تنظر عيناها إلى زوجها وإلى ابنها وبنتها وإلى ولدها التي تلد ، وهي تأكلهم ، وذلك من الحاجة والفقر وعدم الطعام مما يضيق عليك عدوك ويضطهدك في جميع قراك.

( ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً (٦) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً (٧) عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً (٨) )

ولما بين سبحانه أنه قادر على إذلال العزيز بعد ضخامة عزه ، بين أنه مقتدر على إدالته على من قهره بعد طول ذله إذا نقاه من درنه وهذبه من ذنوبه ، فقال تعالى مشيرا بأداة التراخي إلى عظمة هذه الإدالة بخرقها للعوائد :( ثُمَّ رَدَدْنا ) أي بما لنا من العظمة ،

٣٣٧

وعجل لهم البشرى بقوله تعالى :( لَكُمُ ) أي خاصة( الْكَرَّةَ ) أي العودة والعظمة ؛ وبين أن ذلك مع السطوة بقوله سبحانه :( عَلَيْهِمْ ) قال بعض المفسرين : في زمان داودعليه‌السلام ( وَأَمْدَدْناكُمْ ) أي أعنّاكم بعظمتنا( بِأَمْوالٍ ) تستعينون بها على قتال أعدائكم( وَبَنِينَ ) أي تقوون بهم( وَجَعَلْناكُمْ ) أي بعظمتنا( أَكْثَرَ ) أي من عدوكم( نَفِيراً ) أي ناسا ينفرون معكم إذا استنفرتموهم للقتال ونحوه من المهمات ، والظاهر أنه ليس المراد بهذه المرة ما كان على يدي داودعليه‌السلام لأن الله يقول في هذه المرة الثانية( وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) وداودعليه‌السلام أسس المسجد ولم يكمله ، إنما أكمله ابنه سليمانعليهما‌السلام من بعده ، والذي غر من قال ذلك أن بني إسرائيل كانوا قهروا قبل داودعليه‌السلام من الفلسطينيين وغيرهم ، ثم كان خلاصهم على يدهعليه‌السلام ـ كما مضت الإشارة إليه في سورة البقرة ، قال في الزبور في المزمور الثالث عشر : من يعطي صهيون الخلاص لإسرائيل؟ إذا رد الرب سبي شعبه يتهلل يعقوب ويفرح إسرائيل ؛ وفي الثالث والأربعين : اللهم! إنا قد سمعنا بآذاننا وأخبرنا آباؤنا بالأعمال التي صنعت في أيامهم الأولى ، فلنسبحك يا إلهنا كل يوم ، ونشكر اسمك إلى الدهر ، الآن أضعفتنا وأقصيتنا ، ولم تكن يا رب تصحب جيوشنا ، لكن رددتنا على أعقابنا عن أعدائنا ، واختطفنا مبغضونا ، جعلتنا مأكلة كالغنم ، مددتنا بين الشعوب ، بعت شعبك بلا ثمن ، أقللت كثرة عددهم ، صيرتنا عارا في جيرتنا ، هزا وطنزا لمن حولنا ، صرنا مثلا في الشعوب ، وهزا للرؤوس في الأمم ، حزني بين يديّ النهار كله ، الخزي غطى وجهي ، من صوت المعير ، اللهم! إن هذا كله قد نالنا ولم ننس اسمك ، ولا نكثنا عهدك ، ولا صرفنا قلوبنا عنك ، عدلت بقصدنا عن سبلك ، أنزلتنا محال وعرة ، غشيتنا بظلال الموت ، ولم ننسك يا رب ، وقال في المزمور الثامن والسبعين والذي بعده : اللهم! إن الأمم دخلت ميراثك ونجست هيكل قدسك ، جعلوا أورشليم خرابا كالمحرس ، وصيروا جثث عبيدك طعاما لطير السماء ، ولحوم أصفيائك لوحوش الأرض ، سفكوا دماءهم كالماء حول أورشليم وليس لهم دافن ، صرنا عارا في جيراننا ، هزءا وطنزا لمن حولنا ، حتى متى تسخط يا رب ، دائما يشتعل مثل النار غضبك ، أفض رجزك على الأمم الذين لا يعرفونك وعلى الملوك الذين لم يدعوا اسمك ، فإنهم أكلوا يعقوب وأخربوا دياره ، لا تذكر خطايانا الأولى بل تغشانا رأفتك سريعا ، لأنا قد تمسكنا جدا ، فكن لنا معينا يا إلهنا ومخلصنا ، ونمجد اسمك يا رب ، نجنا واغفر لنا خطايانا لأجل اسمك الكريم ، لئلا تقول الأمم : أين إلههم؟ عند ذلك تعلم الشعوب وتنظر عيوننا انتقام دماء عبيدك المسفوكة ، وليدخل إليك تنهد الأسارى ، وكمثل عظمة ذراعك أنقذ بني المقتولين ، جاز جيراننا في حضنهم للواحد سبعة بالعار

٣٣٨

الذي عيروك يا رب! نحن شعبك وغنم رعيتك ، نشكرك إلى الأبد ونخبر بتسابيحك من جيل إلى جيل. أنصت يا راعي إسرائيل الذي هدى يوسف كالخروف ، انظر أيها الجالس على الكروبين استعلن قدام إفرام وبنيامين ومنشا ، وأظهر جبروتك وتعالى لخلاصنا ، اللهم! أقبل وأشرق وجهك علينا وخلصنا ، اللهم ربنا القوي! حتى متى تسخط على صلاة عبيدك ، وتطعمهم الخبز بدموعهم وتسقيهم الدموع بالكيل ، جعلتنا عارا لجيراننا ، واستهزأ بنا أعداؤنا ، اللهم رب القوات! أقبل بنا وأشرق وجهك علينا وخلصنا ، أنت نقلت الكرمة من مصر ، طردت الشعوب وغرستها ، سهلت طريقا أمامها ، مكنت أصولها ، امتلأت الأرض منها ، ظلل الجبال ظلها وأغصانها على أرز الله ، كذلك امتدت عروقها إلى البحر وإلى الأنهار فروعها ، ثم إنك هدمت سياجها ، وقطعها كل عابري السبيل ، خنزير الغاب أفسدها ، وحيوان الوحش رعتها ، اللهم رب القوات! اعطف علينا ، واطلع من السماء ، وانظر وتعاهد هذه الكرمة ، وأصلح الغرس الذي غرسته يمينك وابن الإنسان الذي قويته ، ولتهلك الذين أحرقوها بالنار برجزك ، ولتكن يدك على رجل يمينك وابن الإنسان الذي اصطفيته لك ، لا تبعدنا منك وأنقذنا لنمجد اسمك ، اللهم رب القوات! اعطف علينا وأشرق وجهك علينا وخلصنا ؛ وفي الرابع والثمانين : رضيت يا رب عن أرضك ، ورددت سبي يعقوب ، غفرت ذنوب شعبك سترت جميع خطاياهم ، سكنت كل رجزك ، ورددت شدة غضبك ؛ وفي الثامن والثمانين : قدوس إسرائيل ملكنا بالوحي ، كلمت نبيك وقلت : إني جعلت عونا للقوى ، رفعت مختارا من شعبي ، ووجدت داود عبدي ، مسحته بدهن قدسي ، يدي أعانته ، وذراعي قوته ، عدوه لا يضره ، وابن الخطيئة لا يذله ، وقطعت أعداءه من بين يديه ، ولمغضبيه قهرت ، أمانتي ورحمتي معه ، وباسمي يرتفع قرنه ، جعلت في البحار طريقه ، وفي الأنهار يمينه ، هو يدعوني : أنت أبي وإلهي ناصري وخلاصي ، وأنا أجعله بكرا رفيعا على جميع ملوك الأرض وأحفظ عليه رحمتي إلى الأبد ؛ ثم قال : وأنت رفضت وأقصيت مسيحك ، ونقضت عهد عبدك في الأرض ، ودنست قدسه ، وهدمت جميع سياجه ، وكل حصونه أخفت ، اختطفه عابرو السبيل ، صار عارا في جيرته ، رفعت يمين أعدائه ، فرحت جميع مبغضيه ، رددت نصرة سيفه ، لم تعنه في الحرب ، أبطلت شجاعته ، طرحت في الأرض كرسيه ، صغرت أيام سنيه ، صببت حزنا عليه ، فحتى متى تسخط يا رب؟ إلى الأبد يتقد مثل النار رجزك ، اذكر خلقك لي ، فإنك لم تخلق الإنسان باطلا ، من هو الإنسان الذي يعيش ولا يعاين الموت أو ينجي نفسه من الجحيم؟ اللهم! أين رحمتك القديمة التي حلفت بحقك لداودعليه‌السلام ؟ اللهم

٣٣٩

أعداؤك عيروا آثار مسيحك ، تبارك الرب إلى الأبد ، يكون يكون ؛ وفي الخامس بعد المائة : خلصنا يا إلهنا واجمعنا من الأمم لنشكر اسمك القدوس ، ونفتخر بتسبيحك ، تبارك الرب إله إسرائيل من الآن وإلى الأبد ، يقول جميع الشعب : يكون ، وفي الخامس والعشرين بعد المائة : إذا رد الرب سبي صهيون صرنا كالمتغربين ، حينئذ تمتلىء أفواهنا فرحا وألسنتنا تهليلا ، هناك يقال في الأمم : قد أكثر الرب الصنيع إلى هؤلاء ، أكثر الرب الصنيع إلينا فصرنا فرحين ، يا رب اردد سبينا كأودية اليمن ، الذين يزرعون بالدموع ويحصدون بالفرح ، كانوا ينطلقون يبذرون زرعهم باكين ويأتون مقبلين بالتهليل حاملين غلاتهم ؛ وفي السادس والثلاثين بعد المائة : على أنهار بابل جلسنا هناك وبكينا حين ذكرنا صهيون ، وعلقنا قيتاراتنا على الصفصاف الذي في وسطها ، لأن الذين سبونا سألونا هناك قول التمجيد ، والذين انطلقوا قالوا : سبحوا لنا من تسابيح صهيون! كيف نسبح لكم تسابيح الرب في أرض غريبة؟ إن نسيتك يا يروشليم فتنساني يميني ، ويلصق لساني بحنكي إن لم أذكرك وإن لم أسبق وأصعد إلى يروشليم في ابتداء فرحي ، اذكر يا رب بني أدوم في يوم أورشليم القائلين : اهدموا إلى الأساس. يا ابنة بابل الشقية! طوبى لمن يجازيك جزاء صنيعك بنا ، طوبى لمن أخذ أطفالك وضرب بهم الصخرة.

وهذا الذي في هذا المزمور إيذان بما يحل بهم من بختنصر ، وقد تقدم غير مرة أن ما كان فيما ينقل من هذه الكتب القديمة من لفظة توهم نقصا كالأب ونحوه فإنها على تقدير صحتها عنهم لا يجوز إطلاقها في شرعنا ، والظاهر أن هذه الادلة المذكورة في القرآن في هذه الكرة هي التي كانت في أيام عزيرعليه‌السلام على يد كورش ملك الفرس ـ كما سيأتي إن شاء الله تعالى ، وأن الذين كانوا قهروهم أولا هم أجناد بختنصر ـ كما تقدم ، ففي سفر أنبياء بني إسرائيل الذين كانوا بعد موسىعليه‌السلام أن الله تعالى أوحى إلى إرميا بن حلقيا من الأحبار الذين كانوا في عناثوث في أرض بنيامين على عهد يوشيا ملك يهوذا في السنة الثالثة عشرة من ملكه يتوعدهم بأنهم إن لم يرجعوا عما أحدثوا من الضلالات سلط عليهم ملك بابل ، ولم يزل يحذرهم مثل ذلك ويخبرهم بما يحصل لهم من الشر بذنوبهم إلى أن تمت أيام يواكيم بن يوشيا ، وفي إحدى عشرة سنة لصديقيا بن يوشيا إلى يوم سبيت أورشليم في الشهر الخامس ، وهو شهر آب وكان يخبرهم بأن ملك بابل يأسر صديقيا ملك اليهود ، ويسوقه مع الأسرى إلى بابل ، ويستمرون في أسرهم سبعين سنة ثم يردهم الله تعالى إلى بيت المقدس.

قال إرمياعليه‌السلام : إن الله تعالى قال لي : من قبل أن أصورك في البطن عرفتك ، وخصصتك لي نبيا من قبل أن تخرج من الرحم وجعلتك نبيا للشعوب ،

٣٤٠